← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

تفسير قوله تعالى: (وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين) قال سبحانه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان:٣٣] أي: آتينا بني إسرائيل من الآيات والحجج والبراهين الكثيرة، وذلك عندما أرسل الله إليهم موسى فقال: أنا رسول من رب العالمين، فآتاه الله آيات كثيرة تدل على أنه رسول من عند الله ، آتاه آيات حسية؛ لأن بني إسرائيل لا يؤمنون إلا بما يرونه أمامهم، وأما الإيمان بالغيب فإنهم يؤمنون به تارة ويكفرون تارات كثيرة، ولذلك رأينا كيف أنهم لما أمروا أن يسجدوا لله سبحانه لم يسجدوا ولم يطيعوا، وإذا بالله يرفع الجبل فوق رءوسهم كأنه ظلة، وظنوا أنه واقع بهم، وعند ذلك سجدوا لله ، ويقال لهم: ادخلوا الباب سجداً، فيدخلون وهم يستهزءون بما قيل لهم، ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة:٥٨]، فدخلوا وبدلاً من أن يسجدوا على رءوسهم أخذوا يزحفون على إستاتهم وعلى مقاعدهم استهزاء بما قاله الله . ثم قال لهم: قولوا حطة، أي: يا رب! حط عنا خطايانا، فقالوا: حنطة، يحرفون ويستهزءون بكلام رب العالمين، فهؤلاء هم بنو إسرائيل لعنة الله عليهم وعلى أمثالهم فيما يصنعون، فليس هؤلاء الذين هم اختارهم الله ، وإنما اختار الموحدين المؤمنين الذين اتبعوا موسى النبي صلوات الله وسلامه عليه، فآمنوا به وكانوا معه، فاجتباه واصطفاهم الله واختارهم على العالمين. وآتينا الجميع من الآيات التي تدل على أن موسى رسول من رب العالمين، كاليد، والعصا، وما أرسله الله على فرعون وقومه: ﴿فأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف:١٣٣]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٣٠]، فهذه تسع آيات بينات ليعلموا وليوقنوا أن هذا رسول من رب العالمين، وأن الله ناصر عباده المستضعفين. قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ﴾ [الدخان:٣٣]، كذلك آيات النعم على بني إسرائيل، فأنعم الله عليهم بالآيات وأنزل المن والسلوى عليهم، وإن كانوا في التيه لكن الله يمن وينزل ما يشاء ، وقد أخبر الله أنه ابتلاهم، والله يبتلي عباده بالخير ويبتليهم بالشر، كما قال سبحانه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥]، ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ [الأنبياء:٣٥]، فالشر في نظركم وإلا فكل ما يأتي من عند الله فهو خير، ولكن العبد حين يبتلى بالمصيبة يستشعر الشر من ورائها، وإن كان الله له حكمة عظيمة في كل ما يصنعه. وقال: هنا: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ﴾ [الدخان:٣٣] أي: امتحان واختبار، ﴿مُبِينٌ﴾ [الدخان:٣٣]، أي: بيّن واضح، فامتحنهم الله لينظر هل يثبتون على الإيمان أم يكفرون، فكانوا يتقلبون: فيؤمنون حيناً ويكفرون أحياناً. فنبلوهم بالخير ونبلوهم بالشر، نبلوهم بالخير فأنزلنا عليهم المن والسلوى، ونهاهم نبيهم أن يدخروا شيئاً، فكلوا من طائر السلوى ما شئتم، ولا تدخروا شيئاً، وكذلك المن الذي ينزل من الأشجار، فكلوا من العسل ولا تدخروا شيئاً، فابتلاهم الله بالخير، وأعطاهم من الخير الكثير، فإذا بهم يطلبون: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة:٦١]، فيريدون فولاً وعدساً وثوماً، فقد ملوا اللحم والعسل، فابتلاهم الله بالخير فلم يصبروا، وقيل لهم: لا تدخروا، فادخروا اللحم، فخالفوا أمر الله عند ذلك، وقد أخبرنا النبي ﷺ أن بني إسرائيل ادخروا اللحم ففسد؛ لأنهم إنما أمروا أن يأكلوا ولا يدخروا شيئاً، فكان الله يبتليهم ويمتحنهم، فلم يثبت منهم على الحق إلا القليل.

стр. 3397

تفسير قوله تعالى: (إن هؤلاء ليقولون إن كنتم صادقين) قال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان:٣٤]، ذكرنا في أول السورة كيف أن قريشاً طغت على النبي ﷺ ، وأنهم أفسدوا في الأرض، وأن النبي ﷺ دعا عليهم ثم دعا لهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان:١٥ - ١٦]. ثم ذكر لهم فرعون وهو أشد منهم قوة، وكيف أن الله أهلكه، وكيف أن الله أنجى بني إسرائيل من فرعون وجنوده، فالله ضرب لنا هذا المثال حتى نعرف قدرة الله العظيمة ، ثم رجع يتكلم عن قريش فقال: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ [الدخان:٣٤ - ٣٥]، فهؤلاء الكفار من أهل مكة يقولون للنبي صلوات الله وسلامه عليه: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ [الدخان:٣٥]، وهذه هي عادة الكفار، فهم يقولون: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام:٢٩] أي: لن نبعث مرة أخرى، ثم يجادلون النبي ﷺ في ذلك ويقولون: لو بعثنا مرة أخرى فسيكون لنا أفضل مما في هذه الدنيا، فربنا قد أعطانا الكثير في الدنيا لفضلنا، ولأننا نستحق ذلك، فإذا بعثنا يوم القيامة سيؤتينا أيضاً، فهم لا يؤمنون بالبعث، ولكن كأنهم يتنزلون، أي: على فرض أن هناك بعثاً كما تقول: فسيؤتينا أكثر مما أعطانا في الدنيا؛ لأننا نستحق ذلك. ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان:٣٤] و (إن) هنا بمعنى: ما، و (إن) و (إلا) بمعنى: ما، من أسلوب القصر، أي: ما هو الأمر إلا موتة واحدة فقط، فسنموت وينتهي الأمر على ذلك، فهذه العقيدة التي كانت في قلوبهم وعقولهم هي التي كانت تدفعهم إلى الظلم، فيظلم الإنسان غيره ما استطاع؛ لأنه يعتقد ألا بعث بعد الموت. والإيمان بالبعث يهذب أخلاق الإنسان المؤمن، ويجعل المؤمن في خوف عظيم؛ لأنه يعلم أن هناك بعثاً، وأن الله سيسأله في ذلك اليوم، فيندفع المؤمن إلى الخير، وأما الكافر فيندفع إلى عمل الشر؛ لأنه لا يتوقع بعثاً، فهو يريد كل شيء في الدنيا. قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان:٣٤] ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ [الدخان:٣٥] أي: بمبعوثين، والإنسان إذا نام على الأرض فسينشر مرة أخرى، أي: يحيا مرة ثانية، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ * فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الدخان:٣٥ - ٣٦] أي: إذا كنت تزعم أننا سنرجع مرة أخرى فأدنا آبائنا الذين ماتوا من أجل أن نصدق ذلك، وكأن هؤلاء لا يريدون الإيمان بالغيب، وإنما يريدون المشاهدة، فيريدون أن يشاهدوا واحداً من الموتى يبعث أمامهم، وهذا كما قاله أبو جهل اللعين للنبي ﷺ : (ابعث لنا قصي بن كلاب) أي: إذا كنت تريد ذلك فابعث لنا جدك قصياً، وكان رجل صدق، فإذا قال هذا الشيء صدقناك، فيا ترى لو حدث ذلك هل كانوا سيؤمنون؟ لا، فالله سبحانه يعلم بأن هؤلاء لن يؤمنوا، ولذلك لما تعنتوا مع النبي ﷺ قالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء:٩١ - ٩٢]. فكل هذه الأشياء ويقول له قائلهم: ولو فعلت ذلك فلن نؤمن بك، أي: حتى لو عملت لنا كل الذي طلبناه منك فلن نؤمن لك، فكان كفرهم عناداً واستكباراً وحسداً للنبي ﷺ على ما آتاه الله سبحانه من البنيات والهدى، فقالوا: ﴿فأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الدخان:٣٦]، فهم يكذبون البعث ولكن يقولون ذلك على وجه التعنت.

стр. 3398

تفسير قوله تعالى: (أهم خير أم قوم تبع) قال الله : ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ؟﴾ [الدخان:٣٧]، أي: أن هؤلاء المغرورين، وهؤلاء القلة الحقيرون، هؤلاء القرشيون الذين هم ذنب الدنيا كلها، فبجوارهم فارس والروم، فلا الفرس يحسبون لهم قيمة، ولا الروم كذلك يحسبون لهم قيمة، وإنما هم قاعدون في حماية هؤلاء وهؤلاء، ويتشدقون بأنهم الملوك، فيخرج منهم الوفد لزيارة الروم أو الفرس، فيفدون عليهم ضيوفاً ويتعززون بذلك، وأما هم فلا قيمة لهم مع وجود البيت الحرام في بلدهم، فهم قد أدخلوا الأصنام في بيت الله الحرام، وعبدوا غير الله وأشركوا معه غيره، فأبغضهم الله ، فجعل في قلوبهم الحسد والغل والبغض لبعضهم البعض، فلا يكون أحدهم مع الآخر إلا لأهداف دنيوية، ويغير بعضهم على بعض، ويأخذ بعضهم مال بعض، ويسبي بعضهم نساء بعض، فهذه كانت عادة هؤلاء الناس، فالله يقول لهؤلاء الجهلة الذين يجادلون النبي ﷺ : أأنتم خير؟ أأنتم أقوى عدداً؟! أأنتم أكثر عدداً؟! أأنتم فيكم الخيرية أم قوم تبع الذين فتحوا الدنيا بأجمعها؟ و (تبع) لقب لمن يكون ملكاً على اليمن، وكذلك كل ملك يملك مصر يقال له: فرعون، وكل ملك يملك الحبشة يقال له: النجاشي، وكل ملك يملك الفرس يقال له: كسرى، ومن يملك الروم يقال له: قيصر، فـ (تبع) لقب لكل من ملك حمير، وسمو: (تبعاً)؛ لأنه يتبع بعضهم بعضاً، فهذا الملك ويتبعه غيره. وكان أشهرهم هو: أسعد الحميري أبو كريب، فهذا كان بينه وبين النبي ﷺ ألف سنة، وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (ما أدري أتبع لعين أم لا؟)، أي: أنا لا أعرف، أتبع ملعون كافر أم لا؟ (وما أدري أعزير نبي أم لا؟)، فكان ﵊ لا يدري في وقت من الأوقات، ثم أخبره الله بإسلام هذا الرجل، فقال النبي ﷺ : (لا تسبوا تبعاً فإنه كان قد أسلم)، فكان مسلماً ﵁، لكن ما الذي جعله يسلم مع أن قومه أهلكهم الله ؟ فقول الله : أهؤلاء المشركون خير أم قوم تبع، ليس المراد ذات تبع؛ لأنه كان قد أسلم، وإنما المراد قومه، فقال الله : ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الدخان:٣٧]، والذين من قبلهم من القرون، كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، أهلكناهم جميعاً، وقد كانوا كثيرين جداً. وتبع هذا الذي فتح البلاد قالوا: إنه وصل إلى سمرقند فدمرها، ثم أعاد بناءها مرة أخرى، وكأن الله يقول لقريش: إن هذا الرجل من عندكم، وكان هو أول من كسا الكعبة، والكفار من قريش عندما أرادوا أن يبنوا الكعبة لم يجدوا أموالاً من الحلال، ولذلك لم تبن الكعبة على قواعد إبراهيم، فالجزء الذي من الحجر يكون ستة أذرع أو سبعة أذرع، فكان من المفروض أن يكون بداخل الكعبة، لكنهم أخرجوه، لقلة المال، فأين الخير في قريش؟! أأنتم أكثر مالاً وعدداً وقوة أم قوم تبع الذين فتح بهم تبع البلاد كلها؟! فدار بهم في الدنيا حتى وصل إلى المدينة، فقاتل أهلها، وقوم تبع كانوا أقوياء في العتاد والعدة، ولما كان هنالك أخبره بعض أهل الكتاب فقال له: إن هذه المدينة مهاجر نبي في يوم من الأيام، أي: النبي محمد صلوات الله وسلامه عليه فأسلم الرجل، وصدق بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، وترك المدينة وذهب إلى الكعبة فكساها، وكان أول من كسا الكعبة هو تبع ﵀، وأما قومه فقد كانوا أشراراً. فالغرض: أن الله أخبر عن قوم تبع، ولم يقل الله: تبع، كما ذكر فرعون، ولكن ذكر قومه، ولذلك أبي بن كعب يقول: إن الله ذكر قوم تبع بأنهم كانوا أشراراً، وأما تبع فكان رجلاً مسلماً، ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان:٣٧]، أي: أجرموا في حق خالقهم سبحانه، وأجرموا في حق الخلق فاستحقوا العقوبة، فإذا كنا قد أهلكنا قوم نوح وعاد وثمود، وأهلكنا أصحاب الأيكة، وأهلكنا قوم تبع، فهل أنتم القلة القليلة لا نقدر عليكم؟ وأنتم الذين تعنتم وكأن لكم قدراً كبيراً، وكأن لكم قيمة، كلا لكم شيء، ولا تستحقون أن يرد عليكم، قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنتَظِرُونَ﴾ [السجدة:٣٠]، حتى أهلك الله من شاء منهم في يوم بدر، وآمن من شاء الله منهم بعد ذلك واتبع النبي ﷺ ، وحسن إسلامه، وجاهد في سبيل الله . نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3399

تفسير سورة الدخان [٣٧ - ٥٠] ما خلق الله الخلق إلا ليعبدوه، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً وعبثاً، وأكثر الناس عن هذا غافلون أو جاهلون، وقد جعل الله لهم ميقات يوم معلوم؛ ليريهم فيه أعمالهم، فيرحم من يستحق الرحمة، ويعذب من يستحق العذاب، وهو العزيز الحكيم.

стр. 3400

تفسير قوله تعالى: (أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الدخان: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ * يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنصَرُونَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ * إِنَّ هَذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان:٣٧ - ٥٠]. يقول الله سبحانه في هذه الآيات عن هؤلاء المشركين الذين تعنتوا مع النبي صلوات الله وسلامه عليه وآذوه وآذوا أصحابه: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان:٣٧]، فهؤلاء المشركون يظنون أنهم أكثر عدداً، وأقوى أبداناً، وأكثر سلاحاً من قوم تبع الذين كانوا من قبلهم، وتبع لقب لملوك اليمن، فكلما جاء منهم ملك لقب بذلك وإن اختلفت أسماؤهم، فمن هؤلاء الحارث الرائش، وأبرهة الذي أراد هدم الكعبة، ومنهم عمرو ذو الأذعار، ومنهم شمر بن مالك الذي تنسب إليه سمرقند، ومنهم أفريقيس بن قيس الذي سميت إفريقيا باسمه، قيل: إنه ساق السود إلى أفريقيا، فسميت إفريقيا باسم هذا الرجل. فالتبابعة كثيرون، وكانوا أقوياء جداً، وكان لهم عَدد وعُدد ولهم أتباع، فكان يتبع بعضهم بعضاً، فيموت منهم ملك ويأتي بعده ملك بمثل تلك القوة، وكان أكثرهم كفاراً، ولم يكن منهم على الإسلام إلا واحد فقط يسمى أسعد بن ملكي كرب، فهذا الملك اتبعه قومه وخرج مقاتلاً وفتح بلداناً كثيرة إلى أن جاء إلى المدينة وأراد فتحها، وقاتله أهل المدينة، وكان أهل المدينة غاية في الكرم، وكانوا يقاتلونه في النهار، ويطعمونه بالليل! فتعجب لحالهم، وكان معه قوم من اليهود، فسألهم عن هؤلاء وقال: ما وجدنا أكرم من هؤلاء، يقاتلوننا بالنهار ويقروننا بالليل، فقالوا: هذه بلد يهاجر إليها نبي في يوم من الأيام، فكف الرجل عن هذه البلدة، وقال فيها شعراً كان يتوارثه أهل المدينة. ثم أراد بعض الناس أن يمكر بهذا الملك فقالوا له: هل ندلك على مكان به اللؤلؤ وبه الذهب؟! اذهب إلى هذا البيت الذي بمكة، فإن هدمته وجدت فيه اللؤلؤ والذهب، وأرادوا أن يهلكه الله، وعلموا أن هذا البيت يحميه الله ، وأنه ما أراده أحد بسوء إلا أهلكه الله، فأشار عليه رجلان من خزاعة بذلك، وكان معه من اليهود من أتباع موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فقالوا له: احذر من ذلك، إن هذا البيت ما جاءه أحد يريده بشر إلا أهلكه الله، فقتل الرجلين وصلبهما، وكسا الكعبة، وأطعم أهلها، ونحر عندها، فكان أول من كسا الكعبة وأسلم، لكن قومه كانوا كفاراً. فالله يذكر التبابعة غير هذا الرجل فيقول: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ﴾ [الدخان:٣٧] أي: هل هؤلاء المشركون خير في القوة وفي العدد وفي القتال من التبابعة ملوك أهل اليمن الذين فتحوا بلداناً عظيمة وقاتلوا أقواماً كثيرة وانتصروا عليهم؟ فإذا كنا أهلكنا السابقين أفلا نقدر على هؤلاء القلة الحقراء القليلين؟! ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الدخان:٣٧] من القرون كقوم عاد وثمود وغيرهم، قال: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [الدخان:٣٧]، أي: أهلكنا السابقين ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان:٣٧]، أي: كانوا كفاراً خارجين عن طاعة الله ، فأجرموا في حق الدين، وأجرموا في حق الخلق، فاستحقوا أن نهلكهم، وكذلك كل مجرم يملي له ربه سبحانه حتى إذا أخذه لم يفلته.

стр. 3401

تفسير قوله تعالى: (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين) قال الله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ [الدخان:٣٨] أي: هل خلقنا السموات عبثاً؟ وهل أوجدنا فيها النجوم والكواكب، وخلقنا فيها الشموس والأقمار، وجعلنا فيها ما فيها من ملائكة وخلق لا يعلمهم إلا الله عبثاً أم خلقنا ذلك حقاً؟ لقد خلقها الله بالحق، وليعلم من هو الله سبحانه، ولتعرف قدرة الله سبحانه، فيذل العباد لله ، ويخضعون له ويخشونه، ويعبدونه الله ويطيعونه. قال الله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان:٣٩] أي: بالأمر الحق من الله : كن فيكون، فقد خلقها بالحق، وخلقها ليقضي بين العباد بالحق، وخلقها لتكون سبباً للحق، فتوجد الشريعة على هذه الأرض ليعبدوا الله بالحق. قال الله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان:٣٩] أي: أن أكثر الناس يجهلون هذا؛ لأنهم لا يتفكرون، ولو أنهم نظروا نظر المتفكرين المعتبرين المتعظين لعلموا أن الله سبحانه لم يخلق خلقاً عبثاً ولعباً، وإنما خلق الله كل شيء لحكمة، قال الله: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢١]، أي: ذكر بهذه الأشياء، وذكر بهذه الشريعة، وذكر بربك سبحانه، وذكر بالحق الذي جاء من عند الله، ولكن أكثرهم لا يعلمون.

стр. 3402

تفسير قوله تعالى: (إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين) قال الله: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان:٤٠]، الفصل هو الحكم والقضاء؛ لكونه يفصل فيه بين الخصوم، ويفصل فيه بين الحق والباطل، وبين المحق والمبطل، وبين المؤمن والكافر، وبين البار والفاجر، فيفصل الله سبحانه فيه بين الخلق، فيدخل الرجل الجنة وقد تدخل زوجته النار، ويدخل الابن الجنة وقد يدخل أبوه النار، فيفصل الله بين العباد بالقضاء الحق سبحانه. ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ﴾ [الدخان:٤٠] أي: موعدهم، ﴿أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان:٤٠]، كما قال سبحانه: ﴿لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة:٣]، أي: يفصل بين العباد، فهذا يذهب إلى هنا وهذا يذهب إلى هنا.

стр. 3403

تفسير قوله تعالى: (يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً) قال الله سبحانه: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [الدخان:٤١]، المولى من الولي، والولي القرب، فكأن الإنسان الولي قريب، فالحميم قريبك مثل أبيك وابنك وأخيك وابن عمك وصاحبك ومن يلي أمرك، فهذا هو الولي، فلا يغني هناك مولى عن مولى، وفي الدنيا الأب قد يغني عن ابنه، والابن قد يغني عن أبيه، والمولى السيد الناصر قد يغني عن مولاه الذي ينصره ويتولاه، وأما يوم القيامة فكما قال الله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]. (يَوْمَ لا يُغْنِي) أي: لا يدفع ولا يدافع مولى عن مولى شيئاً، (ولا هم ينصرون)، أي: لا ناصر ينصره، ولا يغني أحدهم عن الآخر شيئاً، ولا يجدون من ينصرهم.

стр. 3404

تفسير قوله تعالى: (إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم) ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ [الدخان:٤٢]، استثنى الله سبحانه من رحمه ، فالله ناصره، والله معه، والله مؤيده، والله يرحمه ويدخله الجنة، نسأل الله أن ينصرنا وأن يجعلنا من أهل جنته! ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان:٤٢]، عبر الله بهذين الاسمين، وأحدهما يدل على القوة والمنعة لله سبحانه، والآخر يدل على الرحمة، ويوم القيامة يجمع هاتين الصفتين، فهو غزيز سبحانه حيث يدخل أعداءه جهنم، ورحيم حيث يرحم أولياءه سبحانه، فهو العزيز الذي لا يرام جنابه سبحانه، المنيع الجناب القوي الذي تعزز على خلقه سبحانه، ولا يقدر أحد أن يوصل إليه مكروهاً، ولا يعجزه شيء ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، وهو الرحيم ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣].

стр. 3405

تفسير قوله تعالى: (إن شجرة الزقوم طعام الأثيم) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان:٣]، فبعد أن ذكر الله أن مصير الكفار إلى النار ذكر شجرة الزقوم، وهي الشجرة الملعونة في القرآن، وهي شجرة ملعونة لا يوجد فيها رحمة، ولا هي في مكان رحمة، واللعن الطرد من الرحمة، فليست في محل رحمته سبحانه، وليست في جنته ولكنها في ناره، فهي شجرة مطرودة من رحمة الله وموضوعة في النار؛ لتكون عذاباً لأهلها والعياذ بالله، والزقوم مأخوذ من الزقم، وهو اللقم للشيء، أي: وضع الشيء في الفم ودفعه فيه، فيتزقمونها في النار ويأكلونها كرهاً، ولا أحد يأكلها طوعاً، وفيها الشوك الذي يقف في الحلوق، فلا يأكلونها إلا زقماً ولقماً ودفعاً في أفواههم. قال الله: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٤]، والأثيم هو الآثم الفاجر اللئيم، الذي أعرض عن الله سبحانه، وكفر بالله سبحانه، فاستحق أن يكون من أهل النار والعياذ بالله. والأثيم جنس فيعم كل إنسان أثيم كفور، وكل إنسان عنيد متكبر على الله سبحانه ومتكبر على خلق الله سبحانه، وكل إنسان خارج من طاعة الله، فهذا طعام الأثيم، وليس لهم طعام غيره، فطعامهم شوك يقف في الحلوق، وطعامهم الزقوم، ولو أن قطرة من الزقوم نزلت إلى الدنيا، لأفسدت على العباد مياههم وبحارهم وأنهارهم وطعامهم، فكيف بمن تكون طعامه؟!

стр. 3406

تفسير قوله تعالى: (كالمهل يغلي في البطون) قال الله: ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٥ - ٤٦]، فيأكلون من هذه الشجرة فتنزل إلى بطونهم فتغلي في بطونهم، وكأنهم أوقدوا ناراً للقدور في بطونهم! والمهل هو النحاس المذاب، فالماء يغلي في مائة درجة مئوية، وأما النحاس والحديد فمن أجل أن يكون ذائباً فإنه يحتاج إلى أكثر من ألف ومائتين وخمسين درجة مئوية حتى يذوب، فإذا وضع في بطون هؤلاء فكيف يكون حالهم؟! قال الله: ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان:٤٥] أي: في بطون هؤلاء الكفار الذين سخروا من النبي ﷺ فاستحقوا النار، وعلى رأسهم أبو جهل لعنة الله عليه، فقد سمع هذه الآية عن شجرة الزقوم فقال: شجرة في النار! فإذا به يستهزئ ويستهين بما يسمعه، وقال للكفار: تعالوا نتزقم، إنه يكلمنا عن شجرة الزقوم، فهذا هو الزقوم، فأعطاهم تمراً وزبدة، وقال: هو تمر يثرب بالزبد، فهذا الذي يخوفنا منه، اجلسوا وكلوا من هذا الزقوم الذي يخوفنا به محمد ﷺ ! فالله يقول له: هذا الزقوم ستراه وستأكله في جهنم، ونزقمك به في نار جهنم والعياذ بالله، فهو طعام الأثيم كهذا الكافر أبي جهل وأمثاله، (كالمهل) أي كالنحاس المذاب. ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان:٤٥] هذه قراءة ابن كثير وحفص عن عاصم ورويس عن يعقوب، وباقي القراء يقرءونها بالتاء: (تغلي في البطون). قال الله: ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٦] وهو السائل الذي بلغ النهاية في درجة الحرارة، ومنه سمي الحمام حماماً، لكونه فيه الماء الحار، ومنه الحمى التي يصاب بها الإنسان، فالحميم المذكور هنا هو السائل الذي بلغ النهاية في درجة الحرارة والعياذ بالله. وهذه الشجرة بشعة في طعمها، بشعة في منظرها، قال الله عن هذه الشجرة: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات:٦٥]، فهي كالشيطان، وأنت لم تر الشيطان، ولكن عادة الإنسان حين يتكلم عن شيء جميل جداً يقول: مثل الملاك، وعندما يتكلم عن شيء قبيح وبشع جداً يقول: مثل الشيطان، فهي غاية في البشاعة، فمنظرها مخيف، في نار مظلمة، فكيف بطعمها؟! وكيف بحرارتها في بطون هؤلاء؟!

стр. 3407

تفسير قوله تعالى: (خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم) قال الله: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان:٤٧]، ((فَاعْتِلُوهُ)) بكسر التاء قراءة أبي عمرو والكوفيين وأبي جعفر، وقرأ باقي القراء بالضم: (فاعتُلوه). والعتل هو الدفع بقوة، يقال: عتلت الشيء إذا أمسكت بتلابيبه، وكأن المعنى: خذوه وارموه في نار جهنم، فزبانية النار لا يقولون له: تفضل ادخل إلى جهنم، ولكن يرمى إليها رمياً، قال الله: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور:١٣]، فيساقون ويدفعون في أقفائهم حتى يدخلوا النار والعياذ بالله. فيقال: خذوا أبا جهل اللعين ومن كان مثله من الكفار، فاعتلوهم واحداً واحداً وليس جميعاً، بل واحداً واحداً حتى يذوقوا العذاب، فيلقى في نار جهنم ولا يجد له ملجئاً يهرب إليه. قال: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان:٤٧] أي: يرمونه حتى ينزل في وسط جهنم والعياذ بالله، فكم تكون قوة هذه الدفعة؟! يحمل الكفار من خارج النار، ويلقى في نار جهنم حتى يصل إلى وسط النار فيرتطم بقعر جهنم والعياذ بالله! وليس هناك موت يريح هذا الإنسان، وعندما يسقط إنسان من الدور العاشر أو من الدور العشرين أحياناً يموت قبل أن يصل إلى الأرض؛ من شدة الرعب، فعندما ينزل إلى الأرض لا يشعر بشيء، لكن في نار جهنم لا يوجد موت، لا يموتون فيها فيستريحون ولا يحيون فيها حياة كريمة، وإنما يحس دائماً بقدر العذاب في النار والعياذ بالله.

стр. 3408

تفسير قوله تعالى: (ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم) قال الله: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٨] بعد أن يطعم من النار يقال: صبوا فوق رأسه من عذاب النار، ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٨]، فيضرب على رأسه فينفلق رأسه، ويصب بداخله على مخ هذا الإنسان من الحميم من سوائل النار البالغة أقصى درجات الحرارة والعياذ بالله! ثم يقال له: (ذُقْ) ذق الآن الذي كنت تسخر منه في الدنيا، قال الله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩]، فقد كان هذا الكافر يتعنت ويقول: أنا أعز رجل في قومي، ولا أحد يستطيع علي بشيء، فيا من كنت تتعزز في الدنيا ذق أيها العزيز! وهذا من باب الاستخفاف والإهانة والسخرية والاستهزاء به، أي: أرنا عزتك أين هي؟ فيصب فوق رأسه من عذاب الحميم، ويقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩]، فقد كنت مكرماً في الدنيا، وكان الناس يكرمونك ويقفون لك، فهذا إكرامنا لك في نار جهنم والعياذ بالله! وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩] هذه قراءة الجمهور، وقراءة الكسائي: (ذق أنك أنت العزيز الكريم)؛ أي: لأنك كنت تصف نفسك بذلك، وهذا هو أبو جهل، فحين كان يخوفه النبي ﷺ بالله سبحانه ويقول له: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة:٣٤]، قد قاربك ما يهلكك، قال للنبي ﷺ : أتخوفني بربك؟! قد علمت قريش أني أعزها، فهذا جاهل بالله سبحانه، فهذا المجرم أبو جهل يقول للنبي ﷺ : لا أحد يستطيع علي بشيء، ويتكبر على الخلق فيسبهم، ثم يسب الخالق سبحانه، فهذا حاله في نار جهنم، فانظر إلى أبي جهل الذي كان يقول للنبي ﷺ : بأي شيء تهددني؟! والله لن تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئاً، إني لمن أعز هذا الوادي وأكرمه على قومه! فقتله الله في يوم بدر، وترك أياماً على الأرض حتى صار جيفة منتنة، وألقي بعد ذلك هو ومن معه قليب بدر، وهي بئر من آبار بدر.

стр. 3409

تفسير قوله تعالى: (إن هذا ما كنتم به تمترون) قال الله : ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان:٥٠] أي: إن هذا ما كنتم به تكذبون وتتشككون فيه، وأصل الامتراء أن الإنسان يجادل في الشيء الذي يتشكك في أمره، فتقول الملائكة للكفار: هذا الشيء الذي كنتم تشكون فيه، وتجادلون فيه بالباطل، فذوقوا عذاب رب العالمين. فهذا شيء من العذاب ذكره الله ، وفي ذلك عبرة لمن اعتبر، وعظة لمن اتعظ، فالإنسان المؤمن حين يسمع ذكر النار يخاف على نفسه أن يكون من أهلها، فيتعوذ بالله من النار، ويسأل الله جنته. نسأل الله أن يجعلنا في جنته، وأن يجيرنا من عذابه وناره. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3410

تفسير سورة الدخان [٥١ - ٥٩] ذكر الله في كتابه ما أعده لعباده المتقين في جنات النعيم، من أنواع الملذات والمسرات: من المآكل والمشارب والزوجات، ومن الأمن من جميع المنغصات والمحزنات، فمن نجاه الله من النار وأدخله الجنة فقد فاز الفوز العظيم.

стр. 3411

تفسير قوله تعالى: (إن المتقين في مقام أمين) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الدخان: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ * لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان:٥١ - ٥٩]. هذه الآيات الأخيرة من سورة الدخان يذكر الله فيها حال أهل النعيم وأهل الجنة، نسأل الله أن يجعلنا منهم، وهذا بعد أن ذكر حال أهل النار، وأنهم يدعون فيها، وطعامهم فيها الزقوم، وشرابهم فيها الحميم، ويقال لكل واحد منهم: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٧ - ٤٩]، أي: كنت متعززاً في الدنيا، مكرماً لنفسك لا تهينها، وتتطاول على الخلق، وتظن أن هذا ينفعك يوم القيامة، فيا من كنت عزيزاً كريماً في الدنيا ذق عذاب الحميم وعذاب الجحيم والهوان والعذاب الأليم في النار، ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان:٥٠] أي: هذا الذي كنتم تتشككون فيه وتجادلون فيه بالباطل. وأما المتقون الذي جعل الله هذا القرآن هدى لهم، والذين اتقوا غضب الله سبحانه، والذي جعلوا بينهم وبين معاصي الله وقاية وحاجزاً، فامتثلوا الطاعات، وامتنعوا عن الوقوع في المعاصي، وخافوا الله سبحانه، فأمنهم الله يوم القيامة: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان:٥١]، وأمين صيغة مبالغة من الأمن، فهم في مكان غاية في الأمن، مأمون عليهم فيه، وأمنهم الله سبحانه يوم الفزع الأكبر، ويوم العيلة، ويوم الذلة، ويوم القيامة، فأمن الله عباده المتقين الذين كانوا يخافونه في الدنيا، وكانوا من عذاب ربهم مشفقين. وقراءة الجمهور: ((مَقَامٍ)) من الفعل الثلاثي قام، وقرأها نافع وأبو جعفر وابن عامر: ((فِي مُقَامٍ)) من الفعل الرباعي أقام، يقال: أقام مقاماً، فكأن المقام الذي يقومون فيه المكان الذي يشرفون به أمين، والإقامة التي ينزلون فيها أمينة، فهي مكان أمين عند الله سبحانه، والجنة إذا دخلوها لا يخرجون منها أبداً؛ لأن الله جعل لهم الخلود فيها فلا أحد يقدر أن يخرجهم بعد ما قضى الله لهم بالخلود في جنته. قال الله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان:٥١] أي: في أمن وأمان، وفي شرف، وفي رفعة.

стр. 3412

تفسير قوله تعالى: (في جنات وعيون) قال الله: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان:٥٢]، فقد دخلوا جنة الله سبحانه، فوجد كل واحد لنفسه جنات في جنة الله سبحانه، وهي بساتين وحدائق عظيمة، (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر). قال الله: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان:٥٢]، فالإنسان الذي عنده بستان أكثر شيء يخاف منه هو ألا يوجد ماء لهذا البستان، فطمأنهم الله بأن عندهم العيون جارية لا يكدرها شيء، فلا تفنى ولا تقل؛ لأن الله قضى هنالك بالخلود. (وعيون) تقرأ بضم العين، وتقرأ بكسرها، فقرأ بالكسر ابن كثير وابن ذكوان وحمزة والكسائي وشعبة عن عاصم، وباقي القراء يقرءونها بالضم.

стр. 3413

تفسير قوله تعالى: (يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين) قال الله تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الدخان:٥٣]، ففضل الله عظيم، والجنة ليست كالدنيا، الجنة فيها أشياء غيبية يحدثنا الله عنها، فأهل الجنة متقابلون، فمهما كثر العدد فلا أحد ينظر في قفا الآخر، ولا أحد يعطي للآخر ظهره، وإذا أراد أحدهم أن يكلم صاحبه يدور به مقعده حيث شاء، وينظر إلى من يشاء، ولا يوجد غرور في الجنة، ولا تنافر، ولا تدابر، ولا تخاصم، فيقبل بعضهم على بعض كما يقول الله سبحانه: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٥٠]. وأهل الجنة في نعيم يحبرون ويسرون، ويتفكهون، ويتكلمون بالكلام الطيب، ويلهمون التسبيح وذكر الله سبحانه، ويذكرون ما كان في الدنيا، فيقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٦ - ٢٨]. فأهل الجنة يتذكرون نعمة الله عليهم، فالله البر دلهم على فعل البر فدخلوا الجنة، والله الرحيم رحمهم فجعلهم من أهل جنته، فالفضل منه سبحانه، فهو صاحب الفضل العظيم الذي هدانا، وهو الذي علمنا، وهو الذي أخذ بأيدينا حتى أدخلنا جنته سبحانه؛ لأننا كنا قبل ذلك مشفقين، وكنا خائفين من رب العالمين، فأمننا ربنا سبحانه. قال الله: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الدخان:٥٣] هذه ثيابهم، والسندس هو الرقيق من الحرير، والإستبرق الغليظ من الحرير، والإنسان يلبس ما يشتهي، فهذا يريد أن يلبس حريراً رقيقاً، وهذا يريد أن يلبس حريراً غليظاً، والحرير لا يجوز لبسه للرجال في الدنيا، ومن لبسه في الدنيا يحرم منه في الآخرة، فلا يدخل الجنة، وأما من دخل الجنة فإنه يلبسه، ولا يحرم من شيء في الجنة، فالمؤمنون يلبسون من رقيق الحرير ومن غليظ الديباج. وقال الله: ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ [الدخان:٥٣] أي: يقبل بعضهم على بعض كما شاء الله سبحانه، فيواجه بعضهم بعضاً، وتدور بهم مجالسهم حيث داروا.

стр. 3414

تفسير قوله تعالى: (كذلك وزوجناهم بحور عين) قال: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان:٥٤] (كذلك) أي هذا الذي ذكرناه لكم لكل إنسان مؤمن مثله، وأيضاً نزوجهم بالحور العين، والحوراء المرأة الجميلة التي خلقها الله للجنة، فما نزلت إلى الدنيا ولا تدنست بها، وقد خلقها الله في الجنة وجعلها لأهل الجنة ينعمون بها، والعين المرأة العيناء الواسعة العين، يقال: هذا الرجل أعين، يعني: عينه واسعة، وهذه المرأة عيناء، أي: واسعة العين، والجمع عين، فيذكر الله فيهن صفتين: صفة الحور وصفة العين، فهن واسعات الأعين، وهن حوراوات، بمعنى: أن العين غاية في الجمال، فبياضها شديد البياض، وسوادها شديد السواد، والإنسان في الدنيا كلما يتقادم في السن وترهق عيناه بالقراءة والكتابة، وبالعمل؛ عينه تحمر ولون العين يتغير، لكن الحوراء ليست مكلفة بشيء، فهي لا تتعب نفسها بشيء، بل هي مرفهة منعمة في الجنة، فعينها غاية في الجمال، فبياض عينها بياض عظيم، وسواد عينها سواد في غاية الجمال. فأهل الجنة زوجهم الله بحور عين، وفي الدنيا الإنسان له أن يتزوج بأربع، وأما في الجنة فيزوج الشهيد باثنتين وسبعين من الحور العين، ولهم فيها ما يشاءون، ومن كظم غيظه يخيره الله من الحور العين ما يشاء على رءوس الخلائق، فيختار من الحور العين ما شاء، فمن مهر الحور العين الصبر في الدنيا على الأذى، وكظم الغيظ، وكتم الغضب إلا أن يكون غضباً لله سبحانه.

стр. 3415

تفسير قوله تعالى: (يدعون فيها بكل فاكهة آمنين) قال الله سبحانه: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان:٥٥]، ذكر الأمان هنا مرة ثانية، والأمان نعمة عظيمة من نعم الله ، ويعرف الإنسان هذه النعمة حين يخاف من عدو أو من وال أو سلطان أو حاكم أو رئيس؛ ولذلك قال النبي ﷺ : (من بات آمناً في سربه، معافىً في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها)، وكثير من الناس لا يعرف قدر هذه النعمة، (بات آمناً في سربه) سرب الإنسان هو المكان الذي يسير فيه، فهو المكان الظاهر، فيمشي وهو غير مختف، بل يمشي في مكان ظاهر وهو آمن، (معافىً في بدنه) يعني: ليس مريضاً. (عنده قوت يومه)، ولم يقل: قوت سنته، أو قوت شهره، أو قوت أسبوعه، عنده قوت يومه، فهو آمن في مكانه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فهذه هي الدنيا كلها، والإنسان مهما جمع من خيرات الدنيا كلها فلن يأكل في أكثر من بطن واحدة، وإذا امتلأت فمهما كان هناك من الطعام فلن يأكله، والعافية نعمة من الله سبحانه عظيمة، والله يمن على أهل الجنة بالأمن والأمان، كما قال الله: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢]، لا يخافون من مستقبل أمامهم، ولا يحزنون على ماض فاتهم، فالله قد أمنهم وأعطاهم هذا النعيم، نسأل الله أن يجعلنا منهم ومعهم. قال الله: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا﴾ [الدخان:٥٥] أي: يطلبون وينادون: هاتوا لنا كذا، ونريد كذا، فمن في الجنة يعطى أي شيء يطلبه، فيشير إلى الأشجار وإلى الثمار فتنزل إليه، ويشير إلى الطير فينزل إليه كما يريده مشوياً أو مقلياً، وغلمان أهل الجنة يأتونهم بما يشاءون، والملائكة يأتونهم بما يشاءون، فهذا نعيم عظيم من فضل رب العالمين سبحانه، فنسأله سبحانه ألا يحرمنا منه. وعندما أدخل الله آدم الجنة حظر الله عليه صنفاً واحداً، فقال: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة:٣٥]، وأما أهل الجنة إذا دخلوها فلا يوجد تكليف، ولا شيء عنهم محظور مما في الجنة، فيأكلون ما يشاءون منها، والله امتحن آدم لحكمة حتى ينزل إلى الأرض، وأما أهل الجنة فلا نزول إلى الأرض مرة ثانية. قال الله: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان:٥٥]، فذكر الله دعاءهم بالفاكهة، ولم يتعرض لأقواتهم؛ لأنهم لا يجوعون أصلاً، فيأكل ما يشاء، ويشرب ما يشاء، ويتفكه بما يشاء.

стр. 3416

تفسير قوله تعالى: (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) قال الله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان:٥٦] لا موت في الجنة، فقد انتهى أمر الموت، فهو كان الموت في الدنيا، وأما في الجنة فخلود. قال: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان:٥٦] أي: الموتة التي ذاقوها في الدنيا، فالإنسان يذوق موتتين ويحيا حياتين، الموتة الأولى: هي العدم الذي كان فيه، ثم بعد ذلك صار في الدنيا، فهذا العدم ينساه الإنسان، ولا يتذكر شيئاً منه، ولا يذكر إلا وهو في الدنيا، بل لا يذكر كيف ولد، وكيف كان وهو صغير، ينسى هذا كله، لكن الموتة التي يحس بها هي في خروجه من الدنيا، ثم بعد ذلك يحيا الحياة الأخرى في جنة الخلود إن كان مؤمناً، فهذه الحياة العظيمة الكريمة لا يذوقون فيها موتاً بعد ذلك ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان:٥٦] يعني: ولكن ما كان قبل ذلك من الموت في الدنيا. قال الله: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان:٥٦] وقاهم الله سبحانه عذاب الجحيم، والجحيم هي النار المشتعلة المتوقدة، وهي مأخوذة من الجحم، يقال: في عين الأسد جحمة، يعني: عينه ملتهبة حمراء، فكذلك نار جهنم والعياذ بالله حمراء مشتعلة ملتهبة، وتكون سوداء على أقوام، ويكون فيها ما شاء، نسأل الله العفو والعافية.

стр. 3417

تفسير قوله تعالى: (فضلاً من ربك ذلك هو الفوز العظيم) قال الله: ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ﴾ [الدخان:٥٧] أي: هذا الذي أعطاه لأهل الجنة هو تفضل منه عليهم، قال النبي ﷺ : (لا يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته)، فهذه رحمة الله ، فالله أدخلهم الجنة بفضله وبرحمته سبحانه. ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الدخان:٥٧] (ذلك) أي: جنة الله والنعيم المقيم، (هو الفوز العظيم)، فالفوز في الدنيا أن يفوز الإنسان بالمال، أو بالجائزة، أو بالمنصب، ولكن كل هذا الفوز تفوز به إلى حين، وبعد ذلك لا تنعم بهذا الشيء، فالإنسان يفرح إذا أخذ الشهادة وتخرج من الجامعة، فهذا فوز، لكن قد يبحث عن عمل فلا يجد، فيرجع إلى البيت كأنه ما أخذ شيئاً، فلم ينعم بهذا الشيء، ولعله يجد وظيفة، فيفوز بها، ويصرف له مرتباً كبيراً، ثم يصرف هذا المرتب وينتهي، فكل فوز في الدنيا بعده أشياء تنغصه، لكن الفوز الحقيقي هو النجاة من غضب الله، ومن عذاب الله سبحانه، الفوز العظيم هو دخول جنة الخلد، قال ربنا سبحانه: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥]، فكأن النار تشده، ورحمة الله سبحانه تخرجه، فيفوز وينجو من النار ويدخل الجنة، فكيف بمن يدخل الجنة مع السابقين، فهذا أعظم الفوز عند رب العالمين.

стр. 3418

تفسير قوله تعالى: (فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون) ختم الله السورة بقوله سبحانه: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان:٥٨]، وقد أشار إلى القرآن في أول هذه السورة فقال: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان:١ - ٣]، فبدأ السورة بذكر هذا القرآن العظيم، وقال: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الدخان:٦]، وختم السورة بالإشارة إلى هذا القرآن العظيم فقال: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ [الدخان:٥٨]، كما قال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥] أي: بلسان النبي الفصيح صلوات الله وسلامه عليه، وكما قال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]، فجعله سهلاً في حفظه، والكتاب الوحيد الذي يسهل على الناس أن يحفظوه هو هذا القرآن العظيم، فيحفظه العربي، ويحفظه الأعجمي، ومن أراد أن يحفظ هذا القرآن ييسر الله له حفظه. ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان:٥٨] أي: يتعظون ويعتبرون. ثم قال الله: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ [الدخان:٥٩] أي: ارتقب يوم القيامة، وارتقب يوم يأتي أمر الله سبحانه، ﴿إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان:٥٩] أي: هم ينتظرون لك الدائرة في الدنيا، وانتظر بهم أنت، فعليهم الدائرة، وسيأتيهم أمر الله سبحانه. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3419

تفسير سورة الجاثية [ ١ - ٦] يرشد الله خلقه إلى التفكر في آلائه ونعمه وقدرته العظيمة التي خلق بها السماوات والأرض وما فيهما من المخلوقات المختلفة الأجناس والأنواع، من الملائكة والجن والإنس والدواب والطيور والوحوش والسباع والحشرات، وما في البحر من الأصناف المتنوعة، واختلاف الليل والنهار، وتصريف الرياح، والسحاب المسخر بين السماء والأرض، وكل هذه تدل على عظمة الخالق سبحانه، وأنه المستحق للعبودية وحده لا شريك له.

стр. 3420

مقدمة بين يدي تفسير سورة الجاثية الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الجاثية: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية:١ - ٦]. هذه السورة الخامسة والأربعون من كتاب الله وهي سورة الجاثية، وهي السورة السادسة من آل حم، وأول سور الحواميم غافر، يليها فصلت، يليها الشورى، يليها الزخرف، يليها الدخان، يليها الجاثية، يليها الأحقاف، سبع سور بدأها الله بـ (حم)، وترتيب نزولها على ترتيب ورودها في المصحف العظيم، فهذه السورة هي السادسة في نزولها من الحواميم. وتسمى بسورة الجاثية، لأن فيها ذكر يوم القيامة، قال الله : ((وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً)) والجثو: هو النزول على الركب، يكون الإنسان قد نصب قدميه واتكأ على ركبتيه كهيئة الذي يكاد أن يقع ساجداً، هذا هو الجاثي، جثا على ركبتيه، يعني: جلس جلسة الخاشع الذليل، فكذلك الأمم يوم القيامة تجثو على الركب تنتظر ما الذي يصنع بها، وتسمى أيضاً بسورة الشريعة؛ لأن الله ذكر فيها: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية:١٨]. سورة الجاثية هي سورة مكية، وفيها خصائص السور المكية من ذكر آيات الله ، من خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وتصريف الرياح، وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها، وبث فيها من كل دابة، وكل هذا يدعو الخلق إلى أن يتفكروا في آيات الله ؛ ليؤمنوا وليوقنوا وليعقلوا بما ذكر الله ، وهذه السورة فيها ذكر ما كان من تكذيب السابقين، ومن تكذيب القرشيين وأهل مكة للنبي صلوات الله وسلامه عليه، وأيضاً فيها ذكر شيء من اعتقاد هؤلاء الجهلاء من الكفار من أنهم في هذه الحياة الدنيا يموتون ويحيون وما يهلكهم إلا الدهر، ولا بعث في ظنهم، فيخبر تعالى أن هذا كذب وسترون يوم القيامة: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٨]. ثم يذكر الله الجنة وأهل الجنة وما يصيرون إليه من نعيم مقيم، ويذكر النار وأهل النار وما يصيرون إليه من عذاب أليم. آيات هذه السورة سبعة وثلاثون في العدد الكوفي، وستة وثلاثون آية عند باقي القراء، وسبب الخلاف (حم)، فعدها الكوفيون آية مستقلة، وعند غيرهم (حم) وما بعدها آية واحدة: (حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم) هذه الآية الأولى في غير المصحف الكوفي. وكلمة (حم) الحاء تمد حركتين مداً طبيعياً، والميم تمد مداً طويلاً. والحاء فيها الفتح وفيها الإمالة وفيها التقليل، الفتح قراءة الجمهور، والإمالة قراءة ابن ذكوان وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وابن خلف، والتقليل قراءة الأزرق عن ورش وأيضاً هي قراءة أبي عمرو بخلفه.

стр. 3421

تفسير قوله تعالى: (حم، تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم) قال الله تعالى: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجاثية:١ - ٢] دائماً تجد بعد ذكر فواتح السور الإشارة إلى القرآن، وفواتح السور فيها التحدي بأن هذا القرآن العظيم مكون من حروف أنتم تنطقون بها وأنتم تحفظونها، فائتوا بمثل هذا القرآن، إن كنتم تقدرون فافعلوا، ثم قال: هاتوا عشر سور مثله مفتريات، ثم قال لهم: هاتوا سورة واحدة إن كنتم تقدرون على ذلك. وهنا قال تعالى: ((تَنزِيلُ الْكِتَابِ)) أي: هذا تنزيل الكتاب، على أن قوله: ((تنزيل)) خبر، أو أن قوله: ((تَنزِيلُ)) مبتدأ، وجملة: ((مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)) الخبر. فقوله: ((تَنزِيلُ الْكِتَابِ)) فيه إشارة إلى صفة من صفات الله وهي صفة العلو؛ لأن الكتاب نزل من عنده ، جاء من عند الله العزيز الحكيم الذي هو في السماء ، كما قال تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٦ - ١٧] فله العلو ، علو الشأن وعلو القهر وعلو الذات، فهو فوق سماواته مستو على عرشه، بائن من خلقه . فالكتاب نزل من عند رب العالمين، نزل بواسطة روح القدس جبريل الأمين ﵇ على النبي صلوات الله وسلامه عليه. قال تعالى: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ذكر هنا ثلاثة من أسمائه سبحانه: (الله) وهو اسمه الأعظم ، لفظ الجلالة (الله) المعبود . ثم (العزيز) أي: الذي له العزة وله الكمال ، وهو العزيز الغالب الذي لا يغالب، الذي إذا أمر بشيء لابد وأن يكون على ما أمر به سبحانه، الذي لا يمانع، وإذا نهى عن شيء وأراد شيئاً لابد وأن يكون كما يريد . (الحكيم) أي: أنزل الكتاب بحكمته ، وجعله منجماً، وكانت الكتب قبل ذلك تنزل على الرسل مرة واحدة، والقرآن نزل إلى بيت العزة في السماء الدنيا في ليلة القدر، ونزل بعد ذلك على النبي ﷺ في ثلاث وعشرين سنة، من الله الحكيم سبحانه الذي له الحكمة البالغة، بأن جعل هذا القرآن العظيم على هذا النحو الذي نقرؤه ونحفظه ونتلوه، وجعل فيه هذه الأحكام العظيمة، وأنزله على النبي الكريم، واختاره من بين الخلق أجمعين ﵊، وجعل هذه الأحكام التي في القرآن أحكاماً في العهد المكي وأحكاماً في العهد المدني، ونسخ ما شاء من الأحكام بحكمته سبحانه، فهو الذي يحكم كل شيء ، ويحكم في كل شيء سبحانه، فهو الحكيم الذي له الحكمة، والحكيم الذي له الحكم، والحكيم الذي يخلق ويقضي، ألا له الخلق وله الأمر ، فهو الحكيم الذي لا تجد في صنعته خللاً ولا تقصيراً .

стр. 3422

تفسير قوله تعالى: (إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الجاثية:٣] كأنه يقول لخلقه: انظروا إلى السماوات والأرض، وهذه الدعوة تكررت في كتاب الله ، أي: الدعوة إلى النظر في ملكوت السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام:١١] أي: سيروا في الأرض وانظروا عاقبة الأمم السابقة، كيف صنع الله بهم، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٤] ذكرها في سورة البقرة، وكرر مثل ذلك في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠]. وقال النبي ﷺ حين نزلت عليه هذه الآية مع عشر آيات من آخر سورة آل عمران: (لقد أنزل علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ثم لم يتفكر فيها) فالمؤمن حين يقول له ربه: انظر، فلينظر إلى ما أمر الله أن ينظر فيه، وإذا أمره أن يتفكر وأن يتذكر فليتعظ وليعتبر وليتفكر كما أمره الله . وهنا يكرر هذا الشيء وهذا المعنى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الكل ينظر إلى السموات وإلى الأرض، والكل يعرف بديع هذا الخلق العظيم الذي حارت العقول في ذلك، ولكن المؤمن هو الذي يستدل أن هذا ما خلق عبثاً ولا سدى، وإنما له خالق أوجده وخلقه وأحسنه وأتقنه وأبدعه، ألا وهو الله سبحانه، وهو يصدق بما جاء من عند رب العالمين، ويصدق رسل الله عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين، فالمؤمن هو الذي ينتفع بهذه الآيات. فأنت عندما تنظر إلى السماء لن تخترق السماء الدنيا بنظرك، وإنما ترى ما تحت هذه السماء الدنيا، ومع ذلك لا تدرك جميع ما تحت هذه السماء من مليارات النجوم والمجرات، وغيرها من آيات الله ، وكلما نظر الإنسان تحير وتعجب من قدرة الخالق العظيم ، فازداد إيماناً فوق إيمانه. إذاً: هذه الآيات ينتفع بها من صدق الرسل عليهم الصلاة والسلام ومن تابعهم ومن آمن بكتب الله سبحانه.

стр. 3423

تفسير قوله تعالى: (وفي خلقكم وما يبث من دابة) قال الله تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية:٤]. قوله: ((وَفِي خَلْقِكُمْ)) أي: على الإنسان أن ينظر إلى نفسه، كيف خلقه الله ، كيف كان شيئاً صغيراً جنيناً في بطن أمه، وكان قبل ذلك نطفة وعلقة وصار هذا الإنسان هذا الخلق العظيم البديع الذي خلقه الله . كلما نظر الإنسان تعجب في خلقه، خلقة الإنسان وهو في بطن أمه كيف تكونت هذه النطفة فصارت هذا الإنسان؟! كيف تجمعت العروق في الإنسان وعملت شبكة الأوعية الدموية؟! كيف تجمعت خلايا الإنسان وتكون منها مخ هذا الإنسان؟ فأنت حين ترى الصور للجنين وهو في بطن أمه، وهو يتكون خلقاً من بعد خلق تتعجب من هذا المنظر، ثم بعد ذلك يصير هذا الإنسان الجميل على هذه الخلقة العظيمة، كل هذا يتم عن طريق التصوير للجنين في بطن أمه (بالميكروسكوبات الإلكترونية)، فتنظر إلى صورة هذا الإنسان وهو يتخلق شيئاً فشيئاً في بطن أمه، عروقه تكون عبارة عن ذرات وخلايا متناثرة تتجمع وتتجمع إلى أن تكون شبكة عجيبة جداً في جسم هذا الإنسان، وطول هذه الشبكة تزيد على أربعين كيلو، والكيلو الواحد يعتبر كثيراً جداً، كيف تجمعت هذه الخلايا داخل هذا الإنسان حتى صارت على هذا الطول؟! والإنسان عندما ينظر إلى طول جسمه كيف يكون بداخله هذه المئات والألوف من الكيلومترات من الخلايا التي لو رصت بعضها بجوار بعض رصاً لبلغت هذا الطول العظيم! كل هذه خلقها الله . خلايا كلها متشابهة كلها صورة واحدة، وتنقسم هذه الخلايا إلى أقسام، فمنها: ما يتكون منها العروق، ومنها: ما يتكون منها المخ، ومنها: ما يتكون منها القلب، ومنها: ما يتكون منها الجلد. فالمؤمن هو الذي يصدق ويؤمن ويعلم أن الذي كونه وقال له: كن فكان على هذا النسق وهذا النظام البديع الذي خلقه هو الله . قوله: ((وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثّ)) أي: أنت في خلقك نشرت فيك هذه الخلايا فصرت هذا الإنسان، وجعل هذا أبيض وهذا أحمر وهذا أسود وهذا كذا وهذا كذا، لكن هذا الإنسان الذي في أقصى الشمال مثل ذلك الإنسان الذي في أقصى الجنوب، والإنسان الذي في المكان الحار جداً، هو نفس الإنسان الذي في المكان البارد جداً، فهو سبحانه الذي خلق هؤلاء جميعهم. كذلك تعددت الألسن وتعددت اللغات وتعددت الألوان ولكن الخلقة واحدة فلا تتعجب فإنه خلق الله . قال: ((وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ)) بث بمعنى نشر ونثر وأذاع، فهو سبحانه بث في كل مكان وأوجد خلقاً من الخلق منها ما نعرفه ومنها ما لا نعرفه. قال: ((آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)) أي: آيات للذي عنده يقين وعنده إيمان واعتقاد ثابت بالله . فالإيمان هو التصديق، واليقين أشد هذا التصديق، كأنه يرى هذا الغيب ماثلاً أمامه. فقوله: ((آيات)) قراءة الجمهور بالضم فيها، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب: ((آياتٍ)) بالكسر، كأنها على العطف على ما قبلها. ﴿إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ﴾ [الجاثية:٣] كذلك هنا: ((وما يبث من دابة آياتٍ لقوم يوقنون)).

стр. 3424

تفسير قوله تعالى: (واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق) قال الله تعالى: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية:٥] كذلك قوله: ((آيات)) قراءة الجمهور بالضم، وقرأها حمزة والكسائي ويعقوب: ((آياتٍ)) بالكسر. أي: اختلاف الليل والنهار من آيات الله، فالليل يأتي في وقته والنهار يأتي في وقته، يزيد هذا وينقص هذا، واليوم أربعة وعشرون ساعة، يزيد الله في الليل ما يشاء وينقص من النهار بقدره، ويزيد في النهار ما يشاء، وينقص من الليل بقدره، تتعاقب عليكم فصول العام هذا شتاء وهذا صيف وهذا خريف وهذا ربيع، في كل سنة أربعة فصول تتكرر على العباد، الليل هو الليل والنهار هو النهار يزيد الله ما يشاء ويقلل وينقص فيما يشاء، ويجعل لنا ذلك آية من الآيات. إذاً: الإنسان يتفكر كيف أن هذا الليل يطول ويقصر وهذا النهار كذلك، وهذا الليل أسود بهيم وهذا النهار مشرق مضيء، وهذا الليل يكون بارداً وهذا النهار يكون حاراً، وهذا فيه كذا وهذا فيه كذا، آيات من آيات الله ، فمن آياته أن جعل لكم الليل نوماً وسباتاً وسكناً، وجعل النهار لكم معاشاً وحياة ورحمة ورزقاً، كل هذا من آيات الله . قوله: ((وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ)) أي: ما أنزله لكم من المطر من السماء فيكون سبباً لأرزاقكم، يحيي به الأرض بعد موتها، ويغيثكم الله ويحييكم به . وخلق كل دابة من ماء، فأنزل الماء من السماء ليحيي به العباد. قوله: ((فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)) أي: كانت يابسة جامدة فنزل عليها الماء و ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج:٥] ثم قال: ((وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)) أي: أن الله تعالى صرف الرياح وأرسل هذه شمالاً وهذه جنوباً وهذه شرقاً وهذه غرباً، ويسوق بها السحاب، ويحمل بها ما يشاء ويلقح بها الأشجار، ويخرج لكم ما يشاء سبحانه من خلقه، وهذه الرياح يجعلها عقيماً على قوم ويجعلها مرسلة بالرحمة على قوم آخرين، ويجعلها عذاباً على قوم ويجعلها رحمة لآخرين. قوله: ((الرِّيَاحِ)) قرأها الجمهور بالجمع، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بالإفراد: ((الريح)). إذاً: الله يصرف الرياح ويرسلها بما يشاء، وكان النبي ﷺ إذا هاجت الريح ورأى في السماء سحابات سوداء فزع ﷺ ، تقول السيدة عائشة: (كان يدخل ويخرج ويتغير وجهه ﷺ فإذا أمطرت السماء سري عنه صلوات الله وسلامه عليه، فسألت النبي ﷺ عن ذلك: أنه إذا رأى الرياح هاجت وإذا رأى سحابات السماء سوداء يتغير صلوات الله وسلامه عليه، فقال: وما يؤمنني يا عائشة؟ قد رأى قوم الريح فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف:٢٤] فكانت عذاباً من الله عليهم)، وهم قوم عاد. فلذلك كان النبي ﷺ إذا أمطرت السماء سري عنه ﵊. وكان ﷺ إذا هاجت الريح يسأل الله من خيرها ويتعوذ بالله من شرها. قال سبحانه في هذه الآيات: ((آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)) أي: يفهمون ويتدبرون ويعقلون عن الله ما يقوله لهم.

стр. 3425

تفسير قوله تعالى: (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق) قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [البقرة:٢٥٢] أي: هذا القرآن العظيم يشتمل على آيات. قوله: ((نَتْلُوهَا عَلَيْكَ)) أي: نقصها عليك ويقرؤها عليك جبريل تلاوة ليعلمك، ((بالحق)) أي: هذه الآيات متلبسة بالحق. إذاً: نزل هذا الكتاب من السماء متلبساً بالحق، ويتلوه عليك جبريل بالحق، ويشتمل هذا القرآن على الحق. قوله: ((فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ)) أي: إذا لم يصدقوا كلام رب العالمين فماذا سيصدقون قوله: ((فبأي حديث)) وهذه قراءة الجمهور بالهمزة. وقرأ الأصبهاني عن ورش وقرأ حمزة وقفاً: ((فبيي)). وقوله: ((يؤمنون)) قراءة الجمهور بالياء، وقرأها ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف ورويس عن يعقوب: (تؤمنون) بالتاء على الخطاب. فالله يقول لهؤلاء الكفار: إذا لم تؤمنوا ولم تتفكروا ولم تعقلوا ولم تستيقنوا بهذه الآيات التي جاءت من عند الله بالحق، فبأي شيء ستؤمنون؟! فهذا خطاب لهؤلاء الذين يعقلون والذين يتفكرون: انظروا هل هذه الآيات التي جاءت من عند الله تدلكم على الله سبحانه أو هذه الأصنام التي تعبدونها؟! وأنتم تعرفون أن هذه الأصنام التي تدعونها من دون الله، لا تنفع ولا تضر، فكيف تعبدونها من دون الله؟! أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3426

تفسير سورة الجاثية [٦ - ١٣] يذكر الله بعض آياته ونعمه على عباده، ونعم الله كثيرة لا تحصى، ومن العجيب أن يكفر الإنسان بالله ويجحد نعمه سبحانه، وقد توعد الله هؤلاء الكافرين بشتى أنواع العذاب، ولن تغني عنهم معبوداتهم شيئاً من الله تعالى إن أراد أن يهلكهم أو يعذبهم جزاء ما فعلوا وما اقترفوا من آثام.

стр. 3427

تفسير قوله تعالى: (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الجاثية: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ * وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [الجاثية:٦ - ١١]. يخبر الله سبحانه ﵎ في هذه الآيات وما قبلها عن هذا القرآن العظيم الذي نزله من عنده سبحانه وقال: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجاثية:٢]. ثم يخبر عن آيات الله سبحانه في السموات وفي الأرض: ﴿إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية:٣ - ٥]. هذا الذي ذكر الله من آيات الله العظيمة هي بعضٌ من آيات الله في الكون التي أمرنا أن نتفكر فيها وأن نعقلها وأن نتدبرها وأن نستدل بها على قدرته سبحانه، وأنه وحده الذي يستحق العبادة دون غيره. فقوله تعالى: ((تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ)) أي: هذه الآيات العظيمة التي أشرنا إليها. وقوله تعالى: ((نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ)) أي: التلاوة حق، والتلاوة مشتملة على الحق، والتلاوة متلبسة بالحق. ((فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ)) فبأي حديث إذا لم تؤمنوا بهذا الكلام الحق المعجز من عند رب العالمين تؤمنون؟ أي كلام وأي حديث بعد هذا الكلام العظيم يجعلكم تؤمنون؟! والمعنى: أن من لم يؤمن بهذا فلا ينتظر منه أن يؤمن بشيء آخر.

стр. 3428

تفسير قوله تعالى: (ويل لكل أفاك أثيم أولئك لهم عذاب مهين) قال سبحانه: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الجاثية:٧] ويل عذاب أليم، أو واد في قعر جهنم لكل أفاك، والأفاك من الإفك، والإفك: أعظم وأشنع الكذب والافتراء، وذلك حين يتحدث الإنسان فيكذب ثم يفتري على غيره فيأفك، فهذا الأفاك يبهت غيره ويفتري عليه بما يجعل هذا الذي يسمع يتعجب مما يقوله؛ لأنه كذب عظيم جداً؛ ولذلك ربنا سبحانه يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١] والإفك: أعظم الكذب، كذبوا وافتروا على السيدة عائشة كذباً عظيماً شنيعاً بشعاً يجعل من يسمعه لا يتخيل أنه يوجد إنسان يقول مثل هذا الكلام الكذب والكلام الإفك. فويل لهذا الأفاك، وأعظم ما يكون الافتراء على الله ، وذلك حين يقول الإنسان: الله قال: كذا، والله لم يقل ذلك أصلاً فيفتري على الله سبحانه هذا الإفك، فالأفاك يعني: الكذاب العظيم من الكذب والافتراء، وإن كان الناس غيروا هذه الكلمة إلى أفاق، وهذا خطأ في اللغة، فالأفاق من الآفاق، يقال: آفاقي يعني أتى من الآفاق من بعيد، لكن الأفاك: الكذاب المفتري الأثيم الذي يختلق الشيء وهو غير موجود. قال سبحانه: ((وَيْلٌ)) أي: عذاب أليم لكل إنسان عظيم الكذب يكذب على الخلق ويكذب على الخالق سبحانه. وقوله تعالى: ((أَفَّاكٍ أَثِيمٍ)) أي: مكتسب للإثم بما يصنع وبما يقول. هذا الأفاك الأثيم من صفاته: ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الجاثية:٨]. فقوله تعالى: ((يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ)) أي: يقرأ النبي ﷺ عليه القرآن ويدعوه إلى الله . قال: ((ثُمَّ يُصِرُّ)) أي: يعاند وكأنه لم يسمع شيئاً. يقال له: ما الذي سمعت؟ يقول: لم أسمع شيئاً. ما الذي فهمت؟ يقول: لم أفهم شيئاً، يقول: هذا مجنون. فيفترون على النبي ﷺ ويفترون على الله سبحانه ﵎، ويكذبون، فويل لهذا الكذاب، الذي يجعل نفسه كأنه لم يسمع شيئاً ولم يعلم شيئاً، فإذا سمع آيات الله وهي تتلى عليه يصر ويعاند ويبقى على ما هو فيه من كفر متعظماً في نفسه. فقوله تعالى: ((يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا)) يعني: كأنه في نفسه أعظم من أن يقبل هذا الكلام أو يدخل في هذا الدين العظيم. فقوله: ((كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا)) كأنه لم يسمع هذه الآيات. فقال الله تعالى: ((فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)) والأصل في البشارة: الإخبار بشيء مغيب قد يسر وقد يسوء، لكن الغالب في اللغة: أنه لا تطلق البشارة إلا على الخبر الذي يسعد ويسر، إلا أن تأتي مقيدة بشيء بعدها فتدل على العكس في ذلك. فهنا يتنزل هذا المعنى على وجهين: فبشر هذا الإنسان الذي تهكم واستهزأ بمصيبة سوداء ستحل به؛ لأنه مكذب بآيات الله. فالله سبحانه يسخر من هذا الإنسان؛ لأنه يسخر من آيات الله، أو على أصل معنى البشارة، بمعنى: الإخبار بما غاب عنك بما يغير بشرتك، فالتبشير: إخبار بالشيء الذي يغير بشرة جلد الإنسان، فالإنسان حين يخبر بالشيء الذي يسره يضحك وتتغير بشرته، ويحمر وجهه، ويتورد وتظهر عليه آثار الانبساط والسرور، فبشرة الإنسان تتغير بالشيء الذي يسر الإنسان. والعكس كذلك إذا أخبر بما يسوءه ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل:٥٨]. إذا أخبر الإنسان بمصيبة ستحدث له يخاف ويتضايق وينزعج ويظهر على تباشير وجهه هذا الأثر، كأن البشارة الإخبار بما يغير هيئة بشرة الإنسان ووجهه، فكأن الله يقول له: انتظر ما يسوءك من عذاب أليم. فقوله تعالى: ((فَبَشِّرْهُ)) أي: أخبره بما سيسوءه بعد ذلك من عذاب مؤلم موجع. ومن صفات الأفاك: ((وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا)) أي: إذا علم وعرف أن كلام رب العالمين حقيقي اتخذه هزوا. فقوله تعالى: ((اتَّخَذَهَا هُزُوًا)) تقرأ بالواو، يقرأها حفص فقط عن عاصم. وباقي القراء كلهم يقرءونها بالهمزة على أصلها (هزءاً) ما عدا حمزة فيسكن الهمز إذا وقف عليها ويقول: (هزء). فالقراءة الأخرى: (إذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزءا) أي: يستهزئ بكلام رب العالمين سبحانه. قال تعالى: ((أُوْلَئِكَ)) المكذبون الأفاكون ((لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ)). إذاً: له عذاب أليم مؤلم موجع، وله عذاب يهينه؛ لأنه أهان كلام الله، وأهان رسل الله عليهم الصلاة والسلام، فاستحق الهوان واستحق الإهانة يوم القيامة، وأن يحقره الله . ولذلك يرى الكافر يوم القيامة في نار جهنم وهو أحقر من الذر مثل أصغر من النمل، والكفار ينادون ربهم سبحانه كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت:٢٩] أي: ندوس عليهم بأقدامنا الذين أضلونا في الدنيا، هذا تحقير لهم وإهانة لهم في نار جهنم والعياذ بالله، فهم اتخذوا آيات الله هزواً فاستحقوا أن يهينهم الله في الدنيا وفي الآخرة.

стр. 3429

تفسير قوله تعالى: (من ورائهم جهنم) قال الله تعالى: ((مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ)) الوراء: الغيب، يعني: الذي يغيب عن الإنسان حتى وإن كان أمامه ((مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ)) فتأتي كلمة وراء بمعنى: خلف، وبمعنى: ما غاب عنك وهو أمامك، فهنا المعنى: من قدامهم، يعني: سيقدمون على جهنم؛ ولكونها غيباً لا يرونها فهي من وراء الغيوب، ومن وراء ما لا يرونه، فجهنم من ورائهم. ومنه: قول الله في سورة الكهف عن أصحاب السفينة: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف:٧٩] فهو لا يجري وراءهم، بل هو أمامهم، يعني: سيقدمون على الشط في الجهة الثانية فإذا وصلوا فإنهم سيجدون ملكاً يأخذ منهم هذه السفينة، فلما كانوا لا يرون هذا الملك ولم يعرفوا ما الذي ينتظرهم، فكأن وراءهم شيء مغيب عنهم. فقوله تعالى: ((وَكَانَ وَرَاءَهُمْ)) [الكهف:٧٩] أي: قدامهم، ولكن لا يرون ولا يعرفون، فأرسل الله الخضر حتى يأخذ لوحاً من السفينة فتظهر أنها فاسدة معطلة، فإذا وصلوا يكون قد دخلها قليلاً من الماء، فيتركها الملك؛ لأنها لا تصلح أن تكون من أسطوله، وبقيت لهؤلاء المساكين. فكلمة وراء تأتي بمعنى: خلف لما غاب عنك وهو وراؤك، وتأتي بمعنى ما هو أمامك، ولكنك لا تراه، فهو غيب مغيب عنك، فكذلك: ((مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ)) أي: سيقدمون عليها أمامهم بعد أن يموتوا، وسيرون هذا العذاب في نار جهنم المستعرة. وقال تعالى: ((وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ)) أي: ولا يغني عنهم ما كسبوا من الله شيئاً، ولا يوجد يوم القيامة فداء ولا دفع إلا الحسنات والسيئات، والجزاء بما عمل الإنسان يوم القيامة، ولا يغني عنهم كل ما كسبوه في الدنيا. هذا لو فرض أنه معهم، ولكن يوم القيامة ليس مع الإنسان شيء، فهذا الذي كسبوه لو قدموه كله وهو معهم لا يغني عنهم ولو شيئاً يسيراً من عذاب الله سبحانه. وقوله تعالى: ((وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ)) أي: ولا يغني عنهم شيئاً هؤلاء الذين اتخذوهم من دون الله أولياء، والولي: القريب والحميم والناصر والمدافع، فكل من اتخذوهم في الدنيا أحزاباً تدافع عنهم وتناصرهم لا تغني عنهم يوم القيامة، وكل من عبدوه من دون الله سبحانه ﵎ لا يغني عنهم من دون الله شيئاً. وقوله تعالى: ((مِنْ دُونِ اللَّهِ)) أي: كل ما هو غير الله من أوثان وأصنام وتماثيل، فكل ما عبد من دون الله لا يغني عن أصحابه شيئاً من الله. قال تعالى: ((وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)) أي: لهم أشد العذاب، وانظر للتنوع، (لهم عذاب أليم)، (لهم عذاب مهين)، (لهم عذاب عظيم) بسبب شناعة الذي صنعوه، فاستحقوا كل هذه الأنواع من العذاب.

стр. 3430

تفسير قوله تعالى: (هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم) قال تعالى: ﴿هَذَا هُدى﴾ [الجاثية:١١] أي: هذا القرآن وهذا الذي جاء من عند رب العالمين هدى هداية ودلالة وحجة من الله يدل بها المؤمن على الطريق الصحيح، فيهتدي بها الإنسان، فيستحق من الله الإعانة في الدنيا وفي الآخرة. وقوله تعالى: ((هَذَا هُدًى)) يعني: من الله. وقال الله تعالى: ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ)) هذا وصف رابع لعذاب هؤلاء الذي ذكره الله : (عذاب أليم)، (عذاب مهين)، (عذاب عظيم)، (عذاب من رجز أليم). فقوله تعالى: ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ)) أي: بحجج الله سبحانه، وبما نزل من عنده. وقوله تعالى: ((لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ)) أي: لهم عذاب من أشد أنواع العذاب وهو الرجز، لهم عذاب من أشد ما يسوءهم من عذاب من عند الله . قراءة الجمهور: ((مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ)) وصف للعذاب، يعني عذابُ أليمٌ من رجز من أشد أنواع العذاب. وقراءة ابن كثير وحفص عن عاصم ويعقوب: ((لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ)) وباقي القراء: (من رجز أليمٍ).

стр. 3431

تفسير قوله تعالى: (الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك بأمره) قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الجاثية:١٢] ذكر لنا في أول السورة بعضاً من نعم الله ومن آياته ، فأخبرنا أنه سخر الشمس والقمر، وخلق الليل والنهار، وسخر الرياح، وصرف الرياح، وأرسل السحاب سبحانه، وأنزل الرزق من السماء، كل هذه آيات من آيات الله سبحانه. وفي خلقكم آية من آيات الله سبحانه، كذلك من آياته: ((اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ)). الله الذي يستحق العبادة وحده، فهو الذي سخر، وهو الرب الذي يفعل ذلك، فهو الرب الفاعل الذي يفعل، والصانع الذي يصنع، والمألوه المعبود الذي يستحق العبادة، فيجمع بين الاثنين: بين توحيد ألوهيته أنه مستحق لأن يؤله ويعبد، وتوحيد ربوبيته أنه الفاعل وحده لا أحد معه يصنع ذلك. وسخر الشيء بمعنى: ذلله ويسره، وسيره، وكلفه بأن يفعل كذا، فالله سخر لكم البحر، وجعله تحت تصرفاتكم، فتتصرفون فيه، وتركبون عليه، وتسبحون فيه، وتغوصون بداخله، وتأخذون من خيراته. وقوله تعالى: ((لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ)) أي: لتجري السفن في البحر بأمره ليس بأمركم أنتم، فالإنسان حين يتطاول على ربه سبحانه يريه الله آياته. هذا مركب غرق وعليه ألف وأربعمائة شخص، لم ينج منهم إلا القليل، فالذي سخر البحر الله، وعندما يتطاول العبد على الله يريه الله آياته، وانظر إلى أعجب سفينة كانوا قد صنعوها (تايتنك) وقصتها معروفة لدى الجميع، وقد صنعوا لها مسلسلات أو روايات تلفزيونية وغيرها، ومعنى (تايتنك): الخارقة، والمعجزة، والجبارة، يعني السفينة القاهرة التي لا تقهر، فقد تحدوا الله ، وأغنى أغنياء العالم ركبوا في هذه السفينة، ومن غرور صاحب هذه السفينة أنه لم يضع فيها قوارب نجاة، وأمر ربان السفينة أن يجري بها على أقصى سرعة ليرى الناس عظمة هذه السفينة، وضخامة حجمها، وكل من عليها من أصحاب الملايين، جرت اصطدمت بجبل وانقسمت نصفين وغرقت بمن عليها! قالوا: كان من الممكن نجاة من عليها لو كان عليها قوارب نجاة، واستمرت خمس ساعات وهي تغرق، فلو كان هناك قوارب نجاة لنزل الناس منها ونجا من عليها، ولكن غرور أهلها جعهلم يقولون: هذه السفينة لا تقهر، فقهرها الله أول ما نزلت في البحر، واصطدمت وانشطرت وغرق كل من فيها، وربان هذه السفينة كان بإمكانه أن يعوم، ولكنه فضل أن يغرق مع السفينة لئلا يفضح عندما ينجو. فقوله تعالى: ((اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ)) أي: بأمر الله تجري وتسير وتقف، ولا يحدث فيها شيء إلا بأمر الله . وقوله تعالى: ((الْفُلْكُ)) أي: السفن في البحر بأمر الله، وقوله: ((وَلِتَبْتَغُوا)) أي: لتطلبوا من فضل الله سبحانه. فقوله: ((مِنْ فَضْلِهِ)) أي: بالأخذ من هذا الماء، وبالتجارة في البلاد، وبالغوص وإخراج اللؤلؤ والمرجان والمعادن داخل البحار والبترول وغيرها، وفضل الله عظيم سبحانه. قال تعالى: ((وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) أي: حين تجدون نعم الله ورزقه سبحانه، فيمكن أن تشكروا الله وتتفكروا في آياته وترجعوا إليه فتعبدوه سبحانه.

стр. 3432

تفسير قوله تعالى: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض) قال الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣] أي: منه ليس منكم أنتم، فلستم أنتم الذين أنزلتم المطر من السماء، ولا أنتم الذين أرسلتم الرياح يسخر بها السحاب، ولا أنتم الذين زرعتم هذه الأشجار فخرجت منها الثمار، إنما الصانع الله . هذا خلق الله سبحانه وآيات من آياته في البر، وآيات في البحر، وآيات في السماء، وآيات في الأرض، فالله سبحانه سخر وذلل ويسر لكم ما في السموات وما في الأرض. وسخر الله نجوماً في السماء وسخر الشمس والقمر لتعرفوا بها الليل من النهار، وتأخذوا الدفء في النهار، وتستريحوا تناموا في ظلمة الليل، وسخر الشمس والقمر، وسخر النجوم لتهتدوا بها وجعلها زينة للسماء، قال تعالى: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦] فقوله تعالى: ((وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)) من أشياء ((جَمِيعًا)) أي: كلها نعم من الله سبحانه. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. الذي يتفكر في هذه الآيات يعلم أنها من الله ، وأنه وحده الذي يستحق أن يعبد ولا يكفر، أن يشكر ولا يجحد ، وأن يذكر ولا ينسى. فاذكروا الله يذكركم، واشكروه يغفر لكم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3433

تفسير سورة الجاثية الآية [١٤] مؤامرة أهل الكفر والإلحاد على المسلمين مستمرة حتى قيام الساعة، والمسلمون إن تمسكوا بدينهم وطبقوا شرع الله في خلقه عزوا وسادوا، وإن خالفوا دينهم ورجعوا إلى حكم الديمقراطية وغيرها من القوانين الوضعية، أذلهم الله، وسلط عليهم من يستبيح بيضتهم ويذيقهم أنواع النكال، حتى يرجعوا إلى دينهم.

стр. 3434

تفسير قوله تعالى: (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الجاثية: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الجاثية:١٤ - ١٧]. لما ذكر الله في الآيات السابقة في هذه السورة شيئاً من قدرته سبحانه وبديع خلقه، في السموات وفي الأرض وفي الرياح وفي الرزق الذي يعطيه العباد، وفي أنفسهم وفي البر وفي البحر، وغير ذلك من الآيات في السموات وفي الأرض، أخبر أنه سخر ذلك كله جميعاً منه ، وذلك فيه آيات لقوم يتفكرون في هذه المخلوقات فيعرفون قدرة الخالق . ذكر الله ذلك ليبين قدرته أنه على كل شيء قدير، ومع قدرته العظيمة جعل عباده منهم المؤمن ومنهم الكافر، ومع قدرته على الجميع سبحانه ابتلى هؤلاء بهؤلاء، ابتلى المؤمنين بالكفار، وأمر المؤمنين أن يدعو إلى الله ، والكافرون يعرضون ويجحدون ويكذبون، بل ويتسافهون بالقول على المؤمنين.

стр. 3435

سبب نزول قول الله تعالى (قل للذين آمنوا يغفروا الآية) وهذه السورة كما ذكرنا سورة مكية، قيل: إلا هذه الآية: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية:١٤]. قيل في سبب نزولها: إنها نزلت في عمر ﵁ في المدينة، وقيل: بل في مكة، حيث إن عمر ﵁ سمع رجلاً من قريش يشتم النبي ﷺ فهم أن يبطش به ﵁، فنزل قول الله : ((قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ)). وقيل: بل في المدينة في غزوة بني المصطلق، إذ كان النبي ﷺ في مكان، وعبد الله بن أبي بن سلول المنافق كان في المكان نفسه وأرسل غلاماً له يستقي له من الماء، فلما وصل إلى مكان الماء تأخر على سيده عبد الله بن أبي بن سلول، فسأله عبد الله بن أبي عن سبب تأخره، فقال: كان هناك على الماء غلام عمر ﵁ أبى أن نسقي حتى يملأ للنبي ﷺ ويملأ لـ عمر ﵁، فتغيظ هذا الرجل المنافق وقال: ما هذا إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، يشتم النبي ﷺ وأصحابه، يعني: جاءوا لنا فقراء من مكة لا يجدون شيئاً، والآن في المدينة يسابقوننا ويسقون قبلنا ويأخذون أشياءنا! فلما قال ذلك ووصل الخبر إلى عمر ﵁ أراد أن يقتل عبد الله بن أبي بن سلول؛ لكونه يشتم النبي صلوات الله وسلامه عليه وكاد يفعل، فأنزل الله : ((قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ)) وعلى كونها مكية قيل: هي منسوخة، وعلى كونها مدنية قيل: أيضاً إنها منسوخة، نسختها آية السيف، وذلك حين أمر الله بالجهاد، قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة:٥] فأمر الله المؤمنين بجهاد الكافرين، فقالوا: هذه الآية نسخت كل ما كان فيه من موادعة مع الكفار ومن متاركة وتفويت لهم، فقوله تعالى: ((قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا)) يعني: يتركونهم كأنهم لم يسمعوا ما قالوه، وقيل: بل إذا كان يرجى من هؤلاء الإسلام فيتجاوز عنهم ليدعوا إلى الله ، وهذا المعنى صحيح، ولا ينافيه أن يكون الأمر بعموم ما نزل بعد ذلك، وهو أمر الله المبين بأن يقاتلوا المشركين وأن يجاهدوهم في كل مكان. فقال الله تعالى: ((قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا)) فالإنسان إذا دعا إنساناً قد يكون هذا المدعو يجادل بحق ويجادل بباطل، ولكن يرجى منه خير، فيجادل ويفوت عليه شيء، ويتنزل معه في مقام المناظرة. كما فعل إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما كان يدعو عباد الكواكب إلى الله وقال: هذا ربي، ومستحيل أن إبراهيم يشرك بالله ويقول: الكوكب ربي، ولكن مقام المناظرة مع هؤلاء يجعله يقول لهم: هذا ربي بزعمكم أنتم؛ لأنكم تعبدون الكواكب، قال تعالى: ﴿هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٦] أي: لا يصلح أن يكون رباً. إذاً: هذا المقام مقام مناظرة وليس مقام نظر، فمقام النظر: هو أن الإنسان يتحير ويفكر هل هذا هو الرب أم لا؟ فهو متشكك، هذا مقام النظر، ومستحيل أن يكون إبراهيم في هذا المجال أو هذا المقام، إنما المقام مقام مناظرة، وإبراهيم مستيقن ما يقول، ولكن يجادل الخصم ويقول له: فرضنا جدلاً أن الذي تقوله أنت صحيح، فإبراهيم يقول: هذا ربي بزعمهم ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام:٧٦ - ٧٧]. فلما غاب القمر وظهرت لهم الشمس ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ [الأنعام:٧٨] هذا أكبر شيء تزعمون أنه رب ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٧٨] أي: الذي تقولونه هذا كله هجس، وكله عبادة فارغة وليست عبادة حقيقية، وأنا بريء من هذا الشرك الذي أنتم تشركونه، فظهرت حقيقة مناظرة إبراهيم لهؤلاء، أنه ما كان يناظر ليصل هو إلى شيء، ولكن يريد أن يوصلهم إلى ما هو فيه من عبادة الله . فإذا كان هناك مؤمن يدعو إلى الله ويدعو إنساناً كافراً لا يتوقع أنه مجرد ما يقول له: قل: لا إله إلا الله، سيقول: لا إله إلا الله، ويدخل في الدين؛ لأن الكفار كذبوا النبي ﷺ وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] فقيل للمؤمنين: اصبروا على هؤلاء واتركوهم، واسمعوا منهم وادعوهم إلى الله ، بل وقال للمؤمنين: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨] إذاً: المؤمن يتأدب في دعوته، فإذا جادل ودعا إلى الله لا يصل الأمر إلى أن يشتم آلهة هؤلاء، فقد يشتمونه ويشتمون دينه، إذاً: تأدب أنت حتى يعاملك هو أيضاً بهذه الصورة، فإذا كنت ترجو من إنسان خيراً لتدعوه إلى الله فاصبر في وقت الدعوة إليه.
следующие страницы →