← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

تفسير قوله تعالى: (وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها) قال تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٤٨] فأخذهم الله بالسنين ونقص من الثمرات، قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف:١٣٣].

стр. 3292

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الساحر ادع لنا ربك) وذكر اليد والعصا أنهما من التسعة الآيات البينات، ثم قالوا لموسى ﴿يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٩] ولما رأوا آيتين من آيات العذاب وهما: اليد والعصا أحضروا لذلك السحرة، لكن لما أخذهم الله بشيء من العذاب وهو إرسال الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم قالوا: ((يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ)) أي: إذا كشفت عنا العذاب سندخل في الإيمان ونتابعك كعادة كل إنسان جبار أصابه الله بعذاب في الدنيا فإنه يقول سأتبعك بشرط أن ترفع عني هذا العذاب فيقوله بلسانه، ويريد الله أن يقيم عليه الحجة فهم الذين قالوا إننا لمهتدون، والمعنى سنهتدي وندخل في دينك بشرط أن تكشف عنا العذاب.

стр. 3293

تفسير قوله تعالى: (فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون) قال تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾ [الزخرف:٥٠] أي: يغدرون وينقضون ولا يوفون بما وعدوا فيه.

стр. 3294

تفسير قوله تعالى: (ونادى فرعون في قومه أفلا تبصرون) قال تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١] هذا منطق فرعون فهو يتكلم بالعجرفة وبالقوة وبالاستكبار وبالتحقير لغيره فهو يحقر كل من حوله من الوزراء والكبراء والأمراء، وينظر إليهم أنهم جهلة أغبياء. وقوله تعالى: ((أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ)) هذه الحجة التي يزعمها أنه يملك مصر وهو الملك عليها، وأن نهر النيل يجري في أرضه، فهذا الملعون يزعم أنه هو الذي أجرى هذا النهر وهو الذي خلق هذه البلاد وهو صاحب كل شيء كعادة المتكبرين والمجرمين حين ينسبون الفضل إلى أنفسهم، ويمنون على شعوبهم بأنهم هم الذين عملوا لهم كذا ورقوهم وحرروهم فهم يزعمون ذلك، وهذا فرعون يتكبر كعادة هؤلاء المتكبرين فيقول: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] وكأنه الذي خلقها وقد قال لقومه قبل ذلك ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ولما قال لهم ذلك قال أفلا تبصرون أي: من أجل أن تعرفوا من الذي يستحق أن يعبد أنا أو إله موسى.

стр. 3295

تفسير قوله تعالى: (أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين) قال الله تعالى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢] فحقر قومه فقال: ((أَفَلا تُبْصِرُونَ)) أي: ألستم تعرفون أني أستحق هذا كله؟ لأن ((لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي)). وحقر موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام فقال مخبراً: بل أنا خير من هذا، أو كأنه استفهام أم أنا خير من هذا الحقير الذي ربيته في قصري ولا يكاد يبين؟ أي: يتكلم وهو يتعتع، كأنه يزعم أنه ما زال على ذلك وقد شفاه ربه سبحانه ﵎ وما أرسله إلى فرعون إلا وكان ينطق فلا ثلغ ولا ثقل في لسانه فنطق وتكلم ومع ذلك فرعون ما زال يعيره بالماضي بأنه لا يستطيع أن يتكلم ويزعم أنه رسول.

стр. 3296

تفسير قوله تعالى: (فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب) قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف:٥٣] كان عادة هؤلاء الملاعين أن الملك يلبس سوارين من ذهب في يديه، ويضع قلادة من ذهب في عنقه، فلجهله نظر إلى أن موسى يدعي أنه رسول من الرب وليس عنده دليل على ذلك كأن الدليل عنده ليس كل الآيات التي جاء بها موسى وإنما بأن يلبس أسورة من ذهب في يديه ليدل على أنه ملك من الملوك أو جاء من عند الملك.

стр. 3297

القراءات في قوله تعالى (أسورة من ذهب) وقوله تعالى: ((فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ)) هذه قراءة حفص ويعقوب، وباقي القراء يقرءونها أساورة من ذهب على الجمع فيها، وكأن أسورة جمع سوار وأساورة جمع جمعه، أي: جمع أسورة. وقوله تعالى: ((أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ)) أي: من أجل أن نعرف أنه رسول من رب العالمين يأتي بالملائكة مربوطين بعضهم ببعض أو نصافح الملائكة أو يكونون معه ذهاباً وأياباً.

стр. 3298

تفسير قوله تعالى: (فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين) ولما قال ذلك قال الله سبحانه ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤] استخفهم يعني: حملهم على الخفة كأنه هز المشاعر الباطلة التي فيهم فضيع أحلامهم وضيع صبرهم على الأمر. واستخف فلان فلانا: جعله طائشاً وأخرج الخفة التي فيه، والإنسان عنده صبر وحلم، ولما يأتي إنسان ينفذه أو يغيره أو يحمسه فإنه يخرج عن دائرة الصبر والحلم، فيخف عقله فتراه يهرج ويستخف بمن حوله فصاروا خفاف العقول بهذه الحالة وليس عندهم عقول يفكرون بها، فصدقوا فرعون فيما قاله لهم وأطاعوه فيما طلبه.

стр. 3299

معنى الفسق قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤] الفسق: الخروج من دين رب العالمين سبحانه، والفسق الأصغر: معصية رب العالمين، فهم خارجون عن طاعة رب العالمين سبحانه، والفسق الأكبر: الخروج من دين رب العالمين سبحانه، فلما آسفونا أخذناهم بالعذاب ونصرنا موسى على فرعون ومن معه من السحرة ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٤٤ - ٤٦] فالسحرة الذين جاءوا لينصروا فرعون سجدوا لله وقالوا: آمنا برب العالمين، وفرعون لم يتعظ من هؤلاء الذين يعرفون السحر ويفرقون بين السحر وبين الحقيقة، فيلقون حبالهم وعصيهم وهم يعرفون أن الذي يصنعونه يخيل لأعين الناس أنه يسعى، لكن العصا التي ألقاها موسى تحولت حقيقة إلى ثعبان مبين فأكل ولقف كل ما ألقاه هؤلاء فعرفوا أنه رسول من رب العالمين فآمن السحرة وسجدوا لله رب العالمين، فكانوا في الصباح كفاراً فأمسوا مؤمنين أبراراً رضي الله ﵎ عنهم، وتمسكوا بدين رب العالمين حتى وإن قتلهم فرعون أو هددهم فقال: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧١ - ٧٢] فرعون هو الذي جمع السحرة من أقصى الأرض ثم بعد ذلك يقول: إن موسى هو الذي علمهم السحر، ومن حوله يعرفون كذب فرعون، فإن موسى لم يذهب إلى السحرة ويتعلم منهم السحر، ولكن فرعون لا يستحيي أن يكذب على هؤلاء الناس وهو ملك، وإن من أشد الناس عذاباً عند رب العالمين الملك الكذاب، ففرعون يكذب ويقول للسحرة: إن موسى هو كبيركم الذي علمكم السحر ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء:٤٩] ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧١ - ٧٢].

стр. 3300

تفسير قوله تعالى: (فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين) فلما وصل فرعون إلى قمة الطغيان والفساد قال الله ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الزخرف:٥٥] فجاءهم العذاب من عند رب العالمين سبحانه ﵎، وذلك لما خرج فرعون وقومه إلى بني إسرائيل ليستحييهم ويعذبهم ويبقيهم في الخدمة، وكان هذا الغرور من فرعون سبب لهلاكه وهلاك جنوده، فلما وصل بهم إلى شاطئ البحر الأحمر وإذا بموسى هنالك عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وإذا بقومه لا يعرفون إلى أين يذهبون؟ فلما وقفوا مع موسى أمره الله ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ [الشعراء:٦٣ - ٦٤] وإذا برب العالمين سبحانه يفلق لموسى البحر بهذه العصا التي كانت ثعبان فيستجيب البحر ويصير فيه ممر لموسى ومن معه، فلما توسط موسى ومن معه البحر إذا بفرعون ومن معه ينظرون أمامهم آية عظيمة من آيات رب العالمين وهي انفلاق البحر، فلا يصدق فرعون أن هذا رسول بعد ما رأى ذلك، فيدخل فرعون ومن معه البحر ويخرج موسى من الناحية الأخرى، وينطبق البحر على فرعون ومن معه، فلما غرق وانتقم الله منه قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] أي: أنا مسلم ومؤمن بالذي آمنت به بنو إسرائيل، قال له ربه ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩١ - ٩٢] أي: نخرجك ببدنك عارياً من هذا البحر حتى يراك الناس مرمياً على شاطئ البحر مثل البهائم النافقة، قال جبريل للنبي صلوات الله وسلامه عليه فلو رأيتني وأنا أضع في فيه من وحل البحر خشية أن يتوب الله عليه، لأنه قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، فإن رحمة الله عظيمة واسعة. والله تعالى إذا أنزل العذاب على قوم ما كان لينجيهم منه، إلا ما كان من قوم موسى فقط فإنه كل ما أنجاهم من عذاب أتاهم بعذاب آخر في الدنيا ويكون نهايتهم إلى النار والعياذ بالله.

стр. 3301

تفسير قوله تعالى: (فجلعناهم سلفاً ومثلاً للآخرين) قال : ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ﴾ [الزخرف:٥٦] فجعلناهم سلفاً بقراءة الجمهور، وقراءة حمزة والكسائي فجعلناهم سلفاً. والسلف القدوة المتقدمون، فصار فرعون متقدماً لقومه ويتبعونه في الباطل فهو يقودهم إلى طريق النار، وكل من يحب فرعون أو يفتخر به فإنه قدوته وإمامه إلى نار جهنم وبئس المصير، لعنة الله على فرعون وعلى أتباعه وعلى من افتخر به وعلى من تشبه به قال تعالى: ((فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ)) أي: تضرب بهم الأمثال، فمن تكبر مثل فرعون حصل له ما حصل لفرعون، فصاروا مثلاً وسلفاً لهؤلاء الظلمة المجرمين. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3302

تفسير سورة الزخرف [٥٥ - ٦٠] من عادات أهل الكفر السيئة التي جبلوا عليها أنهم يسعون نحو الجدل العقيم الذي لا فائدة من ورائه، وقد سلك هذا الطريق كثير من المشركين فجادلوا رسول الهدى بأمور لا يصح أن يجادل فيها إنسان.

стр. 3303

تفسير قوله تعالى: (ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون) الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الزخرف: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ * وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الزخرف:٥٧ - ٦٢]. لما ذكر الله سبحانه ﵎ قبل هذه الآيات قصة موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام مع فرعون، وكيف أن فرعون استخف قومه فأطاعوه فيما كان يقوله لهم وأراد أن يهلك موسى ومن معه فإذا بالله يغضب عليه وينتقم منه وممن معه قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الزخرف:٥٥] أي: فرعون وجيشه وجنوده فأغرقناهم أجمعين، ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ﴾ [الزخرف:٥٦]، أي: مقدمة يتقدمون القوم الآخرين، فجعلناهم مقدمة لمن أتوا من بعدهم واتبعوا طريقهم الباطل وضلالهم، فهم شر سلف لشر خلف من بعدهم فيكون الخلف مثلهم أشراراً يقتدون بهم فيستحقون النار. فلا تتكبر مثلما تكبر فرعون وإلا نالك ما نال فرعون، فيضرب به المثل في الشر وفي الكبر وفي الغرور وفي عبادة غير الله سبحانه وفي زعمه أنه أكبر من غيره، وأنه لا يوجد شيء أكبر منه وفي كذبه حين يقول للناس: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وحين يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] وحين يكذب فيصدقه قومه، فالله جعله مثال شر لمن يأتي بعده. ثم ذكر ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ [الزخرف:٥٧] إذاً: ذلك مثل شر وهو فرعون، وهذا مثل خير وهو المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام. ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف:٥٧]، الكفار ذكروا المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام وأرادوا أن يضربوه مثلاً للنبي ﷺ فهذا المسيح الذي تزعم أنه نبي وقد عبدته النصارى فأنت تقول: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨] فالمسيح عُبد من دون الله سبحانه إذاً: فهو في النار. أرادوا أن يقولوا ذلك وأن يضربوا للنبي ﷺ الأمثال، وتجاهلوا لغتهم العربية التي يتكلمون بها، وأعجبهم ما يقولون. فقريش قالت: إن محمداً يريد أن نعبده كما عبد المسيح ابن مريم، وهذا من ضمن إفكهم وكذبهم عليه فهو يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وهم يزعمون أنه يريد أن يعبدوه مثلما النصارى عبدوا المسيح ابن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام. وبعض هؤلاء الكفار لما تكلموا مع النبي ﷺ وقالوا: إن آلهتنا فيها خير نزل القرآن يقول: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨] وما يعبدونه من دون الله سبحانه ﵎ من أصنام. و (ما) يراد بها غير العاقل وإذا أراد العاقل قال: ومن تعبدون فهذه هي لغتهم، فقال لهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨] فسكتوا وما قدروا أن يردوا على النبي ﷺ ، فلما رجعوا إلى قومهم فإذا برجل منهم اسمه ابن الزبعرى وكان شاعراً من شعرائهم وجاهلاً من جهلائهم فسمع ما قاله النبي ﷺ وقال: أما إني لو كنت معه لخاصمته، أي: جادلته وكنت سأقول: إنك تقول: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون) فالنصارى عبدوا المسيح ابن مريم وحسب قولك: فالمسيح ابن مريم خالد في جهنم؛ لأنه معبود من دون الله، وكأنه تجاهل وتغافل عن قوله: (وما تعبدون) وخلطها بـ (من تعبدون) ولو فرض أن وما تعبدون كانت تعم الجميع العاقل وغيره، فيقال وما تعبدونه إن رضي بعبادتكم وأما المسيح ابن مريم فتبرأ من عبادتهم له عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأمرهم أن يعبدوا الله، وأخبر الله أنه عبد من عباد الله سبحانه ﵎، فلما أعجبهم ذلك وأرادوا أن يقولوا للنبي ﷺ ذلك ذكر الله سبحانه: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف:٥٧] وقوله: (يصدون) قرئت بكسر الصاد وبضمها، فـ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة وكذلك يعقوب يقرءون: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف:٥٧] وباقي القراء يقرءونها: (إذا قومك منه يصُدون). يصدون: بمعنى يضجون، ويفرحون؛ بأنهم وجدوا شيئاً يخاصمون فيه النبي ﷺ ففرحوا بهذا الشيء الذي يقولونه، ورفعوا أصواتهم مستحسنين بجهلهم ما قاله، (إذا قومك منه يصدون) وهذا معنى القراءة الأخرى. أما القراءة الأولى التي هي بكسر الصاد يعني: يعرضون عن سبيل الله وأعرض أي: منع غيره أن يدخل فيه فكأنهم يصدون عن دين رب العالمين بكلامهم الذي يقولونه ويعرضون عن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 3304

تفسير قوله تعالى: (وقالوا أألهتنا خير أم هو) ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ [الزخرف:٥٨] أي: أآلهتنا خير أم عيسى بن مريم؟ فأنت تقول: أن المسيح عيسى بن مريم خير ولا شك في ذلك، فإذا كان هو خير فهو في النار على حسب قولك، قال الله : ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ [الزخرف:٥٨]، أي: يجادلون بالباطل ويتعامون عما يفهمونه ويعرفونه والمسيح لم يرض بأن يعبد من دون الله، وكذلك اليهود فقد زعموا أن عزيراً ابن الله وهو لم يرض بذلك قالت اليهود: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] فاليهود كذبوا على عزير والنصارى كذبوا على عيسى، قال سبحانه: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ [الزخرف:٥٨] أي: للجدل فقط، وهم يعرفون الفرق بين: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨] (وإنكم ومن تعبدون) يعرفون ذلك ولكن يجادلون بالباطل، ويعرفون الفرق بين من رضي بأن يكون إله وطلب ذلك مثل فرعون، وبين من لم يرض بذلك وقال أنا عبد لله كالمسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فهم ما ضربوه لك إلا جدلاً. ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٨]، والإنسان الخصم: هو المخاصم الشديد الخصومة المجادل الكثير الجدل بالباطل، وهذا بغيض إلى الله ، والله يبغض من الرجال الألد الخصم، الألد هو اللدود شديد العداوة والخصومة، والذي يحب أن يجادل كثيراً، ويحب أن يظهر أنه يجيد الكلام، وأنه على ثقافة عالية، وأنه يجيد القول، فهذا بغيض إلى الله بغيض إلى الناس، فكان الكفار مع النبي ﷺ على هذا الحال ولذلك قال النبي صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي أمامه قال: قال رسول الله ﷺ : (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل) ثم تلا هذه الآية: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٨] فالإنسان وهو على الهدى يعبد ربه سبحانه ﵎ ويريد أن يرضي ربه فلا يوجد لديه وقت فهو يريد أن يرضي ربه سبحانه بحسن خلقه وبحسن عبادته، وكلما ابتعد الإنسان عن ربه كلما وجد نفسه فارغاً فالذي لا يعبد ربه يعبد الشيطان ويتقرب إلى الشيطان بما يرضيه فإذا به يجادل بالحق أو بالباطل والمهم أن يظهر أمام الناس أنه يجيد الكلام، (فما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)، فإذا وجدت إنساناً كثير الجدل يريد أن يناقش، ويريد أن يجادل ويتكلم ويرفع صوته اعرف أن هذا الإنسان بعيد عن الهدى، فلم يكن من هدي النبي ﷺ كثرة الجدل ولا كثرة الكلام صلوات الله وسلامه عليه، وقد أوتي جوامع الكلم فكان يتكلم بالكلام البسيط الذي يحفظ عنه صلوات الله وسلامه عليه، وما كان يجلس ليناقش ويجادل مع القوم بل كان العرب يأتون النبي ﷺ وفوداً ومع كل وفد يأتي شعراء القبيلة وخطباؤها ويقفون بين يدي النبي ﷺ ويتكلم الخطيب بخطبة طويلة ويقول الشاعر شعره فالنبي ﷺ لا يرد على مثل ذلك وكان يأمر من أصحابه من يرد، فمن طبعه ﵊ أنه معرض عن الجدل، وما كان النبي ﷺ يحب أن يدخل في ذلك من باب المباهاة التي كانت عند العرب فكان النبي ﷺ يأمر ثابت بن قيس بن شماس أن يجيب خطيبهم فكان يجيبه ويفحمه رضي الله ﵎ عنه وكان يأمر حسان بن ثابت أو غيره من الشعراء أن يرد على شاعرهم فكان يرد فيغلبهم بذلك أما هو ﷺ ما كان يدخل في ذلك صلوات الله وسلامه عليه. وقد جاء في حديث النبي ﷺ : (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) قيل وقال: أي: كثرة الكلام فالإنسان الذي يتكلم كثيراً ليظهر نفسه أنه يجيد الكلام كرهه الله، فلو أن الإنسان وزن ما يقوله هل بكلامه هذا يرضي ربه؟ أم أنه يرضي نفسه بذلك؟ فالمجادل يرضي نفسه؛ لأن عنده حب شهوة الكلام فيرضي نفسه ويطمئن قلبه بذلك، أما الإنسان المؤمن فيرضي ربه بكلامه ويرضي ربه بسكوته فإذا تكلم تكلم بذكر الله سبحانه ﵎ وإذا سكت كان ذاكراً لله في لسانه وفي قلبه، ويعلم أن النبي ﷺ أخبرنا أن الله يخبر عن عبده: (إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه)، فالمؤمن هذه حاله. قال الله سبحانه ﵎ عن هؤلاء المشركين: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٨] أي: مجادلون بالباطل محبون لهذا الجدل.

стр. 3305

تفسير قوله تعالى: (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه) أما المسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فقد قال الله عنه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ﴾ [الزخرف:٥٩] ما هو إلا عبد ﵊، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف:٥٩]، فذكر الله المثل ثلاث مرات: في المرة الأولى عن فرعون ومن معه: ((فجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين)) وهذا مثل شر وموعظة لمن يتق الله ولمن يتعظ بمثل هذه القصة، والمثل الآخر الذي ضربه الكفار للنبي ﷺ وهم يكذبون ويفترون ويتغافلون عما يقولونه فذكر الله هذا المثل ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف:٥٧] المثل الثالث: يقول نحن جعلناه مثلاً أي: جعلنا المسيح آية فالمثل في هذه الآية معناه المعجزة وجعلناه آية من آياتنا. ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ﴾ [الزخرف:٥٩]، عبد خلقه الله وليس بأعجب من آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام الذي أوجده الله من لا شيء فكان من ماء ثم من تراب ثم جسداً حياً بعد ذلك وليس عجباً أن يخلق الله آدم من تراب، وليس عجباً من العجب أن يخلق المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام من أم فقط من غير أب وهذه آية من آيات الله ، وكل خلق الله عظيم فإذا قيل خلق المسيح من أم فقط قلنا: ليس هذا بأعجب من حواء التي خلقت من ضلع من آدم فهل عبدتم المسيح؛ لأنه خلق من أنثى؟ فاعبدوا حواء لأنها خلقت من ذكر فهي أولى، وحاشا لبشر أن يعبد من دون الله ، وهذا آدم خلقه أعجب من خلق الجميع فقد خُلق من لا شيء، فجعل الله المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام آية قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف:٥٩] ليروا آية من آيات الله أمامهم فيصدقون أنه نبي الله ﵊، ولم يؤمن به الكثيرون من بني إسرائيل وإنما آمن به البعض وأما الكافرون فقد أرادوا قتله ووشوا به إلى ملكهم ملك الكفار ليقتله وقد جعل الله له آيات يحيي الموتى بإذن الله سبحانه، ويبرئ الأكمه والأبرص ويخبرهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، وهذه كلها آيات من آيات الله سبحانه ﵎ لم ينسبها لنفسه وإنما نسبها لله سبحانه ﵎ وأنه يفعل ذلك بإذن الله فقال الله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف:٥٩] حتى يؤمنوا ويصدقوا ويتبعوا أنه نبي ورسول أرسله الله إليهم.

стр. 3306

تفسير قوله تعالى: (ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة) قال : ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف:٦٠] لو شئنا لأنزلنا ملائكة من عندنا وجعلناهم يمشون في الأرض، ولكن لو نزلنا ملكاً من السماء فإن الناس لن يؤمنوا طوعاً حين يرون هذا الملك وإنما سيؤمنون قهراً، والله لا يريد ذلك، فلو أنه نزل ملكاً فمن سيجرؤ أن يقول: للملك: لا لن نؤمن فإذا كان ملك من ملائكة الله سبحانه ﵎ أخذ قرية ورفعها وقلبها على أهلها من الناس فلو نزلنا ملكاً من السماء لجعلنا هذا الملك بشراً أي: في صورة بشر ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام:٩] أي: لخلطنا عليهم فلا يعرفون أهذا ملك أم بشر يدعي أنه ملك على صورة بشر؟ كما قال لهم النبي ﷺ : أنا رسول من رب العالمين ولم يصدقوه فما الذي يجعلهم يصدقوا أنه ملك، فإما أن نجعله على صورة الملك فلا يطيقون أن ينظروا إليه ولا أن يسمعوا منه وسيخافون منه، أو نجعله على هيئة البشر فلبسنا عليهم ما يلبسون ويختلط عليهم الأمر ويقولون لن نصدقك فلا ينفع مع هؤلاء إلا بشر من البشر. قال الله سبحانه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف:٦٠] لجعلناهم يخلف بعضهم بعضاً فهذا ملك رسول وبعده ملك آخر رسول وبعده ملك آخر رسول، ولكن مشيئة الله أبت إلا أن يكون الرسول من البشر وأن يدعو الخلق فيكون منهم المؤمن ومنهم الكافر لحكمة من الله سبحانه. وللحديث بقية إن شاء الله. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3307

تفسير سورة الزخرف [٥٧ - ٦١] يخبر سبحانه عن حال كفار قريش حين ضرب ابن مريم مثلاً، وكيف أنهم فرحوا وظنوا أنهم قد وجدوا التناقض من رسول الله حيث إنهم قد سمعوا منه أن الكفار ومعبوداتهم سيدخلهم الله نار جهنم، فقالوا: هذا عيسى رسول الله عبد من دون الله فهل سيدخل النار؟ وما فعلوا ذلك إلا ليصدوا عن سبيل الله وليجادلوا بالباطل؛ لأنهم يعلمون أن عيسى آية لبني إسرائيل، وقد أعطاه الله من الآيات والمعجزات ما يدل على أنه رسول من عند الله، ولو شاء الله لأرسل إلى الناس ملائكة لكن حكمته اقتضت أن يرسل إليهم رسلاً من أنفسهم.

стр. 3308

تفسير قوله تعالى: (ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون) الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة الزخرف: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ * وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف:٥٧ - ٦١].

стр. 3309

تفسير قوله تعالى: (ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون) ذكر الله في هذه الآيات أن المشركين من قريش لما ضرب ابن مريم مثلاً وقد كانوا سمعوا قول الله ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨ - ٩٩] رفعوا أصواتهم وضجوا وقالوا: ابن مريم عبد من دون الله ، فأخذوا يعرضون عن النبي صلوات الله وسلامه عليه ويصدون الناس عن دينه بهذا الهراء الذي يقولونه، ويصدون بمعنى يردون، ويرفعون أصواتهم فرحين بما قادهم إليه بعضهم من قوله إن عيسى النبي ﵊ قد عبد من دون الله ونحن نعبد هذه الآلهة من دون الله، فإذا كان كل ما يعبد من دون الله في النار فقد رضينا أن تكون آلهتنا مع المسيح في النار، فلما قالوا ذلك ظنوا أنهم قد غلبوا النبي ﷺ وأنه قد تناقض في قوله، فهو يقول: كل ما يعبد من دون الله فهو في النار، والمسيح عيسى ابن مريم رسول الله وقد عبد من دون الله فسيكون في النار، وقد رضينا أن تكون آلهتنا معه في النار. وقد قالوا ذلك ليصدوا عن سبيل الله عز جل ويصدوا عن دين الله ، فأنزل الله سبحانه ((وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ)) وأنزل في سورة الأنبياء على النبي ﵊ ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٣]. فالله جعل للمسيح ﵊ سابقة حسنى عنده، فهو عبده ونبيه ورسوله وأحد أولي العزم من الرسل وهؤلاء سبقت لهم من الله الحسنى، وهو لم يرض عما فعله هؤلاء وقد رفعه الله سبحانه إليه وسينزله مرة ثانية ليتوفى على الأرض كما توفي غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

стр. 3310

تفسير قوله تعالى: (وقالوا أآلهتنا خير أم هو) قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٨] أي: هل الآلهة التي نعبدها خير أم هو؟ أي: أنت تقول أن كل من عبد من دون الله سيدخل النار والمسيح على ذلك سيدخل النار، وقد رضينا أن تكون آلهتنا مع المسيح، وغرضهم من هذا التكذيب، وهم يفهمون أن ما يقولونه باطل، ولكن يصدون عن سبيل الله بهذا الكلام ويفرحون في أنفسهم بأنهم قالوا شيئاً وردوا على النبي ﷺ . وهذه قراءة بعض القراء والبعض الآخر يقرؤها بالتسهيل وممن قرأها بالتسهيل المدني نافع وابن جعفر والمكي ابن كثير وكذلك أبو عمرو ورويس عن يعقوب، وابن عامر يقرءونها بتسهيل الهمزة الثانية، ((مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا)) أي: يعني هم يجادلونك فقط بهذا الجدال الباطل وهم يعرفون كذب أنفسهم ((بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ)) أي: شديدوا المخاصمة والجدال والتمحل بالباطل.

стр. 3311

تفسير قوله تعالى: (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه) ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف:٥٩] أي: فهو عبد من عباد الله ، ورسول أرسله الله إلى بني إسرائيل يدعوهم إلى عبادة الله وليس إلى عبادة نفسه، ولذلك يقول في المشهد يوم القيامة ما يخبر الله عنه في سورة المائدة ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المائدة:١١٦ - ١١٧] فالأمر الذي أمر به المسيح ﵊ قومه هو أن اعبدوا الله وحده لا شريك له، ولم يقل لهم اعبدوني من دون الله سبحانه. وهو شهيد كغيره من الرسل على قومه قال: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة:١١٧] أي: لما قبضتني كنت أنت الذي تشاهدهم، وتحكم عليهم وتحفظ عليهم ما يقولون وما يفعلون، فالمسيح ما هو إلا عبد من عباد الله سبحانه. وقال النبي ﷺ في الحديث: (من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وأن المسيح عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)، فالذي يشهد بأن النبي ﷺ عبد الله وأنه رسول الله ﵊، وكذلك يشهد أن المسيح ﵊ عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه ويشهد أن الجنة حق وأن النار حق يدخله الله الجنة على ما كان من عمله. وهو أي المسيح معجزة من معجزات الله ، فقد جعله الله يحيي الموتى، ويبرئ الأكمة والأبرص والأكمة هو الأعمى خلقة ولعل الإنسان إذا عمي بسبب مرض من الأمراض يعالج، أما الذي ولد أعمى فلا سبيل إلى علاجه، فالمسيح ﵊ كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويخبر أن ذلك بإذن الله وليس من عند نفسه هو، ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران:٤٩] وهذا من أعماله العظيمة التي جعلها الله آيات لقومه ليؤمنوا به ﵊ ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف:٥٩].

стр. 3312

تفسير قوله تعالى: (ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة) ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف:٦٠] أي: لو شاء الله لجعل الرسول ملكاً من ملائكته، والرسول الذي بين السماء والأرض هو ملك من الملائكة، ولكن لا يراه إلا الرسول ﵊، أما غيره من الخلق فلا يطيقون ذلك، وقد عود النبي صلوات الله وسلامه عليه حتى طاق ذلك فقد قال له ربه ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥] فكان القرآن ينزل من السماء على النبي ﷺ فإذا نزل جبريل على النبي ﷺ بالوحي تغشاه ما شاء الله أن يتغشاه حتى إنه يفيض عرقاً في الليلة الشديدة البرد من شدة ما ينزل عليه من السماء، ثم يفيق صلوات الله وسلامه عليه وقد حفظ ما قاله له جبريل فيبلغ ﵊ ما جاءه من ربه. ولقد ذهب النبي ﷺ إلى غار حراء يتعبد لله ، ليالي كثيرة العدد يتحنث فيها ولمثلها يتزود صلوات الله وسلامه عليه حتى فجأه جبريل فرآه بين السماء والأرض، ففزع النبي صلوات الله وسلامه عليه وهرب من هذا المكان، ثم مرة أخرى يراه يعوده ربه سبحانه حتى يطيق ذلك، ثم يأتيه جبريل وهو في الغار فيأخذ النبي ﷺ ويحتضنه ويضمه ضماً شديداً حتى أصاب النبي صلوات الله وسلامه عليه الجهد والمشقة، ثم يترك النبي ﷺ ويقول: (اقرأ، فيقول: ما أنا بقارئ) ﵊، فيأخذه الثانية والثالثة ثم نبئ ﷺ بسورة اقرأ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥]. وحين أوحي إليه بذلك كان في رعب شديد صلوات الله وسلامه عليه، فأخذ ما قيل له ورجع إلى بيته يقول: (زملوني زملوني دثروني دثروني) أما لو نزل هذا الملك وقال أنا رسول من عند رب العالمين هل يستطيع أحد أن يكذبه كما كذبوا النبي صلوات الله وسلامه عليه؟ لن يستطيعوا ولن يطيقوا بل سيؤمنون قهراً وقسراً، ولذلك لم ينزل الله سبحانه ملكاً من الملائكة يمشي بين الناس كهيئته؛ لأن الناس لا تطيق ذلك بل لن يستطيعوا أن ينظروا إليه. فالنبي ما طاق ذلك حتى طوقه الله سبحانه، فإما أن ينزل الملك على ذلك فيؤمن الناس قهراً وإما أن يكون الملك على هيئة بشرية فإذا كذبوه كذبوا بشراً فاختار الله الطريقة العظيمة الحكيمة وهي أن يكون الرسول إلى الخلق بشراً من البشر فيكون من جنسهم ومثلهم مشفق عليهم، ومهتم لأمرهم فيدعوهم إلى الله ليطيعوه ويوحدوه. وعدم جعل الرسل ملائكة ليس بسبب العجز ولكن رحمة بكم، ومعنى: يخلفون أي: يخلف بعضهم بعضاً في الدعوة إلى الله .

стр. 3313

تفسير قوله تعالى: (وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها) ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف:٦١] رجع في الكلام إلى المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام فقد أنعم الله عليه وسيذكره بنعمته عليه، ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [المائدة:١١٠] فهذه نعم من الله أنعم بها على المسيح ﵊ وعلى والدته، فقد جعله يكلم الناس وهو صبي صغير، لماذا؟ ليدعوهم إلى الله ويمنعهم من أن يسيئوا الظن بأمه؛ لأنها ولدت طفلاً من غير أن تتزوج؟ فإما أن يقولوا عنها أنها بغي، وإما أن يجعل الله لها آية من الآيات تصدقها، فكانت الآية أن يتكلم وهو في المهد صبيا، فهذه نعم من الله على المسيح وعلى أمه ﵉. ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف:٦١] أي: علم من الله لكم يعلمكم به أن خروجه دلالة وإشارة وعلامة على قرب القيامة، فمن أشراط الساعة نزول المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام. فقد رفعه الله ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران:٥٥] أي قابضك وافياً، ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:٥٥] فمن يتبع المسيح ﵊ على توحيد الله فوق الذين كفروا فإذا نزل المسيح يوم القيامة كان أتباعه هم المؤمنون أهل دين النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهؤلاء هم الذين يتبعونه فيكونون فوق الكفار إلى أن تقوم الساعة. إذاً: نزول المسيح من السماء من أشراط الساعة ومن علامات الساعة الكبرى. ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ [الزخرف:٦١] أي: فلا تشكن في هذه الأشراط فإذا جاء أشراط الساعة انفرطت هذه الأشراط كعقد انفرطت جواهره يتوالى ظهورها علامة وراء علامة. وقد ورد عن النبي ﷺ أحاديث في هذا المعنى منها ما رواه ابن ماجة ورواه الإمام أحمد أيضاً بإسناد رجاله ثقات وفيه رجل وهو جبلة بن سحيم يروي عن مؤثر بن عفازة ومؤثر بن عفازة وثقه ابن حبان وقال الذهبي: وثق، في الحديث عن ابن مسعود (لما كان ليلة أسري برسول الله ﷺ لقي إبراهيم وموسى وعيسى فتذاكروا الساعة فبدأوا بإبراهيم ﵊، فالنبي ﷺ أسري به إلى بيت المقدس فلقي الأنبياء وذكرنا في هذه السورة أن الله أمر نبيه ﷺ بقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]. فالنبي ﷺ لقي الأنبياء في بيت المقدس، وصلى بهم صلوات الله وسلامه عليه وتكلم معهم هنالك ثم لقيهم بعد ذلك في السماوات في السماء الأولى وفي الثانية والثالثة على ما ذكرنا قبل ذلك في الحديث. والغرض أن النبي ﷺ لما أسري به لقي إبراهيم وموسى وعيسى فتذاكروا الساعة (فبدأوا بإبراهيم فسألوه عنها فلم يكن عنده منها علماً، ثم سألوا موسى فلم يكن عنده منها علماً، فرد الحديث إلى عيسى ابن مريم فقال: قد عهد إلي فيما دون وقتها، فأما وقتها فلا يعلمه إلا الله) أي: الوقت الذي تقوم فيه الساعة وقت النفخ في الصور الذي سيهلك الله به جميع من في الأرض هذا الوقت لا يعلمه إلا الله، لكن أشراطها قد أعلم الله المسيح لأنه أحد أشراط هذه الساعة. قال ﵊: (وذكر خروج الدجال قال: فأنزل فأقتله) فسيخرج المسيح الدجال ويزعم للناس أنه إله، ويطلب منهم أن يعبدوه، فمن تبعه وأكثر أتباعه هم اليهود والمنافقون، أعطاهم من الأموال وسيفتح الله عليه من كنوز الأرض فتنة لهم، ومن كفر به وكذبه سيضيق عليه هذا في الظاهر حتى ينزل المسيح على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، (قال: فأنزل فأقتله، فيرجع الناس إلى بلادهم فيستقبلهم يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون). والدجال وعيسى كل واحد منهم اسمه المسيح والفرق بين الاثنين، أن المسيح عيسى ابن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام طهره الله وذاك المسيح الدجال الذي جعل الله عينه كالعنبة الطافئة فهو أعور العين، وقد جعله الله آية من الآيات، وجعل قبحه علامة على ما يفعله وما يقوله وعلامة للناس ليحذروه، وكتب على جبينه ثلاثة أحرف كفر، هذه الأحرف الثلاثة يقرأها كل إنسان مؤمن يعبد الله حتى وإن كان لا يقرأ ولا يكتب. وبعد أن يقتل المسيح ابن مريم المسيح الدجال قال: (يرجع الناس إلى بلادهم فيستقبلهم يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فلا يمرون بماء إلا شربوه) ويأجوج ومأجوج قبيلتان عظيمتان، من أسوأ خلق الله ، يخرجون على الناس قد حبسهم الله لما طلب من ذي القرنين أن يبعدهم عن الناس فأعانه الله فجعل بين الناس وبينهم سداً وسيخرجون عند قيام الساعة. قال: (فلا يمرون بماء إلا شربوه ولا بشيء إلا أفسدوه فيجأرون) أي: يصيح الناس بالدعاء إلى الله، قال المسيح ﵊ (فادعو الله أن يميتهم قال: فتنتن الأرض من ريحهم)، ومعناه أن عددهم ضخم جداً مما سيجعل رائحة الأرض كلها منتنة، قال: (فيجأرون) يعني الناس إلى الله قال المسيح: (فأدعو الله فيرسل السماء بالماء فيحملهم فيلقيهم في البحر ثم تنسف الجبال وتمد الأرض مد الأديم فعهد إلي، متى كان ذلك كانت الساعة من الناس كالحامل التي لا يدري أهلها متى تفجأهم بولادتها)، أي: أنه بعدما يزيل الله آثار يأجوج ومأجوج، ينزل من السماء مطراً فيذهب بهؤلاء، ويلقي بهم في البحر، وتصير الأرض نظيفة طاهرة، وإذا بالله يأمر فتفتت الجبال وبعد أن كانت الأرض منها الأمت ومنها العوج تصير الأرض قطعة واحدة، وتمد الأرض مد الأديم، أي: أنها تصير كالسجادة مستوية جميعها، قال (فعهد إلي) يعني المسيح ﵊ (متى كان ذلك كانت الساعة من الناس كالحامل التي لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادتها). أي: فإذا جاء هذا الأمر انتظر الناس قيام الساعة كأهل الحامل الذين ينتظرون متى تولد وفي رواية الإمام أحمد قال: (لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادتها ليلاً أو نهاراً). وفي حديث آخر رواه أبو داود بإسناد صحيح ورواه الإمام أحمد أيضاً وهذا لفظ أحمد عن أبي هريرة قال النبي ﷺ : (الأنبياء إخوة لعلات دينهم واحد وأمهاتهم شتى)، إخوة علات أي: ضرائر فالأنبياء إخوة لأب وليس هذا هو المقصود ولكن المقصود أن الدين واحد، أي: أن دين الأنبياء كلهم وإن اختلفت أحكام شرائعهم في تحليل أشياء، والتشديد على الناس بأشياء، ولكن الدين في النهاية الذي يدعون إليه هو توحيد الله سبحانه. قال ﷺ : (وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم لإنه لم يكن بيني وبينه نبي وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، سبط كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل) فهيئة المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام أنه رجل ربعه من الرجال، أي: وسط من الرجال، لا طويل بائن، ولا قصير شائن، إلى الحمرة والبياض: يعني منظره أبيض مشرب بحمرة، سبط: يعني شعره ناعم وهو غزير العرق كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، قال (بين ممصرتين)، وذكر في حديث آخر (بين ممشقتين وبين مهروجتين) معناه: أنه لابس ثوبين مصبوغين أقرب إلى الحمرة، قال: (فيكسر الصليب) هذا فعل المسيح ﵊. (فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية)، أي: أنه لا يقبل الجزية من أحد بل لا يقبل إلا الإسلام، قال: (ويعطل الملل حتى يهلك الله في زمانه الملل كلها)، فلا يكون هناك نصرانية ولا يهودية ولا مجوسية ولا بوذية ولا يبقى إلا الإسلام فقط؛ لأنه الدين الذي ارتضاه الله لعباده، قال: (غير الإسلام) ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال الكذاب. وتقع الأمنة في الأرض، أي: الأمان في الأرض (حتى ترتع الإبل مع الأسد) أي: أن الجمال ترتعي مع الأسود، قال: (جميعاً والنمور مع البقر والذئاب مع الغنم ويلعب الصبيان والغلمان بالحيات لا يضر بعضهم بعضاً فيمكث ما شاء الله أن يمكث ثم يتوفى)، أي: يموت الموتة التي كتبها الله عليه، قال: (فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه). إذاً: سينزل المسيح؛ لأنه رفع ولم يمت ﵊، فينزل ليموت على الأرض ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه، هذه بعض الآثار الواردة في هذا المعنى. نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد.

стр. 3314

تفسير سورة الزخرف [٥٧ - ٦٧] يخبر الله تعالى عن تعنت قريش في كفرهم وتعمدهم العناد والجدل، فقد جادلوا الرسول ﷺ في شأن المسيح وأن النصارى عبدته، وبذلك يكون معهم في النار، فرد الله عليهم بأن المسيح ومن كان مثله ممن عبد من دون الله دون رضاه مبعدون عن النار؛ لأنهم لم يرضوا بتلك العبادة ولم يأمروا بها، بل كان عيسى ﵇ يدعو قومه إلى عبادة الله وحده، وكان يؤكد لهم أنه عبد الله لا غيره.

стр. 3315

تفسير قوله تعالى: (ولما ضرب ابن مريم مثلاً وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل) الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الزخرف: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف:٥٧ - ٥٩]. يخبر الله في هذه الآيات عن شأن عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وأنه عبد من عباد الله جعله الله نبياً ورسولاً، وأرسله إلى بني إسرائيل وجعل معه معجزات، فجعله مثلاً لهؤلاء، ((وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ)) أي: أن قريشاً جادلوا النبي ﷺ وقال بعضهم لبعض: ما يريده محمد إلا أن نجعله كالمسيح بن مريم، يريد منا أن نعبده، فافتروا عليه صلوات الله وسلامه عليه حسداً له؛ لما آتاه الله من نبوة وحكمة وآتاه هذا القرآن العظيم. وحسدوه ونفسوا عليه ما هو فيه، وقال بعضهم لبعض: زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال ابن الزبعري: لو كنت عنده لناظرته ولخصمته في ذلك، قالوا: ما كنت تقول؟ قال: كنت أقول: إننا نعبد هذه الآلهة والنصارى تعبد المسيح ﵊، فإذا كنا نحن وما نعبد من دون الله حصب جهنم فالمسيح في نار جهنم فلما قال لهم ذلك فرحوا وهللوا وظنوا أنهم قد غلبوا النبي ﷺ بهذا الكلام الباطل الذي يقولونه، فإذا بالله يجيب هؤلاء ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١] أي: ليس المسيح ﵊ ممن ارتضى أن يعبد من دون الله ، ولا ذنب له في ذلك، بل الذين عبدوه هم الذين يستحقون هذا العذاب، أما هو فهو بريء من ذلك. فأخبر الله هنا عن المسيح ﵊ بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف:٥٩] يعني: شهد الله له بهذا المقام العظيم، مقام العبودية لرب العالمين، أي: ما هو إلا عبد، كما قال عن النبي ﷺ : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١] وقال تعالى عنه ﷺ : ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩] فالنبي ﷺ عبد ورسول لرب العالمين ، والمسيح كذلك عبد ورسول لرب العالمين سبحانه. قال هنا: ((إِنْ هُوَ)) أي: ما المسيح ((إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ)) أي: أنعم الله عليه بهذا المقام أنه عبد آتاه الله الكتاب وآتاه الله الحكمة، وجعله رسولاً من أولي العزم من الرسل، ((وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ)) أي: جعله الله لهم آية من الآيات، فقد كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، ويخلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، وببعض الغيوب التي لا يعرفونها، فالله جعله عبداً وجعله آية وعبرة لبني إسرائيل، هذا معنى المثل في هذه الآية.

стр. 3316

تفسير قوله تعالى: (ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة إنه لكم عدو مبين) قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف:٦٠] لما قال مشركوا قريش عن النبي صلوات الله وسلامه عليه: هذا رجل من البشر مثلنا فلم بعثه الله رسولاً؟ قال الله : لو نشاء لجعلنا ملكاً رسولاً، ولكن شئنا أن يكون بشراً من البشر، وليس لأحد أن يعترض على مشيئة الله. ثم قال تعالى: ((وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)) [الزخرف:٦١] قوله: (وإنه) أي: المسيح ﵊، ((لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ)) يعني: أن به تُعْلَمُ الساعة وقرب قيامها، وذكرنا قبل ذلك: أن من العلامات الكبرى للساعة أن يخرج المسيح الدجال وينزل المسيح عيسى بن مريم فيقتل الدجال، ثم تتابع علامات الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، وتقوم القيامة بإذن رب العالمين. قال سبحانه: ((وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ)) أي: لا تشكن في قيام الساعة، ((وَاتَّبِعُونِ)) أي: واتبعوا كلام رب العالمين، واتبعوا صراط الله المستقيم، واتبعوا دين الله سبحانه، ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الدين الذي جاء من عند رب العالمين هو صراط قويم مستقيم من عند رب العالمين، يدل الناس على طريق الله، التي بها يصل العبد إلى جنة الله سبحانه. ثم قال تعالى بعد ذلك: ﴿وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الزخرف:٦٢] أي: أن ربنا سبحانه يحذرنا من الضلال عن طريق الله، الذي دعا إليه المسيح ومن قبله من الرسل، ودعا إليه النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهو الصراط المستقيم والدين القويم. فقوله: ((وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ)) أي: احذروا من الشيطان أن يصدكم عن اتباع الحق، ((إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)) أي: هو مفصح ومظهر للعداوة لكم، وقد سمعتم ما في كتاب الله من آيات يخبركم الله كيف تسبب الشيطان في إخراج أبيكم آدم من الجنة، فهو عدو عداوته ظاهرة، وهو قد أبان لكم وأظهر ووضحت عداوته لكم حين أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما، فلا تغتر بوساوس الشيطان وبشبهاته، وبجدال المجادلين في كلام رب العالمين.

стр. 3317

تفسير قوله تعالى: (ولما جاء عيسى بالبينات) قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الزخرف:٦٣] أعاد سبحانه ذكر المسيح ﵊، وقد ذكر أن المسيح عبد، وأنه من أشراط الساعة، وهنا ذكر أن المسيح جاء إلى بني إسرائيل يدعوهم إلى رب العالمين سبحانه، وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، فالمسيح من ضمن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام الذين لم يرسلوا إلى جميع الخلق، لكن نبينا ﷺ ميز على جميع الرسل بأن دعوته للعالمين للإنس وللجن، قال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن:١ - ٢] وذكر الله الجن حين سمعوا للنبي ﷺ فرجعوا إلى قومهم منذرين: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣٠] ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف:٣١] فأخذوا القرآن من النبي ﷺ ، ثم رجعوا إلى قومهم ليدعوهم إلى أن يستجيبوا لرب العالمين سبحانه. أما باقي الأنبياء فكانوا يرسلون إلى قومهم خاصة، فالمسيح أرسل إلى بني إسرائيل، فقد قال: أرسلت إلى خراف بني إسرائيل الضالة، فهنا قال تعالى: ((وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ)) أي: جئتكم بالنبوة وجئتكم بالشريعة وبالكلام الفصل ليس بالهزل، ((وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ)) جاء المسيح ﵊ وبنو إسرائيل مختلفون في أمور دينهم مختلفون في التوراة، ومختلفون في أمور دنياهم أيضاً، فقال: ((وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ)) أي: لم آت لأبين كل ما تختلفون فيه، فأمر دنياكم لا دخل لي به، ولكن جئت لأبين لكم أمر دينكم، هذا بعض الذي تختلفون فيه، فكان اختلافهم في أمر الدنيا واختلافهم في أمر الدين، فقال: أنا أبين لكم أمر الدين هذا الذي أرسلت به، فقال: (بعض) ولم يقل: كل الذي تختلفون فيه، ((وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)) أي: اتقوا الله ولا تغضبوه ، واجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية من طاعته سبحانه وحسن عبادته والإخلاص له. وكذا كل الخلق يلزمهم أن يتقوا الله سبحانه، وأن يطيعوا المرسلين، قال: (وأطيعون) لم يقل المسيح: واتقوني أنا، لا؛ لأنه ليس إلهاً ولكنه عبد من عباد الله أنعم الله عليه بالنبوة، فقال: اتقوا الله واعبدوه ووحده واحذروا غضبه بشرككم وأطيعوني فيما جئتكم به من عند رب العالمين.

стр. 3318

تفسير قوله تعالى: (إن الله هو ربي وربكم) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف:٦٤] أكد هنا أن الله هو وحده لا شريك له، وأنا عبد مثلي مثلكم، جئتكم أدعوكم إلى الله سبحانه، فالله هو وحده الرب الذي يخلق والذي يرزق، ويؤكد لهم هذا المعنى؛ لأن المسيح جاء بآيات نظر إليها من أتاهم بها فقال بعضهم: إنه ساحر، وقال بعضهم: إنه عبد نبي، وبعد ذلك بعضهم اختلفوا وقالوا: إنه إله؛ لأنه أحيا الموتى وفعل كذا، فجاء ليبين لهم دين رب العالمين، وأنه الصراط المستقيم، قال: إن الله وحده لا شريك له هو ربي وربكم، وهو الذي خلقني وخلقكم، (فاعبدوه) أي: اعبدوه وحده لا شريك له، إذا عرفت أنه ربك خالقك ورازقك فهو وحده الذي يستحق أن يعبد، وهذا الذي جئتكم به صراط مستقيم، ((هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)) أي: طريق قويم وطريق معتدل إلى رب العالمين وإلى جنته وإلى طاعته. وكلمة (صراط) فيها ثلاث قراءات، تقرأ بالصاد وتقرأ بالسين وتقرأ بإشمام الصاد مشوبة بالزاي، فقراءة الجمهور ((هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)) [الزخرف:٦٤] وقراءة قنبل عن ابن كثير وقراءة رويس عن يعقوب. ((هَذَا سِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)) بالسين، ويشمها صاداً مشوبة بالزاي خلف عن حمزة ((هَذَا زراط مُسْتَقِيمٌ)).

стр. 3319

تفسير قوله تعالى: (فاختلف الأحزاب من بينهم) قال الله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [الزخرف:٦٥] أي: الذين تحزبوا وصاروا فرقاً منهم من يردون ما جاء به المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام وهم اليهود، ومنهم من دخل في دينه فأسلموا ثم بعد ذلك حدث بينهم خلاف بعد أن دخل الشيطان فوسوس لهم وقال لبعضهم: إن المسيح ﵊ ما جاء بهذه الآيات إلا لكونه إلهاً فعبدوه من دون الله وهم النصارى، فاختلفت النصارى على فرق، فمنهم من عرفوا أنه عبد ورسول، ومنهم من أنكروا ذلك وزعموا أنه إله، فاختلفوا إلى نسطورية وملكية ويعقوبية وغير ذلك من فرق كثيرة جداً، وكل هذه الفرق يدعون في المسيح الألوهية، ويدعون فيه أشياء ما أنزل الله بها من سلطان. قال سبحانه: ((فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ)) ويل عذاب شديد، وهو واد في قعر جهنم للذين ظلموا أنفسهم؛ لأنهم عبدوا غير الله سبحانه، وظلموا نبيهم حيث أعطوه ما لم يأذن به الله ، فبدلاً من أن يتابعوه فيفرح بهم يوم القيامة ويفتخر بهم؛ لأنهم آمنوا بالله، إذا بهم يسودون وجوههم بما صنعوا حيث عبدوه من دون الله ، ((فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ)) أي: من عذاب يوم القيامة العذاب الموجع عذاب النار. وقوله: (فويل للذين ظلموا) عام لكل من ظلم نفسه وظلم غيره، ظلم نفسه بالكفر بالله والشرك به، ومن هؤلاء الذين ألهوا المسيح ﵊، ومن هؤلاء أهل مكة الذين عبدوا الأصنام من دون الله، فكأنه يقول: قل للظلمة: ويل لهم من عذاب يوم القيامة.

стр. 3320

تفسير قوله تعالى: (هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم) قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزخرف:٦٦] أي: إذا جاءت الساعة فإنها لا تأتي إلا بغتة وفجأة ليس لها وقت يعلمه الإنسان، فالساعة ستقوم والناس يكونون في آمالهم وفي أحلامهم، في بيوعهم وشرائهم، الرجل يمد الثوب للآخر وهذا يقيس بالمتر، وهذا يدفع المال، ويأتي عليهم النفخ في الصور فإذا بهم يسقطون موتى، هذا يموت وذاك يموت قبل أن يطوي البائع أو المشتري الثوب، والرجل يلوط حوض إبله لأجل أن يسقي الإبل منه، فتأتيه الساعة قبل أن يصلح الحوض ويخر ميتاً. والإنسان يستمع صوتاً يأتي من بعيد يصيخ ليتاً ويرفع ليتاً، يميل بجانب ويرفع جانب لكي يسمع ما الذي سيأتي، وهو لا يدري أنها النفخة في البوق، فإذا بهذا الإنسان يخر ميتاً. تأتي الساعة فجأة على الجميع فلا يتمكن أحدهم أن يذكر الشهادة أو أن يتوب إلى الله ، وحين تأتي الساعة يموت الخلق. قال: ((هَلْ يَنظُرُونَ)) أي: هل ينتظرون إلا أن تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون إلا وقد فجأتهم، فمات الجميع وبعثوا للعذاب والحساب يوم القيامة.

стр. 3321

تفسير قوله تعالى: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) قال الله تعالى: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] أي: إذا قامت القيامة صار الناس بعضهم لبعض أعداءً، يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، فالإنسان الذي كان حبيباً للآخر في الدنيا فإنه في الآخرة يفر من خليله الذي كان في الدنيا، ولا ينتفع إلا المتقون حين يؤذن لهم في أن يشفع بعضهم لبعض. فالأخلاء الذين كانوا متحابين على أمر الدنيا لا تنفعهم هذه المحبة يوم القيامة، بل يصيرون أعداء؛ لأنهم كانوا في الدنيا أخلاء وأصدقاء وأصحاباً على السوء وعلى الفتن وعلى الشرك بالله، فإذا قامت القيامة عادى بعضهم بعضاً، وكل إنسان يتبرأ من الآخر ويقول: أنت السبب أنت السبب، إلا أهل التقوى فهم في نعيم وهم في نعمه عظيمة. نسأل الله أن يجعلنا من المتقين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3322

تفسير سورة الزخرف [٦٥ - ٧١] يوم القيامة هو يوم الفصل بين أهل الجنة والنار، إذ يتبرأ كل إنسان من قريبه وصديقه، وكل منهم يقول: نفسي نفسي، إلا المتحابين في الله فيشفع بعضهم لبعض، ويكرمهم الله بالارتقاء مع إخوانهم إلى أعلى الدرجات في الجنة.

стр. 3323

تفسير قوله تعالى: (فاختلف الأحزاب من بينهم وأنتم فيها خالدون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الزخرف: ﴿فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ * هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ * يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٦٥ - ٧١]. لما ذكر الله مناقشة المشركين للنبي ﷺ وجدالهم بالباطل معه في شأن المسيح عيسى بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ثم أخبر الله أن المسيح: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف:٥٩]. ثم ذكر الله أنه دعا قومه إلى عبادة الله ، وقال: قد جئتكم بالبينات وجئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه، فأمرهم بطاعة الله قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [آل عمران:٥٠] أي: اتقوا الله وأطيعون فيما جئتكم به من عبادة الله سبحانه، فاعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئاً.

стр. 3324

تفسير قوله تعالى (فاختلف الأحزاب من بينهم) قال الله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ [الزخرف:٦٥] أي: اختلفوا على فرق، منهم من يصدقه ومنهم من يكذبه، والذين يصدقونه اختلفوا فيما بينهم، منهم من قال: هو بشر، ومنهم من قال: هو الإله، ومنهم من قال: هو ابن الله، وغير ذلك من افتراءاتهم وأكاذيبهم فقال الله سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الزخرف:٦٥] أي: أشركوا بالله ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]. وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزخرف:٦٦] هؤلاء الظلمة، هؤلاء المشركون، هؤلاء الكافرون ماذا ينتظرون؟ هل ينتظرون إلا الساعة؟ الساعة أدهى وأمر، الساعة إذا جاءت جاءت بغتة، ولا إنذار قبلها، ستأتي الساعة بغتة وهم لا يشعرون إلا والموت قد انقض عليهم فسقطوا موتى.

стр. 3325

تفسير قوله تعالى (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) وقال تعالى: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] أي: إذا جاء الموت وقامت القيامة وحشروا للحساب والجزاء فإذا بالأخلاء يهرب بعضهم من بعض، بل من أقرب الأقربين، الابن يهرب من أبيه، والزوج يهرب من زوجته، والأم تهرب من ابنها وابنتها وهكذا، وكل إنسان مشغول بنفسه، وكلٌ يهرب لا يريد إلا نفسه، يقول: نفسي نفسي. قال: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] فإذا أذن لهم، فشفع بعضهم في بعض، فالله استثنى من هؤلاء من ينتفع بعضهم ببعض، فالمؤمن يحب أخاه فيجمع الله بينهما يوم القيامة في جنته وفي رحمته. فقوله: ﴿الأَخِلَّاءُ﴾ [الزخرف:٦٧] أي: المتحابون في هذه الحياة الدنيا، إما تحابوا للدنيا وإما تحابوا للآخرة. فإذا كانت محبتهم من أجل الدنيا يهرب بعضهم من بعض يوم القيامة، وإذا كانت في الله أذن الله بالشفاعة فانتفع بعضهم ببعض يوم القيامة.

стр. 3326

سبب نزول قوله تعالى (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) ذكروا أن هذه الآية نزلت في أمر رجلين من الكفار وإن كان العبرة بعموم اللفظ ولكن من ضمن هؤلاء كان رجلان من المشركين أمية بن خلف الجمحي وعقبة بن أبي معيط خليلين، وكانا متصادقين متصاحبين متحابين على كفرهما، وكان عقبة بن أبي معيط يذهب ويستمع إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه، يسمع منه وهو يتلو القرآن ويأمر وينهى صلوات الله وسلامه عليه ويأمرهم بطاعة الله، وينهاهم عن الشرك بالله. فلما ذهب الرجل مرة واثنتين وثلاثة يسمع من النبي ﷺ إذا بصديقه أمية بن خلف لعنة الله عليهما يقول: وجهي من وجهك حرام إن لم تقطع مجلسك. يعني: إذا كنت أنت تحبني اقطع مجلس النبي ﷺ ، بل وأمره أن يذهب إلى النبي ﷺ وأن يتفل في وجهه ﵊. فإذا بالآخر يفعل ما أمره به صديقه، ونذر النبي ﷺ قتل عقبة بن أبي معيط، ولما فتح مكة أمر بقتله حتى وإن كان متعلقاً بأستار الكعبة فقتل قبل ذلك، وأما أمية بن خلف قتله النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأما الآخر هو عقبة بن أبي معيط قتله المسلمون، ونزلت فيهما هذه الآية: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]. إذاً: هذا كان خليلاً لهذا وأمره بهذا المنكر فإذا بالله يقتل الاثنين في الدنيا ويجعلهما أعداءً يوم القيامة، قال تعالى: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]. إذاً: الخليل مع خليله إذا كانا مؤمنين، إنسان يحب الآخر في الله ينتفع به يوم القيامة، وكل من الاثنين يجعل الله له درجة في الجنة ويجمعهما، ولعل أحدهما يكون أقل من الآخر في العمل، ولكن بالتحاب في الله يجعل الله من هو أدنى مع من هو أعلى. أما من كانت التواد والمودة بينهم في الدنيا لأمر الدنيا فهؤلاء يتعادون يوم القيامة، وبعضهم لبعض عدو إلا من اتقى الله .

стр. 3327

تفسير قوله تعالى (يا عباد لا خوف عليكم اليوم وكانوا مسلمين) قال الله تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:٦٨] هذا نداء من رب العالمين يوم القيامة هذا المشهد سيكون أمامك. فيوم القيامة الأخلاء بعضهم لبعض عدو، وترى الناس يهرب بعضهم من بعض ويقول: نفسي نفسي، وكل منهم يتهم الآخر بأنه السبب في هذا الشيء، والآخر يقول: أنت، ولو أن لي كرة فأراجع أمر ربي مرة ثانية، لكن المؤمنين يوم القيامة يناديهم الله : يا عبادي، والجميع ينصتون، يقولون: كنا عباد الله، فينصت الجميع، فيقول الله : ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٨ - ٦٩]. إذاً: هنا عباد الله هم الذين اختصهم الله بفضله وبرحمته، والجميع يشرئب لذلك يوم القيامة ونحن نعلم أن كل الخلق عباد الله، ولكن الله يقول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٩] فلا يرفع رأسه إلا من كان مؤمناً مسلماً لرب العالمين سبحانه. إن هذه الآية: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:٦٨] قرأها بكسر الدال ابن كثير وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف، وكذلك روح عن يعقوب قرأها: (يا عبادِ لا خوف) بكسر الدال عند الوصل، وعند الوقف يقرأ: (يا عبادْ) بسكون الدال. وقرأها باقي القراء بالياء في آخرها: (يا عبادي) عند الوقف، وقرأها نافع وأبو جعفر وأبو عمرو وابن عامر وكذلك رويس عن يعقوب: (يا عبادي لا خوف) عند الوصل. ويقرأها شعبة ورويس عن خلف: (يا عباديَ لا خوف) عند الوصل، وكل القراء يقرءون: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾ [الزخرف:٦٨] ما عدا يعقوب يقرأ: (لا خوفَ عليكم). فقوله تعالى: ﴿لا خَوْفٌ﴾ [الزخرف:٦٨] يعني: لا تخافون، ولا أحد من المؤمنين يخاف عليكم. فقوله تعالى: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:٦٨] معلوم أن الإنسان يخاف دائماً، إذاً: الخوف دائماً من المستقبل، حتى لو كان بجريرة ماضية يخاف من جزاء هذه الجريرة بعد ذلك، والحزن دائماً على الماضي، والإنسان يتذكر مأساة حصلت يحزن عليها، وأهل الجنة لا يحزنون على ماض ولا يخافون من مستقبل، فالله قد أمنهم، وهذا أعظم ما يكون من الجزاء أن الإنسان يقال له: أنت في الجنة، وهو خالد فيها لا يموت فيفرح بذلك، فلا حزن ولا شيء يكدر عليه ما هو فيه، ولا خوف من مستقبل يؤذيه، هذه جنة الله، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها. إن الله ينادي المؤمنين: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [الزخرف:٦٨] فعلى قراءة: (لا خوفَ) لا: نافية للجنس، فإن للتبرئة، أي: إن مستحيل أن تخافون وأنتم في الجنة أو تحزنون وأنتم فيها. وقوله: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [الزخرف:٦٨] أي: من ساعة ما يدخلون الجنة يؤمنهم الله ، دخلتم الجنة، فلن تخرجوا أبداً من هذه الجنة ولن تموتوا أبداً، ولن تشقوا أبداً، ولا يكدر عليكم صفوكم شيء أبداً، ولا أنتم تحزنون. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٩] تأكيد أمر الإيمان والإسلام. فقوله: ﴿آمَنُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الزخرف:٦٩] وإن كان المؤمن هو المسلم والمسلم هو المؤمن، ولكن بينهما عموم وخصوص، فالإسلام يعم والإيمان يخص، من ضمن هؤلاء أنهما ي أعلى درجة واحدة إذا كان متحابين في الله. والمعنى اللغوي لهذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الزخرف:٦٩] آمنوا صدقوا بآيات الله ، فاتبعوا الرسول صلوات الله وسلامه عليه. ﴿وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٩] على المعنى اللغوي فيها: مستسلمين، منقادين، مطيعين، خاشعين لله ، مخلصين له. إذاً: هنا: ﴿وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٩] أي: أسلموا قلوبهم، وأسلموا وجوههم، ووجهوا وجوههم لله رب العالمين . فإذا جمعوا هذه الصفات كانوا مصدقين بما جاء من عند الله، وكانوا متابعين عاملين منقادين لأمر الله سبحانه، ومجتنبين ما نهى الله عنه، وهؤلاء هم عباد الله الذين يناديهم الله يوم القيامة.

стр. 3328

تفسير قوله تعالى (ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون) قال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف:٧٠] فهؤلاء آمنوا بالآيات أنها من عند الله، وأنها في كتاب الله، وآمنوا بمعجزات الله أنها من عند الله ولم ينسبوها إلى رسل الله عليهم الصلاة والسلام كما نسبت النصارى معجزات المسيح إليه، وهو الذي يقول أنها من عند الله ، وأن الذي يحيي الموتى هو الله ، فيبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، ويحيي الموتى بإذن الله، وينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم أيضاً بعلم من الله وليس من عند نفسه. فهؤلاء المؤمنون المسلمون يقال لهم: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف:٧٠] أي: يدخل الرجل الجنة وأيضاً زوجه معه إذا كانت مؤمنة تقية، ولعلها لا تكون قد وصلت إلى درجته التي يصل إليها، ولكن كانت زوجته في الدنيا فلا يحرمها الله الفضل يوم القيامة. فيكون هو في أعلى ما يكون وتكون هي من أهل الجنة وأدنى من ذلك، ولكن لكونها كانت معه في الدنيا، كانت مطيعة لله سبحانه، فالله يقول: ادخل وزوجتك معك، ولعل العكس أن المرأة تكون أفضل من الرجل وتدخل الجنة في مرتبة عالية في الجنة، والرجل زوجها يكون من أهل الجنة ولكن لم يصل إلى منزلتها، فالله يلحقه بها ويقول: ﴿أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ [الزخرف:٧٠] فلن يجعل هذا في مكان وهذه في مكان، ولكن: ﴿أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف:٧٠] أي: تنعمون وتكرمون وتسرون، فالله يفرحكم بهذه الجنة، فهم مسرورون فرحون بما هم فيه، منعمون يتلذذون بما آتاهم الله من فضله.

стр. 3329

تفسير قوله تعالى (يطاف عليهم بصحاف من ذهب) ويذكر الله شيئاً من ذلك، يقول سبحانه: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف:٧١] أي: يدخلون الجنة ويطاف عليهم بصحاف، والصحاف: جمع صحفة، والصحفة: القصعة الكبيرة الواسعة، أو الإناء الكبير، ومن الصحاف في الدنيا ما يكفي عشرة يأكلون فيها، ومنها ما يكفي دون ذلك وأكثر من ذلك. فهنا يطاف على أهل الجنة بصحاف كبيرة. فقوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ﴾ [الزخرف:٧١] يمتعون في الجنة بذلك، والصحاف هذه من ذهب، ولذلك حرم علينا الذهب في الدنيا، فإذا أكلت أو شربت في ذهب حرمت من الذهب يوم القيامة. وقد جاء عن النبي ﷺ في الحديث: (لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها). أي: لا تشرب في كوب من ذهب ولا من فضة، (ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا) أي: للكفار يستمتعون بها في الدنيا. (ولكم الآخرة) فلا تشبهوا دنياكم بآخرتكم، فالإنسان المؤمن يزهد في الدنيا لينال ما عند الله في الآخرة. وذكر النبي ﷺ أنه من شرب في صحاف أو أكل أو شرب في صحاف الذهب في الدنيا فهو محروم منها يوم القيامة، كأنه لا يدخل هذه الجنة. كذلك الذي يلبس الحرير في الدنيا يحرم منه يوم القيامة، كأنه لا يدخل الجنة. وقوله تعالى: ﴿وَأَكْوَابٍ﴾ [الزخرف:٧١] مفرد الأكواب: كوب وفرق بين الكوب والإبريق، فالإبريق الذي له يد يمسك بها، لكن الكوب مستدير، تشرب من كل نواحيه. وقوله تعالى: ﴿وَأَكْوَابٍ﴾ [الزخرف:٧١] أيضاً من ذهب ولكن لا يكرر فالمعنى مفهوم منها، وهي كقوله تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان:١٥ - ١٦] إذاً: الكوب مقدر على قدر ما يحتاج إليه صاحبه، إذاً: يشرب من الكوب الذي يهواه. فقوله: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان:١٦] أي: مقدر لك ما تريده وما يعجبك، واشرب ما يروق لك. وقوله: ﴿وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ﴾ [الإنسان:١٥] أي: من الزجاج، وفي الجنة ذهب، وبيوت من ذهب ترى ما في داخلها. وذهب الدنيا كثيف غليظ مستحيل أ، تخترقه ببصرك، ولكن ذهب الجنة تخترقه ببصرك، وهذا شيء عظيم جداً. فقال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان:١٥ - ١٦] وهنا يذكر لنا الذهب، فلهم هذا ولهم ذاك، قال: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ﴾ [الزخرف:٧١] أي: في الجنة ما تشتهيه الأنفس، قرأها بالهاء في آخرها نافع وأبو جعفر وابن عامر وحفص عن عاصم: ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ﴾ [الزخرف:٧١]. وباقي القراء يقرءون: (وفيها ما تشتهي الأنفس) بغير هاء في آخرها. فقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ﴾ [الزخرف:٧١] أي: كلما تشتهيه نفسك تجده في الجنة. وقوله: ﴿وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ [الزخرف:٧١] وفي الدنيا قد تجد الطعام الذي تشتهي أن تأكله ولا تحب النظر إليه، ولكن أهل الجنة في الجنة إذا رأوا بأعينهم الشيء تلذ الأعين بذلك، وتشتهي الأنفس ذلك، فالمنظر طيب وجميل، والمطعم جميل وحلو. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧١] أي: وأنتم في هذه الجنة خالدون لا تخرجوا منها أبداً. وجاء في الحديث في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفلون، ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمختطون، قالوا: فما بال الطعام؟ جشاء ورشح كرشح المسك). وهذا نعمة من الله ، إذ يطوف عليهم خدم الجنة يأتونهم بما يشاءون من طعام وشراب ويخرج منهم رشح له رائحة طيبة جميلة كالمسك. قال: (يلهمون التسبيح) وهم في الجنة والتحميد والتكبير. وقال: (كما يلهمون النفس) والإنسان في الدنيا يستمتع بذكر الله ، وفي الجنة أشد من ذلك كما تستمتع بنفسك في الدنيا، فأهل الجنة يلهمون التسبيح والتكبير والتحميد كما يلهم الإنسان في الدنيا النفس. نسأل الله أن يجعلنا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، وأن يجعلنا من أهل جنته، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3330

تفسير سورة الزخرف [٦٨ - ٧٧] ذكر الله حال أهل الجنة وما هم فيها من نعيم وحبور وسرور جزاء صبرهم في الدنيا على العمل الصالح والإيمان والتقوى، ثم أتبع ذلك بذكر أهل الشقاوة والتعاسة، أهل النار الذين يعذبون وينالون سوء العذاب والمهانة، فيتمنون الموت والعدم، ولكن لا ينالون ذلك فلا محيص ولا مهرب من عذاب الله والعياذ بالله!
следующие страницы →