Полный текст (3 717 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.
стр. 3501
قصة إسلام عبد الله بن سلام ﵁
في صحيح البخاري عن أنس ﵁ قال: (بلغ عبد الله بن سلام مقدم رسول الله ﷺ المدينة فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي)، وعلى هذا فإما أن يكون إسلامه كان مبكراً أول ما قدم النبي ﷺ المدينة، أو أنه بلغه هذا الشيء متأخراً والله أعلم، لكن الأغلب يذكرون أن إسلامه كان قبل وفاة النبي ﷺ بعامين أو بثلاثة أعوام والله أعلم.
فهنا يذكر في هذه القصة أنه لما بلغه مقْدم النبي ﷺ أتى فقال: (إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه؟).
وهذه الأشياء عرفها عبد الله بن سلام من كتابهم، وجاء يسأل النبي ﷺ عنها، فقال النبي ﷺ : (نعم، لقد أخبرني بهن آنفاًَ جبريل قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة)، فقد كان عبد الله بن سلام ﵁ على عقيدة اليهود، وقد كان اليهود يقولون: إن جبريل عدونا، ولكنه جلس يسمع النبي ﷺ فأسلم.
فقال ﷺ : (أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب) يعني: تخرج نار عظيمة تقود الناس كلهم من مكانهم إلى بلاد أخرى، فتحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وقال ﷺ : (وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت)، وهذا شيء لا يعرفه إلا الله ؛ لأن أمر الجنة أمر غيبي لا يطلع عليه إلا الله، نسأل الله أن يجعلنا من أهل الجنة، ومن أول داخليها.
قال: (وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها، قال: أشهد أنك رسول الله).
ففرق بينه وبين اليهود الذين ذهبوا إلى النبي ﷺ وقالوا: نسألك عن خمسة أشياء، فلما أجابهم وعرفوا أنه نبي قالوا: (من وليك من الملائكة، قال: جبريل، قالوا: لو قلت ميكائيل لاتبعناك، ولكن جبريل عدونا فلا نتبعك)، وهذا من كفرهم وجحودهم وبهتهم وبهتانهم لعنة الله عليهم، فتركوا الحق الذي عرفوه من النبي ﷺ ، وكأن النظرة ليست إلى الحق الذي جاء به النبي ﷺ ، وإنما النظرة إلى الذي جاء به وأنزله على محمد، فنسوا أن الله هو الذي أنزل هذا الكتاب، وأن النبي ﷺ رسول باعترافهم، ونظروا إلى السفير بين السماء والأرض، فهذا كفر اليهود لعنة الله عليهم! فـ عبد الله بن سلام ﵁ لم يكن مثلهم، وإنما سمع ما قاله النبي ﷺ فقال: (أشهد أنك رسول الله، ثم قال: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك، ولكن ادعهم قبل أن يعلموا بإسلامي، فاسألهم عني فدعاهم، فجاءت اليهود، ودخل عبد الله البيت) أي: اختبأ في البيت واليهود عند النبي ﷺ ، فسألهم النبي ﷺ : (أي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟: فقالوا: أعلمنا وابن أعلمنا، وأخيرنا وابن أخيرنا، فقال رسول الله ﷺ : أفرأيتم إن أسلم عبد الله) أي: إن أسلم عبد الله أتسلمون مثله؟ (فقالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله ﵁ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله؛ فقالوا: شرنا وابن شرنا)، فوصفوه بعكس ما قالوا أولاً، فهم قوم كذابون لا يستحيون أن يكذبوا في نفس الجلسة، فيقولون الشيء ويكذبونه بعد قليل.
وكذلك جاء في مسند الإمام أحمد من حديث عوف بن مالك ﵁ قال: (انطلق النبي ﷺ يوماً وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود بالمدينة في يوم عيد لهم، فكرهوا دخولنا عليهم)، أي: أنه ﷺ عليهم دخل عليهم يدعوهم إلى الله سبحانه، (فقال لهم رسول الله ﷺ : يا معشر اليهود! أروني اثني عشر رجلاً يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله يحبط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي غضب عليهم).
ومعنى الحديث: أنه لو أسلم عشرة من اليهود لأسلم كل اليهود، ومع ذلك مات ﷺ ولم يسلم عشرة من اليهود، وأسلم من النصارى الكثير وأما اليهود فلا، قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢]، فاليهودي مجرم كذاب، يكذب ويجحد الحق الذي يعرفه، فإذا كانوا فعلوا ذلك مع موسى ﵊ فسيفعلونه مع النبي ﷺ ، من باب أولى.
فقال لهم: (أروني اثني عشر رجلاً) أي: بعدد الاثني عشر الذين بعثهم الله في بني إسرائيل، ﴿اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة:١٢]، قال: (أروني اثني عشر رجلاً منكم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، يحبط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي غضب عليهم)، فقد غضب الله على اليهود ولعنهم وأعد لهم عذاباً عظيماً، كما قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ﴾ [المائدة:٧٨ - ٨١] أي: وبما جاءهم من الحق، فلو كانوا يؤمنون بالله سبحانه، ويؤمنون بالنبي ﷺ لفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض، ولأطعمهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولكنهم جحدوا برسالة النبي ﷺ ولم يؤمنوا به، فكان أن غضب الله سبحانه عليهم.
قال: (فأسكتوا) أي: ما أجابه أحد، أو فسكتوا ولم يجبه أحد منهم، قال: (ثم رد عليهم فلم يجبه أحد) يعني: ردد الكلام مرة ثانية، ثم مرة ثالثة فلم يجبه أحد.
فقال: (أبيتم؟) أي: أرفضتم أن تسلموا؟ (فوالله إني لأنا الحاشر) أي: آخر الأنبياء ﵊، الذي يحشر الناس على قدميه صلوات الله وسلامه عليه، فهو يسوق الناس ويدعوهم إلى دين الله ، قال: (إني لأنا الحاشر، وأنا العاقب، وأنا النبي المصطفى)، وكأن هذه الصفات كانت عندهم عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقد عرفوا ذلك وجحدوا، فقال ﷺ : (آمنتم أو كذبتم) يعني: أنا النبي ﷺ سواء آمنتم أو كذبتم قال: (ثم انصرف وأنا معه حتى إذا كدنا نخرج نادى رجل من خلفنا: كما أنت يا محمد! -صلوات الله وسلامه عليه-، قال: فأقبل فقال ذلك الرجل: أي رجل تعلمونني فيكم يا معشر اليهود؟! قالوا: والله ما نعلم أنه كان فينا رجل أعلم بكتاب منك ولا أفقه منك)، وهذه شهادة من اليهود لـ عبد الله بن سلام، فهم يقولون: ما نعرف أحداً أفقه ولا أعلم منك في التوراة، ولا من أبيك قبلك، ولا من جدك قبل أبيك.
فقال: (فإني أشهد له بالله أنه نبي الله الذي تجدونه في التوراة، قالوا: كذبت، ثم ردوا عليه قوله وقالوا فيه شراً، فقال النبي ﷺ : كذبتم، لن يقبل قولكم، أما آنفاً فتثنون عليه من الخير ما أثنيتم، ولما آمن كذبتموه وقلتم فيه ما قلتم، فلن يقبل قولكم.
قال: فخرجنا ونحن ثلاثة، رسول الله ﷺ وأنا وعبد الله بن سلام -يعني: عوف بن مالك وعبد الله بن سلام -، وأنزل الله : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف:١٠]).
فيكون الخطاب هنا لهؤلاء اليهود، أي: كفرتم بذلك، أو لليهود وللمشركين الذين كفروا قبل ذلك، وآمن هذا الرجل، ((إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)).
стр. 3502
البشارة لعبد الله بن سلام ﵁ بالجنة
روى الإمام البخاري ومسلم من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد ﵁ قال: (ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض: إنه من أهل الجنة إلا لـ عبد الله بن سلام)، مع أن سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، فكأنه يهضم نفسه ويذكر هذا الرجل ﵁، أو كأنه يذكر أنه ما سمع النبي ﷺ يفرد أحداً أنه من أهل الجنة إلا هذا، وإلا فقد ذكر النبي ﷺ عشرة مبشرين بالجنة، فقال: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح) الحديث، رضي الله ﵎ عن الجميع، فهؤلاء شهد لهم النبي ﷺ بأنهم في الجنة.
وأما عبد الله بن سلام فكأنه ذكره وحده ﷺ ، وكان السبب في ذلك: أن عبد الله بن سلام ﵁ رأى رؤيا في المنام وقصها على النبي ﷺ ، فذكر النبي ﷺ ذلك.
ففي الصحيحين من حديث محمد بن سيرين عن قيس بن عبادة قال: كنا في حلقة فيها سعد بن مالك وابن عمر، فمر عبد الله بن سلام فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، قال: فتبعته فقلت له: إنهم قالوا: كذا وكذا أي: أنك من أهل الجنة، فقال: سبحان الله! ما ينبغي لهم أو ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم.
وهذا من تواضعه ﵁، وإلا فقد عرف أن النبي ﷺ قال ذلك، ولكن الإنسان المؤمن القوي الإيمان يخاف من مكر الله سبحانه، ويهضم نفسه حتى لو قيل له إنه في الجنة، فهو يقول لنفسه: ومتى يكون في الجنة؟ ألا يمكن أن يدخل النار أولاً ثم يخرج منها إلى الجنة؟ فالنهاية ستكون في الجنة، ولكن قبل ذلك لا يعرف ما الذي سيكون فهو يتهم نفسه دائماً.
فهذا الرجل الصالح ﵁ لما قيل فيه ذلك قال: (سبحان الله! ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم، إنما رأيت كأنما عموداً وضع في روضة خضراء فنصب فيها، وفي رأسها عروة، وفي أسفلها منصف)، والمنصف: الوصيف، أي: أنه في المنام رأى روضة خضراء، -وهي: البستان العظيم- في أوسط هذه الروضة عمود، وفي أعلى العمود عروة، -والعروة هي الحلقة، أي: ما يتعلق بها، أو يشد بها الحبل- وفي أسفلهامنصف، (فقيل: ارق) أي: اصعد هذا العمود الذي في وسط هذه الروضة الخضراء، فقال: (فرقيته حتى أخذت بالعروة، فقصصتها على رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : يموت عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى)، فهذا الذي بلغه رضي الله ﵎ عنه في ذلك: أنها رؤيا منام، وقصها للنبي ﷺ ، فأخبره بهذا الشيء، فهو يقول: ما قال لي أنت في الجنة، وإنما قال: إنني سأموت على الإسلام، ومعلوم أن من يموت على الإسلام أنه متمسك بالعروة الوثقى، قال الله : ﴿لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٥٦] أي: لا تنفصل أبداً عن طريق الله سبحانه، وما ينقطع عنها، بل تأخذه هذه العروة إلى جنة الله سبحانه.
فهذا جاء في هذا الحديث، لكنه يتواضع ويهضم نفسه، ويقول عن نفسه: إن الذي فسره النبي ﷺ لي أنني أستمسك بالإسلام إلى أن أموت، وأما أني سأكون في الجنة أو في النار فهذا أمر لا يعلمه إلا الله سبحانه.
وقد جاء في حديث آخر رواه الإمام أحمد من حديث سعد بن أبي وقاص أيضاً: (أن النبي ﷺ أتي بقصعة فأكل منها، ففضلت فضلة) أي: بقي في القصعة طعام، فقال ﷺ : (يجيء رجل من هذا الفج من أهل الجنة يأكل هذه الفضلة)، والنبي ﷺ لا يعلم الغيب، ولكن الله يطلعه على ما شاء من الغيب، وقد كان سعد بن أبي وقاص ترك أخاه عمير بن أبي وقاص يتوضأ ويلحق به، فتمنى سعد أن عميراً يأتي، قال: (فقلت: -يعني: في نفسه- وعمير! قال: فجاء عبد الله بن سلام فأكلها).
فالإنسان قد يتمنى شيئاً ويكون الأمر على خلاف ما يتمناه ويريده، فـ سعد يتمنى أن يكون أخاه عمير ولكن الله أعلم من يستحق هذه البشارة التي قالها النبي ﷺ ، فيستحقها من لا يفتن بها، ويستحقها من لا يقول: أنا في الجنة.
ولذلك فالله ذكر عبد الله بن سلام هنا ومدحه، فقال تعالى: ((وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ)) أي: آمن هذا الرجل، فقوله: ((َشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ)) أي: على مثل ما جئتم به، فشهد موسى على التوراة، ومحمد ﷺ على هذا القرآن العظيم، وقد شهد هذا الرجل على أن التوراة كتاب موسى، وعلى أن هذا القرآن كتاب محمد صلوات الله وسلامه عليه، فقد شهد على هذا القرآن أنه حق، وأنه كتاب رب العالمين، وأن النبي حق صلوات الله وسلامه عليه.
((َشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ)) هذا الرجل الفاضل، ((وَكَفَرْتُمْ)) أي: كفر الكفار واليهود، ولم يؤمنوا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 3503
تفسير سورة الأحقاف [١٠ - ١١]
لقد شهد بعظمة هذا الدين وخيريته وعدالته وسماحته أهل الكتاب الذين أسلموا واستجابوا لله ورسوله ﷺ ، ولا يدخل في الدين إلا من علم عظمته وخيره، أما المشركون المتكبرون المتغطرسون فقد شهدوا بالضد حيث قالوا: هذا دين يدخل فيه الفقراء، والمساكين، والسفلة من قطاع الطرق، واللصوص، فهو دين شر ليس فيه خير، ومن يضلل الله فلا هادي له من دونه أبداً.
стр. 3504
الشهادة بأن القرآن حق وعاقبة الظالمين
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: قال في سورة الأحقاف: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ * وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف:١٠ - ١٢].
في هذه الآيات يذكر الله سبحانه لهؤلاء المشركين أن هذا القرآن هو كتاب الله وقد نزل من عنده سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ [فصلت:٥٢] أيها المشركون! وكفرتم به يا أهل الكتاب! وشهد شاهد منكم يا أهل الكتاب على أن هذا القرآن هو من عند الله، فكتاب موسى مثل هذا القرآن، فهذا كتاب شريعة وهذا كتاب شريعة، فآمن بالتوراة وبهذا القرآن الذي جاء من عند الله.
ثم قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ [فصلت:٥٢]، والخطاب هنا للمشركين, وقد نزلت هذه الآيات الآيات في إسلام عبد الله بن سلام ﵁، فهذه الآية الوحيدة مدنية، وباقي السورة كله مكي، كلها مكية، وقيل: آيتان من هذه السورة مدنيتان والباقي مكي.
فالذي شهد أن هذا القرآن من عند الله هو عبد الله بن سلام ﵁، وكان من أحبار اليهود كما قدمنا قبل ذلك، وقد شهد له اليهود بالعلم والتقدم، وشهدوا له ولأبيه ولجده من قبل ذلك، فلما علموا أنه أسلم كذبوا وجحدوا ما قالوه، وقالوا فيه وفي أبيه شراً، والله يكذبهم ولا يقبل منهم، قال: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ﴾ [الأحقاف:١٠] هذا الشاهد وهو عبد الله بن سلام - ﴿وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف:١٠] أيها اليهود، واستكبرتم أيها المشركون، بل بلغ الأمر أن المشركين كانوا يسألون اليهود عن النبي ﷺ : أينا أهدى سبيلاً؟ فقال الذين كفروا من أهل الكتاب للمشركين: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلاً.
فاليهود يعرفون الله سبحانه، ويعرفون موسى ﵊، ويعرفون التوحيد، ويعرفون أن هؤلاء المشركين يعبدون أصناماً لا تنفع ولا تضر، ومع ذلك كان هذا جوابهم لما سألهم الكفار: أينا أهدى سبيلاً نحن الذين نعبد الأصنام أم النبي صلوات الله وسلامه عليه الذي يوحد الله ويعبده؟ فإذا باليهود الكلاب الخنازير لعنة الله عليهم يقولون لهم: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلاً.
فانظر إلى هذا الكذب! فهم يعرفون أن هؤلاء أهل باطل، ولكن الكفر والجحود والاستكبار على دين الله ، والغرور بما هم فيه من الدنيا دفعهم إلى أن يلغوا عقولهم، ويكذبوا على الله وعلى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فقالوا: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلاً.
بل ويحتالون كل الحيل فيقول بعضهم لبعض: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران:٧٢] أي: تعالوا وقولوا له في أول النهار: سنتبعك، وفي آخر النهار نرجع عن قولنا؛ لأجل أن يتزعزع المؤمنون في دينهم فيتركوه، فأخبر الله سبحانه عن هؤلاء أنهم مستكبرون قال: ((فَآمَنَ)) أي: عبد الله بن سلام ((وَاسْتَكْبَرْتُمْ))، والمستكبر: هو الذي يعرف الحق ومع ذلك يرفض أنه يتبع هذا الحق؛ عناداً وكبراً وغروراً وفرحاً بما هو فيه، وخوفاً من أن تضيع منه الرياسة والملك، فهؤلاء استكبروا عن أن يدخلوا في دين النبي ﷺ ، قال الله : ((إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)).
وأعظم الظلم الشرك بالله سبحانه، فإذا استكبر الإنسان على دين الله استحق أن يطبع الله ويختم على قلبه وسمعه وبصره، ويجعله لا يفهم ولا يعي ولا يتبع؛ حتى يكون من أهل النار في الآخرة والعياذ بالله! ((إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) أي: إن الله لا يهدي الذي يظلم نفسه ويظلم غيره، الذي يكفر بدين الله سبحانه ويقع في الظلم الأكبر، وكأن الظالم عقوبته في الدنيا أن يضله الله ، فإذا ظلم نفسه وظلم غيره استحق ذلك، ولما قال: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) عممهم، فكل ظالم يستحق أن يطبع الله عليه، وكل حسب ظلمه، فاحذر أن تكون ظالماً، فإن من عقوبة الظلمة أن يختم الله على قلوبهم فيضلهم ولا يهديهم، ويمنع عنهم نوره سبحانه بظلمهم.
ولما عاقب الله الذين هادوا قال سبحانه: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:١٦٠ - ١٦١].
فهؤلاء بشركهم بالله سبحانه ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم، فاستحقوا عقوبة الله ، وكذلك كل ظالم يستحق من الله أن يطمس على عينيه وبصيرته، وأن يطبع ويختم على قلبه، ويجعل عليه غشاوة إلا أن يرجع ويتوب إلى ربه سبحانه.
стр. 3505
وقوع الكافرين في قياس إبليس الباطل
قال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف:١١].
((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا)) يعني: عن الذين آمنوا، أو قالوا لهم مجادلين بالباطل، ((لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ))، إما أن الكفار يتكلم بعضهم لبعض، فيقولون عن الذين آمنوا: أهؤلاء يسلمون نحن لا؟ وكونه يسبق إلى ذلك فهو يسبق إلى الشر، فهذا لا يستحق خيراً لذلك دخل في هذا الدين، ولو كان هذا الدين خيراً لكنا نحن الأشراف قد دخلنا فيه، إذاً فهذا دين باطل، فهم قالوا هذا مغترين بما هم فيه، ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ))، فقاسوا قياساً باطلاً كقياس الشيطان، والشيطان هو أول من قاس قياساً باطلاً، فقد نظر إلى آدم فوجده مخلوقاً من طين، وهو مخلوق من نار، والنار عنده أحسن من الطين، إذاً: فأنا أحسن من آدم، وهذا قياس الشيطان، فقد قاس نفسه على أصله في زعمه أن النار أفضل من الطين، إذاً فطالما النار أفضل من الطين، وأنا مخلوق من نار، وهو مخلوق من طين إذا فأنا أفضل منه فلن أسجد له، فرفض أمر الله ، ورفض أن يسجد لآدم لعنة الله على الشيطان.
وهؤلاء اتبعوه في ذلك، فقالوا بهذا الذي قاله فقالوا: نحن الأشرف والأفضل، وهؤلاء كونهم اتبعوا محمداً ﷺ ففيه دليل على أن ما جاء به محمد باطل، ولذلك لما كان باطلاً اتبعه هؤلاء الفقراء والمحتاجون، وأما نحن الكبراء فلا نتبع هذا الشيء؛ لأن هؤلاء ليسوا مثلنا فلا نكون مثلهم في اتباع هذا القرآن أو في اتباع محمد صلوات الله وسلامه عليه.
فالأمر ينعكس على هؤلاء كما ينعكس على الشيطان، فيقال لهذا الشيطان لعنة الله عليه: أنت قلت: أنا مخلوق من نار، والنار خير من الطين، فمن أين أتيت لنا بالخيرية هنا؟! ومن قال لك هذا الشيء؟ لا بد أن يكون معك دليل على هذا الذي تقوله، فأنت قلته بزعمك أن النار شيء شريف، مع أن النار تفور وتغلي، والنار فيها تهور واندفاع، وفيها شرر وحمق، فإذا جاءت على شيء أكلته كله، والطين فيه رزانة وهدوء، ولذلك رجع آدم لطبيعته، ورجع الشيطان لطبيعته.
ولما غار الشيطان من آدم أصابه النفور والاستكبار حتى على ربه سبحانه، فرفض أن يطيع أمر الله، وآدم لما وقع في المعصية رجع إلى طبيعة الرزانة والهدوء، ورجع إلى الركون والتواضع وقال: أذنبت وأخطأت وعصيت الله سبحانه، رب اغفر لي! فطلب من ربه أن يتوب عليه، فنفع آدم أصله.
ولو فرضنا أن النار خير من الطين فالله قد كرم آدم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠]، فهذا خلق الله وهذا خلق الله، والله تعلى يكرم من يشاء سبحانه، فرفع هذا ووضع هذا سبحانه.
وكذلك هؤلاء المشركون ينقلب عليهم ما قالوه، فيقول المؤمن التقي: هؤلاء الذين سبقوا النبي ﷺ كانوا هم السباقين والخيار، فأنا أتبع هؤلاء فيما فعلوه، والذين تأخروا وتقهقروا عنه كانوا أشراراً من الخلق، فأنا أحذر أن أكون معهم، فيعكسون على المشركين ما قالوا، فكل شر جرى وراءه المشركون، فتركوا الدين الحق وذهبوا إلى الشر وإلى الشرك والباطل، وكل خير سبق إليه أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه، فلم يسبقهم أحد إلى خير أبداً، إذاً: فنجعلهم أئمتنا وقدوتنا فنقتدي بهم، ولا نحدث شيئاً خلاف ما فعلوه رضوان الله ﵎ عليهم.
فيقول الإنسان المؤمن: هؤلاء الصحابة بشهادة القرآن هم السابقون إلى كل خير، والكفار قالوا كذباً: ((لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ))، إذاً: فقد أثبتوا أنهم سبقوا، ونقول نحن: هو الخير، فكل ما يسبق إليه الصحابة فهو الخير، ويلزمنا أن نتبعهم في ذلك، فإذا جاء صاحب بدعة قد ابتدعها قلنا له: لو كانت خيراً لسبقنا إليها أصحاب النبي ﷺ ، فهل فعلها الصحابة؟ فإذا قال: فعلوها، قلنا: هات الدليل على ذلك، فإذا قال: لم يفعلوها، قلنا: لست خيراً من الصحابة، فهم كانوا يسبقون -بشهادة القرآن- إلى كل خير.
فكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف فكل من خالف أصحاب النبي ﷺ فالشر فيما يبتدعه، ولذلك لما وجد بعض الأمراء أناساً يتكلمون في خلق القرآن العظيم، جاءه رجل من العلماء فقال له: دعني أناظر هذا الرجل، فالخليفة أتى بهذا الرجل المبتدع الذي يقول بخلق القرآن، وأتى بهذا الرجل الصالح العالم ليناظره، فالعالم قال: إما أن تسأل وإما أن أسأل، فقال هذا المخالف المستكبر: اسألني؟ فقال له: هذا القول الذي تقوله في خلق القرآن هل علمه النبي ﷺ أم لم يعلمه؟ وكانت هذه الفتنة فتنة عظيمة يمتحنون بها العلماء والناس من أجل أن يقولوا بهذا الشيء، ومن لم يقل بذلك ضربوه وسجنوه بل وقتلوه، فجاء هذا العالم ليسأل هذا الذي يقول بهذه البدعة.
فقال له: هذا الأمر الذي أنت تقوله وتدعو الناس إليه، هل علمه النبي ﷺ أم لم يعلمه؟ فقال له: فقال له: لم يعلمه، إذا كان لم يعلمه النبي ﷺ فهل فضلك الله أنت عليه من أجل أن يعلمك هذا الذي قلته؟! فقال: لا، رجعت عن كلامي، قد علمه النبي ﷺ .
فقال له: هل علمه فتكلم به أم سكت عنه؟ فتحير؛ لأنه سيقول له: هات الدليل، هات الحديث الذي قاله النبي ﷺ ، فليس أمامه إلا أن يقول: بل سكت عنه، فقال: إذا وسع النبي ﷺ أن يسكت عنه، أفلا يسعك أنت أن تسكت عنه؟! فبهت الرجل، فوقفت هذه البدعة بعد قول هذا الرجل، وسكت الأمراء عن امتحان الناس، وذلك بعدما ما امتحنوا العلماء ولم يثبت في هذه الفتنة سوى الإمام أحمد ﵀، وشاب من الشباب الذين كانوا معه رضي الله عن الجميع.
فالغرض أنه يقال لصاحب البدعة الذي يبتدع في الدين: إن الصحابة كانوا سباقين إلى الخير، فهل هذا من الخير الذي سبق إليه الصحابة؟ فإذا قال: نعم، قلنا له: هاتوا الآثار التي تدل على هذا الشيء، فإذا لم يأت بدليل إذاً فكلامه كذب، فهو يكذب على هؤلاء، وإذا قال: لا، لم يعرف الصحابة هذه البدعة التي يقولها، نقول: الخير في اتباع هؤلاء الذين ما عرفوا هذه البدعة.
وقد قام أحد الأمراء من بني أمية يخطب على المنبر للعيد قبل الصلاة، فإذا بـ أبي سعيد الخدري ﵁ يجذبه بيده، ويقول: لم يكن هذا فعل النبي ﷺ ، فلما كان بعد صلاة العشاء، قال: لم يكن الناس ليقعدوا إلينا، ولا يسمعوا لنا بعد صلاة العيد، فقال: ولو كان هذا الشيء.
والثاني يجذبه فقال: ذهب ما تعلم يا أبا سعيد، أي: الذي كنت تعرفه قد انتهى، فقال: والله ما أعلم خير مما لا أعلم، أي: ما أعلمه من سنة النبي ﷺ خير مما لا أعلمه من بدع تحدثونها في الدين، فالإنسان الذي يريد الجنة هذه طريقه، وهي طريق النبي ﷺ ، وطريق الخير الذي سبق إليه أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه، الذين قال الكفار فيهم: ((لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا))، فنقلب ما قالوا ونقول: بل كل خير قد سبق إليه أصحاب النبي رضوان الله ﵎ عليهم، وصلوات الله وسلامه عليه.
стр. 3506
سبب نزول قوله تعالى: (وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه)
إن سبب نزول هذه الآية أن أبا ذر الغفاري ﵁ دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام بمكة، فأجاب، وذهب إلى قومه فدعاهم رضي الله ﵎ عنهم فاستجابوا ودخلوا مع أبي ذر ﵁، ولما بلغ ذلك الكفار قالوا: غفار الحلفاء دخلوا في الدين؟! هؤلاء قطاع الطريق واللصوص يدخلون في الدين ونحن لم ندخل فيه، فلو كان خيراً لما دخل فيه هؤلاء، فتركوا النبي ﷺ لهذا الزعم.
وهذه امرأة اسمها زنيرة مولاة لـ أبي بكر ﵁، كانت فقيرة ومسكينة، وكان أبو بكر ﵁ يدعوها إلى الإسلام، فدخلت في دين الله فعذبها أهلها، فاشتراها أبو بكر ﵁، وهذه واحدة ممن اشتراهم أبو بكر ﵁ وأعتقهم لله ، فلما أسلمت هذه المرأة اشتراها أبو بكر وأعتقها، وعندما أسلمت عميت، ففرح الكفار وهللوا، وقالوا: أصابتها اللاة والعزى، فإذا بها تدعو ربها فيشفيها الله ، فبهت الكفار، فكان قولهم أن قالوا: ((لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ))، وأثبت الله عليهم ذلك، قالوا: لو كان ما جاء به محمد خيراً ما سبقتنا إليه زنيرة هذه.
وكذلك هناك فريق آخر من الكفار وهم من بني عامر وغطفان وتميم وأسد وحنظلة وأشجع -وهؤلاء كانوا الكبراء من القبائل العالية من المشركين- وجدوا أقواماً كانوا يعتبرونهم سفلة من غفار وأسلم وجهينة ومزينة وخزاعة، فقالوا: إن هؤلاء الذين كانوا قطاع طريق، وكانوا لصوصاً أسلموا ونحن لم ندخل في هذا الدين، ((لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ))، فكأنهم يقيسون شرف هذا الدين وعظمته على هؤلاء الذين اتبعوه، فإذا كان الذين اتبعوه أشرافاً كان هذا الدين شريفاً، وإذا كانوا وضعاء كان هذا الدين لا يستحق أن ندخل فيه.
فقالوا: ((لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ))، وجاء عن النبي ﷺ أنه دعا فقال: (أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها)، فدعا لهم النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكانوا في الجاهلية أشراراً ولكن لما جاء الإسلام صاروا أخياراً رضوان الله ﵎ عليهم، فدعا لهم النبي صلوات الله وسلامه عليه.
والبعض الآخر من المشركين وجدوا أن بلالاً وصهيباً وعماراً وغيرهم قد دخلوا في دين الله ، فقالوا: أهؤلاء الفقراء يدخلون في الدين ونحن لا ندخل؟! إذاً فهذا الدين ليس فيه خير، فقالوا: ((لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ))، فهذه المعارضة من الكفار نقلبها نحن المسلمين على هؤلاء ونقول: كل خير قد سبق إليه الصحابة، فلنتبع كل ما فعلوه اقتداءً به صلوات الله وسلامه عليه، ويقال أيضاً: لو كان ما أنتم عليه خيراً أيها المشركون ما تركنا هذا الذي أنتم عليه وذهبنا للنبي ﷺ ، ولكن ما أنتم عليه فيه الشر كله، فلذلك لا نأتيه أبداً، إن الشرك لظلم عظيم.
قال سبحانه: ((وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ))، وإذ لم يهتد بالدين هؤلاء الكفار فإنهم يرمون عليه كل الافتراءات ويقولون: هذا إفك قديم، وأساطير الأولين، وقصص قديمة كنا نسمعها من قبل، وهذه قصص أتى بها محمد صلوات الله وسلامه عليه، ((وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ)) وأضلهم الله ، خرج منهم هذا الكلام الخائب الذي لا يعقل: ((وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ)).
قال الله : ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا﴾ [يونس:٣٩] أي: كذبوا بما جاءهم من عند الله ، وكما جاء في المثل: من جهل شيئاً عاداه، فالذي يجهل الشيء هو أول من يعاديه، فإذا علمه عرف أنه الحق، فالقرآن يقول: ((وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ)) أي: لما جهلوا هذا الدين إذا بهم يعادونه، كذلك قال سبحانه: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس:٣٩]، فهذا القرآن العظيم هو كتاب رب العالمين وإن جحده هؤلاء المشركون، فقد آمن بعد ذلك البعض منهم، وأولادهم، ونظروا إلى أنفسهم وإلى آبائهم أنهم كانوا في ضلال مبين، وأنهم كانوا يكذبون على النبي ﷺ ، كما قال الله : ((فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ))، بل هم الأفاكون الكذابون، نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3507
تفسير سورة الأحقاف [١٢ - ١٤]
يخبر الله عن كفار قريش أنهم من شدة عنادهم لرسول الله ﷺ يستدلون بدخول الضعفة في دينه على أنه ليس ديناً حقاً، فلو كان هذا الدين من عند الله لما سبق إليه الضعفاء والمساكين كما يزعمون، ولكن الله يخبر أن هذا هو دين الهداية والإيمان، ولا يناله إلا من أراد الله هدايته، وعلم استقامته، ورأى أنه أهل لذلك، وقد وعد الله المهتدين المستقيمين على الدين بالهداية والبشرى في الدنيا والآخرة.
стр. 3508
تفسير قول الله : (وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الأحقاف: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ * وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ * إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف:١١ - ١٤].
ذكر الله قول الكافرين للمؤمنين بسبب اتباعهم لكتاب الله : ((لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ)) أي: أن هذا الدين ليس خيراً، ولو كان خيراً لكنا نحن الذين سبقناهم إليه.
فلما قالوا ذلك قال الله عنهم: ((وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ)) أي: بهذا القرآن وبهذا الدين العظيم فسيفترون ويقولون: ((هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ))، فلأنهم لم يدخلوا في هذا الدين عادوه، وكما ذكرنا أن العادة في الإنسان أنه إذا جهل شيئاً عاداه، فكل من جهل شيئاً فلا يحب أن يوصف بأنه جاهل به فيعاديه.
وهؤلاء لم يحاولوا الاطلاع على هذا الدين، ولم يحاولوا أن يفهموه بقلوبهم وعقولهم وبصائرهم، ولكنهم سمعوا من النبي ﷺ ما قال، فإذا بهم يعادونه ويقولون: سيأخذ منا ملكنا ورئاستنا، ويريد أن يكون هو المتبوع فينا، إذاً: لا نريد منه ذلك، فقالوا عما جاء به ﷺ : هذا إفك، أي: كذب مفترىً مختلق، ((هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ))، أتي به من كلام السابقين الماضيين.
стр. 3509
تفسير قوله تعالى: (ومن قبله كتاب موسى إماماً)
قال الله : ((وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً)) أي: من قبل هذا القرآن، فليس القرآن أول كتاب نزل من السماء، بل إن الكتب السماوية نزلت قبل ذلك، وليس النبي ﷺ بدعاً من الرسل، ولا هذا الدين بدعاً من الدين، فالدين عند الله الإسلام الذي جاءت به الرسل جميعهم عليهم الصلاة والسلام.
وكان قبل هذا القرآن كتاب موسى لبني إسرائيل أنزله الله على نبيهم موسى ﵇، والفرق بين موسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما أن موسى أرسل لبني إسرائيل خاصة، والنبي ﷺ أرسل إلى الخلق عامة، وهذا فرق بينه وبين جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ففضل ﷺ على الجميع بأنه أرسل إلى الثقلين: الإنس والجن، وإلى الخلق جميعهم إلى قيام الساعة، ولا نبي بعده صلوات الله وسلامه عليه، حتى حين ينزل المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام ليقتل الدجال فإنه يحكم بشرع النبي صلوات الله وسلامه عليه، ويكون تابعاً للنبي ﷺ ، ((وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى))، وهو كتاب شريعة.
وكثيراً ما يذكر الله سبحانه موسى وكتابه إذا ذكر النبي ﷺ ، وكما ذكرنا أن بين موسى ومحمد عيسى ﵊، ولكن كتاب عيسى ليس كتاب تشريع، وكتاب موسى ﵊ كتاب تشريع.
ولذلك فإن المفترض أن يعمل النصارى بالكتابين: كتاب موسى وهو التوراة الذي يسمونه بالعهد القديم، فهو عندهم كتاب الشريعة، وكتاب عيسى وهو الإنجيل، وهو كتاب مواعظ وليس كتاب حكم.
وفي الكتابين البشارة بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، فقد قال المسيح عيسى فيما أثبت الله في كتابه: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦]، فجاء عيسى صلوات الله وسلامه عليه ليصدق التوراة كتاب موسى السابق، ويبشر بالنبي ﷺ الذي يأتي من بعده.
وقوله تعالى: ((وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً)) أي: إماماً يقتدى به، فجعل الله لبني إسرائيل كتاب التوراة نوراً وإماماً يتبعونه ويعملون بما فيه حتى يصلوا إلى رحمة الله ، فمن رحمة الله أن أنزل الكتب من السماء شريعة للعباد؛ ليعرفوا منهج الله سبحانه ويتبعوه، فـ ((كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً))، وهذا القرآن العظيم: ((كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ)).
((وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ))، إما مصدق للكتب السابقة أنها نزلت من عند رب العالمين، أو أنه (مصدق لساناً) أي: رسول ينطق باللسان العربي صلوات الله وسلامه عليه، فيصدقه فيما يقول أنه رسول ويثبت ذلك، فهو كتاب مصدق للكتب السابقة، ومصدق للنبي الأمي الذي يتكلم باللسان العربي صلوات الله وسلامه عليه، ((مُصَدِّقٌ لِسَانًا)) حال كونه لساناً عربياً، أو حال كون الرسول ينطق باللسان العربي صلوات الله وسلامه عليه.
إن هذا القرآن ينذر الله به الظلمة الكفرة الذين ظلموا أنفسهم وأشركوا بالله سبحانه، ويبشر الله به المحسنين الذين عبدوا الله ابتغاء رضوانه ورحمته، واتقاء ناره وعذابه، ولهذا قال: ((وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ))، وهنا قرئت (لينذر) بالغيب وبالخطاب.
فقرأها (لتنذر): نافع، وأبو جعفر، والبزي عن ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب يقرءونها بتاء المخاطب، والمعنى: لتنذر يا محمد ﵊، وباقي القراء يقرءونها (لينذر)، والمعنى: أن هذا القرآن ينذر الله به الظلمة الذين ظلموا، وأعظم الظلم: الشرك بالله ، وأول الظلمة المشركون والكفار.
((وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ)) أي: بشارة يبشرهم الله بها، ويخبرهم بما يسرهم ويفرحهم وبما يغبطون عليه في مستقبلهم عند رب العالمين سبحانه، فإذا أحسنوا فلهم جنة الله، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.
стр. 3510
تفسير قوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم)
قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف:١٣]، تقدم في الشورى ذكر الله نحو ذلك، وهنا يذكر أن الاستقامة هي الإيمان بالله والاستقامة على طريق الله سبحانه، فهؤلاء وحدوا الله ، ((ثُمَّ اسْتَقَامُوا))، وكأن هذا هو ترتيب من الله سبحانه فلا يكون العمل إلا بعد الإيمان، فيعمل المؤمن بما آمن به وصدقه وأيقن أنه حق، وفي هذا بيان أنه لا يقبل عمل أصلاً إلا بهذا الإيمان، فأول ما يبدأ به هو الإيمان والتوحيد، ومهما عمل العبد من عمل فهو غير مقبول إلا أن يكون معه أصل الأصول وهو الإيمان بالله سبحانه.
وقد جاءت (ثم) للتراخي، لتدل على أن هؤلاء آمنوا، فتعلموا، فعملوا واستقاموا على دين الله ، فكلما تعلموا شيئاً عملوا به، فكانوا مستقيمين على طريق الله سبحانه، ((إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ))، فهذا هو التوحيد والإيمان والتصديق.
فالكفار يقولون: الله هو الخالق، وهو الرازق، والذي نعبده من الأصنام والأوثان إنما ذلك لتقربنا إلى هذا الخالق، سبحانه وتعالى عما يشركون وعن ما يقولون علواً كبيراً.
والمؤمنون قالوا: إن الذي خلقنا والذي هدانا هو الذي يستحق أن نعبده سبحانه، ((قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)) على طريق الله، عابدين ربهم سبحانه، ((فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ))، والخوف دائماً يتعلق بالمستقبل، فقد يخاف المؤمنون أن يحصل لهم ما يكرهونه فالله يطمئنهم بأنهم سيدخلون الجنة خالدين فيها ولن يدخلوا النار، فالخوف دائماً يحصل مما سيأتي في المستقبل، والحزن يكون على شيء يحبه الإنسان قد فاته وضاع منه ولم يستطع الوصول إليه، فقال الله لهم: لا حزن على ماض ولا خوف من مستقبل، وطمأنهم الله بأن حياتهم كلها في أمن وأمان، وفي جنة الخلود في دار السلام، ((فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)) أي: ولا أي خوف.
والآية يقرؤها يعقوب هنا: (فلا خوفَ عليهم ولا هم يحزنون)، ويقرؤها حمزة: (فلا خوفٌ عليهُم ولا هم يحزنون)، وباقي القراء يقرءونها: ((فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ))، والمعنى: لا تخافوا على ما سيحصل لكم فإنه لن يكون إلا كل خير، ولا تحزنوا على شيء يفوتكم أبداً.
فالجنة دار من يدخلها ينعم ولا يبأس أبداً، ويحيا ولا يموت أبداً، وينعم في دار الخلود بما يعطيه الله من فضله ومن كرمه.
وكما ذكر الحث على الإيمان والاستقامة في كتاب الله ، فإنه قد جاء في حديث النبي ﷺ أيضاً، فقد روى الإمام مسلم من حديث سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: (يا رسول الله! قل لي في الإسلامي قولاً لا أسأل عنه أحداً من بعدك، فقال النبي ﷺ : قل آمنت بالله ثم استقم)، وهذا ما تضمنته هذه الآية، أي وحِّد ربك واعمل واستقم على طريق الله فلا تشرك به شيئاً، ولا تعصه، واعمل بما أمرك به، واستقم على شريعته فلا تزغ ولا تنحرف عنها.
وعنه ﵁ كما في الحديث الذي رواه الترمذي: قال: قلت: (يا رسول الله! حدثني بأمر أعتصم به -أي: أتمسك به-، قال: قل: ربي الله ثم استقم قلت: يا رسول الله! ما أخوف ما تخاف علي؟) والمعنى: إذا آمنت وأسلمت وسرت في طريق الله فما الذي تخافه علي أثناء وجودي في هذه الدنيا؟ قال: (فأخذ النبي ﷺ بلسانه وقال: هذا) يخاف عليه لسانه.
إن الإنسان المسلم إذا استقام على طريق الله سبحانه فليحذر من لسانه؛ فإنها هي التي تنحرف به عن طريق الله ، فيقع في الشرك والمعاصي وفي آفات اللسان من غيبة ونميمة وكذب وبهتان وإفكٍ وافتراء.
وجاء أيضاً في حديث ثوبان عند ابن ماجة وهو حديث صحيح أن النبي ﷺ قال: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)، فأمرهم النبي ﷺ بالاستقامة، (ولن تحصوا)، أي: اعملوا الخير الذي يمكن أن تعملوه ولا تقعدوا عن عمل الخير لأجل أن تبحثوا عن كل خير، فالذي تطيقونه قوموا به، وكلما قمتم بعمل جاء عمل خير آخر، ولن تقدروا على كل الأعمال الصالحة مرة واحدة، ولكن بحسب ما تطيقونه.
قال: (واعلموا أن من أفضل أعمالكم الصلاة)، وهذا من رأفة النبي ﷺ ، فهو ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، ﵊، فأحكام الدين وتكاليفه كثيرة ولا يمكن أن يعمل الإنسان كل خير وليأخذ ما يأتيه من خير، وليعمل به، قال تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٣]، وقال: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]، وقال: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وأفضل العمل الذي تتمسك به فيدلك على غيره هو الصلاة.
قوله: (ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) أي: الذي يحافظ على الوضوء لكي يحافظ على الصلاة، ولذلك جاء في الحديث: (الطهور شطر الإيمان).
فإذا حافظ الإنسان على الوضوء والصلاة أزداد قرباً من الله، وكلما ازداد قرباً من الله دله الله على الخير وفتح عليه أبوابه، وكان من المؤمنين الذين استقاموا على صراط الله، والذين ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة:٢١ - ٢٢].
стр. 3511
تفسير قوله تعالى: (أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها)
يقول الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأحقاف:١٤]، وهي دار السلام، ودار رب العالمين سبحانه، وقد خلقها الله للمؤمنين، وكل شيء ملكه ولكنه أكرم هؤلاء فجعلهم كأنهم أصحاب الجنة الحقيقيون، وكأنهم ملكوها.
((أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ)) أي: لا يفنون أبداً، ولا يكتب عليهم الموت فيها، وذلك الجزاء من جنس عملهم الصالح، ((خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ))، فكل من يسمع مثل هذه الآيات ومثل هذه الأحاديث عن النبي ﷺ يعرف أن الجنة عظيمة، وأنها غالية عالية، قال ﷺ : (الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).
فعلى المؤمن أن يتصبر إذا خاض في الدنيا، ويمني نفسه بذلك اليوم الذي لا خوف بعده، فإذا فاته شيء في الدنيا أو أصابه قدر من الأقدار فعليه أن يمني نفسه بدخول الجنة غداً إن شاء الله، فهي لا خوف فيها ولا حزن، ولا كدر من أكدار الدنيا.
وهذا هو الذي يجعل الإنسان المؤمن يتصبر على الدنيا؛ فالجنة قريبة مهما عشنا في هذه الدار، يقول النبي ﷺ : (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين)، وهذه الستون أو السبعون سنة التي عاشها الإنسان لا تساوي شيء إذا قرنها بيوم من أيام يوم القيامة مقداره ألف سنة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧].
فاليوم الواحد عند الله كالعمر الذي تعيشه في الدنيا عشرون مرة، والجنة أعلى من ذلك وأعظم، فإذا منّى الإنسان نفسه بها فإنه سيتصبر على طاعة الله ، ويتصبر عن معصية الله ، ويصبر على قضاء الله وقدره، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠].
والمعنى: اصبر فإذا لم تستطع أن تصبر فصابر، والمصابرة فيها مفاعلة بأن يضغط على نفسه ويجرها إلى الصبر، كقولك: قتل فلان أي: انتهى من عملية القتل، وأما قاتل فإنه ما زال يحاول أن يقضي على خصمه فهو يتقاتل معه، وكذلك اصبر، ومنّي نفسك بالجنة حتى تصابر، قال تعالى: ((وَرَابِطُوا)) أي: اربط نفسك في طريق الله على طاعته، فكأن النفس شرهة تتمنى الأماني وتريد اللعب واللهو فتحتاج إلى أن تربطها على طاعة الله، وعلى الجهاد في سبيل الله سبحانه.
قال الله تعالى: ((وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ)) أي: واتقوا عذاب الله سبحانه، وأخلصوا له العمل، واتقوا الشرك به، ﴿لََعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠].
نسأل الله أن يجعلنا من عباده المفلحين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3512
(تفسير سورة الأحقاف الآية [١٥]) للشيخ: (أحمد حطيبة)
(عدد القراء ٢٨)
عناصر الموضوع
١
تفسير قوله تعالى: (ووصينا
стр. 3513
تفسير سورة الأحقاف تابع الآية [١٥]
لقد أمرنا الله في غير ما موطن من القرآن الكريم بطاعة الوالدين، وحثنا على الإحسان إليهما، ومما يعظم من شأنهما أن الله أمر بالإحسان إليهما بعدما أمر بعبادته وعدم الإشراك به، وقد حثنا ﵎ أيضاً على أن ندعو لهما بالرحمة والمغفرة؛ حتى نرد بذلك شيئاً مما قدماه لنا.
стр. 3514
تفسير قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه كرهاً)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم! صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الأحقاف: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف:١٥].
ذكر الله هنا الوصية بالإحسان إلى الوالدين، وقد قدمنا ما فيها قبل ذلك، وأن الله سبحانه أمر بعبادته وثنىّ بشكر الوالدين، قال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء:٣٦]، وقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤].
فتعبد ربك سبحانه وتشكره، وتشكر لوالدين وتحسن إليهما؛ جزاء بما قدما لك.
قوله سبحانه: ((حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً)) وهذا هو سن الكمال للإنسان الذي نشأ على الخير خلال هذه الفترة، ومن الصعب أن يتحول بعد ذلك إلا أن يشاء الله سبحانه، والذي نشأ على الشر حتى بلغ هذا العمر فإنه يظل على خصال الشر بعد ذلك إلا أن يشاء الله ؛ لذلك بعض الناس وهو شاب صغير يكون فيه طيش، ولكنه بعد ذلك يعقل ويراجع نفسه ويرجع إلى الله سبحانه، لكن الذي يكون في طيش حتى هذا السن وحتى يجاوزه فصعب أن يرجع إلى صوابه، وإذا رجع فإنك تجد فيه نفوراً وشراً إلا أن يشاء الله سبحانه.
ووصف الله هذا السن بأنه سن الكمال الذي إذا بلغ الإنسان فيه على شيء فإنه يكمل على هذا الشيء الذي هو فيه، فالإنسان المؤمن التقي الذي نشأ على تقوى الله ، إذا وصل لهذا السن عليه أن يعد نفسه للموت.
والأمر كما قال النبي ﷺ في الحديث: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يتجاوز ذلك)، فهو لم يقل: كل أمتي يبلغون إلى الستين أو السبعين، فمنهم من يموت وهو في بطن أمه، ومنهم من يموت وهو طفل صغير، ومنهم من يموت وهو شاب صغير، والله أعلم بما يبلغه عبده.
فعلى الإنسان أن يجهز نفسه دائماً للقاء الله سبحانه، ولذلك كان النبي ﷺ يقول عند الصلاة: (صل صلاة مودع)، فعليك أن تقف في الصلاة وكأن هذه آخر صلاة تصليها، فإذا فعلت ذلك أحسنت في هذه الصلاة، وإذا نمت فتتوقع أنه من الممكن ألا تقوم من نومتك، والنوم هو الموتة الصغرى، كما ذكر لنا ذلك الله سبحانه، وذكره لنا النبي ﷺ .
فالإنسان حين ينام يقول: (باسمك اللهم وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)، فمن المتوقع أن ينام ولا يقوم، ولذلك يقول: إن أمسكت نفسي، فالله يتوفى الأنفس حين موتها، ويقبض هذه النفوس، فالقبضة الصغرى هي النوم.
ففي هذه الآية يذكر الله سبحانه: ((حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً))، فهنا أصبحت قوة الإنسان مكتملة، وأصبح عقل الإنسان وتفكيره مكتملاً، فله خبرة ناضجة في الحياة في هذا السن، فيقوم بعد هذا كله يدعو ربه دعاء استعداد للرحيل، واستعداد للآخرة.
فالذي مضى من العمر هو أربعون سنة، ولو عاش الباقي فسيعيش نصف الماضي ويصل عمره إلى ستين سنة، ولعله لا يبلغ ذلك، فيجهز نفسه للقاء الله سبحانه بالعمل الصالح.
قال تعالى: ((قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ))، فقد عشت أربعين سنة، فأطعمني الله فيها وسقاني وكساني وآواني ورزقني وأعطاني ومنّ علي بكل خير سبحانه، فيقول: يا رب! أنعمت علي بنعم عظيمة، فأوزعني -أي: حثني وحرضني وادفعني وأعني- أن أشكرك، وكفني عن كل شيء إلا عن طاعتك وإلا عن شكرك.
وكما ذكرنا قبل ذلك أن النعمة هنا جنس، ولذلك لا تثنى ولا تجمع، فـ (نعمتك) معناها هنا كل النعم التي أنعم الله عليك، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [إبراهيم:٣٤] فأفردها؛ لأنها جنس، والمعنى نعم الله، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦]، فرحمة الله هذه جنس أيضاً، والمعنى رحمات الله العظيمة لعباده.
فيدعو العبد ربه: ((رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ)) يعني: ما أنعمت علي من نعم، وأعظم هذه النعم نعمة الإسلام الذي يشكر أهل الجنة ربهم سبحانه عليها، قال تعالى حاكياً عنهم أنهم يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:٤٣].
ويقول هنا: ((رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ))، فأنعمت على والديّ أنهما أنجباني، وأنعمت عليهما بالحنان وبالرحمة وبالرزق، فربياني ونشآني على طاعتك، وأحسنا إلي وعلماني وهذباني وفعلا بي كل معروف.
قال: ((وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ)) أي: وأوزعني وحثني وادفعني وأعني على أن أعمل صالحاً ترضاه، فالإنسان مخلوق لعبادة الله، ولم يترك لك الخيار في أن تختار ما هو العمل الصالح الذي تريده أنت، فالعمل الصالح هو الذي يرضاه الله سبحانه، فتقول: ((وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ)).
فليس كل ما يختلقه الإنسان يكون شيئاً صالحاً، ولكن الصلاح يعرف بالمقياس الذي وضعه لنا ربنا وهو الكتاب والسنة، والعمل الصالح عمل يرضي الله سبحانه، وشرطه أن يكون مخلَصاً فيه، قال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:١٤]، وقال: ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:١١]، فأمرنا الله أن نخلص له في العبادة، وأن نتابع فيها النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهذان شرطان لقبول الأعمال.
فلم يقل: وأن أعمل صالحاً فقط، ولكن: ((وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ)) أي: تقبله، فأتقرب إليك بما تريده وبما تقبله.
وحتى تعمل العمل الصالح الذي يرضاه الله لا بد من العلم، فكيف ستعرف أن هذا العمل يرضاه الله أو لا يرضاه الله ؟ فلا بد من العلم، فنعرف من الكتاب والسنة ما الذي يرضي الله ، فيعيش المؤمن بهذا العمل الصالح الذي يرضي به ربه سبحانه.
стр. 3515
صلاح الذرية خير للوالدين في الدنيا والآخرة
قال تعالى: ((وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي))، فهذه دعوة عظيمة جامعة، فقد دعا لنفسه، ودعا لوالديه، ودعا لذريته، وحمد الله وشكره على ما أنعم عليه.
وهي دعوة عظيمة ينبغي على كل مسلم أن يدعو بها، فصلاح الذرية أمر عظيم ينفع صاحبها، وصلاح ذريتك تنتفع بها في الدنيا وفي الآخرة، والولد الصالح قرة عين للوالدين في حياته وبعد مماته، ففي حياته ينتفع بصلاحه فلعل الولد يدعو دعوة لوالديه فيستجاب له فيها، والولد الصالح دائماً يدعو لوالديه: ﴿رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٤]، والولد الصالح دائماً يعمل الصالح، والنبي ﷺ يقول: (الولد من كسب أبيه)، فكلما عمل شيئاً أنت علمته إياه، أو أنت دللته عليه، أو هو تعلم هذا الشيء فإنك تؤجر أنت على هذا الشيء، فكان الولد الصالح مكسباً عظيماً لوالديه، فكلما عمل شيئاً أُجر الوالدين عليه.
وإذا مات هذا الولد واحتسبه الوالدان كان لهما الأجر العظيم عند الله، فيسبقهما إلى الجنة إذا كان صغيراً، ويأخذ بأيديهما إلى الجنة، ويجادل ويدافع عنهما أمام الله يوم القيامة حتى يذهب بهما إلى الجنة، وإذا كان كبيراً شُفع في والديه، فشفع فيهما، فكان نفعاً عظيماً في الدنيا وفي الآخرة.
والكثير من الناس همه أن يكون الأولاد في مراكز محترمة، وأن يكونوا شيئاً كبيراً، ولعل هذا الذي يتمناه لهما يكون شرا عليهما، فبعض الناس يتمنى أن يكون ابنه وزيراً كبيراً، فيكون سارياً في ركاب الأشرار، ويضيع في النهاية ويكون من أهل النار، ولم ينتفع بذلك، ولكن ادع لابنك بالصلاح سواءً كان وزيراً أو رئيساً أو عاملاً، فعليك أن تدعو له بالصلاح، وأن يهيئ له ربه من أمره رشداً، ولا تختر أنت ولكن اطلب من ربك أن يختار له الخير.
وقد ذكر النبي ﷺ قصة امرأة وغلامها الرضيع، فبينما كانت المرأة تحمل ولدها وترضعه إذ مر بهما رجل عليه شارة، وله أتباع، فالمرأة نظرت إليه ثم رفعت يديها ودعت ربها: اللهم! اجعل ابني مثل هذا، تريد أن يكون مثله، فترك ثديها، وقال: اللهم! لا تجعلني مثله، اللهم! لا تجعلني مثله، فتعجبت المرأة.
ومرت بهما فتاة يقولون: إنها سرقت، والناس يضربونها، فدعت الله وقالت: اللهم! لا تجعل ابني مثلها في المهانة التي هي فيها، فترك ثديها وقال: اللهم! اجعلني مثلها.
ثم أخبرها أن هذا من الأشرار، وأنه وإن كان كبيراً في قومه، ومقدماً عند الناس لكنه عند الله في النار، وأما الفتاة فهي مظلومة، وهي عابدة لله ، فدعوت الله ألا يجعلني مثل هذا، وأن يجعلني مثل هذه.
فالإنسان لا يعرف الغيب، ولا ما الذي يخبئه القدر، وكم من إنسان يتمنى الشيء حتى يناله، فإذا ناله أصابته التعاسة، وإذا به يتمنى لو أنه لم ينل هذا الشيء، وكم من إنسان كان وزيراً كبيراً، وبعد ذلك يرمى في السجن، والكل ينظر إليه ولا أحد يرحمه.
وكم من إنسان كان قاضياً كبيراً، وقد وصل إلى هذه الدرجة إما بمال، وإما بجهد وتعب، وإما بوساطة، وإذا به ينفتح كرشه على الناس فيمد يده لهذا ولهذا، وإذا به يصير مسجوناً مثله مثل المساجين، ويتمنى لو أنه لم يكن في هذا المنصب، لذلك لا تقول أبداً: يا رب! أنا أريد ابني يكون كذا، ولكن سل ربك الخير.
ولذلك علمنا النبي ﷺ أنه إذا نزل بأحد البلاء فإنه لا يتخير على ربه سبحانه، فقال ﵊: (لا يدعون أحدكم على نفسه بالموت، وإن كان لا بد فاعلاً فليقل: اللهم! أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خير لي)، فارجع الأمر إلى الله ، فكم من إنسان يدعو: يا رب! أنا أريد أن أكون مشهوراً، فتجلب شهرته وصحبته لهؤلاء الناس عليه الشر والتعاسة والبؤس والضياع، وكم من إنسان زاهد بعيد عن الفتن، والله يعصمه ويعطيه، فكل إنسان مهيأ وميسر لما خلق له، فلا تتمنى ما عند غيرك، فقد أعطى غيرك المال فكان حسناً، وأجاد في إنفاق هذا المال، وحرم فلاناً من المال؛ لأن الله حجب عنه الفتن، فهو لا يقدر على فتنة المال، فالله سبحانه أعلم بما يستحقه العباد.
قامت السيدة عائشة ﵂ مرة تدعو ربها سبحانه، فقال لها النبي ﷺ : (عليك بالجوامع) يعني: لا تفصِّلي في الدعاء، فعلمها النبي ﷺ جوامع الدعاء: (اللهم إني أسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، وأسألك من خير ما سألك عبدك ورسولك محمد ﷺ ، وأعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ورسولك محمد ﷺ ، وما قضيت لي من قضاء أن تجعل عاقبته خيراً)، فيكون بذلك قد جمع كل دعاء جميل في ذلك؛ ولذلك لما جاء الرجل إلى النبي ﷺ يشكو إليه معاذاً ﵁ وأنه أطال في الصلاة، فقال النبي ﷺ في آخر كلامه لهذا الرجل: (بم تدعو يا فلان؟! قال: أدعو وأقول: اللهم! إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار، وما أدري ما دندنتك وما دندنة معاذ) يعني الدعاء الكثير الذي تقوله أنت ومعاذ فقال النبي ﷺ : (حولهما ندندن) أي: فأنت اختصرت حين قلت: اللهم إني أسألك الجنة، اللهم أجرني من النار.
وعلى الإنسان المؤمن حين يدعو ربه سبحانه أن يكون فطناً، فيدعو لآخرته، ولا ينسى نصيبه من الدنيا، ولا ينسى حظه منها، ولكن لا تختر على ربك، ولا تحدد؛ فأنت لا تدري لعل الهلاك يكون في هذا الشيء، ولعلك لا تناله، ولعله يكون حسرة عليك، ولذلك اطلب من الله الخير، وإذا أردت شيئاً بعينه فاطلبه وقيده إن كان خيراً لك.
ولك أن تستخير ربك سبحانه في الأمر، ولا تختار على الله، فالله هو الذي يختار، فهنا دعا وفي آخر دعاء الاستخارة يقول: (إني تبت إليك وإني من المسلمين)، إذاً فهو طالب من الله وتائب إلى الله.
وأعظم ما يفتخر به العبد أن يقول: أنا مسلم، وهذه الكلمة سماك الله بها، قال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨]، فالله سبحانه سماكم المسلمين من قبل، وهذه التسمية هي ما كان عليها إبراهيم ﵊، قال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨]، فالله سبحانه يعلمنا دعاء الاستخارة، وزيادة على الدعاء الوارد في الآية ما ذكره الله في قصة سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فقد دعا بمثل ذلك وقال: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل:١٩]، فكان حسناً أن تجمع بين الدعاءين وأن تطلب من الله أن يعينك وأن يوزعك أن تشكر نعمته التي أنعم عليك وعلى والديك، وأن تعمل صالحاً ترضاه، وتقول: (وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين)، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
نسأل الله أن يجعلنا من عباده الصالحين، وأن يدخلنا برحمته في عباده الصالحين أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3516
تفسير سورة الأحقاف [١٥ - ١٨]
لما أمر الله تعالى بطاعة الوالدين وقرنها بعبادته سبحانه ذكر حال الأبناء مع والديهم، فمنهم من هو طائع لهم محسن إليهم، يدعو الله تعالى لهم فهؤلاء هم الفائزون في الدنيا والآخرة، ومنه من هو عاق لوالديه عاص لهما، فهؤلاء هم الأشقياء الخاسرون في الدنيا والآخرة؛ بسبب عقوقهم لوالديهم، فليحذر المرء من العقوق فهو من أكبر الكبائر.
стр. 3517
تابع تفسير قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه كرهاً)
стр. 3518
فيما نزلت هذه الآية
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة الأحقاف: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٥ - ١٦].
ذكرنا في الحديث السابق ما يتعلق بهذه الآية، وهنا ذكر العلماء أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله ﵎ عنه.
وأبو بكر الصديق كان تابعاً صلوات الله وسلامه عليه، وكان محباً للنبي ﷺ ، وهو أصغر من النبي ﷺ بعامين، وقد تابعه وكان عمره ثمان عشرة سنة ﵁، وعمر النبي ﷺ عشرون سنة، وكان يحب النبي ﷺ .
стр. 3519
ظهور بشارات النبوة على النبي ﷺ في صغره
وقد سافر مرة مع النبي ﷺ إلى الشام، وفي الطريق نزل النبي ﷺ تحت شجرة فرآه راهب وهو تحت الشجرة، وكان النبي ﷺ له من العمر آنذاك عشرون سنة، وأبو بكر له ثمان عشرة سنة، فالراهب سأل أبا بكر ﵁: من هذا؟ فقال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، ﷺ ، قال: ما استظل بهذه الشجرة أحد إلا نبي، فعلم أبو بكر أن محمد بن عبد الله سيكون نبياً، فلم يزل مواظباً مع النبي ﷺ في كل وقت وفي كل حين رضي الله ﵎ عنه، ولما بعثه الله سبحانه تابعه أبو بكر الصديق، وكان للنبي ﷺ أربعون سنة، وكان لـ أبي بكر الصديق ثمان وثلاثون سنة رضي الله ﵎ عنه.
فـ أبو بكر الصديق نزلت فيه هذه الآية، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف:١٥].
стр. 3520
من فضائل أبي بكر الصديق ﵁
قال العلماء: لم يكن أحد من أصحاب النبي ﷺ أسلم هو وأبوه وأمه وأبناؤه إلا أبو بكر الصديق رضي الله ﵎ عنه، فلذلك ذكروا أنه هو الذي تتعلق به هذه الآية، وإن كانت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قال علي ﵁: هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، فقد أسلم أبواه جميعاً، ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أن أسلم أبواه غيره، فأوصاه الله بهما، ولزم ذلك من بعده.
ووالده: أبو قحافة، واسمه: عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، وأمه: أم الخير، واسمها سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد، وأم أبيه قيلة، وامرأته قتيلة رضي الله ﵎ عنه وعن أهله المسلمين الذين تابعوا النبي ﷺ ، وكان أبو بكر ﵁ أكثر الناس بعد النبي ﷺ عملاً صالحاً، فقد دعا ربه: أوزعني أن أعمل صالحاً ترضاه، فألهمه الله ذلك، حتى شهد له النبي ﷺ بقوة الإيمان، وشهد له بالجنة صلوات الله وسلامه عليه، وذكر النبي ﷺ أنه لو وزن إيمان أبي بكر ﵁ وإيمان الأمة ليس فيها النبي ﷺ لرجح إيمان أبي بكر على إيمان الأمة ﵁، ويكفيه شرفاً وفخراً أن لقب بـ الصديق ﵁، فلا يكره ولا يبغض أبا بكر إلا منافق ومجرم وملعون.
إن فضائل أبي بكر كثيرة، وقد شهد له بها علي ﵁، وشهد ابن عباس وهو من آل بيت النبي ﷺ ، قال ابن عباس ﵁: دعا أبو بكر ربه بقوله تعالى: ((وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ)) قال: فأجابه الله ، فأعتق تسعة من المؤمنين المعذبين في الله ، منهم: بلال، وعامر بن فهيرة رضي الله ﵎ عن الجميع.
ولم يدع شيئاً من الخير إلا أعانه الله عليه ببركة دعائه، واتباعه للنبي صلوات الله وسلامه عليه.
ففي صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ سأل أصحابه فقال: (من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا، قال رسول الله ﷺ : ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة)، ولم يحصل في ذلك اليوم هذا الفضل إلا لـ أبي بكر رضي الله ﵎ عنه، فشهد له النبي ﷺ مراراً بأنه من أهل الجنة ﵁.
وشهد له بالصديقية يوم أن وقف على جبل أحد ومعه عمر، فاهتز الجبل بمن عليه فوطأه النبي ﷺ بقدمه، وقال: (اثبت أحد فإنه ليس عليك إلا نبي، أو صديق، أو شهيد)، فالصديق هو: أبو بكر الصديق، والشهيد هو عمر رضي الله ﵎ عن الجميع.
ودعا أبو بكر ربه فقال: ((وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي))، فأصلح الله له ذريته، فمنهم: ابنته عائشة ﵂، ومعلوم فضلها، ومنهم: أسماء رضي الله ﵎ عنها، ومنهم عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله ﵎ عنه، ومعلوم فضله وخاصة في جهاده في سبيل الله، وبلائه العظيم في يوم اليمامة، وبطولته المنقطعة النظير رضي الله ﵎ عنه، ومن فضل أبي بكر وآل أبي بكر رضي الله ﵎ عنه قوله: ((وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ))، فكانت سنة للمسلمين أن يقتدوا بـ أبي بكر في الدعاء، وأن يتبعوا هذه الآية العظيمة، وأن يدعوا باسم الله الذي يعين على العمل الصالح، والذي يصلح الذرية، والذي يؤدب ويربي ويرزق سبحانه، فأنت عليك الدعاء والله عليه الإجابة والتثبيت سبحانه.
قال مالك بن مغول: شكا أبو معشر ابنه إلى طلحة بن مصرف رضي الله عن الجميع، وكأن ابنه يعصيه ويقع في شيء من المعاصي، فقال طلحة بن مصرف: إذا رأيت من ابنك نفوراً أو بعداً عن الطاعة فاستعن عليه بهذه الآية التي فيها الدعاء، قال الله تعالى: ((رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي)).
فتدعو ربك بصلاح الذرية، وتستعين بالدعاء، والله يرفع عنك وعن أولادك البلاء.
والتوبة: هي الرجوع إلى الله ، والرجوع إلى أمره سبحانه الذي أمرك أن تكون عليه، قال تعالى: ((وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) أي: من المخلصين الموحدين الله سبحانه.
стр. 3521
تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا)
فالذين يتصفون بهذه الصفات قال الله سبحانه فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ [الأحقاف:١٦] أي: أولئك الأفاضل الصالحون الذين يدعون بمثل هذا الدعاء، ويكونون على هذا العمل الصالح من توحيد الله سبحانه، ومن الإحسان إلى الوالدين، ومن الاستجابة لدين الله سبحانه، فإن الله يتقبل عنهم أحسن ما عملوا، ويتجاوز عن سيئاتهم.
стр. 3522
القراءات في قوله تعالى: (أولئك الذين نتقبل عنهم)
قراءة حفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف:١٦] وأما باقي القراء فيقرءونها: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُتقبل عَنْهُمْ أَحْسَنُ مَا عَمِلُوا ويُتجاوز عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ)، فالله هو الذي يتقبل بفضله وعظمته وكرمه سبحانه.
стр. 3523
معنى قوله تعالى: (أولئك الذين نتقبل عنهم)
ومعنى هذه الآية: أن الله يتقبل منهم هذه الأعمال، ويجازيهم بها أفضل ما يجزى الإنسان.
والإنسان قد يعمل عملاً حسناً، ويعمل أحسن منه، وقد يعمل عملاً ويراه حسناً، وقد لا يكون من الطاعة ولا من المعصية، كأن يستحسن شيئاً من المباح، والمباح لا أجر فيه ولا عقوبة، كالأكل والشرب، فإذا نوى نية صالحة أن يكون طاعة لله ، فهذا الذي يريده الله سبحانه، وهذا الذي يتقبله من المسلم.
فالله يتقبل من المسلم ما كان طاعة أو عبادة، بشرط أن يكون بنية صالحة خالصة لله ، وليس المعنى أن العبادات منها حسن ومنها أحسن، وأن الحسن لا يقبل والأحسن يقبل، لا، فكل العبادات حسنى، وكل العبادات يقبلها الله سبحانه طالما استوفت شروطها من متابعة النبي ﷺ ، والإخلاص لله سبحانه.
و (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، وكل إنسان له معاصي وله سيئات، فمن زادت حسناتهم حتى فاقت سيئاتهم وغلبت عليها، فالله يتجاوز عنهم ويعفو.
стр. 3524
مكفرات الذنوب والمعاصي
والله جعل للعبد المكفرات الكثيرات بفضله وبرحمته، فمنها: الوضوء، والصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة، فهذه مكفرات لسيئات صاحبها، ومنها: التوبة، فإذا تاب العبد فإن الله يكفر عنه سيئاته، ويتقبل منه حسناته، ويرفع له درجاته.
قال سبحانه: ((وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ)) أي: نجعل هؤلاء أصحاب الجنة ومالكيها.
стр. 3525
معنى قوله تعالى: (وعد الصدق)
وقوله تعالى: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ [الأحقاف:١٦] أي: أن الوعد الذي من الله وعد صادق، ووعده هنا مفعول مطلق للتأكيد.
فوعد الله كله صدق، وقوله كله حق سبحانه، ﴿الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦] أَيْ: يوعدون على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وفي كتب الله المنزلة من عنده سبحانه.
стр. 3526
تفسير قوله تعالى: (والذي قال لوالديه أفٍ لكما)
أما الذين استوجبوا عقوبة الله سبحانه, واستوجبوا عذاب النار فقال تعالى عنهم: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [الأحقاف:١٧ - ١٨].
فقوله تعالى: ((وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ)) لم يصرح لنا سبحانه بالذي قال لوالديه: أف لكما، فهذا واحد ممن يعذبون يوم القيامة فلا نحتاج إلى معرفة اسمه، وفي هذه الآية عموم، فتعم كل من قال ذلك، وكل من عق والديه، وكل من كفر بالله سبحانه، واستهان بدين الله سبحانه وقال: إنَّ هذا الكتاب العظيم الذي جاء من عند رب العالمين ماهو إلا أساطير الأولين.
فهذا الإنسان الكافر عرفته عائشة ﵂، فقالت: ولو شئت أن أسميه لسميته، ومع ذلك لم تسمه رضي الله ﵎ عنها، فلا حاجة لنا في تسميته فلذلك لم تذكره.
стр. 3527
القراءات في قوله تعالى: (أُفٍّ لكما)
قال سبحانه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ [الأحقاف:١٧]، وفي سورة الإسراء قال تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣].
فقوله تعالى: ((أُفٍ لكما)) فيها قراءتان: الأولى بالكسرتين، وهي قراءة نافع وجعفر وكذلك حفص عن عاصم، وقرأ أبو عمرو وشعبة عن عاصم، وحمزة والكسائي وخلف وباقي القراء: ﴿أُفِّ لَكُمَا﴾، بكسرة واحدة مع التشديد.
стр. 3528
معنى قوله تعالى: (أفًّ لكما)
وكلمة (أف) للتأفف، وهي أقل ما يقوله الإنسان من العقوبة، وهذه الكلمة محرمة، فكيف بمن يتطاول ويرفع صوته على الوالدين وينهرهما؟! وكيف بمن يضربهما أو يقتلهما؟!
стр. 3529
القراءات في قوله تعالى: (أتعدانني)
وقوله تعالى: ﴿أَتَعِدَانِنِي﴾ [الأحقاف:١٧]، هذه قراءة الجمهور، وقرأ باقي القراء، ومنهم نافع وأبو جعفر وابن كثير وابن عامر، بالمد الطويل وبالتشديد.
стр. 3530
معنى قوله تعالى: (ويلك آمن إن وعد الله حق)
وقوله تعالى: ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الأحقاف:١٧]، وظاهر من الآية أن الأبوين مؤمنان، وأن الابن كافر عاق، فالأبوان يدعوان الولد إلى طاعة الله، وإلى دينه، ويحثانه عليه، ويتوعدانه بالويل عند الله إن لم يؤمن، وإن لم يدخل في دين الله .
وقوله تعالى: ((إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ)) أي: إن الله لا يخلف الميعاد، فيجيب هذا الابن العاق ويقول: ((مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)) أي: أحاديث الزمان السالف التي لا يسمع منها شيء، فيتعالى ويستكبر أن يطيع الله فيستحق عقوبة رب العالمين.
стр. 3531
تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين حق عليهم القول)
قال الله تعالى متوعداً من كان لهذا الابن المتكبر العاق: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ [الأحقاف:١٨] أي: ووجبت عليهم عقوبة الله ، ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأحقاف:١٨]، ووعد الله سبحانه أن المؤمنين في الجنة، وأن هؤلاء الكافرين العصاة أمثال هذا العاق الكافر بالله ، والمكذب بالتوحيد، القائل: ﴿ما هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾، في النار.
وقوله تعالى: ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [فصلت:٢٥] أي: الذين سبقوا ومضوا من أهل التكذيب، وانتقلوا إلى لعنة الله، وإلى غضبه سبحانه، ((مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ)).
стр. 3532
الرد على من قال: إن قوله تعالى: (والذي قال لوالديه أف لكما) نزل في آل أبي بكر
ذكرنا أن هذا الذي قال لوالديه: ﴿أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ [الأحقاف:١٧]، وصفه الله بأنه خاسر، وأنه حق عليه عذاب الله ، فلا يكون هذا الوصف في إنسان مسلم أبداً، وإنما يكون في إنسان كافر، فمن زعم أن هذه الآية نزلت في إنسان مسلم، فقد كذب بذلك.
وقد افترى هذا القول مروان بن الحكم بن أبي العاص من بني أمية على ابن لـ أبي بكر الصديق ﵁، فقال ذلك كذباً وزرواً، فكذبته عائشة ﵂، وأقسمت أن هذه الآية ليست فيهم، وأنها تعرف من الذي نزلت فيه هذه الآية، وقلنا ذلك لئلا يغتر بما ذكره الإمام القرطبي ﵀ في تفسيره عندما قال: لا مانع من أن تكون نزلت فيه ثم أسلم بعد ذلك، فهذا قول خاطئ، ولذلك فشيخ المفسرين ابن جرير الطبري، وكذلك ابن كثير وغيرهم من المفسرين ينكرون أن يكون قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [الأحقاف:١٨]، في رجل مسلم قد أبلى بلاءً حسناً في الإسلام، وكان من أفضل الناس.
والذي قال عليه ذلك كذب عليه؛ يريد أن يشوه صورته بين الناس، وكان سبب ذلك أن مروان كان أميراً لـ معاوية بن أبي سفيان ﵁، فأراد معاوية أن يولي ابنه يزيد الخلافة، وأراد له البيعة في حياته، فقام مروان في المسجد وخطب في الناس، وقال: إن معاوية قد رأى رأياً حسناً في يزيد، وأن يستخلفه عليكم فقد استخلف قبل ذلك أبو بكر وعمر ﵄، -وهذا القول كذب-، فكذبه عبد الرحمن بن أبي بكر ﵁ أمام الناس، فقال: أهرقلية؟ استخلف أبو بكر الصديق ولم يستخلف أحداً من أبنائه، واستخلف عمر بن الخطاب ولم يستخلف أحداً من أبنائه، فكيف تقول: إن معاوية استخلف كما استخلف أبو بكر وعمر؟! ففعْل معاوية مخالف لما فعله أبو بكر وعمر، فالذي فعله أبو بكر وعمر كان رحمة بالأمة، والذي فعله معاوية كان رحمة بابنه رضي الله عن الجميع، فـ معاوية اختار الملك، وقد أخبر النبي ﷺ بذلك، فقال: (تئول الخلافة إلى ملك عضوض) فكان بدء الملك العضوض أن معاوية استخلف ابنه فبقى الأمراء من بعده يستخلفون أبناءهم، فلما أنكر عبد الرحمن بن أبي بكر ﵁ على مروان بن الحكم، أراد أن يسيء إليه فلم يجد إلا القرآن، من أجل أن ينفر الناس من حوله، فقال له: ألست الذي قد قال الله فيه كذا؟ فافترى أن هذه الآية نزلت فيه، فلما قال ذلك كذبته عائشة من وراء حجابها ﵂، فسمع الناس لما قالته عائشة رضي الله ﵎ عنها، فقالت: والله؛ لأنا أعلم فيمن نزلت هذه الآية، يعني: لو شاءت لحدثت، ولكنها سترت وكتمت ولم تقل شيئاً رضي الله ﵎ عنها.
فتغيظ مروان وأراد أن يسجن عبد الرحمن بن أبي بكر ويأخذه، فدخل إلى بيت عائشة فلم يقدر عليه.
فـ عبد الرحمن بن أبي بكر من أفاضل المؤمنين ﵁، وقد قام فقال قول حق، فإذا بهذا الرجل يتهمه بهذا الشيء ويقول عنه ذلك.
فالغرض أن الآية نزلت في إنسان كافر عاص لله سبحانه، وصفه الله بأنه مستحق للعذاب، وأنه كان من الخاسرين، قال تعالى: ((إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ)) أي: سبق في علم الله ذلك، فاستحقوا الهوان والخسران، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين.
стр. 3533
تفسير سورة الأحقاف [١٥ - ١٩]
لقد امتلأت آيات القرآن الكريم بذكر صفات عباد الله المؤمنين، وذلك للحث على التحلي والاتصاف بها، لأجل تكوين الجيل المسلم المنشود، كما أنه قد وردت في القرآن صفات الكافرين والمنحرفين، تنبيهاً على الابتعاد عنها واجتنابها، ولقد بين الله في كتابه جزاء كل من الفريقين، وعاقبة الطرفين، حتى يكون الإنسان على بصيرة، وحتى لا يكون هناك حجة لأحد، وتأتي هذه الآيات مؤكدة لهذا الأمر العظيم، ومدللة عليه.
стр. 3534
صفات المؤمنين الواردة في سورة الأحقاف
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة الأحقاف: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ * وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ * وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف:١٥ - ٢٠].
ذكر الله سبحانه ﵎ في هذه الآيات وما قبلها فريقين: فريقاً من المؤمنين، وفريقاً من الكافرين، فأما المؤمنون فذكر الله من صفاتهم أنهم: ﴿قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠]، وأخبر أن أصحاب الجنة: ﴿َلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٣٨].
وأخبر سبحانه أنهم يعبدونه ، حتى إذا بلغ أحدهم أشده وبلغ أربعين سنة دعا ربه وهو موقن بأنه راجع إليه، وأنه راحل إلى ربه سبحانه، كما قال تعالى: ((قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)).
فدعا الله بخيري الدنيا والآخرة، فطلب من ربه أن يعينه ويوزعه ويحثه ويدفعه إلى شكر نعمه عليه سبحانه، وإلى أن يكون حماداً شكاراً له سبحانه، كما قال تعالى: ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ أي: ألهمني أن أعمل صالحاً ترضاه، ((وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي))، فدعا لنفسه بالخير، ودعا لذريته بالخير، وتاب إلى ربه فقال: ((إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)).
стр. 3535
لا يتقبل الله إلا من المؤمنين
إن هؤلاء الذين هذه صفاتهم يخبر الله أنه يتقبل عنهم أحسن ما عملوا، ويتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة، والإنسان قد يعمل أعمالاً هي حسنة في نظره، فمنها ما يكون مباحاً، ومنها ما يكون مستحباً، ومنها ما يكون فرضاً واجباً، فالله يجزيه على ما كان عبادة، وعلى أحسن الحسن، فيجزيه على ذلك خير الجزاء.
وكل ما يعمله الإنسان من عبادة يتقرب بها إلى الله ولو مثقال ذرة من خير فإن الله يثيبه عليها، ويزيده من فضله.
إذاً فليس المعنى: أن حسنات الإنسان منها حسنة يتقرب بها إلى الله ولا يؤجر عليها، وحسنة أخرى يؤجر عليها، لا، فكل ما يتقرب به إلى الله ولو كان مثقال ذرة من الخير فإنه يؤجر عليه، وإنما أفعل التفضيل هنا بحسب نظر الإنسان، فقد يعمل العمل فرحاً به ويظنه حسناً، ولكنه ليس عبادة، وآخر يعمل عملاً حسناً وهو عبادة لله ، فهذا الذي يؤجره الله عليه، ويعطيه من فضله.
стр. 3536
مجازاة الإنسان على العمل الحسن ولو كان كافراً
إن الكافر لو عمل العمل الحسن فإنه يؤجر عليه في الدنيا، فالإنسان الكافر قد يبر والديه، فيعطيه الله في الدنيا مالاً، ويزيده رزقاً، ويعطيه من ثناء الناس، وقد يفعل الإنسان معروفاً: فيخدم إنساناً، أو يجري في مصلحته، ويكون هذا الفاعل كافراً، أو يكون فاجراً، أو يكون فاسقاً، فيعطيه الله أجرة في الدنيا على ما عمل، ولا يضيع الله عمل إنسان، ولكن العمل الذي يريده الله سبحانه، والذي ينتفع به الإنسان في الآجلة هو الذي يكون مقروناً بالإيمان، وبعبادة الله .
стр. 3537
بيان تجاوز الله عن عباده المؤمنين
إن هؤلاء المؤمنين الذين عبدوا الله، والذي كان من دعائهم ما ذكر الله سبحانه، قال عنهم: ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ))، وكل بني آدم خطاء، والله يجازي العبد على إحسانه بالحسنى وزيادة، وعلى بعض سيئاته وليس على جميعها، بل يتجاوز الله سبحانه، كما قال: ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة:١٥]، وقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، فكأنه بفضله وبرحمته يتكرم على الإنسان، ويبتليه في الدنيا بمكفرات لذنوبه، فيبتلى الإنسان بنقص في رزقه، ويبتليه بشيء من الآلام والأمراض وغيرها من مصائب الدنيا؛ لتكون تكفيراً لسيئاته عند الله .
فلذلك يقول سبحانه هنا: ((وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ))، فيعفو عنهم سبحانه، بل يتكرم الله ويبدل بعض سيئاتهم حسنات، كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٧٠]، فإن عباد الله عبدوه سبحانه ووقعوا في الذنوب، والله يريد لهم درجة في الجنة لن يبلغوها بأعمالهم، فيطلعهم سبحانه على ما صنعوا من سيئات في الدنيا -صنعت كذا، وصنعت كذا- فيخجل العبد من ربه سبحانه يوم القيامة ويستحي، ويقر بذنوبه ويعترف، فيستره الله ثم يبدلها له حسنات مكان هذه الذنوب التي فعلها، ويرفعه بها درجات من فضله وكرمه ، قال: ﴿أُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٧٠]، وقال هنا: ((وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ)) أي: نعفو عن سيئاتهم فيما كان بينهم وبين الله .
وأما ما كان بينه وبين الناس فلا بد فيه من القصاص والجزاء كأن يكون لطم إنساناً، أو ضربه، أو أخذ ماله، فهذا يجزى عليه يوم القيامة، ويعطي للآخرين من حسناته، وأما ما كان من ذنوب بين العبد وبين الله فإما أن يعفو عنها سبحانه، أو يؤاخذ العبد على جميعها، وهذا يعود إلى إرادة الله ومشيئته سبحانه.
فإن من أصحاب الجنة من يدخله الله الجنة بغير حساب، نسأل الله أن يجعلنا منهم، ومنهم من يحاسب حساباً يسيراً، ومنهم من يحاسب حساباً شديداً فيحبس عن الجنة فترة ثم يدخلها، ومنهم من يدخل بذنوبه النار -نسأل الله العفو والعافية- ثم يعفو عنه سبحانه ويخرجه من النار إلى الجنة.
стр. 3538
بيان وعد الله لعباده المؤمنين
قال تعالى: ((وَعْدَ الصِّدْقِ)) أي: وعد الحق، فإن الله قد وعدهم وعداً صدقاً، و (وعد) هنا منصوب على المصدرية، فوعد الله وعد الصدق سبحانه، ((الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ)) أي: فهذا ((وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ))، فقد وعدهم الله وعد الصدق أنه يدخلهم الجنة، ويتجاوز عن سيئاتهم إن آمنوا وأحسنوا.
стр. 3539
الاهتمام بتربية الأبناء
قال تعالى: ((وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ)) أي: اذكر هذا الإنسان الكافر الذي قال لوالديه: ((أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ)) أي: أنهما مؤمنان يلجئان إلى الله، ويستجيران به سبحانه والاثنان يدعوان ابنهما إلى طاعة الله ، فعلى الأب المسلم والأم المسلمة ألا يفرطا في حق أولادهما، وأن يدعوانهم إلى الله سبحانه، وأن يربيا أولادهما على حب الله، وحب رسوله ﷺ ، وعلى طاعة الله سبحانه من الصغر حتى الكبر، وأن يأمراهم بالمعروف وينهياهم عن المنكر، فهما يستغيثان الله؛ لأنه يرفض أن يستجيب ويدخل في دين الله.
فيقول الوالدان لهذا الولد ولأمثاله: ((وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ)) أي: لك الويل، ولا أحد يدعو على ابنه بالويل، ولكن هذا كأنه مقيد بالكفر، أي: كأنك بكفرك تستحق الويل فتدارك نفسك، وتب إلى الله، وآمن بالله سبحانه، فإذا بهذا الولد يجيب الجواب القبيح ويقول: ((مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)) أي: هذه خرافات السابقين.
والأساطير: جمع أسطورة وهي الحكاية، يعني: أن هذا الكلام هو من الأساطير والخرافات التي تحكي عن الأولين، ((فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ))، فأمثال هذا من الكفرة قد حقت عليهم كلمة العذاب عند الله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ [القصص:٦٣] أي: قول الله سبحانه: ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٥].
فالله سبحانه يملأ جهنم من الشيطان وممن تبعه من الإنس والجن، فحق عليهم قول الله سبحانه: ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [فصلت:٢٥]، إذاً: فليس هؤلاء فقط هم الذين يدخلون النار، وإنما يدخل معهم أمم خالية سابقة قد كفروا أيضاً بالله سبحانه، وأعرضوا عن دين الله، فاستحقوا الخسران في الدنيا والآخرة بإعراضهم عن الله.
((إنهم)) يعني: لأنهم ((كانوا خاسرين))، فإن هنا: تعليلية سببية، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٥] أي: خسروا أنفسهم وأهليهم ودينهم، فاستحقوا النار.
وكأنها أيضاً بمعنى ما يستحقونه في المستقبل، أي: أن ذلك بسبب أنهم كانوا خاسرين في الآخرة.
قال: ((وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ))، هنا يذكر الله المؤمنين والكافرين فيقول: ((وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ)) أي: لكل من الفريقين درجات مما عملوا، فالمؤمنون لهم الدرجات العالية عند الله سبحانه، والكفرة المجرمون لهم الدركات السفلى في نار جهنم، كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء:١٤٥]، إذاً: فالمنافقون والكفار في أسفل النار، ولهم دركات، وتطلق الدركة: على المكان من السفل، وتطلق الدرجة على المكان من العلو، وقد قال هنا: ((وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ))، وليس للكفار درجات، ولكن هذا من باب التغليب؛ لأنه لا يليق أن يقال عن المؤمنين: إن لهم دركات، فقال: ((وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ))، تغليباً، كما تقول: الشمسان، وتقصد الشمس والقمر، وتقول: العمران، وتقصد أبا بكر وعمر ﵄، فتسمي بواحد وتقصد الاثنين، فهنا كذلك قال: ((وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ))، فدرجات أهل النعيم عالية، ودرجات هؤلاء دركات هاوية.
قال تعالى: ((وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا)) أي: بسبب أعمالهم، ((وَلِيُوَفِّيَهُمْ)) جاءت بالإفراد وجاءت بالجمع: (ولنوفيهمُ أعمالهم)، فقرأها ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وهشام بخلفه وكذلك عاصم: ((وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ))، وقرأها باقي القراء: (ولنوفيهم أعمالهم)، والذي يوفي الأعمال هو الله سبحانه، فيأمر بهؤلاء إلى الجنة، وبهؤلاء إلى النار.
قال تعالى: ((وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ))، فيوفيهم ويعطيهم الجزاء وافياً، ولا يبخس أحداً شيئاً من حسناته، ولا يظلم أحداً بعقوبة لم يفعلها، ولكن يجزي كلاً الجزاء الوافي عنده سبحانه، فقال: ((وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ))، وهذه كقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3540
تفسير سورة الأحقاف الآية [٢٠]
لقد أحل الله الطيبات من الرزق ونهى عن الإسراف، فعلى المسلم ألا يأخذ كل ما أبيح له؛ لأنه قد يتعدى بذلك إلى الحرام، ولنا في رسول الله ﷺ وأصحابه أسوة حسنة، وأما الكفار فإنهم يذهبون طيباتهم في الدنيا، وليس لهم في الآخرة شيء.
следующие страницы →