Полный текст (3 717 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
تفسير قوله تعالى: (والذي خلق الأزواج كلها وما كنا له مقرنين)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ * وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ * أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٢ - ١٨].
يخبر الله تعالى أن من آياته الدالة على قدرته أنه خلق للعباد الأصناف التي يحتاجون إليها وسخر لهم الفلك، وسخر لهم الأنعام: منها ما يأكلون، ومنها ما يركبون، ومنها ما يستفيدون من أصوافها وأوبارها، وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين، ويخلق لهم ما يعلمون وما لا يعلمون.
ويذكرهم أن إذا ركبتم هذه الأنعام التي خلقها الله سبحانه، وعلمتم أنكم وحدكم لا تقدرون عليها إنما يقدركم الله على ذلك.
وقد أراكم كيف ذلل لكم الخيل والحمير، وكيف ذلل لكم الأنعام من الإبل والبقر والأغنام، وكيف صعب عليكم سياسة الأسود، والنمور وغير ذلك مما خلق الله ، وأراكم آياته في ذلك، ولو شاء الله لجعل المسخرة المذللة نافرة وحشية كما جعل غيرها كذلك، ولكن الله شاء بفضله ورحمته أن يسهل عليكم حتى تذكروا نعمة الله سبحانه، وتشكروه ولا تكفروه، ولا تغفلوا عنه وتقولوا: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ [الزخرف:١٣] أي: سبحان الله الذي جعل لنا هذه الأشياء تحت أيدينا مع قوتها العظيمة فنسوقها ونسوسها، ونركب عليها.
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف:١٣] أي: نتبرأ من الحول والقوة، فنحن لا نقدر عليها ولا نطيق هذه الأشياء إلا أن يقدرنا الله .
﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٤] فيتذكر العبد أنه راجع إلى الله، وأن الله سائله عن هذه النعم ما الذي صنع فيها؟ فمن شكر الله سبحانه زاده قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] ولذلك علم النبي ﷺ أصحابه الذكر الذي يقولونه حين يركبون الدواب وهو: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون الحمد لله الحمد لله، الحمد لله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر).
وكذلك علمنا دعاء السفر وهو: (اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال، اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في الأهل والمال والولد).
وإذا رجع من السفر قال: (آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون).
كذلك كان من دعاء النبي ﷺ في سفره: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) ويخبر أن الذي ينزل منزلاً ويقول ذلك: (لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله هذا) وهذا الذكر العظيم يقوله المؤمن بالليل وبالنهار، ويقوله إذا نزل منزلاً، ويقوله إذا خاف من إنسان أو من أي شيء.
فإذا قال ذلك لا يضره شيء بإذن رب العالمين سبحانه.
وكذلك جاء عن النبي ﷺ أنه إذا كان في سفر وجاء وقت السحر قال: (سمع سامع بحمد ربنا وحسن بلائه علينا، ربنا صاحبنا وأفضل علينا عائذاً بالله من النار) فتذكر الله حين تركب الدابة، وحين تنزل عنها، وحين تسير أو تقف، وحين تنام فيكون المؤمن في كل أحواله ذاكراً ولا يغفل عن ربه .
تذكر الله تعالى؛ لأنه الذي أعطاك القوة والقدرة والصحة، والعافية.
فإذا نمت فتذكر أن الله هو الذي قدرك على أن تضع رأسك على الوسادة وتنام، وغيرك يضع رأسه عليها ولا ينام، فهذه نعمة من الله أنعمها عليك، وإذا أردت أن تعرف نعمة الله عليك، فانظر إلى أهل الابتلاء.
وانظر لإنسان أصيب بالشلل في رجله كيف يمشي وقد أمسك العكاز في يده ويعد الخطوات، ونحن نذهب إلى المسجد وإلى السوق، لكن غيرنا ممن سلب الله منه شيئاً، وجعله آية لغيره يفكر مائة مرة أين سيضع رجله فوق الرصيف ومن أين سينزل؟! فهذه من نعم الله سبحانه التي أمرنا أن نحمده ونشكره عليها، فإذا سرت ذكرت أن الله هو الذي أقدرك على المسير.
وإذا أنفذت أمراً تفكر أن الله هو الذي قدرك على التنفيذ.
وإذ قمت من النوم ووجدت أعضاءك سليمة وغيرك محتاج إلى من يقيمه عرفت نعمة الله تعالى عليك.
ومعنى الذكر الذي كان يقوله النبي ﷺ في سفره وقت السحر اسمعوا كلكم نحن نثني على ربنا ونحمد ربنا ولا نكفره ، وهو قد ابتلانا وأحسن فيما ابتلانا به.
قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥] فأعطاك النعم، وابتلاك بها لينظر أتشكره أم لا؟ وابتلاك بالمصائب لتصبر أم لا؟ فيقول النبي ﷺ : الله أحسن بلاءه علينا، واختبرنا فأحسن الاختبار، وأعطانا وأفضل علينا سبحانه.
ثم دعا ربه: (ربنا صاحبنا) أي: كن معنا دائماً.
والله مع جميع خلقه سبحانه ﵎، ولكن فرق بين معية ومعية، فالله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] فهو معهم برحمته وبتأييده، ومعهم بنصره، وفضله وتوفيقه.
والله مع الكافر رقيب عليه وشهيد ويحفظ أعماله.
فلذلك هنا يقول: ربنا صاحبنا أي: كن معنا بتوفيقك وفضلك ورحمتك وأعطنا من فضلك وبركاتك وبرك ورزقك ونعوذ بك من النار.
كذلك جاء في القرآن أن يقولوا عند ركوبهم: ﴿وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٣ - ١٤] وسواء كان الركوب للدابة أو السفينة أو ما كان مثلها.
وكذلك تقول: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ [المؤمنون:٢٩] وإذا تحركت قل: ﴿بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود:٤١].
فاذكر الله تعالى في كل الأحوال: إذا صعد بك المركب أو السفينة أو الطائرة أو السيارة، وإذا كنت على مكان مرتفع واستشعرت فوقيتك فتذكر أن الله أكبر منك، وأكبر من كل شيء.
وكان من هدي النبي ﷺ (أنه إذا صعد ثنية أو شرفاً قال: الله أكبر، وإذا كان في نزول قال: سبحان الله)، وهذا ذكر عظيم ومناسب للحال التي هو فيها.
فالله لا ينقصه ولا يعيبه شيء فتنزهه بقول: سبحان الله أما الإنسان فيعيبه أشياء كثيرة فيصعد، ويأبى الله أن يرفع أحداً إلا ووضعه بعد ذلك، فلا يزال في الصعود والنزول في الدنيا إلى أن يدفن في التراب.
فإذا قال حين ينزل: سبحان الله أي: سبحان الذي شأنه كله عال وعظيم، ولا يحط من قدره شيء فلذلك ناسب في النزول أن تقول: سبحانه الله، ولذلك كان ذكر الركوع والسجود سبحان الله لكونهما هيئتي تواضع وذل.
أما أشرف الذكر في القيام فهو قراءة القرآن.
стр. 3222
تفسير قوله تعالى: (وجعلوا له من عباده جزءاً)
ثم قال الله سبحانه: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف:١٥] جعل: لها معاني كثيرة في اللغة: منهم من ذكر عشرة معاني.
ومنهم من جعلها ثمانية عشر معنى.
فمن تلك المعاني: خلق، وصير، وحول، وسمى ووصف، وهذا معناها في هذه الآية.
فيكون معنى: (وجعلوا له) سموا لله تعالى من عباده جزءاً، فقالوا: الملائكة بنات الله.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف:١٥] ويعنون بـ (جزءاً) أن الإنسان حين يملك الولد أو البنت يقول: هذا جزئي، هذا بعضي؛ لأنه من مني الرجل ومن بويضة المرأة.
فالابن جزء من أبيه وأمه وكسب لهما كذلك.
ولكي يبقى جنس الإنسان في هذه الدنيا جعل الله له التناسل؛ لأن الإنسان ضعيف، ويأتي عليه الموت.
لكن الله القوي العظيم العزيز الدائم الحي القيوم سبحانه لا يحتاج إلى ذلك.
فإذا بالمشركين يدعون أن لله جزءاً أي: ولداً فيفترون عليه الكذب.
ومع ذلك ينسبون إليه ما تأنف مثله أنفسهم، وهن البنات.
فقال يكذبهم: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف:١٩] لما قالوا: الملائكة بنات الله، كيف عرفوا ذلك؟ ولماذا اختاروا لهم صفة الأنوثة دون صفة الذكورة؟! ولماذا زعموا أن البنات لله واختاروا لأنفسهم البنين؟! قال تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ﴾ [الزخرف:١٥] أي: عظيم الكفر والجحود، وكأن ذلك طبع جنس الإنسان إلا من رحم الله، ففي طبيعة كل إنسان شيء من الكفر، والكفر قد يكون كفر النعمة بأن ينسى المنعم العظيم ، وينسب الفضل إلى غير الله.
وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف:١٥].
وقال: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤] فكل إنسان فيه شيء من كفر النعمة وجحودها، فإذا زاد وصل إلى الكفر بالله .
стр. 3223
القراءات في قوله تعالى (وجعلوا له من عباده جزءاً)
في قوله تعالى: (وجعلوا له من عبادة جُزْءاً) أربع قراءات: هذه قراءة الجمهور.
ويقرؤها شعبة عن عاصم: (وجعلوا له من عباده جُزُءاً).
ويقرؤها أبو جعفر: (وجعلوا له من عباده جُزَّا) بحذف الهمزة.
وإذا وقف عليها حمزة قرأ: (وجعلوا له من عباده جُزَا) قال تعالى: ((إِنَّ الإِنسَانَ)) أي: جنس الإنسان فيه جحود بنعم الله إلا من رحم الله سبحانه، ومن عصم من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ومن عباده الصالحين.
قال سبحانه: ﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف:١٥] يعني: وهذا كفر واضح بين في كل إنسان، ففي وقت المصيبة ينقم على القضاء والقدر، وفي وقت النعمة يغفل عن حمد الله وشكره سبحانه.
стр. 3224
تفسير قوله تعالى: (أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين)
﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الزخرف:١٦] أم هنا الإضرابية المنقطعة المقدرة ببل والهمزة والتقدير: بل أاتخذ، أي: هل فعل ذلك الله ؟! ومن أين عرفتم؟! هل شهدتموه أم أخبركم من تثقون به؟! وهذا الذي يقول ذلك على الله إذا جاءته أنثى وأدها ودفنها حية ثم يقول: هي من بنات الله.
ثم يزعم أن له البنين، فيشرف نفسه ويجعل لله ما يأنفه.
قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الزخرف:١٦] يعني: هل اختار لكم البنين؟ وإذا كان لكم البنون فمن أين يأتي النسل بعد ذلك إذا رفضتم الإناث؟!
стр. 3225
تفسير قوله تعالى: (وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً)
قال تعالى واصفاً حالهم: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل:٥٨] وقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ [الزخرف:١٧] ففي الآية الأولى التصريح بالأنثى.
أي: إذا أخبر أحدهم أنه قد ولد له بنت اسود وجهه وتجهم وغضب، ثم يسكت ويكظم الغيظ وينوي الشر بقتلها.
стр. 3226
تفسير قوله تعالى: (أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين)
قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨] كأن الإنسان إذا كان فيه نقص يحتاج إلى إن يكمله بشيء، فالرجل لا يحتاج إلى الحلية فيخرج للكسب والجهاد والعمل؛ لكونه كاملاً.
أما المرأة ففيها نقصان، ويعوض ذلك بالحلية والزينة والجلوس في البيت لتتزوج بعد ذلك.
قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨] في وقت الاحتجاج ووقت الجدل ووقت الاحتياج إلى الرأي قال النبي ﷺ في النساء: (ناقصات عقل ودين) فذكر من نقصان الدين: (أن تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلي) يعني: في وقت حيضها ونفاسها وهي في هذا الوقت المطلوب منها شرعاً ترك الصلاة.
أما نقصان عقلها ففسره النبي ﷺ بقوله: (فجعل شهادة الرجل بشهادة امرأتين).
فهنا يقول: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨] يعني: أن نشأتها نشأة ترفه لا نشأة خشونة ودفاع وقتال، فهي مخلوقة لبيتها؛ ولتربية أولادها.
إذاً: هنا جعل الله لها وظيفة، وجعل للرجل وظيفة أخرى، والعرب يريدون من يقاتل معهم، ومن ينهب الأموال، ومن يدافع عنهم؛ لذلك لا يريدون الإناث.
стр. 3227
القراءات في قوله تعالى (أومن ينشأ)
وفي قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ [الزخرف:١٨] قراءتان: قراءة حفص عن عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ [الزخرف:١٨].
وقراءة باقي القراء: (أَوَمَنْ يَنْشأ فِي الْحِلْيَةِ)) ومعنى القراءة الأولى: ينشئها غيرها، والثانية تنشأ هي أي: تتزين.
وفي هذه الآية دليل على أن الرجل ليس له التحلي والتزين، إنما الذي يفعل ذلك المرأة فلها أن تتزين بالذهب وبالفضة، وتلبس الحرير ووتتجمل.
أما الرجل ليس له ذلك إلا بالمقدار الشرعي الذي حدد له، فيلبس خاتم الفضة، أما أن يلبس أسورة أو أقراطاً في أذنه ونحو ذلك فهذا يحرم عليه.
وقد لعن النبي ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، وإذا فعل ذلك صار مخنثاً ملعوناً شؤماً على نفسه، وعلى من حوله، وعلى بلده.
فالرجل خلقه قوياً وجعل فيه عقلاً كاملاً، والمرأة خلقت ضعيفة، وفيها نقص جبر بالزينة.
وللرجل أن يمتشط وأن يظهر أثر النعمة عليه إن كان له نعمة، أما أنه يتحلى ويتشبه بالنساء فهذا ملعون.
والعكس كذلك فالمرأة التي تتشبه بالرجال في خشونتهم وكلامهم ومشيتهم ولباسهم فهذه ملعونة (وقد لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال).
وللحديث بقية إن شاء الله.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3228
تفسير سورة الزخرف [١٥ - ٢٣]
ادعى الكفار أن الملائكة بنات الله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً! وليس لهم أثارة من علم، فقد كانوا يأنفون إذا رزق الواحد منهم أنثى ووصلت بهم الجاهلية إلى أن يدفنوها حية! وما ذاك إلا لنقص عقولهم وبعدهم عن خالقهم ومولاهم سبحانه.
стр. 3229
تفسير قوله تعالى: (أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين على آثارهم مهتدون)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الزخرف: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ * وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ * وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:١٦ - ٢٢].
يذكر الله في هذه الآيات وما قبلها أمر الكفار، وكيف أنهم جعلوا وسموا لله من عباده جزءا، فقالوا: لنا البنون، وله البنات.
وادعوا أن الملائكة بنات الله، وافتروا عليه الكذب، وليس معهم أثارة من علم، على ما يدعونه، فوبخهم جل في علاه وحاشا له أن يتخذ الصاحبة أو الولد.
قال: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف:١٥] أي: جحود لنعم الله عليه، فإذا تكلم عن ربه، تكلم بالكذب والافتراء مثل الذي يخرج من هؤلاء الكفار.
стр. 3230
تفسير قوله تعالى: (أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين)
﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الزخرف:١٦] أي: هل فعل الله ذلك؟ ومن أين لكم هذا العلم؟ وهل رأيتم الله سبحانه حين خلق الذكر والأنثى اصطفى لنفسه البنات وجعل لكم البنين؟
стр. 3231
تفسير قوله تعالى: (وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً)
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف:١٧] أي: هذا حالهم، فقد كانوا لا يحبون أن ينجبوا البنات، فإذا جاءت البنت لأحدهم، أمر الداية التي ولدتها أن تذهب فتئدها وهي حية، وهذا الفعل يصوره الله هنا، وقد صوره في سورة النحل، وذكر كيف يصنعون، فقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل:٥٨] أي: اربد وجهه، وعبس، وتغير.
﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف:١٧] أي: كاظم للغيظ، ساكت عليه، وعلى نية سوء بهذه الفتاة.
﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل:٥٩] أي: ساء حكماً هذا الحكم الذي يحكمون به، أن يأخذوا البنين ويفرحوا بهم، ويكون مصير البنات القتل، والوأد، ويدعون على ذلك أشياء هم فيها كاذبون، فقد يكون حدث من امرأة شيء مكروه لكن لا تعمم جناية امرأة على جميع النساء.
стр. 3232
أول من وأد البنات من العرب وسبب ذلك
أول رجل عربي وأد البنات هو قيس بن عاصم التميمي والسبب: أن ناساً أغاروا عليه وأخذوا حريمه، وماله، ثم إن الذي أغار عليه، أخذ بنته لنفسه، فلما تصالحوا أراد قيس أن يأخذ ابنته، فخيرها الذي أخذها، بين أن ترجع إلى أبيها أو تكون زوجة له، فاختارت أن تكون زوجة له، فأقسم أبوها أنه لن ينجب بنتاً بعد ذلك إلا ووأدها، بسبب هذا الذي حدث، وليس من حقه أن يصنع ذلك، ولا ينبغي أن نجعل جريمة امرأة جريمة جميع النساء.
ولذلك الكفار أخذوا هذه الحجة وتلقفوها منه، وصاروا يقولون ويزعمون أن البنات مصدر شر لهم، فهن لا عمل لهن، ولا يدافعن عن القبيلة، وإنما يكن عاراً على القبيلة، إذاً: فلا داعي للبنات.
﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ [النحل:٥٩] أي: يختفي من الناس؛ كأنما صنع عملاً منكراً حتى لا يسألوه ماذا أنجبت ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ [النحل:٥٩] بزعمه، ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ [النحل:٥٩] أي: على هوان عظيم وذل جسيم، أم يدسها إما هو بنفسه، وإما أن يأمر غيره أن يصنع ذلك.
يصور الله في هذه الآيات حالة الجاهلية الجهلاء، كيف يصنعون ببناتهم، هذه البنت التي كانت لا قيمة لها عند أهل الجاهلية، وعند أهل الأديان الأخرى، فقد كانوا لا ينظرون إليها إلا أردأ النظرات، ثم جاء الإسلام فعززها، وكرمها، وجعل لها وظيفة كبيرة، هي تربية أبنائها، بحيث يخرج وهو يعرف كيف يتعامل مع الناس، ومع العمل، ومع الآلات، وكما قيل: الأم مدرسة إذا أعددتها أعدد شعباً طيب الأعراق فالأم مدرسة تعلم أبناءها، في بيتها الرجولة والأدب، فإذا بالناس يتركون ما جعل الإسلام للمرأة من مكانة عظيمة في بيتها، ويخرجونها إلى الطريق سافرة، حاسرة عن حجابها، متبرجة تبرج الجاهلية الأولى، بل أشد من تبرج الجاهلية الأولى، فتنسى ربها سبحانه، وتنسى ما أمرها به في كتابه، وما أمرها به النبي ﷺ في سنته، لقد نسيت نفسها، فتركها الله منسية لا قيمة لها، مهما علت في الدنيا؛ لأنها في النهاية سترجع إلى ربها سبحانه فيسألها، لما فرطت؟ لما ضيعت؟ كنت راعية على أهلك، وعلى مال زوجك، وعلى بيتك، ثم ضيعت هذا كله لتخرجي للناس في الطرقات متبرجة، سافرة، تتركين الدين وتفعلين المعصية.
لقد عاب الله سبحانه على أهل الجاهلية، ووبخهم على ما كانوا فيه من وأد بناتهم، وهم في أنفسهم كانوا يعرفون أن هذا الفعل لا يجوز لهم أن يفعلوه، ولكنه الطمع في الدنيا فقد فضحهم الله فقال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام:١٥١] أي: لئن كانوا يقتلون بناتهم خشية العار كما زعموا، فإن أكثرهم يقتلونهن خشية الفقر، ففضحهم الله بهذه الآية.
فكان الإنسان يقتل ابنته إما لأنه فقير، أو لأنه يخاف من الفقر، فالله يقول لهم: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء:٣١] أي: ثقوا فإن الرزق من عند الله، وليس من عندكم أنتم.
وقد روي أن رجلاً من هؤلاء كانت امرأته تلد الإناث، فولدت أنثى فهجر البيت، وكانت أحكم منه وأعلم فقالت في أبيات شعر لزوجها الذي اعتزل البيت غضباناً منها؛ لأنها ولدت أنثى: ما لأبي حمزة لا يأتينا يبيت في البيت الذي يلينا غضبان أن لا نلد البنين وهل سنأخذ غير ما أعطينا أي: أن الله سبحانه هو الذي يعطي ابنا أو بنتاً وسنأخذ ما أعطينا، فلماذا تصنع هذا الشيء؟ والأمر بيد الله سبحانه، ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى:٤٩ - ٥٠] فالله جعل لإنسان الذكور، وجعل لآخر الإناث، وجعل لثالث الذكور والإناث، وجعل الرابع عقيماً لا يلد والله عليم حكيم ، وهذه هبة من الله، فإذا أعطاك الله شيئاً فاحمده ، وافرح بقضائه وقدره.
стр. 3233
تفسير قوله تعالى: (أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين)
يقول سبحانه: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨].
﴿يُنَشَّأُ﴾ [الزخرف:١٨] أي: يربى في الحلية، فهم يقولون: لا نريد البنت؛ لأننا سنعطيها ونحليها، فإذا أتى وقت الجد لن تقف تخاصم وتجادل عنا، إذاً: لا تصلح هذه.
стр. 3234
قول الكفار أن الملائكة إناث قول بلا علم
قال سبحانه: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف:١٩] ت أي: هم يأنفون أن تكون لهم بنات، لكنهم لا يأنفون أن ينسبوا لله البنات سبحانه وتعالى عما يصفون.
فقد قسموا بينهم وبين ربهم في الأموال وفي الأولاد، قال الله عنهم: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام:١٣٦].
أي: عندما يريدون أن يتصدقوا، يقولون: هذا لله أي: صدقة لله، وهذه لآلهتهم أي: لأصنامهم، ثم يأخذون التي جعلوها لله خالصة ويجعلونها لأصنامهم، ويقولون: الله غني عن ذلك، فهو لا يحتاج، لكن الأصنام محتاجة إليها، فهم يعرفون أن الأصنام فقيرة، لا تأكل ولا تشرب، لا تنفع ولا تضر، والله سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك.
وفي الأولاد.
نظروا إلى البنات نظرة نقص فقالوا: البنات لله، ولنا الذكور، الذي يأنفون منه يجعلونه لربهم سبحانه فالملائكة الذين هم عباد، ولم يقل عابدات، فذكرهم بصيغة الذكور، هؤلاء يؤنثونهم ويقولون: الملائكة إناث، فالذي خلقهم هو أعلم بهم وليس هؤلاء الجهال الضلال.
قال: ﴿وَجَعَلُوا﴾ [الزخرف:١٩] أي: ادعوا، وزعموا، ووصفوا، وسموا، ((الملائكة الذين هم عباد الرحمن)) هذه قراءة الجمهور، أبو عمرو والكوفيون: عاصم وحمزة والكسائي وخلف، وقراءة الباقين: ((الذين هم عند الرحمن)) فالملائكة عند الرحمن، وليسوا عندكم أنتم، ولا ترونهم، إنما الذي يراهم هو الله ، وشرفهم بالعندية، وأخبر أن هذا غيب، ﴿الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف:١٩] يفعلون ما يأمرهم الله ، ويجتنبون ما ينهى عنه، ولا يعصون الله أبداً.
﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:١٩] أي: يقول مبكتاً لهم هل حضروا خلق الملائكة حتى يقولوا ذلك؟! أم أنهم يفترون على الله الكذب؟ وهذه قراءة الجمهور.
وقرأها المدنيان: نافع وأبو جعفر، ((أأشهدوا خلقهم)) أي: هل أشهدهم الله خلق الملائكة؟ فإذا قالوا: شهدنا، كتب عليهم ذلك، ويسألهم يوم القيامة، والسؤال هنا للتبكيت، وللتعذيب؛ لأنهم لم يشهدوا شيئاً، ولم يشاهدوا شيئاً، فإذا افتروا وقالوا: نعم رأينا الملائكة، إذاً سنكتب هذه الشهادة، ونعذبكم عليها يوم القيامة.
стр. 3235
تفسير قوله تعالى: (وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم)
وقالوا أي: هؤلاء الكفار: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف:٢٠] يحتجون بالقضاء والقدر، على وجه التهكم، والسخرية، يقول هؤلاء الكفار: نحن عبدنا الأصنام، وربنا يريد ذلك، من أجل ذلك تركنا، ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف:٢٠] فأرجعوا الأمر لمشيئة الله ، وهذا كلام حق، أريد به باطل، فالإنسان قد يتكلم بالباطل، وهو يعرف أنه باطل، وقد يتكلم بالحق في غير موطنه وغير موضعه.
مثل الإنسان الذي يسرق، ثم يقول: لو شاء الله ما سرقت، نعم لو شاء الله لمنعك من ذلك، ولكن الله قدر أشياء في الغيب عنده ، ومما قدره أن تكون لك مشيئة، واختيار، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] فأنت في الوقت الذي تمد يدك على مال الغير، أنت مريد لذلك، وأنت الذي اكتسبت ذلك، والله يحاسبك على كسبك، وعلى اختيارك، فلا تحتج بالقدر، ولا تقل: قدر الله على ذلك، لكن أعد السرقة لصاحبها، وانظر هل سيمنعك الله من ردها أو لن يمنعك؟ فأنت حين تمد يدك على كوب الماء لترفعه، تعرف أنك أنت الذي تفعل ذلك، وتعلم أن الله قدرك عليه، وحين تضعه تعلم أنك أنت الذي تفعل، وأن الله قدرك عليه، لماذا احتججت عندما وضعته على فمك أن الله هو الذي فعل وعندما تركته أنك أنت الذي فعلت، لماذا احتججت في واحد احتجاجين.
والله شاء أن تكون لك مشيئة، فبمشيئتك واختيارك تكسب الخير، والشر، وهذا الذي يجزيك الله عليه، فالكفار عندما يقولون: لو شاء الله ما عبدناهم، هذا كلام صحيح فالله : ﴿خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢] ولكن حين تعبد الأصنام، ألست مختاراً لذلك، وحين تترك ذلك، ألست مختاراً لذلك، هذا الاختيار الذي عندك هو من مشيئة الله ، وأن تكون مختاراً، شاء أن تكون مريداً، فالله هو الذي مكنك من أن تفكر، وأن تعقل، وأن تمشي شمالاً أو يميناً، فعلى ذلك لا تحتج بالقضاء والقدر على المصيبة وعلى الذنب الذي تفعله.
فالإنسان متى يحتج بالقضاء والقدر؟ حين يتوب إلى الله ، يقول: قدر الله وما شاء فعل، ولكن وهو يفعل المعصية، يمد يده إلى الشر، ويقول الله يريد هذا الشيء، اترك الشر وابتعد عنه، وانظر هل تمنع أو لا تمنع؟ فأنت الذي اخترت، وأنت الذي فعلت، وأنت الذي تجزى على فعلك وكسبك.
فكأنهم يقولون للنبي ﷺ عبادة الأصنام صحيحة، ولو لم تكن صحيحة لما تركنا الله، ولأنزل علينا عذاباً من السماء، قال الله : ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الزخرف:٢٠] أي: هؤلاء جهلة، ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف:٢٠] أي: هم يكذبون على الله ، فإذا فعلوا الشر قالوا: ربنا الذي أمرنا بهذا، وإذا فعلوا الخير، قالوا: نحن الذي فعلنا هذا الشيء.
فالله يقدر الأقدار، ويدل العباد على الخير، والشر، وأنت باختيارك تختار وتكسب فيجزيك الله على اختيارك، وعلى ما اكتسبته لنفسك.
стр. 3236
تفسير قوله تعالى: (أم آتيناهم كتاباً من قبله فهم به مستمسكون)
قال الله سبحانه: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ [الزخرف:٢١] بل، أي: هل أتيناهم كتاباً من قبله، ﴿فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف:٢١] أي: هل عندهم أثارة من علم، فليخرجوا هذا الكتاب الذي عندهم، الذي يدعون أنهم يشرعون لأنفسهم بناء عليه، إنهم، ليس لديهم كتاب، ولا متمسكين بشيء، ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢ - ٢٣] أي: قالوا: سنتبع الآباء ونسير على هديهم؛ لأنهم أفضل منا.
والدين الإسلامي العظيم يقول للإنسان، اعمل عقلك الذي خلقه الله فيك، وانظر فيما ينفعك وما يضرك، فهل هذا الصنم الذي عبدته وإن كان كل آبائك قد عبدوه، هل ينفعك أو يضرك، فإذا قال: لا ينفعني ولا يضرني، قيل له: إذاً لماذا تعبده؟ فيقول: من أجل أنه يقربني إلى الله ، فقيل له: إن الله سبحانه يقول لك: لا تعبده، لا تشرك بي، فلماذا تصنع ذلك؟ فيقول: لأن أبي كان كذلك.
ولذلك ذكر الله قصة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف:٢٦] لماذا ذكر هذه القصة؟ لهذا السبب؛ لأنهم يقولون وجدنا آباءنا إذاً: أعظم آبائهم إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وإسماعيل الذي يفتخرون به، ويحجون البيت كل عام، ويقولون: ملة أبينا إبراهيم، فلماذا اتبعتم آباءكم الأقربين، وتركتم من تتشرفون به الذي وحد الله سبحانه، ولم يشرك به شيئاً.
فأبوكم إبراهيم الخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام، تبرأ من هذه الآلهة والأنداد إلا الله .
стр. 3237
تفسير سورة الزخرف [٢٠ - ٢٥]
في هذه الآيات الكريمات من سورة الزخرف يذكر الله أموراً فيها: شبهة احتجاج الكفار بالقدر، وذم التقليد للآباء والأجداد الذي يدعو إلى إلغاء العقل والنظر في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، أيضاً: يذكر الله لنا هلاك الأمم السابقة المكذبة بأنواع من العذاب كما فصله ﵎ في قصصهم.
стр. 3238
شبهة الاحتجاج بالقدر والرد عليها
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الزخرف: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الزخرف:٢٠ - ٢٥].
يخبر في هذه الآيات من سورة الزخرف عن احتجاج الكفار بالأقدار.
قال تعالى على لسانهم: (لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ) أي: لو أراد الله لحال بيننا وبين عبادة الأحجار والملائكة والأصنام، وهذا كلام حق أريد به باطل، فالله ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، والله خلق العباد فمنهم كافر ومنهم مؤمن، فالإنسان لا يحتج بالقضاء والقدر على ما هو فيه من المعصية، ولكن يقال له: ما يدريك أنك من أهل الجنة أو من أهل النار؟! ما يدريك أنه يختم لك بالسعادة أو بالشقاوة؟! أنت الآن تقدر أن تفعل وأن تترك؛ فما يمنعك أن تترك هذا الباطل الذي أنت فيه وتفعل الخير؟! وما الذي يأمرك أن تحتج بالقدر على المعصية، وهلا تركت هذه المعصية وفعلت الخير واحتججت بالقدر على الخير الذي تفعله؟! لكن الإنسان يقول كلاماً يهرب به من حقيقة الأمر، فإذا وقع في المعصية يقول: الله أمرنا بها! والله يقول: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٨]، فهل أمركم الله أن تعبدوا غيره؟! وهل أمركم الله سبحانه أن تقعوا في المعاصي؟! افعلوا الخير وقولوا: الله أمرنا به، أما أن تفعل الشر وتقع في المعاصي ثم تحتج بالقدر فليس لك ذلك؛ لأن لك اختياراً، والله سيحاسبك على اختيارك للخير أو اختيارك للشر.
قال الله تعالى: (مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ) أي: بصحة ما قالوه واحتجوا به.
ثم قال تعالى: (إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) أي: يكذبون ويتقولون ويفترون على الله .
стр. 3239
إنكار الله على المشركين في عبادتهم غيره بلا برهان ولا حجة ولا دليل
قال تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف:٢١]، أي: هل آتيناهم كتاباً من قبله فهم به مستمسكون؟ مثلما يقول النصارى: عندنا كتاب، ويقول اليهود: عندنا كتاب، فهل هؤلاء المشركون عندهم كتاب من عند الله ؛ حتى يقولوا: وأمرنا بعبادة الملائكة، أو بعبادة الأوثان.
стр. 3240
ذم التقليد الأعمى
قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:٢٢]، أي: ليس لهم فيما هم فيه من الشرك سوى تقليد الآباء والأجداد بأنهم كانوا على أمة، والمراد بها الدين هاهنا، وهذا هو التقليد الأعمى.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]، أي: أنهم رأوا أن فعل الآباء هو الهدى، فهم يسيرون وراءهم قد أعموا أبصارهم وعيونهم، فلا ينظرون إلا إلى ما نظر إليه الآباء، فألغوا عقولهم، وما استخدموا دليلاً ولا نظراً ولا فكراً، وإنما قلدوا الآباء والأجداد، هذا التقليد هو الذي نهينا عنه، من أن الإنسان يمشي وراء غيره من غير أن يتفكر ويتدبر.
وقد أنكر الله على المشركين رفضهم رسالة محمد ﷺ ، فقد كان لهم عقول يتفكرون ويتدبرون في هذا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، من هو؟! وهل كان يطلب ملكاً قبل أن يقول: إنني رسول الله إليكم؟! وهل كان هذا في يوم من الأيام أحد آبائه ملكاً من الملوك، فهو الآن يطلب ملك أبيه هذا؟! وهل كان يكذب قبل ذلك، أم كنتم تلقبونه بالصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه؟! تنظرون في حاله صلوات الله وسلامه عليه أنه نبي أمي لا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك يأتي بهذا القرآن العظيم، المعجز من عند رب العالمين سبحانه، فجاءكم وقال: أنا رسول من رب العالمين، فقلتم: إعطنا الآية التي تدل على أنك رسول؟! فأتاكم بهذا القرآن العظيم الذي تحداكم به، جاءكم بمعجزة من عند رب العالمين، وتحداكم بها، فهاتوا مثل هذا إن كنتم تقدرون؟! هلا أعملتم عقولكم في هذا الرجل الذي عاش بينكم، أربعين سنة لم يكذب قط صلوات الله وسلامه عليه، والجميع سواء الموافق والمخالف يشهدون له بذلك ﵊، فقد كانوا يلقبونه بالصادق الأمين، فهنا مجال إعمال الفكر، وإعمال العقل بأن هذا الرجل لم يكذب قط، ولم يطلب ملكاً، وإنما هو رسول من عند الله ، أيده بالقرآن العظيم، ولم يقل هذا كلامي، وإنما قال: هذا كلام الله، وقد أمرني أن آمركم بالصلاة، وبالزكاة، وآمركم بعبادة الله وحده لا شريك له، فهو لا يقول ذلك من عند نفسه، وإنما يأمره ربه سبحانه ﵎.
جاءكم بآيات بينات، وبشريعة عظيمة، وأخبركم بأشياء فكانت على ما أخبر صلوات الله وسلامه عليه، فلم لم تجدوا في كلامه كذباً قط، فإذا وعد صدق الوعد الذي يقوله صلوات الله وسلامه عليه.
ومن الأمور التي أخبر بها صلوات الله وسلامه عليه فكانت على ما أخبر ﷺ : هزيمة الفرس في بضع سنين، قال تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:٢ - ٤]، فتحقق هذا الذي قاله ربنا سبحانه ﵎ على لسان نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فما أخبر بشيء أنه سيحدث إلا وكان كما يقول ﷺ .
أتاهم بالآيات البينات والمعجزات التي تؤيده على ما يقول، فصدقه وآمن به من آمن، ودخل معه في دينه صلوات الله وسلامه عليه.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران:٣١]، أي: اتبعوا النبي صلوات الله وسلامه عليه مع النور الذي جاءه من عند رب العالمين، فأمرنا بالاتباع ولم نؤمر بالتقليد، والتقليد: هو أن تلغي عقلك وتسير وراء من تسير بدون دليل ولا حجة.
أما الاتباع فأنت تنظر في الذي جاء به، وتعمل عقلك في هذا الشيء، هل هذا فعلاً من عند الله، أم ليس من عند الله؟! فإذا عرفت أن هذا من عند الله، وأن هذا رسول الله لزمك أن تصدقه، وأن تتبعه صلوات الله وسلامه عليه فيما يأمرك به، فإذا قال: اعبد الله سبحانه ولا تشرك به؛ لزمك أن تنفذ ذلك، وإذا قال: انتهي عن المعاصي طاعة لله.
لزمك أن تنفذ ذلك.
أما هؤلاء المشركون فقد قالوا: إنا مقلدون، وسنسير على ما سار عليه آباؤنا، فهل كان مع آبائهم دليل وحجة على ما يقولون؟! وهل كانوا بشراً غير البشر، أو من نور، مخلوقين من غير ما خلقتم أنتم منه؟! لا، فآباؤهم مثلهم، فقد كانوا أهل ظلم وأهل عدوان وباطل، وكذلك هؤلاء وراء آبائهم فيما يفعلون.
إن كل إنسان يقول كما يقول هؤلاء ففيه جاهلية من جاهلية هؤلاء، وكذلك من يقول: أنتم أتيتم لنا بدين جديد؟! نحن نعمل هذا الشيء منذ زمن طويل، لذا فإن الكثيرين من الناس يقعون في البدع، ويقعون في أشياء ينسبونها للدين، والدين بريء منها، وحجتهم: (وجدنا آباءنا على أمة) أي: أن أهلنا كانوا يعملون هذا الشيء، فنحن نعمل مثلما يعمل الآباء والأجداد.
فالإنسان المؤمن لا يقلد الآباء إلا فيما كان معهم دليل من كتاب الله أو من سنة النبي ﷺ ، والاتباع اسمه: (اتباع) وليس تقليداً، وإنما التقليد الذي يكون بغير دليل، فلا أفكر، وإنما أمشي وراء هذا الشيء، لكن الاتباع معرفة الدليل الذي نسير وراءه؛ وأنه على الحق.
стр. 3241
موقف المترفين من دعوة الرسل
قال تعالى: ﴿وكذلك مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، أي: أن التقليد ليس شيئاً جديداً، ولكنها عادة السابقين، وعادة أهل الباطل، فهو لا يريد أن يترك الباطل؛ لأنه مترف ومنعم وكبير بين قومه، فكيف يترك هذا الشيء لكي يكون وراءك؟ وبعد أن كان هو متبوعاً يصير متبعاً! قوله: (فِي قَرْيَةٍ) المراد بالقرية: البلد، والقرية من القري، والقري الجمع، وكأنه المكان الذي يجتمع فيه الناس، وكلمة (قرية) وإن كنا نطلقها على الريف، لكنها لغة تطلق على المدينة، وعلى البلد العظيم، والنبي ﷺ كان من أهل القرى أي: مكة.
والمقصود: أن الله يخبر عن الرسل، وأنه ما من رسول يرسله الله إلا ويكون من أهل القرى، يعني: من أهل البلدان، ومن أهل المدن، ليس من الريف أو البادية، وطباع أهل المدينة غالباً مع كثرة الناس والاحتكاك، تكون فيهم ذوقيات، وفيهم رجوع لرأي الأغلب، أما أهل البادية ففيهم الغلظة، وفيهم الشدة، وبعدهم عن المدينة، وبعدهم عن الناس يجعل كل إنسان يحس أنه لوحده ملك، وأنه لا شأن ولا أمر لأحد عليه، وهذا بعكس الاجتماع مع الغير، فإنه يهذب الأفكار، وينقي الآراء، وعندما تكون في مجموعة من الناس تتكلم، والثاني يرد عليك، والثالث يصوب الرأي، وهذا هو الحاصل في المدينة، أما في الريف: فيعيش الإنسان وحده في مزرعته، وفي حقله، بين غنمه وإبله، فيكون أغلب وقته مع هذه البهائم، فيحتاج لمن ينقي له عقله وتفكيره، ويتناقش معه ويصوب له آراءه؛ لأن المنفرد دائماً يظن أن رأيه الصواب؛ فلذلك قال تعالى: ﴿(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف:١٠٩]، وأهل القرى يكون الناس كلهم يعرفونه ويرونه، أما إذا أتى لهم من البادية فسيقولون: لا أحد يعرفك، فمن أنت؟ من الذي كان معك؟ من يشهد لك؟ ولذلك من ضمن الأحكام التي جاءت عن النبي ﷺ : (أنها لا تقبل شهادة بدوي على حضري)، لأن البدوي مقيم في البدو، وفجأة جاء يشهد ويقول: أنا رأيت فلاناً يقتل فلاناً.
أين رأيته؟ فأنت الآن أتيت من البادية، فالكلام الذي يقوله محل نظر، أما إذا ثبت أنه عاش بيننا فترة، فنقول: شاهد، لكن أتى من هناك وجاء ليشهد، فهنا الشهادة لا تكون إلا من إنسان قد شاهد فعلاً، وإنسان موجود وسط الناس، بحيث نصدق ما يقول هذا الإنسان ونجد من يزكيه، فهذا الرسول الذي يكون من أهل القرى يجد من يزكيه من الناس، ويقولون: هو طول عمره مقيماً بيننا، فنرى منه الصواب، ونجد منه الرأي السديد، والنصح لنا، هو أمين بيننا، فهنا أهل القرى باجتماعهم يعرفون هذا الإنسان، ويمحصون ما يقول، فيشهدون له بصواب ما يقول، أو يخطئون ما يقول.
فقال الله : (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ) ينذرهم بعقوبة الله ، إذا أصروا على معصيته، وعلى الشرك به .
قوله: (إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا) الغالب في الذين يصدون عن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام والدعاة إلى الله: هم المترفون، أي: الرؤساء والوزراء والكبراء من القوم؛ لأنهم وصلوا إلى ما هم فيه من الملك والسيادة، فلا يريدون أن يتزحزحوا عنه، ولا يريدون أن يتركوه، وإنما يريدون أن يبقوا فيه دائماً، فإذا جاءهم نبي أو رسول يدعوهم إلى الله، فإن أحدهم ينظر إلى نفسه ويقول: بعدما كنت أنا الرئيس وأنا الوزير وأنا الكبير، تأتي أنت فتقول لي: اعمل واعمل، وأكون تابعاً لك! فيرفضون الانقياد لدعوة الإسلام، وكأن تنعم الإنسان في النعم يدفعه إلى الغرور، وإلى الكبر، وإلى البعد عن طاعة غيره، فهو لا يريد أن يسمع لغيره، فقد صار كبيراً في نظر نفسه، وقد عرف ذلك هرقل عندما سأل أبا سفيان عندما كان عنده: أضعفاء الناس يتبعونه أم أغنياؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم وأبو سفيان فرح بهذه الإجابة، وكأنه يقول لـ هرقل: إنه لا يتبعه إلا حثالة الناس، والضعفاء منهم.
فقال هرقل: وكذلك أتباع الرسل.
وهو صادق فيما يقول، فقد كان رجلاً واعياً عاقلاً، وإن كان مات كافراً لأنه ضن برئاسته وبملكه من أن يدخل في الإسلام، ويترك هذا الذي هو فيه، لكن العشرة الأسئلة التي سألها لـ أبي سفيان تدل على ذكاء خارق وفهم واع لهذا الرجل، فهو قد أعمل عقله ونظره، فكان يسأل وأبو سفيان يجيب ويريد أن يشوه سمعة وشخصية النبي ﷺ في أي إجابة يقولها، ولذلك قال: ما وجدت شيئاً أقوله عن النبي ﷺ إلا كلمة واحدة، ولكن الرجل لم يلتفت إلى كلامه.
ثم سأله هرقل فقال: هل وجدتم وعهدتم منه كذباً قبل ذلك؟ قال: لا، فهو لم يكذب قبل ذلك.
ثم سأله فقال: هل كان من آبائه ملكاً؟ قال: لا.
وسأله فقال: هل يغدر؟ قال: لا، ونحن معه في مدة لا ندري ما يصنع فيها -وكان ذلك في الحديبية- أي: أن بيننا وبينه الآن عهد، ويمكن أن يغدر في يوم من الأيام، فلم يأبه له هرقل، ولم يلتفت إلى كلامه، وإنما كان سؤاله عن الماضي، عن أربعين سنة عاشها النبي ﷺ بينهم، ولا يحكم بما سيأتي، لأن هذا مستقبل لا يعلمه إلا الله .
قال أبو سفيان: ما وسعني أن أدخل شيئاً إلا هذه الكلمة، وبعد أن أسلم أبو سفيان أخبر عن هذا الذي جرى بينه وبين هرقل.
فالغرض: أن الله ﵎ جعل للإنسان عقلاً يفكر به في هذا الذي يكلمه، هل هذا الإنسان يتكلم بصدق، وبأمانة، وبإخلاص؟ أم أن هذا الإنسان يريد منصباً، ومكانة، ومالاً؟ والله يرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام يدعون الخلق إلى عبادته، فيتبع الرسل الضعفاء، ويبتدئ الدين بقلة، ثم يزيد قليلاً قليلاً كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء) بدأ الإسلام غريباً برجل واحد وهو النبي ﷺ ، وزاد الإسلام فدخل فيه أبو بكر، ودخل علي، ودخلت خديجة، وزاد وزاد حتى ملأ نوره الآفاق، وسيرجع مرة أخرى قبل قيام الساعة إلى الغربة، فيصير المسلم غريباً في قومه، فإذا جاءهم بسنة قالوا: أنت مبتدع، وإذا جاءهم بدين الله سبحانه ﵎ قالوا: إنا وجدنا آباءنا على غير ذلك، فيرجعون للجاهلية مرة ثانية، وانظر في عادات وتقاليد بعض الناس، فإنك إذا قلت: هذا خطأ.
فإنه يقول لك: نحن نعمل هكذا منذ زمن طويل، فهل ستأتي لنا بدين جديد؟! لأنهم لم ينظروا في كتاب الله ولا في سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وإنما قلدوا كما قلد أهل الجاهلية، قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ﴾ [الزخرف:٢٢]، وكأنهم يقولون: الهدى والحق مع الآباء والأجداد، وليس لنا دخل بغيرهم.
стр. 3242
إتيان الرسل بما هو أهدى مما عليه الآباء والأجداد
ثم قال الله مخاطباً نبيه محمداً ﷺ : ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف:٢٤].
قوله: (قال) فيها قراءتان: الأولى: (قال) وهي قراءة ابن عامر وحفص عن عاصم.
الثانية: (قل) وهي قراءة باقي القراء.
قوله: (أولو جئتكم) فيها قراءات: الأولى: قرأ الجمهور: (أولو جئتكم).
الثانية: قرأ أبو عمرو: (أولو جيتكم) الثالثة: قرأ أبو جعفر: (أولو جئناكم)، بالنون.
قال تعالى: (بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ) أي: أولو جئتكم بالهدى من عند الله بدلاً من هذه الضلالات التي وجدتم عليها آبائكم، ولكن دائماً الرؤساء والكبراء وليست عندهم حجة أصلاً حتى يردوا ذلك، فهم لا يريدون أن يتعبوا عقولهم في هذا الشيء، ولا يريدون أن يظهروا أمام الناس أنهم قليلوا الحيلة وضعفاء التفكير، فلذلك يقولون: (إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ)، أي: لا نريد أن نسمع هذا الذي تقوله لنا، فنحن كافرون بما تدعو إليه.
стр. 3243
إهلاك الله للأمم المكذبة
وعندما وصل الأمر إلى ذلك قال الله : ﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٢٥]، أي: استحقوا الانتقام والعذاب من الله ، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت:٤٠]، ومنهم من أرسل الله عليهم ﴿الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف:١٣٣]، ومنهم من أهلكهم الله بالقتل والسبي والقحط ونقصان المطر والماء، يفعل الله ما يشاء.
قال: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الزخرف:٢٥]، أي: انظر كيف كانت النهاية والعاقبة لهؤلاء المكذبين، وكيف أن الله أهلكهم وآباءهم، وكيف نجى المؤمنين، فلا تفرح حين تنظر إلى إنسان ظالم قد أعطاه الله الدنيا، وإنما انظر إلى العاقبة والنهاية لهذا الإنسان الظالم، وكيف يصنع الله به، وكيف يهلكه سبحانه ﵎.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3244
تفسير سورة الزخرف [٢٣ - ٣٢]
ذكر المولى سبحانه قصة إمام الموحدين إبراهيم ﵇ حين تبرأ من عبادة غير الله تعالى، وأعلن براءته أمام أبيه وقومه دون خوف أو خجل، وذكر لهم أنه لن يعبد إلا من فطر خلقه وابتدأه على غير مثال سابق، فهو الذي سيهديه ويرشده، ومن تمام نعمة الله تعالى عليه أن جعل هذه الكلمة والبراءة في عقبه وأهل بيته فكثر منهم الأنبياء والصالحون، أما مشركو قريش فقد متعهم الله وأنعم عليهم، فبدلاً من أن يصدقوا رسوله تعنتوا وتكبروا واقترحوا أن يكون غيره هو الرسول، وذلك هو الجحود والطغيان.
стр. 3245
تفسير قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الزخرف: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ * وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٣٢].
لما أخبر الله سبحانه ﵎ في الآيات السابقة عن حال الكفار وأنهم مقلدون لآبائهم الذين ضلوا وعبدوا غير الله قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢].
قال الله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣].
أي: أن عادة الكفار في كل زمان إذا أرسل الله إليهم من يدعوهم إلى توحيد الله، ويأمرهم بأن يطيعوا الله وينهاهم عن الشرك بالله كانت المقالة التي قالها الأولون، وتبعهم عليها الآخرون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣].
ثم يقول: كل نبي وكل رسول لقومه: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف:٢٤].
أو قال الله آمراً نبيه ﷺ : ﴿قل أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف:٢٤].
فسيجيبون: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف:٢٤].
كأنهم يقولون: مثلما أنت على دين نحن كذلك على دين.
فإن سئلوا من أين هذا الدين الذي عندكم؟ يقولون: وجدنا آباءنا على أمة.
فإن قيل: ما الدليل على أن آباءكم كانوا على هدى وكانوا على أمة؟ هل عندكم كتاب من عند الله؟ هل عندكم أثارة من علم بما تقولون؟ فيبهتون ولا يستطيعون الرد ويكون جوابهم التقليد ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣].
ويقولون لرسولهم ﵊: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف:٢٤].
قال الله : ﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الأعراف:١٣٦] إذاً استحق هؤلاء أن ينتقم الله منهم وأن ينتصر لدينه ولرسله عليهم الصلاة والسلام فانظر كيف كان عاقبة المكذبين؟ إن عاقبتهم في الدنيا الهلاك، وفي الآخرة النار.
ولكن من هؤلاء الآباء الذين قلدوهم؟ الكفار من قريش كانوا يفتخرون بأن أباهم إبراهيم ﵊، وأنهم من ذرية إسماعيل ﵇.
فيقال: ما الذي كان يفعله إبراهيم؟ وكيف كان يعبد الله سبحانه؟ وهل أشرك بالله سبحانه أم أنه جاء بالتوحيد الخالص؟ فإذا أردتم التقليد فليكن اتباعكم لإبراهيم ﵊، فلذلك ذكره بعدما ذكر قولهم السابق، وكأنه يقول: هذا إبراهيم ﵇ من آبائكم لم تركتم اتباعه واتبعتم غيره؟! قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف:٢٦] وإذ هنا ظرفية زمانية بمعنى: حين، فكأنه قال: واذكر حين قال إبراهيم ذلك وتبرأ عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام من قومه بقوله: إنني براء، أي: أنا بريء، وبراء مصدر، والمصدر إذا وصف به لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث ولكن يكون على صيغة المصدر.
فالواحد يقول: براء وكذلك الإثنان، والجمع وإنما يتغير الضمير فيقول الواحد: أنا والجمع: إننا.
وبراء بمعنى: أتبرأ أعظم البراءة إلى الله مما تقعون فيه من الشرك بالله سبحانه.
وقد قال إبراهيم ﵇ البراءة لأبيه ولم يجامله ولقومه ولم يخش أحداً إلا الله.
ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف:٢٧] وهذا استثناء قد يكون متصلاً وقد يكون منقطعاً، وعلى كلتا الحالتين فالمعنى صحيح.
فإذا جعلنا الاستثناء متصلاً صار المعنى: أنتم تعبدون الله وتشركون به فأنا بريء من كل هذه الآلهة إلا الله.
وإذا جعلناه منقطعاً فيكون المعنى أو التقدير: أنا بريء من كل ما تعبدونه، ولكن أعبد الله وحده لا شريك له، فتضمن (إلا) معنى (لكن).
وعلى كلا الحالين فإبراهيم ﵇ يقول: أنا أعبد الله فقط، سواء عبدتم الله وغيره، أو عبدتم غير الله فأنا متبرئ مما تفعلون، فالله لا يقبل أن يعبد مع غيره وإنما يعبد وحده ويقول: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه).
ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له وحده لا شريك له.
стр. 3246
تفسير قوله تعالى: (إلا الذي فطرني فإنه سيهدين)
قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف:٢٧] أي: أنشأني وخلقني وابتدعني، ويقال: فطر الشيء إذا أنشأه لأول مرة، فالله خلق الإنسان ليس على مثال سابق، ولكن أوجد الله سبحانه آدم ﵇ على هذه الخلقة التي كانت من تراب ثم سواه بعد ذلك، وقد خلق السماوات، والأرض، وفطر ذلك كله وخلقه على نحوٍ بديع ولم يكن قبل ذلك إلا عدماً.
قال: ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف:٢٧] أي: أن الذي يهديه هو الله وحده لا شريك له.
стр. 3247
تفسير قوله تعالى: (وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون)
قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٨] اختلف هنا في الجاعل هل هو إبراهيم ﵊؟ فيكون المعنى: أنه سنها لذريته من بعده.
أم أن الله هو الذي جعلها ماضية في ذرية إبراهيم ﵇.
والصواب أن يقال: إنما قالها إبراهيم ﵇ مرة ثم جعلها الله في عقبه ومن خلفه بعد ذلك إكراماً لإبراهيم ﵇، فأدام الله بذلك دينه.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً﴾ [الزخرف:٢٨] هذه الكلمة هي كلمة التوحيد، والبراءة من الشرك بالله سبحانه.
فكل إنسان مؤمن يوحد الله سبحانه، لا بد أن يتبرأ من الشرك والكفر؛ ولذلك يقول الله سبحانه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٥٦].
ولا يصح أن يكون الإنسان مؤمناً بالله وبغير الله بل لا بد أن يكفر بالطاغوت وكل ما عبد من دون الله سبحانه، ويكفر بالأصنام، وبعبادة البشر، والملائكة، والجن، ولا يعبد إلا الله وحده لا شريك له.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٥٦] هو معنى قول لا إله إلا الله، ومعنى قوله سبحانه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩].
قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف:٢٨] العقب: النسل والذرية.
قال سبحانه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٨] أي: لعل الناس يرجعون إلى ما قاله إبراهيم ﵊ وهو لا إله إلا الله، ويرجعون إلى الله تائبين إليه، ويرجعون إلى دين الإسلام فيعبدون الله ولا يشركون به شيئاً.
стр. 3248
تفسير قوله تعالى: (بل متعت هؤلاء وآباءهم)
قال تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف:٢٩] الله متع هؤلاء، فأعطاهم المال، والبنين، وأعطاهم من الدنيا ومن قبلهم متع آباءهم.
فالله يعطي العبد المؤمن إكراماً منه، ويعطي الكافر إمهالاً له، قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣].
فليس العطاء من الله للإنسان دليلاً على أنه يحبه، ولكن يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الآخرة إلا من أحب .
قال: ﴿مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ﴾ [الزخرف:٢٩] أي: أعطيتهم ما يستمتعون به، ويعيشون، ويتنعمون به، وكذلك أعطيت آباءهم من قبل.
قال تعالى: ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف:٢٩] أي: إلى أن جاءهم من عند الله الحق وهو هذا القرآن العظيم، مع رسول مبين صلوات الله وسلامه عليه.
فوصف القرآن بأنه الحق، ووصف الرسول بأنه مبين ﵊، ورسول يعني: صاحب رسالة فقد آتاه الله هذا القرآن رسالة منه؛ ليبلغها إلى الخلق جميعهم.
وقوله تعالى: ﴿مُبِينٌ﴾ [الزخرف:٢٩] إما أن يكون، من بان، أو من أبان.
فبان بمعنى: ظهر، فهو رسول ظاهر جلي من نظر إليه عرف أنه الرسول؛ لأنه لم يكذب قبل ذلك قط، فمن المستحيل أن يترك الكذب على البشر ثم يكذب على رب البشر.
وكذلك قد جاء بمعجزات وبينات تدل على رسالته.
وإذا قلنا: من أبان، فالمعنى: أنه أفصح وبين، فهو مبين لنا هذه الشريعة وقد آتاه الله جوامع الكلم، فينطق بالحق، وينطق بالكلام الذي يفهم والذي لا إشكال فيه، فهو مبين عن الله سبحانه، وموضح لكلام رب العالمين، ولذلك جاءت سنة النبي ﷺ تفصل القرآن العظيم وتبينه، فنحتاج إلى القرآن ومعه سنة النبي ﷺ التي تقيد ما يطلق فيه، وتبين ما أجمل، وتخصص ما عمم فيه.
стр. 3249
تفسير قوله تعالى: (ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون)
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف:٣٠] قال كفار قريش ذلك للنبي ﷺ ، وهم مستيقنون أنه لم يتعلم سحراً أبداً، وأن هذا القرآن مستحيل أن يكون سحراً، ولكن لما لم يجدوا رداً على النبي ﷺ ، اجتمعوا وتشاوروا هل يقولون عنه كاهن؟ لكن الكاهن يعرف فلن يصدقوا.
أم يقولون: عراف؟ والعراف كذلك معلوم.
أم يقولون: كذاب؟ وقد علم الناس صدقه.
أم يقولون: مجنون؟ ولكنه أعقل الخلق.
فلما لم يجدوا شيئاً قالوا: إنه ساحر؛ لأنه يفرق بين الرجل وابنه، والمرأة وزوجها، فالمرأة تدخل في الإسلام وزوجها كافر ويفرق بينهما، ويعادي الابن أباه، لأن أحدهما مسلم والآخر كافر.
فقالوا عن النبي ﷺ : أنه ساحر، كما قال قبل ذلك الكفار عن موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وجعلوا ما جاء به من القرآن سحراً فكفروا به.
وقال الذين كفروا بعضهم لبعض: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ:٣١].
وقالوا: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦] فلو كان معهم حجة تقال لقالوها ولما أخذوا في هذا الكلام الباطل الذي لا يكون دليلاً ولا حجة على عدم أيمانهم فليس لهم حجة إلا العناد وتقليد آبائهم قال تعالى عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢] فرفضوا ما أتى به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأعرضوا عنهم وكذبوهم ورموهم بالسحر والكذب.
стр. 3250
علة كفار قريش في عدم إيمانهم
لقد تعللوا بكلام بارد، وسخيف وقالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] لماذا أنت نزل عليك القرآن؟ أما وجد غيرك حتى يرسله؟! فهم نظروا للرجل الذي نزل عليه القرآن ولم ينظروا لهذا القرآن نفسه، كمن يأتيه ساعي البريد برسالة فبدلاً من أن يفتحها ليطلع على مضمونها يقول: أما وجد غيرك حتى يرسلها معه؟ فهذا الكلام في غاية السفاهة وصاحبه خفيف العقل.
ثم على فرض أنه نزل القرآن على رجل من القريتين عظيم، يعني: ذا مال وذا جاه وبنين فغناه لنفسه، وليس لك أنت، وماذا تعمل بغنى غيرك؟! إنما الذي يغنيك هو الله ، إذا أخذت رسالته أنزل عليك البركات من السماء، وأخرج لك البركات من الأرض، ولكن لجهلهم وحماقتهم وتفاهة تفكيرهم قالوا ذلك.
ويقصدون بالقريتين مكة والطائف، وبالرجلين الوليد بن المغيرة صاحب المال وعم أبي جهل الذي كان من أكفر خلق الله.
والذي من الطائف، عروة بن مسعود الثقفي.
و
السؤال
هل إذا نزل القرآن على أحد هذين الرجلين كانوا سيؤمنون؟
و
الجواب
لا، وإنما سيتعللون بأشياء تافهة لا معنى لها.
стр. 3251
تفسير قوله تعالى: (أهم يقسمون رحمة ربك)
قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣٢] يعني هل هم يتحكمون فيها؟ فانظر لجهلهم وتعجب من حماقتهم وغبائهم.
قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٢] فالمعيشة نحن الذين قسمناها بينهم، وقسمنا الأرزاق.
وانظر لإنسان تجده يتكلم كلاماً جميلاً وفيه قوة وصحة وهو فقير بينما تجد آخر بطيء الكلام قليل الحيلة قد فتح الله له في التجارة وفي الرزق شيئاً كبيراً، فالله الذي قسم هذه المعيشة في الدنيا.
فإذا كان اللبق في الدنيا لا يقدر أن يغني نفسه فكذلك في الآخرة لا يستطيع أن ينفع نفسه إلا أن تداركه رحمة من ربه تعالى.
قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف:٣٢] أي: ليسخر بعضهم بعضاً فيعمل من لا مال له عند صاحب المال؛ ليعطيه منه.
فالله تعالى هو الذي جعل فلاناً يعمل عند فلان، وجعل الناس يحتاج بعضهم لبعض، ولا يوجد أحد يقدر أن يعمل كل شيء، بل كل في تخصصه؛ ليحتاج الجميع بعضهم لبعض.
فكأن الله تعالى يقول: فإذا كنا نحن الذي فعلنا بكم ذلك وقسمنا بينكم معيشتكم في الحياة الدنيا فهل ستقسمون أنتم رحمتنا؟! قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف:٣٢] يعني: في الدنيا، جعل هذا وزيراً، وهذا رئيساً وهكذا.
قال تعالى: ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣٢] فالرحمة التي عند الله سبحانه من إنزال الكتب، وإرسال الرسل والجنة خير من حطام الدنيا الذي يزول، فاسألوها من الله تعالى؛ فإنه لا يملكها إلا هو.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3252
تفسير سورة الزخرف [٢٩ - ٣٨]
مما يدل على هوان الدنيا على الله أنه يعطيها من كفر به، فإن الدنيا مهما بلغت من العظم في عيون الخلق حقيرة دنيئة، ويكفي في حقارتها أنها زائلة، أما الآخرة الباقية فهي منحة الله لعباده المتقين، والمتقين فحسب، أما الغافلون فليس لهم في الدنيا إلا قرناء السوء، وفي الآخرة إلا العذاب المهين.
стр. 3253
تفسير قوله تعالى: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة بعد المشرقين فبئس القرين)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الزخرف: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ * وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٨].
стр. 3254
النبوة رحمة الله يمنحها من يشاء
يخبرنا الله في هذه الآيات وما قبلها كيف أنه سبحانه متع الكفار في الحياة الدنيا، وأعطاهم فيها المال، والبنين، وإن كان لم يعط جميعهم، بل فتح على البعض وضيق على الآخرين، ولله الحكمة العظيمة في أن يعطي هذا ويمنع هذا .
فالكافر يريد الحياة الدنيا للدنيا، ولا ينظر إلى حساب ولا عذاب ولا آخرة، ولا ينظر إلا إلى ما يشتهيه فيها، والله يقول: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف:٢٩]، أي: جاءهم القرآن من عند الله، وجاءهم الرسول المبين الذي يبين لهم ما جاء من عند الله ، ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ [الزخرف:٣٠]، من عند الله ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف:٣٠].
لقد غرتهم الدنيا، وما هم فيه من نعيم، وغرهم الأمل، وغرتهم المناصب التي كانوا فيها فأنفوا أن يكونوا أتباعاً للنبي ﷺ ، ولغرورهم وزعمهم بأنهم أصحاب رئاسة، فكيف يكونون أتباعاً للنبي ﷺ ؟ فكفروا برفض فكرة مجيء رسالة من السماء، وأخذوا يتشككون كيف جاءت على النبي ﷺ ؟ ولماذا لم تأت على أحد آخر؟ فاعترضوا بغبائهم، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]، فهم لغبائهم يريدون أن يختاروا من ينزل عليه القرآن! ويتساءلون لم لم ينزل على الوليد بن المغيرة؟ أو على ابن أخيه أبي جهل أو على رجل من الطائف كـ عروة بن مسعود أو غيره؟ لماذا نزل على النبي ﷺ ؟ فاعترضوا على ربهم ، وكذبوا نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، قال الله موبخاً لهؤلاء: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف:٣٢]، أي: ليسوا هم الذين يوزعون النبوة على من يشاءون، بل النبوة رحمة من الله ، وكذا الدين رحمة من الله سبحانه، وكذا الجنة رحمة الله سبحانه، أفبعد ذلك يعترضون؟ فليس لهم أن يقسموا الدين والنبوة والجنة على من يشاءون، بل الله هو الذي يقدر معيشتهم قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٢]، فإذا كانوا لا يملكون أن يقسموا حياتهم، ومعيشتهم، وأرزاقهم، أفيملكون أن يقسموا رحمة الله ؟ بل نحن نتصرف في كل شئونهم ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف:٣٢]، أي: جعلنا بعضهم رئيساً، وجعلنا بعضهم مرءوساً، ورفع بعضهم على بعض درجات؛ ليسخر بعضهم لبعض في الخدمة والعمل والصناعة وغير ذلك.
وهذا كله في الحياة الدنيا، لكن رحمة الله سبحانه خير مما يجمع الإنسان، ومن رحمة الله التمسك بدين الله، وهدى الله، وجنة الله، وكل ذلك خير من حطام الدنيا وما يجمع لها، إن الدنيا حقيرة كما أخبرنا النبي ﷺ حين قال: (لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة؛ ما سقى كافراً منها شربة ماء)، وقد أخبرنا الله بهذا المعنى العظيم فقال: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف:٣٣].
стр. 3255
تقدير الأرزاق على العباد رحمة بهم
قال تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الزخرف:٣٣]، أي: على الكفر، والمعنى: لولا أن يصير الناس كلهم كفاراً لأعطى الله الكافر كل شيء في هذه الدنيا، وهذا لبيان حقارة الدنيا، فإنه إذا أعطاها لمن لا وزن له ولا قيمة له عنده، فهي لا وزن لها أيضاً فمن رحمة الله ، أنه لم يفتن عباده بذلك فيعذبهم، إذ أن الله إذا أراد أن يعذب الجميع؛ فتح عليهم الدنيا، حتى إذا أخذوها وظن أهلها أنهم قادرون عليها، ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ [يونس:٢٤]، ولكن رحمة الله عظيمة واسعة، فقد أراد أن يكون من العباد مؤمنون فيدخلهم الجنة ، وأراد أن يكون فيهم الكفار الذين يستحقون عدل الله وعذاب الله .
قوله: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ﴾ [الزخرف:٣٣]، أي: لأعطيناهم غنىً عظيماً، حتى يجعلون سقوف بيوتهم من فضة وفي قوله تعالى: ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ [الزخرف:٣٣]، قراءتان: فتقرأ البيوت بالضمة وبالكسر فيقرؤها أبو عمرو، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر، ويعقوب بالضم: ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ [الزخرف:٣٣]، وباقي القراء كـ ابن كثير، وشعبة عن عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف يقرءونها بالكسر ﴿لِبيوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ﴾ [الزخرف:٣٣].
وكذا قوله تعالى: ﴿سُقُفًا﴾ [الزخرف:٣٣] فيه قراءتان: الأولى: قراءة نافع، وابن عامر، والكوفيين، على الجمع: ﴿سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ﴾ [الزخرف:٣٣]، والثانية: لباقي القراء ﴿سَقفًا مِنْ فَضَّةٍ﴾ [الزخرف:٣٣]، على الإفراد، والمعنى: سقفاً واحداً على جميع البيوت، وعلى قراءة الجمع سُقُفاً أي: لكل بيت سقفاً من فضة.
قوله: ﴿وَمَعَارِجَ﴾ [الزخرف:٣٣]، المعارج الدرجات والمعنى: درجات يرقون ويصعدون عليها، ويشمل المعنى كذلك أن نجعلهم أصحاب مبانٍ عالية ومنابر مرتفعة.
قوله: ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف:٣٣]، أي: يرتفعون إلى سطوحها مستمتعين بما يملكون من ذهب وفضة.
قوله: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ﴾ [الزخرف:٣٤]، أي: ولجعلنا أيضاً: ﴿لِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف:٣٤]، أي: أبواباً من هذه الزخارف من الفضة ومن الذهب، ولجعلنا الأسرة التي يتكئون عليها من ذهب ومن فضة أيضاً.
ويدل إعطاء الله الكافر هذه المتع على أن هذه المتع حقيرة، ولولا أنها حقيرة لما أعطاها للكافر وحرم المؤمن، أما جزاء المؤمن فقد وصفه الله فقال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [محمد:١٥]، وزد على ذلك أن لهم المغفرة والفضل والرضوان من الله، قال تعالى: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد:١٥] فهم ليسوا كمن متعه الله متاع الحياة الدنيا ثم يكون يوم القيامة من المحضرين إلى عذاب الجحيم، فلا يستوي الإيمان مع الكفر.
قوله تعالى: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف:٣٤]، أي: يجلسون متكئين على الأسرة، وسرير الإنسان ما يجلس عليه، أو ما ينام عليه، وكأن هؤلاء غاية في الترفيه، فالله يرفعهم ويعطيهم أسرة عليها يجلسون ويتكئون، ويفتخرون وهم جالسون عليها.
وفي قوله تعالى: ﴿وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف:٣٤]، قراءتان: الأولى قراءة الجمهور ((يَتَّكِئُونَ))، والثانية: قراءة أبي جعفر (يتكون).
قوله تعالى: ﴿وَزُخْرُفًا﴾ [الزخرف:٣٥]، الزخرف: الذهب، والمعنى يعطيهم الله ذهباً وزينة وزخارف ونقوشاً يستمتعون بها في الدنيا.
قوله: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ﴾ [الزخرف:٣٥]، أي: كل هذا الذي نعطيه ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٥]، والحياة الدنيا لا قيمة لها، إذ هي أشياء حقيرة زائلة وهم كذلك زائلون، فلولا أن يفتن المؤمنون، ويقتدوا بهؤلاء الكافرين لجعلنا ذلك لهؤلاء.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٥]، هذه قراءة عاصم، وقراءة هشام عن ابن عامر، وقراءة حمزة أيضاً، وقراءة ابن وردان عن أبي جعفر، وقراءة باقي القراء: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٥]، والمعنى: ما هذا إلا متاع في الحياة الدنيا، أسلوب قصر معناه: مهما استمتعوا فهو في الدنيا فقط، ثم يصيرون إلى العذاب بعد ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف:٣٥]، العندية هنا ليست عند الناس، بل عند الله، فالعاقبة للمتقين، أي: لأهل التقوى، ولأهل الإيمان، والإحسان، والآخرة يحتفظ بها سبحانه ويعدها لهم ، ﴿وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٥]، أي: أن الجزاء الحسن والعاقبة الجميلة لمن اتقوا ربهم وخافوا من عذابه.
ولأن الدنيا ليس لها قيمة، فقد وبخ الله من يحرص عليها، ومن يطمع فيها، وبمعنى ما ذكره الله في ذم الدنيا قول النبي ﷺ : (الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر).
стр. 3256
الغفلة سبب لتسلط أقران السوء على المرء
قال : ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦]، قوله: العشى: ضعف البصر، والمعنى: أنه لا يستطيع الرؤية بالليل، فينظر في النهار ولا يرى بالليل، والذي يعشوا عن ذكر الرحمن، كأنه يتعامى ويتغافل عن ذكر الله تعالى ويغمض عينيه عن نور رب العالمين ؛ لأنه لا يريد أن ينظر في كتاب الله ، ولا أن يسمع لما يذكره به النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولا يريد أن يستجيب، فغشى تغافل وتعامى عن ربه .
ومن يفعل ذلك يسلط الله عليه الشياطين قال سبحانه: ﴿نُقَيِّضْ﴾ [الزخرف:٣٦]، أي: نسلط عليه وهذه قراءة الجمهور، وقراءة شعبة بخلفه، وقرءها أيضاً يعقوب يقيض بالياء، أي: الله يقيض له، ﴿نُقَيِّضْ لَهُ﴾ [الزخرف:٣٦]، بنون الجمع التي تدل على العظمة والمعنى: الله يفعل به ذلك، قال: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦]، أي: يسلط عليه، ويجمع عليه الشياطين، ويجعلهم مسلطين على هذا الإنسان الذي يريد الحياة الدنيا ويتعامى ويتغافل عن ذكر الله سبحانه، قوله تعالى: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦]، أي: صاحب له مقترن به لا يفارقه أبداً، فكل من يتغافل عن الله، ويترك ربه ، يتركه الله ويسلط عليه هواه، ويسلط عليه الشياطين لأنه غافل عن الله .
وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ [الزخرف:٣٧] أي: يصدون أولياءهم من المشركين والكفار والفجار، قوله: ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ [الزخرف:٣٧]، أي: عن سبيل الحق، وعن طريق الله رب العالمين، قوله: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٣٧]، إن أعظم عقوبة من الله للإنسان في الدنيا، أن يسلط عليه نفسه وشيطانه، فيجعلانه يحسب أنه على الحق.
لأن الإنسان إذا فعل المعصية وهو يعرف أنها معصية، قد يتوب منها لشعوره بالذنب والإثم، أما الذي يفعل المعصية، وقد يقع في الكفر بالله، وهو يظن أنه على خير، وعلى الحق والصواب، فإنه قد عوقب بأعظم العقوبة ويبعد أن ينتهي عما هو فيه، ولذلك كان المشركون أيام النبي ﷺ يقولون عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وعن هذا الذي نزل عليه من السماء ما قاله تعالى مخبراً عنهم أنهم قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢]، أي: أنهم كانوا في غاية الغفلة عما جاء به النبي ﷺ ، حتى أنهم يظنون أنهم على الصواب، بل لشدة اعتقادهم بذلك يدعون على أنفسهم: يا رب أسقط علينا حجارة من السماء، إذا كنا نحن الكاذبين، مع أنهم لو تدبروا وتفكروا وأعملوا عقولهم؛ لعرفوا أنهم هم الكاذبون، وأنهم هم الكافرون، وأنهم مستكبرون عن دين الله رب العالمين، ومثل ذلك قولهم عن النبي ﷺ : لو كان ما جاء به النبي ﷺ خيرا لأعطينا نحن إياه، قال تعالى مخبراً بقولهم: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف:١١]، أي: طالما أننا لم نسبق إليه غيرنا، فهو ليس بخير، وهذا منطق مغلوط!؛ لأن صاحبه لا ينظر فيما جاء من عند رب العالمين، ولا ما هو عليه من باطل؛ ولو تأمل في ذلك لما وجد غضاضة في اتباع النبي ﷺ .
قوله: ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٣٧]، قرئت يحسبون: بفتح السين، وهي قراءة عاصم وابن عامر، وحمزة، وأبي جعفر، وباقي القراء يقرءونها بكسر السين، ﴿وَيَحْسِبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٣٧].
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ [الزخرف:٣٨]، أي: هذا الذي عشى عن ذكر الرحمن، والعاشي هو الغافل المتعامي عن ذكر الله سبحانه، التارك لكتاب الله ولسنة النبي ﷺ ، وفي قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ [الزخرف:٣٨]، قرأتان: الأولى قراءة الجمهور وقراءة المدنيين نافع، وأبي جعفر، وابن كثير حيث يقرؤنها بالإفراد ﴿جَاءَنَا﴾ [الزخرف:٣٨]، والثانية قراءة ابن عامر، وشعبة عن عاصم، بالتثنية: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَانَا﴾ [الزخرف:٣٨]، والمعنى: العاشي والشيطان القرين، قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ﴾ [الزخرف:٣٨]، القائل هو العاشي الذي غفل عن ذكر الله: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ [الزخرف:٣٨]، بعد أن جيء به موثقاً مغلاً مع شيطانه، ووضعا على النار، يظهر الحسرة والندامة ويتساءل: ما الذي قربني منك في الدنيا؟ ليتني بعدت عنك، قال تعالى: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ [الزخرف:٣٨]، أي: كما بين المشرق والمغرب، وهذا من باب التغليب، فإنهما إذا انفردا قيل: هنا المشرق وهنا المغرب، فإذا جمع الاثنين قيل: المشرقان، وقيل: المغربان أيضاً، على جهة التغليب كما يقال: العمران، على أبي بكر، وعمر ﵄، قوله: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٨]، أي: بئس من يقترن بالإنسان الشيطان في الدنيا؛ لأنه يغويه وفي النار يرديه يوم القيامة، لذلك المؤمن يحرص على ذكر الله ، ويحرص على أن ينتقي أصدقاء الخير، وإخوة الطاعة، وأن يجتنب رفقاء السوء، ويجتنب ما يدفعه إليه الشيطان من عمل.
стр. 3257
تفسير سورة الزخرف [٣٦ - ٤٢]
من يعرض عن ذكر الله وعن هدايته يقيظ له الله شيطاناً فيكون ملازماً له لا يفارقه، بل يتبعه في جميع أموره، ويطيعه في كل ما يوسوس به إليه، وهؤلاء الشياطين يحولون بين هؤلاء الذين أعرضوا عن ذكر الله وبين سبل الحق، ويوسوسون لهم أنهم على الهدى، لكنهم يوم القيامة يتمنون أن بينهم وبين الشياطين كما بين المشرق والمغرب، ويندمون على اتباعهم الشياطين، لكن لا ينفعهم الندم ذلك اليوم.
стр. 3258
تفسير قوله تعالى: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الزخرف: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنفَعَكُمْ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٣٩].
قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) في هذه الآية يخبر الله عمن يتعامى عما جاءه من الذكر من الله ، ومن يعرض ويتغافل عن كتاب الله وهدي نبيه صلوات الله وسلامه عليه.
قوله: ((وَمَنْ يَعْشُ))، والعشى: هو ما يصيب البصر من ضعف، فيضعف بصر الإنسان بحيث لا يرى في الليل ويرى في النهار، فالإنسان الأعشى من به ضعف في بصره، فالذي يعشو عن ذكر الرحمن ويتغافل ويغمض عينيه، فلا يريد أن ينظر إلى كتاب الله ولا إلى هدي النبي ﷺ ، يسلط الله عليه الشياطين، فيتلاعبون به، حتى يوصلوه في الجحيم.
قوله: ((نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا)) أي: يقيض له الله شيطاناً، ((فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ)) أي: مقترن به في الدنيا، وفي الآخرة موثق معه؛ ليدخل النار مع قرينه والعياذ بالله.
стр. 3259
تفسير قوله تعالى: (وإنهم ليصدونهم عن السبيل)
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٣٧] أي: الشياطين، ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ [الزخرف:٣٧] أي: يصدون أولياءهم، ﴿عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٣٧] أي: الإنسان الذي يعصي ويظن نفسه محسناً فهذه مصيبة، أما الذي يعرف أنه عاص فلعله يتوب.
فالشياطين يزينون لهم الشرك الذي هم فيه، ويزينون لهم سوء أعمالهم؛ ولذلك يفعلون الأفعال القبيحة وهم يعتقدون أنهم يتقربون بها إلى الله، فكانوا في ملة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام يلبي الملبي: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
فجاء المشركون وغيروا في هذه الصيغة، فقالوا: لا شريك لك لبيك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك.
هذا الشرك والكفر يقوله من يقوله ولا يتفكر فيه.
فقولهم: لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكاً هو لك، أي: إلا هذا الذي يكون شريكاً للرب سبحانه وتعالى عما يقولونه علواً كبيراً، وهم يعترفون بقولهم: تملكه وما ملك، أي: لك شريك واحد وهذا الشريك الذي هو لك أنت تملكه، وما يملك هو ملك لك أيضاً، وهذا الشريك لا يملك شيئاً، نقول: إذا كان هذا الشريك لا يملك شيئاً وهو ملك لله فكيف يكون شركاً؟! وكيف يأنف الإنسان من أن يكون عبده شريكاً له فيما يملكه؟! قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [الروم:٢٨] أي: أنت لا ترضى لنفسك أن يكون من تملكه من العبيد شريكاً لك؛ لأنك ستقول: أنا اشتريتك بمالي فكيف تكون شريكاً لي فيه؟! هذا لا يعقل، فكيف لا ترضاه لنفسك وترضاه لله ؟! فهذا المثل الذي ضربه الله لكم من أنفسكم، ومع ذلك الكفار يتغاضون عن ذلك، ويقولون: لك شريك تملكه وما ملك، ويذهبون ليطوفوا حول الكعبة عراة رجالاً ونساء، فهذا دليل على أن الشيطان زين لهم سوء أعمالهم، وإلا فإنه يقبح في النظر أن يكون الإنسان متجرداً عارياً، فما الذي جعله قبيحاً في غير الكعبة وصار حسناً عند الكعبة؟ إلا أن الشيطان زين لهم ذلك، فإذا بهم يقولون: لا نطوف بالبيت في ثياب عصينا الله فيها، وما ذنب الثياب؟ أنت الذي عصيت وليست الثياب التي عصت الله ، أي عقل يفكر بهذه الطريقة وبهذا الغباء! هؤلاء الكفار يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، يسيء الواحد منهم ويفعل الفعل القبيح الرديء وهو يزعم أنه على خير وأنه يحسن صنعاً، فيقول الله : ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٣٧] أي: يظن المشرك أنه على هدى في هذا الذي يفعله بشركه لله وبمعصيته له.
стр. 3260
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين)
قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٨] هنا قراءتان في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ [الزخرف:٣٨] وهذه قراءة الجمهور، أما نافع وأبو جعفر وابن كثير وابن عامر وشعبة عن عاصم فقرءوا: (حتى إذا جاءانا) الاثنان: الشيطان والمعرض عن ذكر الله سيأتيان يوم القيامة قد وثق أحدهما في الآخر للحساب والجزاء، فيقول هذا الإنسان لهذا الشيطان: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ [الزخرف:٣٨] أي: يا ليتني ما عرفتك، يا ليتك كنت في المشرق وأنا في المغرب أو العكس من ذلك، ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٨] أي: أنت بئس القرين، وبئس من كان معي في الدنيا في الآخرة؛ لأنك أغويتني في الدنيا، والآن أنا محشور معك في النار.
следующие страницы →