Полный текст (3 717 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.
стр. 3536
مجازاة الإنسان على العمل الحسن ولو كان كافراً
إن الكافر لو عمل العمل الحسن فإنه يؤجر عليه في الدنيا، فالإنسان الكافر قد يبر والديه، فيعطيه الله في الدنيا مالاً، ويزيده رزقاً، ويعطيه من ثناء الناس، وقد يفعل الإنسان معروفاً: فيخدم إنساناً، أو يجري في مصلحته، ويكون هذا الفاعل كافراً، أو يكون فاجراً، أو يكون فاسقاً، فيعطيه الله أجرة في الدنيا على ما عمل، ولا يضيع الله عمل إنسان، ولكن العمل الذي يريده الله سبحانه، والذي ينتفع به الإنسان في الآجلة هو الذي يكون مقروناً بالإيمان، وبعبادة الله .
стр. 3537
بيان تجاوز الله عن عباده المؤمنين
إن هؤلاء المؤمنين الذين عبدوا الله، والذي كان من دعائهم ما ذكر الله سبحانه، قال عنهم: ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ))، وكل بني آدم خطاء، والله يجازي العبد على إحسانه بالحسنى وزيادة، وعلى بعض سيئاته وليس على جميعها، بل يتجاوز الله سبحانه، كما قال: ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة:١٥]، وقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، فكأنه بفضله وبرحمته يتكرم على الإنسان، ويبتليه في الدنيا بمكفرات لذنوبه، فيبتلى الإنسان بنقص في رزقه، ويبتليه بشيء من الآلام والأمراض وغيرها من مصائب الدنيا؛ لتكون تكفيراً لسيئاته عند الله .
فلذلك يقول سبحانه هنا: ((وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ))، فيعفو عنهم سبحانه، بل يتكرم الله ويبدل بعض سيئاتهم حسنات، كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٧٠]، فإن عباد الله عبدوه سبحانه ووقعوا في الذنوب، والله يريد لهم درجة في الجنة لن يبلغوها بأعمالهم، فيطلعهم سبحانه على ما صنعوا من سيئات في الدنيا -صنعت كذا، وصنعت كذا- فيخجل العبد من ربه سبحانه يوم القيامة ويستحي، ويقر بذنوبه ويعترف، فيستره الله ثم يبدلها له حسنات مكان هذه الذنوب التي فعلها، ويرفعه بها درجات من فضله وكرمه ، قال: ﴿أُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٧٠]، وقال هنا: ((وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ)) أي: نعفو عن سيئاتهم فيما كان بينهم وبين الله .
وأما ما كان بينه وبين الناس فلا بد فيه من القصاص والجزاء كأن يكون لطم إنساناً، أو ضربه، أو أخذ ماله، فهذا يجزى عليه يوم القيامة، ويعطي للآخرين من حسناته، وأما ما كان من ذنوب بين العبد وبين الله فإما أن يعفو عنها سبحانه، أو يؤاخذ العبد على جميعها، وهذا يعود إلى إرادة الله ومشيئته سبحانه.
فإن من أصحاب الجنة من يدخله الله الجنة بغير حساب، نسأل الله أن يجعلنا منهم، ومنهم من يحاسب حساباً يسيراً، ومنهم من يحاسب حساباً شديداً فيحبس عن الجنة فترة ثم يدخلها، ومنهم من يدخل بذنوبه النار -نسأل الله العفو والعافية- ثم يعفو عنه سبحانه ويخرجه من النار إلى الجنة.
стр. 3538
بيان وعد الله لعباده المؤمنين
قال تعالى: ((وَعْدَ الصِّدْقِ)) أي: وعد الحق، فإن الله قد وعدهم وعداً صدقاً، و (وعد) هنا منصوب على المصدرية، فوعد الله وعد الصدق سبحانه، ((الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ)) أي: فهذا ((وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ))، فقد وعدهم الله وعد الصدق أنه يدخلهم الجنة، ويتجاوز عن سيئاتهم إن آمنوا وأحسنوا.
стр. 3539
الاهتمام بتربية الأبناء
قال تعالى: ((وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ)) أي: اذكر هذا الإنسان الكافر الذي قال لوالديه: ((أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ)) أي: أنهما مؤمنان يلجئان إلى الله، ويستجيران به سبحانه والاثنان يدعوان ابنهما إلى طاعة الله ، فعلى الأب المسلم والأم المسلمة ألا يفرطا في حق أولادهما، وأن يدعوانهم إلى الله سبحانه، وأن يربيا أولادهما على حب الله، وحب رسوله ﷺ ، وعلى طاعة الله سبحانه من الصغر حتى الكبر، وأن يأمراهم بالمعروف وينهياهم عن المنكر، فهما يستغيثان الله؛ لأنه يرفض أن يستجيب ويدخل في دين الله.
فيقول الوالدان لهذا الولد ولأمثاله: ((وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ)) أي: لك الويل، ولا أحد يدعو على ابنه بالويل، ولكن هذا كأنه مقيد بالكفر، أي: كأنك بكفرك تستحق الويل فتدارك نفسك، وتب إلى الله، وآمن بالله سبحانه، فإذا بهذا الولد يجيب الجواب القبيح ويقول: ((مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)) أي: هذه خرافات السابقين.
والأساطير: جمع أسطورة وهي الحكاية، يعني: أن هذا الكلام هو من الأساطير والخرافات التي تحكي عن الأولين، ((فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ))، فأمثال هذا من الكفرة قد حقت عليهم كلمة العذاب عند الله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ [القصص:٦٣] أي: قول الله سبحانه: ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٥].
فالله سبحانه يملأ جهنم من الشيطان وممن تبعه من الإنس والجن، فحق عليهم قول الله سبحانه: ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [فصلت:٢٥]، إذاً: فليس هؤلاء فقط هم الذين يدخلون النار، وإنما يدخل معهم أمم خالية سابقة قد كفروا أيضاً بالله سبحانه، وأعرضوا عن دين الله، فاستحقوا الخسران في الدنيا والآخرة بإعراضهم عن الله.
((إنهم)) يعني: لأنهم ((كانوا خاسرين))، فإن هنا: تعليلية سببية، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٥] أي: خسروا أنفسهم وأهليهم ودينهم، فاستحقوا النار.
وكأنها أيضاً بمعنى ما يستحقونه في المستقبل، أي: أن ذلك بسبب أنهم كانوا خاسرين في الآخرة.
قال: ((وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ))، هنا يذكر الله المؤمنين والكافرين فيقول: ((وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ)) أي: لكل من الفريقين درجات مما عملوا، فالمؤمنون لهم الدرجات العالية عند الله سبحانه، والكفرة المجرمون لهم الدركات السفلى في نار جهنم، كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء:١٤٥]، إذاً: فالمنافقون والكفار في أسفل النار، ولهم دركات، وتطلق الدركة: على المكان من السفل، وتطلق الدرجة على المكان من العلو، وقد قال هنا: ((وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ))، وليس للكفار درجات، ولكن هذا من باب التغليب؛ لأنه لا يليق أن يقال عن المؤمنين: إن لهم دركات، فقال: ((وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ))، تغليباً، كما تقول: الشمسان، وتقصد الشمس والقمر، وتقول: العمران، وتقصد أبا بكر وعمر ﵄، فتسمي بواحد وتقصد الاثنين، فهنا كذلك قال: ((وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ))، فدرجات أهل النعيم عالية، ودرجات هؤلاء دركات هاوية.
قال تعالى: ((وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا)) أي: بسبب أعمالهم، ((وَلِيُوَفِّيَهُمْ)) جاءت بالإفراد وجاءت بالجمع: (ولنوفيهمُ أعمالهم)، فقرأها ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وهشام بخلفه وكذلك عاصم: ((وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ))، وقرأها باقي القراء: (ولنوفيهم أعمالهم)، والذي يوفي الأعمال هو الله سبحانه، فيأمر بهؤلاء إلى الجنة، وبهؤلاء إلى النار.
قال تعالى: ((وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ))، فيوفيهم ويعطيهم الجزاء وافياً، ولا يبخس أحداً شيئاً من حسناته، ولا يظلم أحداً بعقوبة لم يفعلها، ولكن يجزي كلاً الجزاء الوافي عنده سبحانه، فقال: ((وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ))، وهذه كقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3540
تفسير سورة الأحقاف الآية [٢٠]
لقد أحل الله الطيبات من الرزق ونهى عن الإسراف، فعلى المسلم ألا يأخذ كل ما أبيح له؛ لأنه قد يتعدى بذلك إلى الحرام، ولنا في رسول الله ﷺ وأصحابه أسوة حسنة، وأما الكفار فإنهم يذهبون طيباتهم في الدنيا، وليس لهم في الآخرة شيء.
стр. 3541
تفسير قوله تعالى: (ويوم يعرض الذين كفروا على النار)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الأحقاف: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ * وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف:٢٠ - ٢١].
يذكر الله عباده بهذه الآية وما يليها بيوم القيامة، وما يكون في هذا اليوم من سؤال عما أنعم الله به على العباد، وعما فعلوه في هذه النعمة، وهل شكروا النعمة وذكروا صاحب النعمة، أم أنهم كفروا ربهم سبحانه واستوجبوا على أنفسهم منه النقمة.
فقوله تعالى: ((وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ))، أي: يزال عنهم الغطاء، فيرون أمامهم نار جهنم ماثلة، فيعرضون عليها، ويؤمرون بدخولها، وذلك ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ:٢٦]، ويقال: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج:١٠].
ويقال: ((أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا)).
أي: قد فعلتم ذلك، فالإنسان يستغل هذه الدنيا إما فيما ينفعه أو فيما يضره، والنفع إما يكون عاجلاً أو آجلاً، والمضرة كذلك، فالإنسان الذي يجلب لنفسه الضرر في الدنيا عندما يستغل في الباطل فإنه يدين على نفسه الشؤم فيها بمعصيته لله سبحانه، ثم عقوبته يوم القيامة، وهذا الإنسان من الخاسرين.
وأما المؤمن فيطلب الراحة الأبدية والنعيم المقيم ولو بمضرة عاجلة، فمهما أصيب الإنسان المؤمن في الدنيا ببلاء لو قيس بما يكون يوم القيامة من عذاب ومن صعوبات ومشقة وحساب وعرض، فإن الذي يكون في الدنيا يسير؛ ولذلك فالصادقون نظروا في هذه الآية فعملوا بما أمر الله به، وتذكروا هذا اليوم، وتذكروا أنهم إن أذهبوا طيباتهم في هذه الحياة الدنيا، واستغلوا الدنيا وأخذوا كل ما يريدون، ونالوا كل ما يشتهون فإن ذلك لا ينفعهم بل يضرهم، ولا شك أن الإنسان الذي ينكب على الملذات لن يكفيه أن يأخذ من الحلال فهو طماع، والطماع لا يكتفي بالحلال، بل لا بد أن يقع في الشيء الذي فيه شبهة، ثم يتعدى بعد ذلك إلى الحرام، لذلك على الإنسان المؤمن أن يربي نفسه ويهذبها ويؤدبها، ولا يأخذ كل ما أحل له، فإذا أخذ كل الحلال تعدى بعد ذلك إلى الحرام، ولكن ليجعل بينه وبين النار حاجباً وستاراً من الحلال حتى يترك الحرام، ولذلك أدبنا ربنا سبحانه بعبادته، فجعل شهراً في العام تصوم فيه، تصوم عن الحلال، فالطعام والشراب حلال لك في غير وقت الصيام، وفي وقت الصيام يصير محرماً عليك لا يجوز لك أن تأكل ذلك، فتتمرن على أنه ليس كل شيء تشتهيه لا بد أن تأكله، تأديباً وتهذيباً لنفس الإنسان وليس تعذيباً لها، وإنما ليربي نفسه.
فهنا يقول الله مذكراً عباده: ((وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا)).
стр. 3542
اختلاف القراءات في قوله تعالى: (أذهبتم)
وهذه الكلمة فيها قراءتان: (أذهبتم) على الإخبار، و (أأذهبتم) على الإنشاء والاستفسار والاستفهام يوم القيامة.
فقوله تعالى: (أذهبتم) تقرير لهم، أي: قد فعلتم ذلك، فأذهبتم الطبيات واستمتعتم بالدنيا وبكل ما فيها من محرمات وأخذتموها، فاليوم ليس لكم جزاء إلا النار.
والقراءة الأخرى: (أأذهبتم) استفهام توبيخي وإنكار على هؤلاء، أي: قد أعطيناكم الدنيا لتعبدوا الله، وقلنا لكم: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨].
فالقراءة الأخرى: (أأذهبتم طيباتكم)، أي: هل فعلتم ذلك؟
و
الجواب
أذهبوا طيباتهم في هذه الحياة الدنيا، وقراءة الاستفهام أيضاً فيها وجوه للقراء في قراءتها.
فالقراءة: (أأذهبتم طيباتكم) هذه قراءة ابن ذكوان وقراءة روح عن يعقوب.
وتقرأ: (آذهبتم) بالمد والتسهيل، وهذه قراءة ابن كثير وقراءة رويس وقراءة هشام بخلفه.
وفي قراءتها وجوه لـ هشام، أيضاً ابن كثير يقرؤها: (اأذهبتم) بالتسهيل بغير مد فيها، وكذلك رويس، فتكون القراءات فيها: (اأذهبتم طيباتكم) قراءة ابن كثير ورويس، والقراءة: (آأذهبتم طيباتكم) قراءة أبي جعفر وقراءة أيضاً هشام بخلفه، وهناك وجه ثالث لـ هشام فيها، وقرئت (أأذهبتم طيباتكم) بهمزتين وهي قراءة ابن ذكوان وقراءة روح عن يعقوب.
وباقي القراء يقرءونها: (أذهبتم).
وقوله تعالى: ((طَيِّبَاتِكُمْ)) أي: ما أنعمنا به عليكم في هذه الحياة الدنيا، فأخذتم المال فأنفقتموه في الحرام، وشربتم به الخمور، وأكلتم به الخنازير، ووقعتم فيما حرم الله من أخذ المال من الباطل، فضيعتم هذه الدنيا في الباطل.
فيسأل الإنسان عن عمره وعن شبابه وعن ماله وعن علمه يوم القيامة، يسأل عن عمره فيما أفناه، والعمر من طيبات الله التي أنعم الله بها على العبد، فقد أعطاك عمراً، وأعطاك شباباً وصحة وقوة.
وعن شبابه فيما أبلاه، أي: أين أبليت هذا الشباب وأفنيته وضيعته؟ فهل عملت بالطاعات أم عملت بالمعاصي؟ ويسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ ويسأل عن العلم الذي تعلمه ماذا عمل به؟ هل عمل بطاعة الله ، أم عمل بمعصية؟ نسأل الله العفو والعافية ومغفرة الذنوب.
فقوله تعالى: ((طَيِّبَاتِكُمْ)) أي: ما أعطيناكم من أشياء لتستغلوها في عبادة الله سبحانه أذهبتموها في حياتكم الدنيا، وأفنيتم شبابكم وأعماركم في الكفر وفي المعاصي، وضيعتم هذه الطاقات التي كان من الممكن أن تنتفعوا بها لتدخلوا الجنة، ضيعتموها في الدنيا، فاذهب الإنسان عمره، وضيع ماله، وضيع شبابه، وأفنى جسده بمعصية الله، وأذهب عقله بشرب الخمور وشرب ما حرم الله عليه، وأذهب ماله في شراء الخبيث، وفي التفريط على نفسه في المعاصي وفي الذنوب.
كذلك: ((أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا)).
أي: أخذتم كل ما طاب لكم واستمتعتم وجعلتم الدنيا للدنيا وتستعدوا بها للآخرة، فيوم القيامة ((تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ)).
فقوله تعالى: ((عَذَابَ الْهُونِ)) أي: العذاب الذي يهينكم، وهو عذاب الهوان والذل والصغار، فالإنسان الذي كان كبيراً في الدنيا وكان مستمتعاً فيها ومغروراً بها يهان يوم القيامة، ويعذب ويذل ويعرض على النار أصغر الصاغرين، ويكون أسفل السافلين في نار الجحيم والعياذ بالله، ويقال لهم: ((فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ)) أي: عذاب الهوان والصغار باستكباركم، فمن كان في الدنيا مستكبراً متعالياً رافعاً أنفه شامخاً في السماء مستكبراً على خلق الله، فإنه يذل يوم القيامة، ويعرض المستكبرون على أشد النار سعيراً أمثال الذر من الصغار، كما ثبت من ذلك الحديث عن النبي ﷺ ، فقوله تعالى: ((تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ)).
أي: عذاب الخزي وعذاب الفضيحة والصغار والذل، والسبب: ((بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ))، وبئس الاستكبار والاستعلاء على أهل الأرض؛ إذ يستعلون على خلق الله ويتكبرون عليهم بغير الحق، ولا يوجد استكبار على الخلق بحق، ولكن هذا الإنسان ظن بنفسه أنه أعلى من غيره، فظنه باطل وهو يعلم ذلك في نفسه، وهو يعلم أن كل إنسان مخلوق من طين، لكنه يستكبر، وهو يعلم أن هذا الاستكبار ليس حقاً له، فالمعنى: فاستكبرتم في الأرض بغير الحق، وبما كنتم تفسقون في أفعالكم بغياً وظلماً وعناداً وخروجاً عن طاعة الله سبحانه، وهذا يفسر الخروج عن الطاعة.
стр. 3543
بيان حال النبي ﷺ وأصحابه بعد نزول هذه الآية
هذه الآية جعلت أصحاب النبي ﷺ يخافون من العرض يوم القيامة ومن الحساب، فيضيقون ويقللون على أنفسهم خوفاً من العرض يوم القيامة، وإن كان الله الكريم سبحانه قال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١].
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢].
وهذا من كرم الخالق أن نأكل ونشرب، لكن لا نسرف، فالإنسان لا يأكل من أجل أن يموت، وإنما يأكل من أجل أن يعيش فيعبد الله ، إذاً: فكل واشرب ولا تسرف ((إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)).
والله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، فإن أعطاك أكلاً أكلت، وإن أعطاك الشراب شربت، وإن أعطاك مالاً اشتريت به ملابس طيبة، ولم يأمرك أن تمشي في ثياب مرقعة، ولم يقل لك: اترك هذا المال ولا تتنعم به، ولكن بالقدر الذي لا يكون فيه استكبار، ولا يكون فيه تعاظم على خلق الله ، إذاً: فالإنسان يأكل ويشرب ويلبس دون أن يستكبر على خلق الله سبحانه، فإن وجد الغالي ووجد ما هو دونه أخذ الوسط، فيكون في الوسط دائماً، ولا يأخذ الغالي دائماً وإن كان حلالاً؛ لأن ذلك يدفع الإنسان إلى الاستكبار في النهاية، ولكن يأخذ هذا ويأخذ من هذا وخير الأمور أوسطها، وقد عاش في الدنيا صلوات الله وسلامه عليه وهي ضيقة عليه وعلى أصحابه، ولما فتحت له الدنيا لم يتركه الله فيها، بل قبضه ولم يتنعم بشيء منها، فالصحابة بعد النبي ﷺ أكلوا الخبز المرقق، وكان أحدهم يأكل منه ويبكي، ويذكر النبي ﷺ كيف خرج من الدنيا وما ذاقه، ومع ذلك أكلوا ولكن لم يسرفوا، فرضوان الله وتعالى عليهم.
فهذا عمر ﵁ يروي عنه الإمام مسلم أنه دخل على النبي ﷺ في مشربة له حين هجر نساءه صلوات الله وسلامه عليه، وذلك لما ضقن بقلة النفقة، فطلبن من النبي ﷺ الزيادة في النفقة وذلك حين فتح الله عليه، فلما شددن ضاق ذرعاً بهن ﷺ فتركهن وهجرهن شهراً صلوات الله وسلامه عليه، فهنا النبي ﷺ أدب نساءه في طلبهن كثرة النفقة منه صلوات الله وسلامه عليه، وخرج إلى مشربة له ﷺ ، والمشربة هي الغرفة العالية، فاعتزل نساءه ﷺ فيها، وحلف أن يعتزلهن شهراً صلوات الله وسلامه عليه، وذلك بسبب طلبهن الزيادة في النفقة، وبسبب الغيرة التي كانت بين نساء النبي ﷺ ، فقد دفعتهن إلى أن يكن حزبين: حزباً مع السيدة عائشة ﵁، وحزباً آخر مع غيرها من نساء النبي ﷺ ، فاعتزلهن ﷺ تأديباً لهن لما حدث ذلك، وإذا بالصحابة رضوان الله عليهم يحزنون لضيق النبي ﷺ ؛ إذ كان أهم شيء عندهم هو سروره، ويكرهون أن يغتم ﷺ ، فلما وجدوه اعتزل نساءه ﷺ خافوا أن يكون قد طلق نسائه، فجلسوا في المسجد يبكون، وقد حذر عمر بن الخطاب ابنته حفصة من إغضاب النبي ﷺ ، وقال: سليني من مالي ما شئت، ولا تطلبي من النبي ﷺ ، ولا يغرنك أن زوجك النبي ﷺ وأن جارتك أوضأ منك، فالسيدة عائشة أجمل منها.
وكان الصحابة في ذلك الحين يتحدثون أن ملك غسان يجهز جيشاً للقدوم على النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكانوا لا يخافون من أحد من العرب مثل خوفهم من غسان وملك غسان؛ لقوتهم، وفي يوم من الأيام كان عمر ﵁ في بيته فطرق صاحبه البيت عليه بالليل، وذلك في وقت ما كان يذهب إليه فيه، فقام عمر بن الخطاب خائفاً وقال: ماذا حدث؟ أجاء ملك غسان؟ قال: لا، أشد من ذلك، فقد كان فغضب النبي ﷺ أشد عند الصحابة من قتال الأعداء، فقال: أشد من ذلك، فارق النبي ﷺ نساءه، فقال عمر بن الخطاب: هذا ما كنت أخشاه، وذهب إلى المسجد، فوجد الصحابة عند منبر النبي ﷺ جالسين منهم من يبكي ومنهم من يفكر، فـ عمر بن الخطاب سأل: ماذا حدث؟ قالوا: طلق النبي ﷺ نساءه، فستأذن عمر ﵁ على النبي ﷺ فلم يأذن له، فاستأذن مرة ثانية ومرة ثالثة، ثم أذن له، فدخل على النبي صلوات الله وسلامه عليه فالتفت فلم ير شيئاً يرد البصر إلا أهباً -والأهب: الجلود التي لم تدبغ بعد- قد سطع ريحها، وتلطف مع النبي ﷺ في الكلام وما زال يكلمه حتى ضحك النبي ﷺ ، فمن ضمن ما ذكر أنه قال: يا رسول الله! كنا قوماً في قريش وكنا نغلب نساءنا، يعني: لما كنا في مكة كنا نغلب نسائنا، ولما جئنا المدينة وجدنا الأنصار تغلبهم نساؤهم، فضحك النبي ﷺ ، فقال عمر: يا رسول الله! لو رأيتني وقد ذهبت إلى حفصة وقلت لها: لا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك، فضحك النبي ﷺ ، فلما أضحك النبي ﷺ قال: أطلقت نساءك؟ قال: لا، فكبر عمر رضي الله ﵎ عنه، فسمعه أهل المسجد، فعلموا أن النبي ﷺ لم يطلق نساءه، فقال عمر بعد ذلك: يا رسول الله! أنت هنا وهذا كسرى وقيصر في الديباج والحرير، فاستوى النبي ﷺ وقال: (أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا).
فالله أعطى كسرى وأعطى قيصر ليس لأنه يحبهم، ولكن عجل لهم طيباتهم في هذه الدنيا؛ حتى لا يكون لهم عند الله شيء يوم القيامة.
فقال عمر للنبي ﷺ : استغفر لي، فقال: (اللهم اغفر له).
فالنبي ﷺ أدب عمر ﵁ بذلك.
يقول حفص بن أبي العاص: كنت أتغدى عند عمر بن الخطاب ﵁، أي: يفطر مع عمر، وكانوا يأكلون وجبتين في اليوم: الغداء -أي: الإفطار- والعشاء.
قال: كنت أتغدى عند عمر بن الخطاب ﵁ الخبز والزيت، والخبز والسمن، والخبز واللبن، والخبز والقديد، وأقل ذلك اللحم الغليظ، وهو اللحم الطري.
وكان عمر ﵁ يقول: لا تنخلوا الدقيق؛ فإنه طعامٌ كله، فجيء بخبز متفلع غليظ فجعل يأكل ﵁ ويقول: كلوا.
هذا هو عمر أمير المؤمنين، وأمير الدولة الإسلامية رضي الله ﵎ عنه يأكل ذلك ويقول لمن حوله: كلوا، قال: فجعلنا لا نأكل، فقال: مالكم لا تأكلون؟ فقلنا: والله يا أمير المؤمنين! إنا نرجع إلى طعام ألين من طعامك، فقال عمر رضي الله ﵎ عنه: يا ابن أبي عاصم، أما ترى بأني عالم لو أمرت بعناق سمينة فيلقى عنها شعرها، ثم تخرج مصلية كأنها كذا وكذا.
يأدبهم عمر بذلك رضي الله ﵎ عنه.
وقال: أما ترى بأني عالم لو أمرت بصاع أو صاعين من زبيب، فأجعله في سقاء ثم أشن عليه من الماء، فيصبح كأنه دم غزال، فقلت: يا أمير المؤمنين! أجل، ما تنعت: العيش، أي: ما تنعته هو العيش، فقال عمر: أجل، والله الذي لا إله إلا هو لولا أني أخاف أن تنقص حسناتي يوم القيامة لشاركناكم في العيش، ولكني سمعت الله تعالى يقول لأقوام: ((أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا)).
إذاً: فـ عمر كان خائفاً من هذه الآية أنه لو أخذ كل الطيبات في الدنيا لم يبق له شيء يوم القيامة، وهذا من التهذيب للنفس، ولم يأمرنا ربنا سبحانه بذلك، وإنما تكرم وقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف:٣١]، فنهانا عن الإسراف.
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين.
стр. 3544
تفسير سورة الأحقاف [٢١ - ٢٤]
لقد كان قوم عاد من الذين مكنهم الله في الأرض، فنحتوا الجبال، وزرعوا الأرض، وأعطاهم الله ما أعطاهم من قوة وتمكين في الأرض، لكنهم لم يشكروا نعم الله، ولم يرعوها حق رعايتها، فتجبروا في الأرض، وعبدوا غير الله سبحانه، فأرسل إليهم رسولاً منهم وهو هود ﵇ لينذرهم ويلقي عليهم الحجج، فاستهزءوا به وآذوه، فعاقبهم الله بعذاب من عنده، وجعلهم عبرة للمعتبرين.
стр. 3545
نسب قبيلة عاد
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الأحقاف: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ * فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف:٢١ - ٢٤].
هذه القصة العظيمة التي يسوقها ربنا في سورة الأحقاف قد ساقها في مواضع من كتابه، وفي كل موضع يذكر شيئاً مما يليق بهذه القصة، فذكر هذه القصة في سورة الأعراف وأشار إلى قوم عاد بقوله: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:٦٥]، وذكرها في سورة هود.
حيث قال: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ [هود:٥٠]، وذكرها في سورة الأحقاف حيث قال: ((وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ)).
كما تحدث الله عن قوم عاد في سورة الفجر فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر:٦ - ٩].
وعاد وثمود قبيلتان مكنهما الله في الأرض، وقوم عاد أبناء عمومة مع قوم ثمود، فعاد إرم، وثمود إرم أيضاً، فجدهم الأعلى إرم، فعاد يقول الله عنها: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر:٧]، وعاد هي ذات العماد، والرجل الذي تنسب إليه هذه القبيلة هو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
وبين عاد وبين نوح ﵊ قرون قليلة، وقد علم قوم عاد ما حدث من قوم نوح، وكيف عبدوا غير الله سبحانه، وكيف أغرقهم الله، فهم أحفادهم، وثمود من بعدهم بثلاثة أو أربعة أجيال، وجاءت ثمود ولم يتعظوا بعاد الأولى، فعاد هم أبناء العموم وأبناء الجد الأعلى، فلذلك يقول الله : ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى﴾ [النجم:٥٠]، وقد جاءت بعدها ثمود من نفس القبيلة، ومن نفس الفرع، من إرم بن سام بن نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
стр. 3546
قوم عاد وتمكين الله لهم في الأرض
وصف الله قوم عاد بالقوة العظيمة والتمكين في الأرض، وذكر ما عاشوا فيه من قصور كانوا ينحتونها في جلاميد الجبال، وذلك دليل على قوتهم، فالناس الآن لا يبنون القصور إلا بالاستعانة بالآلات، ومن الصعب أن ينحت الإنسان الصخر في هذه الأيام، ولذلك لم يؤتَ أحد بعدهم مثل ما أعطاهم الله من قوة عظيمة، فلم تغني عنهم هذه القوة كما صور لنا ربنا سبحانه، وقد رأينا كيف أن القوة قد تطغي صاحبها فيستشعر أنه فوق كل شيء، فإذا بالله يأتيه بعذاب من عنده يدمر كل شيء، قال الله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾.
إن قوم عاد إرم ذات العماد كانوا في جنوب الجزيرة العربية أي: في جنوب السعودية في منطقة الربع الخالي، بينها وبين حضرموت في اليمن، والتنقيبات والحفر الأثرية التي يحفرونها دلتهم على أنه كان في تلك الأماكن حضارة وأنه كان فيها قصور عظيمة شاهقة، وجبال منحوتة، فقد كانوا ينحتونها ويصنعون منها قصورهم.
وهذه الأماكن التي كانت في يوم من الأيام مهداً لحضارة هؤلاء صارت الآن رمالاً قاحلة، وصحراء عظيمة شاسعة واسعة، فهذه هي ديار قوم عاد الذين كانوا فيها، فلما أهلكهم الله كان لهم فرع آخر من هؤلاء في الشمال بين الجزيرة وبين الشام، وهم ثمود أصحاب القصور المنحوتة من الجبال كما سبق، وقد أخبر الله عنهم وعن تكذيبهم، وأنهم لم يتعظوا بما جرى لأبناء عمومتهم -قوم عاد- من إهلاك الله لهم، ففسقوا وعتوا عن أمر الله فأهلكهم الله .
وذكر الله سبحانه في سورة الشعراء كيف مكن قوم عاد وأعطاهم من نعمه، وأن نبيهم هود ﵊ ذكرهم بالله ، وأنه مكن لهم في الأرض، فعبدوا غيره، قال الله تعالى عن هود أنه قال لهم: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٢٨ - ١٣١]، فيدعوهم إلى ربهم الذي خلقهم وأعطاهم ورزقهم تلك المباني العظيمة، والأفكار التي يصنعون من ورائها أشياء لا يعبدون الله سبحانه بها، ولكن يفتخرون على غيرهم من الأمم، فقال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء:١٢٨]، الآية هنا هي القصر العظيم، والعلامة الشامخة الشاهقة، فيفتخرون بذلك لعباً وعبثاً وإظهاراً للقوة، وكأنه سبحانه يذكر المسلمين ويحذرهم أن يصنعوا مثل هؤلاء، فإنه قد أعطاهم تلك النعم ليعبدوا الله بها، وليعرفوا ربهم سبحانه ويشكروه على ما آتاهم، ويستغلوا هذه النعمة فيما يرضي الله، لا فيما يغضبه سبحانه.
ولذلك لما ذكر هذه القصة في سورة الأحقاف قال في آخرها: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الأحقاف:٢٦]، فلما كفروا ما أغنى عنهم هذا الذي أعطاهم الله ، فقد كان لهم سمع يسمعون به المواعظ، ويسمعون به ما يريده الله منهم، كما كان لهم بصر يبصرون به آيات الله سبحانه، وما آتاهم من نعم، وما يدعوهم إليه سبحانه، فيسمعون ويبصرون، ويرسل إليهم الرسل؛ ليدعوهم إلى الله ، فسمعوا ما قال، ورأوا ما أخبر عن ربه صلوات الله وسلامه عليه، وجعل الله لهم قلوباً وأفئدة يعقلون بها، ولكن ما أغنى عنهم ذلك كله؛ لأنهم كانوا يجحدون بآيات الله، فقضى على قلوبهم بأن ختم عليها، فلا يفهمون ولا يعقلون عن الله شيئاً.
فهنا يقول الله سبحانه لنبيه ﷺ : ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾ في المكان الذي أنت فيه في الجنوب كان قوم عاد، وهذه السورة مكية، فكأن الله تعالى يسلي بها النبي ﷺ ويصبره بأن أبا جهل الملعون وغيره ممن كانوا يشتمون النبي ﷺ ويسبونه ستكون عاقبتهم كعاقبة قوم عاد.
وقوله: ((وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ)) أي: أخوهم في النسب وليس أخاً لهم في الدين، فهم كفار وهو مسلم، ولكنه من القبيلة نفسها، فهو: هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد، فجده الثالث هو عاد، وهؤلاء من أحفاد عاد أيضاً.
стр. 3547
معنى الأحقاف
قال الله : ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف:٢١]، والأحقاف: هي الرمال المرتفعة المستطيلة التي ليست محدودبة، ولكنها مائلة منحنية، فليست كالجبل منصوبة وممتدة إلى الأعلى ولكنها رمال مستديرة من أعلى لا تبلغ أن تكون جبالاً.
стр. 3548
الدعوة إلى التوحيد مهمة الرسل جميعاً
قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾، وكأن الله سبحانه يذكر النبي ﷺ أن قبل هود كان هناك نذر، وبعده كان هناك نذر أيضاً، والنذر بمعنى الرسل، والمعنى: أرسلنا رسلاً قبله ورسلاً بعده ﵊، فمن قبله كان نوح صلوات الله وسلامه عليه، وربنا يقول: ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٤]، فهناك رسل من رسل الله لم يقص الله خبرهم على النبي ﷺ ، ورسل قد قص الله خبرهم عليه.
فالله ذكر بعض رسله عليهم الصلاة والسلام، فقد خلا من قبل هود رسل أنذروا قومهم، ومن بعده أيضاً جاء رسل ينذرون أقوامهم، ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ﴾ [الأحقاف:٢١] أي: أن المنذرين قد مضوا من قبله، وأيضاً جاءوا من بعده، فمضوا من بين يديه ومن خلفه، يدعون أقوامهم ويقولون لهم: ((أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ))، وهذه هي دعوة الرسل جميعهم، كقوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود:٥٠]، واعبدوا الله معناها لا إله إلا الله، فكل الرسل يدعون إلى الإسلام، فعلى المسلم أن يسلم نفسه، وأن يوجه وجهه لله، ولا يشرك به شيئاً.
وقوله تعالى: ((إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)) هذه هي قراءة الجمهور، وقراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو: ((إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ))، وهو يوم القيامة، ولا يمنع أن يكون قبل ذلك عذاب أليم وعذاب شديد، ولكن أعظم ما يكون من العذاب هو عذاب يوم القيامة.
نسأل الله العفو والعافية.
стр. 3549
تكرار ذكر قصة قوم عاد في سور القرآن بما يتناسب مع كل سورة
لقد ذكر الله هذه القصة في أماكن كثيرة يختصرها في مكان ويطيل ذكرها في مكان آخر، ويذكر العبرة اللائقة بكل مكان، وهذا من عجيب أمر القرآن العظيم الجليل، وسياق كل سورة له وزن معين وموسيقى معينة تسمعها من خلال تلاوة الآيات، فالقصة في السورة مناسبة للسياق من أوله إلى آخره، فسورة الشعراء والقصص التي قبلها كل سورة تذكر القصة بما يتناسب مع سياقها، وفي سورة الأحقاف وسورة الأعراف وغيرها من سور القرآن يكون سياق القصة مناسب للسورة التي هي فيها.
стр. 3550
تفسير قوله تعالى: (قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا)
يذكر سبحانه أن هوداً بعدما دعا قومه إلى الله سبحانه، وذكرهم بآياته كان ردهم عليه بأن قالوا كما حكى الله عنهم: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ [الأحقاف:٢٢]، والإفك بمعنى الصرف والإدانة والكذب، والمعنى: أجئتنا لتصرفنا عن آلهتنا، وتبعدنا عنها، ولتفتري وتكذب علينا حتى نترك آلهتنا، والإفك: أعظم الكذب، فوصفوه بما هم أهل له، فهم أهل الإفك والإفتراء وليس هو عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
قالوا: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، والقصة هنا مختصرة وقد ساقها الله في أماكن أخرى، فقال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:٦٥]، فأول ما دعاهم إليه هو توحيد الله ، ثم ذكرهم بنعم الله عليهم كما في سورة الشعراء: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء:١٢٩ - ١٣٥]، فكان جوابهم: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ * إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٣٦ - ١٣٧] أي: أنت تقلد الذين من قبلك، فسواء وعظتنا أم لم تعظنا فلسنا داخلين في دينك، فيكون قد أعذر إليهم بما قاله لهم.
وهذه الآية اختصرت ذلك، فذكر الله فيها جوابهم على نبيهم وهو: ((أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا))، ولما قال لهم -كما في سورة هود-: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ [هود:٥٠]، كأنه قال قبل ذلك كلاماً كثيراً وذكرهم بنعم الله، فلما أصروا قال لهم: أنتم مفترون مجرمون تفترون على الله الكذب، وتزعمون له شركاء، وتدعون معه من لا ينفع ولا يضر، فقالوا له: ((أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)).
فعادة الإنسان المجرم الاستهتار وعدم النظر في العاقبة، فهؤلاء لما رأوه صادقاً ﵊ وداعياً إلى الله، ولا يطلب منهم شيئاً لنفسه، وإنما يقول لهم: ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [هود:٥١] أي: أني لم آتِ لأطلب منكم شيئاً، وإنما جئت أدعوكم لتعبدوا الله سبحانه، فأبوا إلا ما هم فيه من الكفر وقالوا: ((فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)).
стр. 3551
تفسير قوله تعالى: (قال إنما العلم عند الله)
فأجابهم بقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٢٣] أي: لا أدري متى يأتيكم عذابكم، فعلم ذلك عند الله، وما علي إلا البلاغ، ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾، وهذه قراءة الجمهور بالتشديد، وقراءة أبي عمرو: ﴿وأبُلْغكم مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾.
﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾، هذه هي قراءة الجمهور، وقراءة نافع والبزي عن ابن كثير وأبي عمرو: ((وَلَكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ)).
وقوله: (أراكم) قرأها بعض القراء بالإمالة، كـ الأزرق عن ورش وابن ذكون وأبي عمرو.
وقوله: ((وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ)) أي: تجهلون ربكم سبحانه، وتجهلون ضعفكم، ولذلك استمعتم بالدنيا وظننتم أنكم قد غلبتم الناس جميعهم، وأنكم فوق البشر ولا يقدر أحد على أن يفعل بكم شيئاً، فلما ظننتم ذلك جهلتم.
فمن جهل الإنسان: ألا يعرف نفسه ولا يعرف أنه ضعيف، ولذلك فإن الله يذكره بحوادث الدهر، وينزل عليه المصائب، فيمرض أو يضيع منه ماله، أو يفقد الولد وغير ذلك من حوادث الدهر؛ حتى يتذكر أنه مخلوق ضعيف، وأنه محتاج إلى الله ، وأنه في هذا الكون جاء ليعيش فترة محدودة يعبد فيها ربه سبحانه ثم ينتهي لا محالة.
قال الله تعالى ((فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا)) أي: أنهم اغتروا فغرهم الله ، فظنوا أنهم سيعيشون آمنين بحصونهم وجبالهم، فأتاهم العذاب من مأمنهم، وهذا من بطش الله وبأسه وانتقامه ممن كذب رسله كما ذكر في أكثر من سورة من سور القرآن.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3552
تفسير سورة الأحقاف [٢١ - ٢٥]
لقد أنذر هود ﵇ قومه عاداً وحذرهم من عبادة غير الله تعالى، فكان جوابهم الاستهزاء والإعراض واستعجال العقاب من الله سبحانه، فأصابهم القحط والجدب، ثم جاءتهم سحابة سوداء فاستبشروا وظنوا أنه مطر، فكان مطراً من نار ولهب والعياذ بالله، ثم تلاه ريح صرصر دمرت كل شيء، وهكذا الجزاء من جنس العمل، ولا يظلم ربك أحداً.
стр. 3553
تفسير قوله تعالى: (واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: فقال الله في سورة الأحقاف: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ * فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف:٢١ - ٢٥].
стр. 3554
إنذار الله لعباده
ذكرنا فيما مضى أن الله أرسل نبيه هوداً إلى عاد، وهم قبيلة كانوا يسكنون الأحقاف، والأحقاف جمع حقف، وهي: المرتفعات من الرمال كهيئة الجبال وإن كانت ليست عظيمة العلو، ولكنها محقوقفة، أي: منحنية الأطراف أو الارتفاع.
وهذا المكان الذي كانوا فيه ما بين حضرموت في اليمن وجنوب الجزيرة في منطقة الربع الخالي.
قال تعالى: ((وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ))، وهو هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
قوله: ((إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ))، وكانوا يعبدون آلة من دون الله ، فحذرهم من عبادة غير الله، وكانوا يعصون الله ، وكانوا يتطاولون على خلق الله، معجبين بأجسامهم، معجبين بقوتهم، وكانوا مترفين منعمين، فأعطاهم الله القوة، وأعطاهم المال، وأعطاهم الأرض الواسعة المنبسطة الفسيحة، وأعطاهم نعماً كثيرة، فلم يشكروا الله سبحانه، وإنما كفروا واغتروا، وكانوا يؤذون خلق الله سبحانه، وقد وصفهم الله بقوله: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر:٧] أي: أنهم قبيلة ذات عماد، والعماد جمع عمود، والإنسان يعيش في مكان له أعمدة عادية، لكن إن كان هذا الإنسان طويلاً جداً فيحتاج إلى مثل ذلك، فهم قد أعطاهم الله أجساماً في غاية القوة، في غاية الطول، فاغتروا على خلقه، واغتروا بما أعطاهم الله سبحانه، وفعلوا ما يغضب الله سبحانه، ففعلوا أفحش وأعظم ما يقع فيه إنسان يغضب الله من الكفر بالله والشرك به، واتخاذ الآلهة من دون الله، أو يتقربون بها إلى الله ، فاتخذوها قرباناً آلهة، واتخذوا آلهة صنعوها بأيديهم، فعبدوها تقرباً بزعمهم إلى خالقهم ، فحذرهم نبيهم ﵊، ((أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)).
стр. 3555
تفسير قوله تعالى: (قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا ولكني أراكم قوماً تجهلون)
فكان
الجواب
﴿ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأحقاف:٢٢]، أي: لتصدنا وتصرفنا عن آلهتنا التي نعبدها من دون الله سبحانه، ((فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ))، أي: إن كنت تقدر على فعل شيء فافعل ما تقدر عليه، ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف:٢٣]، فوصفهم بالجهل؛ لأنهم يجهلون قدرة الله ، ويجهلون قوة الله سبحانه، ويجهلون فضل الله عليهم، فهو الذي أعطاهم ما يجعلهم يعبدونه وحده، ويجهلون ضعف أنفسهم وحقارة أبدانهم التي ظنوا أنها تقيهم أو ينتفعون بها، فحذرهم نبيهم ﵊، ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:٦٩]، وهذا مما دعاهم إلى أن يتطاولوا على نبيهم صلوات الله وسلامه عليه عندما دعاهم إلى الله، وحذرهم منه، وكأنه يقول لهم: إذا كان الله زادكم بسطة في الجسم، وبسطة في الهيئة، فاذكروا ما صنع بقوم نوح من قبلكم، فقد عمروا أكثر منكم، ومع ذلك جاءهم العذاب من عند الله، فقالوا: ﴿أْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف:٢٢ - ٢٣]، فأي نبي وأي رسول لا يملك مجيء العذاب لقومه، فالله يأتي بعذابه وقت ما يشاء، والنبي ﷺ إنما عليه أن يحذرهم وينذرهم غضب الله سبحانه، أما أنه يملك مجيء العذاب فهذا لا يملكه، وإنما الله يفعل ما يشاء في الوقت الذي يريده ، وقد يظن الإنسان أن هؤلاء يستحقون العقوبة العاجلة فيؤخرها الله ، وقد يظن أن هؤلاء يستحقون العذاب فيعفو الله عنهم، فلا يملك نبي لقومه شيئاً إلا أن يدعو قومه إلى الله ، أما أنه يأتي بالعذاب فهذا ليس بيده، ولذلك قال لهم نبيهم ﵊: ((قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ))، أي: أن وقت هلاككم هو إلى الله ، وإنما علي البلاغ، ((وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ))، فأي أخلاق من هذا الكافر عندما يستعجل العذاب! وعندما يطلب العقوبة من الله .
وإن من أخلاق الكفار: العلو في الأرض بغير الحق، والإفساد في الأرض، والتعالي على رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وعدم الإيمان بالله سبحانه، فهؤلاء صنعوا ذلك، وربنا يذكر نبيه ﷺ بهؤلاء القوم الذين يشبه صنيعهم صنيع قريش مع النبي ﷺ ، قال تعالى: ((قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ)) [الأحقاف:٩]، فهذا الذي ابتدأ الله بذكره في هذه السورة: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأحقاف:٩]، لذلك ربنا يذكر بالأنبياء السابقين، فنفس الذي قاله الأنبياء السابقون، ((قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ)) هو الذي قاله النبي ﷺ ، ((وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا)) أي: لا ندري متى نموت؟ وبأي طريقة يكون الموت؟ فعلم ذلك عند الله ((َمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ))، فكذلك من قبل قال هذا النبي الكريم هود ﵊.
والكفار الذين قالوا للنبي ﷺ : عجل لنا العذاب، ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص:١٦]، قد قاله السابقون قبلهم، قال الله على لسانهم: ﴿ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٧٧]، وكذلك هؤلاء اللاحقون عندما دعوا على أنفسهم: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢]، أليس هذا يدل على جهلهم؟ فقال لهم نبيهم السابق هود ﵊: ((وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ))، فالجهل موجود في الأمم الماضية.
وكذلك البعد عن الله ، وطلب ما لا يحل لهم، فبنو إسرائيل جاءهم نبيهم يدعوهم إلى الله ، فإذا بهم بمجرد ما ينجيهم الله يقولون: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨]، فهذا هو الجهل، والبعد عن الله سبحانه، وطلب ما لا يحل.
فكذلك هنا ذكر الله عن نبيهم أنه قال: ((وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ)) أي: باستعجالكم عذاب الله .
стр. 3556
تفسير قوله تعالى: (فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم)
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف:٢٤]، فجاء العذاب من عند الله ، والإنسان الذي يستكبر عن عبادة الله، وينتظر عذابه يأخذه، فإذا أخذه لا يفلته.
وانظر عندما جاء العذاب من الله سبحانه أين ابن نوح الذي اغتر أن أباه نبي؟ واغتر بأنه سيصعد إلى أعلى جبل كي يعصمه من الماء، فقال الله: ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤٣]، فجاء العذاب من السماء، ومن الأرض، فالأرض أخرجت ماءها، والسماء أنزلت ماءها، وأغرق الله من على الأرض كيف شاء وحين شاء .
وعاد هؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر:٧ - ٨]، فلم يكن هناك أناس بمثل هذه الأجسام، ومثل هذه القوة، لا من قبلهم ولا من بعدهم، ولن يأتي مثلهم، فالله قدر أن يكون هؤلاء عظة لغيرهم، فجاءهم العذاب فدمر هذه القصور العالية، وتتعجب من قصور هؤلاء عندما يجدونها في الحفريات في الرمال تحت الأرض، فيجدون جبالاً لهؤلاء القوم، فقد كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً، جبال صم ينحتون فيها البيوت، وهذا مستحيل إن فكر أحدنا في ذلك، فكيف وهم قد بنوا قصوراً داخل هذه الجبال؟! فينحتون قرى كاملة في الجبال، أبوابها من الصخر، مدخلها كذلك من الصخر، وأشياء عجيبة جداً، فعمروا سنين طويلة نحتوا فيها الجبال، وبنوا فيها القصور الشاهقة، وظنوا أن هذه الجبال تمنعهم من عذاب الله تعالى، وظنوا أن هذه ستعصمهم من الله ، فإذا بالله يأتيهم بالعذاب من مأمنهم، ومن حيث يظنون الأمن والأمان، ومن حيث يظنون البعد عن البلاء، ومن حيث يظنون مصدر رخاءهم، فحذرهم نبيهم ﵊، وأنذرهم غضب الله ، فلم يخافوا وإنما طلبوا العذاب: ((ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا))، فمنع الله عنهم الماء، حتى هلكت الزروع والمواشي، وأجدبت الأرض، فماذا عملوا؟ بعثوا أحدهم إلى مكة -المكان هذا كان معروفاً، وكانت الكعبة غير موجودة، فهذا قبل إبراهيم- ليدعو الله لهم هناك، فأرسلوا واردهم ووافدهم، وهنا قصة يسوقها الإمام الترمذي وأحمد بإسناد حسن، وهي: أن رجلاً اسمه الحارث بن يزيد البكري -صحابي جليل- خرج إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه ليكلمه في شيء، وفي الطريق قابلته امرأة عجوز، فطلبت منه أن يحملها معه إلى النبي ﷺ ، فحملها إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه.
ولما وصل بها إلى النبي ﷺ وجد القوم يستعدون للخروج للجهاد في سبيل الله ، والقصة طويلة، وإنما الغرض منها: أن الرجل طلب من النبي ﷺ أن يقطع قومه أرضاً في المكان الذي هم فيه، فالعجوز التي معه كانت من أهل هذه الأرض، فإذا بها تستفز وتقول للنبي ﷺ : كيف تعطيه الماء الكثير؟ وكيف تعطيه الأرض الواسعة؟ ونحن إلى أين سنذهب؟ مع أنها كانت مخالفة لقومها، فهي على الإسلام وقومها كانوا كفاراً، ولكن مع ذلك أشفقت المرأة على قومها، فقالت: يا رسول الله! فإلى أين تضطر مضرك؟ فقال الرجل متعجباً: حملتك من الطريق الفلاني وأتيت بك إلى النبي ﷺ ، فإذا بك تخاصميني عنده! إنما مثلي كما قال الأول: معزاء حملت حتفها.
وهذه قصة معروفة عند العرب وهي: أن معزة كانت مع صاحبها، وبينما هي تحفر الأرض برجلها وجدت سكينة، فأخذها صاحبها وذبحها بها وأكلها.
ثم قال: (حملت هذه ولا أشعر أنها كانت خصماً لي، أعوذ بالله ورسوله ﷺ أن أكون كوافد عاد، فقال النبي ﷺ : هيه! وما وافد عاد؟) وهذا من لطف وأدب النبي ﷺ ، فهو يعرف قصة عاد ووافدهم، ولذا عندما يذكر لك أحدهم أمراً من الأمور وأنت تعرفه لا مانع من أن تسمعه منه مرة أخرى، وليس لازماً أن تحرجه وتقول له: أنا أعرف هذه القصة، لا، وإنما اسمع منه ما يقول.
قال النبي ﷺ : (وما وافد عاد؟ فقال الرجل: قلت: إن عاداً قحطوا) أي: منع عنهم المطر ثلاث سنوات، قال: (فبعثوا وافداً لهم يقال له: قيل، فمر بـ معاوية بن بكر فأقام عنده شهراً يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان) وعاد كانوا يسكنون اليمن، فأرسلوا أحدهم إلى مكة ليدعو لهم؛ لأنهم كانوا يعرفون أن هذا المكان مكان إجابة، فالرجل عندما مر في الطريق جاء على قوم عندهم طعام وشراب، ولم يكونوا يعانون مما يعاني منه الذين في الجنوب، فأقام عند معاوية بن بكر يسقيه الخمر ويطعمه وتغنيه جاريتان، فنسى وهو في اللهو ما جاء من أجله، ثم ذكره القوم بمقصد مجيئه، فخرج إلى جبال تهامة فنادى ودعا هنالك فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجيء إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عاداً ما كنت مسقيه)، أي: أن عاداً تعودوا منك أن تسقيهم، فهم كانوا يعرفون أن الله هو الخالق سبحانه، وأن الله هو الرزاق سبحانه، ومع ذلك يعبدون أصناماً من دون الله ، فإذا به يدعو ربه ويبقى هو في عبادته لغير الله، (فاستجاب الله دعاءه، فمرت به سحابات سود، فأومأ إلى سحابة منها سوداء، وظن أن الله استجاب له دعاءه، فرجع إلى قومه يبشرهم بذلك، فنودي من السحابة: خذها رماداً رمدداً، لا تبقي من عاد أحداً)، رماداً بمعنى: هباب؛ لأن أي شيء إذا احترق صار رماداً.
قال: (خذها رماداً رمدداً لا تبقي من عاد أحداً، قال: بلغني أنه بعث عليهم من الريح إلا قدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا)، أي: أن الله أرسل عليهم الريح العقيم التي تدمر كل شيء، فأسقطت السحابة عليهم نيراناً من السماء، وأرسل الله عليهم الريح العقيم، واستمر ذلك سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، فإذا جبالهم وحصونهم لا تحميهم، وأغرقها الله بالرمال، وكانت الريح ترفع أحدهم إلى علو ثم تشدخه بالأرض: ﴿تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧ - ٨] أي: هل ترى أحداً منهم موجود؟ فقال الله هنا في هذه الآيات: ((فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ)) أي: رأوا سحابات آتية تعرض في السماء، ((قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا)) أي: قد استجبنا فلسنا محتاجين للرسول، فكان الجواب من الله: ((بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ)) أي: هذا هلاككم، فقد كنتم تقولون: ((فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا))، وجهلتم قدرة الله سبحانه، جهلتم بطش الله وانتقامه، ((بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ))، ((تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ))، فدمرت البلاد، ودمرت العباد، وغطت قصورهم وحصونهم وجبالهم بهذه الرمال ولم تقم لهم قائمة بعد ذلك، والآن معروف مكان الرمال، فهي في الربع الخالي، وهو مكان ليس فيه أحد، وفيه يبحثون عن حفريات وآثار للسابقين، وقد صوروا ما كان فيها من البيوت التي بنوها في الجبال، وأما أن أحداً يسكن في هذه الأماكن فلا، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم.
وهذه قراءة عاصم وحمزة وخلف ويعقوب: ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥]، وقراءة باقي القراء، ((فَأَصْبَحُوا لا تَرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ))، أي: أصبحتَ لا ترى، فلو ذهبت إلى هناك فلا تجد أحداً، وليس هناك أماكن عمران، فلا ترى إلا مساكن هؤلاء القوم.
قوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: كل من يجرم فهذا جزاؤه، فنفعل به كما فعلنا بالسابقين.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3557
تفسير سورة الأحقاف [٢٤ - ٢٨]
يذكر الله تعالى هنا قصة قوم عاد الذين أرسل إليهم رسوله هوداً يدعوهم إلى الله وعبادته وطاعته، فقابلوه بالكفر والعناد والإعراض، ولم يغن عنهم ما سمعوا وما رأوا مما أصاب الأمم قبلهم من العذاب والنكال، ولم يعتبروا بذلك، فكان الجزاء من جنس العمل، حيث أرسل الله عليهم الرياح فاقتلعت بيوتهم وخيامهم، وخربت ديارهم، وجعلتهم عبرة وعظة وآية لكل الناس إلى يوم القيامة.
стр. 3558
تفسير قوله تعالى: (فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة الأحقاف: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف:٢٤ - ٢٧].
ذكر الله في هذه السورة قصة عاد الأولى، وكيف أن الله أهلكهم من حيث ظنوا أنهم آمنون، من حيث ظنوا أنهم يأتيهم الرزق (المطر)، فكان عذاباً أليماً، وريحاً شديدة تدمر كل شيء بأمر ربها، فقد أرسلوا وافدهم ليدعو ربه ، فلما ذهب إلى جبال مكة ليدعو هنالك رأى سحابات في السماء، فقيل له: اختر، فاختار سحابة سوداء، فكانت هلاكاً ودماراً على قومه، وقيل له: خذها رماداً رمدداً لا تبقي من عاد أحداً، فكان فيها العذاب، وأرسل الله عليهم الرياح الشديدة التي اقتلعتهم من الأرض، ورفعتهم ثم هوت بهم على رءوسهم، فكانوا كأعجاز نخل خاوية، فلم يبق الله لهم باقية سبحانه.
стр. 3559
من مظاهر قدرة الله تعالى
قال سبحانه: ((فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ)) أي: سحابات تعترض السماء، ((قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا)) أي: أن هذه السحابات ستمطرنا، فقيل لهم: ((بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ)) أي: هو العذاب الذي استعجلتم به، هذا العذاب ريح فيها العذاب الأليم، وهي تدمر كل شيء، فأرسلها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧]، أي: لو كنت هناك لرأيت القوم فيها صرعى، ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾.
﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت:١٨]، فأنجى الله هوداً والمؤمنين الذين معه، وهذا من الأمر العجيب، أن تأتي الرياح الذي فيها العذاب الأليم والشديد فتختار أناساً فترفعهم إلى السماء، وتهوي بهم إلى الأرض، فتشدخ رءوسهم وتتركهم جثثاً هامدة، وتدفنهم الرمال، وتترك أناساً لقوة إيمانهم وقوة يقينهم فلا تؤثر فيهم شيئاً، فالريح هبت على القوم جميعهم، فأنجى الله الذين آمنوا وكانوا يتقون، فهذا هود ﵇ اجتمع معه المؤمنون الأتقياء في مكان، والريح هبت فأهلكت من شاء الله من هؤلاء.
стр. 3560
تفسير قوله تعالى: (تدمر كل شيء بأمر ربها)
قوله: ((تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ)) وهذا من باب العام المخصوص، فهي لم تدمر كل شيء، فلم تدمر هوداً، ولم تدمر المؤمنين الذين معه، وهذا كما يقول الأصوليون: قد يأتي العموم ويراد به الخصوص، وقد يأتي العموم الذي يخصص إما بالنص، وإما بالإجماع، وإما بالعقل، وإما بالعرف ونحو ذلك، فهذا من العموم الذي يخص بما دل النص عليه، ويخص بالعقل أيضاً.
فهنا الرياح دمرت كل شيء أراد الله تدميره، أما ما لم يرد تدميره فلم يدمر، ولذلك في الآية نفسها يقول الله: ((فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ)) فالمساكن لم تدمر، ولو أراد الله لدمر كل شيء، ولكن دفن هذا كله بالرمال، فالرمال تؤمر لتدفن هؤلاء ولا تدفن المؤمنين، فالله فعله عظيم، ومثل هذا الشيء شاهده أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه في يوم الخندق، فكان الصحابة مع النبي ﷺ في غاية الرعب والفزع من الكفار، وقد تجمع عليهم الأحزاب من كل مكان، فما كان من أهل المدينة إلا أن أخذوا برأي بعضهم في حفر خندق يمنع وصول المشركين إليهم؛ لأنهم لا يستطيعون مواجهة هذا العدد الضخم من الكفار، ويبقى اليهود من ورائهم يحمون ظهورهم، لكن اليهود نقضوا العهد مع المسلمين، فأصبح المؤمنون في غاية الخوف والرعب، وفي هذه الظروف الحرجة تأتي ريح شديدة، وبرودة شديدة، والصحابة ما زالوا يرتعشون ويرتجفون، والنبي ﷺ يقول: (من يأتينا بخبر القوم؟ -وهو على يقين أن الله سينصره- فلا أحد يجيب من شدة البرد ومن شدة الخوف، ثم قال: قم يا حذيفة! ولولا أن النبي ﷺ أشار إليه لما قام أحد، فقام حذيفة وتوجه إلى جيش المشركين، فقال ﵁: فكأني أسير في حمام)، والحمام هو مكان الحميم، وهو الماء الساخن، فكان الفرق شاسع بين رياح جيش المسلمين ورياح جيش المشركين، فما إن وصل إلى معسكر الشرك وجد أمراً يخيف، فوجد الرياح تقتلع خيامهم، وتكفئ قدورهم، والعجب أن المكان واحد، فهنا المسلمين وهناك المشركين، والريح آتية على الجميع، لكن هنا صورة وهناك صورة أخرى، فسبحان مقلب الأمور، فيقلبها كيف يشاء، فأرسل الرياح ليقول لنا: قوم عاد فعلنا بهم كذا وكذا، وأنجينا المؤمنين منهم، كما أنجينا النبي ﷺ والمؤمنين معه في يوم الأحزاب، وذلك عندما جاءت الريح على الجميع.
وفي يوم بدر لما أنزل الله المطر جعله تثبيتاً للمؤمنين، وتخويفاً لهؤلاء الكافرين، وجعله أمنة للمؤمنين ليطهر به قلوبهم، ويثبت به أقدامهم، ويذهب عنهم الرجز والآلام التي في أنفسهم، وأما الكفار فيخزيهم ويكبتهم .
قال تعالى: ((تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا)) فكل شيء راجع إلى أمره سبحانه، فهو الذي أمر الرياح بتدمير هؤلاء، فدمرت هؤلاء، ((فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ)) فأصبح الذاهب إلى هنالك لا يرى إلا المساكن، وأما الأقوام فقد دفنوا تحت الأرض.
﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧] صُرع القوم، ثم دفنوا تحت الرمال هم وبيوتهم.
قال سبحانه: ((فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ)) أي: هذا حكمنا فيمن كذب رسلنا وخالف أمرنا، و (ذلك) اسم إشارة للبعيد، وقد يكون للشيء العظيم الذي حدث، وهو أن هؤلاء كانوا في غاية القوة فأهلكهم الله هلاكاً عظيماً، وكذلك هو إهلاكنا وعقابنا لكل مجرم يحاد الله ورسوله.
стр. 3561
تفسير قوله تعالى: (ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه)
قال تعالى: ((وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ)) أي: مكنا لهؤلاء القوم، فأعطيناهم القوة العظيمة، والأبدان الصحيحة، والتمكين في الأرض، لكن عتوا في الأرض وأفسدوا فيها، ((وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ)) و (إن) هنا تحتمل معانٍ كلها صحيحة، ((وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ)) فتحتمل أن تكون: صلة، فيكون التقدير: ولقد مكناهم في الذي مكناكم فيه، وأعطيناكم مثل ما أعطيناهم، وإن كان هناك فرق كبير بينكم وبينهم، فهم كانوا عمالقة وأقوياء.
وتحتمل أن تكون: شرطية، فيكون المعنى: إن أعطيناكم مثل ما أعطيناهم من القوة وعظم الأجساد فإنكم ستفسدون وتعثون في الأرض مثل ما فعلوا، وأنتم الآن على ضعفكم تفسدون في الأرض، فكيف إذا كنتم مثلهم! وتحتمل (إن) معنىً آخر وهو: النفي، فيكون المعنى: (ولقد مكناهم فيما لم نعطكم مثله).
فقوله: (فيما إن مكناكم فيه) أي: في الشيء الذي أعطيناكم مثله، وهذا صحيح، وتفسير: فيما لم نعطكم مثله أيضاً صحيح، فتفسير: (أعطيناكم مثله) أي: أعطيناهم أرضاً وأعطيناكم أرضاً، وأعطيناهم رزقاً وأعطيناكم رزقاً، لكن لم نعطكم ما كانوا فيه من قوة عظيمة، ((كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ)) فكان هؤلاء الأقوام ذو طول وقوة في البدن، فكان أحدهم ينحت الجبل فيعمل منه بيتاً فارهاً له.
إذاً: فقد أعطيناكم مثل ما أعطيناهم في بعض الأشياء، فأعطيناكم رزقاً وعقولاً تفكرون بها، ورسالة جاءتكم تدعوكم إلى الله سبحانه، وأعطيناهم شيئاً لم نعطكم إياه، فأعطيناهم القوة العظيمة التي لم نعطكم مثلها في أبدانكم، وإن كنا عوضناكم بشيء آخر مكانه، فأعطيناكم عقولاً تفكرون بها كيف تصنعون الطائرات والدبابات، والآلات التي تخرقون بها الأرض، والتي تبنون بها العمائر، وأما الأبدان فلم نعط أحداً مثل هؤلاء الأقوام.
стр. 3562
تمكين الله للأمم السالفة في الدنيا
قوله تعالى: ((وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً))، وأنتم أيضاً أعطيناكم السمع والأبصار والأفئدة، ((فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ))؛ لأنهم كانوا يجحدون بآيات الله.
وهناك فرق بين الجاحد والمنكر: فالمنكر: قد يظن في نفسه أنه صادق في ذلك، فتقول له: أنا أعطيتك حاجة كذا وكذا، فيقول لك: لا، ما أعطيتني، فلعله يكون ناسياً، لكن إذا نفى ذلك وكان ذاكراً فهو جاحد، فالجاحد هو الذي ينكر مع معرفته في نفسه وإقراره في قلبه أنه أخذ هذا الشيء.
فهؤلاء جحدوا بآيات الله وكذبوا رسل الله عليهم الصلاة والسلام، فهم يعرفون أن هذا النبي حق ومع ذلك كذبوا، وهم مقتنعون وموقنون أنه على الحق، لكن جحدوا وكذبوا، فاستحقوا العقوبة الشديدة، ولذلك طبع الله على قلوبهم فلم تنفعهم النذارة، ولم يخافوا من عذاب الله ، حتى بغتهم العذاب فلم ينفعهم شيء.
قال سبحانه: ((فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ)) وهنا نرجع لقضاء الله وقدره، فمن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فأولئك هم الغافلون، وأولئك هم الظالمون، فالله سبحانه ﵎ يهدي فضلاً منه سبحانه، ويضل بعدل منه سبحانه، فهؤلاء استحقوا أن يطبع الله على قلوبهم، وألا ينتفعوا بما يشاهدون من الآيات، وألا ينتفعوا بما يسمعونه من الحكم والعبر؛ لأنهم كانوا يجحدون بآيات الله، ويكذبون بالحق الذي يعرفون، فلا يستحقون أن يبصروا، ولا أن تنار قلوبهم، فلذلك طمس الله عليها وأظلمها، فقال: ((إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ)) أي: أحدق بهم ونزل بهم نزول إحاطة، فنزل العذاب نزولاً فظيعاً عظيماً محيطاً بهم، فلم يفلت منهم أحد.
قال: ((وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون)) فحاق بهم نتيجة ما طلبوه، فهم طلبوا من رسولهم ﵊، ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [هود:٣٢] ضحكوا منه، وسخروا به، فجاءهم العذاب من عند الله سبحانه.
стр. 3563
تفسير قوله تعالى: (ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى)
ثم قال لمشركي مكة: تذكروا ما حدث لهؤلاء القوم، وكيف أصبناهم بالعذاب في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف:٢٧] يعني: أنه قد أهلك الله الأمم المكذبة بالرسل ممن كانوا حول مكة، كثمود، وأصحاب الأيكة، وقوم لوط في الشمال، وقوم عاد في الجنوب، وفرعون وقومه في الغرب، وغيرهم ممن كذبوا وأعرضوا وجحدوا.
قوله: (وصرفنا الآيات) أي: بيناها وأوضحناها بالحجج التي في القرآن، والتي يقولها الرسل، والدلالات، وأنواع البيانات والعضات من الله ، وقد بينا لكل قوم ولكل قبيلة ما ينذرون به، وما يخوفون به، ومع ذلك لم يرجعوا عن غيهم، قال: ((لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)) , فلم يرجعوا، فجاءهم عذاب رب العالمين سبحانه.
стр. 3564
انكشاف تدليس المشركين
قال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ [الأحقاف:٢٨] و (لولا) بمعنى: هلا، وهي للتحضيض والحث، أي: هل نصرتهم هذه الآلهة لما جاءهم عذاب رب العالمين! فأين الآلهة التي كانوا يدعونها دون الله؟! ((فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً)) أي: اتخذوهم آلهة يعبدونهم متقربين بذلك إلى الله، فقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، وكذلك المشركون يدلسون ويفترون على الله الكذب، فحينما كانوا يعبدون الأصنام يتأولون لأنفسهم فيقولون: نحن نعبد هذه الأصنام من أجل أن تقربنا إلى الله ، فيكذبون ويفترون، والله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له سبحانه، موافقاً لما يريده سبحانه.
﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٨]، فالآلهة ضلت عن أقوامهم، والأقوام ضلوا عن آلهتهم، ((بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ)) ففي وقت الشدة والضيق، ونزول العذاب ما نفعتهم هذه الآلهة التي يدعونها من دون الله، فلم تكشف عنهم العذاب وقت مجيئه، ولم يقولوا: يا آلهتنا! وإنما قالوا: يا الله! فلم ينفعهم ذلك، قال: ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾، وضل بمعنى: تاه وبعد، والإفك: الكذب، وكأنه يقول: هذا إفكهم إن افتروا واتخذوا آلهة من دون الله، فكانت النتيجة عقوبة الله سبحانه، ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف:٢٨]، فزعموا أن الآلهة تنفع وتضر مع الله، فلم تنفعهم شيئاً، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [هود:٨].
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3565
تفسير سورة الأحقاف [٢٩ - ٣١]
لقد دعا النبي ﷺ قومه إلى عبادة الله وترك عبادة الأوثان والأنداد، فلم يستجيبوا له، بل آذوه وحاربوه، فلما يئس منهم خرج إلى الطائف؛ لعله يجد من يؤمن به وينصره ويؤويه، ولكنهم قابلوه بنفس الصنع أو أشد، فسلاه رب العباد وطمأن قلبه بمن آمن به من الجن، حيث استمعوا له منصتين ببطن نخلة، ثم رجعوا إلى قومهم منذرين، فهذه هداية الله يعطيها من يشاء من عباده.
стр. 3566
تفسير قوله تعالى: (وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، وبعد: يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣٢].
يقول تعالى مخبراً نبيه ﷺ : ((وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ)) هذه السورة سورة مكية، وقد نزلت لما كان ﷺ في مكة يدعو إلى الله.
стр. 3567
خروج الرسول إلى الطائف للدعوة إلى الله
يقول ابن عباس ﵁: لما مات أبو طالب خرج النبي ﷺ وحده إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصرة، ويدعوهم إلى الله لعلهم يستجيبون له بعد إعراض أهل مكة عنه وأذيتهم له، فلم يتوجه النبي ﷺ إلى الطائف مهاجراً وإنما داعياً إلى الله بإذنه، فلما وصل إلى الطائف قصد أناسا ًمن كبارهم وهم عبد ياليل ومسعود وحبيب، ثلاثة إخوة أبناء عمرو بن عمير وعندهم امرأة من قريش فدعاهم إلى الإيمان وسألهم أن ينصروه على قومه.
والأصل أن الذي يدعوك إلى أمر فإما أن تستجيب وأما أن تنصرف عنه، لكن هؤلاء استهزءوا به ﷺ ، فقد دعاهم إلى الله الذي خلقهم ورزقهم، والذي هو أحق بالعبادة من غيره، فقال له أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك، والمعنى: أنه مستحيل أن الله يكون قد أرسلك.
وقال السافل الثاني: أما وجد الله أحداً غيرك يرسله؟ وهذا سوء أدب منهم وخفه، فلم ينظروا إلى الرسالة وإنما نظروا إلى الرسول، وهذا فعل اليهود، فقد قالوا للنبي ﷺ : إذا كان السفير بينك وبين الله هو جبريل فلن نؤمن بما جئت به، فلم ينظروا إلى مضمون ما جاء به النبي ﷺ ، وإنما نظروا إلى جبريل، فما دام وأنه هو الذي ينزل بالوحي فلن يؤمنوا، ومع ذلك كان النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه يحلم عنهم.
وقال الثالث للنبي ﷺ : والله لا أكلمك كلمة أبداً، فإذا كنت رسولاً فأنت أعظم من أن أكلمك، وإذا لم تكن رسولاً وأنت كذاب، فأنت أحقر من أن أكلمك.
فلم يستجيبوا له ﷺ ، بل أغروا به سفهائهم وعبيدهم يسبونه ويضحكون عليه ﷺ ، حتى اجتمع عليه الناس وألجئوه إلى حائط ل عتبة وشيبة ابني ربيعة وعتبة وشيبة أبنا ربيعة من مكة، ولكن لهم حائط في ذلك المكان.
فظل هؤلاء وراء النبي ﷺ يرجموه بالحجارة ويسبونه ويشتمونه، وهو ينصرف عنهم صلوات الله وسلامه عليه، فالنبي ﷺ كان له مكانته العظيمة عند الله، ولكن الله أراد أن يعلم الخلق الحلم والأدب والصبر والعفو، وعدم الانتقام، وعدم الدفع إلا بالتي هي أحسن.
فلما وصل إلى ذلك البستان إذا بـ الجمحية وهي امرأة من بني جمح القرشية، وكانت زوجة لواحد من هؤلاء، وصعب عليها النبي ﷺ ، ولكنها لا تقدر أن تعمل له شيئاً، فكأنها كلمت النبي ﷺ تواسيه، فقال لها: (ماذا لقينا من أحمائك)، أي: انظري إلى فعلهم بنا، صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 3568
شكوى الرسول الكريم إلى ربه
لما لم يكن للنبي ﷺ حيلة مع أهل تلك البلدة شكا إلى ربه سبحانه وقال: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس) وذلك لأن هؤلاء لم يستجيبوا له، وفي مكة كذلك استجاب له عدد قليل قد لا يصل إلى مائة، ومع ذلك كانوا مستخفين إلى أن دخل عمر وحمزة عم النبي ﷺ في الإسلام، وبدأ المسلمون يظهرون، وإلى هذا الوقت والنبي ﷺ يدعو ربه ويقول: (أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، لمن تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي)، وهذا كلام عظيم منه ﷺ فلم يعترض على ربه، وأهم شيء لديه هو أن يرضى عنه ولا يغضب عليه، فالله حين يوجه إلى العبد مصائب الدنيا فإما أنه يستحق تلك المصائب بسبب الذنوب التي فعلها، وإما أن يكون له درجات عند الله لا يبلغها إلا بذلك.
فكأن النبي ﷺ يقول لله إني راضٍ بما يحدث لي، ولا أبالي به إذا لم تكن غضباناً علي، ثم قال: (ولكن عافيتك هي أوسع لي) وهذا استدراك منه ﷺ ، والمعنى: أني مع ذلك غير قادر على هذا البلاء، فرحمتك وعافيتك أوسع، فإنها تسع كل خلقك، ثم قال: (أعوذ بنور وجهك من أن ينزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى) أي: إلى أن ترضى، فسوف استمر في الدعوة إليك وأصبر على البلاء حتى ترضى، ثم قال ﷺ : (ولا حول ولا قوة إلا بك).
стр. 3569
حلمه ﷺ وعفوه عمن آذاه
لقد أرانا الله حكم وكرم النبي ﷺ بأن نزل عليه جبريل، وأتى إليه ملك الجبال، فقال له جبريل: إن ملك الجبال يقول: إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين، وهما جبلان عظيمان يحيطان بهؤلاء، فقال النبي ﷺ : (لا، ولكن أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً) أي: لعل من ذريتهم من يؤمن بالله، فكان من أمر الله أن أخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيء.
стр. 3570
تصديق عداس بالرسول الكريم
كأن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما ذاهبان إلى حائطهم في الطائف سمعا يأمر النبي ﷺ ، فصعب عليهما ما حل به رغم أنهمها كافران لم يؤمنا به، وقد قاتلاه في يوم بدر، فقالا لغلام لهما نصراني اسمه عداس: خذ قطفاً من العنب وضعه في هذا الطبق، ثم ضعه بين يدي هذا الرجل، ولم يذهبا إليه؛ هروباً من دعوته إياهما إلى الإسلام، فوضعه بين يدي النبي ﷺ ، فأخذ النبي قطفاً من العنب ليأكله وقال: (بسم الله، فلما سمعه الغلام العبد النصراني نظر إلى وجه ﷺ ثم قال: والله! إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، -لأنه كان له معرفة ببعض الأديان- فقال له النبي ﷺ : من أي البلاد أنت يا عداس؟! وما دينك؟) قال: أنا نصراني من أهل نينوى، من شمال العراق، فقال له النبي ﷺ : (أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟)، وكان الكفار لا يعرفون الأنبياء إلا إبراهيم ﵊، وكانوا يسمعون عن موسى وعن المسيح عيسى، ولكن لا يعرفون التفاصيل، وأما النبي ﷺ فقد كان في مكة لا يعرف ذلك إلا أن الله علمه.
فقال الغلام لما سمع النبي ﷺ وهو يقول ذلك: وما يدريك ما يونس بن متى؟ -لأنه لا يوجد من العرب من يعرف يونس بن متى ﵊، -فقال النبي ﷺ : (ذاك أخي كان نبياً وأنا نبي)، فانكب عداس حتى قبل رأس النبي ﷺ ويديه ورجليه، فلما رأى شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة ذلك منه قالا له: لم فعلت هذا يا عداس؟! فقال: ما في الأرض خير من هذا، أخبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي.
وكان المفترض على هؤلاء لما عرفوا أنه نبي ﷺ أن يتبعوه ولا يحاربوه، ولكن الرئاسة قد تمنع الإنسان من اتباع الحق، وهؤلاء كانوا سادة في أقوامهم، فكيف يستجيبون لهذا الرجل ويكونون أتباعاً له؟! فالإنسان قد يرفض الحق بعد معرفته بسبب ما هو فيه من أمر الدنيا، ففضل الدنيا على الآخرة.
стр. 3571
وصول الرسول إلى وادي نخلة وسماع الجن للقرآن
قال ابن عباس ﵁: ثم انصرف النبي ﷺ حين يئس من خير ثقيف، حتى إذا كان ببطن نخلة -وكان بينها وبين مكة ثلاثة عشر كيلو متراً، وقد مشاها صلوات الله وسلامه عليه على قدميه- قام يصلي من الليل ﷺ .
فمن فضل الله سبحانه أن بعث له من يستجيب لدعوته بعد أن رفضها أهل الطائف، فأرسل إليه نفراً من الجن من أهل نصيبين -مكان في اليمن- وكان ذلك سبباً لهدايتهم، فقد كانوا يسترقون السمع من السماء وينزلون إلى الأرض، فيأخذون الكلمة ويزيدون عليها ويكذبون بها على الخلق، فلما بعث النبي ﷺ إذا بالجن التي تسترق السمع تلقى عليها الشهب الثاقبة من السماء فتحرقها.
فقالوا: هناك أمر قد حدث في الأرض منعنا من استراق السمع، فبعث إبليس سرية من أشرف الجن فداروا في الأرض حتى وصلوا إلى تهامة، فلما بلغوا بطن نخلة سمعوا النبي ﷺ يصلي صلاة الغداة ويتلوا القرآن، فاستمعوا له وقال بعضهم لبعض: أنصتوا، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩]، فكأن الجن جاءوا إلى النبي ﷺ يسمعون له وازدحموا عليه حتى صاروا لبداً، أي: صار بعضهم فوق بعض.
فقال الله له ممتناً عليه: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف:٢٩]، فعندما لم يؤمن الإنس جاء الجن فأمنوا بك، وهذا فيه تثبيت له ﷺ .
وفي هذه الحادثة كان النبي ﷺ وحده؛ لأن ابن مسعود: ﵁ عندما سأله أحدهم: هل شهد منكم أحد مع النبي ﷺ ليلة الجن؟ فقال ابن مسعود: لا، فكأنه يقصد في هذه المرة، وفي المرة الأخرى ذكرنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد الترمذي والدارمي عن النبي ﷺ عن ابن مسعود: أنه كان مع النبي ﷺ .
وإن كان يحتمل أنه لم يسمع ولم يحفظ كلام النبي ﷺ عن الجن، فقد خط له النبي ﷺ خطاً ونهاه أن يخرج من هذا الخط إلى أن يرجع إليه، فذهب النبي ﷺ ودعا الجن، ثم رجع إلى ابن مسعود كما قدمنا في الحديث السابق.
стр. 3572
الجن يعلنون إسلامهم ويدعون قومهم إلى الإسلام
يقول الله ((وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا)) والنفر: هو المجموعة من الجن، وقد جاءوا للنبي صلوات الله وسلامه عليه، ((يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ))، فبعد أن كان يذهب إلى الإنس يسمعهم القرآن جاء إليه الجن ليستمعوا له، فقالوا: (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن:١] أي: هذا كلام عظيم جميل، ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن:٢].
يقول هنا ربنا سبحانه ((فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا)) أي: أمر بعضهم بعضاً بسماع الكلام من النبي ﷺ ، فجلسوا ساكتين يستمعون القرآن، وهذا من أدبهم، وكان مما تلى عليهم ﷺ سورة الرحمن، وهي تلقب بعروس القرآن، وقد تلاها النبي ﷺ على الصحابة فسكتوا لما سمعوها، فقال: (لقد كانت الجن أحسن رداً منكم)؛ لأنهم سمعوا واستوعبوا من النبي ﷺ ، فكان كلما تلا عليهم ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣] يقولون: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد، فتليت عليهم إحدى وثلاثين مرة، وهم يرددون: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد.
قال الله تعالى: ((فَلَمَّا قُضِيَ))، أي: لما انتهى النبي ﷺ من قراءة القرآن على هؤلاء ((وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ)) أي: ينذرون قومهم ويخوفونهم ويقولون لهم: ((يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ))، ففي هذه المرة دعا النبي ﷺ الجن فرجعوا إلى قومهم منذرين، وجاءوا إليه أيضاً مرة أخرى، ففي صحيح مسلم عن معن يذكر عن أبيه عن مسروق أنه سأل: من آذن النبي ﷺ بالجن ليلة استمعوا القرآن؟ أي: من أعلم النبي ﷺ بأن الجن يسمعون منه القرآن؟ فقال: حدثني ابن مسعود ﵁ أنه آذنته بهم شجرة.
وهذه معجزة من الله لنبيه ﷺ في أن الجن جاءوا ليستمعوا منه القرآن، وحتى لا يخاف النبي ﷺ من الجن آذنته شجرة، فجاء الجن وسمعوا منه.
стр. 3573
تفسير قوله تعالى: (قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى)
فلما رجعوا إلى قومهم منذرين ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف:٣٠] وهذا كعادة القرآن في ذكر كتاب موسى وكتاب محمد ﷺ ، لأن كتاب موسى كان كتاب شريعة، وأما الإنجيل كتاب عيسى ﵊ فلم يكن كتاب شريعة، وإنما كان كتاب حكم ومواعظ، وبشارة لمجيء النبي ﷺ ، وعندما يقال: العهد الجديد والعهد القديم فإن القديم هو التوراة التي فيها الشريعة.
فإذا قيل الكتاب الذي قبل القرآن فهو كتاب موسى ﵊ الذي فيه التشريع من الله ، فكأن الجن قالوا: هذا كتاب تشريع كما كان كتاب موسى كتاب تشريع.
وقوله تعالى: ((مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ)) أي: مصدقاً للكتب السابقة وما جاء فيها من التشريعات والعقائد، من قصص الأنبياء.
وقوله: ((يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ)) أي: يهدي إلى أمر الله ، وإلى الطريق المستقيم، وهو الطريق الموصل إلى جنة الله ورضوانه.
قال الله تعالى: ((يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ)) فالجن يطلبون من أقوامهم أن يستجيبوا للنبي ﷺ ، ويؤمنوا به، فإن فعلتم ذلك فالله يغفر لكم من ذنوبكم بفضله وكرمه، وبسبب استجابتكم، ولأن الإسلام يجب ما قبله كما في حديث النبي ﷺ ، قال الله تعالى: ((يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)).
نسأل الله أن يغفر لنا ذنوبنا، وأن يجيرنا من عذابه سبحانه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3574
تفسير سورة الأحقاف [٣٠ - ٣٥]
ذكر الله تعالى في هذه الآيات أن نفراً من الجن سمعوا هذا القرآن الكريم البليغ المعجز، فدهشوا لسماعه، وتعجبوا من عظمته، فولوا إلى قومهم منذرين، فأخبروا قومهم بما سمعوه من العجب، وذكروا لهم صفته، وأنه يهدي إلى الرشد وإلى الطريق المستقيم، ثم نصحوا قومهم بأن يتبعوا دين الله تعالى، فإن هم فعلوا ذلك كان لهم الأجر العظيم، وإن لم يفعلوا ذلك فإنهم لا يعجزون الله شيئاً، ولا يضرون إلا أنفسهم.
стр. 3575
تفسير قوله تعالى: (وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الأحقاف: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣٥].
ذكر الله في هذه الآيات كيف أنه صرف مجموعة من الجن يستمعون القرآن من النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهذا كان في مكة بعد موت أبي طالب، وموت خديجة زوجة النبي ﷺ ، وقد ازداد ابتلاء الله لنبيه ﷺ ، وازداد أذى المشركين له، فخرج يدعو أهل الطائف فتلقوه بما ذكرنا في الحديث السابق، فرجع النبي ﷺ إلى مكان اسمه نخلة، وهنالك ساق الله إليه مجموعة من الجن فاستمعوا منه القرآن، وصدقوه، ورجعوا إلى قومهم ليبلغوهم وينذروهم، فقالوا: ((يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ)).
إنه كتاب عظيم جاء من بعد موسى ﵊، وفيه شريعة من الله كما كان كتاب موسى فيه شريعة من الله ، مصدقاً الكتب السابقة، وللرسل السابقين عليهم الصلاة والسلام.
وقوله: (يهدي إلى الحق) أي: يدل على طريق الله سبحانه، وإلى الحق الذي يريده الله، كما يدل على الإله الحق المعبود ، ويهدي إلى طريق مستقيم، أي: طريق الشريعة الموصل إلى جنة الله .
قال الله تعالى عن الجن أنهم قالوا لقومهم: ((يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ)) فالجن يدعون قومهم ويقولون: يا قومنا، والرسل يدعون أقوامهم ويقولون: يا قومنا، وهذه الكلمة فيها ما فيها من اللطف بمن تدعوه، فحين تقول للإنسان: يا إنسان! افعل كذا، فقد يستشعر أنه شيء وأنت شيء آخر، وحين تقول له: يا أخي! أو تدعو المجموعة: يا قومنا! فإن هذا يجعلهم يألفون من يدعوهم، ويحسون أنه يخاف عليهم من عذاب الله سبحانه.
قال الله تعالى: ﴿قَاْلُوْا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ فبدءوا بالدليل النقلي قبل مخاطبة العقل، فالنقلي: أنه كتاب جاء من عند الله سمعناه ولم نقله من عندنا، وقد جاء من بعد موسى على محمد صلوات الله وسلامه عليه، ووجدناه يهدي ويدل على الطريق المستقيم وإلى الجنة.
وقوله: (يا قومنا أجيبوا داعي الله) أي: ما جاءكم من عند الله سبحانه، واسمعوا وعوا كلام رب العالمين.
وقوله: (وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم) فيه أن الذي يدخل في دين الله الله فإنه يغفر له من ذنوبه، وكأن (من) هنا للدلالة على جنس الذنوب، وليس المقصود بها بعض الذنوب فقط، فالإسلام يغفر به الله جميع الذنوب، ويجب ما كان قبله من الكفر والمعاصي بشرط الإحسان في الإسلام، فلو أن إنساناً كان كافراً سواء كان يهودياً أو نصرانياً أو وثنياً، أو في أي ملة من الملل غير الإسلام ثم أسلم وتاب وآمن وعمل صالحاً فالله يغفر له جميع ما فعله قبل ذلك، ولكنه لو أسلم ولم يعمل صالحاً، ولم يستمع لما يقوله الله سبحانه فقد تنفعه كلمة التوحيد يوماً من الدهر، ولكنه قد يؤاخذ على كل ما عمل من ذنوب قبل الإسلام وبعده، فلابد أن يحسن في الإسلام، فيصلي ويصوم ويزكي ويفعل الطاعات ويمتنع من المعاصي، وهذا الذي جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (أيما رجل أسلم فأحسن غفر الله له ذنوبه، ومن أسلم ولم يحسن أخذ بالأول والآخر) أي: بالذي فعله قبل ذلك والذي يفعله بعد إسلامه؛ لأنه لابد للإنسان المسلم من أن يظهر عليه أثر الإسلام، وإن كانت كلمة التوحيد وهي العهد والميثاق الذي بينه وبين الله لا تجعله خالد مخلداً في نار جهنم كالكفار، ولكنه قد يستوجب النار والعذاب إلى ما شاء الله ، ثم يخرج منها إلى الجنة.
لقد كان النبي ﷺ مبعوثاً إلى الجن وإلى الإنس وإلى جميع الخلق، فدعاهم ﷺ فاستجابوا له.
следующие страницы →