← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

تفسير قوله تعالى: (فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون) قال الله : ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٩]، معنى: اصفح عنهم، أي: أعرض عنهم، أعرض عن المشركين الآن لغاية ما ربنا سبحانه يحكم بعد ذلك في أمرهم، قال كثير من المفسرين: هذه الآية منسوخة بآية السيف، يعني: الآن وأنت في مكة أعرض عن هؤلاء الذين يؤذونك، حتى يقضي الله أمراً، فقضى بعد ذلك فقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة:٥]، وقيل: هي باقية على معنى من المعاني، أي: اصفح عن هؤلاء لتدعوهم، فأعرض عما يقولون، وداوم على دعائهم إلى الله ، لعل منهم من يؤمن بعد ذلك. وقوله: (وقل سلام) (سلام) هنا بمعنى: المتاركة، وليس المعنى سلم على المشركين وقل لهم: السلام عليكم، لا، بل كما قال ربنا سبحانه في عباد الرحمن: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣] يعني: قالوا قولاً فيه مسالمة ومتاركة، يعني: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦]، ابتعدوا عنا لا نريد منكم شيئاً إلا أن تستجيبوا لدعوة الله ، فمعنى قل سلام، أي: المتاركة بيننا وبينكم، تسلمون منا ونسلم منكم إن لم تستجيبوا، فدعونا ندعو إلى الله ، وكان هذا في مكة، وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يصبر، وأن يجاهدهم بهذا القرآن العظيم، ويجاهدهم بالدعوة إلى الله ، فلما كان في المدينة أمر بالجهاد بالقول وأمر بالجهاد صلوات الله وسلامه عليه، وهذه سورة مكية، ولم يكن قد أمر بجهاد السيف، وإنما أمر بأن يعرض عن هؤلاء وأن يصفح عنهم حتى يأمره الله فيه بما يشاء. قال الله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٩] هذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع وأبو جعفر وابن عامر: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٩]، بالخطاب لهؤلاء الكفار، أي: سوف تعلمون حين يأتيكم العذاب في الدنيا، وحين يأتي نصر الله فينصر المؤمنين عليكم، وحين تأتيكم ساعتكم، وحين تأتيكم القيامة؛ سوف تعلمون من الذي معه الحق ومن الذي يملك أن يعذب هؤلاء، ومن الذي يقضي بينهم، كنتم في الدنيا تنكرون العودة إلى الله، وتزعمون أنكم حتى ولو رجعتم فالأصنام تنفعكم، فسوف تعلمون أنه لا ينفع ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩]. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي وهذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3362

تفسير سورة الدخان [ ١ - ٨] إن أشرف كتاب في الدنيا هو القرآن الكريم، وقد أنزله الله في أفضل ليلة، وجعله معجزاً بآياته وحروفه ومعانيه، وتحدى الكفار أن يأتوا ولو بآية من مثله، فلم يقدروا على ذلك، ونزول القرآن في ليلة القدر فيه تشريف لهذا الليلة المباركة، ودليل على فضيلتها على جميع الليالي والأيام.

стр. 3363

مقدمة بين يدي سورة الدخان الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الدخان: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ [الدخان:١ - ٨]. هذه هي السورة الرابعة والأربعون من كتاب الله وهي سورة الدخان، وهي من السور المكية، وإحدى الحواميم السبع التي تبدأ بغافر وتنتهي بسورة الأحقاف، وترتيب نزول هذه السور على ترتيب وجودها في القرآن العظيم: سورة غافر، ثم سورة فصلت، ثم سورة الشورى، ثم سورة الزخرف، ثم سورة الجاثية، ثم سورة الدخان، ثم سورة الأحقاف. وهذه السور مكية تميزت بأن الله افتتح جميعها بهذين الحرفين: الحاء والميم، وهذه السورة فيها خصائص السور المكية، والعهد المكي كان عهد إقرار العقيدة في قلوب الناس، وتعليمهم توحيد الله سبحانه، وتذكيرهم بالجنة والنار، وإخبارهم بما حل بالأمم السابقة وما صنع الله بهم، كما عرف الله سبحانه الناس في هذا العهد بأسمائه الحسنى وصفاته العلى. هذه السورة آياتها تسع وخمسون آية على خلاف بين العلماء، فالبعض عدها ستاً وخمسين آية، وهم الحجازيون والشاميون، والبعض عدها سبعاً وخمسين آية وهم البصريون، والبعض عدها تسعة وخمسين آية وهم الكوفيون، والخلاف كما ذكرنا قبل ذلك ليس في كلمات كتاب الله ، وإنما في موضع الوقف الذي بعد رأس الآية، فمن وقف على ﴿حم﴾ [الدخان:١] عدها آية، ومن لم يقف عليها عدها وما بعدها آية، وعلى ذلك فالخلاف في كلمة ﴿حم﴾ [الدخان:١]، فالبعض يعدونها آية ويقفون عندها ثم الآية التي تليها ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الدخان:٢]، وهؤلاء هم الكوفيون والبعض وهم باقي القراء يعدون ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الدخان:١ - ٢] آية واحدة. وكذلك قول الله : ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٤]، فالبعض وقف عند ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان:٤٣] وعدها آية، و ﴿طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ [الدخان:٤٤] عدها آية أخرى، والبعض وصل ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٤] وعدها آية واحدة. والبعض وقف عند آية ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان:٤٥] وعدها آية، ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٦] وعدها آية أخرى، والبعض وصل ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٥ - ٤٦].

стр. 3364

تفسير قوله تعالى: (حم والكتاب المبين) هذه السورة بدأها الله سبحانه بقوله: ﴿حم﴾ [الدخان:١]، وهذان الحرفان كما قدمنا قبل ذلك في السور الماضية: سورة غافر وفصلت والشورى والزخرف، كذلك في هذه السورة ﴿حم﴾ [الدخان:١] أن فيهما إشارة إلى إعجاز هذا القرآن العظيم، ولذلك عند ذكر الحروف المقطعة في أوائل السور يعقبها ما يشير إلى هذا القرآن، وكأنه يتحداهم ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]، ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود:١٣] ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٢٣]، وتحداهم بالقرآن كله أن يأتوا بمثله ولن يقدروا، وهذا التحدي بلغ ذروته حينما أخبر سبحانه أن الإنس والجن لا يقدرون على ذلك فقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]. فلم يقبلوا هذا التحدي من ربهم سبحانه كما ذكر ذلك في سورة الإسراء، فتحداهم بعشر سور مثله مفتريات كما في سورة هود فلم يقدروا، ثم تحداهم بسورة من مثله كما في سورة يونس، وأخبرهم أن ((َادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ))، وفي البقرة ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣] فلم يقدروا على ذلك، والذين أرادوا أن يقبلوا التحدي قالوا كلاماً فارغاً سخر منهم الناس بسببه، فقال أحد الذين أسلموا بعد ذلك لأحد هؤلاء الكذابين: والله إنك لتعلم إني لأعلم أنك كاذب، أي: أنت تعرف أني مكذبك فيما تقول، ولكنهم كانوا يتبعونه كنوع من العصبية على ما اعتادوه في الجاهلية. ﴿حم﴾ [الدخان:١] هما حرفان: الحاء والميم، وقراءة أبي جعفر توضح أن هذين الحرفين ليسا كلمة، فيقرأ ﴿حم﴾ [الدخان:١] ويقف: حا، ميم، وكذلك في كل فواتح السور حين يقرأها يبين أنها حروف، كقوله تعالى: ﴿الم﴾ [البقرة:١] يقرؤها: ألف، لام، ميم، ﴿طه﴾ [طه:١]، طا، ها ﴿يس﴾ [يس:١]، يا، سين، فهذه حروف مقطعة يفتتح الله بها هذه السور، ويتحدى الكفار بمثلها أن يجمعوا منها كلمات ويصيغوا منها قرآناً مثل هذا القرآن إن استطاعوا هم وشركاؤهم من الجن والإنس، فلم يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً. وقوله تعالى: ﴿حم﴾ [الدخان:١] فيها ثلاث قراءات: (حم) بالفتح، وهي قراءة قالون وأبي جعفر وابن كثير وحفص عن عاصم وهشام عن ابن عامر، والأزرق عن ورش يقرأ بالتقليل، ويقرأ أبو عمرو أيضاً بالفتح والتقليل للحاء أي: لا يفتحها ولا يكسرها، وباقي القراء وهم: ابن ذكوان عن ابن عامر وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف يقرؤونها بالإمالة، والكل يمد الميم مداً طويلاً ست حركات، وأما الحاء فتمد مداً طبيعياً بحركتين فقط. قال الله تعالى: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الدخان:١ - ٢]، وكأنه يقول: هذا القرآن من جنس هذين الحرفين وغيرها من الحروف، فأتوا بمثل هذا القرآن، والغالب أنه إذا ذكرت الحروف المقطعة فإنه يأتي بعدها إشارة إلى القرآن، كقوله تعالى هنا بعد أن افتتح السورة بهذين الحرفين: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الدخان:٢]، والكتاب: هو القرآن، وهو الكتاب المعهود الذي عرفتموه وجاء من عند رب العالمين، المبين: من أبان بمعنى أظهر ووضح وجلى، فكأن المعنى: إن هذا الكتاب يوضح ويبين لكم ما كان غائباً عنكم وما لم تعرفوه، كما وضح لكم ربكم فيه ما أشكل وما اشتبه عليكم وما وقعتكم في شك فيه، وبين لكم ما تحتاجون إليه في أمر دينكم ودنياكم وأخراكم.

стр. 3365

تفسير قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلةٍ مباركة إنه هو السميع العليم) عبر هنا بنون العظمة عن عظمته سبحانه في إنزال القرآن، وأنه نزل من السماء إلى الأرض بأحكام عظيمة، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ [الدخان:٣] أي: أنزله الله مع جبريل على النبي صلوات الله وسلامه عليه، ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان:٣] الليلة المباركة هي ليلة القدر، ومعلوم أن القرآن نزل على النبي ﷺ خلال ثلاث وعشرين سنة، ولم ينزل مرة واحدة على النبي ﷺ ، ولكن المعنى هنا كما جاء عن ابن عباس بإسناد صحيح: أن القرآن نزل من السماء من عند الله إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك مع جبريل على النبي ﷺ خلال ثلاث وعشرين سنة، فأول ما نزل إلى السماء الدنيا من عند رب العالمين سبحانه في هذه الليلة وهي ليلة القدر، ثم أنزل على النبي صلوات الله وسلامه عليه: فكان أول ما نزل عليه ﷺ ونبئ به هو: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، وأول ما أرسل به صلوات الله وسلامه عليه ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢]، فنبئ باقرأ، وأرسل بالمدثر صلوات الله وسلامه عليه. والليلة المباركة هي الليلة العظيمة البركة، وهي ليلة القدر كما بين الله سبحانه في سورة القدر بقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١]، وبهذا يتبين أن القول بأن هذه الليلة هي ليلة النصف من شعبان ليس صحيحاً وإن ذكره كثير من المفسرين، ولم يصح عن النبي ﷺ أنها كذلك، فالليلة المذكورة هنا هي الليلة المذكورة في سورة القدر، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان:٣]، وقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١]، وهي ليلة من ليالي العشر الأخيرة من رمضان. ومن بركتها أنه أنزل فيها القرآن ليكون لها شرف عظيم بذلك، وفيها يقضي الله ما يكون خلال هذه السنة، فيفعل ما يشاء ويحكم بما يشاء ويعلم الملائكة ما يشاء من أقداره سبحانه. ثم إن عظمته سبحانه وحكمته تأبى إلا أن ينذر قبل أن يحاسب ويعاقب ويعذب، فقال: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ [الدخان:٣]، فقد أنذر الله وبشر في كتابه، فإذا أنذر فقد بين لهذا الإنسان ما يبعده عن النار ويهديه إلى الجنة، ففي القرآن العظيم نذارة من الله لعباده، قال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة:٤١]، وقال: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، فأنذرهم الله سبحانه وقال: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ [الدخان:٣]، وبهذا يكون قد أعذرهم حتى لا يكون لهم على الله حجة يوم القيامة، وأصل النذارة: الإخبار بالشيء الذي سيكون فيه إخافة للناس، كأن يقول: إن تفعل كذا أو إذا لم تفعل كذا تدخل النار فهذا هو الإنذار من الله سبحانه. وهذه الليلة المباركة قال الله عنها: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤]، يفرق ويفرق بمعنى يفصل، فالقرآن هو الفرقان الذي فرق بين الحق والباطل، والذي فصل الله فيه الأحكام. فالله يحكم بما يريد سبحانه، ويخبر أنه سيقع كذا وسيكون كذا، فيخبر الملائكة بما يقع في خلال هذه السنة من أمور، ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤]، والأمر الحكيم أمر الله وقضاؤه وقدره المحكم المبرم الذي لا بد وأن يكون على وفق ما قضاه الله سبحانه، وهو كل أمر يكون فيه حكمه. فيقضي الله في هذه الليلة ما يكون خلال العام من الأحداث، ومن يموت فيها ومن سيولد وغير ذلك مما يشاءه الله، فيفصل من عند الله إلى ما في أيدي الملائكة من صحف، فيعلمون ما يكون خلال هذا العام من الوظائف والأعمال التي كلفهم الله بها. ولذلك فإن المؤمن يقوم هذه الليلة لشرفها وفضلها، ولما يحدثه الله فيها من أمور ينزلها على الملائكة وعلى عباده. جاء عن الحسن البصري أن رجلاً سأله فقال: يا أبا سعيد! أرأيت ليلة القدر أفي كل رمضان هي؟ فقال: إي والله الذي لا إله إلا هو إنها في كل رمضان، إنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل خلق وأجل ورزق وعمل إلى مثل هذا. قال ابن عباس ﵄: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت وحياة ورزق ومطر حتى الحج يقال: يحج فلان ويحج فلان. أي: يفصل من اللوح المحفوظ عند الله الذي كتب فيه مقادير الخلائق، وقدر فيه مقادير كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، إلى ما في أيدي الملائكة من صحف، وعلم الله لا يغير ولا يبدل، ولكن ما يكون في أيدي الملائكة من صحف فيها: فلان يفعل كذا، فإذا فعل كذا افعلوا به كذا، أو فلان يموت في اليوم الفلاني، وإذا وصل رحمه مد في عمره ويكون كذا، أو فلان يحدث له كذا ويولد له كذا فإذا كان منه كذا يكون كذا، وعلم الله أن هذا لن يحسن ولن يبر والديه ولن يصل رحمه فسيموت في الوقت الذي قدره الله ، فيطلع الملائكة بما يفصله له من اللوح المحفوظ إلى كتبهم التي في أيديهم ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤]. يقول ابن عباس في هذه الآية: إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق واسمه في الموتى. أي: يمشي في السوق ويضحك ويعمل وقد كتب في هذه الليلة في صحف الملائكة أنه سيقبض في هذا الوقت. وقوله سبحانه: ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤] أي: كل أمر فيه حكمة من الله سبحانه. قال سبحانه: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان:٥] أي: أن الأمر الذي يفرق ويفصل أمر عظيم يليق بعظمته سبحانه، وإنما قال: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الدخان:٥] لإنه إذا كان من عند الله فلا تغيير له ولا تبديل، فالله فرق وفصل وأمر وأحكم وأبرم سبحانه، ولا بد أن يكون ما أبرمه وما قضاه سبحانه، ولذلك عظم هذا الأمر بنسبته إليه فقال: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الدخان:٥] أي: أمراً عظيماً من عندنا. ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الدخان:٦]، فأرسل رسوله صلوات الله وسلامه عليه، وأنزل ملائكة من السماء على النبي ﷺ ، وهذا كله رحمة من عنده بعباده، ولذلك فإن البعض ينصبون رحمة؛ لأن اسم الفاعل في قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان:٥] ينصب ما بعده على أنه مفعول به، أي: نرسل رحمتنا لعبادنا، فأنزلنا هذا القرآن، وأرسلنا النبي ﷺ ، وأنزلنا الملائكة كل ذلك رحمة من عندنا، وأرسلنا الرياح لواقح رحمة من عندنا، أو أن المعنى: قضينا بأن نرسل ما نشاء من رسل الله ، وهذا الإرسال رحمة، وهو منصوب على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: رحمناكم رحمة. ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الدخان:٦] فرحمة الله عظيمة واسعة تليق به سبحانه، إنه هو السميع: يسمع ما يقوله خلقه، العليم: يعلم ما في قلوبهم وما يفعلونه.

стр. 3366

تفسير قوله تعالى: (رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين) قال الله تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الدخان:٧]. قراءة الكوفيين ﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الدخان:٧] بالكسر على أنه بدل مما قبله، أي: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الدخان:٦] وربك هذا ﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الدخان:٧] فيكون بدلاً من ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الدخان:٦]، وقراءة الجمهور: المدنيين والحجازيين والبصريين: ﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الدخان:٧]، برفع رب، أي: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الدخان:٦] ﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الدخان:٧]. والرب هو الخالق سبحانه، وهذا لم يشك فيه الكفار فهم مقرون أن الله هو خالق السماوات والأرض، وإنما كان شكهم وإعراضهم عن توحيده في العبادة والألوهية، ولذلك قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]، فما اختلفوا فيه؛ لأنه هو الرب وهذه صفته سبحانه، وهو الفعال لما يريد، وأما الألوهية والعبادة فقد عبدوا من دونه آلهة كثيرة. وقوله: ﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الدخان:٧] أي أنه الخالق والمالك لما في السماوات والأرض وما بينهما. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الدخان:٧] في الحال أو في الاستقبال، والمعنى: إن كنتم تريدون أن توقنوا فتعلموا من كتاب الله ما يدفعكم إلى اليقين وما يمنع عنكم الشك، أو إن كنتم موقنين أنه الرب فاعبدوه، وإن علمتم أن الله هو الذي يملك ويخلق ويرزق فكيف تعبدون ما لا ينفعكم ولا يضركم؟ وهذا مثل أن يقول الإنسان لآخر: يا فلان! أعطني، وهو يعلم أنه لا يعطي، فإذا كان الإنسان موقناً أن الله هو الرب فليعبده وليسأله وحده.

стр. 3367

تفسير قوله تعالى: (لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين) قال الله تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [الدخان:٨]، بعد أن ذكر الربوبية عقب بذكر الإلهية كعادته في كتابه سبحانه، فتوحيد الربوبية: هو الإقرار بأنه الرب الخالق، وتوحيد الألوهية: هو التوجه إليه بالعبادة وحده وعدم الإشراك به، وقوله: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [الدخان:٨]، ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:٣]، فإذا كان يخلق ويحيي ويميت فلم تؤلهون وتعبدون غيره؟ و (لا) في الآية نافية لجنس الألوهية عن أحد غير الله، ولا بد من تقدير شيء هنا؛ لأنهم قد عبدوا آلهة من دون الله سبحانه، فيكون التقدير: لا إله حق إلا هو، ولا نقول كما يقول النحويون في لا النافية للجنس: إن تقدير الخبر موجود، فيقولون: لا إله موجود، وهذا غير صحيح؛ لأن هناك آلهة موجودة غير الله ، كما قال الله سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية:٢٣] فاتخذ إلهً من دون الله وهو الهوى، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم:٨١] أي: أنهم اتخذوا آلهة غير الله سبحانه وعبدوها من دون الله، فالإله كل ما عبد من دون الله سبحانه، والله هو الذي يستحق وحده العبادة. إذاً: فتقدير خبر (لا) النافية للجنس هو: حق، وإذا قيل: موجود فلا بد أن يوصف بأنه موجود حق، فيكون المعنى: لا إله حق إلا الله وحده وما سواه آلهة باطلة، ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ [الدخان:٨]. نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3368

تفسير سورة الدخان [٩ - ١٦] لقد جاءت آية الدخان في عهد النبي ﵊، وهي غير الآية التي تكون قبل قيام الساعة على الراجح من أقوال أهل العلم، بدليل أن الله ذكر أنه سيكشف عنهم العذاب بعد هذا الدخان، ثم يعودون للكفر كما هو عادة الكافرين، ثم ينتقم الله منهم ويبطش بهم البطشة الكبرى يوم القيامة.

стр. 3369

تفسير قوله تعالى: (بل هو في شك يلعبون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الدخان: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ * فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ * أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان:٩ - ١٦]. قبل هذه الآيات من سورة الدخان قال الله سبحانه: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ [الدخان:٥ - ٨]، فكأن قوله هنا (بل هم) استدراك على ما قبل ذلك، فهم يقولون: إن الرب هو الذي خلقهم، ويعرفون ذلك، ولكنهم ﴿فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان:٩]، فهم يعرفون أن الله خلقهم، ولكن هذه المعرفة لم تدفعهم لعبادته سبحانه، ولم تمنعهم من الشرك بالله سبحانه، فهم في شك هل الآلهة متعددة أم الإله الذي يستحق العبادة واحد؟ فهم في شك من ذلك، فمهما قالوا من كلام يقنعون أنفسهم به أنهم على الحق، ومهما تعجبوا من النبي ﷺ أنه أمرهم أن يعبد إلهاً واحداً لا إله إلا هو، فهم يخوضون في لهو وفي لعب، وإن زعموا أنهم على يقين مما يقولون، فالله أعلم بما في قلوبهم، ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ﴾ [الدخان:٩]، فهم يعرفون أن هذه الآلهة التي يعبدونها لا تنفع ولا تضر، لكن يقولون ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، وهل هم مستيقنون أنها تقربهم إلى الله زلفاً؟ هم لا يعرفون، ومن أين لهم أن يعرفوا أن هذه الآلهة تقربهم إلى الله؟! هل معهم أثاره من علم؟ هل معهم كتاب؟ هل قال لهم رسول ذلك؟ ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ﴾ [الدخان:٩]، من هذا كله، ﴿يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان:٩]، فيما يقولون وإن أظهروا الجد في كلامهم، وإن قاتلوا على هذا الذي يقولونه، ولكن الحقيقة أنهم يلعبون، وكلامهم فارغ ليسوا على يقين منه، ولا فيما يظهرونه من الإيمان بربوبية الرب سبحانه ﵎؛ لأنهم لم يعبدوه سبحانه.

стр. 3370

تفسير قوله تعالى: (فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين) قال الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان:١٠]، هذا تحذير لهؤلاء الكفار، وهذه سورة مكية، فيهدد الله هؤلاء الكفار ويقول للنبي ﷺ : ارتقب واصبر على هذا الذي يقولونه، وانتظر حتى ترى كيف نجازي هؤلاء بما يقولون، فسيأتيهم العذاب من عند الله ، وهو الدخان، فيظهر لهم ما كانوا يفعلونه بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، ويبين لهم شيئاً من عذابه. وقد جاء حديث عن ابن مسعود ﵄ يبين أن هذا الدخان في الدنيا، وفي حديث آخر عن النبي ﷺ من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري أن هذا الدخان يوم القيامة، وكلاهما صحيح، ولكن المقصود منهما في هذه الآية أحدهما، فالحديث الأول عن ابن مسعود ﵄ أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان:١٠] وأن فلاناً يقول: يكون دخان يوم القيامة، فغضب ابن مسعود ﵃ وقال: لم يتكلم أحدكم بما ليس له به علم؟ من علم فليقل بعلمه، ومن كان لا يعلم فليقل: الله أعلم، ثم قال رضي الله ﵎ عنه: إنما كان هذا لأن قريشاً لما استعصت على النبي ﷺ دعا عليهم بسنين كسني يوسف؛ فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، فأنزل الله : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان:١٠ - ١١]. وهذا الحديث في البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود ﵁، وفيه أن النبي ﷺ دعا عليهم لما شددوا على النبي ﷺ قال: (اللهم أعني عليهم بسنين كسني يوسف)، فكان هذا الدخان من شدة الجوع ومن قلة المياه، فلم يجدوا ما يأكلونه فأكلوا لحوم الكلاب، وأكلوا عظام الميتة وكل شيء وجدوه أمامهم، فالنبي ﷺ دعا واستجاب له ربه، فكانوا من شدة جوعهم يرون ما بينهم وبين السماء كالدخان، والجائع يغشى على بصره، فشدة الحر والعطش وقلة الطعام جعلتهم ينظرون إلى ما بينهم وبين السماء كالدخان من شدة ما هم فيه من قحط ومحل وجدب. فذهب أبو سفيان إلى النبي ﷺ وقال للنبي صلوات الله وسلامه عليه: إنك جئت تدعو إلى صلة الرحم فكيف تدعو علينا؟! فقد عرف أن الله قد استجاب للنبي ﷺ ، فذهب إليه ليدعو لهم كما فعل فرعون مع موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما ابتلاهم الله ، قال الله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف:١٣٠ - ١٣١]، وبعد ذلك يذهبون إلى موسى ويقولون: ﴿يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف:١٣٤]، وكلما يأتيهم عذاب من عند الله يقولون: سنؤمن لك، فيكشف الله عنهم العذاب فيرجعون، فهذه سنة الكفار السابقين، فالله إذا أخذهم جأروا إليه بالدعاء ورجعوا إليه ليكشف عنهم البلاء، فإذا كشف عنهم البلاء رجعوا إلى كفرهم مرة ثانية، وكذلك هؤلاء المشركون قال رجل منهم: يا رسول الله استسق لمضر، وهذه القبيلة أبوهم الأكبر مضر، فيقول له: استسق الله لمضر، أي: لقريش التي عدوت عليها، فقال له النبي ﷺ : (إنك لجرئ) يعني: إنك لجريء في هذا الذي تطلبه، فبدلاً ما تقول لهم: آمنوا بسبب ما أنزل الله عليكم من عذاب بدعوة النبي ﷺ ، قلت: استسق! ولكن حنان النبي ﷺ جعله يستسقي لهم، ودعا لهم أن يكشف الله عنهم ما هم فيه، وقد وعدوه أنهم يؤمنون فقالوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان:١٢]، فقال الله: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان:١٥]، أي: ستعودون إلى كفركم مرة ثانية. يقول ابن مسعود ﵁: فاستسقى -يعني: طلب النبي ﷺ من ربه أن يسقي هؤلاء- فسقوا فنزلت الآية الأخرى: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان:١٥]، فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية، فأنزل الله : ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان:١٦]، قال ابن مسعود: هي يوم بدر، أي: إن رجعتم إلى الكفر فسنبطش بكم بطشة كبرى، وكان ذلك في يوم بدر، حيث أهلك الله شيوخ المشركين كـ أبي جهل، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة وغيرهم. وجاء في حديث آخر عن النبي ﷺ من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري كما في صحيح مسلم قال: (طلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر فقال: ما تذكرون؟ قالوا: نذكر الساعة) يعني: يوم القيامة وما يكون فيه، فقال ﷺ : (إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات) يعني: العلامات الكبرى لهذه الساعة، قال ﷺ : (الدخان والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم). فهذه هي العلامات الكبرى للساعة، وهي عشر علامات إذا خرجت كانت متوالية بعضها وراء بعض كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (كعقد انفرط) أي: مثل السبحة إذا انقطع منها الحبل تذهب منها الخرزات واحدة تل الأخرى. وآخر العلامات نار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر، وهي نار عظيمة تجعل الناس كلهم يهربون ويذهبون إلى الشام، وهي أرض المحشر. قال: (تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتصبح معهم إذا أصبحوا، وتمسي معهم إذا أمسوا، قلت: يا نبي الله! وما الدخان؟ فذكر هذه الآية). وابن مسعود ﵁ لا ينكر هذا الحديث، ولكن يقول: إن الدخان المقصود في هذه الآية قد حصل وانتهى؛ لأن ربنا يقول: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا﴾ [الدخان:١٥]، وعندما تقوم الساعة لن يكشف الله العذاب. ولذلك فالراجح قول ابن مسعود ﵁، والصحيح أن الدخان أيضاً من علامات الساعة، ولكنه ليس متعلقاً بهذه الآية، والله أعلم. قال سبحانه: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان:١٠] أي: بدخان واضح جلي أو مبين.

стр. 3371

تفسير قوله تعالى: (يغشى الناس هذا عذاب أليم وقد جاءهم رسول مبين) قال الله تعالى: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ [الدخان:١١] أي: يغطي هؤلاء، ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان:١١] أي: هذا من عذاب الله لهؤلاء حيث منع الله عنهم المطر، فقالوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان:١٢] أي: أنهم يدعون الله حين يرون هذا العذاب فيقولون: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان:١٢] أي: نحن مصدقون أنك ربنا وخالقنا، وسنؤمن بالنبي ﷺ إذا كشفت عنا هذا العذاب، كما قال قوم فرعون لموسى ﵊. قال سبحانه: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان:١٣] أي: من أين لهم التذكر؟ فهؤلاء مثل الذين إذا ركبوا في البحر وأصابهم الضر ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥]. وهذه عادة المشركين، فإنهم إذا أصابتهم البلية والمصيبة قالوا: يا رب! ورجعوا إليه، فإذا كشف عنهم البلاء نسوا الله سبحانه، ورجعوا إلى شركهم وعبادة غيره سبحانه، قال: ﴿أَنَّى لَهُمُ﴾ [الدخان:١٣] أي: من أين لهم التذكر وعادتهم أنهم يكذبون ويعرضون في وقت الرفاهية والرخاء؟! ﴿وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان:١٣]، (مبين) لها معنيان: الأول من بان بمعنى: ظهر، فهو مبين ظاهر واضح جلي ﷺ ، ومعه الآيات والمعجزات من ربه التي تدل على صدقه ﵊. والثاني بمعنى: مفصح صلوات الله وسلامه عليه، من أبانه بمعنى أظهره وبينه وفسره وشرحه، فهو مبين بلسان عربي مبين، وليس كلامه أعجمياً فيدعون أنهم لا يفهمون ما يقوله.

стр. 3372

تفسير قوله تعالى: (ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون) ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان:١٤] أي: تولوا وأعرضوا عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهذت الاستفهام لإنكار أنهم سيتذكرون الآن لما جاءهم العذاب، فإذا كشفنا عنهم العذاب رجعوا إلى الكفر مرة أخرى، قال سبحانه: ﴿قَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ [الدخان:١٣ - ١٤] أي: أعرضوا عنه، ﴿وَقَالُوا مُعَلَّمٌ﴾ [الدخان:١٤] كما في الآية الأخرى: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل:١٠٣] يعني: لا يعلمه الله بل يعلمه رجل في اليمامة اسمه رحمان اليمامة، وقال: بعضهم: يعلمه غلام فلان الأعجمي الذي يقرأ ويكتب، وهذا لسانه أعجمي وليس عربياً، فكيف يعلم النبي ﷺ وهو أفصح الناس وأبلغهم صلوات الله وسلامه عليه، والذي أوتي لجوامع الكلم؟! فهم يكذبون ولا يستحيون من تخريفهم ويصدقون ما يقولون! وقالوا عنه أيضاً (مجنون) وافتروا عليه الكذب وحاشا له من الجنون، قال الله سبحانه: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم:٢] يعني: بفضل الله وبرحمة الله أنك لست كما يقولون -ولعنة الله على الكذابين-: ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان:١٤].

стр. 3373

تفسير قوله تعالى: (إنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون) قال الله سبحانه: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا﴾ [الدخان:١٥]، وهذا هو ما احتج به ابن مسعود ﵁ في أن هذا العذاب كان في الدنيا وليس قبل الساعة، وإن كان لا ينفي أن يكون من ضمن علامات القيامة الدخان، ولكن هذا المذكور في الآية قد حدث؛ لذلك قال ربنا: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان:١٥]، أي: سترجعون إلى كفركم وتكذيبكم كعادة الكفار من قبلكم.

стр. 3374

تفسير قوله تعالى: (يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون) قال الله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان:١٦]، (يوم) هنا الظرفية تتعلق بشيء محذوف تقديره: انتظر يوم القيامة، وتذكر: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان:١٦] أي: يوم القيامة، فهذه بطشة أكبر من بطشة الدنيا التي كانت في يوم بدر، حيث بطش الله بهم وأهلكهم. وقوله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ﴾ [الدخان:١٦] بكسر الطاء على قراءة الجمهور، وبضمها (نبطُش) قراءة أبي جعفر ﴿إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان:١٦] يعني: من هؤلاء، فنجازيهم على ما صنعوا، وهذا يكون يوم القيامة، فيعاقبهم الله على ما صنعوه، وقد يكون العذاب عاماً على الجميع من عصى ومن لم يعص، ويبعثون على نياتهم، فالله قد ينزل العذاب على من يشاء من عباده فيهلك الجميع صغاراً وكباراً، ثم يوم القيامة يبعثهم ليحاسبهم كل على نيته. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3375

تفسير سورة الدخان [١٧ - ٢٤] إن أكثر قصة كررت في القرآن الكريم هي قصة موسى ﵇ مع فرعون وقومه، ولم يأت هذا التكرار عبثاً، وإنما لحكمة يريدها الله ، ذلك أن هذه القصة اشتملت على الكثير من الفوائد والعبر والدروس التي تظهر فيها قدرة الله في إهلاك الظالمين، وحفظه سبحانه لأنبيائه وعباده الصالحين، وغير ذلك من الفوائد العظيمة التي لا حصر لها؛ ولذلك أكثر الله من تكرار هذه القصة للاعتبار بها.

стр. 3376

خصائص السور المكية الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. سورة الدخان من السورة المكية، ومن خصائص السور المكية: إقرار أمر العقيدة، وبيان الحكم والمواعظ من قصص الأنبياء مع أقوامهم. فقد جاء أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام إلى أقوامهم فدعوهم إلى الإيمان بالله، فكفروا وكذبوا وأعرضوا، فجاءهم العذاب من عند الله. وقصة موسى مع فرعون تكررت في القرآن على صور شتى، وفي كل موضع يذكر الله العظة والحكمة المراد بها، وفي كل موضع تجد السياق متفقاً مع باقي السورة، وموافقاً لها في فواصلها، وفي طولها وقصرها. وذكر قصة موسى ﵇ في مواضع كثيرة من كتابه من بلاغة القرآن وفصاحته، وحسن سياقه، وحسن إيراده لهذه القصص العظيمة، متوخياً العبرة في كل موطن منها، فإذا ساقها بطولها في سورة طويلة كسورة الأعراف فإنه يسوق القصة ويذكر ما وراء ذلك من عبر فيها، وإذا ساقها باختصار فإنه يشير إليها إشارة، كسورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] أو غيرها من السور التي يشير فيها إشارة إلى موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وفي كل موضع يذكر فيها العبرة، وهذا من تفنن القرآن العظيم في ذكر هذه القصة، ففي كل موضع تأخذ منه عبرة من العبر، وتجدها متسقة مع السياق الذي تدل عليه، أو الذي تساق فيه. وذكر هنا أن الأقوام السابقين كذبوا، ومن هؤلاء قوم فرعون، وقد قال سبحانه للمشركين: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان:٣٧]. فهذه صورة من صور إجرام السابقين مع أنبياء الله المرسلين عليهم الصلاة والسلام.

стр. 3377

تفسير قوله تعالى: (ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون) قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان:١٧] أي: قبل هؤلاء المشركين الذين كذبوا النبي ﷺ ، وقالوا عنه: ساحر، وزعموا وافتروا عليه أنه يعلمه بشر، فقد كُذِّب الرسل الأولون قبل النبي ﷺ . قال تعالى: ((وَلَقَدْ فَتَنَّا)) أي: ابتلينا وامتحنا واختبرنا السابقين بما أرسلنا إليهم من رسل، وأنزلنا من كتب، وامتحناهم بالأوامر والنواهي. ((وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ))، والفتنة: هي الابتلاء والامتحان من الله ، فقد أعطى الله فرعون الملك، ثم أرسل إليه موسى ﵊ ليدعوه إلى الله سبحانه، فتكبر فرعون حتى إنه جعل الناس يعبدونه من دون الله، وزعم أنه إله وأنه هو ابن الآلهة، حتى قال للناس في النهاية: أنا ربكم الأعلى، فكأنه كان أمام الناس يعلي نفسه شيئاً فشيئاً إلى أن جعل نفسه إلهاً ورباً، فعبده الناس من دون الله، وأنكر الرب ، وقال: أنا هذا الرب ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤] ففتنه الله بالملك، وفتن قومه بما آتاهم من مال ورئاسة وغيرها، وابتلاهم بأن أرسل إليهم موسى ﵊.

стр. 3378

إكرام الله لموسى ﵇ قال تعالى: ((وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ)) وهذا الرسول الكريم هو موسى ﵊، فقد كان كريماً على الله ، فقد أحبه الله وجعله واحداً من الخمسة أولي العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهو كريم على ربه ، وكان كذلك كريماً في قومه، ومن أوسطهم نسباً، وكان من أشرف قومه ﵊، فأكرمه الله بالنبوة والرسالة، وأكرمه وهو صغير بمعجزات، فنجاه من اليم، ورباه في بيت فرعون، فكان معززاً مكرماً من صغره صلوات الله وسلامه عليه، ولم يقدر أحد أن يصل إليه بشيء. وأيضاً من كرمه على الله أن كلمه الله ، ومن كرمه على الله أن أعطاه الله الأخلاق الحسنة: من التجاوز والصفح عمن يظلمه، ومن كرمه على الله أنه كان في لسانه لثغة فدعا ربه أن يزيلها فاستجاب له ربه ، قال تعالى حاكياً دعاء موسى له: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي﴾ [طه:٢٥ - ٣٠]. فأخبر الله أنه استجاب له ذلك كله فقال له: يا موسى لقد استجبنا لك هذا الذي سألته كله، ونخبرك أنا قد مننا عليك من قبل إذ نجيناك وقد كنت في اليم، وذكر الله ما أكرم به موسى ﵊ من صغره إلى أن صار رسولاً ﵊.

стр. 3379

تفسير قوله تعالى: (أن أدوا إلي عباد الله) لقد أرسل الله موسى إلى فرعون وقومه، قال: ﴿أَنْ أَدُّوا﴾ [الدخان:١٨] يعني: بأن أدوا إلي عباد الله، فهو مرسل إلى بني إسرائيل ومرسل إلى فرعون لينهاه عما هو فيه من كبر، وعما هو فيه من دعوة أنه الإله والرب. قال تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٥ - ٤٤]. يعني: أن فرعون طغى وتكبر، ومع ذلك فإن الله يأمرهما أن يقولا له القول اللين، لعله يستجيب، وهذه عظة لنا أن تكون الدعوة بالقول اللين، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥]. وقال النبي ﷺ : (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه). فأمر موسى ﵊ وهو كليم الرحمن وهو الكريم على الله أن يذهب إلى هذا الحقير فرعون الملعون، ويكلمه كلاماً ليناً؛ لعله يستجيب لدين الله ، ولعله يطيع، والله يعلم أنه لن يستجيب إلا حين يأتيه العذاب، فلا يستجاب له في دعائه. فقوله تعالى: ((أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ)) أي: أن أدوا إلي بني إسرائيل، وقد كان بنو إسرائيل في مصر مستضعفين مستذلين، يسخرهم فرعون وقومه في الأعمال الشاقة، وكان يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم، أي: يستبقيهن خادمات في بيوته، وبيوت جنوده، ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٤]. ثم قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص:٥ - ٦]. ولا يغني حذر من قدر، فقد قدر الله على فرعون الهلاك، فأتاه الهلاك من حيث يظن أنه آمن، فقد قال لقومه: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء:٥٤ - ٥٦] يعني: نحن قوم كثيرون، وهؤلاء حفنة قليلون، ((وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ))، فنريد أن نخرج إليهم لنقتلهم، أو نرجعهم للخدمة عندنا مرة ثانية.

стр. 3380

الآيات التي ابتلي بها فرعون وقومه لقد طلب موسى ﵊ من فرعون أن يترك بني إسرائيل ليخرجوا معه، ويذهب بهم إلى ديار الشام، فأبى فرعون، فابتلاه الله وقومه بالسنين ونقص من الثمرات؛ لعلهم يذكرون، قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف:١٣٣]، فابتلاهم الله بآية وراء آية، فكانوا يجأرون إلى موسى ويطلبون منه أن يدعو ربه، ويقولون له: لئن كشفت عنا الرجز -أي: العذاب- إننا لمؤمنون، وإننا لمهتدون، فيدعو لهم موسى فلا يستجيبون، حتى أتتهم تسع آيات معجزات على يد موسى ﵊ فلم يستجيبوا له، وفي النهاية قال موسى: ((أدوا إلي عباد الله)) وكفاكم هذه الابتلاءات التي ابتليتم بها، فأداهم إليه فرعون من البلاء الذي يأتيهم، فقال له فرعون: خذ بني إسرائيل واخرج، ثم ندم فرعون على ذلك؛ لأنه لا يوجد من يخدم القوم، فغدر فيما وعد به، وأخلف ما وعد به موسى، فقال له موسى ﵊: ((أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ)) أي: أد إلي بني إسرائيل فإنهم كانوا وديعة عندك، فهات هذه الوديعة وأرجعها إلي، فأنا أمين عليهم، ومن أحق بهذه الصفة من موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

стр. 3381

تفسير قوله تعالى: (وأن لا تعلوا على الله) قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان:١٩] أي: لا تتكبروا على الله، ((إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ)) أي: بحجة، وهذا من جمال التعبير؛ للمناسبة بين العلو وبين السلطان، أي: إن معي حجة عالية تغلبكم، فأنتم تريدون أن تتكبروا وتستكبروا فأنا معي السلطان من الله، وهي الحجة القاهرة الغالبة التي يغلبك الله بها. فقوله تعالى: ((وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ)) أي: لا تردوا أمر الله سبحانه، ولا تقتلوا عباد الله ظلماً وبغياً، ولا تفسدوا في الأرض، ((إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)) أي: بحجج من الله بينة واضحة لديكم.

стр. 3382

تفسير قوله تعالى: (وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون) قال الله تعالى: ((وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ))، ((وإني عذت)) أي: استجرت واعتصمت بالله ولجأت إليه سبحانه، ثم قال: ((وَرَبِّكُمْ)) أي: أن فرعون كان يقول: أنا ربكم، فقال: ربي وربك، ورب هؤلاء جميعهم هو الله، وهذا من شجاعة موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام بتثبيت الله له، فقد كان موسى خائفاً، وطلب من ربه سبحانه أن يثبته، ﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥] أي: أنا وأخي نخاف من فرعون، وهذا خوف جبلي طبعي، فكل إنسان يخاف حتى الرسل عليهم الصلاة والسلام. فقال تعالى: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، فطمأن الله موسى وهارون، ولذلك ذهب موسى ﵊ بمنتهى الشجاعة بتثبيت الله له إلى فرعون وقال له ما أمره الله به، قال الله : ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى﴾ [طه:٦٨]، فأتى التثبيت من الله ؛ لأن هذا الموقف من المواقف المرعبة التي ترعب الإنسان وتخيفه وتخيف أيضاً الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، ولكن الله يثبتهم فيثبتون، فكأن الله سبحانه يقول لعباده: لا تخافوا، فكما ثبت موسى وثبت غيره فكذلك أثبتكم إذا التجأتم إلي واعتصمتم بي. قال تعالى: ((وَإِنِّي عُذْتُ))، ((عذت)) تقرأ بالإدغام وبعدمه، الإدغام قراءة أبي عمرو وقراءة هشام عن ابن عامر وقراءة حمزة والكسائي وخلف وأبي جعفر إني عذت بربي وربكم أن ترجمون، وباقي القراء يقرءونها بعدم الإدغام: ((إني عذت))، وكذلك هنا ((أن ترجمون)) في حال الوصل يقرؤها ورش: ((أن ترجموني)) بالياء في آخرها، ويعقوب يقرؤها وصلاً ووقفاً بالياء، فيقول: ((وإني عذت بربي وربكم أن ترجموني))، وكذلك قوله تعالى: ((وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِي))، وباقي القراء يقرءونها في الوصل بالكسرة، وفي الوقف بالسكون: ((أن ترجمونْ)). قوله تعالى: ((وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ)) الرجم هنا له معنيان: إما الشتم والأخذ باللسان، وإما الضرب والرمي بالحجر والإيذاء للجسد بالقتل ونحوه، فكأن موسى يقول لهم وهم يهددونه بأنهم سيسبونه ويشتمونه ويرمونه بالحجارة ويقتلونه: ((إني عذت بربي)) أي: أنا لست خائفاً منكم؛ لأني ملتجئ إلى ربي سبحانه، وهو يعصمني ويحميني سبحانه.

стр. 3383

تفسير قوله تعالى: (وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون إنهم جند مغرقون) قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان:٢١] أي: وإن لم تؤمنوا فابعدوا عني وذروني أدعو إلى ربي، واتركوني آخذ قومي وأخرج من هنا، ((وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ))، وهذه الآية يقرؤها ورش عن نافع: ((وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلوني)) مثل: ((ترجموني))، هذا في حالة الوصل، وأما في الوقف فيقرؤها بالسكون على النون، ويعقوب يقرؤها بالياء: ((فاعتزلوني)) وصلاً ووقفاً. فقوله: ((وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي)) أي: إن لم تصدقوني ولم تؤمنوا بالله وقد أتيتكم بالبراهين فاعتزلون، أي: دعوني ولا تؤذوني، وذروني أخرج من هنا، فلما استيئس موسى من فرعون وقومه أن يؤمنوا بعد كل هذه الآيات دعا ربه سبحانه، ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان:٢٢] أي: إن هؤلاء قوم أجرموا في حق الله ، وفي حق موسى النبي ﵊، وفي حق بني إسرائيل. فهؤلاء قوم مجرمون؛ لأنهم أجرموا وأفسدوا وكفروا، فجاء الجواب من الله: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان:٢٣]، والسرى: المشي والسفر بالليل، فقال هنا سبحانه: ((فأسر)) من أسرى، وأيضاً من سرى، فهي ثلاثية ورباعية، وفيها قراءتان أيضاً: قراءة الجمهور: ((فأسرِ)) بهمزة قطع من الرباعي من ((أسرى))، وقرأها من الثلاثي ((فاسر)) نافع وأبو جعفر وابن كثير. فقوله: ((فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ)) يقول الله لموسى: أسر، أي: اخرج بالليل أنت وقومك، وهذا لما أذن لهم فرعون، وأخبر الله موسى بأن فرعون سينكث ما وعدكم به، وسيخلف وعده معكم، فاخرجوا. فأمره الله أن يتجه إلى البحر الأحمر، فلما وصل موسى وقومه إلى ساحل البحر، لحقهم فرعون وجنوده، فأصاب بني إسرائيل الرعب الشديد، وقالوا له: البحر من أمامنا وفرعون من خلفنا يوشك أن يصل إلينا ويدركنا، وهنا يأتي أمر الله سبحانه: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان:٢٣ - ٢٤]، وقال لقومه عندما أدركهم فرعون: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] أي: لا تخافوا إن ربي سيهدين، وهو معي ، هو وربي الذي أمرني أن أمشي إلى هذا المكان. وجأر بنو إسرائيل بالدعاء إلى الله، وهنا جاء أمر الله سبحانه، قال تعالى: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ [الشعراء:٦٣ - ٦٤] أي: حتى يروا هذه المعجزة وهذه الآية التي حدثت، لعلهم يعتبرون بها، وكانت آية أخرى من الآيات التي يرونها أمامهم، فإن موسى لما ضرب بعصاه البحر انفلق البحر وقد كانت عصا موسى آية من الآيات، فإذا ألقاها كانت حية تسعى، وألقاها أمام السحرة فإذا هي تلقف ما يأفكون، وضرب بها الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً، وضرب بها البحر فيبس البحر، وقد قال له الله: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٧ - ١٨] يعني: أمشي عليها، وأهش بها وأضرب بها الشجر حتى يسقط الورق فتكأله الغنم، ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٨] أي: أستخدمها في أشياء أخرى، فأمره الله بإلقائها، فألقاها فإذا هي حية تسعى ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه:٦٧]، وهذا أمر الله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم:٣٥]. ثم قال لموسى ﵊: هذه عصاك فخذها، وهي على الأرض قد صارت ثعباناً، فأمسك موسى هذا الثعبان فرجع عصاً مرة ثانية، وكأن الله يمرن موسى حتى لا يفزع أمام فرعون حين يلقيها فتصير ثعباناً، فلما كان أمام فرعون ألقاها وهو رابط الجأش ثابت، وهنا أمره الله بأن يضرب بالعصا البحر، فكانت آية عجيبة جداً، فقد ضرب بهذه العصا البحر العظيم العميق فانفلق البحر قسمين، ووقف الموج كأنه الثلج، وصارت الأرض أمامه يابسة، فنزل موسى وقومه في هذه اليابسة، ومروا منها، وأراد الله أن يرى فرعون هذا الذي حدث من أن الأرض أمامه صارت يابسة، لعله يؤمن ويرجع عما هو فيه. قال تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ [الشعراء:٦٤] أي: قربنا هؤلاء الآخرين، وبدأ موسى يدخل في هذا البحر الذي صار طريقاً يابساً، وكان قوم موسى في غاية الرعب ينظرون وراءهم، وموسى في غاية الاطمئنان بربه ، فلما كان موسى وقومه في وسط البحر وصل فرعون ومن معه إلى أول البحر، فرأوا آية من الآيات ولكن فرعون بطغيانه ظن نفسه آمناً، وكم أُخذ آمن من مأمنه، وقد أخذه تعالى من قصره من وسط جنوده حتى يغرقه في هذا المكان، وهو يرى الآيات البينات أمامه، قال تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ [الشعراء:٦٤ - ٦٥]، فلما خرج موسى وقومه من الناحية الأخرى وصار فرعون وجنوده في وسط البحر جاء أمر الله ، فانطبق البحر عليهم، وأغرق الله فرعون وجنوده، ومضى مثل الأولين، فجأر فرعون وصاح وصرخ ودعا: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] يعني: الآن صدقت وآمنت، ولم يقل: آمنت بالله، وإنما قال: (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل)، وكأنه يقول: نجني كما نجيتهم، فإيماني مثلهم، وبعد ذلك يرجع إلى كفره لعنة الله عليه، فقال له الله : ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩٢] أي: سننجي بدنك فقط؛ حتى يرى الناس أن هذا هو فرعون الذي زعم أنه رب الناس. وهنا قال الله سبحانه: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان:٢٤] أي: واترك البحر ساكناً على ما أمر الله ، فإن العصا ليست هي التي فلقت البحر، ولكنه أمر الله سبحانه، وهذا إنما هي سبب من الأسباب. قال تعالى: ((وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُغْرَقُونَ)) (ورهواً) أي: يابساً وساكناً كالجوبة، أي: كالحفرة، فإن الموج انحسر شمالاً حتى صار البحر كالحفرة في الأمام ومر موسى ومن معه، وأطبق البحر على فرعون وجنوده، فكان هذا آية من الآيات العجيبة جداً. وعندما يتفكر الإنسان في قدرة الله يعلم أن هذه العقوبة ليست خاصة بفرعون وجنوده، والدليل على ذلك هو ما حدث في تسونامي في بلاد المسلمين من بلاد أندونيسيا، فقد كان الصيادون على شاطئ البحر يصطادون، وكان في هذه الشواطئ النساء العرايا، وكان فيها بلاء، فإذا بأمواج البحر تنحسر على بعد اثنين كيلو، فوجدوا أمامهم السمك على الأرض اليابسة، فجروا وراء السمك، ودخلوا اثنين كيلو في البحر وراء السمك حتى يأخذوها، ونسوا ما حصل لفرعون، فلما وصلوا إلى السمك جاءهم الطوفان العجيب، فأخذهم وارتفع بهم وأهلكهم ودمرهم، وجاءهم أمر الله ، وقد ظنوا أنهم في أمان؛ لأن البحر صار يابساً، فنزلوا ليأخذوا ما فيه، فإذا بالأمواج تأتي عليهم، وكما صنع بفرعون وجنوده صنع بهؤلاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فليعتبر الإنسان من القصص القرآنية، وليعلم أن قصة فرعون ليست للتسلية، وإنما ليعتبر أولو الألباب، أي: إذا صنعتم صنيعهم أصابكم البلاء من الله كما أصابهم، فلا تعلوا على الله، ولا تبتعدوا عن دين الله، واحذروا من الفساد، ومن العلو والاستكبار، فإن الله لما أخذ فرعون وقومه جعلهم عبرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:٨ - ٩]. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3384

تفسير سورة الدخان [١٧ - ٢٩] لقد هيأ الله لفرعون وقومه من أسباب الرزق ما جعلهم يتكبرون به في الأرض بغير الحق، فلما جحدوا حق الله في أنفسهم وأموالهم أخزاهم الله وأغرقهم، وجعل ملكهم وجناتهم وزروعهم شاهدة على ما كانوا فيه من السرف والترف، وأورثها الله قوماً آخرين، فما بكت عليهم السماء والأرض، بل لا يذكرون إلا ويلعنون، وقد حذر الله مشركي العرب من المشي على طرائق هؤلاء الكفار؛ لكيلا يصيبهم مثل ما أصابهم.

стр. 3385

استجابة الله تعالى لدعاء النبي على قريش ثم رفعه العذاب عنهم مع علمه بأنهم سيرجعون إلى ما كانوا عليه الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الدخان: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ * أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ * وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ * فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُغْرَقُونَ * كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان:١٧ - ٢٩]. في هذه الآيات بيان قصة فرعون مع موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأن فرعون علا في الأرض واستكبر على طاعة الله وعبادته، واستكبر على رسول الله موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فأهلكه الله تعالى شر هلاك. وقد ذكر الله تعالى في الآيات قبلها قريشاً وما يصنعون مع النبي ﷺ ، وكيف أنهم منعوه من الدعوة إلى الله سبحانه، بل وآذوه على ذلك، فدعا عليهم ﵊ أن يجعل الله عليهم سنين كسني يوسف، فلما رأوا هذه الآية وأن الله استجاب للنبي ﷺ ناشدوه بالله وبالرحم الذي بينهم وبينه، فقالوا: والرحم التي بيننا وبينك ادع ربك أن يكشف عنا ما نحن فيه، وسنؤمن لك إذا كشفت عنا العذاب. قالوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان:١٢]، فقال لهم ربهم: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان:١٣ - ١٤]، ومع ذلك استجاب الله لنبيه ﷺ وكشف عنهم العذاب الذي كانوا فيه، وكان قد منع عنهم المطر، واشتد عليهم الحر، وجاعوا جوعاً شديداً حتى أكلوا كل شيء بما فيها أوراق الشجر، وأكلوا لحوم الكلاب وعظامها، وجلود الميتة وغير ذلك مما وجدوه، فلما كشف الله عنهم العذاب رجعوا كما أخبر أنهم عائدون إلى التكذيب والضلال والكفر بالله ، قال: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان:١٥]، فانتظر هؤلاء واذكر: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان:١٦]، وهذه البطشة إما أنها كانت في يوم بدر، أو في وقت موتهم، أو يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان:١٦].

стр. 3386

سياق قصة موسى مع فرعون المذكورة في سورة الدخان ثم قص علينا قصة فرعون باختصار، وهذه القصة تقدمت قبل ذلك في عديد من سور القرآن، فقد أشار إليها في سورة البقرة، وأطال في سورة الأعراف في قصة موسى مع فرعون ومع بني إسرائيل، وفي سورة طه كذلك، وفي سورة القصص، وفي سورة الشعراء وغيرها من سور كتاب الله . وموسى هو النبي الذي ابتلي قبل النبي ﷺ ، فقد أرسله الله إلى بني إسرائيل خاصة، وأنزل عليه التوراة كشريعة له، فلذلك يكثر الله ذكر القرآن مقترناً بالتوراة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ [هود:١٧]؛ لكونه كتاب شريعة فيه أوامر ونواهٍ، وفيه بيان الحلال والحرام، وأما كتاب المسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فكان كتاب مواعظ، فالذي يشبه القرآن العظيم هو كتاب موسى، قال تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ [هود:١٧] أي: يأتمون بما فيه، ويكون قدوة لبني إسرائيل فيتبعوا ما فيه. والقرآن العظيم هنا يذكرنا بهذا الذي كان من قبل، فقد فتن قوم فرعون، وجاءهم موسى رسول كريم ﵊ يطلب منهم أن يتركوا بني إسرائيل ليخرجوا معه إلى بيت المقدس أو إلى أرض الشام، فرفض فرعون ذلك، فأراه الله آيات على يد موسى صلوات الله وسلامه عليه، حتى إن فرعون استجاب في النهاية لموسى وقال: خذهم وانصرف من هنا، فلما أخذهم وخرج ببني إسرائيل من مصر إذا بفرعون يتغير ويتذكر أن هؤلاء كانوا خداماً له، فأراد أن يرجعهم مرة ثانية، فأخلف وعده، ونكث عهده، وأراد إرجاعهم مرة ثانية. فدعا عليهم موسى ﵊: ﴿أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان:٢٢]، فقد أجرموا في حق الله فأشركوا وكفروا وعلوا على الله، وأجرموا في حق بني إسرائيل وفي حق البشر، فاستعبدوا العباد وجعلوهم يعبدونهم من دون الله سبحانه.

стр. 3387

صور من إعراض اليهود وتكبرهم على أنبيائهم وأفعالهم القبيحة قال الله لموسى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان:٢٣]، طمأنه الله أنه ناصره وأنه معه، وحتى لا يخاف حين يرى فرعون من ورائه قال: ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان:٢٣]، فلا تخف من فرعون، فسيخرج من ورائكم ليعيدكم مرة ثانية، قال: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان:٢٤]. فلما وصل موسى إلى البحر الأحمر أمر بأن يمشي في هذا الاتجاه، وبنو إسرائيل لا يتخيلون المشي وهذا البحر يمنعهم، أين أمرت يا موسى؟! قال: هنا في هذا البحر، ثم في النهاية يأمر الله موسى أن يضرب بعصاه البحر، وفيه الاختبار والابتلاء لبني إسرائيل حتى يروا المعجزة أمامهم؛ لأنهم لن يستشعروا نعمة الله إذا وجدوا البحر مفتوحاً، فإن عادتهم دائماً مع موسى التكذيب والإعراض، فكانوا في حاجة دائمة إلى من يذكرهم ويخوفهم بالله ، حتى إنهم كانوا إذا قيل لهم: اسجدوا لله لا يطيعون موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، حتى رفع الله فوقهم جبلاً كما قال: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ [الأعراف:١٧١]، فيخرون عند ذلك ساجدين لله على صفحة وجوههم؛ لأن جزءاً من الجبل كان على الأرض والجزء الثاني في السماء، وسيسقط الجبل فوقهم، فهم قوم عجيبون جداً في نفورهم وإعراضهم عن الله ، لذلك استحقوا أن يدعو عليهم موسى، وأن يدعو عليهم داود، وأن يدعو عليهم غيرهم من أنبياء الله، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩]، فلذلك كان من حكمة الله سبحانه أن يشعرهم بالرعب عند لحاق فرعون بهم فيدفعهم ذلك إلى اللجوء إليه سبحانه؛ لأنهم لو وجدوا البحر مفتوحاً أمامهم لما اعتبروا ولما علموا أن ذلك من فعل الله ، فإن نزلت: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء:٦٣]، أحسوا بهذه الآية، وأن الله هو القادر سبحانه على ذلك وحده، والكثيرون من الناس اليوم عندما يرون آيات الله سبحانه ومعجزاته وانتقامه من العباد يقولون: هذه آيات طبيعية، حتى لو جاء بركان أو إعصار فهم يردونه إلى قوى الطبيعة لا إليه ، فعادة الناس أنهم لا يفكرون بأن هذه الزلازل والبراكين والإعصارات تحدث نتيجة لعصيانهم الله ، فهم ينسون ذلك ليستكملوا ما هم فيه من اللهو واللعب، وهذه عادة الأولين كما أخبر الله عن ذلك بقوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأحزاب:٦٢].

стр. 3388

إنهم جند مغرقون فلما وصل بنو إسرائيل وجدوا البحر أمامهم، والبحر الأحمر عميق جداً كما هو معروف عنه، وهو بحر مليء بأسماك القرش وغيرها من الأشياء المفزعة، فهم يخافون العبور في هذا البحر، وعندها يأمر الله سبحانه موسى أن يضرب البحر بعصاه، قال تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان:٢٤]، فلما ضرب بعصاه البحر انفلق أمامهم فشاهدوا آية من آيات الله، فمروا في هذا البحر إلى منتصفة فإذا بفرعون يتساءل: أيكمل أم يرجع؟ ثم يأخذه غروره وعتوه وأشره وبطره فيعبر وقومه وراء موسى ﵊، ولم يتنبه إلى المصيبة التي تنتظره في هذا المكان، فهم يريدون إرجاع موسى ومن معه إلى مصر، والله يريد لهم الهلاك في هذا المكان، فلما عبر فرعون وقومه البحر وانتصفوا فيه وخرج موسى وقومه من الناحية الأخرى أتى أمر الله ، فقال لموسى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان:٢٤]، فكأن موسى لما خرج من البحر أراد يضرب البحر مرة ثانية، فقد ضرب بداية البحر بعصاه فانفلق: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء:٦٣] أي: أن كل شطر من أشطار البحر كالجبل العظيم، وكأن حاجزاً زجاجياً قد صنع للماء من هنا وهناك، فلما عبر موسى أراد أن يضرب البحر مرة ثانية لكي يهلك فرعون وقومه، فقال الله له: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان:٢٤] أي: اترك البحر وراءك ساكناً كما هو، فلما اكتمل قوم فرعون وجنوده جاء أمر الله، ولم يقل لموسى: اضرب مرة ثانية، فالآن انتقام الله وليس انتقام موسى، وحتى لا ينسب إلى موسى ﵊ أنه هو الذي أهلك فرعون، فخرج موسى من البحر ومن معه فإذا بالله سبحانه يأمر البحر أن ينطبق مرة أخرى، فانغلق على فرعون ومن معه فأهلكهم الله وأغرقهم ودمرهم ، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ جُندٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان:٢٤].

стр. 3389

عظم الخيرات الموجودة في أرض مصر ثم يقول سبحانه: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان:٢٥]، فقوله: (كم تركوا) منصوبة بالفعل الذي بعدها، يعني: تركوا كثيراً، و (كم) هنا بمعنى: كثيراً، فالذي تركوه كثير جداً، فقد تركوا أرض مصر وفيها الخيرات العظيمة: جنات وبساتين وعيون، فهي أرض مليئة بنعم الله ، وانظروا إلى سيدنا يوسف عندما كان يقول للملك في مصر: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ﴾ [يوسف:٥٥]، فقد كان الناس يذهبون إلى مصر عند حصول المجاعات في الشام والبلاد حولها فيأخذون منها طعامهم، وقد كان يعقوب يرسل بنيه إلى مصر ليأخذوا منها الطعام ويرجعوا، وقصة يوسف معروفة، فيوسف يقول لملك مصر هنا: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ﴾ [يوسف:٥٥]، وكأن مصر هي خزانة الأرض كلها، هذه البلاد العظيمة التي ضيع الناس فيها عبادة الله فاستحقوا من الله أن يشدد عليهم، وأن يذيقهم البلاء، وما زالت مصر تنهب من آلاف السنين، فما من حاكم جاء على مصر إلا وأخذ، ومع ذلك فما زال في هذه البلاد خير، ولكن الله يبتلي العباد لما في قلوبهم من كبر على الله سبحانه، ومن ظلم بعضهم لبعض، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦]. فالله يقول عن فرعون ومن معه: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان:٢٥]، وفي مصر نهر النيل وأصله من الجنة كما أخبر النبي صلوات الله وسلامه عليه، فتركوا هذه الجنات والبساتين والحدائق التي تسقى من هذا النهر العظيم، وتركوا هذه الأرض الخصبة، فهي أرض خيرها كثير بفضل الله سبحانه، ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان:٢٥]، وكلمة: (عيون) تقرأ بضم العين كقراءة الجمهور، وتقرأ بكسرها كقراءة ابن كثير وابن ذكوان وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف. قال: ﴿وَزُرُوعٍ﴾ [الدخان:٢٦] أي: الحقول والبساتين، قال: ﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان:٢٦]، (ومقام): هو مكان الإقامة، (كريم): أي: يكرم الله من يقيم فيها، ويرزقه من الخير العظيم الموجود فيها، وهذا يدل على أن الناس كانوا مرفهين منعمين في هذا البلد. ويقول ربنا سبحانه: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص:٥ - ٦]، فقد أراد فرعون أن يهلك بني إسرائيل حتى لا يهلك هو، فإذا بالله يهلكه ويتم أمره كما يريده . قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٧]. فقوله: (نعمة) بمعنى: تنعم، فقد كانوا مرفهين في هذه البلاد، فكانت عندهم من الخيرات العظيمة كالماء والزرع والفاكهة والنعم العظيمة من الله، فعتوا وعلوا على أمر الله سبحانه فأذلهم الله ، قال: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان:٢٧]، ويقال لها: نِعمة ونعمة، والفرق بين الاثنين: أنك تقول في اليد والجميل والصنائع: نِعمة بالكسر، وتقول في الرفاهية والرغد في العيش والترف: نَعمة بفتحها من التنعم. قال سبحانه مخبراً عن حالهم: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان:٢٦ - ٢٧]، وكلمة (فاكهين) فيها قراءتان: قراءة أبي جعفر: (فكهين) وقراءة الجمهور: (فاكهين)، وكأنها مأخوذة من الفاكهة، أي: الشيء الزائد عن قوت الإنسان، والإنسان يحتاج للقوت الضروري فقط، بحيث لو نقصت الفاكهة لما توفي، فهي من الأشياء الزائدة عن قوت الإنسان، فهؤلاء كانوا فاكهين، أي: منعمين، فعندهم الضروريات وفوق الضروريات التي تجعلهم يضحكون ويلهون ويلعبون، بل وعندهم الفراغ الذي يجعلهم يعرضون عن الله سبحانه، ففاكهين: بمعنى: مازحين لاهين لاعبين فرحين، وهو الفرح الذي يوصل إلى الأشر والبطر على الله وعلى نعمه . قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان:٢٨]. فقال: ﴿كَمْ تَرَكُوا﴾ [الدخان:٢٥]، وقال: ﴿كَذَلِكَ﴾ [الدخان:٢٨] أي: كذلك فأهلكناهم ونجينا منهم بني إسرائيل، قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان:٢٨] أي: كذلك نصنع بغيرهم من إهلاك أقوام وإحياء أقوام آخرين، فننعم على أقوام ونبتلي أقواماً آخرين. قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان:٢٨] أي: أنه أورث أرض مصر لقوم آخرين غير هؤلاء السابقين، وقد قيل: إن هؤلاء القوم هم بنو إسرائيل، وهو بعيد جداً؛ لأن التاريخ ينفي رجوع بني إسرائيل إلى مصر مرة ثانية فضلاً عن أن يهلكوا فيها، فالظاهر: أنه أورثها قوماً آخرين غير هؤلاء، ومكن لبني إسرائيل في مكان آخر، ولذلك أُمر بنو إسرائيل بعد ذلك أن يدخلوا بيت المقدس، قال تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [الأعراف:١٦١]، فرفضوا أن يصنعوا ذلك، وعبدوا العجل من دون الله ، فابتلاهم الله بالتيه، فكأنهم ذهبوا بعد إغراق وإهلاك فرعون وقومه إلى بلاد الشام، وأما مصر فإن الله أورثها قوماً آخرين غير هؤلاء الأقوام الذين سبقوا، قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان:٢٨].

стр. 3390

تفسير قوله تعالى: (فما بكت عليهم السماء) قال سبحانه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٩]، وكأن السماء والأرض تبكيان على الإنسان الصالح، والله قد خلق الخلق وجعل لمن يشاء من خلقه أفهاماً . فالسماء تمطر بأمر الله، والأرض تخرج كنوزها وزرعها بأمر الله، فكل شيء مسخر بأمر الله ، والله قادر على جعل الإحساس فيمن يشاء، فقد كان النبي ﷺ يقول: (إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي)، صلوات الله وسلامه عليه، (ويوم أن جاء الجمل إلى النبي ﷺ فأخذ يبكي بين يديه ﷺ ، فأمر ﷺ بصاحب الجمل فجيء به إليه، فقال له: إن جملك يشكو إلي أنك تجيعه وتدئبه). وهذا جمل آخر تذرف عيناه أمام النبي ﷺ فيجيء أصحاب هذا الجمل فيقول: (ماذا تصنعون معه فإنه يشكوكم إلي؟ فقالوا: إنهم كانوا يعملون على هذا الجمل سنين فلما كبر الجمل اجتمعوا على أن ينحروه، فأمرهم النبي ﷺ أن يتركوه وشأنه)، فالله يجعل فيمن يشاء من خلقه الشعور والإحساس في السماء والأرض. (وهذا الإنسان المؤمن يصعد عمله الصالح إلى السماء، فإذا مات خرجت روحه فصعد بها إلى السماء، فلا تمر على جسد فيما بين السماء والأرض إلا شموا منها الرائحة الطيبة، فقالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقال: فلان، بأحسن أسمائه إلى أن يصل إلى السماء، ثم ينزل إلى الأرض) كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ . فالمقصود هنا: هو قوله سبحانه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾ [الدخان:٢٩]، ففيها: إخبار ونص، وفيها إشارة، فالنص: أن هؤلاء لا يستحقون أن تبكي عليهم السماء والأرض، ولماذا تبكي عليهم وقد كانوا يسجدون على الأرض ويعبدون غير الله سبحانه؟ وما دفعهم لذلك إلا الخوف والرعب من المخلوقين، وقد كانت أعمالهم السيئة الخبيثة تصعد إلى السماء، فتدعو السماوات والأرض عليهم، ((فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ)) حين أخذهم الله ، فهنا إشارة بالمفهوم المخالف لهذا أن الله إذا أخذ المؤمنين فإن السماء والأرض تبكيان عليهم. والأرض تبكي على الإنسان المؤمن لأنه كان يسجد عليها، ويذكر الله عليها، وكان يجاهد عليها، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، والسماء تبكي على الإنسان المؤمن لأنه انقطع عمله، فقد كان يصعد العمل الصالح كل يوم إلى السماء، فهناك خمس صلوات في اليوم والليلة، وصوم، وأعمال صالحة أخرى، فالسماء تفتقد عمل المؤمن حين يموت، فقد كان يصعد إليها كل يوم وكل لحظة عمله الصالح، والأرض تفتقد ما كان يفعله من سجود وعمل صالح وغيره، وأما هؤلاء الأنجاس الملاعين الذين عبدوا الخلق من دون الله ، فإن الله قال فيهم: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٩]، فلم ينظرهم الله ولم يمهلهم سبحانه، بل أخذهم بالعذاب والعقوبة الشديدة يوم أن أعرضوا عن ذكر الله.

стр. 3391

بعض أقوال السلف الصالح في بكاء السماوات والأرض على فقد المؤمن يقول عبد الله بن عباس وعلي بن أبي طالب ﵄: إنه يبكي على المؤمن مصلاه من الأرض، ومصعد عمله من السماء. وكأنهم أخذوا ذلك من الإشارة التي في هذه الآية، وقد جاءت أحاديث عن النبي ﷺ في هذا المعنى ولكنها ضعيفة، ومفهوم هذه الآية والإشارة التي فيها تغني عن هذه الأحاديث، فكون السماء والأرض لا تبكيان على هؤلاء المفسدين فيه إشارة إلى بكائهما على الإنسان المؤمن حين يتوفاه الله ؛ لكون العمل قد انقطع صعوده إليها، وكذلك الأرض. وجاء عن مجاهد قوله: إن السماء والأرض يبكيان على المؤمن. وجاءت آثار أخرى في هذا المعنى. نسأل الله أن يجعل لنا أعمالاً صالحة خالصة، وأن يتقبلها، وأن يغفر لنا بعفوه وكرمه وهو أرحم الراحمين. أقول قولي هذا، واستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3392

تفسير سورة الدخان [٣٠ - ٣٧] لقد امتن الله في سورة الدخان على بني إسرائيل بأن أنجاهم من فرعون وقومه، وفضلهم على سائر أهل زمنهم، وأعطاهم من الحجج والبراهين والآيات الدالة على وحدانيته ، وأنه المستحق للعبادة، فكان ذلك امتحاناً واختباراً لهم، فآمن منهم من آمن، وكفر منهم من كفر، وقد ذكر الله تعالى زعم المشركين وإنكارهم للبعث، فرد الله عليهم هذا الزعم الباطل.

стр. 3393

تفسير قوله تعالى: (ولقد نجينا بني إسرائيل إنه كان عالياً من المسرفين) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: فقال الله في سورة الدخان: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ * وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ * إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ * فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان:٣٠ - ٣٧].

стр. 3394

إنجاء الله لبني إسرائيل لما ذكر الله قصة فرعون مع موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وكيف أنجى الله موسى ومن معه من المؤمنين، وأهلك فرعون وجنوده، وجعله عبرة وآية للخلق، مَنَّ على بني إسرائيل بأن نجاهم من العذاب المهين، فقد كانوا رجالهم خداماً وعمالاً مسخرين عند فرعون وجنوده وقومه، وكذلك النساء كن مسخرات في العمل، فكان الكل في مهانة وفي ذلة، فإذا بالله منجيهم من ذلك. ففرعون زعم للناس أنه ربهم الأعلى، وهؤلاء كانوا يعبدون الله ، فنجى الله من عبدوه، وأهلك من كفروا به . قوله: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [الدخان:٣٠] إسرائيل هو يعقوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وهؤلاء بنو إسرائيل، أي: بنو يعقوب، ومعنى الآية: أن الله أنجى بني إسرائيل من العذاب الفظيع الذي أهانهم به فرعون، فقد سخرهم في الأعمال المهينة الشاقة، وكانوا لا يملكون لأنفسهم شيئاً. قوله: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان:٣١] أي: من فرعون الذي كان يعذبهم، إنه كان عالياً كافراً جباراً مسرفاً على نفسه، مفسداً في الأرض بغير الحق، فترفع أن يعبد الله سبحانه، وعلا على قومه، فقال: أنا إلهكم، بل قال: أنا ربكم الأعلى.

стр. 3395

تفسير قوله تعالى: (ولقد اخترناهم على علم على العالمين) قال سبحانه: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:٣٢] أي: لقد فضلناهم على كل عالمَ زمانهم، فما كان أحد منهم يعبد الله إلا موسى ﵊ ومن معه من بني إسرائيل، فقربهم الله واختارهم في هذا الزمان، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله اطلع على أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب)، فالله يبغض المشرك الذي يكفر بالله سبحانه، بينما الذي يوحد الله سبحانه يحبه، فقبل مبعث النبي ﷺ لم يكن على التوحيد إلا القليل من بقايا أهل الكتاب؛ فقد كان أهل الكتاب منتشرين في كل مكان، فكان منهم من هو على دين موسى عيه الصلاة والسلام، ومنهم من هو على دين عيسى ﵊، فوحدوا الله ولم يشركوا به شيئاً، فلم يقولوا: عزير ابن الله، ولم يقولوا: المسيح ابن الله، وإنما عبدوا الله . فهؤلاء هم الذين كان سلمان يدور بينهم ﵁، فقد كان أبوه صاحب بيت النيران لملوك الفرس، وكانوا يعبدون النار من دون الله ، فهرب سلمان من بيت أبيه واتبع أهل الكتاب، وأخذ يبحث عن الدين الحق، حتى أظله زمان النبي صلوات الله وسلامه عليه، فعبد الله سبحانه قبل مبعث النبي ﷺ وبعد ما جاء النبي صلوات الله وسلامه عليه. فهؤلاء كانوا بقايا من أهل الكتاب، فكان سلمان يذهب إلى واحد منهم فيقول له: علمني، فيعلمه ويقول له: كن معي، فيمكث معه سنين يعبد الله على التوحيد الخالص، ثم إذا دنا الأجل من هذا الراهب يقول سلمان: بمن توصيني؟ أي: أن اذهب إليه فاعبد الله معه، والبلد كلها فيها نصارى، لكن الراهب يعلم أنهم على الباطل، ولذلك يقول له: اذهب إلى المكان الفلاني فإن فيه راهباً يعبد الله سبحانه، يعني: على التوحيد الذي أنا عليه، فيذهب للمكان الفلاني، والمكان مليء بالنصارى، ولكن هذا الراهب موحد لله ، فيذهب إليه سلمان الفارسي ﵁ ويمكث معه فترة من الزمن، فهو ﵁ قد مكث مع رهبان كانوا موحدين الله سبحانه، وبعضهم كان منافقاً مجرماً يأخذ أموال الناس بالباطل، فعندما يموت إذا بـ سلمان يفضحه ويقول للناس: هذا كان يأخذ أموالكم، ويجعله في المكان الفلاني، فيذهبون إلى المكان فيجدون أموالهم، فهو لم يكن يعبد الله حق العبادة، فيأخذونه ويحرقونه بعد موته. وفي النهاية: مكث عند راهب من الرهبان، وعند دنو الأجل منه قال: لا أعلم أحداً على الأرض يعبد الله ، ولكن قد أضلك زمان نبي يبعث في بلاد العرب. فإذا بـ سلمان يسافر إلى بلاد العرب مع مجموعة من العرب في قصة طويلة، وفي النهاية يسترقّونه بعد ما كان له شأن ﵁، فصار عبداً رقيقاً، وباعوه من يهودي في المدينة، وصار عبداً عند يهودي في المدينة، حتى قدم النبي ﷺ إلى المدينة، وكان الرهبان قد أخبروا سلمان بصفات النبي صلوات الله وسلامه عليه، فمن صفاته أن بين كتفيه خاتم النبوة صلوات الله وسلامه عليه مثل بيضة الحمامة، ومن صفاته ﵇ أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإذا بـ سلمان يختبر وينظر هل هذا رسول الله أم لا؟ فيذهب إلى النبي ﷺ ويأخذ معه تمراً فيقول: هذه صدقة. فإذا بالنبي ﷺ يرفع يده ويعطيها لأصحابه يأكلون، وسلمان شاهد ينظر ذلك، ثم يأتي له مرة أخرى بطبق فيه تمر ويقول: هذه هدية، فيأكل منها النبي ﷺ ويعطي من معه فيأكلون، ثم إذا بـ سلمان يدور حول النبي ﷺ يريد أن ينظر إلى خاتم النبوة بين كتفيه، فانتبه النبي ﷺ لذلك فأسقط ردائه ﷺ ، فنظر لخاتم النبوة بين كتفيه، فأسلم سلمان ﵁ واتبع النبي ﷺ ، وأراد أن يخرج من الرق لكن لا يقدر أن يخرج من ذلك، فأمره النبي ﷺ أن يكاتب صاحبه، فإذا باليهودي يتعنت ويقول: ازرع لي ثلاثمائة شجرة وأنا أتركك، فإذا بالنبي ﷺ يطلب من أصحابه أن يعينوه، فأعانه أهل المدينة بثلاثمائة فسيلة، فكان كل منهم يعطيه شيئاً، والعادة أننا عندما نغرس غرساً فليس كل غرس يخرج، فمنها ما يموت، ومنها ما يخرج، فإذا بالنبي ﷺ يدعوا بالبركة، ويذهب مع سلمان ﵁ فتخرج جميعها وتنبت، وكلها كانت صالحة، فيعتق سلمان ﵁ ليجاهد في سبيل الله . والغرض من ذلك كله: بيان أن أهل الكتاب كان القليل منهم قبل بعثة النبي ﷺ على الحق، فهؤلاء الذين يحبهم الله ، ففي عهد موسى ﵊ كان أهل الأرض جميعهم منه من يعبد الأصنام، ومن يعبد الأحجار، ومن يعبد الخلق، ومن يعبد الجان، فكل منهم يعبد شيئاً، إلا من كان مع موسى فإنهم كانوا يعبدون الله ، فهؤلاء اصطفاهم واختارهم الله على علم منه بما في قلوبهم من توحيده سبحانه. فليس المعنى: أن بني إسرائيل جميعهم قد فضلوا على الخلق، لا، وإنما الموحدون منهم فضلهم الله على كل من كان في زمانهم، ففضلهم الله على العالَمين، وجعل فيهم أنبياء، وجعل رسولهم موسى ﵊، وفضّل هذا الرسول بأن كلمه الله ، فهذا اصطفاء من الله لمن يشاء من خلقه سبحانه. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:٣٢] أي: اختيروا على أهل زمانهم، ولما جاء زماننا قال الله للمؤمنين: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] أي: كنتم أخير، وأخير هنا على وزن أفعل تفضيل، بمعنى: أخير الأمم، فإذا كان بنو إسرائيل اختارهم الله على من كان في زمانهم، فقد انتهى هذا الأمر بمجيء النبي ﷺ وإيمان المؤمنين به، فأنزل الله ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران:١١٠]، ولم يقل: أنتم خير أمة، ولكن ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران:١١٠]، وكأن: (كان) تفيد الماضي، أي: جعلكم الله أنتم الخيار منذ الأزل، وإن جاء زمان بني إسرائيل فاختارهم ولكن كنتم أنتم الأخير، فكنتم خير أمة عند الله من قبل أن تخلقوا، ومن قبل أن تأتوا، كنتم أنتم الأخير من الجميع. ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]؛ لكونكم ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران:١١٠]، ولو آمن آهل الكتاب كما آمنتم أنتم وكما تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر لكان خيراً لهم.

стр. 3396

تفسير قوله تعالى: (وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين) قال سبحانه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان:٣٣] أي: آتينا بني إسرائيل من الآيات والحجج والبراهين الكثيرة، وذلك عندما أرسل الله إليهم موسى فقال: أنا رسول من رب العالمين، فآتاه الله آيات كثيرة تدل على أنه رسول من عند الله ، آتاه آيات حسية؛ لأن بني إسرائيل لا يؤمنون إلا بما يرونه أمامهم، وأما الإيمان بالغيب فإنهم يؤمنون به تارة ويكفرون تارات كثيرة، ولذلك رأينا كيف أنهم لما أمروا أن يسجدوا لله سبحانه لم يسجدوا ولم يطيعوا، وإذا بالله يرفع الجبل فوق رءوسهم كأنه ظلة، وظنوا أنه واقع بهم، وعند ذلك سجدوا لله ، ويقال لهم: ادخلوا الباب سجداً، فيدخلون وهم يستهزءون بما قيل لهم، ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة:٥٨]، فدخلوا وبدلاً من أن يسجدوا على رءوسهم أخذوا يزحفون على إستاتهم وعلى مقاعدهم استهزاء بما قاله الله . ثم قال لهم: قولوا حطة، أي: يا رب! حط عنا خطايانا، فقالوا: حنطة، يحرفون ويستهزءون بكلام رب العالمين، فهؤلاء هم بنو إسرائيل لعنة الله عليهم وعلى أمثالهم فيما يصنعون، فليس هؤلاء الذين هم اختارهم الله ، وإنما اختار الموحدين المؤمنين الذين اتبعوا موسى النبي صلوات الله وسلامه عليه، فآمنوا به وكانوا معه، فاجتباه واصطفاهم الله واختارهم على العالمين. وآتينا الجميع من الآيات التي تدل على أن موسى رسول من رب العالمين، كاليد، والعصا، وما أرسله الله على فرعون وقومه: ﴿فأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف:١٣٣]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٣٠]، فهذه تسع آيات بينات ليعلموا وليوقنوا أن هذا رسول من رب العالمين، وأن الله ناصر عباده المستضعفين. قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ﴾ [الدخان:٣٣]، كذلك آيات النعم على بني إسرائيل، فأنعم الله عليهم بالآيات وأنزل المن والسلوى عليهم، وإن كانوا في التيه لكن الله يمن وينزل ما يشاء ، وقد أخبر الله أنه ابتلاهم، والله يبتلي عباده بالخير ويبتليهم بالشر، كما قال سبحانه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥]، ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ [الأنبياء:٣٥]، فالشر في نظركم وإلا فكل ما يأتي من عند الله فهو خير، ولكن العبد حين يبتلى بالمصيبة يستشعر الشر من ورائها، وإن كان الله له حكمة عظيمة في كل ما يصنعه. وقال: هنا: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ﴾ [الدخان:٣٣] أي: امتحان واختبار، ﴿مُبِينٌ﴾ [الدخان:٣٣]، أي: بيّن واضح، فامتحنهم الله لينظر هل يثبتون على الإيمان أم يكفرون، فكانوا يتقلبون: فيؤمنون حيناً ويكفرون أحياناً. فنبلوهم بالخير ونبلوهم بالشر، نبلوهم بالخير فأنزلنا عليهم المن والسلوى، ونهاهم نبيهم أن يدخروا شيئاً، فكلوا من طائر السلوى ما شئتم، ولا تدخروا شيئاً، وكذلك المن الذي ينزل من الأشجار، فكلوا من العسل ولا تدخروا شيئاً، فابتلاهم الله بالخير، وأعطاهم من الخير الكثير، فإذا بهم يطلبون: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة:٦١]، فيريدون فولاً وعدساً وثوماً، فقد ملوا اللحم والعسل، فابتلاهم الله بالخير فلم يصبروا، وقيل لهم: لا تدخروا، فادخروا اللحم، فخالفوا أمر الله عند ذلك، وقد أخبرنا النبي ﷺ أن بني إسرائيل ادخروا اللحم ففسد؛ لأنهم إنما أمروا أن يأكلوا ولا يدخروا شيئاً، فكان الله يبتليهم ويمتحنهم، فلم يثبت منهم على الحق إلا القليل.

стр. 3397

تفسير قوله تعالى: (إن هؤلاء ليقولون إن كنتم صادقين) قال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان:٣٤]، ذكرنا في أول السورة كيف أن قريشاً طغت على النبي ﷺ ، وأنهم أفسدوا في الأرض، وأن النبي ﷺ دعا عليهم ثم دعا لهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان:١٥ - ١٦]. ثم ذكر لهم فرعون وهو أشد منهم قوة، وكيف أن الله أهلكه، وكيف أن الله أنجى بني إسرائيل من فرعون وجنوده، فالله ضرب لنا هذا المثال حتى نعرف قدرة الله العظيمة ، ثم رجع يتكلم عن قريش فقال: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ [الدخان:٣٤ - ٣٥]، فهؤلاء الكفار من أهل مكة يقولون للنبي صلوات الله وسلامه عليه: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ [الدخان:٣٥]، وهذه هي عادة الكفار، فهم يقولون: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام:٢٩] أي: لن نبعث مرة أخرى، ثم يجادلون النبي ﷺ في ذلك ويقولون: لو بعثنا مرة أخرى فسيكون لنا أفضل مما في هذه الدنيا، فربنا قد أعطانا الكثير في الدنيا لفضلنا، ولأننا نستحق ذلك، فإذا بعثنا يوم القيامة سيؤتينا أيضاً، فهم لا يؤمنون بالبعث، ولكن كأنهم يتنزلون، أي: على فرض أن هناك بعثاً كما تقول: فسيؤتينا أكثر مما أعطانا في الدنيا؛ لأننا نستحق ذلك. ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان:٣٤] و (إن) هنا بمعنى: ما، و (إن) و (إلا) بمعنى: ما، من أسلوب القصر، أي: ما هو الأمر إلا موتة واحدة فقط، فسنموت وينتهي الأمر على ذلك، فهذه العقيدة التي كانت في قلوبهم وعقولهم هي التي كانت تدفعهم إلى الظلم، فيظلم الإنسان غيره ما استطاع؛ لأنه يعتقد ألا بعث بعد الموت. والإيمان بالبعث يهذب أخلاق الإنسان المؤمن، ويجعل المؤمن في خوف عظيم؛ لأنه يعلم أن هناك بعثاً، وأن الله سيسأله في ذلك اليوم، فيندفع المؤمن إلى الخير، وأما الكافر فيندفع إلى عمل الشر؛ لأنه لا يتوقع بعثاً، فهو يريد كل شيء في الدنيا. قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان:٣٤] ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ [الدخان:٣٥] أي: بمبعوثين، والإنسان إذا نام على الأرض فسينشر مرة أخرى، أي: يحيا مرة ثانية، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ * فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الدخان:٣٥ - ٣٦] أي: إذا كنت تزعم أننا سنرجع مرة أخرى فأدنا آبائنا الذين ماتوا من أجل أن نصدق ذلك، وكأن هؤلاء لا يريدون الإيمان بالغيب، وإنما يريدون المشاهدة، فيريدون أن يشاهدوا واحداً من الموتى يبعث أمامهم، وهذا كما قاله أبو جهل اللعين للنبي ﷺ : (ابعث لنا قصي بن كلاب) أي: إذا كنت تريد ذلك فابعث لنا جدك قصياً، وكان رجل صدق، فإذا قال هذا الشيء صدقناك، فيا ترى لو حدث ذلك هل كانوا سيؤمنون؟ لا، فالله سبحانه يعلم بأن هؤلاء لن يؤمنوا، ولذلك لما تعنتوا مع النبي ﷺ قالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء:٩١ - ٩٢]. فكل هذه الأشياء ويقول له قائلهم: ولو فعلت ذلك فلن نؤمن بك، أي: حتى لو عملت لنا كل الذي طلبناه منك فلن نؤمن لك، فكان كفرهم عناداً واستكباراً وحسداً للنبي ﷺ على ما آتاه الله سبحانه من البنيات والهدى، فقالوا: ﴿فأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الدخان:٣٦]، فهم يكذبون البعث ولكن يقولون ذلك على وجه التعنت.

стр. 3398

تفسير قوله تعالى: (أهم خير أم قوم تبع) قال الله : ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ؟﴾ [الدخان:٣٧]، أي: أن هؤلاء المغرورين، وهؤلاء القلة الحقيرون، هؤلاء القرشيون الذين هم ذنب الدنيا كلها، فبجوارهم فارس والروم، فلا الفرس يحسبون لهم قيمة، ولا الروم كذلك يحسبون لهم قيمة، وإنما هم قاعدون في حماية هؤلاء وهؤلاء، ويتشدقون بأنهم الملوك، فيخرج منهم الوفد لزيارة الروم أو الفرس، فيفدون عليهم ضيوفاً ويتعززون بذلك، وأما هم فلا قيمة لهم مع وجود البيت الحرام في بلدهم، فهم قد أدخلوا الأصنام في بيت الله الحرام، وعبدوا غير الله وأشركوا معه غيره، فأبغضهم الله ، فجعل في قلوبهم الحسد والغل والبغض لبعضهم البعض، فلا يكون أحدهم مع الآخر إلا لأهداف دنيوية، ويغير بعضهم على بعض، ويأخذ بعضهم مال بعض، ويسبي بعضهم نساء بعض، فهذه كانت عادة هؤلاء الناس، فالله يقول لهؤلاء الجهلة الذين يجادلون النبي ﷺ : أأنتم خير؟ أأنتم أقوى عدداً؟! أأنتم أكثر عدداً؟! أأنتم فيكم الخيرية أم قوم تبع الذين فتحوا الدنيا بأجمعها؟ و (تبع) لقب لمن يكون ملكاً على اليمن، وكذلك كل ملك يملك مصر يقال له: فرعون، وكل ملك يملك الحبشة يقال له: النجاشي، وكل ملك يملك الفرس يقال له: كسرى، ومن يملك الروم يقال له: قيصر، فـ (تبع) لقب لكل من ملك حمير، وسمو: (تبعاً)؛ لأنه يتبع بعضهم بعضاً، فهذا الملك ويتبعه غيره. وكان أشهرهم هو: أسعد الحميري أبو كريب، فهذا كان بينه وبين النبي ﷺ ألف سنة، وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (ما أدري أتبع لعين أم لا؟)، أي: أنا لا أعرف، أتبع ملعون كافر أم لا؟ (وما أدري أعزير نبي أم لا؟)، فكان ﵊ لا يدري في وقت من الأوقات، ثم أخبره الله بإسلام هذا الرجل، فقال النبي ﷺ : (لا تسبوا تبعاً فإنه كان قد أسلم)، فكان مسلماً ﵁، لكن ما الذي جعله يسلم مع أن قومه أهلكهم الله ؟ فقول الله : أهؤلاء المشركون خير أم قوم تبع، ليس المراد ذات تبع؛ لأنه كان قد أسلم، وإنما المراد قومه، فقال الله : ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الدخان:٣٧]، والذين من قبلهم من القرون، كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، أهلكناهم جميعاً، وقد كانوا كثيرين جداً. وتبع هذا الذي فتح البلاد قالوا: إنه وصل إلى سمرقند فدمرها، ثم أعاد بناءها مرة أخرى، وكأن الله يقول لقريش: إن هذا الرجل من عندكم، وكان هو أول من كسا الكعبة، والكفار من قريش عندما أرادوا أن يبنوا الكعبة لم يجدوا أموالاً من الحلال، ولذلك لم تبن الكعبة على قواعد إبراهيم، فالجزء الذي من الحجر يكون ستة أذرع أو سبعة أذرع، فكان من المفروض أن يكون بداخل الكعبة، لكنهم أخرجوه، لقلة المال، فأين الخير في قريش؟! أأنتم أكثر مالاً وعدداً وقوة أم قوم تبع الذين فتح بهم تبع البلاد كلها؟! فدار بهم في الدنيا حتى وصل إلى المدينة، فقاتل أهلها، وقوم تبع كانوا أقوياء في العتاد والعدة، ولما كان هنالك أخبره بعض أهل الكتاب فقال له: إن هذه المدينة مهاجر نبي في يوم من الأيام، أي: النبي محمد صلوات الله وسلامه عليه فأسلم الرجل، وصدق بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، وترك المدينة وذهب إلى الكعبة فكساها، وكان أول من كسا الكعبة هو تبع ﵀، وأما قومه فقد كانوا أشراراً. فالغرض: أن الله أخبر عن قوم تبع، ولم يقل الله: تبع، كما ذكر فرعون، ولكن ذكر قومه، ولذلك أبي بن كعب يقول: إن الله ذكر قوم تبع بأنهم كانوا أشراراً، وأما تبع فكان رجلاً مسلماً، ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان:٣٧]، أي: أجرموا في حق خالقهم سبحانه، وأجرموا في حق الخلق فاستحقوا العقوبة، فإذا كنا قد أهلكنا قوم نوح وعاد وثمود، وأهلكنا أصحاب الأيكة، وأهلكنا قوم تبع، فهل أنتم القلة القليلة لا نقدر عليكم؟ وأنتم الذين تعنتم وكأن لكم قدراً كبيراً، وكأن لكم قيمة، كلا لكم شيء، ولا تستحقون أن يرد عليكم، قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنتَظِرُونَ﴾ [السجدة:٣٠]، حتى أهلك الله من شاء منهم في يوم بدر، وآمن من شاء الله منهم بعد ذلك واتبع النبي ﷺ ، وحسن إسلامه، وجاهد في سبيل الله . نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3399

تفسير سورة الدخان [٣٧ - ٥٠] ما خلق الله الخلق إلا ليعبدوه، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً وعبثاً، وأكثر الناس عن هذا غافلون أو جاهلون، وقد جعل الله لهم ميقات يوم معلوم؛ ليريهم فيه أعمالهم، فيرحم من يستحق الرحمة، ويعذب من يستحق العذاب، وهو العزيز الحكيم.

стр. 3400

تفسير قوله تعالى: (أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الدخان: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ * يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنصَرُونَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ * إِنَّ هَذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان:٣٧ - ٥٠]. يقول الله سبحانه في هذه الآيات عن هؤلاء المشركين الذين تعنتوا مع النبي صلوات الله وسلامه عليه وآذوه وآذوا أصحابه: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان:٣٧]، فهؤلاء المشركون يظنون أنهم أكثر عدداً، وأقوى أبداناً، وأكثر سلاحاً من قوم تبع الذين كانوا من قبلهم، وتبع لقب لملوك اليمن، فكلما جاء منهم ملك لقب بذلك وإن اختلفت أسماؤهم، فمن هؤلاء الحارث الرائش، وأبرهة الذي أراد هدم الكعبة، ومنهم عمرو ذو الأذعار، ومنهم شمر بن مالك الذي تنسب إليه سمرقند، ومنهم أفريقيس بن قيس الذي سميت إفريقيا باسمه، قيل: إنه ساق السود إلى أفريقيا، فسميت إفريقيا باسم هذا الرجل. فالتبابعة كثيرون، وكانوا أقوياء جداً، وكان لهم عَدد وعُدد ولهم أتباع، فكان يتبع بعضهم بعضاً، فيموت منهم ملك ويأتي بعده ملك بمثل تلك القوة، وكان أكثرهم كفاراً، ولم يكن منهم على الإسلام إلا واحد فقط يسمى أسعد بن ملكي كرب، فهذا الملك اتبعه قومه وخرج مقاتلاً وفتح بلداناً كثيرة إلى أن جاء إلى المدينة وأراد فتحها، وقاتله أهل المدينة، وكان أهل المدينة غاية في الكرم، وكانوا يقاتلونه في النهار، ويطعمونه بالليل! فتعجب لحالهم، وكان معه قوم من اليهود، فسألهم عن هؤلاء وقال: ما وجدنا أكرم من هؤلاء، يقاتلوننا بالنهار ويقروننا بالليل، فقالوا: هذه بلد يهاجر إليها نبي في يوم من الأيام، فكف الرجل عن هذه البلدة، وقال فيها شعراً كان يتوارثه أهل المدينة. ثم أراد بعض الناس أن يمكر بهذا الملك فقالوا له: هل ندلك على مكان به اللؤلؤ وبه الذهب؟! اذهب إلى هذا البيت الذي بمكة، فإن هدمته وجدت فيه اللؤلؤ والذهب، وأرادوا أن يهلكه الله، وعلموا أن هذا البيت يحميه الله ، وأنه ما أراده أحد بسوء إلا أهلكه الله، فأشار عليه رجلان من خزاعة بذلك، وكان معه من اليهود من أتباع موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فقالوا له: احذر من ذلك، إن هذا البيت ما جاءه أحد يريده بشر إلا أهلكه الله، فقتل الرجلين وصلبهما، وكسا الكعبة، وأطعم أهلها، ونحر عندها، فكان أول من كسا الكعبة وأسلم، لكن قومه كانوا كفاراً. فالله يذكر التبابعة غير هذا الرجل فيقول: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ﴾ [الدخان:٣٧] أي: هل هؤلاء المشركون خير في القوة وفي العدد وفي القتال من التبابعة ملوك أهل اليمن الذين فتحوا بلداناً عظيمة وقاتلوا أقواماً كثيرة وانتصروا عليهم؟ فإذا كنا أهلكنا السابقين أفلا نقدر على هؤلاء القلة الحقراء القليلين؟! ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الدخان:٣٧] من القرون كقوم عاد وثمود وغيرهم، قال: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [الدخان:٣٧]، أي: أهلكنا السابقين ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان:٣٧]، أي: كانوا كفاراً خارجين عن طاعة الله ، فأجرموا في حق الدين، وأجرموا في حق الخلق، فاستحقوا أن نهلكهم، وكذلك كل مجرم يملي له ربه سبحانه حتى إذا أخذه لم يفلته.
следующие страницы →