Полный текст (3 717 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.
стр. 3431
تفسير قوله تعالى: (الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك بأمره)
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الجاثية:١٢] ذكر لنا في أول السورة بعضاً من نعم الله ومن آياته ، فأخبرنا أنه سخر الشمس والقمر، وخلق الليل والنهار، وسخر الرياح، وصرف الرياح، وأرسل السحاب سبحانه، وأنزل الرزق من السماء، كل هذه آيات من آيات الله سبحانه.
وفي خلقكم آية من آيات الله سبحانه، كذلك من آياته: ((اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ)).
الله الذي يستحق العبادة وحده، فهو الذي سخر، وهو الرب الذي يفعل ذلك، فهو الرب الفاعل الذي يفعل، والصانع الذي يصنع، والمألوه المعبود الذي يستحق العبادة، فيجمع بين الاثنين: بين توحيد ألوهيته أنه مستحق لأن يؤله ويعبد، وتوحيد ربوبيته أنه الفاعل وحده لا أحد معه يصنع ذلك.
وسخر الشيء بمعنى: ذلله ويسره، وسيره، وكلفه بأن يفعل كذا، فالله سخر لكم البحر، وجعله تحت تصرفاتكم، فتتصرفون فيه، وتركبون عليه، وتسبحون فيه، وتغوصون بداخله، وتأخذون من خيراته.
وقوله تعالى: ((لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ)) أي: لتجري السفن في البحر بأمره ليس بأمركم أنتم، فالإنسان حين يتطاول على ربه سبحانه يريه الله آياته.
هذا مركب غرق وعليه ألف وأربعمائة شخص، لم ينج منهم إلا القليل، فالذي سخر البحر الله، وعندما يتطاول العبد على الله يريه الله آياته، وانظر إلى أعجب سفينة كانوا قد صنعوها (تايتنك) وقصتها معروفة لدى الجميع، وقد صنعوا لها مسلسلات أو روايات تلفزيونية وغيرها، ومعنى (تايتنك): الخارقة، والمعجزة، والجبارة، يعني السفينة القاهرة التي لا تقهر، فقد تحدوا الله ، وأغنى أغنياء العالم ركبوا في هذه السفينة، ومن غرور صاحب هذه السفينة أنه لم يضع فيها قوارب نجاة، وأمر ربان السفينة أن يجري بها على أقصى سرعة ليرى الناس عظمة هذه السفينة، وضخامة حجمها، وكل من عليها من أصحاب الملايين، جرت اصطدمت بجبل وانقسمت نصفين وغرقت بمن عليها! قالوا: كان من الممكن نجاة من عليها لو كان عليها قوارب نجاة، واستمرت خمس ساعات وهي تغرق، فلو كان هناك قوارب نجاة لنزل الناس منها ونجا من عليها، ولكن غرور أهلها جعهلم يقولون: هذه السفينة لا تقهر، فقهرها الله أول ما نزلت في البحر، واصطدمت وانشطرت وغرق كل من فيها، وربان هذه السفينة كان بإمكانه أن يعوم، ولكنه فضل أن يغرق مع السفينة لئلا يفضح عندما ينجو.
فقوله تعالى: ((اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ)) أي: بأمر الله تجري وتسير وتقف، ولا يحدث فيها شيء إلا بأمر الله .
وقوله تعالى: ((الْفُلْكُ)) أي: السفن في البحر بأمر الله، وقوله: ((وَلِتَبْتَغُوا)) أي: لتطلبوا من فضل الله سبحانه.
فقوله: ((مِنْ فَضْلِهِ)) أي: بالأخذ من هذا الماء، وبالتجارة في البلاد، وبالغوص وإخراج اللؤلؤ والمرجان والمعادن داخل البحار والبترول وغيرها، وفضل الله عظيم سبحانه.
قال تعالى: ((وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) أي: حين تجدون نعم الله ورزقه سبحانه، فيمكن أن تشكروا الله وتتفكروا في آياته وترجعوا إليه فتعبدوه سبحانه.
стр. 3432
تفسير قوله تعالى: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض)
قال الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣] أي: منه ليس منكم أنتم، فلستم أنتم الذين أنزلتم المطر من السماء، ولا أنتم الذين أرسلتم الرياح يسخر بها السحاب، ولا أنتم الذين زرعتم هذه الأشجار فخرجت منها الثمار، إنما الصانع الله .
هذا خلق الله سبحانه وآيات من آياته في البر، وآيات في البحر، وآيات في السماء، وآيات في الأرض، فالله سبحانه سخر وذلل ويسر لكم ما في السموات وما في الأرض.
وسخر الله نجوماً في السماء وسخر الشمس والقمر لتعرفوا بها الليل من النهار، وتأخذوا الدفء في النهار، وتستريحوا تناموا في ظلمة الليل، وسخر الشمس والقمر، وسخر النجوم لتهتدوا بها وجعلها زينة للسماء، قال تعالى: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦] فقوله تعالى: ((وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)) من أشياء ((جَمِيعًا)) أي: كلها نعم من الله سبحانه.
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
الذي يتفكر في هذه الآيات يعلم أنها من الله ، وأنه وحده الذي يستحق أن يعبد ولا يكفر، أن يشكر ولا يجحد ، وأن يذكر ولا ينسى.
فاذكروا الله يذكركم، واشكروه يغفر لكم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3433
تفسير سورة الجاثية الآية [١٤]
مؤامرة أهل الكفر والإلحاد على المسلمين مستمرة حتى قيام الساعة، والمسلمون إن تمسكوا بدينهم وطبقوا شرع الله في خلقه عزوا وسادوا، وإن خالفوا دينهم ورجعوا إلى حكم الديمقراطية وغيرها من القوانين الوضعية، أذلهم الله، وسلط عليهم من يستبيح بيضتهم ويذيقهم أنواع النكال، حتى يرجعوا إلى دينهم.
стр. 3434
تفسير قوله تعالى: (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الجاثية: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الجاثية:١٤ - ١٧].
لما ذكر الله في الآيات السابقة في هذه السورة شيئاً من قدرته سبحانه وبديع خلقه، في السموات وفي الأرض وفي الرياح وفي الرزق الذي يعطيه العباد، وفي أنفسهم وفي البر وفي البحر، وغير ذلك من الآيات في السموات وفي الأرض، أخبر أنه سخر ذلك كله جميعاً منه ، وذلك فيه آيات لقوم يتفكرون في هذه المخلوقات فيعرفون قدرة الخالق .
ذكر الله ذلك ليبين قدرته أنه على كل شيء قدير، ومع قدرته العظيمة جعل عباده منهم المؤمن ومنهم الكافر، ومع قدرته على الجميع سبحانه ابتلى هؤلاء بهؤلاء، ابتلى المؤمنين بالكفار، وأمر المؤمنين أن يدعو إلى الله ، والكافرون يعرضون ويجحدون ويكذبون، بل ويتسافهون بالقول على المؤمنين.
стр. 3435
سبب نزول قول الله تعالى (قل للذين آمنوا يغفروا الآية)
وهذه السورة كما ذكرنا سورة مكية، قيل: إلا هذه الآية: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية:١٤].
قيل في سبب نزولها: إنها نزلت في عمر ﵁ في المدينة، وقيل: بل في مكة، حيث إن عمر ﵁ سمع رجلاً من قريش يشتم النبي ﷺ فهم أن يبطش به ﵁، فنزل قول الله : ((قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ)).
وقيل: بل في المدينة في غزوة بني المصطلق، إذ كان النبي ﷺ في مكان، وعبد الله بن أبي بن سلول المنافق كان في المكان نفسه وأرسل غلاماً له يستقي له من الماء، فلما وصل إلى مكان الماء تأخر على سيده عبد الله بن أبي بن سلول، فسأله عبد الله بن أبي عن سبب تأخره، فقال: كان هناك على الماء غلام عمر ﵁ أبى أن نسقي حتى يملأ للنبي ﷺ ويملأ لـ عمر ﵁، فتغيظ هذا الرجل المنافق وقال: ما هذا إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، يشتم النبي ﷺ وأصحابه، يعني: جاءوا لنا فقراء من مكة لا يجدون شيئاً، والآن في المدينة يسابقوننا ويسقون قبلنا ويأخذون أشياءنا! فلما قال ذلك ووصل الخبر إلى عمر ﵁ أراد أن يقتل عبد الله بن أبي بن سلول؛ لكونه يشتم النبي صلوات الله وسلامه عليه وكاد يفعل، فأنزل الله : ((قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ)) وعلى كونها مكية قيل: هي منسوخة، وعلى كونها مدنية قيل: أيضاً إنها منسوخة، نسختها آية السيف، وذلك حين أمر الله بالجهاد، قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة:٥] فأمر الله المؤمنين بجهاد الكافرين، فقالوا: هذه الآية نسخت كل ما كان فيه من موادعة مع الكفار ومن متاركة وتفويت لهم، فقوله تعالى: ((قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا)) يعني: يتركونهم كأنهم لم يسمعوا ما قالوه، وقيل: بل إذا كان يرجى من هؤلاء الإسلام فيتجاوز عنهم ليدعوا إلى الله ، وهذا المعنى صحيح، ولا ينافيه أن يكون الأمر بعموم ما نزل بعد ذلك، وهو أمر الله المبين بأن يقاتلوا المشركين وأن يجاهدوهم في كل مكان.
فقال الله تعالى: ((قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا)) فالإنسان إذا دعا إنساناً قد يكون هذا المدعو يجادل بحق ويجادل بباطل، ولكن يرجى منه خير، فيجادل ويفوت عليه شيء، ويتنزل معه في مقام المناظرة.
كما فعل إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما كان يدعو عباد الكواكب إلى الله وقال: هذا ربي، ومستحيل أن إبراهيم يشرك بالله ويقول: الكوكب ربي، ولكن مقام المناظرة مع هؤلاء يجعله يقول لهم: هذا ربي بزعمكم أنتم؛ لأنكم تعبدون الكواكب، قال تعالى: ﴿هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٦] أي: لا يصلح أن يكون رباً.
إذاً: هذا المقام مقام مناظرة وليس مقام نظر، فمقام النظر: هو أن الإنسان يتحير ويفكر هل هذا هو الرب أم لا؟ فهو متشكك، هذا مقام النظر، ومستحيل أن يكون إبراهيم في هذا المجال أو هذا المقام، إنما المقام مقام مناظرة، وإبراهيم مستيقن ما يقول، ولكن يجادل الخصم ويقول له: فرضنا جدلاً أن الذي تقوله أنت صحيح، فإبراهيم يقول: هذا ربي بزعمهم ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام:٧٦ - ٧٧].
فلما غاب القمر وظهرت لهم الشمس ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ [الأنعام:٧٨] هذا أكبر شيء تزعمون أنه رب ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٧٨] أي: الذي تقولونه هذا كله هجس، وكله عبادة فارغة وليست عبادة حقيقية، وأنا بريء من هذا الشرك الذي أنتم تشركونه، فظهرت حقيقة مناظرة إبراهيم لهؤلاء، أنه ما كان يناظر ليصل هو إلى شيء، ولكن يريد أن يوصلهم إلى ما هو فيه من عبادة الله .
فإذا كان هناك مؤمن يدعو إلى الله ويدعو إنساناً كافراً لا يتوقع أنه مجرد ما يقول له: قل: لا إله إلا الله، سيقول: لا إله إلا الله، ويدخل في الدين؛ لأن الكفار كذبوا النبي ﷺ وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] فقيل للمؤمنين: اصبروا على هؤلاء واتركوهم، واسمعوا منهم وادعوهم إلى الله ، بل وقال للمؤمنين: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨] إذاً: المؤمن يتأدب في دعوته، فإذا جادل ودعا إلى الله لا يصل الأمر إلى أن يشتم آلهة هؤلاء، فقد يشتمونه ويشتمون دينه، إذاً: تأدب أنت حتى يعاملك هو أيضاً بهذه الصورة، فإذا كنت ترجو من إنسان خيراً لتدعوه إلى الله فاصبر في وقت الدعوة إليه.
стр. 3436
ذكر ما جاء من دعوة إبراهيم لقومه إلى ترك عبادة الكواكب
كما فعل إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما كان يدعو عباد الكواكب إلى الله وقال: هذا ربي، ومستحيل أن إبراهيم يشرك بالله ويقول: الكوكب ربي، ولكن مقام المناظرة مع هؤلاء يجعله يقول لهم: هذا ربي بزعمكم أنتم؛ لأنكم تعبدون الكواكب، قال تعالى: ﴿هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٦] أي: لا يصلح يكون رباً.
إذاً: هنا المقام كما يقولون مقام مناظرة وليس مقام نظر، فمقام النظر: هو أن الإنسان يتحير ويفكر هل هذا هو الرب أم لا؟ فهو متشكك، هذا مقام النظر، ومستحيل أن يكون إبراهيم في هذا المجال أو هذا المقام، إنما المقام مقام مناظرة، وإبراهيم مستيقن ما يقول، ولكن يجادل الخصم ويقول له: فرضنا جدلاً الذي تقوله أنت صحيح، فإبراهيم يقول: هذا ربي بزعمهم ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام:٧٦ - ٧٧].
فلما غاب القمر وظهرت لهم الشمس ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ [الأنعام:٧٨] هذا أكبر شيء تزعمون أنه رب ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٧٨] أي: الذي تقولونه هذا كله هجس، وكله عبادة فارغة وليست عبادة حقيقية، وأنا بريء من هذا الشرك الذي أنتم تشركونه، فظهرت حقيقة مناظرة إبراهيم لهؤلاء، أنه ما كان يناظر ليصل هو إلى شيء ولكن يريد أن يوصلهم إلى ما هو فيه من عبادة الله .
فهذه المناظرة كما ذكرنا، فإذا كان إنسان مؤمن يدعو إلى الله ويدعو إنساناً كافراً لا يتوقع أنه مجرد ما يقول له: قل: لا إله إلا الله سيقول: له لا إله إلا الله ويدخل في الدين؛ لأن الكفار كذبوا النبي ﷺ وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] فقيل: للمؤمنين اصبروا على هؤلاء واتركوهم، واسمعوا منهم وادعوهم إلى الله ، بل وقال للمؤمنين: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨] إذاً: هنا المؤمن يتأدب في دعوته، فإذا جادل ودعا إلى الله لا يصل الأمر إلى أن يشتم آلهة هؤلاء، فقد يشتمونه ويشتمون دينه، إذاً: هنا تأدب أنت حتى يعاملك هو أيضاً بهذه الصورة.
فإذا كنت ترجو من إنسان خيراً لتدعوه إلى الله فاصبر في وقت الدعوة إليه.
стр. 3437
حكم من يسب النبي ﷺ
إذا كان الكافر لا يرجى منه خير، وبدأ بالسفاهة والشتم والبذاءة فحكمه حكم المرأة الكافرة، تزوجها رجل أعمى ضرير من أصحاب النبي ﷺ ، وكانت تسب النبي ﷺ فأخذ الفأس وضربها في بطنها فقتلها وأهدر النبي ﷺ دمها، فهذه لا قيمة لها؛ لأنها تسب النبي ﷺ وتشتمه بغير حق، ولم يفعل بها شيئاً صلوات الله وسلامه عليه حتى تشتمه، فقتلها زوجها فأهدر النبي ﷺ دمها.
إذاً: الإنسان الذي يتطاول على النبي ﷺ إذا كان مسلماً فقد ارتد بذلك ويستحق أن يقتل، فإذا كان كافراً حربياً فحكمه الشرعي أنه يستحق القتل بما فعل مع النبي صلوات الله وسلامه عليه، هذا حكم من يسب النبي ﷺ .
وأمر الله بجهاد المشركين جهاد ابتداء بدعوتهم إلى الله ، فإذا قاتلوكم فقاتلوا هؤلاء في سبيل الله سبحانه وجهاداً في سبيله، ولا نحكم عليهم بقول الله تعالى: ((يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ))؛ لأنهم يتطاولون على الله سبحانه، ويتطاولون على دين الإسلام، ويتطاولون على النبي ﷺ ، فهل من اللائق أن نعاملهم بالحكمة والموعظة الحسنة، أي: حكمة هذه وهم يسبون الله ويسبون رسول الله بدعوى الحرية والكذب الذي يقولونه، فهؤلاء لا يستحقون إلا السيف، ولو كان في المسلمين أمة تعرف ربها سبحانه وتجاهد في سبيل الله ، لما سكتوا لأحد أبداً يسب الله أو يسب دين الإسلام أو يسب النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولخاف العالم كله من المسلمين حين يقومون وحين يثأرون لله ولرسول الله ﷺ .
وليس من اللائق أن يقال من باب الدفاع عن النبي ﷺ : لماذا تشتمون النبي ﷺ ؟ هذا رجل ميت! فإن هذا لا يقال في سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه، بل هو إجرام في الكلام على النبي صلوات الله وسلامه عليه، فلا يقال عنه ﷺ ذلك؛ لأنه إذا كان الشهداء أحياء عند ربهم، فكيف بسيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه النبي ﵊؟ فهو سيد خلق الله ، وسيد الأنبياء، قال: (أنا سيد ولد آدم) صلوات الله وسلامه عليه.
وقال ﷺ : (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي فأرد عليه) وأخبر ﷺ أن الأرض تأكل أجساد الخلق، فقالوا: كيف وقد أرمت؟ يعني: أنت مت كيف سترد السلام؟ قال: (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء).
إذاً: جسده في الأرض باق صلوات الله وسلامه عليه، وروحه يردها الله إليه في الحياة البرزخية بما يشاء وكيف شاء، ليس على هيئة ما يكون في الدنيا، ولكن على شيء يعلمه الله ، ويبلغه السلام لمن يسلم عليه وممن يصلي عليه، وخاصة في يوم الجمعة، إذ يبلغه صلاة الناس وتسليمهم عليه صلوات الله وسلامه عليه.
هذا النبي ﷺ هل يدافع عنه بهذا الكلام الفارغ فيقال: هذا رجل ميت؟ ويقول: (اذكروا محاسن موتاكم) ألا لعنة الله على الكاذبين وعلى المجرمين الذين يدافعون عن أولياء القبور وعن الأضرحة دفاعاً كبيراً، وإذا تكلموا عن النبي ﷺ تكلموا بكلام خائب لا معنى له، ثم يرجعون ويعتذرون ويقولون: لم نقل هذا الشيء كعادتهم، يقولون كلاماً سيئاً في دين الله وبعد ذلك يتنصلون ويقولون: لم نقل شيئاً من ذلك؛ خوفاً من أن ينتشر عنهم، وتقوم قائمة الناس عليهم بسبب هذا الكلام السيء الذي يقال.
إن رسول الله ﷺ سيد الخلق، وقد جعل الله دينه الدين الخاتم، وأمره أن يدعو الخلق بالحكمة والموعظة الحسنة، فإذا استجابوا للنبي ﷺ فبها ونعمت، وإذا لم يستجيبوا ولم يقاتلوا تركهم صلوات الله وسلامه عليه ودفعوا الجزية وسكت عن ذلك، أما إذا حاربوه صلوات الله وسلامه عليه فلابد من مقاتلتهم كما أمر الله .
стр. 3438
مؤامرة الكفرة على المسلمين في نشر الديمقراطية
اليوم أصحاب الحريات وأصحاب الديمقراطيات يريدون أن ينشروا دينهم (الديمقراطية) التي يدعون إليها بالسيف، وبالسلاح، وبالدبابات والطائرات، وحجتهم أن الإسلام انتشر بالسيف، فيريدون نشر الديمقراطية في العراق بالسفن والطائرات والصواريخ والقنابل الذرية، فيرتكبون الجرائم في أفغانستان والعراق وفي بلاد المسلمين، ثم يحتجون بأن الإسلام، أن فيه جهاد.
فأهل الإسلام لم يعرفوا دينهم الحق؛ لأنهم لو عرفوا الحق لما قالوا: لا جهاد في الإسلام، والجهاد يكون فقط عندما يداهمنا العدو فنجاهده جهاد دفع فقط وليس جهاد ابتداء، ونحن لا ننشر ديننا بالسيف، وبالتالي يقومون بتعبئة الأفكار تعبئة خاطئة حتى كادوا يلغون آيات الجهاد في كتاب الله، وهذا الذي طلبه المجرمون الأمريكان من المسلمين العرب، طلبوا منهم أن يلغوا من المصاحف آيات الجهاد، وأن يدرسوا الطلاب في المدارس الأخلاق! حتى في الأزهر يكادون يفعلون ذلك، فقد صاروا أذناباً وأذيالاً للمنافقين، يدافعون عن أنفسهم بغير دين الله ، ويطلبون من الكفرة أن يدافعوا عنهم وأن يحموهم، فلذلك تجردوا من دينهم فإذا بهؤلاء يسبونهم ويسخرون منهم، فلا أحد من هؤلاء الكفار يجرؤ أن يشتم اليهود أو يشتم السامية أو يتكلم عن المذابح التي عملها هتلر فيهم، ولو أن أحداً تجرأ أن يقول ذلك لثارت وقامت عليه الدنيا، ولعله يسجن في بلاد الكفار؛ لأنه شتم اليهود، ويضيقون عليهم في أرزاقهم، ويفصل أساتذة من الجامعة لكونهم فقط قالوا: إن هتلر لم يقتل ستة مليون من اليهود ولا غيرهم، ولا يبلغ اليهود هذا العدد حتى يقتل منهم هذا العدد الهائل.
وهذا سيدنا رسول الله ﷺ حين يسب لولا أن عوام المسلمين ثاروا لم يتكلم أحد، فكل مسلم ثارت فيه الحمية وثار فيه الغضب لله ولرسول الله ﷺ ، وما استطاع المشايخ أن يتكلموا قبل ذلك، ولكن تكلم المشايخ لما وجدوا الناس ثارت في نفوسهم حمية الحق، وتكلموا وغضبوا لله ولرسول الله ﷺ ، فمنهم من تكلم فأحسن، ومنهم من خاب وخسر وقال: قاطعوا هذه الجريدة التي أساءت لنا فقط، ولماذا لا نقاطع الدولة التي سمحت بذلك، والدول التي دافعت عن ذلك، والجرائد التي في الدول الأخرى التي فعلت هذا الشيء؟! هذا شيء عجيب جداً في الردود الخائبة الضعيفة التي يقولونها ويزعمون أنهم يدافعون عن دين الله .
تجارب تراها في حياتك تعلمك أنه يستحيل أن يدافع عن الإسلام إلا أهل الإسلام، المتمسكون بكتاب الله وبسنة رسول الله ﷺ ، أما أن تنتظر من علمانيين أو منافقين أو ديمقراطيين أو غيرهم أن يدافعوا عن هذا الدين، فهم لا يطلبون الدين أصلاً؛ لأن الدين منظر فقط أمام الناس، كوننا نحن من العرب ومن المسلمين.
وإذا جاءهم وقت من الأوقات يفتخرون فيه بالقومية العربية قالوا: نحن قوميون، نحن عرب، ويتكلمون عن الإسلام على حياء، ويجعلونه إسلاماً ديمقراطياً لكي نظهر بإسلام بثوب جديد، غير الإسلام الذي عرفه رسول الله ﷺ ! والديمقراطية عند الغرب تعني: حكم الشعب نفسه بنفسه، إن الحكم إلا للشعب، وعندما ينزل إليهم رسول من السماء يقولون: سنحكم فيك الشعب! والله يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٤٠] فالدولة الدينية التي يحكمها شرع الله ، من المؤسف جداً أن نقول: سنحكم الأغلبية من الشعب ونقول: تعالوا هل تريدون إسلاماً أم لا تريدونه؟ فإذا قالوا: نريد إسلاماً، أخذنا الإسلام ليس إرضاء لله، وإنما لأن الناس يريدونه، وإذا كان هذا حال المسلمين اليوم فلا يرجى منهم أن يدافعوا عن دين الله ولا عن سنة رسول الله ﷺ .
стр. 3439
الدعوة إلى العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ
لابد من التربية على حب الله، وعلى حب كتابه، وحب رسول الله ﷺ ، والدعوة إلى دين الله الدعوة الحق، ليست الدعوة للديمقراطية، ولا للافتخار بما تأتي به أوروبا، وترك ما جاء به كتاب الله وراء الظهور، بأنه رجعية وأنه أشياء قديمة لا تصلح لهذا الزمان، فالإسلام هو الدين الذي جعله الله يبقى إلى قيام الساعة، وينزل المسيح عيسى بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام ليحكم بهذا الدين ولا يسعه أن يحكم بغيره، وكان قبل ذلك لما أرسل إلى بني إسرائيل أراد أن يحكمهم بالتوارة، فلما رفع عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأخبرنا الله سبحانه بقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٥٩].
أخبرنا النبي ﷺ أن المسيح سينزل قبل قيام الساعة ويكون من علاماتها، ويؤم المسلمين رجل منهم، يكون إماماً للمسلمين حين ينزل المسيح، والمسلمون يريدون الصلاة، ويتقدم إمام المسلمين ليصلي بالناس والمسيح وراءه، ثم يقتل الخنزير ويكسر الصليب ولا يقبل الجزية، ويقتل المسيح الدجال ويحكم الخلق بكتاب الله العظيم.
فالقرآن العظيم فيه نبأ من قبلكم، وحكم ما بينكم، وفصل ما بينكم، وخبر ما يكون بعدكم، هذا القرآن العظيم الذي نزل من عند رب العالمين أمرنا الله بتحكيمه، قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة:٤٩].
فأمر الله نبيه ﷺ أن لا يحكم بهواه ولا برأيه، وإنما بكتاب رب العالمين ، فلابد أن يعرف المسلمون أن هذا القرآن العظيم نزل من السماء ليحفظ في الصدور، وليعمل به، وليحكم به بين الناس، فيستيقظون بذلك ويحكمون شرع الله، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]، ولخاف الخلق كلهم من المسلمين، وقد قال النبي ﷺ : (نصرت بالرعب مسيرة شهر)، فمن جنود الله الرعب يلقيه الله في قلوب الأعداء.
فلو أن المسلمين تمسكوا بكتاب الله لألقى الله الرعب في قلوب أعدائهم، ولكن لما تركوا دينهم وراءهم، بل بدءوا هم بالسخرية من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وتركوا القرآن وراءهم وقالوا: رجعية، وقالوا: نريد أن نأخذ بالأشياء الحديثة الآن، ولا يوجد شيء في كتاب الله يأمر المرأة بالحجاب، ولا يوجد شيء في كتاب الله يأمر المرأة بالنقاب، فبدءوا يلغون دين الله؛ استحقوا تسلط الكفار عليهم، وتركهم الله ، وبلغ الأمر إلى أن يسخر منهم الكفار، ويصورون رسولهم صلوات الله وسلامه عليه بصور بذيئة، والمسلمون أقصى ما يملكون أن يسكتوا ولا يقدرون على شيء، وينظرون إلى أسلحة الكفار فيخافون منهم، يقولون: سنقاطع تجارة الكفار، ويقولون لهم: سنسلط عليكم مركز التجارة العالمي، وسنسلط عليكم كذا وكذا، فيخافون من هؤلاء، ومنهم من يقول: نشجب ونقاطع هذه الجريدة التي فعلت هذا الشيء، نقول: والدولة التي وراء هذه الجريدة أيضاً، والكفار الذين يدافعون عن ذلك، لكن تراهم يخافون من هؤلاء.
نسأل الله أن يثبت الإسلام في قلوب المسلمين، وأن يعيد المسلمين إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ ، وأن يلعن الكفرة والمجرمين، ويسلط عليهم من ينتقم منهم ويثأر لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3440
تفسير سورة الجاثية [١٤ - ١٧]
أمر الله تعالى المؤمنين بالعفو والإعراض عن الكافرين، وذلك في وقت استضعاف المؤمنين، فالله سيجازي الكافرين بما كانوا يكسبون، ومن أشد الناس كفراً اليهود الذين اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم، وأعرضوا عن اتباع محمد ﷺ المبشر به في التوراة، واتبعوا أهواءهم بغير هدى من الله.
стр. 3441
تفسير قوله تعالى: (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجعون أيام الله)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الجاثية: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الجاثية:١٤ - ١٧].
في هذه الآيات يأمر الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه أن يقول للمؤمنين الذين يدعون إلى الله : ((قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ)) والمعنى: أن يتحملوا الأذى في سبيل الله ، فالداعي إلى الله لا بد أن يمتحن ويبتلى، فأمرهم الله أن يصبروا حين يبلغون دين الله ورسالته، وأن يتحملوا الأذى في سبيل ذلك، وقد تحمل النبي ﷺ في مكة الأذى الشديد، حتى أذن الله له بأن يهاجر إلى المدينة.
وفي المدينة كذلك تحمل أذىً شديداً من الكفار حتى أسلم الكثيرون منهم، وتحمل الأذى الشديد من المنافقين ومن أنصارهم من اليهود، فكان يصبر صلوات الله وسلامه عليه حتى أمره الله بأن يجاهد في سبيله سبحانه، فجاهد صلوات الله وسلامه عليه، فنصر الله دينه بجهاد نبيه وجهاد المؤمنين.
فالداعي حين يدعو إلى الله عليه أن يتسم بالحلم وبالصبر، يقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] فإذا استجاب المدعو فلله الحمد، وإذا لم يستجب فإما أن هذا المدعو يرجى من ورائه الخير، أو لا يرجى من ورائه الخير، بل يتسبب في أذى، فالأول يصبر عليه لعله يدخل في دين الله ، والثاني الذي يؤذي الإسلام والمسلمين، ويتعرض لدين الله بالمنع والأذى؛ فهذا يجاهد بالسيف والسنان وبالقوة واللسان، بحسب ما يقدر عليه.
فالمؤمن الذي يدعو إلى الله ينبغي عليه ألا يؤاخذ الكافرين أو المدعوين على كل خطأ يصدر منهم، وإنما عليه أن يتغافل عنهم لعلهم يستجيبون إلى دين الله ، ويدخلون فيه.
ولو أن كل إنسان حوسب على كل ما يقوله لأخذ الله الناس جميعاً بذنوبهم، ولكن الله يعفو عن كثير ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠].
فهذه معاملة الله للعباد، وكم من كفار كانوا يؤذون النبي ﷺ ويؤذون المسلمين سواء في مكة أو في المدينة، ثم من الله عليهم بعد ذلك فأسلموا لله رب العالمين سبحانه وحسن إسلامهم.
فالغرض: أن الذي يدعو إلى الله عليه أن يتحمل في سبيل الدعوة إلا أن تنتهك حرمات الله فلا صبر ولا حلم ولا انتظار، فالله قد شرع دفع المضرة من الكفار بالجهاد في سبيله سبحانه، فيكون الصبر على الشيء الذي مثله يصبر عليه، أما إذا كان شيئاً قد أوجب الدين الجهاد في سبيل الله بسببه، فإنه يجب على المسلمين أن يجاهدوا كما أمرهم الله سبحانه، وقد أمرهم أن يعدوا، فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال:٦٠].
إن أعداء المسلمين كثيرون، وقد يكونون معروفين وقد لا يكونون كذلك، والمعروفون قد يكونون أصدقاءً للمسلمين، أو معهم في ديارهم، ويظهرون لهم المحبة، ولكن الله أعلم بما في قلوبهم، وأنها ليست مع المسلمين، وأنهم يتربصون بهم الدوائر، ولذلك حذر الله نبيه وحذر المؤمنين من المنافقين، الذين يتربصون بالمؤمنين الدوائر، وذكر أوصافهم في سورة براءة، وفي سورة المنافقين، وفي سورة البقرة.
وقول الله : ((قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ)) فيه أن هذا الكافر لا يرجو حساباً، ولا بعثاً، فإذا دعي أن يدخل في الدين يقول: لا، ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] هي الدنيا ولا حياة أخرى، فيجادل بالباطل، فالله يدعو الدعاة إلى الصبر إزاء هؤلاء وإلى الجدال بالحكمة والموعظة الحسنة.
وليس ذلك لمن ينكر أشياء من الدين، أو يتعرض لسب الدين، إنما الجدال للكفار الذي يقول مثلاً: إن الآلهة متعددة وليس هناك إله واحد، كقول الكفار من قبل: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥].
فيجادل بالتي هي أحسن كما جادل إبراهيم وموسى عليهما الصلاة والسلام، وكما جادل النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وقوله: ((يَغْفِرُوا)) أي: يتجاوزوا عن هذا الذي يقوله الكفار، ويستمرون في دعوتهم، لعل هؤلاء يستجيبون إلى الله .
وقوله: ((لِيَجْزِيَ قَوْمًا)) كأن اللام للعاقبة والمعنى لأجل أن يجزي الله قوماً بما كانوا يكسبون.
وقوله: ((لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)) هذه قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو ويعقوب وعاصم، وقرأ أبو جعفر: (ليُجزَى قوماً بما كانوا يكسبون) والتقدير: ليُجزَى الخير قوماً، أو ليجزي الله بالخير قوماً وبالشر قوماً، وكأنها بمعنى يعطي على قراءة أبي جعفر، فتنصب مفعولين والتقدير: ليجزي الله الخير قوماً، أو: ليجزي الله الشر قوماً.
وباقي القراء منهم حمزة والكسائي وخلف وابن عامر يقرءونها: (لنجزي قوماً بما كانوا يكسبون) والنون نون العظمة فالله يقول: نحن نجزي هؤلاء القوم بما اكتسبوا في الدنيا من حسنات ومن سيئات.
وتنكير (قوماً) للتعظيم هذا إذا كان القوم من المؤمنين، أما إذا كانوا من الكافرين فيكون التنكير تحقيراً لهم، وهذا من أهداف التنكير فقد يكون للتعظيم، وقد يكون للتحقير، فهنا الله يقول: ليجزي قوماً، فإذا كانوا مؤمنين فهم أعظم وأفضل الأقوام، فنكر قوماً لتعظيمهم، وإن كانوا من الكافرين فهم أحقر الأقوام، وأي قوم هم في البعد عن الله فالله يجزيهم بما كانوا يكسبون من سيئات، فكأن قوماً هنا عائدة على المؤمنين وعلى الكافرين، كل بما كسب.
стр. 3442
تفسير قوله تعالى: (من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها)
يقول الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [الجاثية:١٥] الله خلق السماوات والأرض حقاً، خلقهن بالحق، خلقهن ليحق الحق، فهو الحق سبحانه، وقوله الحق، ووعده حق، ولقاؤه حق، والساعة حق، والجنة حق، والنار حق.
فلم يخلق الله هذا كله عبثاً، وإنما خلقه ليحق الحق، فالسماوات قد أقامها الله بميزان العدل وبميزان القسط، والأرض كذلك أقامها الله بميزان الحق والقسط.
فيخبرنا سبحانه أنه لا بد من الرجوع إلى الله حتى يحق الحق، فكم من إنسان كان في الدنيا من أهل الباطل هل يعقل أن يعيش في الباطل ويموت على الباطل وينتهي الأمر على ذلك؟ فلماذا خلق هذا الإنسان إن الله خلقه لحكمة وهي أن يعبد ربه سبحانه، فإن لم يعبده استحق الجزاء من الله .
فمن عمل صالحاً فعمله لنفسه ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، فلا يعمل الإنسان عملاً صالحاً ويكون الثواب لغيره، بل هو الذي يؤجر عند الله.
((وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا)) إذا جر على نفسه الوبال بالإساءة، وجر على نفسه عذاب الله فسوف يجزى بإساءتهٍ، والمرجع إلى الله ليجازي المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته.
((مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ)) أي: له ثواب عمله ((وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا)) أي: أن نقمة الله وعذابه وعقابه على هذا العبد بسبب سيئاته.
((ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)) أي: أن المرجع إلى الله سبحانه ﵎.
стр. 3443
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة)
قال الله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية:١٦] كثيراً ما يذكر الله نبيه ﷺ والمؤمنين ببني إسرائيل، وهم القوم الذين أوتوا كتاب التوراة من قبلنا وهو كتاب شريعة كما أوتينا هذا القرآن العظيم.
فالله يذكر النبي ﷺ هنا ببني إسرائيل، وإسرائيل لقب ليعقوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، والمعنى واذكر أبناء يعقوب الذين آتيناهم الكتاب الحكم النبوة.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية:١٦] هذه نعم الله على بني إسرائيل، فقد آتاهم الله كل هذه النعم، فاجتباهم وجعل منهم أنبياء وفضلهم على الخلق سبحانه، كما قال: ((وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ))، ولكن مع ذلك استوجب أكثرهم نقمة الله وعذابه؛ لأن الإنسان الذي يسيء لا ينفعه أن الله قد أنعم عليه وأعطاه في الدنيا ما أعطاه، بل لا بد أن يجازيه على إساءته.
ولذلك يخبر الله عن النعم التي أنعم بها عليهم، وكأنه يقول: قيسوا أنفسكم عليهم فقد آتاكم الله نعماً كثيرة، فإذا ظننتم أن هذه النعم لفضلكم، وأنكم أهل الخير الذين تستحقون الجنة ولو بغير عمل فهذا هو الغرور، الذي تستحقون به العقوبة كما استحقها بنو إسرائيل، وإذا أخذتم ما آتاكم الله بقوة كما أخذ الصالحون من قبلكم فسوف تستحقون ثواب الله وجنته.
فالله آتى بني إسرائيل الكتاب الذي هو التوراة، والحكم بها، وقد يكون الحكم بمعنى الفصل ومعرفة القضاء بين الخلق، وقد يكون بمعنى الفقه في الدين، وقد يكون بمعنى الحكمة، وهذه هبة من الله ، فأعطى من يشاء منهم ذلك.
وقوله تعالى: ((وَالنُّبُوَّةَ)) أي: جعلنا فيهم أنبياء، وبهذه الصفة فضل الله عز جل بني إسرائيل على العالمين لا لكونهم أهلاً لذلك، بل إن تفضيلهم هو أنه جعل لهم أنبياء تسوسهم، وتدعوهم إلى الهداية، وفي الآية إشارة إلى خبثهم؛ لأنهم كذبوا الأنبياء فكان يرسل إليهم نبي بين الفينة والأخرى.
فالله من عليهم برئيس يحكمهم الحكم المدني، ونبي يحكمهم بشرع الله ، فالرئيس تكون له الجيوش والحكم بين الناس، والنبي يقوم بالتوجيه والإرشاد، كان ذلك من الله رعاية لهم؛ لأنه يعلم ما في نفوسهم من الخبث، والشر والارتداد عن الدين، فلم يعرفوا الله سبحانه، وقد دعاهم موسى إلى ربهم، وعرفهم به وبين لهم الطريق المستقيم، وبعد أن أنعم عليهم وأنجاهم من فرعون وخرجوا من البحر وجدوا قوماً يعبدون أصناماً فقالوا لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]، فقال لهم موسى ﵇: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨ - ١٣٩] فالله أنجاهم من الإهلاك ومن فرعون وقومه، وهم يريدون أن يهلكوا كما أهلك الله هؤلاء، فأبوا إلا أن يعبدوا العجل من دون الله، فإذا بالله ينتصر لنفسه وينتقم منهم، ويأمر موسى أن يأمرهم بأن يقوم بعضهم بقتل البعض الآخر بالسيوف، فقتل في غداة واحدة سبعون ألفاً من هؤلاء المجرمين الذين عبدوا غير الله .
فكان الانتقام حالاً، وهؤلاء لا يصلح معهم إلا ذلك، ويوم القيامة سوف يحاسبهم الله على ما قدموا، وسوف ينظروا بأعينهم العذاب، وكأن الله يشير للمؤمنين بأن هؤلاء اليهود لا يصلح معهم إلا السيف، فلا تنفع معهم المعاهدات حتى يسمعوا كلام الله ويطيعوه.
فلما عبدوا العجل من دون الله أخبرهم الله سبحانه بأنهم إذا أرادوا أن يتوبوا فعليهم أن يقتل بعضهم بعضاً، فقال الله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة:٥٤] أي: هو هذا الأخير لكم والأفضل، فقام بعضهم إلى بعض، وألقى الله عليهم ظلمة، وكل منهم يضرب الآخر بالسيف ولا يدري من يضرب، حتى قتل منهم سبعون ألفاً، فجأر موسى إلى ربه: يا رب أهلكت عبادك، فإذا بالله يعفو عنهم بعد هذه المقتلة.
فبنو إسرائيل لا يصلح معهم الكلام، وإلا لنفع كلام موسى معهم ﵊، ولما قال لهم: ادخلوا الباب سجداً امتنعوا عن ذلك، فقيل لهم: خذوا ما آتيناكم بقوة، فقالوا: لا نريد ذلك، ولما رفع فوقهم الجبل بادروا إلى التوبة، ثم لما كشفه عنهم عادوا إلى ظلمهم! فأخبر الله سبحانه أنه فضلهم على العالمين، وأرسل إليهم الأنبياء فكان جوابهم أن كفروا بالله سبحانه، وكذبوا أنبياءهم.
وهذا تفضيل من الله ورعاية لشأن هؤلاء لعلهم يتوبون، فلم يستجب منهم ويتبع الأنبياء إلا القليل.
فذكر الله المؤمنين بحالهم وقال: ((وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ)) أي: جعلنا فيهم أنبياء، ((وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ)) أي: أعطيناهم من كل الطيبات، وأنزلنا عليهم المن والسلوى، وفتحنا لهم من بركات من السماء، وجعلناهم يذهبون إلى ديار الشام أرض البركة، فجعلنا لهم فيها معايش، وجعلنا لهم فيها ملكاً وفضلاً عظيماً.
قال تعالى: ((وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ)) إما على عالمي زمانهم، أو على العالمين بأن جعل فيهم أنبياء كثيرين، فالأمة الوحيدة التي فيها أنبياء كثيرون هم بنو إسرائيل، وهذا تفضيل من الله حتى يظلوا على الطريق المستقيم وهو فضل يستحق بسببه أن يشكر سبحانه، كيف وباقي النعم منه عليهم، فما استوجبوا إلا مقت الله بسبب ارتدادهم وبعدهم عن الدين!
стр. 3444
تفسير قوله تعالى: (وآتيناهم بينات من الأمر)
قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الجاثية:١٧]، الإنسان كما قال الله عنه: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات:٦] فالإنسان جحود، يبتعد عن ربه سبحانه، والله يمن عليه بالنعم وهو يستجلب لنفسه النقم، فبنو إسرائيل آتاهم الله الكتاب حتى يهتدوا، ويعرفوا أحكام الله عز جل، وآتاهم الحكم، وجعل فيهم من يحكمهم بهذا الكتاب ويبين لهم الحق، وآتاهم النبوة، وجعل فيهم أنبياء، ورزقهم من فضله وفضلهم على العالمين، وآتاهم الحجج والمعجزات والآيات على يد موسى ﵊ والأنبياء من بني إسرائيل.
فآتاهم بينات من الأمر، لعلهم يتمسكون بالدين ويستجيبون للرسل، فلما أعطاهم كل ذلك قال الله تعالى: ((فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ)) أي: أن الله فضلهم مع أنهم لا يستحقون هذا التفضيل، ولذلك ليس كل من يؤتى نعمة من الله يستحقها، فلا ينبغي أن تحسد أحداً على ما آتاه الله من فضله، فقد يؤتي الله الغنى أقواماً وهم لا يستحقون إلا النار، فليس كل من يؤتى نعمة من الله يستحق جنة الله، فاليهود أعطاهم الله كل هذه النعم وكل هذا التفضيل وفي النهاية يستحقون نار جهنم.
يقول الله تعالى: ((فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ)) فجاءهم العلم وعرفوا الحق، ومع ذلك جحدوا، واختلفوا فيما جاءهم من العلم، وأنكروا ما هو معلوم من دين الله ، ففضلوا الطمع في الدنيا على الزهد فيها وطلب الآخرة، بعد أن عرفوا التوراة، وعرفوا نبيهم، وحسد بعضهم البعض الآخر على ما آتاهم الله مما في التوراة من العلم.
وكان من أعظم الحاسدين فيهم قارون، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص:٧٦] فكان ابن عم لموسى ﵊، فحسد موسى أن آتاه الله التوراة، وقد آتاه الله مالاً ما إن مفاتيح خزائنه لتنوء بالعصبة أولي القوة، فـ قارون كان من قوم موسى، ولم يكن من قوم فرعون، فتكبر على موسى وعلى قومه ومشى مع فرعون وجنوده، وترك قومه؛ تكبراً وحسداً أن آتاه الله المال ولم يعطه التوراة، فاستحق أن يخسف الله به الأرض.
فبنو إسرائيل لم يكفروا بالله إلا وهم يعرفون الله ، ويعرفون نعم الله ، ويعرفون قدرة الله، ومع ذلك كفروا واختلفوا؛ بسبب حسد بعضهم بعضاً على الدنيا.
قال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الجاثية:١٧]، فليس كل من أوتي علماً يكون قلبه تقياً، فالقلوب لا يعلم حقيقتها إلا الله ، والعلم الذي يظهر من إنسان ليس دليلاً على ما في قلبه، فبنو إسرائيل آتاهم الله عز جل علماً وفضلهم على العالمين، فإذا بهذا العلم ينقلب في قلوبهم حسداً وبغضاً لبعضهم بعضاً حتى أهلكهم الله ولعنهم، قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩].
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3445
تفسير سورة الجاثية [١٧ - ٢٠]
لقد أنعم الله علينا بنعم عظيمة، أجلها وأعظمها: أن هدانا لهذا الدين القويم، فليتمسك به المسلم وليعض عليه بنواجذه، وليحذر من التفريط فيه طرفة عين، ولا يلقي بالاً لخزعبلات الذين لا يعلمون، وإن أبى فإنهم لن يدفعوا عنه مثقال ذرة من سخط الله إن حق عليه، فلابد من التمسك بحبل الله المتين، وولاية عباد الله الصالحين، ومعاداة وبغض القوم الظالمين من الكافرين والمنافقين.
стр. 3446
تفسير قوله تعالى: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الجاثية: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ * هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية:١٨ - ٢٠].
لما أخبر الله سبحانه ﵎ أنه آتى بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة، وأنه رزقهم من الطيبات، وامتن عليهم بأن فضلهم على العالمين، وآتاهم بينات من الأمر، وعرفوا الحق من الله ، فاختلفوا فيما بينهم، وحسد بعضهم بعضاً على ما آتاهم الله من نعم، قال: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الجاثية:١٧] أي: أنهم اختلفوا وهم على علم، وهم يعرفون الكتاب الذي أنزل عليهم، ويعرفون الحق الذي أراده الله سبحانه، فاختلافهم كان بعد أن عرفوا ذلك وعلموه من نبيهم ﵊، فأخبر سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الجاثية:١٧] أي: وإن تركهم في الدنيا فهو يملي لهم سبحانه، وكيده متين، ثم يوم القيامة يحاسبهم ويعذبهم على ما صنعوا، وقد استحقوا أن يلعنهم الأنبياء من بني إسرائيل على تكذيبهم وعلى إعراضهم وبغيهم وحسدهم بعضهم بعضاً، فالله حين يذكر هذا عن بني إسرائيل فكأنه يحذر أمة النبي ﷺ من أن يقعوا فيما وقع فيه هؤلاء، فقد جاءنا من الله نور وكتاب مبين، جاءتنا شريعة كاملة من رب العالمين، فيحذرنا الله من أن نختلف كما اختلف بنو إسرائيل فيكون مصيرنا كمصيرهم، فقال لنبيه ﷺ : ((ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا))، والشريعة: هي الملة، أي: جعلناك على ملة، جعلناك على طريقة مرضية، يرضى الله عنها، فقد رضي لكم الإسلام العظيم ديناً، كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، فالإسلام هو شريعة رب العالمين سبحانه، فهو منهج وملة وطريق ومذهب يذهبون إليه، وتشرعون فيه، فهو الشريعة العظمى، والشريعة بمعنى المقصد، تطلق على مورد الماء الذي يرده الجميع، والشارع: الطريق الأعظم الذي يسير فيه الجميع، فهذه شريعة رب العالمين، وهي طريق الله الأعظم، وملة رب العالمين، ودين الله الذي ارتضاه لعباده، وجعله لنبيه ﷺ ، قال تعالى: ((ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ)) أي: شريعة من أمر الله، فنحن الذين أمرنا بها، ونحن الذين هديناكم إليها ووجهناكم لها، فالشريعة من أمر الله سبحانه ليست من أمر غيره.
((فَاتَّبِعْهَا)) يقال هذا للنبي ﷺ ، وهو قد اتبع هذه الشريعة، وقد بلغها ﷺ ، فكأنه من باب: إياك أعني واسمعي يا جارة، فيقال للنبي ﷺ : افعل كذا واحذر من كذا، وهو قد فعل كذا وقد حذر من كذا، ولكن المقصود أن يقال للأمة: إذا كان نبيكم ﷺ يخاطب بذلك فأنتم المقصودون والمعنيون بذلك، وأنتم أولى بهذا الخطاب: ((فَاتَّبِعْهَا))، فهو يتبع والأمة تتبع وتتأسى به، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، صلوات الله وسلامه عليه.
قال: ((فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)) أي: لا تتبع أهواء هؤلاء الكفار الذين علموا ظواهر من الأمر ولم يستيقنوا بذلك، علموا أن هناك جنة وأن هناك ناراً، وأن الله سيحاسبهم يوم القيامة، علموا بالنبي ﷺ ولكن ليس علم يقين عندهم، فشكوا، وكان علمهم مجرد معرفة، فقد عرفوا النبي ﷺ ، لكنهم لم يتبعوه أنفة وحمية وعصبية، ورأوا أنهم أولى منه بالرسالة، فرفضوا دين رب العالمين، وشككوا حتى صار الأمر في قلوبهم الشك فيما جاء به النبي صلوات الله وسلامه عليه، فعلمهم بما جاءهم به النبي ﷺ كلا علم.
كذلك عرفوا القرآن ولكنهم لم ينتفعوا به، إلا أنهم وجدوا له حلاوة، وعليه طلاوة، وأنه كلام جميل، أما أنهم يتبعونه فقد رفضوا ذلك، وطلبوا من النبي ﷺ ، -إذا أراد أن يتبعوه- أن يبعد عنه الضعفاء وعن الصغار، وأن يبعد عن هؤلاء العبيد؛ لأنهم هم السادة الكبار، ولا يجلسون مع أمثال هؤلاء، وهذا هوى في قلوبهم، فالدين يذلل العباد لرب العباد سبحانه ﵎، يخرجهم من الظلمات إلى النور، يخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد القهار، اسمعوا إلى كلام ربعي بن عامر حين كلم عظيم الفرس وقال له: إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد القهار، فالله ابتعث النبي ﷺ فأمر المؤمنين، فخرجوا مبعوثين من قبل رب العالمين يدعون الخلق ويخرجونهم بإذنه سبحانه من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
قال تعالى: ((فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ))، فقد قالوا للنبي ﷺ : اذكر آلهتنا بخير ونحن نتبعك، يعني: يريدونه أن يقول: إن الأصنام هذه على خير، أي: أنها تنفع وتضر، فإذا قلت ذلك فإننا سوف نتبعك وهل ترى أن هؤلاء سيتبعون النبي ﷺ حقاً أم أنهم يريدون شيئاً آخر؟ هم يريدون أن يوقعوا النبي ﷺ في كلام يأخذونه عليه، فيقولون له: اجعل لنا يوماً ولهؤلاء يوماً، فنحن لا نجلس مع هؤلاء، فإذا فعل ذلك ﷺ قالوا: انظروا إلى هذا الذي يدعو للمساواة، ويدعي أن الناس سواسية كأسنان المشط، وقد ميزنا على هؤلاء، إذاً دعوته هذه دعوة باطلة!
стр. 3447
تفسير قوله تعالى: (إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً)
كان الكفار يقولون للنبي ﷺ : اذكر اللات والعزى بخير ونحن سوف نتبعك فيما أنت عليه، فربنا يحذر النبي ﷺ ويقول: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الجاثية:١٨ - ١٩]، فهم لن يغنوا عن أنفسهم فضلاً عن أن يغنوا عن غيرهم، ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية:١٩].
فالكفار -بل الخلق جميعهم- لا يغني أحد عن نفسه ولا عن غيره أمام رب العالمين، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت:٤٦]، فلا يقدر أحد أن يغير شيئاً مما كتب عليه عند الله سبحانه يوم يحاسب، والمنافقون يوم القيامة يحلفون لله ، ويكذبون على الله، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة:١٨]، فيفضحهم الله ، ويجعل أفواههم مكتومة، وتنطق عليهم جوارحهم فتكذبهم بما كانوا يقولون ويفترون.
فقوله سبحانه: ((إِنَّهُمْ)) أي: إن الكفار، وإن الناس جميعهم: ((لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ))، هذا في الدنيا، أي: في الدنيا الظالمون بعضهم أولياء بعض، والظالمون يدخل تحتها كل من ظلم نفسه وظلم غيره، يدخل تحتها الكفار المشركون الذين ظلموا أنفسهم بعبادة غير الله، يدخل تحتها اليهود والنصارى الذين قالوا على الله سبحانه قولاً عظيماً، كما قال عنهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠]، يدخل تحتها المنافقون الذين ظلموا أنفسهم، وظلموا النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكادوا للإسلام والمسلمين، وأرادوا إدخال الخلل والفساد في قلوب المسلمين.
وهنا الله نكر (شيئاً) فقال: ((إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا))، والنكرة في مقام النفي تدل على أقل القليل، أي: إنهم لن يغنوا عنك من الله ولو شيئاً يسيراً.
стр. 3448
التحذير من ولاية الظالمين
ثم قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ [الجاثية:١٩] أي: في الدنيا، ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الجاثية:١٩] يحذر الله المؤمنين من الظلمة ومن الكفرة، وكأنه يقول لهم: إن الذي يتولى أمركم هو من كان على دينكم، وهو من يحبكم لله ، أما الذين يكرهونكم في الله، والذين يكيدون لكم، حتى وإن أظهروا أمامكم التسامح والمساواة والحرية والديمقراطية، فهؤلاء كاذبون، مجرمون، اخترعوا هذه الأشياء ليضيعوا عليكم دينكم، قال: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الجاثية:١٩] أي: أن الظلمة الكفرة من اليهود والنصارى والمنافقين والمشركين ينصر بعضهم بعضاً، فإن الولاية تأتي بمعنى الدفاع وبمعنى الدفع والنصر، فهؤلاء الكفار أعداء لكم، يتولى بعضهم بعضاً عليكم أنتم -أيها المسلمون- وينصر بعضهم بعضاً عليكم، يأتون ويجمعون أنفسهم ليقاتلوكم وليخرجوكم عن دينكم، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، والذي قال ذلك وشهد به ليس نحن، هذا رب العالمين سبحانه، الذي يعلم خلقه، ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، علم ما في القلوب، فمهما تبسم لك الكافر، فالله أعلم بما في نفسه، والأيام تظهر للمسلمين غباء ما كان في عقولهم حين صدقوا هؤلاء، وتركوا ما قاله الله سبحانه ﵎، قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١]، وما قاله سبحانه: ((وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض)).
قد أخبر عن حقيقتهم بقوله: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، أخبر الله بذلك وإذا بالمسلمين تأخذهم أمور الدنيا ويقولون: هؤلاء متقدمون، هؤلاء يحبون الدنيا كلها، هؤلاء يعملون كذا، هؤلاء يعملون كذا، هذه العداوة وهذا التحذير في اليهود والنصارى الذين كانوا أيام النبي ﷺ ، وربنا يحذر المؤمنين في كل زمان، احذروا من هؤلاء، فإن عدوك هو عدو دينك، فمن عادى دينك فهو يعاديك حتى وإن أظهر لك المسالمة، وإن أظهر لك أنك حبيب له، فإنه يظهر ذلك حين تكون قوياً، أما حين تكون ضعيفاً، فإنه يظهر هذه العداوة، فهم يقولون مثلاً: إن السخرية من الأديان ممنوعة، وهم ماذا يعملون اليوم؟ هؤلاء يسبون الإسلام، ويسبون المسلمين، وكل يوم يأتون بشيء جديد، فهذه الدنمارك شتمت النبي ﷺ ، وأخرجت الصور السافلة التي تدل على حقارتهم ودناءتهم، وأنهم كلاب مجرمون خنازير، ثم تبعتها فرنسا، وبعدها النمسا، ثم بعد ذلك يظهر الرؤساء من فرنسا وأمريكا ويقولون: لا، هذا الشيء عيب، ثم تأتي صحفهم وتنشر هذا الشيء، وبعد هذا يقولون للمسلمين: اتركوا الإرهاب الذي أنتم فيه، وحاولوا تتعودوا على المسامحة الدينية، أي: نحن نضربكم وأنتم تسامحوننا! نحن نقتلكم وأنتم تسامحوننا! نحن نحتل دياركم وأنتم تسامحوننا! لكن العكس لا، فهم غير ممكن أن يقبلوا من المسلمين ذلك، فمجرد أن إيران قالت: إنها ستصنع قنبلة ذرية، أو إنها ستقوم بتخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية، فقالوا لها: لن نسمح لكم بهذا الشيء، حتى فرنسا التي أصبحت الآن لا يؤبه بها تريد أن ترجع الآن لأيام نابليون، فتقول: عندنا الخيارات مفتوحة، ونحن سوف نتصرف معها، يعني: تريد تقول: نحن كذلك ما زلنا من أيام نابليون نحكم العالم، ولنا كلمة الآن، وممكن نتصرف مع إيران مثلما نريد، ونبعث لها الذي نريد، ولنا الخيارات التقليدية والغير تقليدية، يعني: نحن ممكن نرسل قنبلة ذرية من عندنا على إيران، لنا الخيار، من الذي أعطاهم هذا الخيار؟ إنه خيبة المسلمين، وخيبة العرب، بعدهم عن دينهم، تكذيبهم لربهم سبحانه، فربنا قال لنا: احذروا من هؤلاء، فقال بعض المسلمين: هؤلاء تغيروا، وهم لم يتغيروا، فإن في قلوبهم الغل، وفي قلوبهم البغض للإسلام والمسلمين، وفي فرنسا لما قتلوا واحداً من المسلمين هنالك، وخرج العرب بمظاهرات، قالوا: هؤلاء حثالة المجتمع، هؤلاء المشردون من المجتمع، هؤلاء المفروض أن يرجعوا لبلادهم، هؤلاء كذا، وشتموا العرب، وشتموا الإسلام والمسلمين، وظهر هؤلاء أمام العالم كله يتكلمون بأن هؤلاء مجموعة من المتظاهرين، ولم يقولوا: إنهم مسلمون، وهذه حقيقة الأمر، أنهم عرب وأنهم مسلمون، فأظهروا للعالم أن هؤلاء السفلة والأوباش، وأنهم لم يتعلموا شيئاً، وأن المفروض أن يرجعوا إلى بلادهم؛ لأنهم جهلة.
وهكذا أصبح المسلمون لا يتعلمون إلا حين تحتل ديارهم، ويظهر المنافقون فيهم ليأتي الأمريكان وغيرهم يسلطونهم على المسلمين في ديارهم، فقد سلطوا المنافقين في العراق على أهل العراق، حتى جأر أهل العراق وقالوا: سجون الأمريكان أرحم من سجون المسلمين، قالوا هذا الشيء؛ لأن هؤلاء الذين يتسلطون على المسلمين ليسوا مسلمين، الذين يقومون بسجن وتعذيب المسلمين ليسوا مسلمين، فالكافر يأتي إلى بلاد المسلمين ولا يريد أن يجلس فيها، بل يريد أن يأكل خيراتها، وأن يولي عليها منافقين يطيعونه فيما يقول، ولذلك انظروا ماذا عملوا في العراق، أول ما دخلوه استولوا على منابع البترول على الأراضي المحيطة بالفرات؛ لأن هدفهم أخذ خيرات العراق، وإقامة دولتهم الصليبية، وذلك أن الكنيست الإسرائيلي معلق فيه: دولة إسرائيل من النيل إلى الفرات، وستظل إسرائيل تعمل إلى أن يتم ذلك، فتحتل الدول العربية، وتأخذ ما تريد منهم تحت ضغط الحرية والديمقراطية والحداثة، وكأنهم يقولون: دعوا الجهل الذي أنتم فيه إلى غاية أن نحتل بلادكم، ثم يجد المسلمون في النهاية أنفسهم لا يملكون شيئاً، فضاع منهم دينهم، وضاعت منهم ديارهم وأموالهم، وأخذ الغرب ذلك، إلا أن يفيق المسلمون لأمر الله ، ويرجعوا إلى دينه.
قال الله تعالى: ((َإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)) أي: لن يكونوا أولياء لكم أيها المسلمون، وإنما هم يوالي بعضهم بعضاً، وينصر بعضهم بعضاً، وسيكونون عليكم في يوم من الأيام.
ثم قال تعالى: ((وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ))، فلم يقل: ولي المسلمين؛ لأن الكل يقول: أنا مسلم، وإنما قال: ((وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ)) أي: الذين اتقوا الله سبحانه وآمنوا به، فما قالوا: نحن مسلمون نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، ويجعلون القرآن معلقاً في السيارة أو في البيوت ولا يعرفون عنه شيئاً، ولا قاولا: نحكم بالشرائع المدنية، والقرآن هذا كان في الزمان الأول، فهو كتاب رجعي، دعنا في الشرائع المدنية الآن! فليس هؤلاء الذين يقولون الإسلام بألسنتهم هم أولياء الله، وإنما أولياؤه الذين اتقت قلوبهم ربهم سبحانه، دخل الإيمان فعمر قلوبهم، ونورها، خافوا من ربهم سبحانه، فعملوا ليوم الحساب، وعملوا لتحصيل تقوى الله سبحانه فحصلوها، واتقوا غضبه سبحانه، فهؤلاء هم الذين يتولى الله أمرهم ويدافع عنهم، فقال سبحانه: ((وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ)) أي: نصير ومدافع.
стр. 3449
تفسير قوله تعالى: (هذا بصائر للناس)
قال تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ﴾ [الجاثية:٢٠]، يعني: جعلنا لكم المحجة البيضاء أمامكم بصائر، أي: كأن الجميع يبصر ما في الدين؛ لشدة وضوحه، وبيانه.
فقوله: ((هَذَا بَصَائِرُ)) أي: قد بصرناكم وقد أعذر من أنذر، وما قصر من بصر.
قوله: ﴿وَهُدًى﴾ [الجاثية:٢٠] أي: هدى للناس، فيهدي الله الخلق بهذا الدين، فمن استجاب فقد هداه الله ورحمه، كما قال سبحانه: ﴿وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية:٢٠] أي: يهدي الله المؤمنين ويرحمهم ، ويرفع عنهم مقته وغضبه وعذابه في الدنيا والآخرة.
نسأل الله أن يجعلنا من عباده المؤمنين، المتقين، وأن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يذل الشرك والمشركين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3450
تفسير سورة الجاثية [١٨ - ٢٢]
لقد جاء النبي ﷺ بشريعة مستقلة تامة مبينة لجميع الأحكام، مستوعبة لقضايا الزمان، من يوم نزولها إلى يوم القيامة، ففيها الهدى والنور؛ لأنها من عند رب العباد، العليم بما يحتاج إليه الخلق، وإذا كانت قد جاءت الشريعة هكذا فالواجب على المؤمن الإذعان والاستسلام لها والتجرد لاتباعها، والحذر من الأهواء الباطلة، والفرق المخالفة، والأديان الكافرة، والأمم الجاهلة، فـ (إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً).
стр. 3451
تفسير قوله تعالى: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة الجاثية: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ * هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الجاثية:١٨ - ٢٢].
يقول الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية:١٨]، لما ذكر الله موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وذكر أنه آتى بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقهم من الطيبات وفضلهم على العالمين، كما قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأَمْرِ﴾ [الجاثية:١٧]، ذكر أنه جعل رسوله ﷺ نبياً للناس، ورسولاً للخلق جميعهم صلوات الله وسلامه عليه، وأنه جعله على شريعة، أي: على ملة كاملة، وعلى طريق مستقيم قويم، وهو هذه الشريعة.
стр. 3452
معنى الشريعة
الشريعة والشرع هو: ما جعله الله للعباد منهجاً يسيرون عليه.
وهما مأخوذان من الشارع بمعنى: الطريق الأعظم الذي يمشي فيه الناس.
ومن مشرعة الماء بمعنى: مكان المياه ومجتمعها الذي يرد عليه الناس فيشربون منه.
فشريعة الله التي جاءت من عنده هي مورد ومنهل الأحكام التي تتلقى من الله ، وقد جعل الله نبيه على شريعة، وعلى ملة، وهي دين الإسلام الذي ارتضاه الله لخلقه، فجعله منهجاً كاملاً في العقائد التي يريد الله من العباد أن يكونوا عليها في العبادات، وفي الأحكام الفقهية التي يلتزمون بها، ويعبدون الله سبحانه ﵎ بها، وفي الأخلاق، وفي العمل ليوم الدين، وفي الإخلاص، وغير ذلك مما أراده الله سبحانه ﵎ وبينه ووضحه في هذه الشريعة، وجعل الناس على بصيرة من ذلك.
стр. 3453
جهل من لم يدخل في الإسلام ونقص علمه
قال تعالى: ((فَاتَّبِعْهَا)) أي: فاتبع هذه الشريعة، واحذر أن تتبع ((أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ))، من اليهود، والنصارى، والمشركين، فإن هؤلاء علموا ظاهراً من الحياة الدنيا، ولم يعلموا علم اليقين بما عند الله سبحانه ﵎، ولذلك علموا أن النبي ﷺ رسول رب العالمين، ومع ذلك لم يدخل الكثيرون منهم في دينه صلوات الله وسلامه عليه، وأبوا إلا الشرك والبعد عن النبي ﷺ ، فوصفهم الله بالجهل، وبأنهم لا يعملون، ولو علموا علم اليقين لدخلوا في شريعة سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، بدلاً من أن يلحون ويتعنتون ويطلبون منك أن تفجر لهم من الأرض ينبوعاً أو أن تجعل لهم الصفا ذهباً أو أن تنزل عليهم من السماء ما يشهد أمامهم بأنك رسول من رب العالمين، فهم جهلة لا يعلمون، والله على كل شيء قدير، ولكنه لن يجعل ما يتمناه هؤلاء القوم بأهوائهم حقيقة لهم، ولن يحقق لهم تعنتهم وطلبهم.
стр. 3454
تفسير قوله تعالى: (إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً)
قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الجاثية:١٩]، ولن يغنوا كذلك عن أنفسهم من الله شيئاً، فلو اتبعت أهواء هؤلاء لضللت، وحاشا ﷺ أن يتبع أهواءهم، ولكن الله يخاطب نبيه هنا والخطاب لجميع الأمة، فإذا كان الله يقول لرسوله ﷺ : لو اتبعت هؤلاء اليهود والنصارى والمشركين لضللت، فكيف يكون أتباع النبي ﷺ لو اتبعوهم؟ وقد أخبر النبي ﷺ أن أمته ستتبعهم: (حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه وراءهم، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟)، وقد فعل المسلمون ذلك، حتى صاروا كأنهم منهم، والآخرون لا يقبلونهم أن يكونوا منهم، بل إنهم يستكبرون عليهم، وهم ينظرون إليهم نظرة استعلاء واحتقار لهم، ولما مشى المسلمون خلفهم صدق فيهم قول النبي ﷺ : (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم)، وصدق فيهم أيضاً ما ذكر النبي ﷺ من أنهم يجتمعون عليكم، ولما سألوا النبي ﷺ عن سبب ذلك قال: (يشد الله قلوبهم)، يعني: يقويهم ويجرئهم عليكم.
فيجرئهم علينا عندما نتنازل عن شرع الله ، ونبتعد عن دينه، فيشد الله قلوب أهل الذمة، فأول ما يصنعون أنهم يمنعون الجزية ولا يدفعونها، ولا يزالون يتقوون إلى أن يدفعها المسلمون لهم، وليس هم الذين يدفعونها، وهذا عندما يترك المسلمون الجهاد في سبيل الله سبحانه، ويتركون شرع الله وراء ظهورهم.
فإذا فعل المسلمون ذلك -وهذا ما حصل- فإن الكفار يفرضون عليهم الإتاوات، ويأخذونها منهم، ويمنعونهم من الجهاد في سبيل الله سبحانه، وإعلاء كلمته، وحتى ولو قالوا بألسنتهم بأنهم يحكمون بشرع الله، ويعلون دينه، فإن الحقيقة خلاف ذلك، ولا توجد دولة مسلمة تقيم شرع الله سبحانه، إلا ما كان في المملكة العربية السعودية من إقامة الحدود، أما باقي دول الإسلام فكلها تزعم أنها تقيم شرع الله، وأن دساتيرها لا تخالف شرع الله بزعمهم وكذبهم، والناس يصدقونهم في ذلك، في حين أن هذه الدول تلهث وراء الغرب الكافر، وتأخذ تشريعاته، فهذه الدولة تتبع القانون الفرنسي، وهذه تتبع القانون الإنجليزي، وكل دولة تتبع هواها في ذلك.
стр. 3455
فضل إقامة الحدود
وأما أحكام شرع الله ، وحدود كتاب الله، وما جاء في سنة رسول الله ﷺ فلا يطبق شيء من ذلك، وقد قال النبي ﷺ : (لحد واحد يقام في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً)، فلأن يقيموا حداً واحداً من حدود كتاب الله ، خير لهم؛ لأنهم بإقامتهم لحدود الله ، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر يفتح عليهم البركات من السماء والأرض، ولكنهم اتبعوا أهواء الكفار.
فمثلاً يقول الكفار: تحرير النساء، وهؤلاء يقولون كذباً وزوراً كما يقول هؤلاء المجرمون: نحرر النساء! ولا يدرون بأن النساء كن عند هؤلاء الكفار مجرد إماء، وكانت المرأة عندهم شيطاناً ورجساً، وقد كان اليهود إذا حاضت المرأة يهجرون البيت كله الذي فيه هذه المرأة؛ لأنها عندهم نجسة.
فقالوا: نحرر المرأة مما كانوا فيه من رق للمرأة، ومن وصفها بأنها شيطان، ومن كونها عندهم لا تعقل ولا تفهم، فقالوا: نحرر المرأة، فإذا بالمسلمين يقولون: نحرر المرأة، ومن أي شيء يحرر المسلمون المرأة؟! لم يبق عندهم إلا أن يحرروها بزعمهم من شرع ربنا سبحانه فيقولون: هي حرة تلبس ما تشاء، وتفعل ما تشاء، وتخرج مثل الذكور، وليس لأحد سلطان عليها، حتى إن بعض الكافرات ممن تكتب في صحف المسلمين تقول: لا بد من تحرير المرأة، ولا مانع من قوامة المرأة على الرجل، وهي أستاذة في الفلسفة، ومع ذلك تتكلم بهذا الشيء! فقد أصبح كل من هب ودب يتكلم في دين الله ، حتى هذه المرأة الفاجرة المتبرجة الكافرة تقول ذلك، ولا تستحي أن تقول: لا مانع من قوامة المرأة على الرجل! والله يقول: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٤]، فضل الله الرجل على المرأة في الخلقة، وجعل له عليها القوامة عليها، وقال النبي ﷺ : (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة).
فقال المشايخ بجواز ذلك، وأنه ليس هناك مانع من أن تتولى المرأة أمر الناس، وهذا الكلام هو في بنت كسرى فقط، وأما باقي الناس فكلهم مفلحون، وكل من يولي أمره امرأة فهو مفلح، ولكن يختلف الفرس! فهؤلاء الكذابون الأفاكون الذين يكذبون على النبي ﷺ ، ويؤولون ما يقوله صلوات الله وسلامه عليه هم الذين جرءوا أمثال هؤلاء الفاجرات على ذلك، وجرءوهن على دين الله سبحانه بفتواهم: أنه لا مانع أن تكون المرأة قوامة على الرجل، ولا مانع أن تكون المرأة رئيسة أو تكون ملكة أو تكون ما تكون، لا مانع من ذلك، مجاملة للغرب الكافر؛ لأنهم في ميثاق الأمم المتحدة أول ما ذكروا في ذلك تحرير المرأة، وأن المرأة تكون كالرجل في كل شيء، ولا بد من موافقة الكل على ذلك، فإذا بحكومات الدول توافق على ذلك، وإذا بالمشايخ يهرعون وراءهم، ويقولون هذا الشيء، فتجترئ هذه المرأة الفاجرة وتقول: ما المانع أن تكون المرأة نصيبها في الميراث كالرجل؟ وأنا شخصياً أوصي بهذا الشيء، وأن يكون ابني كبنتي، ولا تكون البنت أقل من الابن، وتجترئ على كتاب الله، والذي جرأها على ذلك خيبة المشايخ، وخيبة المسلمين.
فإنهم تركوا الدين وراءهم فاجترأت الفاجرات والكافرات والعاهرات بالكلام، وحتى الممثلة الفاجرة المجرمة تتكلم في دين الله سبحانه ﵎، وتقول: أنا أرى كذا وكذا!!! فإذا تكلم أهل الدين قالوا: رجعيون، وقالوا: أصوليون، وقالوا: إرهابيون، وقالوا: متزمتون، فتركوا الدين وراءهم، وأصبح الذين يتكلمون في دين الله الصحفي المأجور العميل، والمرأة الفاجرة المجرمة، والمرأة العاهرة الممثلة، والمغنية، والرقاصة.
وإذا تكلم أهل الدين قالوا لهم: ما لكم ولهذا؟! فنحن ما تأخرنا إلا بهذا الشيء! ألا لعنة الله على الكافرين، فإن شرع الله من تمسك به وجعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن ألقاه وراء ظهره قاده إلى نار جهنم والعياذ بالله، فكتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، من أخذ به عصم، ففيه العصمة، ولا تغتر بكثرة الهلكى والفسقة والمجرمين، قال بعض السلف: الزم طريق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين، فالهلكى كثيرون، ولكن الزم دين الله وشرعه، قال تعالى: ((َلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)).
فلا تتبع أهواء هؤلاء، ((إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا))، فكل إنسان مسئول عن نفسه يوم القيامة، أما من يفتي للناس ويقول: أنا أحملها يوم القيامة، فقد قال الله : ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١]، فمن يحلل للناس الربا ويقول: أنا أحملها يوم القيامة، فليحمل مصيبته، وكل إنسان قد عرف حكم الربا في دين الله ، وعرف الحلال من الحرم.
والذي يحلل بيع الخمر للكفار ويقول: أنا أحملها عند الله يوم القيامة، أيحمل خبثاً من الخبائث في الدنيا وفي الآخرة؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فيوم القيامة لا يغني أحد عن أحد شيئاً، كما قال الله: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١].
وقال: ﴿ولا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، وقد لعن النبي ﷺ في الخمر عشرة، (لعن عاصرها ومعتصرها وبائعها ومشتريها، وساقيها ومسقيها، وحاملها والمحمولة إليه، وآكل ثمنها).
ثم بعد ذلك يجوز بعضهم بيعها للكفار! ويجيز للمسلم أن يبيعها للكافر في الفنادق في بلاد المسلمين، فطالما الكفار يشربونها فالمسلمون يبيعونها لهم!
стр. 3456
سبب تسلط الأعداء علينا
لما تنازل المسلمون عن دين الله سلط الله عليهم أعداءه سبحانه، فأصبحوا لا يملكون إلا الشجب والصراخ واللجوء إلى الأمم المتحدة أن يعملوا لهم شيئاً حتى لا يشتم ديننا، ولا يفعل كذا! فرضوا بالذل، فسلط الله عليهم من يذلهم ويتحكم فيهم، قال النبي ﷺ : (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله، ورضيتم بالزرع سلط الله عليكم ذلاً، لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم).
فإذا رضيتم بالدنيا، وطلبتموها، وتركتم الآخرة وراء ظهوركم، و (إذا تبايعتم بالعينة)، أي: الربا، وإذا حلل لكم الربا، وأفتاكم المفتون بأنه لا يوجد مانع في الصورة الفلانية فاعملوها، وهي من الربا، والعينة صورة من صور الربا المغطى، وفيها التدليس، والضحك على الناس والخديعة، وهي مثل أن يبيع الإنسان الثوب ولا يريد أن يبيعه، وإنما يريد أن يأخذ مائة درهم ويدفع مكانها مائتان، فهذه من الربا، فهو يقول لك: اشتر مني هذا الثوب بمائة جنيه، وعندما يقبضها، يقول: بعه لي بالتقسيط بمائة وخمسين، فكأنه في الحقيقة أخذ مائة ليردها مائة وخمسين، فهذه هي العينة، أخذ مالاً ليرده أكثر منه، فتحايلوا على الربا قال النبي ﷺ : (إذا تبايعتم بالعينة) يعني: تحايلتم على تحليل ما حرم الله سبحانه.
(إذا تبايعتم بالعينة، واتبعتم أذناب البقر) أي: إذا ﵁ كل إنسان بهذا الشيء، ولم يفكر في غيره، وإنما كل تفكيره في ماله.
(ورضيتم بالزرع) أي: رضيتم بالزراعة والعمل فيها، ولم يهتم بغيرها، (وتركتم الجهاد في سبيل الله)، ولغيتم آياته وأحاديثه من المناهج، فإذا فعلتم ذلك (سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم)، أي: حتى يرجع كل إنسان إلى دينه، ويعرف الحق الذي جاءه من عند الله، ويتمسك بكتاب الله سبحانه وسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، وهذا حال المسلمين الآن فكل منهم قد رضي بما هو فيه، فهذا راض بماله، وهذا راض بعمله، وكل إنسان مشغول بنفسه، يريد أن يأكل لقمة عيشه، ويتعلل بما وراءه، وإذا قيل له: أد زكاة مالك، قال: لا أحد محتاج أو أن الناس لا يستحقونها.
وأحد المسلمين يسأل بأنه تزوج امرأة تملك من المال مائتين ألفاً، وأنها لا تؤدي الزكاة، ولما سألها عن الحج استهزأت، ولا تصلي، فيسأل ماذا يعمل؟ لا يحل له أن يعيش معها وهي كافرة، ولما سئل: لماذا تزوجتها؟ قال: بسبب مالها! فلما اتبع المسلمون الغرب الكافر قلدوهم في كل شيء، فلم يبق لهم من الإسلام إلا الأسماء، اسم هذا مسلم وهذه مسلمة، ولم يدخل فيهم حقيقة الإسلام، فتجد الكثيرين منهم لا يعرفون شيئاً عن دين ربهم سبحانه، وتجد الكثيرين يحاربون دينهم وهم يعرفون أو لا يعرفون قبل أعدائهم، ولذلك سلط الله بعضهم على بعض، وجعل بأسهم بينهم كما جعل اليهود والنصارى من قبل.
قال الله : ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الجاثية:١٨ - ١٩]، وقال: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١].
وقد قال هذا للنبي ﷺ ، فكيف بغيره؟ أي: أن الكفار واليهود والنصارى لن ينفعوك يا محمد يوم القيامة.
فهم ((لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)).
وشيئاً هنا: نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، أي: لن يغنوا عنك ولو بأقل شيء، ولو شيئاً يسيراً جداً، فلن يغنوا عنك ولن ينفعوك عند الله .
стр. 3457
ولاية الله لعباده المتقين
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الجاثية:١٩] أي: الذين ظلموا أنفسهم بشركهم وبكفرهم، فالظلمة بعضهم أعوان بعض، فيعين بعضهم بعضاً على الإسلام، وعلى أهل الإسلام، ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية:١٩]، ولم يقل: المسلمين؛ لأن الكثير يزعمون أنهم على الإسلام، فكل أحد يقول: أنا مسلم.
فهذا يشرب الخمر ويقول: أنا مسلم، وهذا يفعل الفواحش ويقول: أنا مسلم، وهذا يفعل كذا ويقول: أنا مسلم، فلذلك قال الله: (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ) الذين يتقون الله، ويخافونه، ويقدمون له ، فهؤلاء هم الذين يتولاهم وينصرهم ويدفع عنهم سبحانه، ويدافع عنهم الله سبحانه.
стр. 3458
تفسير قوله تعالى: (هذا بصائر للناس)
قال الله تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية:٢٠] أي: هذا الذي ذكرناه، وجاءك من عند الله، فيه دلائل بينة واضحة على وحدانية الله ، وقد أخبركم الله فيه عما يريده منكم.
ففيه براهين، ودلائل ومعالم للناس، وفيه حدود الله وأحكامه، فقد وضح لكم شرعه، فجعله كالشيء المبصر تراه أمامك واضحاً، فلا إشكال في شرع الله ، فقد وضح كل شيء في كتابه وعلى لسان نبيه صلوات الله وسلامه عليه وبفعله.
((هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى)) أي: هذا القرآن العظيم هدى من الله، يبصر الخلق، ويهديهم الله رحمة بهم.
فالحجة تقام على الجميع بهذا القرآن، وأما الهداية والرحمة فهي لمن اختصه الله ، فيحول من يشاء إلى دينه ، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بفضله وبكرمه.
وأما الرسول فإنما عليه أن يبين، وأن يبلغ ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [المائدة:٩٩]، وقال: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤].
فالرسول يبين ﵊، ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣]، فيرحم عباده الذين يصدقون ويؤمنون ويتابعون الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 3459
تفسير قوله تعالى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات)
قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١] أي: اضرب عن هؤلاء الكفار، وعما يقولونه لك، وانظر في حالهم، بل أحسبوا، أي: أحس وظن وزعم هؤلاء وقد اجترحوا السيئات، أي: اكتسبوها واقترفوها من الجارحة، والجارحة الكاسبة هي: جوارح الإنسان كاليدين ونحوها، التي يجترح بها، أي: يمسك ويأخذ ويكسب، فاجترح بمعنى: اكتسب واقترف.
فهؤلاء الكفار الذين اكتسبوا السيئات فوقعوا في الشرك بالله سبحانه، وظلموا العباد، هل حسبوا وظنوا وزعموا: ((أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ))؟ أي: أن نجعلهم كالذين صدقوا بكتابنا وبرسولنا ﵊، وعملوا بكلام رب العالمين متبعين له سبحانه، فهل نجعل هؤلاء كهؤلاء؟ ((سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ)) أي: نجعلهم سواء، فهي منصوبة على ذلك؛ لأن المفعول الثاني لنجعل (أن نجعلهم) سواء، وهذه قراءة حفص عن عاصم وحمزة، والكسائي، وخلف وقرأ باقي القراء أن نجعلهم: ((سَوَاءٌ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ)) على الابتداء والخبر يعني: ((مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ)) سواء فنجعلهم كذلك، أي: هل ظنوا أن نجعلهم مثل ما كانوا في الحياة الدنيا ثم يموتون ولا بعث؟ هل يظنون ذلك؟ وهل يظلمون في الدنيا، ولا ينصرون يوم القيامة؟ كلا ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] أي: لا نفعل ذلك أبداً.
بل لا بد من بعث، ولا بد من جزاء وحساب، ولا بد من عقاب لهؤلاء الكفرة والمجرمين والظلمة.
قال تعالى: ﴿ألا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١] أي: ساء ما يزعمون، وساء ما يقضون به، من أنهم يحكمون ويقولون: إننا نحيا ونموت وانتهى الأمر على ذلك، فساء قولهم قولاً وساء حكمهم حكماً، ((سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)).
بل إن الله الذي خلق السموات والأرض بالحق قادر على أن يحيي هذه العظام بعد موتها، وأن يجازي أهلها، ولذلك قال: ((وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ))، فإذا كان خلق السموات بالحق، وخلق الأرض بالحق، فهل يخلق العباد باطلاً، ويجعلهم عبثاً وسدىً لا يبعثون؟ قال: ((وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ))، فلا بد من ذلك، فكل امرئ يجزئ يوم القيامة بما كسب، ((وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ))، كما قال تعالى: ﴿لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩].
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
стр. 3460
تفسير سورة الجاثية [١٨ - ٢٣]
يخبر الله تعالى عن خلقه للسماوات والأرض وما فيهما من الكواكب والنجوم والمجرات والجبال والبحار والهضاب، وقد خلق كل هذه الأشياء بالحق، وكلها تعبد الله ، فعجباً لمن اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم، فترك عبادة مولاه الذي خلقه، وصار يعبد مخلوقات مثله لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً.
стр. 3461
تفسير قوله تعالى: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الجاثية: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٢ - ٢٣].
لما ذكر الله سبحانه ﵎ أمر هذه الشريعة العظيمة، التي جعل عليها النبي ﷺ مبلغاً لها ومعلماً إياها، أمره أن يتبعها، وأمر المؤمنين أن يقتدوا بالنبي ﷺ ، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية:١٨]، والنبي ﷺ مأمور بأن يتبع هذه الشريعة التي جاء بها من عند رب العالمين، والمؤمنون مأمورون بذلك، أما المشركون واليهود والنصارى وغيرهم الذين لا يعلمون بأس الله، ولا يعلمون شرعه، والذين يحاربون رسول الله ﷺ ، فهم أهل جهل وحماقة، لأنهم لا يعرفون الحق ويعادونه، مع أنهم لا يحاولون أن يتعرفوا عليه، ولا أن يكونوا مع النبي صلوات الله وسلامه عليه ليفهموا منه ما يبلغهم صلوات الله وسلامه عليه.
فهؤلاء وصفهم الله بأنهم لا يعلمون، قال تعالى في سورة الروم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] إذاً فهم ليسوا على علم ينفع، وإن كانوا يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، فهم يعرفون ظواهر من العلوم الدنيوية، كالعلوم الطبيعية، كعلم الصيدلة والطب وغيرهما من العلوم.
أما العلوم التي توصلهم لليقين بالله سبحانه، والإيمان بالغيب واتباع شريعة رب العالمين، فهم لا يحاولون أن يفكروا في ذلك، ولا يريدون إلا الدنيا وصرحوا بذلك، وقال الله عنهم: ((وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ)).
فهؤلاء الذين علموا ظاهراً من الدنيا ولم يعرفوا ما عند الله سبحانه ﵎، فهم لا يعلمون، لأنهم علموا علوماً بسيرة، أما ما أعده الله للأبرار، وما أعده للفجار، فهم لا يعرفون من ذلك شيئاً، ولا يريدون أن يعرفوا ذلك، ولا يريدون أن يعرفوا لماذا خلقوا في هذه الدنيا؟ قال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٧].
فالغاية والهدف الذي خلق من أجلها العبد في هذه الدنيا، هو ليعبد الله سبحانه، والكفار لا يريدون أن يعبدوا الله سبحانه ﵎، فهم يعبدون أهواءهم كما ذكر الله سبحانه في آيات عديدة.
وقوله : ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية:١٩] أي: الله ولي المؤمن التقي الذي يتولى ربه، فيدافع عن دين الله سبحانه، ويدفع عن نفسه غضب الله بطاعة الله وتقواه، فهذا ولي الله سبحانه ﵎.
стр. 3462
تفسير قوله تعالى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات)
قال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١] أي: أحسب الذين اكتسبوا السيئات ووقعوا في الآثام والشرور، أن نسوي بينهم وبين المؤمنين الذين عملوا الصالحات في المحيا والممات؟ أيحسبون أننا نخلقهم في الدنيا، ليأخذوا منها ما يشاءون، والبعض الآخر لا يجدون فيها شيئاً، وقد عبدوا الله سبحانه، وأحسنوا وصدقوا الرسل، ثم يموت الجميع، ولا يوجد بعث بعد ذلك؟! فهذا ظلم، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].
стр. 3463
تفسير قوله تعالى: (وخلق الله السماوات والأرض بالحق)
قال الله تعالى: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الجاثية:٢٢] فالسموات مخلوقة بالحق، والأرض مخلوقة بالحق، والكواكب والنجوم وما في هذا الكون كله مخلوق بالحق، ومخلوق بميزان العدل، لا شيء ينحرف عن مساره، أو يقصر فيما أمره الله به.
وإذا كان كل ما أوجده الله بالحق وبالعدل، أفيخلق الإنسان، وبعد ذلك يجعله يموت ولا يوجد حساب ولا عقاب؟! فأي ظلم هذا؟! حاشا لله أن يظلم عباده: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، وقوله تعالى: ((وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ))، الواو واو الفصيحة التي سبقها معاني، فخلق الله السموات والأرض بالحق ليبين لكم قدرته وعدالته فيما يفعله في هذه المخلوقات التي خلقها.
وقوله تعالى: ((وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ)) أي: لتعتبروا بذلك، ولتعلموا أنكم تجزون يوم القيامة عند الله سبحانه، فكل واحد يجزى ويسأل عن نفسه، وكل نفس يسألها الله ويجازيها على كسبها.
((وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)) أي: حاشا لله أن يظلم أحداً من عباده.
стр. 3464
تفسير قوله تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواء)
قال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣].
((أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ)) [الجاثية:٢٣] قوله تعالى: ((أَفَرَأَيْتَ)) هذه قراءة الجمهور، ويقرؤها نافع وأبو جعفر والأزرق بالمد الطويل، ((أفرآيت من اتخذ إلهه هواه))، ويقرؤها الكسائي: ((أفريت من اتخذ إلهه هواه))، والمعنى واحد، أي: اعجب لهؤلاء الذين عبدوا الهوى من دون الله سبحانه ﵎! وإعراب كلمة لا إله إلا الله، على النحو التالي: لا نافية للجنس، وإله اسمها، والخبر دائماً محذوف، فمثلاً: لا تلميذ في الفصل، ولا مصل في المسجد، خبرهما محذوفان تقديرهما موجود.
ولكن خبر لا النافية في كلمة: لا إله إلا الله ليس تقديره: موجود؛ لأن هناك آلهة غير الله تعبد من دون الله، فلا يقال: لا إله موجود غير الله، بل في الوجود آلهة تعبد، منها: الهوى والشيطان وغير ذلك، ولكن التقدير للخبر فيها هو كلمة حق، أي: لا إله حق إلا الله، وكل الآلهة باطل.
فإذاً: هناك آلهة تعبد من دون الله، كالشيطان والأصنام والأوثان والهوى والشمس والقمر والنجوم والكواكب.
وقوله تعالى: ((أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)) يعني: اتخذ إلهاً بمزاجه، ويعبد ما يشاء بالهوى، فصار الهوى هو الذي يحكمه، ولذلك يقول سعيد بن جبير: كان أحدهم يعبد الحجر، فإذا رأى ما هو أحسن منه، رمى بالأول وعبد الآخر، أي: إذا رأى حجراً جميلاً، عبده بهواه وبمزاجه وهو يعلم أنه لا ينفع ولا يضر، ولكن الهوى يهوي به في الجحيم والعياذ بالله، فيعبد غير الله ويعرض نفسه للعذاب الأليم.
стр. 3465
سبب نزول قوله تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه)
قال مقاتل: نزلت في الحارث بن قيس السهمي أحد المستهزئين؛ لأنه كان يعبد ما تهواه نفسه، وقال سفيان بن عيينة: إنما عبدوا الحجارة؛ لأن البيت حجارة، يعني: البيت الذي أقامه إبراهيم حجارة، والمسلم حين يطوف بالكعبة المكرمة المشرفة لا يعبد الكعبة، إنما يعبد الله سبحانه، كما أنه حين يتوجه في الصلاة إلى القبلة، فيتوجه إلى هذا الجدار؛ لأنه سترة، فلا يعبد جداراً، إنما يعبد الله سبحانه ﵎، ولا بد من وجهة للعبادة، إما شمال أو جنوب أو شرق أو غرب، فجعل الله القبلة في سرة الدنيا، وأمر كل الخلق أن يتوجهوا إلى هذا المكان بالصلاة ونحو ذلك.
فإذاً الجهة ليست معبودة، وإنما يتوجهون إليها عندما يصفون صفوفاً، وحتى يكون الجميع على قلب واحد، وإلى جهة واحدة، يعبدون رباً واحداً سبحانه ﵎.
فهؤلاء الكفار لم ينظروا في ذلك، وإنما نظروا إلى أن البيت من حجر، فعبدوا الأحجار من دون الله.
يقول الحسن وقتادة: ذلك الكافر اتخذ دينه هواه، فلا يهوى شيئاً إلا ركبه، فكانوا يستحسنون الأشياء فيعبدونها، يصنع أحدهم صنماً من العجوة، فإذا جاع أكل صنمه، وهو يعلم أنه لا ينفع ولا يضر، فالكافر يفعل هذا الشيء وبزعمه من أجل ألا يتحكم أحد فيه، فيعبد غير الله بهواه.
стр. 3466
معنى قوله تعالى (وأضله الله على علم)
قوله تعالى: ((وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ)) أي: أضله الله على علم، فالجار والمجرور متعلق إما بالله، وإما بالكافر، فالكافر لا يستحق سوى النار، والله أضله بعدما أعذر إليه وأنذره سبحانه ﵎، فأنزل الكتاب وأرسل رسوله صلوات الله وسلامه عليه ليبين له الصواب، فأعذر للخلق بإقامة الحجة لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، فيكونون على علم من الله ما الذي يستحقه هذا الإنسان الكافر؟
стр. 3467
المهلكات التي تهلك الإنسان والمنجيات التي تنجيه
جاء في أمر الهوى حديث صحيح أو حسن، رواه الطبراني في الأوسط عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (ثلاث مهلكات وثلاث منجيات، وذكر النبي ﷺ المهلكات فقال: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه)، فالمهلكات التي تهلك الإنسان: شح مطاع، فالإنسان في باطنه شح، وأُمِرَ أن يواري ذلك ويقاوم ذلك، ولا يستجيب لشح نفسه، فإذا الإنسان أطاع نفسه في الشح والبخل، ولم يعط الحقوق لأصحابها، فإن ذلك شح مطاع يهلك الإنسان.
وهوى متبع: فالإنسان يتبع هواه فيؤثر دنياه على الآخرة، وكلما أراد في الدنيا شيئاً أخذه، وحاول فيه وسعى له، ولم ينل منها إلا ما قسمه الله له.
وإعجاب المرء بنفسه: أي: أن يكون معجباً بنفسه وبرأيه، لا يلتفت إلى غيره، ويظن نفسه أفضل من الناس وأعلى منهم، ولا يريد أن ينتصح بنصيحة، لا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ ، فهذا الإنسان المعجب بنفسه يهلك نفسه في ذلك، فهذا معنى قول النبي ﷺ : (شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه).
والمنجيات التي تنجي الإنسان، ذكر منها النبي ﷺ الخشية لله، فقال: (خشية الله في السر والعلانية) أي: خوف الله ، وإرضاؤه سبحانه ﵎، سراً وعلانية، فالإنسان حين يرضي ربه سبحانه، يرضي الله عنه خلقه، فالإنسان يجعل أمام عينيه أن يرضي الله، أما إرضاء الناس فصعب ومستحيل، فإن كل إنسان له هوى معين، وله مزاج وطريقة، فرب الناس سبحانه ﵎ الذي خلقهم، هو القادر على أن يحول قلوبهم، وأن يجعلهم يحبونك أو يبغضونك.
فمن توجه في حب الله ، والعمل لله سبحانه، فإن الله يرضي عنه سبحانه ﵎، ويرضي عنه الناس، فرضا الناس غاية لا تدرك، ولو أشعلت للناس أصابعك كلها كالشمعة، فلا يرضى عنك الناس أبداً، فكل إنسان سينقدك، وسيقول لك: اعمل كذا وكذا، ومفروض عليك كذا، ولن تخلص منهم أبداً، وكم تسمع من النصائح كل يوم! ومهما تذكر للناس أعذارك أنها كذا وكذا، فلا أحد يقبل، ولو تمكنوا أن يبقوك تخدمهم الليل والنهار ولا تنام لفعلوا فيك هذا الشيء! فتوجه إلى الله بالعبادة، وبالإحسان إلى خلقه بما تقدر عليه، ويستحيل على الإنسان أن يفعل كل خير، ولذلك جاء في الحديث، (ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)، فلو حاول المسلم أن يحفظ القرآن كله، بكل قراءاته وبوجوهه وفقهه وأصوله وأحاديثه المتعلقة به وغير ذلك ما استطاع ذلك، فأين العمر لذلك؟ وأين العقل الذي يحصل هذا كله؟ وربنا يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥].
فلو حاول الإنسان وأجهد نفسه في ذلك، قصر في أمور أخرى، قصر في حاله وفي عياله وفي بيته وفي عمله، فلذلك يكون الإنسان متوازناً، فقد يقول لك إنسان: لماذا تركت كذا؟ وأنت لا تستطيع هذا الشيء، فيقول لك: المفروض عليك أن تحاول، فالناس يتعبون جداً جداً.
فالمؤمن الذي يخاف من الله، يؤدي حقوق الله سبحانه، وحقوق العباد بحسب القدرة والاستطاعة.
ومن المنجيات كذلك، القصد في الغنى والفقر، قال النبي ﷺ : (والقصد في الغنى والفقر) فتقتصد وأنت غني أو فقير، وتعود نفسك على ذلك، ولا تعودها على التبذير قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء:٢٧]، ولا تعودها على الإمساك والشح فتضيع نفسك، فالمطلوب الوسط.
ومن المنجيات أيضاً، العدل في الرضا والغضب، قال النبي ﷺ : (والعدل في الرضا والغضب) أي: أن تعدل في وقت رضاك وفي وقت غضبك، فإذا غضبت فاحلم، وبعد ذلك افعل الشيء الذي يمليه عليك الشرع الحكيم، فالمسلم في وقت غضبه يمسك نفسه، وبعد أن يذهب غضبه، يتكلم بعد ذلك، حتى لا يقع في الخطأ في وقت الغضب.
فالنبي ﷺ حذرنا من الهوى ومن الغضب ومن الشح.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3468
تفسير سورة الجاثية [٢٣ - ٢٦]
كل من يعبد شيئاً من دون الله فهو عابد لهواه، ومن عبد هواه أضلَّه الله وإن أتاه من ينذره، وقد حذر النبي ﷺ من الهوى المتبع، وقد أضلَّ الله المشركين فأنكروا البعث، وجعلوا غايتهم هي الدنيا، وحجتهم في ذلك أنهم يموتون ويحيون وما يهلكهم إلا الدهر، كما يزعمون.
стр. 3469
تفسير قوله تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الجاثية: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية:٢٣ - ٢٤].
يذكر الله أمر الذين عبدوا الهوى من دونه ، وكل من يعبد شيئاً من دون الله فهو عابد لهواه؛ لأنه يعبد ذلك معرضاً عن الحق، معرضاً عن الله سبحانه، معرضاً عما جاء به النبي ﷺ ، متبعاً بزعمه ما يهواه وما يحبه، متبعاً ما يراه أنه هو الذي يصلح، وإن كان حقيقة الأمر أنه لا أحد ممن يعبد مخلوقاً من دون الله يقتنع بذلك، فالذين عبدوا الأصنام وعبدوا الأحجار وعبدوا الشمس وعبدوا القمر علموا أن هذه الأشياء لا تنفع ولا تضر، ولكن كل منهم أراد أن يجعل لنفسه شيئاً يختص به كنوع من الهوى ونوع من المزاج، هذا يعبد الصنم الفلاني، وهذا يعبد الصنم الفلاني، وهذا الصنم صنم القبيلة، وإذا كان الإنسان سيداً في قومه فله صنم لوحده، وكل إنسان بمزاجه يعبد ما يريد، فهنا ربنا عجب من هؤلاء، يعني: أمر الدنيا صارت بالأهواء، وكذلك العبادة يعبدون بأهوائهم، ولا يعبدون الله سبحانه، وقد علموا أنه خالقهم، وأنه رازقهم، وأنه محييهم، وأنه مميتهم سبحانه، فعجباً لأمر هؤلاء الذين اتخذوا الهوى إلهاً من دون الله سبحانه.
وذكرنا أن الإنسان الذي يتبع غير سبيل الله سبحانه، ويتبع غير سبيل المؤمنين متبع للهوى، سواء كان في العبادة أو في المعاملة أو في العادة أو غير ذلك، وسبيل الله كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣].
فصراط الله واحد، وهو طريق واحد جاءنا من عند الله على لسان النبي ﷺ ، هذا طريق الله، وغير هذا الطريق على رأس كل منها شيطان يدعو إليها ويهوي بصاحبها إلى النار.
стр. 3470
ثلاث يخاف النبي ﷺ على الأمة من الانزلاق فيها
جاء في حديث النبي صلوات الله وسلامه عليه الذي رواه الطبراني ورواه أبو نعيم في الحلية من حديث أبي الأعور السلمي أن النبي ﷺ قال: (إنما أخاف على أمتي ثلاثاً: شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، وإماماً ضالاً)، يخاف النبي ﷺ على أمته ثلاثاً: أولها: الشح، والإنسان شحيح بطبعه كما قال الله : ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:١٢٨] يعني: خلقت النفس ومن طبيعتها الشح، والله جعل ذلك في طبيعة الإنسان وأمره أن يقاوم هذه الطبيعة، كما ركب في نفس الإنسان الشهوة وأمره أن يهذب هذه الشهوة، ولو كان الإنسان ليس فيه شهوة أصلاً لما نهاه الله عن الزنا؛ لأنه ليس فيه شهوة أصلاً حتى يزني، ولو كان الإنسان ليس فيه شح لما نهاه عن السرقة؛ لأنه ليس طماعاً أصلاً، ولكن جعل الله في نفس الإنسان ما يدعوه إلى الخير وفي نفسه ما يدعوه إلى الشر، وأنزل القرآن وأنزل على النبي ﷺ الحكمة والسنة حتى يهذب نفس الإنسان، ويعين ما فيه من خير على فعل الخير، فجاء الكتاب من عند الله ليعدل نفس هذا الإنسان، وليقوي جانب الخير فيه، ويوضح له أن احذر من هذا وامش في هذا، ولو لم يكن في داخل الإنسان ما يدعوه إلى الشر ما احتاج إلى كتاب وما احتاج إلى سنة، وما احتاج إلى رسول، وما كان الله ليخلق هؤلاء الخلق لو كان الأمر على ذلك، فعنده ملائكة يعبدون الله ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، ولكن لحكمته العظيمة سبحانه أراد أن يخلق مخلوقاً فيه الخير وفيه الشر، وأن يمتحن هذا المخلوق، وأن يبتليه، وأن يعينه على الخير، فينزل الكتاب، ويرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ ليدعو الخلق إلى الخير، فشح الإنسان في نفسه، وجاء الكتاب والسنة يهذبانه أن احذر من هذا الشح، فإن نفسك تدعوك إلى أن تجمع الدنيا، واجمع ما تنتفع به لدنياك ولأخراك، واحذر أن تجمع من الحرام أو أن تجمع ما لا تنتفع به بل تحاسب عليه، فقال: (إنما أخاف على أمتي ثلاثاً: شحاً مطاعاً) فيطيع الإنسان شحه، ويدعوه الشح إلى أن يأخذ الحرام فيفعل، ويدعوه الشح إلى أن يقتل فيقتل، وإلى أن يسرق فيسرق، وإلى أن يغصب فيغصب.
وقال ﷺ : (وهوى متبعاً) فالإنسان كلما هوى شيئاً اتبع هواه في ذلك، إذا هوى شيئاً من الشهوات اتبعها، فانزلق ووقع في الحرام، وإذا هوى شيئاً من الباطل اتبعه فوقع في الحرام، وإذا هوى شيئاً من الهوى ومن الشرك وقع في الشرك بالله فكان من أهل النار، فخاف النبي ﷺ على الأمة الهوى المتبع، الذي يجعل الإنسان ليس له قيد يحكمه، وليس عنده شيء يرسم له طريقه، ترك الكتاب وترك السنة ومشى في هواه فاتبع الهوى فوقع في النار.
قال: (وإماماً ضالاً)، والإمام بمعنى: من يكون إمام الناس، والذي يكون قدوة للناس، فإذا كان على الحق اتبعه الناس على الحق، وإمام المؤمنين وإمام المتقين هو رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء:٧١] والإمام: الكتاب، والإمام: من يقتدى به، فيكون هؤلاء الأمة خلف إمامهم رسول الله ﷺ ، معهم كتبهم فيها أعمالهم الصالحة يأخذونها بأيمانهم.
والإمام الضال قد يكون إنساناً كبيراً في قومه، شيخاً أو غير ذلك، والناس يجعلونه قدوة، وإذا به يدعوهم إلى الهوى فيسيرون وراءه في الهوى، يفتيهم بالباطل فيسيرون وراءه بالباطل، فخاف النبي ﷺ على الأمة من ذلك، ولذلك جاء عن معاذ ﵁ أنه في كل درس من دروسه كان يقول للناس: إني أخاف عليكم زيغة العالم، قالوا: كيف يزيغ؟ قال: اتقوا ما يقوله، فيقع في صدوركم ويفزع منه الناس، أي: أن الناس كانوا على خير، يعرفون أن هذا في كتاب الله حرام، وفجأة يقول لهم العالم: هذا حلال ليس فيه شيء! فيحدث في نفوس الناس شك وريب، والله يجعل في نفوس المؤمنين ما يدلهم على الحق وأن هذا صواب، والكلام الصواب له نور يجعله الله في الأذن فينزل إلى القلب، والكلام الباطل يدخل الأذن لا يتجاوزها إلى القلب، والمؤمن يستشعر بقلبه أن هذا العالم بعيد عن الصواب فيما قاله، وإن كان عالماً وإن كان حكيماً، ولكنه زاغ في هذه المسألة فاحذر أن تتبع الزيغ، فهنا النبي ﷺ يحذرنا من اتباع الهوى ومن اتباع الأئمة الضلال، فالإمام هنا: إمام عامة الناس، وأميرهم أو رئيسهم أو حاكمهم، وأما الإمام الخاص للناس: من يتبعونه ويقتدون به في دينهم أو في دنياهم، فحذر من ذلك ﷺ وأخبرنا في حديث آخر في إسناده ضعف ولكن يشهد له هذا الحديث وأحاديث أخر في هذا المعنى، قال النبي ﷺ : (فإذا رأيت هوى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك).
الإنسان يلزمه أن يأمر بالمعروف، وأن ينهى عن المنكر، حتى إذا وصل إلى درجة لا يستجيب له فيها أحد، ويصاب بالضرر من وراء ذلك، ولا يتغير هذا المنكر، فعند ذلك عليه بخاصة نفسه، ويترك أمر هؤلاء.
فالإنسان المؤمن يلزمه أن يدعو إلى الله كما قال الله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥].
وأمر النبي ﷺ المؤمن بقوله: (بلغوا عني ولو آية)، فالقرآن يأمر بالدعوة إلى الله ، والحديث عن النبي ﷺ يأمر بالتبليغ، حتى إذا أصاب الإنسان الضرر جراء ذلك فإن الله يقول: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥].
فقوله تعالى: ((عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ)) المعنى: مُرْ بالمعروف، وانه عن المنكر، ولست مسئولاً عند الله إلا عن نفسك.
إذاً: عليك بنفسك فأصلحها، ومن إصلاح النفس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن نفس الإنسان تصاب بالمرض إذا لم يأمر صاحب هذه النفس بالمعروف وينهى عن المنكر، ويضعف إيمانه شيئاً فشيئاً، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستشعر أنه يقيم شرع الله ، وأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فيكون في قلبه حرارة الإيمان، فقوله تعالى: ((عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ)) أي: نفسك هذبها، ومن تهذيب نفسك: أن يفيض ما في القلب من إيمان على الجوارح فيخرج منه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فإن لم تستطع ذلك وأصابك من إيذائهم ما أصابك، وخفت من تأثيرهم فيك وفي دينك، فلا تضرَّنَّ نفسك في أن تخالط أهل السوء طالما أنك لا تقدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
следующие страницы →