← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

معنى قوله تعالى (وأضله الله على علم) قوله تعالى: ((وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ)) أي: أضله الله على علم، فالجار والمجرور متعلق إما بالله، وإما بالكافر، فالكافر لا يستحق سوى النار، والله أضله بعدما أعذر إليه وأنذره سبحانه ﵎، فأنزل الكتاب وأرسل رسوله صلوات الله وسلامه عليه ليبين له الصواب، فأعذر للخلق بإقامة الحجة لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، فيكونون على علم من الله ما الذي يستحقه هذا الإنسان الكافر؟

стр. 3467

المهلكات التي تهلك الإنسان والمنجيات التي تنجيه جاء في أمر الهوى حديث صحيح أو حسن، رواه الطبراني في الأوسط عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (ثلاث مهلكات وثلاث منجيات، وذكر النبي ﷺ المهلكات فقال: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه)، فالمهلكات التي تهلك الإنسان: شح مطاع، فالإنسان في باطنه شح، وأُمِرَ أن يواري ذلك ويقاوم ذلك، ولا يستجيب لشح نفسه، فإذا الإنسان أطاع نفسه في الشح والبخل، ولم يعط الحقوق لأصحابها، فإن ذلك شح مطاع يهلك الإنسان. وهوى متبع: فالإنسان يتبع هواه فيؤثر دنياه على الآخرة، وكلما أراد في الدنيا شيئاً أخذه، وحاول فيه وسعى له، ولم ينل منها إلا ما قسمه الله له. وإعجاب المرء بنفسه: أي: أن يكون معجباً بنفسه وبرأيه، لا يلتفت إلى غيره، ويظن نفسه أفضل من الناس وأعلى منهم، ولا يريد أن ينتصح بنصيحة، لا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ ، فهذا الإنسان المعجب بنفسه يهلك نفسه في ذلك، فهذا معنى قول النبي ﷺ : (شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه). والمنجيات التي تنجي الإنسان، ذكر منها النبي ﷺ الخشية لله، فقال: (خشية الله في السر والعلانية) أي: خوف الله ، وإرضاؤه سبحانه ﵎، سراً وعلانية، فالإنسان حين يرضي ربه سبحانه، يرضي الله عنه خلقه، فالإنسان يجعل أمام عينيه أن يرضي الله، أما إرضاء الناس فصعب ومستحيل، فإن كل إنسان له هوى معين، وله مزاج وطريقة، فرب الناس سبحانه ﵎ الذي خلقهم، هو القادر على أن يحول قلوبهم، وأن يجعلهم يحبونك أو يبغضونك. فمن توجه في حب الله ، والعمل لله سبحانه، فإن الله يرضي عنه سبحانه ﵎، ويرضي عنه الناس، فرضا الناس غاية لا تدرك، ولو أشعلت للناس أصابعك كلها كالشمعة، فلا يرضى عنك الناس أبداً، فكل إنسان سينقدك، وسيقول لك: اعمل كذا وكذا، ومفروض عليك كذا، ولن تخلص منهم أبداً، وكم تسمع من النصائح كل يوم! ومهما تذكر للناس أعذارك أنها كذا وكذا، فلا أحد يقبل، ولو تمكنوا أن يبقوك تخدمهم الليل والنهار ولا تنام لفعلوا فيك هذا الشيء! فتوجه إلى الله بالعبادة، وبالإحسان إلى خلقه بما تقدر عليه، ويستحيل على الإنسان أن يفعل كل خير، ولذلك جاء في الحديث، (ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)، فلو حاول المسلم أن يحفظ القرآن كله، بكل قراءاته وبوجوهه وفقهه وأصوله وأحاديثه المتعلقة به وغير ذلك ما استطاع ذلك، فأين العمر لذلك؟ وأين العقل الذي يحصل هذا كله؟ وربنا يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]. فلو حاول الإنسان وأجهد نفسه في ذلك، قصر في أمور أخرى، قصر في حاله وفي عياله وفي بيته وفي عمله، فلذلك يكون الإنسان متوازناً، فقد يقول لك إنسان: لماذا تركت كذا؟ وأنت لا تستطيع هذا الشيء، فيقول لك: المفروض عليك أن تحاول، فالناس يتعبون جداً جداً. فالمؤمن الذي يخاف من الله، يؤدي حقوق الله سبحانه، وحقوق العباد بحسب القدرة والاستطاعة. ومن المنجيات كذلك، القصد في الغنى والفقر، قال النبي ﷺ : (والقصد في الغنى والفقر) فتقتصد وأنت غني أو فقير، وتعود نفسك على ذلك، ولا تعودها على التبذير قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء:٢٧]، ولا تعودها على الإمساك والشح فتضيع نفسك، فالمطلوب الوسط. ومن المنجيات أيضاً، العدل في الرضا والغضب، قال النبي ﷺ : (والعدل في الرضا والغضب) أي: أن تعدل في وقت رضاك وفي وقت غضبك، فإذا غضبت فاحلم، وبعد ذلك افعل الشيء الذي يمليه عليك الشرع الحكيم، فالمسلم في وقت غضبه يمسك نفسه، وبعد أن يذهب غضبه، يتكلم بعد ذلك، حتى لا يقع في الخطأ في وقت الغضب. فالنبي ﷺ حذرنا من الهوى ومن الغضب ومن الشح. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3468

تفسير سورة الجاثية [٢٣ - ٢٦] كل من يعبد شيئاً من دون الله فهو عابد لهواه، ومن عبد هواه أضلَّه الله وإن أتاه من ينذره، وقد حذر النبي ﷺ من الهوى المتبع، وقد أضلَّ الله المشركين فأنكروا البعث، وجعلوا غايتهم هي الدنيا، وحجتهم في ذلك أنهم يموتون ويحيون وما يهلكهم إلا الدهر، كما يزعمون.

стр. 3469

تفسير قوله تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الجاثية: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية:٢٣ - ٢٤]. يذكر الله أمر الذين عبدوا الهوى من دونه ، وكل من يعبد شيئاً من دون الله فهو عابد لهواه؛ لأنه يعبد ذلك معرضاً عن الحق، معرضاً عن الله سبحانه، معرضاً عما جاء به النبي ﷺ ، متبعاً بزعمه ما يهواه وما يحبه، متبعاً ما يراه أنه هو الذي يصلح، وإن كان حقيقة الأمر أنه لا أحد ممن يعبد مخلوقاً من دون الله يقتنع بذلك، فالذين عبدوا الأصنام وعبدوا الأحجار وعبدوا الشمس وعبدوا القمر علموا أن هذه الأشياء لا تنفع ولا تضر، ولكن كل منهم أراد أن يجعل لنفسه شيئاً يختص به كنوع من الهوى ونوع من المزاج، هذا يعبد الصنم الفلاني، وهذا يعبد الصنم الفلاني، وهذا الصنم صنم القبيلة، وإذا كان الإنسان سيداً في قومه فله صنم لوحده، وكل إنسان بمزاجه يعبد ما يريد، فهنا ربنا عجب من هؤلاء، يعني: أمر الدنيا صارت بالأهواء، وكذلك العبادة يعبدون بأهوائهم، ولا يعبدون الله سبحانه، وقد علموا أنه خالقهم، وأنه رازقهم، وأنه محييهم، وأنه مميتهم سبحانه، فعجباً لأمر هؤلاء الذين اتخذوا الهوى إلهاً من دون الله سبحانه. وذكرنا أن الإنسان الذي يتبع غير سبيل الله سبحانه، ويتبع غير سبيل المؤمنين متبع للهوى، سواء كان في العبادة أو في المعاملة أو في العادة أو غير ذلك، وسبيل الله كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]. فصراط الله واحد، وهو طريق واحد جاءنا من عند الله على لسان النبي ﷺ ، هذا طريق الله، وغير هذا الطريق على رأس كل منها شيطان يدعو إليها ويهوي بصاحبها إلى النار.

стр. 3470

ثلاث يخاف النبي ﷺ على الأمة من الانزلاق فيها جاء في حديث النبي صلوات الله وسلامه عليه الذي رواه الطبراني ورواه أبو نعيم في الحلية من حديث أبي الأعور السلمي أن النبي ﷺ قال: (إنما أخاف على أمتي ثلاثاً: شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، وإماماً ضالاً)، يخاف النبي ﷺ على أمته ثلاثاً: أولها: الشح، والإنسان شحيح بطبعه كما قال الله : ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:١٢٨] يعني: خلقت النفس ومن طبيعتها الشح، والله جعل ذلك في طبيعة الإنسان وأمره أن يقاوم هذه الطبيعة، كما ركب في نفس الإنسان الشهوة وأمره أن يهذب هذه الشهوة، ولو كان الإنسان ليس فيه شهوة أصلاً لما نهاه الله عن الزنا؛ لأنه ليس فيه شهوة أصلاً حتى يزني، ولو كان الإنسان ليس فيه شح لما نهاه عن السرقة؛ لأنه ليس طماعاً أصلاً، ولكن جعل الله في نفس الإنسان ما يدعوه إلى الخير وفي نفسه ما يدعوه إلى الشر، وأنزل القرآن وأنزل على النبي ﷺ الحكمة والسنة حتى يهذب نفس الإنسان، ويعين ما فيه من خير على فعل الخير، فجاء الكتاب من عند الله ليعدل نفس هذا الإنسان، وليقوي جانب الخير فيه، ويوضح له أن احذر من هذا وامش في هذا، ولو لم يكن في داخل الإنسان ما يدعوه إلى الشر ما احتاج إلى كتاب وما احتاج إلى سنة، وما احتاج إلى رسول، وما كان الله ليخلق هؤلاء الخلق لو كان الأمر على ذلك، فعنده ملائكة يعبدون الله ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، ولكن لحكمته العظيمة سبحانه أراد أن يخلق مخلوقاً فيه الخير وفيه الشر، وأن يمتحن هذا المخلوق، وأن يبتليه، وأن يعينه على الخير، فينزل الكتاب، ويرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ ليدعو الخلق إلى الخير، فشح الإنسان في نفسه، وجاء الكتاب والسنة يهذبانه أن احذر من هذا الشح، فإن نفسك تدعوك إلى أن تجمع الدنيا، واجمع ما تنتفع به لدنياك ولأخراك، واحذر أن تجمع من الحرام أو أن تجمع ما لا تنتفع به بل تحاسب عليه، فقال: (إنما أخاف على أمتي ثلاثاً: شحاً مطاعاً) فيطيع الإنسان شحه، ويدعوه الشح إلى أن يأخذ الحرام فيفعل، ويدعوه الشح إلى أن يقتل فيقتل، وإلى أن يسرق فيسرق، وإلى أن يغصب فيغصب. وقال ﷺ : (وهوى متبعاً) فالإنسان كلما هوى شيئاً اتبع هواه في ذلك، إذا هوى شيئاً من الشهوات اتبعها، فانزلق ووقع في الحرام، وإذا هوى شيئاً من الباطل اتبعه فوقع في الحرام، وإذا هوى شيئاً من الهوى ومن الشرك وقع في الشرك بالله فكان من أهل النار، فخاف النبي ﷺ على الأمة الهوى المتبع، الذي يجعل الإنسان ليس له قيد يحكمه، وليس عنده شيء يرسم له طريقه، ترك الكتاب وترك السنة ومشى في هواه فاتبع الهوى فوقع في النار. قال: (وإماماً ضالاً)، والإمام بمعنى: من يكون إمام الناس، والذي يكون قدوة للناس، فإذا كان على الحق اتبعه الناس على الحق، وإمام المؤمنين وإمام المتقين هو رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء:٧١] والإمام: الكتاب، والإمام: من يقتدى به، فيكون هؤلاء الأمة خلف إمامهم رسول الله ﷺ ، معهم كتبهم فيها أعمالهم الصالحة يأخذونها بأيمانهم. والإمام الضال قد يكون إنساناً كبيراً في قومه، شيخاً أو غير ذلك، والناس يجعلونه قدوة، وإذا به يدعوهم إلى الهوى فيسيرون وراءه في الهوى، يفتيهم بالباطل فيسيرون وراءه بالباطل، فخاف النبي ﷺ على الأمة من ذلك، ولذلك جاء عن معاذ ﵁ أنه في كل درس من دروسه كان يقول للناس: إني أخاف عليكم زيغة العالم، قالوا: كيف يزيغ؟ قال: اتقوا ما يقوله، فيقع في صدوركم ويفزع منه الناس، أي: أن الناس كانوا على خير، يعرفون أن هذا في كتاب الله حرام، وفجأة يقول لهم العالم: هذا حلال ليس فيه شيء! فيحدث في نفوس الناس شك وريب، والله يجعل في نفوس المؤمنين ما يدلهم على الحق وأن هذا صواب، والكلام الصواب له نور يجعله الله في الأذن فينزل إلى القلب، والكلام الباطل يدخل الأذن لا يتجاوزها إلى القلب، والمؤمن يستشعر بقلبه أن هذا العالم بعيد عن الصواب فيما قاله، وإن كان عالماً وإن كان حكيماً، ولكنه زاغ في هذه المسألة فاحذر أن تتبع الزيغ، فهنا النبي ﷺ يحذرنا من اتباع الهوى ومن اتباع الأئمة الضلال، فالإمام هنا: إمام عامة الناس، وأميرهم أو رئيسهم أو حاكمهم، وأما الإمام الخاص للناس: من يتبعونه ويقتدون به في دينهم أو في دنياهم، فحذر من ذلك ﷺ وأخبرنا في حديث آخر في إسناده ضعف ولكن يشهد له هذا الحديث وأحاديث أخر في هذا المعنى، قال النبي ﷺ : (فإذا رأيت هوى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك). الإنسان يلزمه أن يأمر بالمعروف، وأن ينهى عن المنكر، حتى إذا وصل إلى درجة لا يستجيب له فيها أحد، ويصاب بالضرر من وراء ذلك، ولا يتغير هذا المنكر، فعند ذلك عليه بخاصة نفسه، ويترك أمر هؤلاء. فالإنسان المؤمن يلزمه أن يدعو إلى الله كما قال الله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥]. وأمر النبي ﷺ المؤمن بقوله: (بلغوا عني ولو آية)، فالقرآن يأمر بالدعوة إلى الله ، والحديث عن النبي ﷺ يأمر بالتبليغ، حتى إذا أصاب الإنسان الضرر جراء ذلك فإن الله يقول: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥]. فقوله تعالى: ((عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ)) المعنى: مُرْ بالمعروف، وانه عن المنكر، ولست مسئولاً عند الله إلا عن نفسك. إذاً: عليك بنفسك فأصلحها، ومن إصلاح النفس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن نفس الإنسان تصاب بالمرض إذا لم يأمر صاحب هذه النفس بالمعروف وينهى عن المنكر، ويضعف إيمانه شيئاً فشيئاً، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستشعر أنه يقيم شرع الله ، وأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فيكون في قلبه حرارة الإيمان، فقوله تعالى: ((عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ)) أي: نفسك هذبها، ومن تهذيب نفسك: أن يفيض ما في القلب من إيمان على الجوارح فيخرج منه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإن لم تستطع ذلك وأصابك من إيذائهم ما أصابك، وخفت من تأثيرهم فيك وفي دينك، فلا تضرَّنَّ نفسك في أن تخالط أهل السوء طالما أنك لا تقدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 3471

معنى قوله تعالى: (وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه) قوله تعالى: ((وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ)) (على علم): جار مجرور، يتعلق بلفظ الجلالة الله سبحانه، أو بالضمير العائد إلى هذا الإنسان الذي يتكلم عنه (وأضله الله). فلفظ الجلالة يعود على علم يعني: الله علم أن هذا لا يستحق إلا ذلك، فقوله: ((وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ)) أي: أنه لا يستحق إلا ذلك، فالجار والمجرور يتعلق بهذا الإنسان بمعنى: أضله الله بعد أن أنذره، وبعد أن أخبره، وبعد أن بصره، وبعد أن أقام عليه الحجة، فلا أمل في هذا الإنسان أن ينجو، فأضله الله بعدما علمه الحق، ولكنه أصر على الباطل. إذاً: الإنسان حين يبتعد عن دين الله يبتعد عن الهدى فاستحق الغشاوة، واستحق الضلالة فأضله الله، وهذا قضاء الله وقدر الله الذي نؤمن به، أن الله يهدي بفضله، ويضل بعدله، فمن يهديه الله ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الجمعة:٤]، ومن يضله الله ذاك عبد الله، يفعل به ما يشاء ، والعباد يتقلبون بين فضله وعدله ، فقال لنا هنا: ((وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ))؛ لأنه لا يستحق إلا ذلك. وقال تعالى: ((وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ)) الختم: الطبع على السمع فإذا به يسمع كمن لا يسمع، ويسمع ولا ينتفع، ويسمع ولا يصل هذا الذي يسمعه إلى قلبه، قال تعالى: ((وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً)). جعل بصره لا يرى الحق، فكأنه يسير في ضلال، وفي مكان قد أغمض عينيه فيه ولا يعرف كيف يسير، والله سبحانه يقول: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد:١٧]، الذين آمنوا زادهم إيماناً، لكنَّ أهل الضلال طبع الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم، قال سبحانه: ((وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً)) (غشاوة): ما يغشي الشيء ويغطيه، فهنا ((وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً)) أي: لا يرى ببصيرته، ولا يرى بقلبه، فجعله كالأعمى الذي لا يرى أمامه شيئاً. ((وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً)) هذه قراءة الجمهور، وقرأ حمزة والكسائي وخلف: (وجعل على بصره غشوة) بمعنى: غطاء تغطية، على عينيه غشوة. قال تعالى: ((فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ)) إذا أضل الله إنساناً لا يقدر أحدٌ أن يهديه؛ ولذلك قال لسيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]. إذاً: كل إنسان يدعو إلى الله عليه بالأخذ بالأسباب، والنتيجة ليست له، وإنما السبب فقط، وكم من نبي دعا قومه فلم يؤمن معه إلا القليل، هذا نوح قال الله عنه: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠]، قلة من الناس آمنوا به بعدما دعاهم إلى الله سبحانه ألف سنة إلا خمسين عاماً! وقوله تعالى: ((أَفَلا تَذَكَّرُونَ)) هذه قراءة حفص عن عاصم، وحمزة والكسائي وخلف وباقي القراء يقرءون: (أفلا تذَّكَّرون) أصلها: تتذكرون، فخففت (تَذَكَّرون) وثقلت (تَذَّكرون) وأدغمت، فالمعنى فيها: يذكر فلا ينسى، أي: اذكر هذا الشيء الذي تعرفه، واذكر بمعنى: اعتبر واتعظ، أفلا تعتبرون؟ أفلا تتعظون؟ أفلا تحمدون الله سبحانه أن هداكم ودلكم على الطريق الصواب؟ وهذا هدى الله يهدي به من يشاء، هو أعلم من يستحق الهدى ومن يستحق الضلال، فاحمد ربك على ما أعطاك، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر كما أمرك الله .

стр. 3472

تفسير قوله تعالى: (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا) قال الله تعالى عن هؤلاء الكفار: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية:٢٤] وتقدم قبل ذلك قولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [المؤمنون:٣٧]، (إن هي) بمعنى: ما هي، إن بمعنى: ما، وهنا قالوا: (ما هي إلا حياتنا الدنيا)، ولذلك كان يأمر بعضهم بعضاً أن يأخذوا من الدنيا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، ويعللون ذلك بقولهم: إن هي إلا حياتنا الدنيا، هي حياة واحدة فقط وسنموت ونصير تراباً، فنحن نأخذ الذي نريده ونفعل ما نشاء، فيقولون: ((مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ))، يقولون: (نموت ونحيا) ولا يقصدون أنهم يبعثون، ولكنهم يقصدون أن أناساً يموتون وأناساً يحيون، هذا يموت وهذا يُولد، يعني: نموت ويحيا من يخلفنا بعد ذلك، فلماذا نضيع حظنا من الدنيا طالما نحن ميتون؟ ثم ينسبون الإهلاك إلى الدهر: ((وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ)) والدهر: الزمن، يعني: نحن نعيش وبعد عمر طويل نموت، إذاً: كر الليالي والأيام علينا هي التي تهلكنا، ومع ذلك لو سألتهم من خلقهم ليقولن: الله! وقوله تعالى: ((وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ)) أي: هي حياة في الدنيا نعيش حتى نعجز ثم بعد ذلك نموت، والدهر الأيام والليالي التي تأخذنا بعد ذلك. قال الله : ((وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ)) والعلم بمعنى: اليقين، أي: ما عندهم علم بما يقولونه، هل عندهم أثاره من ذلك الذي يقولونه، من تكلمهم عن الغيب، وإنكارهم للبعث، وهذا النبي صلوات الله وسلامه عليه جاء بكتاب من عند الله ، يقول الله لهم فيه: ((وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ)) بل علمهم هذا مجرد ظن وخرص، قال تعالى: ((إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ))، هذه ظنون وهذه شكوك يتكلمون بها.

стр. 3473

تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا) قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية:٢٥]. فقوله تعالى: ((وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ)) أي: يتلو عليهم النبي ﷺ ، ويقرأ عليهم ويرشدهم ويهديهم ويعلمهم القرآن البين، وقوله: ((آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ)) أي: واضحات جليات ليس فيها إشكال، وبلسان عربي وأهل اللغة العربية هم الذين يفهمون ذلك، والقرآن نزل واضحاً ليس مشكلاً. وقال تعالى: ((مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ)) وهل عندهم حجة حقيقية؟ فقد أخبرنا الله بقوله: ((إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)) فقوله تعالى: ((مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ)) أي: هاتوا آباءنا إذا كنتم صادقين، فحجتهم أنَّ قصي بن كلاب كان جدهم، ونريد إحياء قصي بن كلاب؛ لأنه كان رجلاً صادقاً يتكلم بالحق، وهم يعرفون الصادق المصدوق ويعترفون به صلوات الله وسلامه عليه ويسمونه الصادق الأمين الذي يستشيرونه ويأخذون رأيه ويصدقونه في كل ما يقول، وكان فخرهم صلوات الله وسلامه عليه، فيريدون قصي بن كلاب وعندهم رسول الله الذي جاءهم بالكتاب من عند الله، فلو جاءهم قصي بن كلاب وقال لهم: محمد ﷺ صادق، فهل هم معترفون بصدقه ﷺ ؟ من المشركين من طلب من النبي ﷺ أن يحول لهم الصفا ذهباً، وبعضهم طلب منه أنه يفجر في هذه الأرض ينبوعاً، والبعض طلب منه شق القمر، ولما أشار إلى القمر، ودعا وانشق القمر لم يؤمن هؤلاء الذين طلبوا ذلك، بل قالوا: سحرنا! فالله أعلم بعباده، يعلم أنهم لن يستجيبوا حين يأتيهم النبي ﷺ بالآيات، وقد عرفنا ربنا سبحانه أنهم إذا رأوا الآيات سيأتيهم العذاب بعد هذه الآيات، ولذلك أصحاب المائدة لما طلبوا من المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام أن ينزل عليهم المائدة من السماء ﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:١١٢] فقالوا: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة:١١٣] فدعا عيسى ﵇ ربه فقال: ﴿أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة:١١٤]. واستجاب الله لعيسى وقال لهم: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:١١٥]، أي: ستنزل المائدة من السماء، وستأكلون من هذه المائدة، والذي سيكفر بعد ذلك له أشد العذاب من الله رب العالمين، فالآيات الحسية التي تنزل لابد من الإيمان بها، فإن لم تؤمن استحققت العذاب الشديد الأليم، فكان من رحمة رب العالمين بعباده أنه لم ينزل عليهم آية حسية عامة للجميع، ولما انشق القمر انشق للبعض ممن استيقظ في تلك الليلة وتحدى النبي ﷺ ، فدعا ربه فانشق القمر ثم التأم مرة ثانية، فلو كانت آية عامة للخلق كلهم لكان العذاب من بعد ذلك حين لم يؤمنوا. قال الله هنا: ((وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ)) بينات: واضحات جليات، ((مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا))، (ما كان) اسم كان هنا: (أن قالوا) وخبرها مقدم: (حجتهم) ((مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا)) ليس فيها قراءة أخرى، كل القراء يقرءونها على الخبر المقدم: ((مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ)) وإن كان في غيرها قد يأتي الضم والفتح. فهم طلبوا ذلك والحجة في زعمهم: ((ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ)).

стр. 3474

تفسير قوله تعالى: (قل الله يحييكم ثم يميتكم) قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية:٢٦] ليس الدهر الذي يحييكم ويميتكم، ولكن الله هو الذي يفعل ذلك، فلما ذكر قولهم: (الدهر) أخبر الله أنه هو الذي يفعل ذلك، فهو يبين أن الدهر شيءٌ والله شيء آخر، فقول الله في الحديث القدسي: (أنا الدهر) ليس معنى ذلك: أن من أسمائه الدهر، ولكن معناه: أن هذا الدهر الذي تسبونه ما هو إلا أنكم تسبون ربكم سبحانه، قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الجاثية:٢٦]. فقوله تعالى: ((اللَّهُ يُحْيِيكُمْ)) أي: يوجدكم وينشئكم في هذه الدنيا، كنتم عدماً، كنتم لا شيء، كنتم نطفة لا حياة فيها فصرتم أحياء، ثم بعد الحياة تموتون، قال تعالى: ((ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ)) وذلك رداً على قولهم: ((مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ)) أي: ليس هناك بعث بعد ذلك، فالله ردَّ عليهم بقوله سبحانه: ((ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ)) والجمع: فيه ما فيه من معنى السوق والحشر، تقول: جمعت الغنم إلى مكان كذا، أي: سقتهم بالعصا يميناً وشمالاً، فلا يستطيع أحد أن يفر أو يزيغ أو يهرب في يوم القيامة، بل يساقون إلى المحشر، ويساقون ((إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ)) أي: لا شك في هذا اليوم، فكلمة (لا) يمدها حمزة -وإن كان ليس هناك همزة بعدها-؛ لتأكيد النفي، فيمدها أربع حركات فقط للتفرقة بينها وبين غيرها، ولتأكيد النفي في ذلك. يقول تعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: ولكن أكثر الناس لا يوقنون، علمهم علم ظاهر، علموا فلم يدخل العلم في قلوبهم ليدعوهم إلى العمل؛ فلذلك ((أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)) فليحذر الإنسان من العمل الخبيث في الدنيا، ومن الشرك بالله، ومن اتباع الهوى، فهو مجموع مع غيره إلى الله ليسأله وليحاسبه الله سبحانه على ما قدم وعلى ما أخر. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصلِّ اللهم وسلم على محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.

стр. 3475

تفسير سورة الجاثية [٢٧ - ٣٧] من مشاهد يوم القيامة عرض الله الكتب على الأمم، وفيها ما عملت من خير أو شر، فأما المؤمنون الصالحون فيجازون بالحسنى ويكافئون بالرضا، وأما البعيدون اللاهون الذين انشغلوا بالدنيا وعاندوا وعارضوا أهل الإيمان، فيجازون بالعذاب الأليم على كفرهم وعنادهم وإنكارهم للساعة والبعث والنشور.

стр. 3476

تفسير قوله تعالى: (ولله ملك السماوات والأرض ويوم تقوم الساعة إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: فقد قال الله في سورة الجاثية ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ * وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ * وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية:٢٧ - ٣٢]. في هذه الآيات من سورة الجاثية يذكر الله سبحانه ﵎ أمراً يعرفه كل خلق الله ، وهو أن الله سبحانه يملك السماوات والأرض، ويملك كل شيء سبحانه، فهو الخالق، والناس أقروا بذلك على أنفسهم، فأقروا بقلوبهم، وإن أنكر بعضهم بألسنتهم، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]، فالله شهد على ما في قلوبهم، فالقلوب تعلم أن الخالق هو الله سبحانه ﵎، وأن الرازق هو الله سبحانه، وأن الرب هو الله سبحانه، ومع معرفتهم بذلك فإنهم يتوجهون بالعبادة لغيره غروراً ونفوراً واستكباراً وبعداً عن الحق، فقال: ((وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ))، وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك:١]، فالملك بيده سبحانه، فهو الذي أوجد كل شيء، وهو الخالق لكل شيء، وهو المالك والملك سبحانه ﵎، فكم من إنسان يملك وليس بملك، وكم من ملك ليس بمالك إلا الشيء القليل، لكن الله هو المالك لكل شيء، وهو الحاكم على كل شيء، وهو الملك سبحانه، ملك الملوك سبحانه ﵎، ومالك كل شيء، ((وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ))، خلقاً وملكاً. قوله تعالى: ((وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ)) أي: يوم تقوم الساعة، يوم تحق الحاقة، يوم تأتي القارعة، يوم تأتي القيامة، والصاخة، والحاقة، ((يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ))، في هذا اليوم يخسر كل مبطل، والمبطل هو المتكلم بالباطل، المريد للباطل، الذي كان يرفض الحق، فهذا هو المبطل، من أبطل الشيء بمعنى: نفاه ولغاه. فهو يخسر ويعلم يوم القيامة أنه لم يكسب شيئاً بكثرة جدله، وبكثرة كلامه، وبكثرة خوضه في الباطل، وبكفره وإعراضه عن الحق خسر كل شيء، فخسر نفسه، وخسر ماله، وخسر أهله، وخسر مكانه في الجنة واستقبل النار فكان من أهلها، ((يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ)).

стр. 3477

تفسير قوله تعالى: (وترى كل أمة جاثية) قال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٨]، أي: يوم القيامة يقفون بين يدي الله ، وتأتي عليهم ساعة يتضرعون، فيجثون على الركب، كهيئة الذليل، يقال: جثا على ركبتيه، بمعنى: برك كما يبرك الجمل، وكأن الذي منه على الأرض أطراف أصابع رجليه وأصابع يديه، وهو على الأرض على هذه الهيئة، فهو قاعد قعدة ليست مريحة، ولكن قعدة فيها الذل، وفيها الاستعداد للقيام، وفيها استعداد للنهوض، وكأنه جالس يتوسل، جالس يستغيث في هذا الوقت، يقول سلمان ﵁: إن في يوم القيامة لساعة هي بمقدار عشر سنين من الدنيا، يخر الناس فيها جثياً على ركبهم، حتى إن إبراهيم ﵊ ليقول في ذلك اليوم: لا أسألك اليوم إلا نفسي. ففي هذا الوقت يستغيث الخلق بالله ، في موقف رهيب وعظيم، والناس وقوف في وقت قدره خمسون ألف سنة، خمسون ألف سنة قدر يوم القيامة! الإنسان عندما يعد اليوم، ويعد الشهر، ويعد السنة، ويعد العمر، سيحس أن عمره طويل، وهذا العمر الطويل الذي عاشه لا يساوى شيئاً من يوم القيامة، خمسون ألف سنة والناس على أقدامهم في أرض المحشر، فتمر على الإنسان فيه صور كثيرة جداً، كيف أنه قصر في الدنيا والآن يحاسبه ربه سبحانه، والناس أمامه يعذبون في الموقف، فالمانع للزكاة الذي منع زكاة إبله، أو زكاة بقره، أو زكاة غنمه، تمر عليه وتطؤه بأقدامها وأظفارها، فيعذب بها، فيرى الإنسان هذه المشاهد أمامه، ويا ترى! ماذا عمل كل واحد منا؟! خمسون ألف سنة حتى إن البعض من الناس ليقولون لله : يا رب! اصرفنا ولو إلى النار! يظنون أنهم إذا صرفوا إلى النار استراحوا. وفي هذا الموقف العظيم يؤتى بالنار لها سبعون ألف زمام، على كل زمام سبعون ألف ملك -نسأل الله العفو والعافية- والجميع يخافون ويرعبون مما يرون، ويستغيثون بالله سبحانه ﵎. قال تعالى: ((وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا))، فالآن هذا رسولكم الذي جاءكم، وهذا كتابكم، وهذه صحف أعمالكم ستلقى عليكم فخذوها فتتطاير الصحف، وكل يأخذ كتابه، فآخذ بيمينه فناج، وآخذ بشماله فهالك والعياذ بالله، ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ﴾ [الجاثية:٢٨] أي: يوم القيامة: ﴿تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فما فات من الدنيا فاليوم عليه الحساب، والجزاء على ما تصنعون.

стр. 3478

تفسير قوله تعالى: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق) قال الله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩]، كنت في الدنيا تدلس، كنت في الدنيا تكتم وتخفي، كنت في الدنيا تسعى لأخذ حقوق الناس، كنت وكنت، فهذا كتابكم لا مبدل لما كتب عند الله سبحانه ﵎، ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾. فصحيفة الأعمال تتلى أمامه، ولذلك ينطقون ويقولون: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩]، فكل شيء يفعله الإنسان من صغائر الذنوب، أو من كبائر الذنوب يراها أمامه، ما كان يظن أن شريط التسجيل على هذه الهيئة، فالإنسان وهو في الدنيا لو سُجلت عليه كل أعماله التي يعملها، فإنه يستحي من ذلك، ولو قيل له: سنسجل عليك كل أعمالك في هذا اليوم، لخاف وخجل من أي فعل قبيح يقدم عليه، فكيف بيوم القيامة وقد سجلت عليه كل صغيرة وكل كبيرة! لذلك الإنسان المؤمن يعتصم بالله سبحانه، فلا ملجأ ولا منجأ من الله إلا إليه، والإنسان مهما يحاول وحده لا يقدر على شيء إلا أن يعينه الله، فيتضرع إلى الله سبحانه ﵎، ويتوسل إلى الله سبحانه ﵎، ويكثر من ذكر الله، ويكثر من الاستغفار، فإن كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، قال تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:٦٢]. قوله تعالى: ((إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)) (نستنسخ) إذا كان الإنسان قد وصل في النسخ إلى درجة من الدقة يستطيع أن ينسخ كتاباً من كتاب آخر تماماً، وإذا كان وصل بالكمبيوتر والإسكانر والنسخ واللصق إلى أنه ينسخ الكتاب بمثله تماماً، فكيف بملائكة الله سبحانه ﵎ وهي تسجل على الإنسان كل صغيرة وكبيرة؟! وكيف بالله سبحانه إذا كتب عليك ما تعمله وما تصنعه، وما تريده، قال سبحانه، ((إِنَّا))، بنون العظمة، وتخيل عندما يعبر ربنا بذلك: ((إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ))، فليس هناك شيء يفوت على الله سبحانه، ولا من صحف العباد يوم القيامة: ((إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ))، فالملائكة تكتبه وتصعد به إلى ربها سبحانه، ويقولون: فعلوا كذا، وفعلوا كذا، والله أعلم بذلك من ملائكته ومن خلقه.

стр. 3479

تفسير قوله تعالى: (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات) وعند ذلك ينقسم الناس إلى فريقين: أهل السعادة نسأل الله أن يجعلنا منهم، وأهل الشقاء ونستعيذ بالله أن نكون منهم، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ [الجاثية:٣٠]، أي: آمنت قلوبهم وعملت جوارحهم الأعمال الصالحة، والإيمان هو التصديق واليقين، فيستيقن الإنسان بربه أنه الرب، وأنه الإله، فعمل الصالحات وتوجه له بالعبادة. فالأجر والثواب لا يأتي ولا يجيء إلا على إيمان مع عمل صالح قال: ((فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ))، رحمة الله عظيمة واسعة، فيدخل فيها من يشاء، ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧]، صلوات الله وسلامه عليه. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾، وكم عبر ربنا سبحانه في كتابه عن هذا الفوز العظيم في يوم القيامة، بقوله: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة:١١٩]، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:٧٢]، ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ [الأنعام:١٦]. فهذا الفوز هو أعظم الفوز، وهو أعظم الفلاح، وهو النجاح الحقيقي، وهو الفوز البين، وهو الفوز الواضح الجلي، ((ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ)) الذي لا خسران بعده. ((وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا)) فيقال لهم: ((أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ)) أي: أما قرئت عليكم آيات الله، أما كنتم تسمعون كتاب الله وهدي النبي ﷺ ، ((فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ)) فاستكبرتم عن الحق، وابتعدتم عن الحق، وجادلتم بالباطل. ((وَكُنتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ)) فالإنسان المجرم هو: الذي يكتسب السيئات، ويكتسب المعاصي والكفر، فقيل لهم ذلك يوم القيامة، فهذا الجرم، وهذا اكتساب الذنب بالكفر، فيقولون: فلان جريمة أهله، يعني: كاسب أهله، فكأن معنى أجرم: كسب، أي: كسب كفراً وسيئات ومعاصي، فهؤلاء مجرمون أي: الذين اكتسبوا الكفر والسيئات والمعاصي: ((وَكُنتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ)).

стр. 3480

تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل إن وعد الله حق) قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية:٣٢]. فهؤلاء المجرمون إذا ذكروا بالله سبحانه، ((وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ)) أي: إذا قال لكم رسولكم، وهذا على البناء للمجهول، وفيها قراءتان: ((وَإِذَا قِيلَ)) الأولى: البناء للمجهول، وهي قراءة الجمهور ((وَإِذَا قِيلَ))، الثانية: (قُيل) يعني: للدلالة على أنه مبني للمجهول، فكأنه أتى بإشمام الضمة في أولها لبيان أن الفعل مبني للمجهول، وقرأ بهذه هشام والكسائي ورويس عن يعقوب. ((وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا)) أي: إذا قال لكم المؤمنون، إذا قال لكم الرسول الكريم ﵊: ((وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ)) أي: ما وعدكم، وما ذكر لكم إن أنتم آمنتم دخلتم الجنة، وإن كفرتم دخلتم النار. ((وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا)) هذه فيها قراءتان: ((وَالسَّاعَةُ)) بالضم، وهي قراءة الجمهور، وكأنه معطوف على ما قبلها: ((إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ))، إذا قيل: الساعة لا ريب فيها، فيكون عطف جملة على جملة، أو عطف على الحق الذي قبله، والقراءة الثانية: ((وَالسَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا))، كأنه عطف على اسم إن السابقة، وهذه قراءة حمزة. ((وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ)) وهذا الاستفهام منهم هو للإنكار، والبعد والنفور عما يدعوهم إليه الرسول ﵊. ((مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ)) أي: لا نعرفها، فرد الكافر رد فاحش: ((قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ)) أي: إن نتوهم وقوعها إلا توهماً مرجوحاً، فنحن لا نعتقد فيما تقول، وإنما نتشكك في الكلام الذي تقوله: ((وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ)) أي: بمتحققين.

стр. 3481

تفسير قوله تعالى: (وبدا لهم سيئات ما عملوا) قال الله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ [الجاثية:٣٣]، فهذه سيئات أعمالكم، وهذا كفركم، وهذه قبائح أعمالكم بدت الآن في صحفكم حتى تجزوا عليها: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ [الجاثية:٣٣] أي: نزل نزول إحاطة وإهلاك، أي: أحاط بهم العذاب والنكال بما كانوا به يستهزئون، فهم قد استهزئوا بعذاب الله، فقد كانوا إذا قيل لهم: (شجرة الزقوم طعام الأثيم)، قالوا: الزقوم: التمر والزبد، فتعالوا نأكل ونتزقم!

стр. 3482

تفسير قوله تعالى: (وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا) قال تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الجاثية:٣٤]، فالناسي معذور كما قال النبي ﷺ (رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه)، لكن هؤلاء تعاملوا مع كتاب الله معاملة الناسي، فهم قد عرفوا النبي ﷺ ، وعرفوا الحق، لكن تغافلوا وتعاملوا معاملة كأنهم لا يعرفون، وجحدوا يوم الدين، وجحدوا يوم القيامة، فمشاكلة لما صنعتم تعاملون هذه المعاملة، أي: معاملة المنسيين، ولا ينسى ربك أحداً، ولكن يرميهم في نار جهنم مهملين كالمنسيين، فالله لا يرد عليهم، ولا يكلمهم، وإنما يرميهم في نار جهنم ويعاملهم معاملة المنسي، والجزاء من جنس العمل، ففي الدنيا تناسيتم والآن نترككم منسيين في نار جهنم. ((وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ)) أي: منزلكم، ومثواكم، والمكان الذي تأوون إليه النار. ((وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ))، أي: لا أحد يدفع عنكم عذاب الله، ولا أحد ينصركم في هذا اليوم.

стр. 3483

تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنكم اتخذتم آيات الله هزواً) قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية:٣٥] أي: إنما جازيتكم هذا الجزاء الصعب الشديد لأنكم اتخذتم آيات الله هزواً، واستهزأتم بكتاب الله، واستهزأتم برسول الله، فقد تكلمتم عنه بالكلام الفاحش البذيء، ورسمتم الصور عنه كذباً وزرواً، ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الجاثية:٣٥]. و (هزواً) فيها قراءتان: الأولى قراءة حفص عن عاصم. الثانية: القراءة بالهمزة ويقرأ بها بقية القراء (هزؤا) ما عدا حمزة فيسكن الهمزة (هزءاً) إذا وقف عليها. قوله: ((وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا)) أي: غركم الباطل الذين كنتم تتعالون به في الدنيا، غركم ما كنتم تقولون من حرية التعبير، فالحرية عند هؤلاء الكفرة المجرمين أن يقولوا: حكم الشعب بالشعب، وليس حكم الله للخلق، فالله يحكم لا معقب لحكمه، فلما نسوا الله أنساهم أنفسهم. ((وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا))، فأخذوا ملاذها، وفتحت لهم أبوابها، حتى إذا جاءت كانت هذه نتيجتهم، وكانت هذه عقوبتهم، ((وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا)). ﴿فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾ أي: لا يخرجون من النار، فلا يخرجهم أحد، ومن ذا الذي يقدر أن يخرج من أدخله الله النار؟! وهذه قراءة الجمهور: ((لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا))، وقرأها حمزة والكسائي وخلف، (فاليوم لا يَخْرُجون منها) لا يستطيعون أن يخرجوا، ولا يقدر أحد أن يخرجهم منها: (ولا هم يستعتبون) (يستعتب) أصله من العتب، يقال: عتبت على فلان. أي: غضبت على فلان، وصار في النفس شيء من هذا الإنسان، فلما أعتبه، أي: أطلب منه فأقول: أزل هذا العتب. فهم في ذلك اليوم العظيم لا يطلب منهم إزالة العتب، ولا يطلب منهم إرضاء ربهم، بل يعذبون بغير حساب ولا عتاب، ﴿لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾، لا يطلب منهم أن يرضوا ربهم سبحانه في هذا اليوم. ثم قال: (فلله الحمد)، الله مالك السماوات والأرض، خلق السماوات والأرض بالحق سبحانه، يحكم بين العباد بالحق، ينصف المظلوم من ظالمه، وينصر المستضعف من القوي الذي ظلمه، فلله الحمد أن قضى بين العباد، وأن فصل بين خصوماتهم، وأن أدخل المؤمنين الجنة، وأن انتصر من الكفار الذين استهزءوا بكتاب الله وبرسل الله عليهم الصلاة والسلام، فأدخلهم النار فلله الحمد على ذلك كله، ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية:٣٦]. رب كل شيء سبحانه، فهو الخالق لكل شيء سبحانه، ((رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ))، وما في ذلك كله، فهو رب كل عالم، ((رَبِّ الْعَالَمِينَ)) و (العالمين) جمع عالم، فالله رب كل شيء.

стр. 3484

تفسير قوله تعالى: (وله الكبرياء في السماوات والأرض) قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية:٣٧] له الكبرياء سبحانه، يذكر الكبرياء والعز، يقول: العز إزاري، والكبرياء رداءي، فمن نازعني فيهما أدخلته النار، فالله وحده الذي له الكبرياء، والله وحده الذي له العزة، والله يحكم فلا أحد يقدر أن يرفض ما يحكم به الله ، وإن أظهروا بألسنتهم، فإذا حكم وقدر الله فلا بد أن يكون ويمضي على ما أراده الله ، فلا يقدر إنسان أن يقول: أنا لا أريد المرض! ﴿فَالله يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد:٤١]، وليس المراد هنا أمره بالشيء ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة:١١٧]، وإنما جعل الله أموراً شرعية العمل بها عباده، فأمر بالصلاة شرعاً لا أمراً، ولو كان الأمر كذلك لكان كل الخلق مسلمين مصلين، لكن جعل لهم اختياراً ومشيئة، فمن شاء أن يسلم فليسلم، ومن شاء ألا يسلم فلا يسلم، ومن شاء أن يؤدي الفرائض فليفعل، ومن شاء ألا يؤديها فلا يفعل، فإذا جاء أمر الأقدار في الاختيار، جاء القدر من الله الذي يكون ويمضي على خلقه، فهو العزيز الغالب الذي لا يمانع إذا قضى وقدر سبحانه ﵎. وهو الحكيم الذي يحلم عن عباده لحكمة منه، ويعاجل بالعقوبة لحكمة منه، ويصبر عن عباده ويؤخر العقوبة لحكمه منه، ينزل الكتاب لحكمة منه، يختار من خلقه من يشاء بحكمه منه، فله الحكمة العظيمة البالغة. ((وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ)). أي: له العظمة، وله الجلالة، وله البقاء، وله السلطان الدائم، وله الحكم سبحانه ﵎، وله القدرة والكمال، ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية:٣٧]، نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن ينجينا من ناره، وأن يجعلنا من أهل جنته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3485

تفسير سورة الأحقاف [ ١ - ٥] يخبر الله تعالى أنه أنزل الكتاب على عبده ورسوله محمد ﷺ ، ووصف نفسه بالعزة التي لا ترام، والحكمة في الأقوال والأفعال، فهو سبحانه لم يخلق السماوات والأرض على وجه العبث والباطل وإنما خلقهما لحكمة بالغة، فإذا كان كذلك فهو المستحق لأن يعبد وحده لا شريك له، وأن من يعبد غيره ممن لا يملك لهم نفعاً ولا ضراً فذلك دليل على الغباء الذي استولى على أفكارهم وعقولهم.

стр. 3486

مقدمة بين يدي تفسير سورة الأحقاف الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الأحقاف: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف:١ - ٥]. سورة الأحقاف هي السورة السادسة والأربعون من كتاب الله ، وهي السورة السابعة في عداد الحواميم بحسب ترتيب نزلوهن، وهن سبع سور من آل حاميم، أولهن غافر، ثم فصلت، ثم الشورى، ثم الزخرف، فالدخان فالجاثية، وهذه السورة سورة الأحقاف. فهذه سبع سور كلهن بدأهن الله بالحرفين: ((حم))، وهذه السورة في ترتيب نزولها في القرآن على النبي ﷺ السورة الخامسة والستون، وقد نزلت بعد الجاثية، ونزل بعدها الذاريات، هذا في ترتيب النزول، وأما في ترتيب المصحف فهي السادسة والأربعون. وهي سورة مكية إلا آيتين منها، والآيتان هما قول الله : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأحقاف:١٠]، هذا الشاهد هو عبد الله بن سلام، وقد كان في المدينة، وكذلك قول الله للنبي ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف:٣٥]، قالوا: أيضاً نزلت في المدينة. وبما أن هذه السورة كما ذكرنا سورة مكية، ففيها إذاً خصائص السور المكية، ففيها التحدي للكفار بهذا القرآن العظيم، حيث بدأها بقوله: ((حم)) [الأحقاف: ١]، ولذلك عقب بعدها: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الأحقاف:٢]، وهذه السورة في ترتيبها بعد السورة التي سبقتها -وهي سورة الجاثية- مناسبة، فهناك مناسبة بين ختم سورة الجاثية وبداية هذه السورة، فختمت الجاثية بقول الله : ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية:٣٦ - ٣٧]، وبدأ هذه السورة بقوله: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الأحقاف:١ - ٢]، فهو رب السماوات ورب الأرض، وهو الذي أنزل الكتاب من السماء إلى الأرض رحمة بعباده ، وإقامة للحجة عليهم، فناسب آخر هذه السورة بدء هذه السورة. إن الحروف المقطعة في أوائل السور هي من جنس الحروف العربية التي يتكلم بها العرب، والله يتحداهم، ولذلك دائماً ما تجد في السورة التي يبدؤها بذكر الحروف المقطعة، مثل: ﴿الم﴾ [البقرة:١]، ﴿الر﴾ [يونس:١]، ﴿كهيعص﴾ [مريم:١]، وغير ذلك من السور تجد فيها إشارة بعد ذلك إلى هذا القرآن، سواء إشارة مباشرة بعدها، أو بعدها بآيات، فيذكر الإشارة إلى هذا القرآن، ففي سورة البقرة قال تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١ - ٢]، وقال في آل عمران: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران:١ - ٣]، وهنا يقول: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الأحقاف:١ - ٢]، وقبلها في الحواميم كذلك: ﴿حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [فصلت:١ - ٣]، إلى غير ذلك مما يذكره الله . فالله كأنه يقول: هذا القرآن من جنس الحروف التي تتكلمون بها فائتوا بمثله، ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود:١٣]، ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]، فما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

стр. 3487

بعض خصائص سورة الأحقاف من خصائص هذه السورة أنه سبحانه يشير فيها إلى إعجاز هذا القرآن العظيم، وأنه منزل على النبي ﷺ من عند الله وليس من كلام النبي ﷺ ، وكذلك فيها الاستدلال بخلق السماوات والأرض على قدرة الله سبحانه، وأنه وحده هو الذي يستحق أن يعبد، فالذين يدعون من دون الله يعرفون أنهم جماد، وأنهم لا ينفعون ولا يضرون، وأنهم لا يملكون لأنفسهم شيئاً، فمن الذي يستحق أن يعبد؟! هل يعبدون هذه الآلهة الباطلة وهي لا تملك لنفسها شيئاً، أم يعبدون الله الذي خلق السماوات والأرض، وأنزل على عبده الكتاب بالحق؟! إذاً: فهنا استدل بإتقان خلق السماوات والأرض على التفرد بالألوهية، وأنه الخالق الرب الذي يخلق ويفعل ويصنع ويقدر سبحانه، فهو وحده الذي يستحق أن يعبد. وكذلك فيها إثبات جزاء الأعمال، فالله خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق وأجل مسمى، وبعد هذا الأجل يحاسب الناس على ما صنعوا وعلى ما قدموا في هذه الدنيا. وكذلك فيها الإشارة إلى البعث بعد الموت. إن هذه السورة سورة مكية نزلت على قوم كلهم مشركون يعبدون غير الله ، فنزل القرآن يدعوهم إلى عبادة الله، وإلى أن يتفكروا ويعقلوا، وكأنه يقول لهم: انظروا ماذا في السماوات والأرض، ﴿وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:١٠١]. وفيها إثبات رسالة النبي صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف:١٠] أي: فشهد عبد الله بن سلام للنبي ﷺ بأنه نبي، وأن هؤلاء اليهود يكذبونه مع معرفتهم له ﵊. وفيها أيضاً الثناء على المؤمنين الذين آمنوا بالله سبحانه، وذكر خصالهم الحميدة، وكيف أن الإنسان المؤمن يدعو ربه، فيعلمه الله أن يقول: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف:١٥]. وفيها أيضاً بيان الأخلاق الحميدة وخاصة في رعاية جانب الوالدين، ووصية الله بالوالدين والإحسان إليهما قال: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى﴾ [الأحقاف:١٥]، فذكر الله ما يرقق به قلب الإنسان على والديه. وكذلك في هذه السورة العظيمة يذكر بما حدث من الأمم السابقة من كفر بالله ، وخاصة قوم عاد، وهم أصحاب الأحقاف، وكيف أهلكهم الله بالريح العقيم التي أرسلها عليهم. وكذلك هذا القرآن إن لم تؤمنوا به فغيركم يؤمن به، وقد استمع الجن إلى النبي ﷺ وجاءوا إليه مسرعين، فاستمعوا إلى هذا القرآن وولوا إلى قومهم منذرين، قال تعالى حاكياً عنهم: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣٠ - ٣١]، فالجن بلغت وعملت ما عليها. فالجن حين سمعوا القرآن من النبي ﷺ من سورة الرحمن مدحهم ﷺ ، فقال للصحابة وقد تلاها عليهم فسكتوا: (مالي أراكم سكوتاً! للجن كانوا أحسن منكم رداً، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٦]، إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد)، فحمدوا ربهم، وأثبتوا أن الله وحده الذي يفعل كل شيء وخير، وفضل، فهو الفعال لما يريد، ولا يكذبون بشيء من نعم الله . وقد بدأ ربنا هذه السورة بقوله سبحانه: ((حم))، وكما ذكرنا قبل ذلك في الست السورة السابقة أن (الحاء) حرف، و (الميم) حرف، وكذلك كل ما كان في فواتح السور، ولذلك كان أبو جعفر إذا قرأها يقرأ (ح) ويسكت، (م) ويسكت، لبيان أن هذه ليست كلمة، وإنما ذا حرف وذا حرف، وكذلك إذا قرأ: ﴿الم﴾ [آل عمران:١]، ﴿كهيعص﴾ [مريم:١]، ﴿حم﴾ [الأحقاف:١]، ﴿عسق﴾ [الشورى:٢]، ﴿طه﴾ [طه:١]، ﴿يس﴾ [يس:١]، لبيان أن هذه ليست أسماء وإنما هي حروف مقطعة، وذكرنا قبل ذلك أن الحاء تمد مداً طبيعياً حركتين، وأن الميم تمد مداً طويلاً ست حركات، والحاء أيضاً فيها قراءات كما ذكرنا قبل ذلك: فيها الإمالة، يقرؤها ابن ذكوان ويقرؤها شعبة عن عاصم، وحمزة والكسائي وخلف فيقرءون (حِ) بالإمالة ويقرؤها ورش وأبو عمرو بخلفه بالتقليل، يعني: بين الفتح وبين الإمالة، ويقرؤها باقي القراء (ح) بالفتح، ففيها ثلاث قراءات.

стр. 3488

تفسير قوله تعالى: (حم، تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم) قال الله تعالى: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الأحقاف:١ - ٢]، التنزيل كما بدأ في السورة السابقة في الجاثية: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجاثية:٢]، فيه بيان أن هذا القرآن نزل من السماء من عند رب العالمين، قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ [الدخان:٣]، وقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١]، وقال هنا: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الأحقاف:٢]. وقد تكررت كلمة التنزيل مع هذا القرآن، فقال سبحانه: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، وقال: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة:٨٠]، وقال: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [السجدة:٢]، وكونه نزل من السماء فيه إثبات العلو لله . قوله: ((تَنْزِيلُ الْكِتَابِ)) أي: الكتاب المعهود وهو هذا القرآن العظيم، ((مِنَ اللَّهِ)) يعني: ابتداء التنزيل من عنده سبحانه من فوق سماواته، فهو الله المألوه المعبود ، وهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له والله لفظ الجلالة. قوله: (العزيز)، وهو من أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فهو الغالب القوي القادر الذي لا يمانع، فنقول هنا: إن العزيز هو القادر، ولكن نقول: هناك فرق بين الاسمين، فإن عزة الله تمنع أن يمانعه أحد وأن يتحداه أحد، فإذا رفع إنسان رأسه بالتحدي أسقطه الله وأذله بقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة:١١٧]، فالله هو العزيز الغالب، فإذا قضى أمراً فلا بد وأن يكون ما قضاه وقدره . قوله: (الحكيم) أي: الذي له الحكمة العظيمة، فقد يفعل الإنسان من الشر ما يفعل، ويحلم عليه لحكمة؛ لأنه يعلم أنه يتوب في يوم من الأيام ويرجع إلى الله، أو يعلم سيزيد فيمهله ليأخذه وينتقم منه ويجعله عبرة للخلق، فله سبحانه الحكمة العظيمة البالغة، فهو الحكيم.

стр. 3489

تفسير قوله تعالى: (ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق) قال الله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣] أي: أن الله خلق السماوات وخلق جميع الخلق متلبساً بالحق، وخلقها ليحق الحق ويري عباده قدرته سبحانه، وأنه الإله الحق وحده لا شريك له. قوله: ((مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ)) أي: كذلك خلق الأرض بالحق سبحانه، وأنزل فيها الكتاب وأنزل الميزان، فعلم العباد كيف يصنعون بهذا الميزان، وأنزل الشريعة ليحكم بينهم بالعدل، وأرسل فيهم الرسل ليعلمهم ذلك، فعرف العباد العدل وعرفوا الحق، فما ضلوا وأضلوا إلا بعدما عرفهم الله الحق، فبغى بعضهم على بعض، وحسد بعضهم بعضاً، فالله ما خلق السماوات والأرض إلا بالحق سبحانه. قوله: ((وَأَجَلٍ مُسَمًّى)) أي: خلق السماوات وخلق الأرض لأجل مسمى، فإذا جاء الأجل الذي قدره الله ، إذا بالكواكب والنجوم والشمس والقمر كل هذه الأشياء تهوي، وإذا بالسماء تنكشف وتزول، ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير:١١]، وكذلك إذا بهذه الأرض والجبال التي فيها ﴿يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه:١٠٥ - ١٠٧] أي: أن كل شيء له قدر مقدور، وله وقت معلوم عند الله سبحانه، فإذا جاء ذلك الوقت إزاله وأفناه من مكانه سبحانه. قال: ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ)) أي: أن الله خلق الخلق بالحق، وعلم العباد ما هو الحق، وجعل لهم أجلاً محدوداً وعمراً معدوداً لن يتجاوزه أحد، وفي النهاية يرجعون إلى الله سبحانه، ولكن الكفار يكذبون، ومع ذلك هم لا يضرون الله شيئاً وإنما يضرون أنفسهم. فقوله: ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ)) يعني: عن الذي أنذروا به، فقد أنذرهم الله بالساعة، وأنذرهم بالحساب وبالجزاء وبالعقاب بالنار، فهم معرضون عن هذا كله، متشاغلون بالدنيا، مستهزئون بما جاءهم من عند ربهم، مدبرون لاهون غير مستعدين ليوم الحساب.

стр. 3490

تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني) قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف:٤]. قوله: ((قُلْ أَرَأَيْتُمْ)) كلمة ((أَرَأَيْتُمْ)) في كل القرآن فيها أربع قراءات: ((قُلْ أَرَأَيْتُمْ))، وهي قراءة نافع وأبي جعفر ويقرؤها الأزرق بالمد الطويل: ((قُلْ أَرآيْتُمْ))، ويقرؤها الكسائي: ((قُلْ أَرَيْتُمْ)). وقوله: ((قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ))، أي: هذه الأصنام التي تدعونها وتزعمون أنها تستحق عبادتكم ما الذي خلقته؟ أروني ماذا تصنع هذه الأصنام؟ وماذا تخلق هذه الأصنام؟ فالمشركون قبل غيرهم يعرفون أنها لا تنفع ولا تضر. قوله: ((أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ)) أي: هل لهم شرك في السماوات؟ وهل أطلعتكم الأصنام أنها شاركت في خلق الشمس وفي خلق القمر وخلق السماوات؟ فالكافر سيجيب: لا، ما حصل هذا الشيء، إذاً: ((اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ))، وهنا إما أنك تقرأ: ((مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِْتُونِي بِكِتَابٍ))، فإذا وصلت قرأت الهمزة هنا إلا في قراءة ورش وخلف لـ أبي عمرو، وإذا وقف عليها حمزة فإنه يقرؤها بالياء، فهنا ورش يقرؤها: ((أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ)) يصلها هكذا، لكن باقي القراء إذا وصلوا: ((أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي))، فيقرءون بالهمزة، وإذا وقفوا وبدءوا منها فجميع القراء يبدءونها بالألف التي بعدها ياء (ايتوني)، فالألف مكسورة بعدها ياء، فهذه ألف وصل. إذاً: فليس هناك أحد قرأها في الابتداء فيقول: ((اِئْتُونِي بِكِتَابٍ))، بل كل القراء إذا بدءوا في هذه وأمثالها فإنهم يقرءونها: ﴿اِيْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف:٤]. فهنا يعلم ربنا سبحانه المسلمين الاستدلال الصحيح، فالاستدلال إما أن يكون استدلالاً عقلياً، وإما أن يكون استدلالاً نقلياً، فالاستدلال العقلي أم تعمل قلبك وعقلك في هذا الكون لتستدل، وأما الاستدلال النقلي السمعي فهو الكتاب والسنة، فلذلك ربنا يذكر لهؤلاء خلق السماوات والأرض، وهذا هو الاستدلال العقلي، فكأنه يقول لهم: هل هذه الأصنام التي تعبدونها من دون هل لها شرك في هذه السماوات؟ وهل تخلق شيئاً؟ وهل هي تقدر أن تطلع في السماء وتخلق شيئاً من النجوم أو غيرها؟ فهذا دليل عقلي. ثم قال: ((اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ)) أي: هاتوا كتاباً سابقاً نزل على رسول من الرسل عليهم الصلاة والسلام، يكون قد أخبر بهذا الذي تقولونه، أو ائتوني بكلام صحيح لرسول من الرسل من قبلكم يقولون ذلك. إذاً: فقد جمع الاستدلال كله في ذلك، الاستدلال العقلي والاستدلال النقلي، فالاستدلال العقلي يكون بالتفكر في الأشياء العقلية التي يعمل فيها العقل، والاستدلال النقلي يكون بالكتاب وبالسنة. قوله: (إن كنتم صادقين) أي: لو كنتم صادقين فيما تدعون فائتوا بهذا الشيء الذي تقولونه، لكن لكونهم كاذبين فلا يقدرون أن يقولوا: إن هذه الأصنام تنفع وتضر مع الله . ولذلك لما كان ﷺ يرسل سراياه لهدم الأصنام كان البعض من المشركين يتخيل أن الأصنام ستنتصر وستنتقم لنفسها؛ فلذلك كانوا يتفرجون على الصحابة الذين يهدمونها لعلها تنتصر لنفسها، فكان عندهم حلم بهذا الشيء، فيجدون الأصنام تتكسر أمامهم ولا تصنع شيئاً، فيضحك منهم أصحاب النبي ﷺ لغبائهم واعتقادهم أن هذه الأصنام تنفع أو تضر، أو أنها ترد على من يكسرها.

стр. 3491

تفسير قوله تعالى: (ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له) قال الله : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف:٥] أي: من أشد ضلالاً وأبعد في التيه وفي الغباء ((مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)) أي: لو بقي الشخص جالساً أمام الصنم إلى يوم القيامة فلن يرد عليه، فمن أغبى من هذا الإنسان الذي يدعو صنماً من دون الله: يا هبل! اعملي لي كذا، يا لات اعملي لي كذا، يا عزى اعملي لي كذا!، وهو يعلم أنها لا تنفع ولا تضر، وكم رأى هؤلاء المشركون من أصحاب النبي ﷺ أفعالاً بهذه الأصنام، ففي المدينة كان البعض منهم في وقت كفره يعبد صنماً من دون الله ، فيأتي إليه ابنه وقد أسلم مع النبي صلوات الله وسلامه عليه فيلطخ هذا الصنم بالعذرة، فيجيء الأب فيراه ويتعجب ويقول: من الذي عمل هذا في المعبود الذي أعبده؟ وينظف الصنم ويرجعه إلى مكانه مرة ثانية، فيأتي الابن ويصنع به مثل ما صنع به في المرة الأولى، إلى أن تكرر هذا الفعل أكثر من ثلاث مرات، فقام الأب المشرك فأعطى الصنم سيفه وقال: دافع عن نفسك! دافع عن نفسك! فيجيء الابن فيأخذ الصنم فيرميه منكساً في الخلاء بين العذرات، فيجيء الرجل فينظر إلى هذا الصنم ويعلم أنه لا ينفع ولا يضر فيقول له: إن العنزة لتدفع عن نفسها، وأنت لم تدفع عن نفسك شيئاً، لو كنت إلهاً لم تكن في هذا الذل الذي أنت فيه، فتركه وذهب إلى النبي ﷺ وأسلم، فهذا كان تفكيرهم، وهكذا كانت عقولهم، فقد وصلت بهم إلى أن يعطي للصنم سيفاً، فأين عقله الذي عنده؟! ولما دخل في الإسلام كان يضحك على نفسه، ويقول: أنا كنت أعطي السيف للصنم من أجل أن يدافع عن نفسه؛ ولذلك يذكر الله هؤلاء المشركين بمثال يدل على غبائهم، وكيف أنهم يعبدون هذه الآلهة من دون الله! قال تعالى: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد:١٤]، فهل ذا فعل عاقل؟ لو قام واحد إلى النهر ووقف وقال له: تعال يا ماء أنا عطشان وظل يناديه إلى أن تقوم القيامة، فلن يستجيب له الماء، ولن يأتي إلى فمه، فليس عاقلاً من يصنع ذلك، وكذلك الذي يزعم أن الصنم ينفع من دون الله ويضر، ويعبد الصنم، ويدعوا الصنم ويذبح للصنم، ويتقرب إليه. وهذا ربنا يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، فكيف تدعو صنماً من دون الله ؟ وكذلك كل من دعا شيئاً من دون الله ، كأن يذهب إلى أموات قد ماتوا وذهبوا إلى ربهم سبحانه، سواء كانوا صالحين أو كانوا غير ذلك، ويدعوهم من دون الله: يا سيدي فلان! اعمل لي كذا، والله يقول: ((أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ)) أي: تعبد أمواتاً غير أحياء، ((وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ))، فالميت في قبره سواء كان هذا الميت نبياً أو ولياً أو رسولاً، هذا الميت لا يعرف متى تقوم الساعة، فقد دخل قبره وانتهى أمر الدنيا وأمر التكليف، وهو الآن في انتظار الساعة وهو في قبره، فلما يخبر الله عن الأصنام هذه، يقول: هي مثل هذه الأموات، ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل:٢١ - ٢٢] أي: الله لا إله إلا هو سبحانه. وقال سبحانه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3492

تفسير سورة الأحقاف [٥ - ٩] إنَّ الذين يتخذون من دون الله أنداداً يعبدونها هم أشدُّ الناس ضلالاً؛ لأنهم يدعون من دون من لا يستجيب لهم إلى يوم القيامة، بل سوف يتبرأ كل معبودٍ ممن عبده يوم الحشر، ومع ظهور الآيات البينة والبراهين الساطعة على صدق نبوة النبي ﷺ وأن القرآن كلام الله، تجد الكافرين يتقولون على النبي ﷺ وعلى كتاب الله الأقاويل.

стр. 3493

تفسير قوله تعالى: (ومن أضل ممن يدعو من دون الله) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الأحقاف: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف:٥ - ٩]. في هذه الآيات يتعجب الله تعالى ممَّن يعبدون غير الله وهم يعرفون أن هذه المعبودات لا تنفع ولا تضر، فقوله تعالى: ((وَمَنْ أَضَلُّ)) سؤال تعجبٍ من أمر هؤلاء، والجواب على ذلك أنه لا أحد أضل من هؤلاء. وقوله: ((يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ)) أي: يدعو آلهة غير الله سبحانه، وهذه الآلهة لا تستجيب له حتى ولو دعاهم من هذا الوقت إلى يوم القيامة، فلو أنه من الآن إلى يوم القيامة جلس أمام هذا الصنم أو أمام هذا الوثن أو أمام هذا الذي يدعوه من دون الله ظل يدعوه ويطلب منه فلن يستجيب له أبداً، فليس هناك أضل من الذي لا يفكر ولا يعقل ما يصنع. وقوله تعالى: ((وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ)) يعني: هذه الآلهة غافلة، فهي جمادات، فعبدوا أصناماً وأحجاراً وشمساً وقمراً وأشجاراً، وعبدوا غير ذلك من الأشياء وهي غافلة لا تعي ما يقول هؤلاء ولا ما يصنعون.

стр. 3494

تفسير قوله تعالى: (وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء) قال الله : ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٦]، قوله: ((وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ)) أي: إذا جمع الناس ليوم الحشر كانت هذه الآلهة أعداء لهؤلاء، فيجعل الله فيها أفهاماً وعقولاً وألسنة تنطق وتكذب هؤلاء الذين كانوا يعبدونها من دون الله وتتبرأ منهم، وكذلك كل من عُبِد من دون الله ، حتى وإن أراد هذه العبادة إنسان، وجعل نفسه على الناس ملكاً وزعم لهم أنه إله كما ادعى فرعون وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، فإذا جاء يوم القيامة هؤلاء مع أتباعهم، قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة:١٦٦ - ١٦٧]، إذاً: في يوم القيامة المتبوعون يتبرءون من أتباعهم، والكبراء يتبرءون من الصغار الذين مشوا وساروا وراءهم وطلبوا نوالهم في الدنيا، فإذا بهم يوم القيامة يتبرءون منهم ويقولون لهؤلاء: تبرأنا منكم، كذلك الشيطان، قال الله تعالى عنه: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم:٢٢] أي: لا أريدكم ولا أغيثكم، ولا أنا أجيركم ولا أنتم تجيرونني ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢]، كنتم تعبدونني من دون الله وأنا كافر بهذه العبادة ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم:٢٢]. فهذا الشيطان الذي خدع الإنسان في الدنيا يتبرأ من الإنسان يوم القيامة، ويقول: أنا كافر بعبادتك لي، فالشيطان يقول ذلك للإنسان، والإنسان يعبد الشيطان في الدنيا مع تحذير الله للعباد من الشيطان، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦]، وقال الله سبحانه: ((وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا))، هذه الآلهة وهذه الشياطين ((لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ))، والشيطان يقول: ((إِنِّي كَفَرْتُ)) أي: بهذه العبادة. وكذلك كل الآلهة حين ينطقون يقولون: كفرنا بهذه العبادة التي عبدتمونا بها، أي: جحدنا وأنكرنا ذلك فلا نستحق نحن العبادة، فأنتم الذين عبدتمونا ونحن نبرأ من هذه العبادة.

стр. 3495

تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات) قال الله عن هؤلاء الكفار: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف:٧] أي: أن الكافر يخلط ولا يعرف كيف يرد على النبي ﷺ فيتكلم بالكلام الواهي فيقول: ((هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ)) يعني: هذا سحر بيَّن جلي واضح تماماً، وهو كاذب فيما يقول، ومن حوله يعرفون ذلك، فقد كان المشركون يجتمعون في دار ندوتهم ليتفقوا على شيءٍ يقولونه في النبي ﷺ ، فمنهم من يقول: مجنون، فيقولون: هو من أعقل الناس كيف نقول عنه مجنون؟! ومنهم من يقول عنه: كذاب، فيقولون: كيف ذلك ونحن الذين نسميه الصادق الأمين ﵊؟! وكيف ندعي عليه الكذب الآن؟ ويقولون: نقول عنه: ساحر، فيقولون: لقد نظرنا السحرة ونظرنا الكهنة فلم نجد فيه شيءٌ من ذلك، فكلٌ يدلي برأيه ويكذب بعضهم بعضاً، فيقولون عن القرآن: سحر مبين، وهم يعرفون في أنفسهم أنهم كذابون.

стр. 3496

تفسير قوله تعالى: (أم يقولون افتراه) قال الله : ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [يونس:٣٨] أم: إضرابية مقدرة ببل والهمزة، وتسمى المنقطعة، قال تعالى: ((أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا))، فكيف افترى هذا القرآن؟ ولو سألنا هؤلاء الكفار هل تقدرون أن تأتوا بمثله؟ لقالوا: لا، لا نقدر أن نأتي بمثله، إذاً: فهذا القرآن معجز؟ سيقولون: نعم هو معجز، ولا نقدر أن نأتي بمثله طالما أنه معجز، إذاً: فالذي أتى بهذا القرآن أتى بمعجزة، ولا يملك شيئاً من هذه المعجزة، إنما هذه المعجزة من الله، وإنما هو رسول من رب العالمين، وليس هو الذي أتى بهذا الشيء من عنده، ولكنه من عند رب العالمين سبحانه، فلم لا تصدقون ذلك؟ فقوله تعالى: ((قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)) أي: لا تملكون لي شيئاً لو كنت أكذب على الله، وكانوا يريدون ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ [الإسراء:٧٣] أي: نريدك أن تفتري بأي شيء تقوله في هذا القرآن فتشكر آلهتنا، ولو اتبعتهم على هذا يقول الله لنبيه ﷺ : ﴿وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٣]، ولو تابعتهم على ما هم فيه: ﴿لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء:٧٥]. فلو أنت فعلت ذلك وأطعت هؤلاء في بعض ما يطلبونه منك لأذقناك العذاب في الدنيا ضعفين، وحاشا له صلوات الله وسلامه عليه، وفي الآخرة ضعف العذاب لو أنك اتبعتهم في شيء بسيط مما يريدونه. ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [يونس:٣٨]، وإذا كان الله في مقام التبليغ وفي مقام التوحيد، وفي مقام إبلاغ رسالته إلى العالمين سبحانه يهدد ويحذر النبي ﷺ أن يميل إلى أهوائهم فإنه يقول: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النساء:١١٣] أي: لا يضرونك طالما أنت معتصم بالله ، ولا يضرون إلا أنفسهم، فاحذر أن تتبعهم وقد عصمناك منهم، وحفظناك ودافعنا عنك، وإلا فلن تملك لنفسك منا شيئاً، وهم لا يملكون لك من الله شيئاً. وقوله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ﴾ [يونس:٣٨]، أي: الذي تخوضون وتندفعون فيه من كلام باطل. وقوله: ﴿كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأحقاف:٨]، يشهد علي ويشهد عليكم، قال تعالى: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الرعد:٤٣] أي: لا أحتاج إلى أحد من البشر أن يشهد لي بأني بلغت، تكفيني شهادة رب العالمين سبحانه، فالشهيد يراقبني ويراقبكم، ثم يحكم بيني وبينكم يوم القيامة، قال تعالى: ((وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ))، ففضل الله عظيم سبحانه، فالمقام هنا مقام تهديد ووعيد ومع ذلك يختم سبحانه بآية الرحمة ويقول: ((وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)) أي: لو تبتم إلى الله ودخلتم في دينه لغفر لكم ورحمكم، والغفور مشتق من الغفر، والغفر: الستر، يعني: أن الله يستر ذنوبكم، ويمحوها ويغفرها بفضله وكرمه سبحانه، وهو الرحيم، قال تعالى: ﴿وكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣]. فرحمته سبحانه لمن مات على التوحيد، ولمن دخل في دين الله وأسلم نفسه ووجهه لله.

стр. 3497

تفسير قوله تعالى: (قل ما كنت بدعاً من الرسل) ثم قال للنبي ﷺ : قل لهؤلاء ﴿مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٩] أي: لست أنا أول رسول، بل قبلي أنبياء ورسل كثيرون جاءوا إلى قومهم، فلست بالشيء الجديد. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:٩]، هذه السورة سورة مكية وفي هذا الوقت قال له ربه سبحانه: قل لهم ذلك: أنني لا أعلم أقدار الله سبحانه، ولا أعلم ما الذي يصنع بي أو بكم على التفصيل، ولكن الله قد أرسلني لأبلغ رسالته، فلا أدري ما يفعل بي ولا بكم بعد ذلك. إذاً: ففي هذه الحياة الدنيا أنا لا أدري ما الذي يفعل بي ولا بكم على وجه التفصيل، وأما إجمالاً فقد بين له ربه سبحانه فقال: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح:٢]، وبين ما يفعل بالمؤمنين فقال: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٥]. وبين سورة الأحقاف وسورة الفتح سنون طويلة في نزولهما، فسورة الفتح نزلت في رجوع النبي ﷺ من الحديبية سنة ست للهجرة في ذي القعدة، وقال له سبحانه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١ - ٢]، إذاً: فقد نزلت في الأعوام المدنية سنة ست وهو راجع من الحديبية، فنزل عليه هذا القرآن العظيم ليخبره بما يكون يوم القيامة، إذاً: فهو في هذه الحالة وهو في مكة كان يعرف يقيناً أن المؤمنين في الجنة، ويعرف أنه ﷺ سيكون في الجنة، لكن التفصيل في ذلك قبل دخول الجنة: هل سيحاسب النبي ﷺ حساباً شديداً؟ وكيف سيحاسب المؤمنون؟ من هو سابق، ومنهم من هو لاحق بعد ذلك، ومنهم من يستحق النار؛ فهذا كله لا يعرفه النبي ﷺ ، إنما يعرف إجمالاً أن المؤمنين في الجنة، ثم أخبره الله عن بعض الناس: أن فلاناً في الجنة، وفلاناً في الجنة، فأخبر عن عشرة من أصحابه رضوان الله ﵎ عليهم وبشرهم بأنهم في الجنة. إذاً: فالمعرفة التفصيلية لم يكن يعرفها ﷺ ، ولكنه عرف الجنة ودعا إليها إجمالاً. وقال له ربه: قل ﴿مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:٩] أي: أنا لا أعلم الغيب، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف:١٨٨]، وهذه الآيات دفعت الكفار إلى العناد واليهود يعينونهم على ذلك، فالكفار واليهود يقولون: إن الرجل لا يعرف ما يصنع به ولا بكم، كيف تتبعونه إذا كان لا يعرف ما يفعل به ولا بكم؟! فلا تتبعوه، فهذا مما دفعهم إلى أن يبتعدوا عن النبي ﷺ ، والقرآن لا يجامل أحداً، حتى ولو كان الأمر في هؤلاء أنهم يبتعدون، فالله يهدي من يشاء ويضل من يشاء . والحقيقة أن محمداً ﷺ بشر من البشر لا يعلم الغيب، إلا ما علمه الله . وفي صحيح البخاري حديث يتناسب مع هذه الآية وهو حديث أم العلاء الأنصارية ﵂ تقول: (اقتسمنا المهاجرين فطار لنا عثمان بن مظعون في السكنى، فأنزلناه أبياتنا فتوفي). فالأنصار هم أهل الدار والإيمان رضي الله عن الجميع، فاقتسموا هؤلاء المهاجرين، فقالت: (طار لنا في السكنى)، أي: صار من نصيبهم الحسن هذا الرجل الفاضل العظيم عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه، حيث نزل عندهم. تقول ﵂: (فتوفي)، وهذا الرجل كان رجلاً مؤمناً صادق الإيمان، صالحاً زاهداً ﵁، وقد صفه النبي ﷺ بالصلاح، وبأنه خير سلف، وذلك لما ماتت ابنته صلوات الله وسلامه عليه قال: (الحقي بخير سلف عثمان بن مظعون)، رضي الله تعالى عنه، ووضع حجراً عند قبره علامة، وقال: (أدفن إليه من مات من أهلي)، فالرجل له منزلة عظيمة. فقالت أم العلاء الأنصارية ﵂ لما توفي: شهادتي عليك أبا السائب أن الله قد أكرمك، أي: أنا أشهد أن الله قد أكرمك، فأوقفها النبي ﷺ ؛ لأنه لو فتح هذا الباب فإن كل إنسان سيشهد لأي إنسان ميت ويدخل في أمور الغيب فقال لها النبي صلوات الله وسلامه عليه: (وما يدريك أن الله قد أكرمه؟) يعني: أنت لم تطلعي على الغيب حتى تعلمين أن الله أكرمه، فأسكتها النبي ﷺ حتى لا تفتح المجال للناس أن يتكلموا في الغيب. فقال لها النبي ﷺ : (وما يدريك أن الله قد أكرمه، فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! فمن؟) تعني: إذا لم يكرمه الله تعالى فمن يكرم إذاً؟ فهي تقول على وجه الظن: إن هذا الرجل صالح، فلا بد أن يكرمه الله، فقال النبي ﷺ : (أما هو فقد جاءه اليقين ومات على الإسلام، فنرجو له الخير، قال: وما رأينا إلا خيراً فوالله إني لأرجو له الجنة). إذاً: يعلمنا النبي ﷺ ألا نتكلم عن الغيب، ثم قال: (ووالله إني لرسول الله ﷺ وما أدري ما يفعل بي ولا بكم) وفي هذا الأمر حصل إشكال عند العلماء، فمنهم من ضعف هذا الحديث وقال: هو معارض للمعنى الذي جاء في القرآن، وهو أن النبي ﷺ أخبره الله أنه في الجنة ﵊، ولكن الصواب: أن الحديث ثابتٌ في صحيح البخاري، فكيف يضعف وهو حديث صحيح الإسناده؟! فالصحيح أن معنى الحديث: (ما أدري ما يفعل بي ولا بكم) من تفاصيل أمور الدنيا: من قتال، أو انتصار على المشركين، أو ما يحصل له ولأصحابه، فأمور الغيب لا يدري بها النبي ﷺ ؛ ولذلك يقول الله له: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف:١٨٨]. ثم بين له ربه بعد ذلك ما يكون من أنه صاحب الشفاعة يوم القيامة، وصاحب الحوض المورود، وصاحب المقام المحمود صلوات الله وسلامه عليه، وهو في أعلى الجنة ﵊، وأخبر أن المؤمنين في الجنة على ما ذكر لنا في أحاديثه ﵊. إذاً: فقوله: (وما أدري ما يفعل بي ولا بكم) نفي للعلم على التفصيل وإثبات للإجمال في ذلك؛ لذلك فإن الصحابة رضوان الله عليهم لما سمعوا النبي ﷺ يقول ذلك تخوفوا مما يكون بعد ذلك، فلم يزك أحد أحداً حتى سمعوا النبي ﷺ وهو يدفن ابنته يقول: (الحقي بخير سلف)، فعرفوا أن هذا الرجل رجل صالح، وأن النبي ﷺ عرف أن له منزلة عند الله . كذلك أم العلاء الأنصارية ذكرت للنبي ﷺ بعد ذلك أنها رأت هذا الرجل في منامها وله عين جارية، فالنبي ﷺ أخبر أن هذا عمله، إذاً: فالرجل كان مجاهداً، وكان رجلاً صالحاً، وعمله مستديم بعدما مات، وعمله دائم الأجر عليه عند الله ، فهذا مما جاء في قصة هذا الرجل الفاضل ﵁ وقصة أم العلاء الأنصارية. ولا تعارض بينه وبين الغيب، إذاً: قول النبي ﷺ : (ما أدري ما يفعل بي ولا بكم) أي: في هذا الوقت من أمور الدنيا ومن أمور الآخرة على التفصيل، حتى فصلها له ربه بعد ذلك بالوحي في الكتاب وفي السنن. وقال تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأحقاف:٩]، إن هنا بمعنى: (ما) وهذا أسلوب قصر يعني: ما أتبع إلا ما يوحى إليه، ولا أجرؤ على شيء إلا بوحي من الله، فلا يتقدم ولا يتأخر إلا بما يأمره الله به، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣] أي: لا يتكلم من قبل نفسه، ولكن بوحي من عند الله سبحانه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف:٩]، وهذا قصر أيضاً، أي: وظيفتي في الدنيا هي النذارة والرسالة، فالنبي ﷺ رسول رب العالمين ليبشر وينذر ويخبر بما يريد الله ، ويدعو الخلق إليه سبحانه، فهذه وظيفته في الدنيا، ولم يأت في الدنيا ليقول: أنا أعلم الغيب، بل قال لهؤلاء: ﴿مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٩]، لست بشيء جديد مخترع ولكني مثل غيري من الرسل، ووظيفتي هي البشارة للمؤمنين بالجنة، والنذارة للكافرين بعذاب رب العالمين، والدعوة إلى الله وإلى توحيده. ومعنى قوله تعالى: ((مُبِينٌ)) أي: مفصح عما يريده الله سبحانه، مبين لكم أحكام دينه . نسأل الله سبحانه أن يجعلنا متبعين للنبي ﷺ ، وأن يجنبنا البدع والحوادث، ونسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3498

تفسير سورة الأحقاف الآية [١٠] إن القرآن العظيم كتاب هداية للناس أجمعين، وهو موعظة وذكرى من الله لعباده، ولكن لا يتذكر إلا من وفقه الله جل وعلا، وقد شهد بصحته وبلاغته وإعجازه أرباب الفصاحة والبلاغة، وأذعنوا لعظمته، ولما جاء به ﷺ كفر به من كفر من الجهال والكفار واليهود، وأما من عنده علم بالكتاب فقد شهد بصحته كعبد الله بن سلام ﵁.

стр. 3499

سبب نزول قوله تعالى: (قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة الأحقاف: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ * وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف:١٠ - ١٢]. يقول الله سبحانه في هذه الآيات من سورة الأحقاف لهؤلاء الكفار: ((قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)) أي: إن كان هذا القرآن من عند الله سبحانه: ((وَكَفَرْتُمْ بِهِ)) أي: لم تصدقوا به، وجحدتم أنه من عند الله سبحانه، وافتريتم على النبي ﷺ أنه جاء به من عنده، ((وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ))، قوله تعالى: ((وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ)) قالوا: هذه الآية من هذه السورة آية مدنية، وكانت في إسلام عبد الله بن سلام في المدينة في أول وصول النبي صلوات الله وسلامه عليه إلى المدينة، فقد شهد عبد الله بن سلام ﵁، وقد ذكر الله شهادته في كتابه بأنه شهد أن هذا القرآن حق، وأن النبي ﷺ حق، وشهد له النبي ﷺ أنه من أهل الجنة رضي الله ﵎ عنه. فهذا الرجل العظيم عبد الله بن سلام ﵁ كان حبراً من أحبار اليهود، وعالماً من علمائهم، وقد عرف صفة النبي صلوات الله وسلامه عليه، فذهب يختبر ويمتحن النبي ﷺ فلما تأكد أسلم رضي الله ﵎ عنه.

стр. 3500

عبد الله بن سلام يحاجج اليهود ويرد عليهم هذا هو عبد الله بن سلام الذي بشره النبي ﷺ بالجنة رضي الله ﵎ عنه، وهو أول من رد على اليهود من اليهود رضي الله ﵎ عنه. روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄: (أن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ في قصة رجل وامرأة منهم قد زنيا)، وكانوا قد بدلوا حكم التوراة في أن الزاني يرجم، فلما وجدوا أن أشرافهم يزنون قالوا: نلغي حكم التوراة ونأتي بحكم جديد، فقالوا: الذي يزني نركبه على حمار منكوس ووجهه إلى الوراء، ونطوف به بين الناس. (فلما عرفوا أن النبي ﷺ حق قالوا: نذهب إلى هذا الذي يقول إنه نبي، فإن حكم بذلك كان حجة لنا عند الله، فذهبوا إلى النبي ﷺ فقالوا: إن فلاناً وفلانة قد زنيا فاحكم فيهما، قال: ما تجدون حكمهما عندكم في التوراة؟ قالوا: نسخم وجوههما، ونركبهما على حمار منكوسين، قال: كذبتم، أما تجدون الرجم عندكم؟ قالوا: لا ما نجده، قال: فائتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فأتوا بالتوراة وقرءوها، فلما أتوا على الموضع الذي فيه الرجم وضع القارئ يده عليها، فقرأ ما قبلها وما بعدها، -والنبي ﷺ كان لا يقرأ لا عربياً ولا أعجمياً، فلا يقرأ التوراة بالسريانية ولا بالعربية- فقال عبد الله بن سلام ﵁: ارفع يدك واقرأ، فرفع يده فقرأها فإذا فيها الرجم). فهؤلاء يكذبون على الله وكتاب الله بين أيديهم، أفلا يكذبون على رسول الله ﷺ وعلى غيره من البشر؟! فلما قرءوها قال النبي ﷺ : (اللهم اشهد أني أول من أقمت حكم التوراة فيهم) أي: أنهم ألغوا حكم التوراة، وأنا أول من أقمت حكم التوراة فيهم. فكان عبد الله بن سلام ﵁ هو الذي قال لهذا القارئ: (ارفع يدك، فقرأ فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد! فيها آية الرجم). فالنبي ﷺ بين أن حكم الله في الزاني والزانية إذا وقعا في هذه الجريمة هو الرجم، وبين القرآن وبينت سنة النبي ﷺ الحد في ذلك. إذاً: فقوله تعالى: ((قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ)) أي: على مثل ما جئتم به، فشهد على هذا القرآن أنه من عند الله سبحانه، ((فَآمَنَ)) يعني: عبد الله بن سلام، ((وَاسْتَكْبَرْتُمْ)) أي: يا معشر اليهود، ويا معشر الكفار، ((إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) أي: الذين يظلمون أنفسهم بالشرك بالله ، فيستحقون من الله عز جل العقاب، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١١٦]. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3501

قصة إسلام عبد الله بن سلام ﵁ في صحيح البخاري عن أنس ﵁ قال: (بلغ عبد الله بن سلام مقدم رسول الله ﷺ المدينة فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي)، وعلى هذا فإما أن يكون إسلامه كان مبكراً أول ما قدم النبي ﷺ المدينة، أو أنه بلغه هذا الشيء متأخراً والله أعلم، لكن الأغلب يذكرون أن إسلامه كان قبل وفاة النبي ﷺ بعامين أو بثلاثة أعوام والله أعلم. فهنا يذكر في هذه القصة أنه لما بلغه مقْدم النبي ﷺ أتى فقال: (إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه؟). وهذه الأشياء عرفها عبد الله بن سلام من كتابهم، وجاء يسأل النبي ﷺ عنها، فقال النبي ﷺ : (نعم، لقد أخبرني بهن آنفاًَ جبريل قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة)، فقد كان عبد الله بن سلام ﵁ على عقيدة اليهود، وقد كان اليهود يقولون: إن جبريل عدونا، ولكنه جلس يسمع النبي ﷺ فأسلم. فقال ﷺ : (أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب) يعني: تخرج نار عظيمة تقود الناس كلهم من مكانهم إلى بلاد أخرى، فتحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وقال ﷺ : (وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت)، وهذا شيء لا يعرفه إلا الله ؛ لأن أمر الجنة أمر غيبي لا يطلع عليه إلا الله، نسأل الله أن يجعلنا من أهل الجنة، ومن أول داخليها. قال: (وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها، قال: أشهد أنك رسول الله). ففرق بينه وبين اليهود الذين ذهبوا إلى النبي ﷺ وقالوا: نسألك عن خمسة أشياء، فلما أجابهم وعرفوا أنه نبي قالوا: (من وليك من الملائكة، قال: جبريل، قالوا: لو قلت ميكائيل لاتبعناك، ولكن جبريل عدونا فلا نتبعك)، وهذا من كفرهم وجحودهم وبهتهم وبهتانهم لعنة الله عليهم، فتركوا الحق الذي عرفوه من النبي ﷺ ، وكأن النظرة ليست إلى الحق الذي جاء به النبي ﷺ ، وإنما النظرة إلى الذي جاء به وأنزله على محمد، فنسوا أن الله هو الذي أنزل هذا الكتاب، وأن النبي ﷺ رسول باعترافهم، ونظروا إلى السفير بين السماء والأرض، فهذا كفر اليهود لعنة الله عليهم! فـ عبد الله بن سلام ﵁ لم يكن مثلهم، وإنما سمع ما قاله النبي ﷺ فقال: (أشهد أنك رسول الله، ثم قال: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك، ولكن ادعهم قبل أن يعلموا بإسلامي، فاسألهم عني فدعاهم، فجاءت اليهود، ودخل عبد الله البيت) أي: اختبأ في البيت واليهود عند النبي ﷺ ، فسألهم النبي ﷺ : (أي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟: فقالوا: أعلمنا وابن أعلمنا، وأخيرنا وابن أخيرنا، فقال رسول الله ﷺ : أفرأيتم إن أسلم عبد الله) أي: إن أسلم عبد الله أتسلمون مثله؟ (فقالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله ﵁ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله؛ فقالوا: شرنا وابن شرنا)، فوصفوه بعكس ما قالوا أولاً، فهم قوم كذابون لا يستحيون أن يكذبوا في نفس الجلسة، فيقولون الشيء ويكذبونه بعد قليل. وكذلك جاء في مسند الإمام أحمد من حديث عوف بن مالك ﵁ قال: (انطلق النبي ﷺ يوماً وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود بالمدينة في يوم عيد لهم، فكرهوا دخولنا عليهم)، أي: أنه ﷺ عليهم دخل عليهم يدعوهم إلى الله سبحانه، (فقال لهم رسول الله ﷺ : يا معشر اليهود! أروني اثني عشر رجلاً يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله يحبط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي غضب عليهم). ومعنى الحديث: أنه لو أسلم عشرة من اليهود لأسلم كل اليهود، ومع ذلك مات ﷺ ولم يسلم عشرة من اليهود، وأسلم من النصارى الكثير وأما اليهود فلا، قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢]، فاليهودي مجرم كذاب، يكذب ويجحد الحق الذي يعرفه، فإذا كانوا فعلوا ذلك مع موسى ﵊ فسيفعلونه مع النبي ﷺ ، من باب أولى. فقال لهم: (أروني اثني عشر رجلاً) أي: بعدد الاثني عشر الذين بعثهم الله في بني إسرائيل، ﴿اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة:١٢]، قال: (أروني اثني عشر رجلاً منكم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، يحبط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي غضب عليهم)، فقد غضب الله على اليهود ولعنهم وأعد لهم عذاباً عظيماً، كما قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ﴾ [المائدة:٧٨ - ٨١] أي: وبما جاءهم من الحق، فلو كانوا يؤمنون بالله سبحانه، ويؤمنون بالنبي ﷺ لفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض، ولأطعمهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولكنهم جحدوا برسالة النبي ﷺ ولم يؤمنوا به، فكان أن غضب الله سبحانه عليهم. قال: (فأسكتوا) أي: ما أجابه أحد، أو فسكتوا ولم يجبه أحد منهم، قال: (ثم رد عليهم فلم يجبه أحد) يعني: ردد الكلام مرة ثانية، ثم مرة ثالثة فلم يجبه أحد. فقال: (أبيتم؟) أي: أرفضتم أن تسلموا؟ (فوالله إني لأنا الحاشر) أي: آخر الأنبياء ﵊، الذي يحشر الناس على قدميه صلوات الله وسلامه عليه، فهو يسوق الناس ويدعوهم إلى دين الله ، قال: (إني لأنا الحاشر، وأنا العاقب، وأنا النبي المصطفى)، وكأن هذه الصفات كانت عندهم عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقد عرفوا ذلك وجحدوا، فقال ﷺ : (آمنتم أو كذبتم) يعني: أنا النبي ﷺ سواء آمنتم أو كذبتم قال: (ثم انصرف وأنا معه حتى إذا كدنا نخرج نادى رجل من خلفنا: كما أنت يا محمد! -صلوات الله وسلامه عليه-، قال: فأقبل فقال ذلك الرجل: أي رجل تعلمونني فيكم يا معشر اليهود؟! قالوا: والله ما نعلم أنه كان فينا رجل أعلم بكتاب منك ولا أفقه منك)، وهذه شهادة من اليهود لـ عبد الله بن سلام، فهم يقولون: ما نعرف أحداً أفقه ولا أعلم منك في التوراة، ولا من أبيك قبلك، ولا من جدك قبل أبيك. فقال: (فإني أشهد له بالله أنه نبي الله الذي تجدونه في التوراة، قالوا: كذبت، ثم ردوا عليه قوله وقالوا فيه شراً، فقال النبي ﷺ : كذبتم، لن يقبل قولكم، أما آنفاً فتثنون عليه من الخير ما أثنيتم، ولما آمن كذبتموه وقلتم فيه ما قلتم، فلن يقبل قولكم. قال: فخرجنا ونحن ثلاثة، رسول الله ﷺ وأنا وعبد الله بن سلام -يعني: عوف بن مالك وعبد الله بن سلام -، وأنزل الله : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف:١٠]). فيكون الخطاب هنا لهؤلاء اليهود، أي: كفرتم بذلك، أو لليهود وللمشركين الذين كفروا قبل ذلك، وآمن هذا الرجل، ((إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)).

стр. 3502

البشارة لعبد الله بن سلام ﵁ بالجنة روى الإمام البخاري ومسلم من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد ﵁ قال: (ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض: إنه من أهل الجنة إلا لـ عبد الله بن سلام)، مع أن سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، فكأنه يهضم نفسه ويذكر هذا الرجل ﵁، أو كأنه يذكر أنه ما سمع النبي ﷺ يفرد أحداً أنه من أهل الجنة إلا هذا، وإلا فقد ذكر النبي ﷺ عشرة مبشرين بالجنة، فقال: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح) الحديث، رضي الله ﵎ عن الجميع، فهؤلاء شهد لهم النبي ﷺ بأنهم في الجنة. وأما عبد الله بن سلام فكأنه ذكره وحده ﷺ ، وكان السبب في ذلك: أن عبد الله بن سلام ﵁ رأى رؤيا في المنام وقصها على النبي ﷺ ، فذكر النبي ﷺ ذلك. ففي الصحيحين من حديث محمد بن سيرين عن قيس بن عبادة قال: كنا في حلقة فيها سعد بن مالك وابن عمر، فمر عبد الله بن سلام فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، قال: فتبعته فقلت له: إنهم قالوا: كذا وكذا أي: أنك من أهل الجنة، فقال: سبحان الله! ما ينبغي لهم أو ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم. وهذا من تواضعه ﵁، وإلا فقد عرف أن النبي ﷺ قال ذلك، ولكن الإنسان المؤمن القوي الإيمان يخاف من مكر الله سبحانه، ويهضم نفسه حتى لو قيل له إنه في الجنة، فهو يقول لنفسه: ومتى يكون في الجنة؟ ألا يمكن أن يدخل النار أولاً ثم يخرج منها إلى الجنة؟ فالنهاية ستكون في الجنة، ولكن قبل ذلك لا يعرف ما الذي سيكون فهو يتهم نفسه دائماً. فهذا الرجل الصالح ﵁ لما قيل فيه ذلك قال: (سبحان الله! ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم، إنما رأيت كأنما عموداً وضع في روضة خضراء فنصب فيها، وفي رأسها عروة، وفي أسفلها منصف)، والمنصف: الوصيف، أي: أنه في المنام رأى روضة خضراء، -وهي: البستان العظيم- في أوسط هذه الروضة عمود، وفي أعلى العمود عروة، -والعروة هي الحلقة، أي: ما يتعلق بها، أو يشد بها الحبل- وفي أسفلهامنصف، (فقيل: ارق) أي: اصعد هذا العمود الذي في وسط هذه الروضة الخضراء، فقال: (فرقيته حتى أخذت بالعروة، فقصصتها على رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : يموت عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى)، فهذا الذي بلغه رضي الله ﵎ عنه في ذلك: أنها رؤيا منام، وقصها للنبي ﷺ ، فأخبره بهذا الشيء، فهو يقول: ما قال لي أنت في الجنة، وإنما قال: إنني سأموت على الإسلام، ومعلوم أن من يموت على الإسلام أنه متمسك بالعروة الوثقى، قال الله : ﴿لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٥٦] أي: لا تنفصل أبداً عن طريق الله سبحانه، وما ينقطع عنها، بل تأخذه هذه العروة إلى جنة الله سبحانه. فهذا جاء في هذا الحديث، لكنه يتواضع ويهضم نفسه، ويقول عن نفسه: إن الذي فسره النبي ﷺ لي أنني أستمسك بالإسلام إلى أن أموت، وأما أني سأكون في الجنة أو في النار فهذا أمر لا يعلمه إلا الله سبحانه. وقد جاء في حديث آخر رواه الإمام أحمد من حديث سعد بن أبي وقاص أيضاً: (أن النبي ﷺ أتي بقصعة فأكل منها، ففضلت فضلة) أي: بقي في القصعة طعام، فقال ﷺ : (يجيء رجل من هذا الفج من أهل الجنة يأكل هذه الفضلة)، والنبي ﷺ لا يعلم الغيب، ولكن الله يطلعه على ما شاء من الغيب، وقد كان سعد بن أبي وقاص ترك أخاه عمير بن أبي وقاص يتوضأ ويلحق به، فتمنى سعد أن عميراً يأتي، قال: (فقلت: -يعني: في نفسه- وعمير! قال: فجاء عبد الله بن سلام فأكلها). فالإنسان قد يتمنى شيئاً ويكون الأمر على خلاف ما يتمناه ويريده، فـ سعد يتمنى أن يكون أخاه عمير ولكن الله أعلم من يستحق هذه البشارة التي قالها النبي ﷺ ، فيستحقها من لا يفتن بها، ويستحقها من لا يقول: أنا في الجنة. ولذلك فالله ذكر عبد الله بن سلام هنا ومدحه، فقال تعالى: ((وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ)) أي: آمن هذا الرجل، فقوله: ((َشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ)) أي: على مثل ما جئتم به، فشهد موسى على التوراة، ومحمد ﷺ على هذا القرآن العظيم، وقد شهد هذا الرجل على أن التوراة كتاب موسى، وعلى أن هذا القرآن كتاب محمد صلوات الله وسلامه عليه، فقد شهد على هذا القرآن أنه حق، وأنه كتاب رب العالمين، وأن النبي حق صلوات الله وسلامه عليه. ((َشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ)) هذا الرجل الفاضل، ((وَكَفَرْتُمْ)) أي: كفر الكفار واليهود، ولم يؤمنوا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 3503

تفسير سورة الأحقاف [١٠ - ١١] لقد شهد بعظمة هذا الدين وخيريته وعدالته وسماحته أهل الكتاب الذين أسلموا واستجابوا لله ورسوله ﷺ ، ولا يدخل في الدين إلا من علم عظمته وخيره، أما المشركون المتكبرون المتغطرسون فقد شهدوا بالضد حيث قالوا: هذا دين يدخل فيه الفقراء، والمساكين، والسفلة من قطاع الطرق، واللصوص، فهو دين شر ليس فيه خير، ومن يضلل الله فلا هادي له من دونه أبداً.

стр. 3504

الشهادة بأن القرآن حق وعاقبة الظالمين الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: قال في سورة الأحقاف: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ * وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف:١٠ - ١٢]. في هذه الآيات يذكر الله سبحانه لهؤلاء المشركين أن هذا القرآن هو كتاب الله وقد نزل من عنده سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ [فصلت:٥٢] أيها المشركون! وكفرتم به يا أهل الكتاب! وشهد شاهد منكم يا أهل الكتاب على أن هذا القرآن هو من عند الله، فكتاب موسى مثل هذا القرآن، فهذا كتاب شريعة وهذا كتاب شريعة، فآمن بالتوراة وبهذا القرآن الذي جاء من عند الله. ثم قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ [فصلت:٥٢]، والخطاب هنا للمشركين, وقد نزلت هذه الآيات الآيات في إسلام عبد الله بن سلام ﵁، فهذه الآية الوحيدة مدنية، وباقي السورة كله مكي، كلها مكية، وقيل: آيتان من هذه السورة مدنيتان والباقي مكي. فالذي شهد أن هذا القرآن من عند الله هو عبد الله بن سلام ﵁، وكان من أحبار اليهود كما قدمنا قبل ذلك، وقد شهد له اليهود بالعلم والتقدم، وشهدوا له ولأبيه ولجده من قبل ذلك، فلما علموا أنه أسلم كذبوا وجحدوا ما قالوه، وقالوا فيه وفي أبيه شراً، والله يكذبهم ولا يقبل منهم، قال: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ﴾ [الأحقاف:١٠] هذا الشاهد وهو عبد الله بن سلام - ﴿وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف:١٠] أيها اليهود، واستكبرتم أيها المشركون، بل بلغ الأمر أن المشركين كانوا يسألون اليهود عن النبي ﷺ : أينا أهدى سبيلاً؟ فقال الذين كفروا من أهل الكتاب للمشركين: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلاً. فاليهود يعرفون الله سبحانه، ويعرفون موسى ﵊، ويعرفون التوحيد، ويعرفون أن هؤلاء المشركين يعبدون أصناماً لا تنفع ولا تضر، ومع ذلك كان هذا جوابهم لما سألهم الكفار: أينا أهدى سبيلاً نحن الذين نعبد الأصنام أم النبي صلوات الله وسلامه عليه الذي يوحد الله ويعبده؟ فإذا باليهود الكلاب الخنازير لعنة الله عليهم يقولون لهم: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلاً. فانظر إلى هذا الكذب! فهم يعرفون أن هؤلاء أهل باطل، ولكن الكفر والجحود والاستكبار على دين الله ، والغرور بما هم فيه من الدنيا دفعهم إلى أن يلغوا عقولهم، ويكذبوا على الله وعلى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فقالوا: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلاً. بل ويحتالون كل الحيل فيقول بعضهم لبعض: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران:٧٢] أي: تعالوا وقولوا له في أول النهار: سنتبعك، وفي آخر النهار نرجع عن قولنا؛ لأجل أن يتزعزع المؤمنون في دينهم فيتركوه، فأخبر الله سبحانه عن هؤلاء أنهم مستكبرون قال: ((فَآمَنَ)) أي: عبد الله بن سلام ((وَاسْتَكْبَرْتُمْ))، والمستكبر: هو الذي يعرف الحق ومع ذلك يرفض أنه يتبع هذا الحق؛ عناداً وكبراً وغروراً وفرحاً بما هو فيه، وخوفاً من أن تضيع منه الرياسة والملك، فهؤلاء استكبروا عن أن يدخلوا في دين النبي ﷺ ، قال الله : ((إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)). وأعظم الظلم الشرك بالله سبحانه، فإذا استكبر الإنسان على دين الله استحق أن يطبع الله ويختم على قلبه وسمعه وبصره، ويجعله لا يفهم ولا يعي ولا يتبع؛ حتى يكون من أهل النار في الآخرة والعياذ بالله! ((إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) أي: إن الله لا يهدي الذي يظلم نفسه ويظلم غيره، الذي يكفر بدين الله سبحانه ويقع في الظلم الأكبر، وكأن الظالم عقوبته في الدنيا أن يضله الله ، فإذا ظلم نفسه وظلم غيره استحق ذلك، ولما قال: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) عممهم، فكل ظالم يستحق أن يطبع الله عليه، وكل حسب ظلمه، فاحذر أن تكون ظالماً، فإن من عقوبة الظلمة أن يختم الله على قلوبهم فيضلهم ولا يهديهم، ويمنع عنهم نوره سبحانه بظلمهم. ولما عاقب الله الذين هادوا قال سبحانه: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:١٦٠ - ١٦١]. فهؤلاء بشركهم بالله سبحانه ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم، فاستحقوا عقوبة الله ، وكذلك كل ظالم يستحق من الله أن يطمس على عينيه وبصيرته، وأن يطبع ويختم على قلبه، ويجعل عليه غشاوة إلا أن يرجع ويتوب إلى ربه سبحانه.

стр. 3505

وقوع الكافرين في قياس إبليس الباطل قال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف:١١]. ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا)) يعني: عن الذين آمنوا، أو قالوا لهم مجادلين بالباطل، ((لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ))، إما أن الكفار يتكلم بعضهم لبعض، فيقولون عن الذين آمنوا: أهؤلاء يسلمون نحن لا؟ وكونه يسبق إلى ذلك فهو يسبق إلى الشر، فهذا لا يستحق خيراً لذلك دخل في هذا الدين، ولو كان هذا الدين خيراً لكنا نحن الأشراف قد دخلنا فيه، إذاً فهذا دين باطل، فهم قالوا هذا مغترين بما هم فيه، ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ))، فقاسوا قياساً باطلاً كقياس الشيطان، والشيطان هو أول من قاس قياساً باطلاً، فقد نظر إلى آدم فوجده مخلوقاً من طين، وهو مخلوق من نار، والنار عنده أحسن من الطين، إذاً: فأنا أحسن من آدم، وهذا قياس الشيطان، فقد قاس نفسه على أصله في زعمه أن النار أفضل من الطين، إذاً فطالما النار أفضل من الطين، وأنا مخلوق من نار، وهو مخلوق من طين إذا فأنا أفضل منه فلن أسجد له، فرفض أمر الله ، ورفض أن يسجد لآدم لعنة الله على الشيطان. وهؤلاء اتبعوه في ذلك، فقالوا بهذا الذي قاله فقالوا: نحن الأشرف والأفضل، وهؤلاء كونهم اتبعوا محمداً ﷺ ففيه دليل على أن ما جاء به محمد باطل، ولذلك لما كان باطلاً اتبعه هؤلاء الفقراء والمحتاجون، وأما نحن الكبراء فلا نتبع هذا الشيء؛ لأن هؤلاء ليسوا مثلنا فلا نكون مثلهم في اتباع هذا القرآن أو في اتباع محمد صلوات الله وسلامه عليه. فالأمر ينعكس على هؤلاء كما ينعكس على الشيطان، فيقال لهذا الشيطان لعنة الله عليه: أنت قلت: أنا مخلوق من نار، والنار خير من الطين، فمن أين أتيت لنا بالخيرية هنا؟! ومن قال لك هذا الشيء؟ لا بد أن يكون معك دليل على هذا الذي تقوله، فأنت قلته بزعمك أن النار شيء شريف، مع أن النار تفور وتغلي، والنار فيها تهور واندفاع، وفيها شرر وحمق، فإذا جاءت على شيء أكلته كله، والطين فيه رزانة وهدوء، ولذلك رجع آدم لطبيعته، ورجع الشيطان لطبيعته. ولما غار الشيطان من آدم أصابه النفور والاستكبار حتى على ربه سبحانه، فرفض أن يطيع أمر الله، وآدم لما وقع في المعصية رجع إلى طبيعة الرزانة والهدوء، ورجع إلى الركون والتواضع وقال: أذنبت وأخطأت وعصيت الله سبحانه، رب اغفر لي! فطلب من ربه أن يتوب عليه، فنفع آدم أصله. ولو فرضنا أن النار خير من الطين فالله قد كرم آدم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠]، فهذا خلق الله وهذا خلق الله، والله تعلى يكرم من يشاء سبحانه، فرفع هذا ووضع هذا سبحانه. وكذلك هؤلاء المشركون ينقلب عليهم ما قالوه، فيقول المؤمن التقي: هؤلاء الذين سبقوا النبي ﷺ كانوا هم السباقين والخيار، فأنا أتبع هؤلاء فيما فعلوه، والذين تأخروا وتقهقروا عنه كانوا أشراراً من الخلق، فأنا أحذر أن أكون معهم، فيعكسون على المشركين ما قالوا، فكل شر جرى وراءه المشركون، فتركوا الدين الحق وذهبوا إلى الشر وإلى الشرك والباطل، وكل خير سبق إليه أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه، فلم يسبقهم أحد إلى خير أبداً، إذاً: فنجعلهم أئمتنا وقدوتنا فنقتدي بهم، ولا نحدث شيئاً خلاف ما فعلوه رضوان الله ﵎ عليهم. فيقول الإنسان المؤمن: هؤلاء الصحابة بشهادة القرآن هم السابقون إلى كل خير، والكفار قالوا كذباً: ((لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ))، إذاً: فقد أثبتوا أنهم سبقوا، ونقول نحن: هو الخير، فكل ما يسبق إليه الصحابة فهو الخير، ويلزمنا أن نتبعهم في ذلك، فإذا جاء صاحب بدعة قد ابتدعها قلنا له: لو كانت خيراً لسبقنا إليها أصحاب النبي ﷺ ، فهل فعلها الصحابة؟ فإذا قال: فعلوها، قلنا: هات الدليل على ذلك، فإذا قال: لم يفعلوها، قلنا: لست خيراً من الصحابة، فهم كانوا يسبقون -بشهادة القرآن- إلى كل خير. فكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف فكل من خالف أصحاب النبي ﷺ فالشر فيما يبتدعه، ولذلك لما وجد بعض الأمراء أناساً يتكلمون في خلق القرآن العظيم، جاءه رجل من العلماء فقال له: دعني أناظر هذا الرجل، فالخليفة أتى بهذا الرجل المبتدع الذي يقول بخلق القرآن، وأتى بهذا الرجل الصالح العالم ليناظره، فالعالم قال: إما أن تسأل وإما أن أسأل، فقال هذا المخالف المستكبر: اسألني؟ فقال له: هذا القول الذي تقوله في خلق القرآن هل علمه النبي ﷺ أم لم يعلمه؟ وكانت هذه الفتنة فتنة عظيمة يمتحنون بها العلماء والناس من أجل أن يقولوا بهذا الشيء، ومن لم يقل بذلك ضربوه وسجنوه بل وقتلوه، فجاء هذا العالم ليسأل هذا الذي يقول بهذه البدعة. فقال له: هذا الأمر الذي أنت تقوله وتدعو الناس إليه، هل علمه النبي ﷺ أم لم يعلمه؟ فقال له: فقال له: لم يعلمه، إذا كان لم يعلمه النبي ﷺ فهل فضلك الله أنت عليه من أجل أن يعلمك هذا الذي قلته؟! فقال: لا، رجعت عن كلامي، قد علمه النبي ﷺ . فقال له: هل علمه فتكلم به أم سكت عنه؟ فتحير؛ لأنه سيقول له: هات الدليل، هات الحديث الذي قاله النبي ﷺ ، فليس أمامه إلا أن يقول: بل سكت عنه، فقال: إذا وسع النبي ﷺ أن يسكت عنه، أفلا يسعك أنت أن تسكت عنه؟! فبهت الرجل، فوقفت هذه البدعة بعد قول هذا الرجل، وسكت الأمراء عن امتحان الناس، وذلك بعدما ما امتحنوا العلماء ولم يثبت في هذه الفتنة سوى الإمام أحمد ﵀، وشاب من الشباب الذين كانوا معه رضي الله عن الجميع. فالغرض أنه يقال لصاحب البدعة الذي يبتدع في الدين: إن الصحابة كانوا سباقين إلى الخير، فهل هذا من الخير الذي سبق إليه الصحابة؟ فإذا قال: نعم، قلنا له: هاتوا الآثار التي تدل على هذا الشيء، فإذا لم يأت بدليل إذاً فكلامه كذب، فهو يكذب على هؤلاء، وإذا قال: لا، لم يعرف الصحابة هذه البدعة التي يقولها، نقول: الخير في اتباع هؤلاء الذين ما عرفوا هذه البدعة. وقد قام أحد الأمراء من بني أمية يخطب على المنبر للعيد قبل الصلاة، فإذا بـ أبي سعيد الخدري ﵁ يجذبه بيده، ويقول: لم يكن هذا فعل النبي ﷺ ، فلما كان بعد صلاة العشاء، قال: لم يكن الناس ليقعدوا إلينا، ولا يسمعوا لنا بعد صلاة العيد، فقال: ولو كان هذا الشيء. والثاني يجذبه فقال: ذهب ما تعلم يا أبا سعيد، أي: الذي كنت تعرفه قد انتهى، فقال: والله ما أعلم خير مما لا أعلم، أي: ما أعلمه من سنة النبي ﷺ خير مما لا أعلمه من بدع تحدثونها في الدين، فالإنسان الذي يريد الجنة هذه طريقه، وهي طريق النبي ﷺ ، وطريق الخير الذي سبق إليه أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه، الذين قال الكفار فيهم: ((لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا))، فنقلب ما قالوا ونقول: بل كل خير قد سبق إليه أصحاب النبي رضوان الله ﵎ عليهم، وصلوات الله وسلامه عليه.
следующие страницы →