← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

سبب نزول قوله تعالى (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) ذكروا أن هذه الآية نزلت في أمر رجلين من الكفار وإن كان العبرة بعموم اللفظ ولكن من ضمن هؤلاء كان رجلان من المشركين أمية بن خلف الجمحي وعقبة بن أبي معيط خليلين، وكانا متصادقين متصاحبين متحابين على كفرهما، وكان عقبة بن أبي معيط يذهب ويستمع إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه، يسمع منه وهو يتلو القرآن ويأمر وينهى صلوات الله وسلامه عليه ويأمرهم بطاعة الله، وينهاهم عن الشرك بالله. فلما ذهب الرجل مرة واثنتين وثلاثة يسمع من النبي ﷺ إذا بصديقه أمية بن خلف لعنة الله عليهما يقول: وجهي من وجهك حرام إن لم تقطع مجلسك. يعني: إذا كنت أنت تحبني اقطع مجلس النبي ﷺ ، بل وأمره أن يذهب إلى النبي ﷺ وأن يتفل في وجهه ﵊. فإذا بالآخر يفعل ما أمره به صديقه، ونذر النبي ﷺ قتل عقبة بن أبي معيط، ولما فتح مكة أمر بقتله حتى وإن كان متعلقاً بأستار الكعبة فقتل قبل ذلك، وأما أمية بن خلف قتله النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأما الآخر هو عقبة بن أبي معيط قتله المسلمون، ونزلت فيهما هذه الآية: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]. إذاً: هذا كان خليلاً لهذا وأمره بهذا المنكر فإذا بالله يقتل الاثنين في الدنيا ويجعلهما أعداءً يوم القيامة، قال تعالى: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]. إذاً: الخليل مع خليله إذا كانا مؤمنين، إنسان يحب الآخر في الله ينتفع به يوم القيامة، وكل من الاثنين يجعل الله له درجة في الجنة ويجمعهما، ولعل أحدهما يكون أقل من الآخر في العمل، ولكن بالتحاب في الله يجعل الله من هو أدنى مع من هو أعلى. أما من كانت التواد والمودة بينهم في الدنيا لأمر الدنيا فهؤلاء يتعادون يوم القيامة، وبعضهم لبعض عدو إلا من اتقى الله .

стр. 3327

تفسير قوله تعالى (يا عباد لا خوف عليكم اليوم وكانوا مسلمين) قال الله تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:٦٨] هذا نداء من رب العالمين يوم القيامة هذا المشهد سيكون أمامك. فيوم القيامة الأخلاء بعضهم لبعض عدو، وترى الناس يهرب بعضهم من بعض ويقول: نفسي نفسي، وكل منهم يتهم الآخر بأنه السبب في هذا الشيء، والآخر يقول: أنت، ولو أن لي كرة فأراجع أمر ربي مرة ثانية، لكن المؤمنين يوم القيامة يناديهم الله : يا عبادي، والجميع ينصتون، يقولون: كنا عباد الله، فينصت الجميع، فيقول الله : ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٨ - ٦٩]. إذاً: هنا عباد الله هم الذين اختصهم الله بفضله وبرحمته، والجميع يشرئب لذلك يوم القيامة ونحن نعلم أن كل الخلق عباد الله، ولكن الله يقول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٩] فلا يرفع رأسه إلا من كان مؤمناً مسلماً لرب العالمين سبحانه. إن هذه الآية: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:٦٨] قرأها بكسر الدال ابن كثير وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف، وكذلك روح عن يعقوب قرأها: (يا عبادِ لا خوف) بكسر الدال عند الوصل، وعند الوقف يقرأ: (يا عبادْ) بسكون الدال. وقرأها باقي القراء بالياء في آخرها: (يا عبادي) عند الوقف، وقرأها نافع وأبو جعفر وأبو عمرو وابن عامر وكذلك رويس عن يعقوب: (يا عبادي لا خوف) عند الوصل. ويقرأها شعبة ورويس عن خلف: (يا عباديَ لا خوف) عند الوصل، وكل القراء يقرءون: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾ [الزخرف:٦٨] ما عدا يعقوب يقرأ: (لا خوفَ عليكم). فقوله تعالى: ﴿لا خَوْفٌ﴾ [الزخرف:٦٨] يعني: لا تخافون، ولا أحد من المؤمنين يخاف عليكم. فقوله تعالى: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:٦٨] معلوم أن الإنسان يخاف دائماً، إذاً: الخوف دائماً من المستقبل، حتى لو كان بجريرة ماضية يخاف من جزاء هذه الجريرة بعد ذلك، والحزن دائماً على الماضي، والإنسان يتذكر مأساة حصلت يحزن عليها، وأهل الجنة لا يحزنون على ماض ولا يخافون من مستقبل، فالله قد أمنهم، وهذا أعظم ما يكون من الجزاء أن الإنسان يقال له: أنت في الجنة، وهو خالد فيها لا يموت فيفرح بذلك، فلا حزن ولا شيء يكدر عليه ما هو فيه، ولا خوف من مستقبل يؤذيه، هذه جنة الله، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها. إن الله ينادي المؤمنين: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [الزخرف:٦٨] فعلى قراءة: (لا خوفَ) لا: نافية للجنس، فإن للتبرئة، أي: إن مستحيل أن تخافون وأنتم في الجنة أو تحزنون وأنتم فيها. وقوله: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [الزخرف:٦٨] أي: من ساعة ما يدخلون الجنة يؤمنهم الله ، دخلتم الجنة، فلن تخرجوا أبداً من هذه الجنة ولن تموتوا أبداً، ولن تشقوا أبداً، ولا يكدر عليكم صفوكم شيء أبداً، ولا أنتم تحزنون. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٩] تأكيد أمر الإيمان والإسلام. فقوله: ﴿آمَنُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الزخرف:٦٩] وإن كان المؤمن هو المسلم والمسلم هو المؤمن، ولكن بينهما عموم وخصوص، فالإسلام يعم والإيمان يخص، من ضمن هؤلاء أنهما ي أعلى درجة واحدة إذا كان متحابين في الله. والمعنى اللغوي لهذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الزخرف:٦٩] آمنوا صدقوا بآيات الله ، فاتبعوا الرسول صلوات الله وسلامه عليه. ﴿وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٩] على المعنى اللغوي فيها: مستسلمين، منقادين، مطيعين، خاشعين لله ، مخلصين له. إذاً: هنا: ﴿وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٩] أي: أسلموا قلوبهم، وأسلموا وجوههم، ووجهوا وجوههم لله رب العالمين . فإذا جمعوا هذه الصفات كانوا مصدقين بما جاء من عند الله، وكانوا متابعين عاملين منقادين لأمر الله سبحانه، ومجتنبين ما نهى الله عنه، وهؤلاء هم عباد الله الذين يناديهم الله يوم القيامة.

стр. 3328

تفسير قوله تعالى (ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون) قال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف:٧٠] فهؤلاء آمنوا بالآيات أنها من عند الله، وأنها في كتاب الله، وآمنوا بمعجزات الله أنها من عند الله ولم ينسبوها إلى رسل الله عليهم الصلاة والسلام كما نسبت النصارى معجزات المسيح إليه، وهو الذي يقول أنها من عند الله ، وأن الذي يحيي الموتى هو الله ، فيبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، ويحيي الموتى بإذن الله، وينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم أيضاً بعلم من الله وليس من عند نفسه. فهؤلاء المؤمنون المسلمون يقال لهم: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف:٧٠] أي: يدخل الرجل الجنة وأيضاً زوجه معه إذا كانت مؤمنة تقية، ولعلها لا تكون قد وصلت إلى درجته التي يصل إليها، ولكن كانت زوجته في الدنيا فلا يحرمها الله الفضل يوم القيامة. فيكون هو في أعلى ما يكون وتكون هي من أهل الجنة وأدنى من ذلك، ولكن لكونها كانت معه في الدنيا، كانت مطيعة لله سبحانه، فالله يقول: ادخل وزوجتك معك، ولعل العكس أن المرأة تكون أفضل من الرجل وتدخل الجنة في مرتبة عالية في الجنة، والرجل زوجها يكون من أهل الجنة ولكن لم يصل إلى منزلتها، فالله يلحقه بها ويقول: ﴿أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ [الزخرف:٧٠] فلن يجعل هذا في مكان وهذه في مكان، ولكن: ﴿أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف:٧٠] أي: تنعمون وتكرمون وتسرون، فالله يفرحكم بهذه الجنة، فهم مسرورون فرحون بما هم فيه، منعمون يتلذذون بما آتاهم الله من فضله.

стр. 3329

تفسير قوله تعالى (يطاف عليهم بصحاف من ذهب) ويذكر الله شيئاً من ذلك، يقول سبحانه: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف:٧١] أي: يدخلون الجنة ويطاف عليهم بصحاف، والصحاف: جمع صحفة، والصحفة: القصعة الكبيرة الواسعة، أو الإناء الكبير، ومن الصحاف في الدنيا ما يكفي عشرة يأكلون فيها، ومنها ما يكفي دون ذلك وأكثر من ذلك. فهنا يطاف على أهل الجنة بصحاف كبيرة. فقوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ﴾ [الزخرف:٧١] يمتعون في الجنة بذلك، والصحاف هذه من ذهب، ولذلك حرم علينا الذهب في الدنيا، فإذا أكلت أو شربت في ذهب حرمت من الذهب يوم القيامة. وقد جاء عن النبي ﷺ في الحديث: (لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها). أي: لا تشرب في كوب من ذهب ولا من فضة، (ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا) أي: للكفار يستمتعون بها في الدنيا. (ولكم الآخرة) فلا تشبهوا دنياكم بآخرتكم، فالإنسان المؤمن يزهد في الدنيا لينال ما عند الله في الآخرة. وذكر النبي ﷺ أنه من شرب في صحاف أو أكل أو شرب في صحاف الذهب في الدنيا فهو محروم منها يوم القيامة، كأنه لا يدخل هذه الجنة. كذلك الذي يلبس الحرير في الدنيا يحرم منه يوم القيامة، كأنه لا يدخل الجنة. وقوله تعالى: ﴿وَأَكْوَابٍ﴾ [الزخرف:٧١] مفرد الأكواب: كوب وفرق بين الكوب والإبريق، فالإبريق الذي له يد يمسك بها، لكن الكوب مستدير، تشرب من كل نواحيه. وقوله تعالى: ﴿وَأَكْوَابٍ﴾ [الزخرف:٧١] أيضاً من ذهب ولكن لا يكرر فالمعنى مفهوم منها، وهي كقوله تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان:١٥ - ١٦] إذاً: الكوب مقدر على قدر ما يحتاج إليه صاحبه، إذاً: يشرب من الكوب الذي يهواه. فقوله: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان:١٦] أي: مقدر لك ما تريده وما يعجبك، واشرب ما يروق لك. وقوله: ﴿وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ﴾ [الإنسان:١٥] أي: من الزجاج، وفي الجنة ذهب، وبيوت من ذهب ترى ما في داخلها. وذهب الدنيا كثيف غليظ مستحيل أ، تخترقه ببصرك، ولكن ذهب الجنة تخترقه ببصرك، وهذا شيء عظيم جداً. فقال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان:١٥ - ١٦] وهنا يذكر لنا الذهب، فلهم هذا ولهم ذاك، قال: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ﴾ [الزخرف:٧١] أي: في الجنة ما تشتهيه الأنفس، قرأها بالهاء في آخرها نافع وأبو جعفر وابن عامر وحفص عن عاصم: ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ﴾ [الزخرف:٧١]. وباقي القراء يقرءون: (وفيها ما تشتهي الأنفس) بغير هاء في آخرها. فقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ﴾ [الزخرف:٧١] أي: كلما تشتهيه نفسك تجده في الجنة. وقوله: ﴿وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ [الزخرف:٧١] وفي الدنيا قد تجد الطعام الذي تشتهي أن تأكله ولا تحب النظر إليه، ولكن أهل الجنة في الجنة إذا رأوا بأعينهم الشيء تلذ الأعين بذلك، وتشتهي الأنفس ذلك، فالمنظر طيب وجميل، والمطعم جميل وحلو. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧١] أي: وأنتم في هذه الجنة خالدون لا تخرجوا منها أبداً. وجاء في الحديث في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفلون، ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمختطون، قالوا: فما بال الطعام؟ جشاء ورشح كرشح المسك). وهذا نعمة من الله ، إذ يطوف عليهم خدم الجنة يأتونهم بما يشاءون من طعام وشراب ويخرج منهم رشح له رائحة طيبة جميلة كالمسك. قال: (يلهمون التسبيح) وهم في الجنة والتحميد والتكبير. وقال: (كما يلهمون النفس) والإنسان في الدنيا يستمتع بذكر الله ، وفي الجنة أشد من ذلك كما تستمتع بنفسك في الدنيا، فأهل الجنة يلهمون التسبيح والتكبير والتحميد كما يلهم الإنسان في الدنيا النفس. نسأل الله أن يجعلنا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، وأن يجعلنا من أهل جنته، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3330

تفسير سورة الزخرف [٦٨ - ٧٧] ذكر الله حال أهل الجنة وما هم فيها من نعيم وحبور وسرور جزاء صبرهم في الدنيا على العمل الصالح والإيمان والتقوى، ثم أتبع ذلك بذكر أهل الشقاوة والتعاسة، أهل النار الذين يعذبون وينالون سوء العذاب والمهانة، فيتمنون الموت والعدم، ولكن لا ينالون ذلك فلا محيص ولا مهرب من عذاب الله والعياذ بالله!

стр. 3331

تفسير قوله تعالى: (يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الزخرف: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ * إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٢ - ٧٧]. يخبر الله في هذه الآيات وما قبلها عن مصير المؤمنين يوم القيامة، ومصير الكافرين الجاحدين. أما المؤمنون فيقول الله سبحانه: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:٦٨]، ويوم القيامة يوم الجزاء، ويوم الحكم بالعدل، والحكم: هو الله سبحانه ﵎، يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون، فينادي يوم القيامة على المؤمنين: يا عبادي! أي: عباد الله الصالحين، الذين آمنوا بآيات الله وكانوا مسلمين، وصدقوا رسل الله عليهم الصلاة والسلام، واتبعوا دين الله، وكانوا مسلمين أنفسهم وموجهين وجوههم وقلوبهم لرب العالمين سبحانه.

стр. 3332

تفسير قوله تعالى: (الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين) قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٩]، فهؤلاء هم الذين يعدهم الله بالجنة؛ وأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فيدخلون الجنة ينعمون فيها، ويأخذون ما يشاءون من فضل الله ورحمته سبحانه ﵎، فلا يخاف أحدهم من مستقبل يضايقه، ولا يحزن على ماضِ فات، ولكن الجنة دار النعيم المقيم للذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين. فهم جمعوا بين التصديق القلبي، وبين الأفعال الظاهرة بالجوارح، والإيمان: هو تصديق بالقلب، وقول باللسان؛ وعمل بالجوارح والأركان، (آمنوا وكانوا مسلمين) صدقوا بالقلوب، وصدقوا بالألسنة، وصدقوا بالفعال، فجمعوا بين الأمرين، وهنا الإيمان: بمعنى التصديق. والإسلام: هو الاستسلام لله سبحانه، والإذعان والخضوع له، والطاعة والمتابعة لرسول الله ﷺ .

стр. 3333

تفسير قوله تعالى: (ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون) يقال لهم: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف:٧٠]، فهنا يطمئنهم ربنا سبحانه ﵎ ويقول: ادخلوا الجنة ومعكم نساؤكم المؤمنات، كذلك يقال للمرأة: ادخلي الجنة ومعك زوجك المؤمن ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف:٧٠] أي: تفرحون في الجنة، وتنعمون فيها وتسرون، وتكرمون فيها، فهذا هو معنى (تحبرون) فيكرمكم الله سبحانه ﵎ بكل ما تتلذذون به، وبكل ما يسركم من طعام وشراب، وسماع غناء، ولعب، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.

стр. 3334

تفسير قوله تعالى: (يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب) من ذلك ما يذكر الله هنا حيث قال: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧١]، (يطاف عليهم) وفي سورة (يطوف عليهم) من الذين يطوفون عليهم؟ قال: ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة:١٧]، أي: غلمان مخلدون. ويخلق الله أطفالاً لأهل الجنة خدماً يطوفون عليهم، قال: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف:٧١]، وكذلك الملائكة تأتيهم بأنواع من الأطعمة والأشربة، (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥]، تأتيهم الملائكة بثمار الجنة، فيقول أهل الجنة! هذا الذي أكلناه من قبل، فيقولون: لا، هذا شيء جديد، هذا شيء آخر، فهو ((مشتبهاً وغير متشابه)) يشبه بعضه بعضاً في الجمال والكمال والحسن، وقد يشبهه في اللون ولكن الطعوم مختلفة، فأهل الجنة يأتيهم الملك أو الملائكة أو الغلمان بهذا الطعام فيقولون: هذا أكلنا مثله من قبل، فيقولون لهم: الذي أكلتموه من قبل، شيء آخر فيأكلون ويجعل الله لهم مقدرة على أن يأكلوا من كل ما يشتهون. والإنسان في الدنيا إذا وضع له طعام مهما كان الطعام فاخراً فإنه يأكل منه ما يكفيه، وقد يملأ معدته بما يتخمه ولكن لا يقدر على أكثر من ذلك، فإذا أوتي بشيء أفضل منه لا يقدر على أن يأكل منه لأنه امتلأت معدته. أما أهل الجنة فإن الله يجعلهم يأكلون مما يشاءون، ومما تشتهيه أنفسهم ولا يتخمون أبداً، وإنما يخرج منهم هذا الذي دخل فيهم عرقاً على هيئة رائحة طيبة أفضل وأحسن من المسك. قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ [الزخرف:٧١]، وذكرنا أن الصحاف: جمع صحف، والصحفة: الطبق الكبير الواسع الذي يكفي العدد من الناس، وقد يكفي عشرة فما فوقهم وما دونهم أيضاً، قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ [الزخرف:٧١] والأكواب: الكيزان التي قدرت تقديراً، ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧١]، أهل الجنة يخلدون في الجنة، والإنسان حين يرى شيئاً جميلاً طيباً يحب أن يطيل المكث فيه خوفاً من أن يضيع منه، ولكن أهل الجنة يقال لهم: هذا الشيء لن يضيع منكم ولن تخرجوا منه، فتنعموا في الجنة بما شئتم من طعام وشراب ولهو وذكر لله سبحانه ﵎.

стр. 3335

تفسير قوله تعالى: (وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون) يقول الله سبحانه ﵎: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ﴾ [الزخرف:٧٢]، إذا دخل أهل الجنة الجنة يقال لهم: تلك الجنة، و (تلك) اسم إشارة للبعيد، والجنة عظيمة يشار إليها باسم الإشارة البعيد للدلالة على عظمتها، وإن كانت هي قريبة وأهلها فيها. قال تعالى: (وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعلمون) ورثهم الله الجنة، وكانوا في الدنيا يعملون لها، فلما عملوا استحقوا الجزاء، فورثوا هذه الجنة فكأنهم هم الذين يرثون غيرهم ممن ضاعت منهم هذه الجنة بكفرهم وجحودهم لربهم سبحانه ﵎. وكل إنسان كما ذكر النبي ﷺ له موضعان: موضع في الجنة، وموضع في النار، فإذا أنعم الله عليه بالجنة، يقال له: انظر هذا موضعك من النار لو كنت عصيت الله، ادخل موضعك في الجنة، فيدخل الجنة ويفرح أشد الفرح حين يرى مكان العذاب وأنه أفلت منه! وأهل النار يقال لهم: هذا موضعكم في الجنة لو كنتم أطعتم الله سبحانه، ادخلوا النار، فيدخلون النار. وأماكن أهل الجنة التي كانت في النار يأخذها الكفار الذين دخلوا النار والعياذ بالله، والعكس، أماكن هؤلاء لو كانوا أطاعوا ودخلوا الجنة حرموا منها بكفرهم، فيأخذها ويرثها المؤمنون، فيقال لهم: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢]، هذه قراءة الجمهور، وقرأها بالإدغام أبو عمرو وابن عامر وخلف وابن ذكوان ((أورثتّموها)) وكذلك حمزة والكسائي يقرءونها بإدغام الثاء في التاء ((أورثتّموها بما كنتم تعملون)).

стр. 3336

تفسير قوله تعالى: (لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون) يقول تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف:٧٣] (لَكُمْ) أي: يا أهل الجنة! ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، الإنسان في الدنيا عندما يأكل ويعرف أن هناك فاكهة بعد الطعام يفرح، فالفاكهة تفكه الإنسان وتفرحه، والإنسان الفكه: هو الذي يفرح ويضحك، فكأن الفاكهة تدخل السرور على قلب الإنسان، وقوت الإنسان ضروري لحياته، وأهل الجنة يعيشون في الجنة فيعطيهم الله ما يشاءون، وتأكل في الدنيا حتى لا تمرض، وحتى تقدر على العمل، أما أهل الجنة فقد أعطاهم الله الصحة والعافية والخلود، فلا يحتاجون إلى قوت، وإنما هم يريدون الفرح والسرور، فيقال لهم: هذه الجنة التي أورثتموها، وهذه الفاكهة التي تتفكهون بها في الجنة وتأكلون وتشربون، فإذا أعطوا الفاكهة فلا شك أنهم يعطون ما هو غير ذلك من طعام ولحم ونحوه. ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ [الزخرف:٧٣] فلا تعد أصناف الفاكهة وأجناسها وأنواعها، وقوله: (منها تأكلون)، فهي لكثرتها لا تستطيعون أن تنفدوها، فهي لا تنتهي، فمن بعضها (تأكلون) تأكل ما تشتهي ولا تنفد هذه الفاكهة التي في الجنة. فهذا حال أهل الجنة يأكلون وينعمون ويفرحون ويكرمون.

стр. 3337

تفسير قوله تعالى: (إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون) والقسم الآخر: أهل النار والعياذ بالله نسأل الله العفو والعافية، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧٤]، وهذه عادة القرآن العظيم، إذا ذكر أهل الجنة ذكر أهل النار، حتى يكون الإنسان بين الرغبة والرهبة، بين الخوف مما عند الله وبين الأمل والرجاء فيما عند الله سبحانه ﵎، وهكذا المؤمن دائماً يسير بين الخوف والرجاء، وبين الرغبة والرهبة، وبين الطمع وبين الخوف والخشية. أما المجرمون الذين أجرموا وأساءوا إلى أنفسهم وإلى دينهم وإلى رسل الله عليهم الصلاة والسلام فيقول الله عنهم: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧٤]، وهي نار الآخرة والعياذ بالله، نار مستعرة، أسماؤها في القرآن أسماء شديدة تدل على قبح ما فيها، وعلى شدتها وسعيرها، وجنهم بمعنى: البعيدة الغور، والبعيدة القاع، فيقال: بئر جِهنّام، بمعنى: بئر عظيمة القعر، ونار جهنم التي يلقى فيها صخرة من فوقها فلا تصل إلى قاعها إلا بعد سبعين عاماً، هذه هي النار الفظيعة العظيمة قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧٤]، أي: لا يخرجون منها، فهؤلاء هم الكفار والعياذ بالله الذين أجرموا.

стр. 3338

تفسير قوله تعالى: (لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون) يقول تعالى: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٥] (لا يُفَتَّرُ) أي: لا يخفف عنهم، والفتور: شيء يستشعره الإنسان من الخذلان والتعب وفتر بمعنى: سكن قليلاً، كأن العذاب هنا مستعر عليهم فيتمنون لو أنه خفف قليلاً، (لا يفتر عنهم) أي: هو عذاب مستعر عليهم والعياذ بالله، ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٥]، أبلس بمعنى: قنط وأيس، أي: انقطع طمعه ورجاؤه، فهم فيها منقطع رجاؤهم وطمعهم، وقد كانوا يطمعون في الجنة فضاعت الجنة عليهم، ويقال لهم: هذه النار التي كنتم توعدون أنتم فيها خالدون، ويذبح الموت بين الجنة والنار فييأسون من الخروج منها، ((لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ)) أي: في هذا العذاب ﴿مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٥].

стр. 3339

تفسير قوله تعالى: (وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين) يقول تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦]، أي: هم الذين ظلموا أنفسهم، قال تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، وحاشا لله سبحانه ﵎، وقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦]، يؤكد الله بذلك أنهم هم الذين ظلموا أنفسهم بشركهم بالله، وبإيذائهم رسل الله، وتكذيبهم وبابتعادهم عن دين الله سبحانه.

стр. 3340

تفسير قوله تعالى: (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون) قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] أخبر الله أنهم في العذاب مبلسون يائسون من الخروج، وكأنهم قبل أن ييئسوا من الخروج من النار (نادوا يا مالك)، ومالك خازن جهنم والعياذ بالله، خلقه الله لها يوقدها ويزجرها، فإذا زجرها اشتعلت والتهبت وأكل بعضها بعضاً، فيزجر النار لتزداد قسوة على ما فيها، فينادي هؤلاء مالكاً، وليس مالك هو وحده الذي في النار، ولكن معه خزنة جهنم، فهم ملائكة كثيرون على جسور جهنم، وفيها أبواب مؤصدة على أهلها، والملائكة موكلون بتعذيب أهل النار والعياذ بالله. قال تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] ورئيس خزنة جهنم هو مالك، فيجأر أهل النار إلى مالك يقولون: (يا مالك ليقض علينا ربك) طالما أنه لا يوجد خروج من هذه النار فليجعلنا تراباً وليقض علينا ربك، أي: ليمتنا ربك، ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]، فهذه آية قصيرة وفيها كلمات يسيرة، ولكن الفرق بين النداء وبين الجواب أعوام كثيرة جداً، ينادون مالكاً، قيل مدة أربعين سنة، ومالك ساكت عنهم، فينادونه وهم يجأرون ويصرخون ويستغيثون: (يا مالك ليقض علينا ربك) ليمتنا ربنا، لما رأوا البهائم صارت تراباً قال: ﴿الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠] فنادوا: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] فسكت عنهم مالك ما شاء الله أن يسكت، وفي النهاية جاءهم الجواب ﴿ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]، ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾ [الحج:٤٧] فيسكت عنهم مالك أربعين سنة وهم يصرخون، وحين يلتفت إليهم يظنون أنه أتاهم بشيء فيقول: أنتم ماكثون. وجاء عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: ذكر لي أن أهل النار استغاثوا بالخزنة، فقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٩]. واليوم كثير على أهل النار، فهو بألف سنة مما نعد، فقالوا: (ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب) سألوا أن يخفف الله عنهم يوماً واحداً، فأجابت الملائكة: ﴿أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ [غافر:٥٠] اعترفوا، ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ [غافر:٥٠]، أي: قالت لهم الملائكة: ادعوا ما شئتم، ﴿فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٥٠]، فدعاؤهم في تيه لا يُسمع ولا يستجاب لهؤلاء، فلما يئسوا من الخزنة نادوا مالكاً وهو رئيس الخزنة، وله مجلس في وسط النار فهو يرى أقصاها كما يرى أدناها، فقالوا: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] سألوا الموت وطلبوه، قيل: فسكت عنهم لا يجيبهم ثمانين سنة، قال محمد بن كعب: والسنة ستون وثلاثمائة يوم، والشهر ثلاثون يوماً، يعني: يريد أن يقول: واليوم بألف سنة مما تعدون، فإذا مكث هؤلاء ثمانين سنة ستكون كم من سنين هذه الدنيا؟ قال: واليوم كألف سنة مما تعدون، ثم لحظ إليهم مالك -خازن النار- بشيء من الضيق مما يفعلونه، ومعنى أن يلحظ الإنسان الآخر: أي: أن يبصره بطرف عينه، فلا ينظر نظرة المقبل عليه المحب له، وهكذا يضع خزنة النار مع أهل النار، والعياذ بالله. قال: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]، بعدما طال سكوته عنهم، فلم ييئسوا وسألوا الله : ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧]، ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون:١٠٦] أي: نحن نعتذر إنما هو القضاء والقدر ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧]، وسكت عنهم ربهم ثم أجابهم فقال: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، و (اخسئوا) كلمة تقال للكلب حين يزجر، فقيل لأهل النار ذلك والعياذ بالله ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٨ - ١١٠]، نسيتم في الدنيا عندما كان الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، والأولياء والدعاة إلى الله يدعونكم إلى الله فكنتم تسخرون منهم، وتضحكون، وتستهزئون، وهم يدعون: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون:١٠٩]، قال الله: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١١١]. فيقال لأهل النار: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون:١١٢]، لما رأوا يوم القيامة ومدته وهوله، وأيام النار التي هم فيها اليوم يعد بألف سنة قالوا: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣]، أي: اسأل الذين يعدون ويعرفون العدد فنحن عشنا في الدنيا يوماً أو بعض يوم. فالإنسان المؤمن يتفكر في أن عمره كله إذا قارنه بيوم القيامة، لا يأتي إلا بعض يوم، فلو عشت مائة سنة، وأيام القيامة اليوم بألف سنة، فتكون عشت عُشر يوم من أيام القيامة ألا تصبر في هذه السنين التي أنت فيها في الدنيا حتى تنعم النعيم الأبدي يوم القيامة، أم أنك تشقي نفسك وترديها بعمل المعاصي والكفر بالله حتى تقع في النار أبد الآبدين؟! نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3341

تفسير سورة الزخرف [٧٢ - ٨٠] أكثر الكفار يكرهون الحق عناداً واستكباراً وحسداً، ومنهم من لا يكره الحق، لكن يتابع الأقوياء والأغنياء ليرضيهم بذلك، أو ليصيب من عرض الحياة الدنيا، فهؤلاء كلهم في النار، والله يسمع ما يسرون في أنفسهم، وما يتناجون به فيما بينهم، وإن كادوا للإسلام والمسلمين فإن الله يكيد بهم.

стр. 3342

ظلم الكافرين لأنفسهم وندامتهم في الآخرة الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الزخرف: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٧٨ - ٨٠]. في هذه الآيات وما قبلها يخبر الله عن حال أهل الجنة، وعن حال أهل النار، فذكر أهل الجنة فقال: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢ - ٧٣]، وذكر أهل النار فقال: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٥ - ٧٦]. فأهل الجنة ينعمون في الجنة بما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، ويقال لهم: أنتم فيها خالدون، وأهل النار المجرمون الفجار في عذاب جهنم خالدون، لا يخفف عنهم وهم فيه مبلسون، آيسون منقطع أملهم عن الخروج من هذه النار، قال الله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦]، فالإنسان يظلم نفسه فيستحق ما جنت عليه يداه، ولذلك في الحديث أن الله يقول: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم، أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)، فالإنسان الذي يجد في صحيفة عمله خيراً، فليحمد الله أن وفقه لذلك، ومن وجد غير ذلك من آثام فلا يلومن إلا نفسه، فهو الذي ظلم نفسه في الدنيا، بأن كفر بالله وجحد نعم الله، وعمل السيئات فاستحق العقوبات، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦]. وأهل النار لما يئسوا من رحمة رب العالمين، ومن الخروج من النار، دعوا على أنفسهم بالهلاك، ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ [الزخرف:٧٧] يعني خازن النار، ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧]، فكان جوابه بعد أن سكت عنهم: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] أي: ماكثون في العذاب لا تخرجون منه ولا يخفف عنكم.

стр. 3343

تفسير قوله تعالى: (لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون) ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٨]، جاء الحق من عند رب العالمين، وجاءت رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وجاء النبي بالنور المبين من عند رب العالمين، قال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٨] فأكثر هؤلاء الكفار كرهوا هذا الحق الذي جاء من عند رب العالمين سبحانه. قال بعض المفسرين: أكثر هنا بمعنى كل، يعني كلكم للحق كارهون، وقيل: الأكثرية هم كبراء القوم، فهم كرهوا ذلك، والصغار تابعوا الكبار فيما كرهوا وما قالوا، فالكبار أعرضوا عن الدين غيظاً من النبي ﷺ وحسداً له على ما آتاه الله من نعمة ومن نور ومن رسالة، واستضعفوا صغارهم فأخذوهم معهم، والصغار منهم من كره ومنهم من لم يكره، ولكن تابعوا الكفار الكبار فيما هم فيه، فالأكثرية من هؤلاء المشركين كرهوا ما آتى الله النبي ﷺ ، وعرفوا أنه سيكون معه الأمر والنهي من رب العالمين، وقد اعتاد هؤلاء الكبراء أنهم هم الذين يأمرون، وهم الذين ينهون، ولا أحد يأمرهم، ويظن كل منهم أنه يصلح أن يكون ملكاً، فكيف يأتي النبي ﷺ يأمر وينهى، فكرهوا منه ذلك. فالأكثر من الكفار يكرهون الحق، والأقل منهم لا يكرهون الحق، ومع عدم كراهتهم لم يتابعوا النبي ﷺ فاستحقوا النار، مثل أبي طالب عم النبي ﷺ ، فإنه لم يكره ما جاء به النبي ﷺ ، بل ربى النبي ﷺ ، وأحب ما جاء به صلوات الله وسلامه عليه، وقال وهو يموت: والله يا ابن أخي! لوددت أن أقر بها عينك، أي: أنا أحب ذلك، فهو لم يكره ما جاء به النبي ﷺ ، ولكن خاف أن يقول الكفار عنه بعد أن يموت: إنه جبن من الموت وخاف من الموت فقال: لا إله إلا الله، وماذا يضيره لو قالوا عنه ما قالوا؟ وما الذي سيحصل له بعد أن يموت؟ وكما قالت أسماء لابنها رضي الله ﵎ عنهما: وهل يضير الشاة سلخها بعد ذبحها؟ فابنها ابن الزبير لما حاربه الحجاج وبنو أمية قال لأمه: إنهم يتوعدوني لو قتلت أن يمثلوا بي، وكان هو من الشجعان ﵁، فقالت له: هل يضير الشاة سلخها بعد ذبحها؟ فهذا لم يستحضر هذا المعنى أو تغافل عنه، وعادة أهل الجاهلية حب الذكر في الحياة وبعد الموت، ولذلك كانوا يحبون الشعراء، ويقربونهم؛ لأنهم بزعمهم سيخلدون أسماءهم بعد وفاتهم؛ لذلك كانوا يغدون على الشعراء، فإذا قال الشاعر أبياتاً من الشعر يمدحه فيها أعطاه مالاً كثيراً على هذا الذي يقول، لأنه سيبقى خالداً بعدما يموت بهذه الأشعار، فهذا ظن أهل الجاهلية، وكان الكثيرون منهم يكرهون ما جاء به النبي ﷺ حسداً له صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه أتى بالحق من ربه، وسيكون له الأمر عليهم، وقليل منهم لم يكرهوا ما جاء به النبي ﷺ ، بل منهم من كانوا يحبون النبي ﷺ ، ولكن يستحيون من قومهم أن يتابعوا النبي ﷺ ، والجميع لم يدخلوا الإسلام، فاستحقوا جميعاً النار، ويقال لهم وهم في النار: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٨]، كرهوا الحق فوقفوا مدافعين عما هم فيه من باطل. ولذلك إذا غزا جيش من الكفار المسلمين يقاتل الجميع، حتى ولو قال بعضهم: أنا لم أخرج لقتال، فالمعاملة بالظاهر، ولذلك لما أسر العباس عم النبي ﷺ في يوم بدر، وكان مع الكفار، والعباس كان مسلماً، قال للنبي ﷺ : أنا مسلم، فإذا كنت مسلماً فما الذي جعلك تأتي مع الكفار، فقال له النبي ﷺ : (ولكن ظاهرك كان علينا)، أي: أنت أسرت وأنت مع هؤلاء، فالظاهر أنك كنت علينا، فنعاملك بالظاهر، وسريرتك إلى الله . فهؤلاء الذين كرهوا ما جاء به النبي ﷺ تابعهم الضعفاء؛ أملاً في أن ينالوا من هؤلاء الأقوياء والجبارين أموالاً أو مناصب في الدنيا أو يكونوا أتباعاً لهم، فالله أدخل الجميع النار، وقال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٨].

стр. 3344

تفسير قوله تعالى: (أم أبرموا أمراً فإنا مبرمون) قال الله تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزخرف:٧٩] (أم) الإضرابية المنقطعة المقدرة ببل والهمزة، أي بل أأبرموا كيداً؟ أيدبرون تدبيراً ويكيدون للنبي ﷺ ؟ ومن أفحش ومن أشنع ما صنع هؤلاء أنهم اتبعوا أبا جهل لعنة الله عليه وعلى أمثاله، ووقفوا يتشاورن ما الذي يصنعونه بالنبي ﷺ ، فكانت نصيحة هذا الملعون لعنة الله عليه أن قال: لنأخذ من كل قبيلة رجلاً، حتى نوزع دم النبي ﷺ بين أربعين قبيلة، فنأخذ من كل قبيلة رجلاً، فيضربونه ضربة رجل واحد، فيتوزع دمه في القبائل، فبنو هاشم لن يستطيعوا قتال أربعين قبيلة، فسيرضون بالدية، ويضيع دمه ﷺ . وجمعوا فعلاً أربعين رجلاً قوياً من أربعين قبيلة، واجتمعوا ليلة هجرته صلوات الله وسلامه عليه عند بابه يريدون قتله، والنبي ﷺ يؤيده ربه، فأمره أن يهاجر إلى المدينة صلوات الله وسلامه عليه، يقول سبحانه: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا﴾ [الزخرف:٧٩]، فهم فعلاً أبرموا وكادوا، واجتمعوا حول بيت النبي ﷺ . قال الله: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا﴾ [الزخرف:٧٩] بنون العظمة، أي: مبرمون ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٧]، ويخرج النبي ﷺ من بيته أمامهم، ويأخذ حفنة من التراب، ويضع على رأس كل منهم شيئاً من التراب، ويعمي الله أبصارهم فلا يشعرون، وناموا وهم ينتظرونه ﷺ ، ويخرج ﷺ مهاجراً، والله يدبر لنبيه صلوات الله وسلامه عليه حتى لا يستطيعوا إدراكه، فيخرج إلى الغار صلوات الله وسلامه عليه ويختبئ في الغار ثلاثة أيام، وهم يبحثون في كل مكان عن النبي ﷺ حتى ذهبوا إلى الغار الذي فيه النبي صلوات الله وسلامه عليه يبحثون عنه، وأبو بكر الصديق يخاف من ذلك، ويقول للنبي ﷺ : (لو نظر أحدهم أسفل منه لرآنا، فيقول النبي ﷺ : يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟)، فاطمأن أبو بكر ﵁. ويأتي الكفار ويقف أحدهم فوق الغار، ولا ينظر داخل الغار، ويعمي الله أبصارهم، ويرجعون، ويخرج النبي ﷺ بعد ثلاث ليال من هذا الغار متوجهاً إلى المدينة، وإذا برجل من الكفار يسمع قومه يقولون: أنهم رأوا سواداً في المكان الفلاني، فيقول القائل: أظنه محمداً وصحبه، صلوات الله وسلامه عليه، فيقول سراقة بن مالك بن جعشم: لا، أنا أرسلت فلاناً إلى المكان الفلاني، وهو لم يرسل أحداً، ولكن أحب أن يفوز بالدية التي جعلها الكفار لمن سيأتي بمحمد أو يقتله، وهي مائة جمل، فهو يريد أن يفوز بذلك، ويذهب إلى بيته، ويأمر جاريته أن تجهز له فرسه من خلف داره حتى لا يراه الكفار، ويركب فرسه، ويسرع في الطريق الذي علم أن النبي ﷺ توجه إليه، ورأى النبي ﷺ ، والنبي ﵊ من عادته أنه لا يلتفت أبداً وراءه ولا يخاف؛ لأن الله معه ، فقال أبو بكر وقد رأى ما وراءه: يا رسول الله! هناك من يتبعنا! فالنبي ﷺ يطمئن أبا بكر، وأبو بكر يلتفت ويخاف أن يأتي هذا الكافر إلى النبي ﷺ ، فلما اقترب من النبي ﷺ إذا بقدمي الفرس تغوص في رمال الأرض، فتساءل سراقة: لماذا تغوص أقدام الفرس؟! فأخرج خريطة من جيبه، واستقسم بالأزلام، قال: فخرج الذي أكره ثلاث مرات، قال: فعصيت، فغاصت قدما الفرس، فنادى النبي ﷺ : ادع لي ولا أؤذيك، فدعا له، فجاء إلى النبي ﷺ ومعه طعام وشراب، وقال: خذ هذا وتزود به، فلم يأخذ منه شيئاً صلوات الله وسلامه عليه، فقال: سأرجع وأعمي عنكم، ولن أقول لأحد أنكم في هذا الطريق، وبعدما كان هذا الرجل حرباً على النبي ﷺ في أول النهار إذا به يعمي على الكفار في آخر النهار، فيرجع ويقول: كفيتكم هذا المكان، لا يوجد أحد في هذا المكان! والله ﵎ يسخر لنبيه ما يشاء حتى يصل إلى المدينة آمناً صلوات الله وسلامه عليه. وأول من رآه بالمدينة ﵊ رجل يهودي، فصاح فإذا بالناس يجتمعون ويخرجون يستقبلون النبي صلوات الله وسلامه عليه، فالله يسخر لنبيه من يشاء من جماد كالغار، فيحميه الله به من الكفار، ومن رجل من الكفار يلحقه فإذا بالله يجعله سلماً له ودفاعاً عنه، ويصل إلى المدينة فإذا بيهودي ينادي أن النبي ﷺ قد وصل إلى المدينة! قال سبحانه: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزخرف:٧٩] أبو جهل كان يريد أن يقتلك قبل هجرتك، وفي السنة الثانية من الهجرة يقتل أبو جهل ومن معه من الذين كادوا للنبي صلوات الله وسلامه عليه، فقد هاجر النبي ﷺ من مكة في السنة الأولى من الهجرة في شهر ربيع أول، وفي السنة التي تليها كانت غزوة بدر في رمضان، وإذا بهذا الكافر أبي جهل يقتل ومن معه، ويساق ملعوناً إلى نار الجحيم، ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزخرف:٧٩]، أنت كنت تكيد قبل سنة ونصف في مكة، وتجمع أربعين رجلاً ليقتلوا النبي ﷺ ، والآن يقتلك أصغر الشباب الذين مع النبي ﷺ ، شابان صغيران، يقتلان هذا الرجل المعلون أبا جهل، ويلقى جيفة نتنة في قليب بدر! قال الله: ﴿فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزخرف:٧٩] فإذا دبر الله وقضى أمراً فلا بد أن يكون.

стр. 3345

تفسير قوله تعالى: (أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم) قال الله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف:٨٠]، بل أيظنون ذلك: ((يَحْسَبُونَ)) بفتح السين قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة وأبي جعفر، وباقي القراء: (أم يحسِبون) بكسر السين فيها. ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف:٨٠] أي حديث سرهم، والسر ما أخفاه الإنسان في نفسه، والنجوى سر ولكن يظهره لزميله، فيسر الإنسان شيئاً في نفسه، ولا يطلع عليه غيره، والنجوى حديث السر بين اثنين أو عشرة أو عشرين، فيسرون هذه المناجاة والمكالمة والمحادثة مع بعضهم بعضاً، فهل يظنون إذا أسر أحدهم في نفسه شيئاً أننا لا نطلع عليه؟ هل يظنون إذا كلم أحدهم الآخر وهمس له أننا لا نطلع على ذلك؟ بل نحن نعلم ذلك، وملائكتنا يكتبون ويحصون عليهم ذلك. وفي الصحيح عن ابن مسعود أنه كان مختبئاً خلف الكعبة، فإذا بثلاثة نفر يأتون إلى الكعبة، ثقفيان وقرشي، أو ثقفي وقرشيان، قال: كثيرة شحوم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، أي عندهم غباء لا يفهمون، جاءوا إلى الكعبة وابن مسعود مستخف، بعد أن أسلم ﵁، كانوا يريدون تعذيبه فتخفى وراء الكعبة، فقال أحدهم للآخرين: أترون الله يسمع ما نقول؟ فقال الآخر: أحسب أنه يسمع ما نجهر به، أما ما أخفيناه فلا يعلمه! فقال الثالث: إذا علم جهرنا سيعلم تهامسنا، فكان أعقلهم هذا الثالث وهو الأخنس بن شريق أو صفوان بن أمية فسمع ابن مسعود هذا الذي قالوه، فأخبر به النبي ﷺ ونزل القرآن: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠]، فهل يظنون أننا لا نعلم نجواهم ولا سرهم؟ بلى نعلم هذا كله، ونكتب عليهم ونحصي عليهم ذلك، (ورسلنا لديهم يكتبون)، وإذا كتبت رسل الله ذلك، فمعناه أنهم سيحاسبون على هذا يوم القيامة، وتأتي الصحيفة شاهداً على ما يقولون، كما قال الله: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤]. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3346

تفسير سورة الزخرف [٧٨ - ٨٤] أخبر سبحانه أنه جاء للناس بالحق من عنده، وبينه ووضحه لهم رسول الله ﷺ ، فمنهم من آمن به ومنهم من كفر، والمشركون كرهوا هذا الحق، وكرهوا من نزل عليه الحق، وسبب كراهتهم لهذا الحق أنه يخالف أهواءهم وشهواتهم، أما سبب كراهتهم للرسول ﷺ فهم حسدهم له، وقد تمنوا أن ينزل القرآن على رجل من القريتين عظيم، مع أنهم يعلمون صدقه وأمانته وأخلاقه.

стр. 3347

تفسير قوله تعالى: (لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في آخر سورة الزخرف: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ * وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٧٨ - ٨٤] في هذه الآية يخبر الله أنه جاءنا بالحق من عنده، وأن أكثر هؤلاء الكفار المشركين لا يؤمنون، بل يكرهون هذا الذي جاء به النبي صلوات الله وسلامه عليه من عند ربه، وسبب كراهتهم لذلك أنهم نفسوا على النبي ﷺ ما جاء به وحسدوه، وتغيظوا عليه كيف يكون رجلاً منهم وليس هو بأكبرهم سناً، وليس بأغناهم وليس هو الزعيم فيهم، ومع ذلك ينزل عليه هذا القرآن دون غيره؟! قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]. يقول الله : ((لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ)) يعني: الذي أنزل عليه هو هذا القرآن وهو الحق الذي جاء من عند رب العالمين، فاعمل به وانظر فيه، وانظر إلى المعجزة التي جاءت من عند رب العالمين، ولا تنظر على من نزلت هذه المعجزة، ولو نظروا نظرة صحيحة لعرفوا أن هذا هو أحق من ينزل عليه القرآن؛ فهو الأمين وهو الصادق ﷺ بقولهم وبشهادتهم، فهم الذين استأمنوه، وهم الذين لقبوه بالصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه، وعلموا أنه أفضلهم وأكرمهم وأشرفهم حسباً ونسباً ﵊، فكونهم يبغضون ما جاء من عند رب العالمين فالله علم منهم ذلك، وقال لنبيه ﷺ وقد كذبوه: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣] يعني: لا تحزن، إذا كانوا يقولون: أنت كاذب، فإنهم في الحقيقة لا يكذبونك أنت، فهم يقولون: إنك أنت الصادق الأمين، ولكنهم يجحدون، يعني: يتكلمون بما يعرفون في أنفسهم أنهم كاذبون فيه، فالذي يأتي للنبي ﷺ ويقول: أنت كاذب هذا جاحد؛ لأنه يكذب الحق الذي علم أنه حق، وفرق بين الإنكار والجحود، فإنكار الشيء: أن تنكر ما لا علم لك به، فتنكر ما لا تعلمه، أما الجحود فأنت تعلم هذا الشيء ومع ذلك تنفيه وتنكره، فلذلك ربنا سبحانه يصف هؤلاء بأنهم جاحدون، يجحدون ما جاء من عند الله، فهم مقرون في أنفسهم أن هذا لا يمكن أن يكون كلام البشر وإنما هو كلام رب العالمين؛ ولكن لحسدهم للنبي ﷺ يجحدون ما جاء به، فيظهرون الإنكار مع وجود الإقرار في قلوبهم والاعتراف بأن هذا حق وأن هذا من عند رب العالمين سبحانه، فقال لهم سبحانه: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٨]، فكرهوه؛ لأنه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحرم عليهم أشياء كانوا يستحلونها من خبائث وخمر وأكل ميتة وغير ذلك، فحرم عليهم أشياء كانت في أموالهم، فلذلك كرهوا هذا الحق، والإنسان في الغالب حين تقول له: لا تفعل كذا لشيء يشتهيه ويريد فعله فإنه يتغيظ ويقول لك: ولماذا لا أعمل هذا الشيء؟ وكيف تأمرني وتنهاني وأنا أفعل هذا الأمر طيلة حياتي الماضية؟ هو لا ينظر إلى المصلحة التي تتعلق به في أمر الدين، وإنما ينظر إلى أنه اعتاد هذا الأمر وأنه يهواه، ولذلك قالوا للنبي ﷺ : ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣] أي: مثل ما عمل آباؤنا نعمل نحن، فكرهوا الحق ليس لكونه حقاً أو لأنهم أنكروه في قلوبهم لا، ولكنهم خشوا أن تضيع منهم رئاستهم، وخشوا أن يتحكم فيهم النبي ﷺ فيأمر وينهى، فرفضوا ذلك وردوه وكرهوه لهذا المعنى.

стр. 3348

تفسير قوله تعالى: (أم أبرموا أمراً فإنا مبرمون) قال الله تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزخرف:٧٩]. أي: بل أيكيدون لك كيداً؟ نحن نكيد لهؤلاء، فكاد لهم حتى أهلك أشقياء هؤلاء في يوم بدر وفي غيره.

стр. 3349

تفسير قوله تعالى: (أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم) قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف:٨٠]، أي: هؤلاء يتكلمون ويسر بعضهم إلى بعض حديث السر ويناجي بعضهم بعضاً، هل يحسبون أنا لم نطلع على ذلك، ولم نحص عليهم ذلك؟ ﴿بَلَى﴾ [الزخرف:٨٠] قد علمنا ذلك وأحصيناه، ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠] أي: الحفظة الكرام الكاتبون يكتبون عليهم ما يقولونه وما يفعلونه مع النبي صلوات الله وسلامه عليه، وما يكذبونه به.

стр. 3350

تفسير قوله تعالى: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١]. يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: قل لهؤلاء: ((إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ)) والولد اسم جنس بمعنى الواحد وبمعنى المجموعة، ولذلك قول الله : ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء:١١] بمعنى واحد أو جمع، والمعنى إن كان للرحمن ولد أو كان للرحمن أولاد ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾. وقراءة الجمهور: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾، وقرأها حمزة والكسائي: ((قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وُلْدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ))، والولد بمعنى: جمع الأولاد يعني، ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١] أنا قرأها الجمهور بالفتحة في حال الوصل: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١]، وفي حال الوصل يقرؤها نافع وأبو جعفر: ((فَأَنَآ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ))، ونافع يمد على تفصيل، وورش وقالون وأبو جعفر يقرؤها بالقصر ولكن على أنها ألف ((فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ)).

стр. 3351

أقوال العلماء في توجيه قوله تعالى (قل إن كان للرحمن ولد) قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١] للمفسرين فيها معنيان: المعنى الأول وهو الذي عليه الأكثر: أن هذا في مقام المناظرة، وفي مقام المناظرة يتنزل الخصم مع خصمه في المناظرة، فإذا ناظرك إنسان في شيء تقول: فرضنا ما تقوله صواباً فينبني عليه كذا وكذا، ويكون فيه كذا وكذا، فهذا هو الفرض الجدلي وليس الحقيقي، أي: ليس معنى أن هذا شيء صحيح، لا، بل هذا شيء لا يكون أبداً، ولكن سنفترض المستحيل، مثل ما يقول بعضهم: قال المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأجساد قلت إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما فهو هنا في مقام التنزل في المناظرة، فيقول: الملحدون والمنكرون لوجود الإله: الأجساد تموت وتفنى ولا تبعث، وهذا يقول: إن صح قولكم فلست بخاسر؛ لأني عبدت الله، ولكن إن صح قولي بأن كان هناك بعث يوم القيامة فالخسارة عليكم أنتم. إذاً: هنا في مقام التنزل في المناظرة يجوز أن تفترض المستحيل، وهذا المعنى عليه أكثر المفسرين، يعني: لو كان للرحمن ولد وحاشا لله أن يكون له ولد فأنا أول من يعبده، ولكن لم أفعل؛ لأنه لا يوجد للرحمن ولد وحاشا له أن يتخذ صاحبة أو ولداً. والمعنى الآخر أو التفسير الآخر لقوله تعالى: ((قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ)) قالوا: (إن) هنا بمعنى (ما) أي: ما كان للرحمن ولد، فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ للرحمن، وهذه الآية على هذا المعنى لها معنيان: الأول: أن (إن) هنا نافية بمعنى (ما). قل ما كان للرحمن ولد، ((فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ)) [الزخرف:٨١] للرحمن هذا معنى. المعنى الثاني: ((فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ)) أي: أنا أول المنكرين بأن يكون للرحمن ولد. إذاً: في قوله تعالى: ((قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ)) [الزخرف:٨١] ثلاث معان: الأول: على وجه التنزل في المناظرة وعليه أكثر المفسرين: سأكون أول من يعبد هذا الولد، ولكن هذا لا يكون، لذلك لا أعبد إلا الله وحده لا شريك له. الثاني: أن معنى: ((قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ)) أي: قل: ما كان للرحمن ولد، ((فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ)) للرحمن، المثبتين لربوبيته وألوهيته سبحانه، فأعبده وحده لا شريك له. المعنى الثالث: (قل إن كان للرحمن ولد) فأنا أول من يأنف أن يعبد غير الله، أو يزعم أن لله الولد .

стр. 3352

تفسير قوله تعالى: (سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون) قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الزخرف:٨٢]. قوله: ((سُبْحَانَ)) هذه الكلمة تقوم مقام جملة، وهي مصدر كأنك تقول: أسبح الله تسبيحاً، والمعنى هنا: أسبح ربي وأنزه ربي تنزيهاً عظيماً سبحانه، فهو يتعالى عن أن يدعى عليه مثل ذلك. وقوله: ((سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) أي: خالق السماوات والأرض ومدبر أمرهما سبحانه. وقوله: ((رَبِّ الْعَرْشِ))، السماوات عظيمة في نظر الناس، والأرض كبيرة وضخمة في نظر الناس، لكن العرش أفضل وأعظم وأضخم وأكبر من ذلك بكثير، فالسماوات كلها والأرضون لو جمعت وقورنت بكرسي الله لكانت النسبة كنسبة حلقة في صحراء عظيمة في فلاة، ولو أن الكرسي قورن بعرش الرحمن لكانت النسبة كنسبة حلقة في فلاة، فكيف بالعرش الذي هو أعظم من السماوات وأعظم من الأرض وأعظم من الكرسي؟! هذا العرش يصفه ربنا ويذكره لنا في كتابه ويقول: إنه رب العرش، هذا العرش الضخم العظيم الذي فيه مظاهر العظمة التي خلقها الله فيه، فهذا العرش مع عظمته هو مخلوق من مخلوقات الله، والله ربه والله فوقه، وهو لا يحتاج إليه ، وهو مستوٍ على العرش محيط بكل شيء، مستغن عن كل شيء. قوله: ((عَمَّا يَصِفُونَ)) أي: أنزه الله عما يصفه به هؤلاء المشركون من أنه اتخذ صاحبة أو اتخذ ولداً.

стр. 3353

تفسير قوله تعالى: (فذرهم يخوضوا ويلعبوا) قال الله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف:٨٣]. قوله: ((فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا)) أي: دع هؤلاء في خوضهم ولعبهم، وليس المعنى أنه ينهاه أن يدعوهم لا، ولكن ادع هؤلاء فإذا أبوا إلا ما هم فيه فاتركهم، وهو تهديد لهؤلاء، كقوله: (اعملوا ما شئتم) وهذا ليس أمراً بالمنكر أو الإذن بفعله، بل هو للتهديد، أي: اعمل الذي تقدر عليه، ستنظر النتيجة ماذا تكون، فكذلك هنا: ((فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا)) أي: حتى يأتي يوم القيامة الذي يلاقون فيه ما كانوا ينكرونه من عذاب الله سبحانه. وقرأ ابن القعقاع: (حتى يلقوا يومهم الذي يوعدون). إن وعد الله حق، وقد وعدهم الله أن يوم القيامة يوم حساب ويوم جزاء، يوم يرى كل إنسان فيه صحيفته، يوم يرى ما عمل محضراً، عملت كذا وعملت كذا وعملت كذا ويحاسب عليه، فإما إلى الجنة وإما إلى النار، فذر هؤلاء في خوضهم وفي كلامهم الباطل الذي يقولونه، وفي أفعالهم القبيحة، فإذا جاءوا يوم القيامة عرفوا أنهم ضيعوا أوقاتهم وأعمارهم، في لعب ولهو وغفلة، فابتعدوا عن الله وكادوا لدين الله، فسيلقون يومهم الذي يوعدون.

стр. 3354

تفسير قوله تعالى: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٨٤]. يخبر الله العظيم عن نفسه أنه في السماء إله، وفي الأرض إله، فهو المعبود يعبده أهل السماوات وأهل الأرض، فهو إله معبود في السماء ومعبود في الأرض، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج:١٨]. أي: أن كثيراً من المخلوقات يؤمنون بالله ، وهذا الإنسان لو قورن بمخلوقات الله التي تعبده فإن عدده قليل جداً، ولذلك قال الله سبحانه: ((أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ)) أي: يسبح له ويعبده ويذعن ويطيع لله ، ((مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ)) أي: طوعاً وكرهاً، فكل من يعقل في السماوات وفي الأرض يسجدون لله ويطيعون ويخضعون، حتى الكافر يسجد لله كرهاً، يعني: يذعن ويخشع ويفعل ما أمر به كوناً وقدراً، إذا قيل له: امرض يمرض، وإذا قيل له: مت يمت، احيا يحيا، افعل كذا من الأفعال الكونية القدرية التي تأتي للإنسان ولا حيلة له فيها، كالرزق والمرض والتعب والنصب والمشقة، فلا يقدر الإنسان أن يعصي في ذلك، وإنما يعصي الإنسان في الشيء الذي ترك له فيه الاختيار. ((وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ)) أي: هؤلاء الذين حق عليهم العذاب أطاعوا لما أمر الله أمراً كونياً قدرياً، ولم يقدروا على الامتناع فيه، لكن لما أمر أمراً شرعياً وجعل لهم الخيرة، فإذا بهم يأبون ويعصون، فقال الله: ((وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ)) أي: من يطيعون طوعاً لله سبحانه ومحبة لدين الله . فقوله: ((وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ)) أي: معبود يعبده أهل السماوات، ((وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ)). فهنا نقول: الله فوق السماوات، كما في حديث الجارية التي سألها النبي ﷺ : (من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أين الله؟ قالت: في السماء) وقال تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٦ - ١٧]. فالله في السماء فوق السماوات، مستو على عرشه سبحانه، بائن من خلقه، محيط بكل شيء، وفوق كل شيء سبحانه، ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)) أي: هو معكم بسمعه وبصره وعلمه وإرادته سبحانه وأفعاله وحكمته، ولكن أين الله ؟ قال النبي ﷺ مصدقاً للمرأة: إنه في السماء ، فقال هنا: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤]، فمقولة: الله في كل مكان هذه فيها حق وفيها باطل، الحق الذي فيها أن الله في كل مكان بسمعه وبصره وعلمه سبحانه، ولكن الله قال لنا في القرآن: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وكررها في سبعة مواضع في كتابه ، وأخبرنا عن العلو في آيات كثيرة في كتاب الله ، وأنه سبحانه فوق العباد، وأنه ينزل الملائكة وينزل الكتاب سبحانه، وينزل الأمر من السماء إلى الأرض، وأنه في السماء ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، فالله فوق سماواته وهو مع الخلق بعلمه. إذاً: نقول: الله معنا بعلمه وسمعه وبصره، وبتأييده وقدرته وقوته سبحانه ﵎، ونقول: الله بذاته فوق السماء سبحانه ﵎. ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤] أي: هو الذي في السماء معبود، وفي الأرض معبود، ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٨٤] سبحانه له الحكمة العظيمة البالغة، فهو الحكيم والحكم والحاكم والمحكم وذو الحكمة ، وهو الذي يحكم بين عباده فهو الحاكم، وهو الذي يشرع لعباده فهو الحكم، وهو المحكم لخلقه ولصنعته، أحكم كل شيء وأتقن كل شيء خلقه ، وهو ذو الحكمة العظيمة البالغة، ما من شيء في كون الله إلا وله حكمة من الله يعلمها، وإن لم يعلمها خلقه، وهو المحكم لكل أمر كونه، فلا تجد فيه زللاً، ولا تجد فيه خللاً، ولا تجد فيه شيء ينتقد. نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3355

تفسير سورة الزخرف [٨٤ - ٨٩] الله سبحانه هو الإله الحق، له ملك السماوات والأرض وما بينهما، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وكل ما يعبد من دونه فهو باطل، وقد كان كفار قريش يقرون بأن آلهتهم لم تخلقهم، ومع ذلك لا يؤمنون بربهم، وقد أمر الله رسوله أن يصفح عنهم وهددهم بما سيلاقونه جزاء كفرهم في الدنيا والآخرة.

стр. 3356

تفسير قوله تعالى: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في آخر سورة الزخرف: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ * وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ * وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٤ - ٨٩]. يذكر الله في هذه الآيات أنه وحده لا شريك له، الإله الحق الذي يعبد في السماوات في الأرض، فهو الإله المعبود في السماوات وهو المعبود في الأرض، وإن كره المشركون، وإن كفر الجاحدون، فهو الإله الحق وما دونه فباطل. والإله هو المعبود، وقد اتخذوا من دون الله آلهة كلها باطلة، ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ﴾ [يس:٧٤]، أي: لعلهم يتعززون بهذه الآلهة، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، والله يخبرنا بأن هذا الذي يقولونه باطل، فذرهم يخوضوا ويلعبوا، أي: يخوضون في باطلهم، ويلعبون في دنياهم، حتى يلاقوا الذي يوعدون، وذرهم في خوضهم، مثل إنسان يخوض ويمشي في الماء، والذي يمشي في الماء لا يدري ما الذي يكون تحته من حفرة أو شيء يؤذيه، وكأنها استعيرت هذه الكلمة للباطل الذي لا يدري صاحبه ما يوصله إليه أمر لبسه وإبطاله، وكيف تكون نهاية خوضه، يقال: خاض فلان في الكلام إذا تكلم كثيراً في أشياء يلبس بها. ويأتي الخوض بمعنى: المفاوضة والمقاولة، هذا يقول، وهذا يرد عليه، وكأنهم يريدون الإبطال بقولهم لدين رب العالمين سبحانه، فـ ﴿ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ﴾ [الأنعام:٩١] أي: في مخاضتهم، وفي لعبهم الذي يقولونه ويصنعونه، حتى يلقوا يومهم الذي يوعدون. ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤] فهو إله الحق، وإن كفر هؤلاء واتخذوا من دونه آلهة، فهو وحده الذي يستحق العبادة في السماوات وفي الأرض ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٨٤].

стр. 3357

تفسير قوله تعالى: (وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض) قال الله تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزخرف:٨٥]. (تبارك) تفاعل من البركة، فبركته كثيرة، وتبارك بمعنى: تمجد وتعالى، فهو يستحق التسبيح وحده لا شريك له، قال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك:١]، وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]، وهنا قال: ﴿َتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الزخرف:٨٥] أي: تعالى وتمجد سبحانه، وكثر خيره، وكثرت بركته ، ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الزخرف:٨٥]، فهو الإله وهو الرب سبحانه، والرب هو الذي يملك، ويخلق ويرزق ويربي، فذكر ربوبيته بقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الزخرف:٨٥]، وذكر ألوهيته بأنه إله في السماوات وفي الأرض . والملك الملكوت، فهو ملك له، هو ملكه سبحانه والمالك له، وهو الملك . قوله سبحانه: ﴿وما بينهما﴾ [الزخرف:٨٥]، أي: ما بين الأرض والسماوات، والمعنى: الذي يملك كل شيء . قوله سبحانه: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [الزخرف:٨٥]، هو كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤]، فعنده وحده علم الساعة، ومتى تقوم، وإن كان أعطى لأنبيائه شيئاً من علم هذه الساعة كعرفة علاماتها، وقد أخبر النبي ﷺ أنها تكون في يوم جمعة، لكن في أي جمعة؟ لا يدري أحد، ولكن قبلها أمارات، مثل طلوع الشمس من مغربها، والدخان، وخروج المسيح الدجال، ونزول المسيح عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وخروج يأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف في المشرق وخسف في المغرب وخسف بجزيرة العرب، فهذه أمارات وعلامات، أما متى تقوم الساعة، فهذا علمه عند الله وحده لا شريك له، فمن ادعى أنه يعلم متى تقوم الساعة فهو كاذب؛ لأن الله لم يجعل علمها لأحد من خلقه دونه. قوله سبحانه: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزخرف:٨٥] أي: إليه المرجع، وهذه قراءة الجمهور: أي: بالبناء للمجهول، وقرأها بالبناء للفاعل يعقوب على وجهين: (وإليه يَرجِعون) من رواية رويس ومن رواية روح: (وإليه تَرجِعون) والمعنى: تَرجعون أنتم أيها الناس إلى الله ، وتُرجعون أي: يعيدكم إليه ، كما بدأكم أول مرة يعيدكم مرة ثانية لترجعوا إليه وتلاقوا جزاءكم وحسابكم.

стр. 3358

تفسير قوله تعالى: (ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة) قال : ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦]. الله في السماء إله، وفي الأرض إله، وهو الرب الذي يملك ويحكم في السموات وفي الأرض، أما ما يدعون من دونه فليسوا بشيء، لا يملكون شيئاً، والكفار يشهدون أن هؤلاء الذين يدعون من دون الله لا يملكون شيئاً، وهم يعلمون أن هذه الآلهة التي يعبدونها لا تملك شيئاً، لكن يزعمون أنها تملك الشفاعة، فيعبدون الأحجار ويقال لأحدهم: هل هذا الحجر ينفعك؟ يقول: لا، لا ينفع ولا يضر، فيقال: لماذا تعبده؟! قال: من أجل أن يقربني إلى الله زلفى، فهذا هو الذي أثبته الكافر، فهو يعرف أن الصنم لا يملك شيئاً، فلا ينفع ولا يضر، ولكن يزعم أنه ينفعه عند الله يوم القيامة، ويشفع له فالله ينفي هذا الذي زعموه فيقول: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ [الزخرف:٨٦]، فهم لا يملكون شيئاً، ولا يملكون هذه الشفاعة المزعومة، فالشياطين تدلس على الإنسان، تجعله يفتري على الله ، فهذا الكافر الذي عبد الأحجار يزعم في نفسه أنه متواضع، وأنه لذلك لا يتقرب إلى لله مباشرة، فهو أحقر من ذلك، لكن يعبد هذا الصنم، وهذا الوثن، وهذا الحجر، مع أنه يعرف أن الحجر حقير، فهو يدوس عليه، وهو الذي صنعه بيده، فيعبده ويزعم أنه متواضع، وأنه يعبد الحجر لأنه أذل من هذا الحجر، فيعبد الحجر حتى ينفعه الحجر عند الله! فالشيطان يزين له هذا الباطل والكذب، مثلما زين لهؤلاء المشركين أن يطوفوا بالبيت عراة نساءً ورجالاً، والمرأة كانت تطوف بالبيت عارية، تنتظر الليل من أجل أن تطوف بالكعبة، وتقول: كيف أطوف بالبيت في ثياب عصيت الله فيها؟! والرجل يقول: لا أطوف بالبيت في ثوب عصيت الله فيه، وما ذنب الثياب؟! فالشيطان كان يضحك عليهم، ويلبس عليهم بذلك. فالإنسان أحياناً يتظاهر بأنه متواضع وأنه خاشع ومخبت، وهو كاذب في هذه الدعاوى كلها، مثلما يجيء جاهل إلى إنسان ويقول: يا سيدي فلان اعمل لي كذا، وأعطني كذا، واجعل ربي ييسر لي كذا، وأنت لماذا لا تدعو الله مباشرة؟ لماذا تدعو سيدك فلان؟ وماذا يملك هو لنفسه حتى يملك لك أنت؟! وهذا نبينا صلوات الله وسلامه عليه يدعو ربه: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)، يدعو الله أن يحفظ التوحيد في حياته وبعد مماته صلوات الله وسلامه عليه، ويبرأ إلى الله من قوم يدعونه في قبره ﷺ ، فالذي يدعى هو الله وحده، فلا يدعى أحد معه سبحانه، فالشيطان يوسوس للإنسان ويزين له الباطل الذي هو فيه، ويقول له: أنت حقير، وعاص، وأنت كذا وكذا، فكيف تعبد ربنا؟! لا، اذهب اعبد الصنم وهو يوصلك إلى الله ، ادع سيدك فلان وسيدك فلان فهو الذي يوصلك إلى الله، اجعل واسطة بينك وبينه! والله يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦]، فأجاب الله عن نفسه ، وكأنه يقول: أنا قريب من عبادي، فلا تدعوا شيئاً مع الله سبحانه، ولا تتخذوا وسيلة بينكم وبين الله إلا ما شرعه سبحانه، فاتخذوا إليه الوسيلة بأن تعبدوه وحده سبحانه، فوسيلتكم إليه توحيدكم ربكم سبحانه، وحبكم وطاعتكم له، وتنفيذكم أوامره، وحفظكم لكتابه، ومحافظتكم عليه، وحفظكم لسنة النبي ﷺ واتباعكم له، فهذه هي الوسيلة، أي: أن تتبع النبي ﷺ ، وتدعو ربك سبحانه متوسلاً إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، فهذا هو التوسل إلى الله الذي ينفعك، وهذا التوسل مبني على عمل منك أنت، وليس من غيرك، فتتوسل إليه لأنك حفظت أسماءه الحسنى وعرفت صفاته، وهذا عمل منك أنت تعمله، فحفظك لذلك ودعاؤك له ، وتوسلك إليه باتباعك للنبي ﷺ ؛ هذا عمل أنت تتوسل به إلى أن يعفو الله عنك، وأن يستجيب لك، وأن يغفر لك . أما هؤلاء المشركون فقد زعموا التواضع المكذوب فقالوا: نحن أحقر من أن نعبد الله، فنعبد هذه الأصنام من أجل أن تقربنا إلى الله سبحانه؛ لأنها تملك الشفاعة، فقال الله : ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف:٨٦]، وإلا هنا استثناء، إما أن يكون استثناءً متصلاً بما قبله، أي أثبت شيئاً وأخرج منه آخر، وهذا استثناء متصل، أو أنه نفى شيئاً ولم يخرج منه شيئاً فهذا استثناء منقطع بمعنى: لكن. وهؤلاء الذين يعبدون من دون الله هم: الملائكة، والجن، والأصنام، وعزير، والمسيح، وكل هؤلاء لا يملكون الشفاعة إلا من استثنى الله أن يأذن لهم، فيأذن لمن أطاع، ويأذن للمسيح أن يشفع للمؤمنين الموحدين الذين لم يعبدوه من دون الله سبحانه، فالمعنى: إلا من شهد بالحق، أي: شهد شهادة التوحيد أن لا إله إلا الله، ولا يستحق العبادة إلا الله ، وشهد بالحق لله ، وهم يعلمون. فقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦] أي: بتوحيد الله سبحانه، موقنون أنهم رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وأنهم عبيده سبحانه، فالله يأذن لهم في الشفاعة بإذنه . فالذين يشهدون بالحق من هؤلاء كرسل الله عليهم الصلاة والسلام، وهم يعلمون أن الله يأذن لهم يوم القيامة في الشفاعة بالحق، فهؤلاء فقط هم الذين يشفعون بعد إذن الله لهم في ذلك.

стр. 3359

تفسير قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) قال الله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]، أي: ولئن سألت هؤلاء المشركين الذين اتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزاً: من خلقكم أيها المشركون؟ ومن خلق هذه الآلهة التي تزعمون؟ ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف:٨٧]، واللام لام القسم، يعني: والله ليقولون ذلك، واللام المؤكدة قبل الفعل المضارع والنون المثقلة في آخره دليل أن هذا واقع في جواب قسم، أي: والله ليقولون ذلك، تأكيداً أنهم يوم القيامة سيعترفون، والآن هم مقرون أن الخالق الله . قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف:٨٧] أي: كيف يصرفون عن توحيده، فالمشرك انصرف عن توحيد الله، يقال: انصرف عن الشيء، والمعنى: فكيف ينصرفون عن توحيد الله إلى عبادة غير سبحانه!!

стр. 3360

تفسير قوله تعالى: (وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون) قال الله: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف:٨٨] يذكر الله هنا قول النبي ﷺ وهو يدعو ربه سبحانه، ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف:٨٨]، وهذه قراءة الجمهور، وكأن هذا معطوف على شيء سبق قبل ذلك وهو قوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف:٨٠]، ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف:٨٨]، أي: هل يحسبون أنا لا نسمع ما يسرون مع بعضهم بعضاً، وما يكيدون للنبي ﷺ في السر والخفاء؟ وهل يحسبون أنا لا نسمع ذلك، وأنا لا نسمع دعاء النبي ﷺ متضرعاً لربه؟ ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف:٨٨]، والقيل بمعنى القول، القيل والقال كله بمعنى القول، فهل يحسبون أنا لا نسمع قول النبي ﷺ متضرعاً إلى ربه: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف:٨٨]. وقيل: ﴿وَقِيلِهِ﴾ [الزخرف:٨٨]، معطوف على قوله: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [الزخرف:٨٥]، أي: وعنده علم ﴿قِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف:٨٨]، فالله عنده علم الساعة، وعند الله علم قول النبي ﷺ : ﴿يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف:٨٨]، فهو يشكو إلى ربه سبحانه أن هؤلاء لا يؤمنون ولا يتابعونه ﷺ .

стр. 3361

تفسير قوله تعالى: (فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون) قال الله : ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٩]، معنى: اصفح عنهم، أي: أعرض عنهم، أعرض عن المشركين الآن لغاية ما ربنا سبحانه يحكم بعد ذلك في أمرهم، قال كثير من المفسرين: هذه الآية منسوخة بآية السيف، يعني: الآن وأنت في مكة أعرض عن هؤلاء الذين يؤذونك، حتى يقضي الله أمراً، فقضى بعد ذلك فقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة:٥]، وقيل: هي باقية على معنى من المعاني، أي: اصفح عن هؤلاء لتدعوهم، فأعرض عما يقولون، وداوم على دعائهم إلى الله ، لعل منهم من يؤمن بعد ذلك. وقوله: (وقل سلام) (سلام) هنا بمعنى: المتاركة، وليس المعنى سلم على المشركين وقل لهم: السلام عليكم، لا، بل كما قال ربنا سبحانه في عباد الرحمن: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣] يعني: قالوا قولاً فيه مسالمة ومتاركة، يعني: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦]، ابتعدوا عنا لا نريد منكم شيئاً إلا أن تستجيبوا لدعوة الله ، فمعنى قل سلام، أي: المتاركة بيننا وبينكم، تسلمون منا ونسلم منكم إن لم تستجيبوا، فدعونا ندعو إلى الله ، وكان هذا في مكة، وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يصبر، وأن يجاهدهم بهذا القرآن العظيم، ويجاهدهم بالدعوة إلى الله ، فلما كان في المدينة أمر بالجهاد بالقول وأمر بالجهاد صلوات الله وسلامه عليه، وهذه سورة مكية، ولم يكن قد أمر بجهاد السيف، وإنما أمر بأن يعرض عن هؤلاء وأن يصفح عنهم حتى يأمره الله فيه بما يشاء. قال الله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٩] هذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع وأبو جعفر وابن عامر: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٩]، بالخطاب لهؤلاء الكفار، أي: سوف تعلمون حين يأتيكم العذاب في الدنيا، وحين يأتي نصر الله فينصر المؤمنين عليكم، وحين تأتيكم ساعتكم، وحين تأتيكم القيامة؛ سوف تعلمون من الذي معه الحق ومن الذي يملك أن يعذب هؤلاء، ومن الذي يقضي بينهم، كنتم في الدنيا تنكرون العودة إلى الله، وتزعمون أنكم حتى ولو رجعتم فالأصنام تنفعكم، فسوف تعلمون أنه لا ينفع ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩]. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي وهذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3362

تفسير سورة الدخان [ ١ - ٨] إن أشرف كتاب في الدنيا هو القرآن الكريم، وقد أنزله الله في أفضل ليلة، وجعله معجزاً بآياته وحروفه ومعانيه، وتحدى الكفار أن يأتوا ولو بآية من مثله، فلم يقدروا على ذلك، ونزول القرآن في ليلة القدر فيه تشريف لهذا الليلة المباركة، ودليل على فضيلتها على جميع الليالي والأيام.

стр. 3363

مقدمة بين يدي سورة الدخان الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الدخان: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ [الدخان:١ - ٨]. هذه هي السورة الرابعة والأربعون من كتاب الله وهي سورة الدخان، وهي من السور المكية، وإحدى الحواميم السبع التي تبدأ بغافر وتنتهي بسورة الأحقاف، وترتيب نزول هذه السور على ترتيب وجودها في القرآن العظيم: سورة غافر، ثم سورة فصلت، ثم سورة الشورى، ثم سورة الزخرف، ثم سورة الجاثية، ثم سورة الدخان، ثم سورة الأحقاف. وهذه السور مكية تميزت بأن الله افتتح جميعها بهذين الحرفين: الحاء والميم، وهذه السورة فيها خصائص السور المكية، والعهد المكي كان عهد إقرار العقيدة في قلوب الناس، وتعليمهم توحيد الله سبحانه، وتذكيرهم بالجنة والنار، وإخبارهم بما حل بالأمم السابقة وما صنع الله بهم، كما عرف الله سبحانه الناس في هذا العهد بأسمائه الحسنى وصفاته العلى. هذه السورة آياتها تسع وخمسون آية على خلاف بين العلماء، فالبعض عدها ستاً وخمسين آية، وهم الحجازيون والشاميون، والبعض عدها سبعاً وخمسين آية وهم البصريون، والبعض عدها تسعة وخمسين آية وهم الكوفيون، والخلاف كما ذكرنا قبل ذلك ليس في كلمات كتاب الله ، وإنما في موضع الوقف الذي بعد رأس الآية، فمن وقف على ﴿حم﴾ [الدخان:١] عدها آية، ومن لم يقف عليها عدها وما بعدها آية، وعلى ذلك فالخلاف في كلمة ﴿حم﴾ [الدخان:١]، فالبعض يعدونها آية ويقفون عندها ثم الآية التي تليها ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الدخان:٢]، وهؤلاء هم الكوفيون والبعض وهم باقي القراء يعدون ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الدخان:١ - ٢] آية واحدة. وكذلك قول الله : ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٤]، فالبعض وقف عند ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان:٤٣] وعدها آية، و ﴿طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ [الدخان:٤٤] عدها آية أخرى، والبعض وصل ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٤] وعدها آية واحدة. والبعض وقف عند آية ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان:٤٥] وعدها آية، ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٦] وعدها آية أخرى، والبعض وصل ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٥ - ٤٦].

стр. 3364

تفسير قوله تعالى: (حم والكتاب المبين) هذه السورة بدأها الله سبحانه بقوله: ﴿حم﴾ [الدخان:١]، وهذان الحرفان كما قدمنا قبل ذلك في السور الماضية: سورة غافر وفصلت والشورى والزخرف، كذلك في هذه السورة ﴿حم﴾ [الدخان:١] أن فيهما إشارة إلى إعجاز هذا القرآن العظيم، ولذلك عند ذكر الحروف المقطعة في أوائل السور يعقبها ما يشير إلى هذا القرآن، وكأنه يتحداهم ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]، ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود:١٣] ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٢٣]، وتحداهم بالقرآن كله أن يأتوا بمثله ولن يقدروا، وهذا التحدي بلغ ذروته حينما أخبر سبحانه أن الإنس والجن لا يقدرون على ذلك فقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]. فلم يقبلوا هذا التحدي من ربهم سبحانه كما ذكر ذلك في سورة الإسراء، فتحداهم بعشر سور مثله مفتريات كما في سورة هود فلم يقدروا، ثم تحداهم بسورة من مثله كما في سورة يونس، وأخبرهم أن ((َادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ))، وفي البقرة ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣] فلم يقدروا على ذلك، والذين أرادوا أن يقبلوا التحدي قالوا كلاماً فارغاً سخر منهم الناس بسببه، فقال أحد الذين أسلموا بعد ذلك لأحد هؤلاء الكذابين: والله إنك لتعلم إني لأعلم أنك كاذب، أي: أنت تعرف أني مكذبك فيما تقول، ولكنهم كانوا يتبعونه كنوع من العصبية على ما اعتادوه في الجاهلية. ﴿حم﴾ [الدخان:١] هما حرفان: الحاء والميم، وقراءة أبي جعفر توضح أن هذين الحرفين ليسا كلمة، فيقرأ ﴿حم﴾ [الدخان:١] ويقف: حا، ميم، وكذلك في كل فواتح السور حين يقرأها يبين أنها حروف، كقوله تعالى: ﴿الم﴾ [البقرة:١] يقرؤها: ألف، لام، ميم، ﴿طه﴾ [طه:١]، طا، ها ﴿يس﴾ [يس:١]، يا، سين، فهذه حروف مقطعة يفتتح الله بها هذه السور، ويتحدى الكفار بمثلها أن يجمعوا منها كلمات ويصيغوا منها قرآناً مثل هذا القرآن إن استطاعوا هم وشركاؤهم من الجن والإنس، فلم يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً. وقوله تعالى: ﴿حم﴾ [الدخان:١] فيها ثلاث قراءات: (حم) بالفتح، وهي قراءة قالون وأبي جعفر وابن كثير وحفص عن عاصم وهشام عن ابن عامر، والأزرق عن ورش يقرأ بالتقليل، ويقرأ أبو عمرو أيضاً بالفتح والتقليل للحاء أي: لا يفتحها ولا يكسرها، وباقي القراء وهم: ابن ذكوان عن ابن عامر وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف يقرؤونها بالإمالة، والكل يمد الميم مداً طويلاً ست حركات، وأما الحاء فتمد مداً طبيعياً بحركتين فقط. قال الله تعالى: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الدخان:١ - ٢]، وكأنه يقول: هذا القرآن من جنس هذين الحرفين وغيرها من الحروف، فأتوا بمثل هذا القرآن، والغالب أنه إذا ذكرت الحروف المقطعة فإنه يأتي بعدها إشارة إلى القرآن، كقوله تعالى هنا بعد أن افتتح السورة بهذين الحرفين: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الدخان:٢]، والكتاب: هو القرآن، وهو الكتاب المعهود الذي عرفتموه وجاء من عند رب العالمين، المبين: من أبان بمعنى أظهر ووضح وجلى، فكأن المعنى: إن هذا الكتاب يوضح ويبين لكم ما كان غائباً عنكم وما لم تعرفوه، كما وضح لكم ربكم فيه ما أشكل وما اشتبه عليكم وما وقعتكم في شك فيه، وبين لكم ما تحتاجون إليه في أمر دينكم ودنياكم وأخراكم.

стр. 3365

تفسير قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلةٍ مباركة إنه هو السميع العليم) عبر هنا بنون العظمة عن عظمته سبحانه في إنزال القرآن، وأنه نزل من السماء إلى الأرض بأحكام عظيمة، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ [الدخان:٣] أي: أنزله الله مع جبريل على النبي صلوات الله وسلامه عليه، ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان:٣] الليلة المباركة هي ليلة القدر، ومعلوم أن القرآن نزل على النبي ﷺ خلال ثلاث وعشرين سنة، ولم ينزل مرة واحدة على النبي ﷺ ، ولكن المعنى هنا كما جاء عن ابن عباس بإسناد صحيح: أن القرآن نزل من السماء من عند الله إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك مع جبريل على النبي ﷺ خلال ثلاث وعشرين سنة، فأول ما نزل إلى السماء الدنيا من عند رب العالمين سبحانه في هذه الليلة وهي ليلة القدر، ثم أنزل على النبي صلوات الله وسلامه عليه: فكان أول ما نزل عليه ﷺ ونبئ به هو: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، وأول ما أرسل به صلوات الله وسلامه عليه ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢]، فنبئ باقرأ، وأرسل بالمدثر صلوات الله وسلامه عليه. والليلة المباركة هي الليلة العظيمة البركة، وهي ليلة القدر كما بين الله سبحانه في سورة القدر بقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١]، وبهذا يتبين أن القول بأن هذه الليلة هي ليلة النصف من شعبان ليس صحيحاً وإن ذكره كثير من المفسرين، ولم يصح عن النبي ﷺ أنها كذلك، فالليلة المذكورة هنا هي الليلة المذكورة في سورة القدر، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان:٣]، وقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١]، وهي ليلة من ليالي العشر الأخيرة من رمضان. ومن بركتها أنه أنزل فيها القرآن ليكون لها شرف عظيم بذلك، وفيها يقضي الله ما يكون خلال هذه السنة، فيفعل ما يشاء ويحكم بما يشاء ويعلم الملائكة ما يشاء من أقداره سبحانه. ثم إن عظمته سبحانه وحكمته تأبى إلا أن ينذر قبل أن يحاسب ويعاقب ويعذب، فقال: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ [الدخان:٣]، فقد أنذر الله وبشر في كتابه، فإذا أنذر فقد بين لهذا الإنسان ما يبعده عن النار ويهديه إلى الجنة، ففي القرآن العظيم نذارة من الله لعباده، قال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة:٤١]، وقال: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، فأنذرهم الله سبحانه وقال: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ [الدخان:٣]، وبهذا يكون قد أعذرهم حتى لا يكون لهم على الله حجة يوم القيامة، وأصل النذارة: الإخبار بالشيء الذي سيكون فيه إخافة للناس، كأن يقول: إن تفعل كذا أو إذا لم تفعل كذا تدخل النار فهذا هو الإنذار من الله سبحانه. وهذه الليلة المباركة قال الله عنها: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤]، يفرق ويفرق بمعنى يفصل، فالقرآن هو الفرقان الذي فرق بين الحق والباطل، والذي فصل الله فيه الأحكام. فالله يحكم بما يريد سبحانه، ويخبر أنه سيقع كذا وسيكون كذا، فيخبر الملائكة بما يقع في خلال هذه السنة من أمور، ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤]، والأمر الحكيم أمر الله وقضاؤه وقدره المحكم المبرم الذي لا بد وأن يكون على وفق ما قضاه الله سبحانه، وهو كل أمر يكون فيه حكمه. فيقضي الله في هذه الليلة ما يكون خلال العام من الأحداث، ومن يموت فيها ومن سيولد وغير ذلك مما يشاءه الله، فيفصل من عند الله إلى ما في أيدي الملائكة من صحف، فيعلمون ما يكون خلال هذا العام من الوظائف والأعمال التي كلفهم الله بها. ولذلك فإن المؤمن يقوم هذه الليلة لشرفها وفضلها، ولما يحدثه الله فيها من أمور ينزلها على الملائكة وعلى عباده. جاء عن الحسن البصري أن رجلاً سأله فقال: يا أبا سعيد! أرأيت ليلة القدر أفي كل رمضان هي؟ فقال: إي والله الذي لا إله إلا هو إنها في كل رمضان، إنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل خلق وأجل ورزق وعمل إلى مثل هذا. قال ابن عباس ﵄: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت وحياة ورزق ومطر حتى الحج يقال: يحج فلان ويحج فلان. أي: يفصل من اللوح المحفوظ عند الله الذي كتب فيه مقادير الخلائق، وقدر فيه مقادير كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، إلى ما في أيدي الملائكة من صحف، وعلم الله لا يغير ولا يبدل، ولكن ما يكون في أيدي الملائكة من صحف فيها: فلان يفعل كذا، فإذا فعل كذا افعلوا به كذا، أو فلان يموت في اليوم الفلاني، وإذا وصل رحمه مد في عمره ويكون كذا، أو فلان يحدث له كذا ويولد له كذا فإذا كان منه كذا يكون كذا، وعلم الله أن هذا لن يحسن ولن يبر والديه ولن يصل رحمه فسيموت في الوقت الذي قدره الله ، فيطلع الملائكة بما يفصله له من اللوح المحفوظ إلى كتبهم التي في أيديهم ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤]. يقول ابن عباس في هذه الآية: إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق واسمه في الموتى. أي: يمشي في السوق ويضحك ويعمل وقد كتب في هذه الليلة في صحف الملائكة أنه سيقبض في هذا الوقت. وقوله سبحانه: ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤] أي: كل أمر فيه حكمة من الله سبحانه. قال سبحانه: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان:٥] أي: أن الأمر الذي يفرق ويفصل أمر عظيم يليق بعظمته سبحانه، وإنما قال: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الدخان:٥] لإنه إذا كان من عند الله فلا تغيير له ولا تبديل، فالله فرق وفصل وأمر وأحكم وأبرم سبحانه، ولا بد أن يكون ما أبرمه وما قضاه سبحانه، ولذلك عظم هذا الأمر بنسبته إليه فقال: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الدخان:٥] أي: أمراً عظيماً من عندنا. ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الدخان:٦]، فأرسل رسوله صلوات الله وسلامه عليه، وأنزل ملائكة من السماء على النبي ﷺ ، وهذا كله رحمة من عنده بعباده، ولذلك فإن البعض ينصبون رحمة؛ لأن اسم الفاعل في قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان:٥] ينصب ما بعده على أنه مفعول به، أي: نرسل رحمتنا لعبادنا، فأنزلنا هذا القرآن، وأرسلنا النبي ﷺ ، وأنزلنا الملائكة كل ذلك رحمة من عندنا، وأرسلنا الرياح لواقح رحمة من عندنا، أو أن المعنى: قضينا بأن نرسل ما نشاء من رسل الله ، وهذا الإرسال رحمة، وهو منصوب على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: رحمناكم رحمة. ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الدخان:٦] فرحمة الله عظيمة واسعة تليق به سبحانه، إنه هو السميع: يسمع ما يقوله خلقه، العليم: يعلم ما في قلوبهم وما يفعلونه.
следующие страницы →