Полный текст (3 717 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
الغفلة سبب لتسلط أقران السوء على المرء
قال : ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦]، قوله: العشى: ضعف البصر، والمعنى: أنه لا يستطيع الرؤية بالليل، فينظر في النهار ولا يرى بالليل، والذي يعشوا عن ذكر الرحمن، كأنه يتعامى ويتغافل عن ذكر الله تعالى ويغمض عينيه عن نور رب العالمين ؛ لأنه لا يريد أن ينظر في كتاب الله ، ولا أن يسمع لما يذكره به النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولا يريد أن يستجيب، فغشى تغافل وتعامى عن ربه .
ومن يفعل ذلك يسلط الله عليه الشياطين قال سبحانه: ﴿نُقَيِّضْ﴾ [الزخرف:٣٦]، أي: نسلط عليه وهذه قراءة الجمهور، وقراءة شعبة بخلفه، وقرءها أيضاً يعقوب يقيض بالياء، أي: الله يقيض له، ﴿نُقَيِّضْ لَهُ﴾ [الزخرف:٣٦]، بنون الجمع التي تدل على العظمة والمعنى: الله يفعل به ذلك، قال: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦]، أي: يسلط عليه، ويجمع عليه الشياطين، ويجعلهم مسلطين على هذا الإنسان الذي يريد الحياة الدنيا ويتعامى ويتغافل عن ذكر الله سبحانه، قوله تعالى: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦]، أي: صاحب له مقترن به لا يفارقه أبداً، فكل من يتغافل عن الله، ويترك ربه ، يتركه الله ويسلط عليه هواه، ويسلط عليه الشياطين لأنه غافل عن الله .
وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ [الزخرف:٣٧] أي: يصدون أولياءهم من المشركين والكفار والفجار، قوله: ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ [الزخرف:٣٧]، أي: عن سبيل الحق، وعن طريق الله رب العالمين، قوله: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٣٧]، إن أعظم عقوبة من الله للإنسان في الدنيا، أن يسلط عليه نفسه وشيطانه، فيجعلانه يحسب أنه على الحق.
لأن الإنسان إذا فعل المعصية وهو يعرف أنها معصية، قد يتوب منها لشعوره بالذنب والإثم، أما الذي يفعل المعصية، وقد يقع في الكفر بالله، وهو يظن أنه على خير، وعلى الحق والصواب، فإنه قد عوقب بأعظم العقوبة ويبعد أن ينتهي عما هو فيه، ولذلك كان المشركون أيام النبي ﷺ يقولون عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وعن هذا الذي نزل عليه من السماء ما قاله تعالى مخبراً عنهم أنهم قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢]، أي: أنهم كانوا في غاية الغفلة عما جاء به النبي ﷺ ، حتى أنهم يظنون أنهم على الصواب، بل لشدة اعتقادهم بذلك يدعون على أنفسهم: يا رب أسقط علينا حجارة من السماء، إذا كنا نحن الكاذبين، مع أنهم لو تدبروا وتفكروا وأعملوا عقولهم؛ لعرفوا أنهم هم الكاذبون، وأنهم هم الكافرون، وأنهم مستكبرون عن دين الله رب العالمين، ومثل ذلك قولهم عن النبي ﷺ : لو كان ما جاء به النبي ﷺ خيرا لأعطينا نحن إياه، قال تعالى مخبراً بقولهم: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف:١١]، أي: طالما أننا لم نسبق إليه غيرنا، فهو ليس بخير، وهذا منطق مغلوط!؛ لأن صاحبه لا ينظر فيما جاء من عند رب العالمين، ولا ما هو عليه من باطل؛ ولو تأمل في ذلك لما وجد غضاضة في اتباع النبي ﷺ .
قوله: ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٣٧]، قرئت يحسبون: بفتح السين، وهي قراءة عاصم وابن عامر، وحمزة، وأبي جعفر، وباقي القراء يقرءونها بكسر السين، ﴿وَيَحْسِبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٣٧].
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ [الزخرف:٣٨]، أي: هذا الذي عشى عن ذكر الرحمن، والعاشي هو الغافل المتعامي عن ذكر الله سبحانه، التارك لكتاب الله ولسنة النبي ﷺ ، وفي قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ [الزخرف:٣٨]، قرأتان: الأولى قراءة الجمهور وقراءة المدنيين نافع، وأبي جعفر، وابن كثير حيث يقرؤنها بالإفراد ﴿جَاءَنَا﴾ [الزخرف:٣٨]، والثانية قراءة ابن عامر، وشعبة عن عاصم، بالتثنية: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَانَا﴾ [الزخرف:٣٨]، والمعنى: العاشي والشيطان القرين، قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ﴾ [الزخرف:٣٨]، القائل هو العاشي الذي غفل عن ذكر الله: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ [الزخرف:٣٨]، بعد أن جيء به موثقاً مغلاً مع شيطانه، ووضعا على النار، يظهر الحسرة والندامة ويتساءل: ما الذي قربني منك في الدنيا؟ ليتني بعدت عنك، قال تعالى: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ [الزخرف:٣٨]، أي: كما بين المشرق والمغرب، وهذا من باب التغليب، فإنهما إذا انفردا قيل: هنا المشرق وهنا المغرب، فإذا جمع الاثنين قيل: المشرقان، وقيل: المغربان أيضاً، على جهة التغليب كما يقال: العمران، على أبي بكر، وعمر ﵄، قوله: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٨]، أي: بئس من يقترن بالإنسان الشيطان في الدنيا؛ لأنه يغويه وفي النار يرديه يوم القيامة، لذلك المؤمن يحرص على ذكر الله ، ويحرص على أن ينتقي أصدقاء الخير، وإخوة الطاعة، وأن يجتنب رفقاء السوء، ويجتنب ما يدفعه إليه الشيطان من عمل.
стр. 3257
تفسير سورة الزخرف [٣٦ - ٤٢]
من يعرض عن ذكر الله وعن هدايته يقيظ له الله شيطاناً فيكون ملازماً له لا يفارقه، بل يتبعه في جميع أموره، ويطيعه في كل ما يوسوس به إليه، وهؤلاء الشياطين يحولون بين هؤلاء الذين أعرضوا عن ذكر الله وبين سبل الحق، ويوسوسون لهم أنهم على الهدى، لكنهم يوم القيامة يتمنون أن بينهم وبين الشياطين كما بين المشرق والمغرب، ويندمون على اتباعهم الشياطين، لكن لا ينفعهم الندم ذلك اليوم.
стр. 3258
تفسير قوله تعالى: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الزخرف: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنفَعَكُمْ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٣٩].
قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) في هذه الآية يخبر الله عمن يتعامى عما جاءه من الذكر من الله ، ومن يعرض ويتغافل عن كتاب الله وهدي نبيه صلوات الله وسلامه عليه.
قوله: ((وَمَنْ يَعْشُ))، والعشى: هو ما يصيب البصر من ضعف، فيضعف بصر الإنسان بحيث لا يرى في الليل ويرى في النهار، فالإنسان الأعشى من به ضعف في بصره، فالذي يعشو عن ذكر الرحمن ويتغافل ويغمض عينيه، فلا يريد أن ينظر إلى كتاب الله ولا إلى هدي النبي ﷺ ، يسلط الله عليه الشياطين، فيتلاعبون به، حتى يوصلوه في الجحيم.
قوله: ((نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا)) أي: يقيض له الله شيطاناً، ((فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ)) أي: مقترن به في الدنيا، وفي الآخرة موثق معه؛ ليدخل النار مع قرينه والعياذ بالله.
стр. 3259
تفسير قوله تعالى: (وإنهم ليصدونهم عن السبيل)
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٣٧] أي: الشياطين، ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ [الزخرف:٣٧] أي: يصدون أولياءهم، ﴿عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٣٧] أي: الإنسان الذي يعصي ويظن نفسه محسناً فهذه مصيبة، أما الذي يعرف أنه عاص فلعله يتوب.
فالشياطين يزينون لهم الشرك الذي هم فيه، ويزينون لهم سوء أعمالهم؛ ولذلك يفعلون الأفعال القبيحة وهم يعتقدون أنهم يتقربون بها إلى الله، فكانوا في ملة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام يلبي الملبي: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
فجاء المشركون وغيروا في هذه الصيغة، فقالوا: لا شريك لك لبيك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك.
هذا الشرك والكفر يقوله من يقوله ولا يتفكر فيه.
فقولهم: لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكاً هو لك، أي: إلا هذا الذي يكون شريكاً للرب سبحانه وتعالى عما يقولونه علواً كبيراً، وهم يعترفون بقولهم: تملكه وما ملك، أي: لك شريك واحد وهذا الشريك الذي هو لك أنت تملكه، وما يملك هو ملك لك أيضاً، وهذا الشريك لا يملك شيئاً، نقول: إذا كان هذا الشريك لا يملك شيئاً وهو ملك لله فكيف يكون شركاً؟! وكيف يأنف الإنسان من أن يكون عبده شريكاً له فيما يملكه؟! قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [الروم:٢٨] أي: أنت لا ترضى لنفسك أن يكون من تملكه من العبيد شريكاً لك؛ لأنك ستقول: أنا اشتريتك بمالي فكيف تكون شريكاً لي فيه؟! هذا لا يعقل، فكيف لا ترضاه لنفسك وترضاه لله ؟! فهذا المثل الذي ضربه الله لكم من أنفسكم، ومع ذلك الكفار يتغاضون عن ذلك، ويقولون: لك شريك تملكه وما ملك، ويذهبون ليطوفوا حول الكعبة عراة رجالاً ونساء، فهذا دليل على أن الشيطان زين لهم سوء أعمالهم، وإلا فإنه يقبح في النظر أن يكون الإنسان متجرداً عارياً، فما الذي جعله قبيحاً في غير الكعبة وصار حسناً عند الكعبة؟ إلا أن الشيطان زين لهم ذلك، فإذا بهم يقولون: لا نطوف بالبيت في ثياب عصينا الله فيها، وما ذنب الثياب؟ أنت الذي عصيت وليست الثياب التي عصت الله ، أي عقل يفكر بهذه الطريقة وبهذا الغباء! هؤلاء الكفار يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، يسيء الواحد منهم ويفعل الفعل القبيح الرديء وهو يزعم أنه على خير وأنه يحسن صنعاً، فيقول الله : ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٣٧] أي: يظن المشرك أنه على هدى في هذا الذي يفعله بشركه لله وبمعصيته له.
стр. 3260
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين)
قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٨] هنا قراءتان في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ [الزخرف:٣٨] وهذه قراءة الجمهور، أما نافع وأبو جعفر وابن كثير وابن عامر وشعبة عن عاصم فقرءوا: (حتى إذا جاءانا) الاثنان: الشيطان والمعرض عن ذكر الله سيأتيان يوم القيامة قد وثق أحدهما في الآخر للحساب والجزاء، فيقول هذا الإنسان لهذا الشيطان: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ [الزخرف:٣٨] أي: يا ليتني ما عرفتك، يا ليتك كنت في المشرق وأنا في المغرب أو العكس من ذلك، ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٨] أي: أنت بئس القرين، وبئس من كان معي في الدنيا في الآخرة؛ لأنك أغويتني في الدنيا، والآن أنا محشور معك في النار.
стр. 3261
تفسير قوله تعالى: (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم)
قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩].
قوله: ((وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ)) أي: حين ظلمتم في الدنيا فسنجزيكم اليوم عذاب الجحيم؛ بسبب ظلمكم وشرككم وكفركم، وبسبب معاصيكم.
(ولن ينفعكم اليوم) أي: يوم القيامة وهم في النار لن ينفعهم أنهم في العذاب مشتركون.
فالإنسان الذي تنزل به المصيبة يواسيه ويسليه ويخفف عنه الألم الذي هو فيه أن يرى غيره مشتركاً معه في ذلك، ولذلك قالوا: إن الحزين يسعد الحزين، أي: يواسي بعضهم بعضاً، وبذلك يخفف عنهم ألم المصيبة التي هم فيها، لكن يوم القيامة لا يسلي بعضهم بعضاً، ولا ينفع بعضهم بعضاً، ولا يخفف عنهم العذاب يوم القيامة.
قوله: ((أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ)) أي: العذاب على الجميع، ولا يواسي بعضهم بعضاً، بل يتبرأ بعضهم من بعض، ويشتم بعضهم بعضاً، ولا ينتفعون لا بتوبة إلى الله ، ولا برجوع إلى الدنيا، ولكن يقال لأهل النار: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨].
стр. 3262
تفسير قوله تعالى: (أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي)
قال الله لنبيه ﷺ : ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:٤٠].
هنا تقرير مسألة القضاء والقدر ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلاً، ويضل من يشاء، ويخذل ويبتلي عدلاً، وكلهم يتقلبون بين فضله وعدله، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره، آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلاً من عنده .
عقيدة المؤمن في الإيمان بالقضاء والقدر، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢]، فالله كتب عنده في اللوح المحفوظ: من عبادي من هو كافر، ومن عبادي من هو مؤمن، يقدر ما يشاء سبحانه، ويحكم بما يشاء، ويفعل ما يريد، وليس لأحد أن يعترض على مشيئة رب العالمين.
فالمؤمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء خيره وشره حلوه ومره، هذه عقيدة المؤمن أن يؤمن بقضاء الله، قال سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩].
والنبي صلوات الله وسلامه عليه يهدي، كما قال الله : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢].
إذاً: هو يدل صلوات الله وسلامه عليه ويبين، ولكن لا يقدر أن يغير القلوب؛ لأن تغيير القلوب بيد رب العالمين سبحانه؛ ولذلك قال الله تعالى للنبي ﷺ : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] أنت تهدي بمعنى: تدل وتبين، ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [النور:٥٤]، أما أن تغير القلوب، فلا تملك ذلك؛ إنما القلوب بيد الله ، وكم كان النبي ﷺ يسأل ربه سبحانه: (يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا إلى دينك، يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك، فسأله أصحابه: ما أكثر ما تقول ذلك يا رسول الله؟ قال: إن القلوب بيد الله بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء).
فالله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويقرر لنا هذه العقيدة أن كل شيء بيده سبحانه، فإذا هداك الله فاحمد الله، وإذا أضلك الله فاسأل الله أن يهديك؛ لأن بيده الخير .
قال: ((أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ)) أي: لو كان الإنسان قد طبع الله على قلبه، وأعمى بصره، وجعل وقراً على أذنيه، هل أنت تسمعه بعدما أضله الله؟ فالله يعلم ما في قلب هذا الإنسان من شر وما يستحق هذا الإنسان من جزاء، فيختم على قلب هذا الإنسان، فإذا ختم الله على قلبه بسبب ما يستحق من كفر ومن عناد ومن استكبار فهل تقدر أنت أن تهدي هذا؟ ((أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ))؟ أي: هل تسمع إنساناً أصم لا يريد أن يسمع؟ لا تقدر أن تفعل ذلك، أو تهدي إنساناً أعمى قد أغمض عينيه فهو لا يرى؟ لا تقدر على ذلك، إنما الذي يقدر على ذلك الله سبحانه.
ثم قال: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:٤٠] أي: في ضلال بين، في ضلال مفصح عن حال هذا الإنسان، فأفعاله تبين كفر قلب هذا الإنسان، فهو في ضلال مبين واضح جلي.
стр. 3263
تفسير قوله تعالى: (فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون فإنا عليهم مقتدرون)
قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ [الزخرف:٤١].
قوله: (فإما نذهبن بك) يقول الله تعالى لنبيه ﷺ ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ [الزخرف:٤٥] قال المفسرون: نزلت هذه الآية قبل هجرة النبي ﷺ في قصة الإسراء والمعراج، فقيل له: اسأل الأنبياء: ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]؟ قال: لا أسأل أحداً؛ لأنه واثق في كلام رب العالمين، لا يحتاج أن يسأل الأنبياء لا آدم ولا غيره صلوات الله وسلامه عليه وعلى الجميع.
فهذه السورة الكريمة نزلت على النبي ﷺ قبل هجرته وقد عانى من الآلام وعانى من مشاغبات قريش له صلوات الله وسلامه عليه، ومن تعذيبهم لأصحابه، ومن تنفيرهم الناس عن دينه ﵊؛ لذلك يقول ربنا سبحانه له: الأمر واحد من اثنين: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ [الزخرف:٤١] ولن نتركهم ﴿فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ [الزخرف:٤١] أو نتركك تعيش ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف:٤٢] والله على كل شيء قدير.
فيقول للنبي ﵊: ((فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ)) وهذه لها معنيان: الذهاب إلى الموت، أو الذهاب من مكة إلى المدينة؛ لأنه بعد مدة قليلة من نزول هذه الآيات هاجر صلوات الله وسلامه عليه إلى المدينة، وعلى هذين المعنيين فيكون الانتقام إما بالعذاب في الدنيا بالقتل والأسر ونحو ذلك، وإما بالعقوبة في قبورهم ويوم القيامة.
قال تعالى: ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف:٤٢] أو نريك الآن وأنت بينهم عذابنا لهم، أو بعد أن تهاجر إلى المدينة نريك ما نصنع بهؤلاء، فكان من رحمة رب العالمين سبحانه أن هدى من شاء من خلقه فدخلوا في دين الله، ولم ينزل على مكة عذاباً من عنده ، إلا ما كان من قتل الكفار الكبراء منهم في يوم بدر وغيرها من الأيام.
وجاء في الحديث عن النبي ﷺ كما في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري: أن النبي ﷺ قال: (إن الله إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها، فجعله لهم فرطاً وسلفاً) أي: إذا أراد رحمة أمة قبض نبيها قبلها، وتعيش الأمة بعده فيكون هو الفرط ويكون هو السابق قبلهم، ويكون هو الشفيع لهذه الأمة، قال: (وإذا أراد هلاك أمة عذبها ونبيها حي فأهلكها وهو ينظر فأقر عينه بذلك؛ لأنهم كذبوه وعصوا أمره).
فبين لنا النبي ﷺ في الحديث أن هذه الأمة أمة مرحومة، أراد الله رحمتها، وأخبر صلوات الله وسلامه عليه بأنه ميت، كما أخبره ربه سبحانه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] صلوات الله وسلامه عليه، فكان من رحمة ربنا سبحانه أن قبض النبي صلوات الله وسلامه عليه، وانتشر دين الله سبحانه، ورحم الله هذه الأمة ببقاء هذا الدين.
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
стр. 3264
تفسير سورة الزخرف [٤٠ - ٤٤]
لقد أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يتمسك بالشريعة، والأمة مأمورة مثله بالتبع، وأخبره أنه على الصراط المستقيم والدين القويم، وأن هذا الدين فخر له ولقومه.
стр. 3265
تفسير قوله تعالى: (أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين)
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الزخرف: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ * فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:٤٠ - ٤٤].
يقول الله سبحانه ﵎ لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:٤٠]، أي: هل أنت تقدر على ذلك؟ إذا كان قد طبع الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فهم لا يريدون أن يسمعوا فإن أسماعهم وقلوبهم مختوم عليهما، فلا يسمعون إلا ما يريدون ويأبون أن يسمعوا ما تدعوهم إليه من كتاب الله ، وإذا رأوا النبي ﷺ استغشوا ثيابهم ووضعوا أصابعهم في آذانهم ولم يريدوا أن يسمعوا ولا أن ينتبهوا لما يقول صلوات الله وسلامه عليه.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦]، وكان هذا حال هؤلاء أنهم لا يسمعون ولا يريدون أن يسمعوا وإذا كلمهم النبي ﷺ استغشوا ثيابهم وغطوا على أعينهم ووضعوا أصابعهم في آذانهم وحلفوا ألا يسمعوا منه صلوات الله وسلامه عليه.
وهؤلاء رفضوا أن يسمعوا فختم الله عليهم فهم لا يفهمون، وعلم الله من قلوبهم الشر الذي فيها فطبع وختم عليها فهم لا يفهمون ولا يعقلون، قال تعالى للنبي ﷺ : ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦]، أي: ستهلك نفسك على آثار هؤلاء فهم لا يستحقون لأنهم مجرمون، ولأنهم عرفوا الحق الذي جاء من عند الله، وعرفوا الآيات البينات وعرفوا الإعجاز الذي في هذا القرآن ومع ذلك لا يريدون أن يسمعوا القرآن ولا أن يتبعوه غروراً وكبراً وعصبية وجاهلية وكل منهم يريد أن يكون هو الذي نزل عليه القرآن، فيحسدون النبي ﷺ على ما آتاه الله سبحانه ﵎، فطبع الله على قلوبهم، والجزاء من جنس العمل فهم يغطون على أعينهم حتى لا ينظروا إلى النبي ﷺ والله يختم على قلوبهم فلا يفهمون ولا يعقلون فيستحقون أن يموتوا على الكفر وعلى الضلال حتى يكونوا من أهل النار.
فقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:٤٠]، أي: أفأنت تفعل ذلك؟ وهل تقدر على ذلك؟ وإذا كانوا قد ضلوا الضلال المبين وابتعدوا كل البعد عن كتاب ربهم وعن هداه المستبين، فأنت لا تقدر أن تهديهم وقد أضلهم الله سبحانه، فالأمر بيد الله سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦].
стр. 3266
تفسير قوله تعالى: (فإما نذهبن بك فإذا منهم منتقمون فإنا عليهم مقتدرون)
قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ [الزخرف:٤١]، أي: إذا قبضناك أو أخرجناك من مكة إلى المدينة فسننتقم من هؤلاء الكفار الذين يرفضون أن يدخلوا في دين الله سبحانه.
وقد توعدناهم بالعذاب، وقد أنذرناهم بطشنا الشديد، فواحد من اثنين: إما أن نذهب بك ونخرجك من عند هؤلاء فننتقم منهم انتقاماً عظيماً، ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف:٤٢]، وأنت موجود فيهم فإنا عليهم مقتدرون، ولذلك لما شدوا على النبي ﷺ مرة من المرات وآذوه الأذى الشديد وآذوا أصحابه دعا ربه سبحانه عليهم فقال: (اللهم أعني عليهم بسنين كسنين يوسف)، فأعانه الله سبحانه ﵎ عليهم، وضيق عليهم أشد الضيق ومنع عنهم المطر فلا يوجد ماء ولا زروع لهم ولمواشيهم، حتى نفقت المواشي التي عندهم فذهبوا يستجيرون ويطلبون من النبي ﷺ أن يدعو الله أن يكشف عنهم ما هم فيه وهم سيؤمنون بالله ويتبعونه، وناشدوه بالله وبالرحم التي بينه وبينهم، وهو الذي يقول: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣]، أي: لا أريد منكم أجراً ولا مالاً، ولكن أطلب منكم أن تراعوا ما بيني وبينكم من القرابة والرحم.
ولما دعا عليهم إذا بالله يضيق عليهم وعانوا من القحط والضيق حتى أكلوا الجلود والميتة وأوراق الأشجار وأكلوا ما وجدوه في الأرض، وذهبوا للنبي ﷺ يستنجدون ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف:٤٩]، أن يكشف عنا هذا، فإذا به بحنانه وطيبة قلبه صلوات الله وسلامه عليه يدعو لهم.
كان النبي ﷺ قد دعا عليهم بسنين كسني يوسف وهي سبع سنين، فعانوا أياماً قلائل وإذا به يدعو لهم أن يفرج الله عنهم ففرج الله عنهم، فإذا بهؤلاء يرجعون إلى ما كانوا ولم يؤمنوا مع النبي ﷺ ، ففعلهم هذا كفعل فرعون وقومه مع موسى النبي صلوات الله وسلامه عليه، والحال من الحال والنتيجة هي النتيجة فلذلك ربنا سبحانه عقب ذلك بذكر فرعون مع موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
стр. 3267
تفسير قوله تعالى: (فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم)
قال سبحانه: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ [الزخرف:٤٣]، أمر النبي ﷺ أن يتمسك بالوحي، وقد تمسك صلوات الله وسلامه عليه، وهنا الخطاب له وللأمة بالاتباع والتمسك وخذوا ما أتيناكم بقوة ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف:٤٣]، أي: أنت على هدى وعلى طريق قويم معتدل وعلى دين عظيم دين رب العالمين دين الإسلام الذي ارتضاه الله لخلقه.
стр. 3268
القراءات في قوله (صراط)
قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف:٤٣]، (صراط) فيها ثلاث قراءات: (سراط) لـ قنبل ولـ رويس، و (صراط) لجمهور القراء، و (زراط) لـ خلف عن حمزة.
والصراط على الثلاث القراءات: بمعنى الطريق.
ومعنى قوله تعالى: ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف:٤٣]، أي: طريق قويم معتدل، فأنت على دين وهم على باطل، فليسوا على شيء وإن جادلوا بكل شيء.
стр. 3269
تفسير قوله تعالى: (وإنه لذكر لك ولقومك)
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف:٤٤]، هذا القرآن وهذا الدين العظيم الذي جاءك من رب العالمين ذكر من الله سبحانه ﵎ جاء إليك، وذكر لكم بمعنى: تذكرة من الله وبمعنى: شرف لك ولقومك أن ينزل هذا القرآن باللغة العربية وبلسان قريش، والأعاجم يدخلون في هذا الدين فيتعلمون لغتكم ويحتاجون إليكم ليفهموا ما جاء من كلام رب العالمين، أليس هذا الفخر وهذا الشرف لهؤلاء الجهلة المجرمين الذين يكذبون ويعرضون، قال تعالى: ﴿جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:٦٣].
وشرف لكم أن تعبدوا ربكم وحده لا شريك له وأن يذكركم الله بهذا القرآن وأن يجعله بلسان عربي مبين ونزل على أشرف المرسلين صلوات الله وسلامه عليه في أشرف البقاع بهذه اللغة الكريمة اللغة العربية.
стр. 3270
شرف قريش
قال سبحانه في سورة الأنبياء: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء:١٠]، أي: فيه شرفكم وفخركم، فتفتخرون ليس بالأنساب ولا بالقبائل التي أنتم فيها، وليس بأعمالكم، ولكن فخركم بأن نزل الله عليكم كتاباً ليهديكم بلغتكم العربية.
فهذا القرآن فخر وشرف لك ولقومك وتذكرة لكم وللناس، وجاء في حديث النبي ﷺ كما في صحيح البخاري ومسلم أنه قال: (الناس تبع لقريش مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم).
والنبي ﷺ يبين أن الناس تبع لقريش، فلو أن قريشاً أسلموا أسلم الناس معهم ودخلوا في دين الله وكانت القبائل من حولهم ينظرون ماذا استعمل قريش فهم أهل النبي ﷺ وقومه فإن يسلموا أسلمت القبائل معهم فيتحينون ويتربصون ماذا يصنع قريش مع النبي ﷺ ؟ فقال النبي ﷺ : (الناس تبع لقريش)، فلو أسلم هؤلاء أسلم الناس فيكون لهؤلاء الفضل والشرف؛ لأن الناس تابعون لهم (مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم).
وقال ﷺ : (والناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)، أي: الناس مثل المعادن أصناف وأنواع فيهم خيار وفيهم شرار، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، فمن كان خيّراً في الجاهلية يصل الرحم ويفعل الخير ويعطي الفقراء ويراعي الأرامل والأيتام ولا يئد الصغيرة، فله شرف وفضل وقدر وله أعمال صالحة وهو في الجاهلية، فإذا أسلم كانت له أعمال خير ويجزى على ما فعله في الجاهلية من أعمال الخير.
стр. 3271
معنى قوله ﷺ (إذا فقهوا)
إذا فقهوا)، أي: تعلموا دين رب العالمين سبحانه الذي يهذب الأخلاق ويعلم الإنسان كيف يكون عمله لله سبحانه ﵎؟ وكيف يحسن ويفعل معالي الأمور وخيارها ويترك سفاسف الأمور وشرارها؟
стр. 3272
فضائل عمر بن الخطاب
وقال النبي ﷺ : (تجدون من خير الناس أشد الناس كراهية في هذا الشأن حتى يقع فيه)، وكان المؤمنون يتغيظون من الكفار أنهم يفعلون بهم كذا وكذا، والنبي ﷺ يقول لعلهم يسلمون وستجدون من خير الناس من كان أشدهم كراهية لهذا الدين، وهذا إخبار الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، فإنه لا يقنط، فإن ربنا يهدي من يشاء من هؤلاء، وكان يدعو لـ أبي جهل ولـ عمر بن الخطاب، ولما قتل أبو جهل قال النبي ﷺ : (هذا فرعون هذه الأمة)، ومع ذلك كان يدعو له أن يهديه الله سبحانه، قال ﷺ : (اللهم أيد الإسلام بأحد العمرين)، وهما: أبو جهل أو عمر بن الخطاب رضي الله تبارك عنه، وكان الاثنان أشد الناس كراهية لهذا الدين وللنبي ﷺ وللمسلمين حتى هدى الله عمر بن الخطاب، فصار الذي يضرب به المثل في العدالة، وقال فيه النبي ﷺ : (لو رآه الشيطان سالكاً فجاً لسلك فجاً آخر).
فهذا كان ﵁ من أشد الناس كراهية لهذا الدين فصار أحب الناس لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
وكذلك هند بنت عتبة التي قتل أبوها وعمها وأخوها فتغيضت من حمزة رضي الله ﵎ عنه، وطلبت من وحشي أن يقتله فقتله وذهبت لتأخذ كبده لتلوكه بأسنانها من غيضها منه، لأنه قتل أباها وأخاها، فكانت من أشد الناس حنقاً وتغيظاً على الإسلام، ومن أشد الناس كفراً وتمرداً إلى أن فتح الله مكة للنبي صلوات الله وسلامه عليه.
وكان أبو سفيان قبيل هذا الحين كافراً إلى أن أسلم في فتح مكة، ودخل أبو سفيان بيته ورأته امرأته وهي كافرة فأمسكت به وقالت للكفار: اقتلوا هذا الشيخ، وقال النبي ﷺ : (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن).
فآمن أبو سفيان وحسن إسلامه وإيمانه، وأسلمت زوجته هند بعد ذلك وذهبت للنبي ﷺ فقالت: (ما كان على وجه الأرض بيت أبغض إلي من بيتكم، والآن ما على وجه الأرض بيت أحب إلي من بيتكم، قال: وأيضاً)، يعني: أنك ستزدادين حباً فوق حب؛ بما عرفت من دين الله سبحانه ﵎.
هذه المرأة الذي كان الحقد يملأ قلبها سنين طويلة على الإسلام والمسلمين ويشاء الله أن يهديها قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين فأسلمت وحسن إسلامها، وغيرها كثير كانوا من أشد الناس في الجاهلية كفراً وحنقاً على الإسلام والمسلمين، ولما دخلوا في دين الله ندموا على ما فعلوا قبل ذلك فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين ولم يجعلنا في يوم من الأيام نكره هذا الدين ثم هدانا إليه، والحمد لله الذي هدانا لهذا الدين.
والإنسان الذي يرى نفسه على هدى وعلى طريق الله يفرح بذلك، ولا ييئس غيره ولا نفسه من رحمة رب العالمين سبحانه، ولعل الله أن يهدي غيره من الناس الذين هم من أشد الناس كراهية للدين، كما هدى أولئك السابقين.
стр. 3273
معنى قوله تعالى (وسوف تسألون)
وقوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:٤٤]، أي: يسأل الله النبي ﷺ يوم القيامة ويسأل الخلق عن الإيمان والعمل الصالح.
وشرف المؤمن بدين الله وبتمسكه به وبقيامه الليل بين يدي الله وبعبوديته لله وبتواضعه لله، فهذا الشرف الحقيقي.
ولذلك كان بعض الزهاد والعباد يقولون: إنا في متعة لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها، وهي: متعة العبادة ومتعة الانفراد مع الله سبحانه ﵎ والتضرع إليه والشوق إليه والحب له سبحانه ﵎، وهذه المتعة يعرفها المؤمن الصادق.
أما الكفار فافتخارهم بالأنساب والأحساب وبالقوة وبالناس، قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (لينتهين أقوام يفتخرون بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم أو يكونون أهون عند الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها)، أي: لينتهين أقوام عن فخرهم بالآباء، وآباؤهم فحم من فحم جهنم، فآباؤهم كفار وعصاة فهم في النار، ويفتخر الأبناء بهؤلاء الآباء فإما أن يترك هؤلاء الأبناء أن يفتخروا بآبائهم وإما تكون نهايتهم نهاية آبائهم وأجدادهم في النار، ويجعلهم الله أنتن وأحقر من الجعلان ومن الصراصير.
والناس كلهم بنو آدم وآدم من تراب، قال النبي ﷺ : (إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء)، وعبية الجاهلية: نخوتها وعصبيتها وكبرها، فقد أذهبها الله بالإسلام الذي جعل المسلمين كأسنان المشط، لا فضل لأبيض على أحمر، ولا لأبيض على أسود إلا بتقوى الله، والإنسان إما مؤمن على إيمان وعلى تقوى، أو إما فاجر على شقاء وعلى كفر وعصيان فـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣].
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3274
تفسير سورة الزخرف [٤٥ - ٥٠]
دعوة الأنبياء والمرسلين هي إفراد الله سبحانه بالعبادة، ومن هؤلاء الأنبياء والمرسلين موسى ﵇؛ فإنه دعا فرعون وملأه إلى ذلك، فسخر منه فرعون واستهزأ به وبما يدعو إليه، واستهزأ بالمعجزات التي جاء بها ومنها معجزة اليد والعصا، فأنزل الله عليهم العذاب لعلهم يرجعون إلى الله، وفعلاً طلبوا من موسى أن يدعو الله تعالى أن يكشف عنهم ما أنزل الله عليهم من العذاب، فلما كشف الله عنهم ذلك استكبروا وعتوا عتواً كبيراً.
стр. 3275
تفسير قوله تعالى: (فاستمسك بالذي أوحي إليك)
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الزخرف: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ * وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ * وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٤٥ - ٥٢].
أمر الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه بأن يستمسك بوحي الله سبحانه الذي أوحاه إليه، وأخبره أنه صلوات الله وسلامه عليه على هذا الدين العظيم وعلى صراط مستقيم، وأن هذا الدين فخر وشرف له ولقومه، وتذكرة وموعظة من رب العالمين سبحانه ﵎، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:٤٤]، ويوم القيامة يسأل الله نبيه عن هذا الدين العظيم، هل بلغه؟ وهل استجاب الناس له وأطاعوا الله سبحانه؟
стр. 3276
تفسير قوله تعالى: (واسأل من أرسلنا قبل من رسلنا)
قال تعالى بعد ذلك: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]، قال البعض من المفسرين: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الزخرف:٤٥]، أي: اسأل أتباع الرسل الذين دخلوا في دينك، والذين عرفوا أنك على الحق صلوات الله وسلامه عليه، هذا قول.
وقيل: بل اسأل حقيقة الرسل وقد أسري به صلوات الله وسلامه عليه إلى بيت المقدس، قال الله سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١].
ولما وصل بيت المقدس صلى بالأنبياء فأمهم النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقيل له: اسأل هؤلاء الأنبياء والرسل هل جعلنا قبلك من إله يعبد غير الله سبحانه ﵎؟ وحاشا للنبي ﷺ أن يسأل عن ذلك، فقد علم أن الله سبحانه وحده الذي يعبد لا شريك له، وعلم من القرآن أن كل الأنبياء كانت دعوتهم واحدة أن يعبدوا الله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩].
فلذلك قيل له ذلك على وجه المبالغة في تأكيد توحيد الله سبحانه ﵎ في قلب النبي ﷺ وعند المؤمنين، والجواب في كتاب الله أن كل الرسل دعوا إلى توحيد الله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٧٣].
стр. 3277
دعوة إبراهيم قومه أن يعبدوا الله وحده وموقف قومه منه
فالقرآن مليء بالآيات التي فيها أن الأنبياء يدعون أقوامهم إلى توحيد الله سبحانه ﵎، ويحذرونهم من كفرهم وشركهم بالله، وسورة الأنبياء مليئة بذكر أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام الذين دعوا قومهم إلى توحيد الله.
فنبي الله إبراهيم عليه وعلى نبيا الصلاة والسلام، دعا قومه إلى توحيد الله سبحانه فقال: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:٦٦ - ٦٧].
وجاهد في الله حق جهاده، حتى أرادوا إحراقه، قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٨ - ٦٩].
وقال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢]، ودين التوحيد هو: دين آدم ونوح وإبراهيم ودين ذريته بما فيهم محمد صلوات الله وسلامه عليه، فكل الأنبياء دعوا إلى توحيد الله سبحانه، وما دعا أحد منهم إلى الشرك بالله سبحانه، وحاشا لهم أن يدعوا إلى ذلك.
стр. 3278
القراءات في قوله تعالى (واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا)
وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ﴾ [الزخرف:٤٥]، هذه قراءة الجمهور، وقرأها ابن كثير والكسائي وخلف: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ [الزخرف:٤٥]، وإذا وقف عليها حمزة يقرأ ((وسل)) ثم يقرأ: ﴿مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الزخرف:٤٥]، وهم الرسل الذين من قبلك، بعثناهم إلى قومهم، واخترناهم وأعطيناهم رسالة وأمرناهم بتبليغها.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ رُسُلِنَا﴾ [الزخرف:٤٥]، بضم السين قراءة الجمهور، و ((مِنْ رُسْلِنَا))، بتسكينها قراءة أبي عمرو.
وقوله تعالى: ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥] هل أمرنا أحداً أن يشرك بالله أو يدعو إلى غير الله سبحانه ﵎؟
و
الجواب
لم يحدث ذلك.
стр. 3279
تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه)
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزخرف:٤٦].
ذكر الله عناد المشركين من قريش، فقد جاءهم القرآن ذكراً لهم، فهو تذكرة وموعظة، وشرف، وفخر لهم، ونزل بلغتهم ووعدهم النبي ﷺ أن يسودوا الخلق بهذا الدين العظيم، وأن يجعلهم الله الحكام المتبوعين وغيرهم يكونون أتباعاً لهم، لو أنهم اتبعوا دين رب العالمين سبحانه، فرفضوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١].
فنظروا للنبي ﷺ نظرة ازدراء واستهزاء واحتقار بسبب نزول القرآن عليه ولم ينزل على رجل أعظم منه مالاً أو جاهاً، والعظمة التي يعنونها ليست في الشرف والنسب، فهو ﷺ أفضلهم وأشرفهم صلوات الله وسلامه عليه، وأعدلهم ﵊، وأصدقهم وأعظمهم أمانة.
والله له الحكمة العظيمة، فهو يجعل نبيه ﷺ واحداً من الناس، ولم يكن ملكاً، ولم يكن من آبائه من ملك ﵊، حتى لا يساء فيه الظن فيقال: يريد ملك آبائه.
فلذلك الكفار قالوا: إن القرآن نزل على رجل من الناس ولم ينزل على رجل من عظمائهم، فاحتقروا النبي صلوات الله وسلامه عليه وازدروه في الظاهر، أما الحقيقة في الباطن فالغيرة والحسد مما أتى به صلوات الله وسلامه عليه.
فربنا يطمئن النبي ﷺ أنه ليس أول من قيل له ذلك، فنبي الله موسى ﵊ قيل له أشد من ذلك، لذلك كان النبي ﷺ يتأسى به فيصبر إذا أوذي، ويقول: (رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من ذلك فصبر).
فيتسلى صلوات الله وسلامه عليه بذلك، فإن في موسى أسوة حسنة، فموسى أوذي فصبر، والنبي ﷺ أوذي فيصبر كما صبر موسى، فربنا يذكر النبي ﷺ بقصة موسى القصة العظيمة التي هي من إعجاز القرآن العظيم، فقد تكررت القصة في القرآن عشرات المرات، وفي كل مرة فيها تفنن وتنوع بذكر شيء غير موجود في المرة الأخرى وبسياق يلائم الآيات التي هي فيها.
стр. 3280
قصة موسى ﵇ مع قومه
فهنا يذكر له أن هؤلاء إن كانوا قد احتقروك بأنك لست عظيماً، أو بأنك مجنون، فائتس بموسى من قبلك، وهذه قصة مختصرة لموسى ﵊: فقد أرسله الله بتسع آيات بينات مبصرة من رب العالمين سبحانه ﵎، والتسع الآيات التي جاء بها موسى أخبرنا الله عنها في كتابه، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٣٠]، ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف:١٣٣]، وأرسله الله بآيتي اليد والعصا والمجموع تسع آيات أرسل الله موسى بها إلى قومه.
ونزلت عليه التوراة من عند رب العالمين سبحانه فيها هدى ونور وبينات لهؤلاء الخلق، وجاءهم بالرسالة فرفضوا أن يتبعوا دين موسى ﵊، فجاءهم بالآيات البينات التي أجبرتهم أن يعترفوا بها وقت ما تأتيهم الآية ثم بعد ذلك يرجعون عن ذلك.
والتسع الآيات هي: أخذهم بالسنين ونقص من الثمرات، فأصابهم الله بالقحط، فكانوا في شدة فلا يجدون ما يطعمون به البهائم وضيق الله عليهم في الثمرات، ثم أرسل عليهم الطوفان، ففاض نهر النيل وأغرق بيوتهم، فيجأرون إلى موسى: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ [الأعراف:١٣٤]، فيدعو ربه فيكشف عنهم ذلك، ويكفرون أشد من كفرهم السابق، فتنمو الثمار وهم على كفرهم فيرسل الله عليهم الجراد فتأكل كل الثمار، فيطلبون من موسى: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الأعراف:١٣٤]، فيدعو ربه سبحانه فيكشف عنهم، فيصرون على ما هم فيه، ويجمعون ثمارهم وحبوبهم في أماكنها فيرسل الله عليها ما يأكلها، فيجأرون إلى موسى: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الأعراف:١٣٤].
وفي كل آية من الآيات يطلبون من موسى أن يدعو ربه، فربنا يقول للنبي ﷺ أنه من ختم الله على قلبه لن يؤمن وإن رأى الآيات.
ولا تحزن على أبي جهل وأمثاله، وليس كل أمر يطلبه الكفار تطلبه لهم، وإذا كان الله أراد لهم الإيمان سيؤمنون، وإذا لم يرد ذلك فلن تقدر على أن تحولهم من كفرهم إلى الإيمان.
وموسى وحده ذهب إلى فرعون الذي نصب نفسه إلهاً: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، واستخف قومه، فقال له موسى: ﴿إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزخرف:٤٦]، أي: رسول رب الخلق ورب العالم العلوي والعالم السفلي، وكل ما خلق الله سبحانه ﵎، فالله خالق كل شيء، وهو رب كل شيء ومليكه سبحانه.
стр. 3281
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون)
قال الله سبحانه ﵎، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ [الزخرف:٤٧]، والقصة مطولة، كما في سورة الأعراف، وفي سورة طه، وفي سورة القصص، واختصرها في مواضع من القرآن.
ولما جاءهم موسى بآيات الله، سأل فرعون موسى ﵊: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٢٣] ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء:٢٦ - ٢٧]، ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء:٢٤].
فموسى يجيب فرعون بالعقل، بأنه إنسان مخلوق لا يقدر على شيء، وربنا هو الذي خلقه وأوجده، فسيتهزئ فرعون بموسى أمام الناس، ويظهر لهم أنه كذاب في دعواه أن الله رب العالمين، فينتقل من المناقشة بالعقل إلى أسلوب القهر والقوة والسلطان، فقال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء:٢٩].
وكل الفراعنة على هذا الشيء، ومن اقتدى بهم، أو تشبه بهم، فإنهم يستخدمون أسلوب القهر، وهذه عادة في هؤلاء الفراعنة من الماضي، أما المناقشة بالعقل فلا يوجد عندهم عقل أصلاً، ولا يعرفون دين الله سبحانه، ولا يأبهون لذلك، ولا يتركون ما هم فيه من الكفر، ويضحكون على الآيات التي أبكتهم، والتي جعلتهم يسألون موسى أن يدعو الله أن يكشفها عنهم.
والإنسان الظالم أو المتكبر المتجبر عندما تأتي إليه آية ولا يعرف ردها فإنه يضحك منها ويستهزئ بها.
وحين أراهم موسى آية اليد فأدخلها جيبه ثم أخرجها فإذا هي بيضاء كالشمس، إذا بفرعون يسخر من موسى ويضحك ويقول: هذا ساحر.
ولما ألقى أمامه العصا فتحولت إلى ثعبان فزع فرعون ثم تمالك نفسه وضحك وسخر من موسى وأحضر له السحرة من أقصى الأرض ومن أدناها.
стр. 3282
تفسير قوله تعالى: (وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها)
قال الله : ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٤٨] كل آية أشد من الآية التي قبلها، فأرسل الله عليهم ﴿الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ [الأعراف:١٣٣]، وهذه الآيات التي أرسلها الله عليهم كانوا لا يسخرون منها ولا يضحكون، فعندما أرسل الله عليهم الدم، فكانوا يشربون الماء فيتحول إلى دم وكذلك الأكل وأرسل عليهم الجراد وغيرها من الآيات كانوا لا يضحكون وإنما يبكون ويطلبون من موسى أن يدعو الله أن يكشف عنهم ذلك.
قال الله سبحانه: ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٤٨]، أي: بهذه الآيات التي سبق ذكرها، ومن العذاب إرسال الضفادع تخيفهم، والدم يبتليهم به ويخيفهم ويفزعهم، والقمل والطوفان.
стр. 3283
تفسير قوله تعالى: (وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك)
وكل آية من هذه الآيات يدعون موسى ويقولون: ﴿يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٩]، كانوا يزعمون أنه ساحر، وكأنهم ينادونه على وجه التعظيم، لأن معنى الساحر في زمانهم الرجل العالم العظيم.
فيقولون له: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف:٤٩]، الذي علمك ذلك أن يكشف عنا ما نحن فيه.
стр. 3284
القراءات في قوله تعالى (يا أيها الساحر)
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ﴾ [الزخرف:٤٩]، هذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن عامر: ((يَا أَيُّهُ السَّاحِرُ))، إذا وصلها، فإذا وقف: (يا أيهْ) والجمهور إذا وقفوا عليها يقفون بالهاء الساكنة: (يا أيه) وإذا وقف عليها أبو عمرو والكسائي ويعقوب يقرءون: ﴿يَا أَيُّهَا﴾ [الزخرف:٤٩]، بالألف في آخرها.
فموسى بلغهم رسالة رب العالمين، أن من آمن هداه الله وأمنه، فقالوا لموسى: ادع الله بما عهد عندك أن يكشف عنا ما نحن فيه ونحن سنؤمن بالله تعالى ونتبعك ونكون من المهتدين.
стр. 3285
تفسير قوله تعالى: (فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون)
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ﴾ [الزخرف:٥٠]، وذكر الله تعالى في سورة الأعراف: ﴿إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾ [الأعراف:١٣٥] يعني: أن إنزال العذاب عليهم ليس مباشرة، ولكن إلى أجل أي إلى أن يقيم عليهم الحجة.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾ [الزخرف:٥٠]، إذا هم يغدرون ويرجعون، وينقضون، ولا يوفون بما عاهدوا عليه موسى ﵊.
بل تمادى فرعون فنادى قومه فقال: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١].
كأنه يناقشهم بالعقل مثلما موسى يناقشهم ويكلمهم بالعقل، كيف يكون فرعون رباً؟ وكيف يكون كذا وكذا؟ وفرعون أيضاً يريد أن يقنع من حوله بما يقوله من كلام فارغ.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3286
تفسير سورة الزخرف [٤٦ - ٥٦]
ذكر الله تعالى في هذه الآيات أنه أرسل موسى بالآيات والمعجزات الدالة على صدق رسالته، فلما رأى فرعون ذلك إذا به وقومه يضحكون من هذه البينات، ويتهمون موسى بأنه ساحر، وقد تكبر فرعون وادعى أنه الذي أجرى الماء من تحتهم فأجراه الله من فوقه، وأنه خير من موسى ﵇ فانتقم الله منه وأغرقه وجنوده في البحر، وجعلهم الله تعالى عبرة ومثلاً لمن أتى بعدهم.
стр. 3287
تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه)
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الزخرف: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ * فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ﴾ [الزخرف:٥١ - ٥٦].
يذكر الله لنا في هذه الآيات وما قبلها أنه قد أرسل موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بالآيات إلى فرعون وملئه، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [الزخرف:٤٦]، وذكر في آية غيرها ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود:٩٦ - ٩٧] فأرسله الله إليهم ليدعوهم إلى عبادة الله وحده وأن يتركوا ما هم فيه، وقد طلب موسى من ربه سبحانه أن يجعل معه أخاه هارون وزيراً ليعينه على ذلك، وكان موسى في لسانه لكنة من إصابة أصابته وهو صغير في بيت فرعون لما أراد أن يقتله ودافعت عنه امرأة فرعون وقالت له إنه صغير لا يفهم ولا يعقل، فقرب إليه جمرة من نار فلمسها بلسانه لأمر يريده الله سبحانه فأصابته لكنة من ذلك الوقت، ولذلك كان فرعون يعيره بأنه لا يكاد يبين، أي: ما يستطيع أن يتكلم وهذا كان قبل أن يوحى إليه بالرسالة، فلما جعله الله نبياً قال تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٤٣] فدعا ربه، فاستجاب له ربه سبحانه ﵎ فيما سأله، ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس:٨٩] أي: دعوة موسى وهارون، فدعا موسى ربه سبحانه ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٢٥ - ٣٦].
فكل ما سأل موسى ربه قد أجابه الله، فكشف عنه ما كان فيه من كرب بسبب خوفه من فرعون ومن معه وبسبب اللكنة أو الثقل الذي كان في لسانه فالله رفع عنه هذا فصار قوياً بإيمانه بعصمة الله له وأيضاً جعل له أخاه معه وزيراً يعينه على دعوته إلى الله سبحانه ﵎، وأرسله ربه بتسع آيات بينات إلى فرعون وملئه.
стр. 3288
ألقاب بعض ملوك الأرض
وفرعون لقب لكل من يملك مصر ويسمى بأي اسم من الأسماء، كما يقال لمن يملك الروم الـ قيصر، ومن يملك الفرس فهو كسرى، ومن يملك الحبشة فهو النجاشي.
стр. 3289
تعريف الملأ
وأرسل الله موسى ومعه هارون إلى فرعون وملئه، والملأ: الكبراء والسادة من القوم، فذهب موسى ليدعو هؤلاء إلى دين الله ، فكان الجواب من فرعون لموسى ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢] أي: أنا خير أم هذا الرجل الذي لا يبين الكلام؟ فلم ينظر إلى الآيات وإلى ما آتاه الله من حجة قوية بالغة تثبت أنه رسول رب العالمين، وفرعون قال لقومه أنه ربهم الأعلى، فلما قال له موسى: أنا رسول رب العالمين، طلب منه فرعون الآيات، فلما رأى اليد والعصا بهت، فجادل بالباطل واتهم موسى بأنه ساحر، فقال: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾ [طه:٥٨] فرد عليه موسى ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه:٥٩].
والذي يريد أن يهرب حقيقة هو فرعون وليس موسى، وفرعون يقول لموسى: لا تخلف هذا الموعد، واحضر من أجل أن نهزمك في هذا الشيء الذي لا تقدر على صنعه وهو السحر.
فاغتر فرعون بهؤلاء السحرة، ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، ليظهر كذب فرعون ويؤمن من شاء الله له أن يؤمن من هؤلاء السحرة الذين جاؤوا لنصرة فرعون من كل مكان، فاعتزوا عليه، ﴿قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء:٤١ - ٤٢] لو أنكم انتصرتم على موسى.
стр. 3290
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون)
يقول الله ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ [الزخرف:٤٧] أي: ضحك فرعون وملؤه من الآيات التي جاء بها موسى، وقالوا إنها سحر.
стр. 3291
تفسير قوله تعالى: (وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها)
قال تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٤٨] فأخذهم الله بالسنين ونقص من الثمرات، قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف:١٣٣].
стр. 3292
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الساحر ادع لنا ربك)
وذكر اليد والعصا أنهما من التسعة الآيات البينات، ثم قالوا لموسى ﴿يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٩] ولما رأوا آيتين من آيات العذاب وهما: اليد والعصا أحضروا لذلك السحرة، لكن لما أخذهم الله بشيء من العذاب وهو إرسال الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم قالوا: ((يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ)) أي: إذا كشفت عنا العذاب سندخل في الإيمان ونتابعك كعادة كل إنسان جبار أصابه الله بعذاب في الدنيا فإنه يقول سأتبعك بشرط أن ترفع عني هذا العذاب فيقوله بلسانه، ويريد الله أن يقيم عليه الحجة فهم الذين قالوا إننا لمهتدون، والمعنى سنهتدي وندخل في دينك بشرط أن تكشف عنا العذاب.
стр. 3293
تفسير قوله تعالى: (فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون)
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾ [الزخرف:٥٠] أي: يغدرون وينقضون ولا يوفون بما وعدوا فيه.
стр. 3294
تفسير قوله تعالى: (ونادى فرعون في قومه أفلا تبصرون)
قال تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١] هذا منطق فرعون فهو يتكلم بالعجرفة وبالقوة وبالاستكبار وبالتحقير لغيره فهو يحقر كل من حوله من الوزراء والكبراء والأمراء، وينظر إليهم أنهم جهلة أغبياء.
وقوله تعالى: ((أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ)) هذه الحجة التي يزعمها أنه يملك مصر وهو الملك عليها، وأن نهر النيل يجري في أرضه، فهذا الملعون يزعم أنه هو الذي أجرى هذا النهر وهو الذي خلق هذه البلاد وهو صاحب كل شيء كعادة المتكبرين والمجرمين حين ينسبون الفضل إلى أنفسهم، ويمنون على شعوبهم بأنهم هم الذين عملوا لهم كذا ورقوهم وحرروهم فهم يزعمون ذلك، وهذا فرعون يتكبر كعادة هؤلاء المتكبرين فيقول: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] وكأنه الذي خلقها وقد قال لقومه قبل ذلك ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ولما قال لهم ذلك قال أفلا تبصرون أي: من أجل أن تعرفوا من الذي يستحق أن يعبد أنا أو إله موسى.
стр. 3295
تفسير قوله تعالى: (أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين)
قال الله تعالى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢] فحقر قومه فقال: ((أَفَلا تُبْصِرُونَ)) أي: ألستم تعرفون أني أستحق هذا كله؟ لأن ((لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي)).
وحقر موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام فقال مخبراً: بل أنا خير من هذا، أو كأنه استفهام أم أنا خير من هذا الحقير الذي ربيته في قصري ولا يكاد يبين؟ أي: يتكلم وهو يتعتع، كأنه يزعم أنه ما زال على ذلك وقد شفاه ربه سبحانه ﵎ وما أرسله إلى فرعون إلا وكان ينطق فلا ثلغ ولا ثقل في لسانه فنطق وتكلم ومع ذلك فرعون ما زال يعيره بالماضي بأنه لا يستطيع أن يتكلم ويزعم أنه رسول.
следующие страницы →