← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

وصول الرسول إلى وادي نخلة وسماع الجن للقرآن قال ابن عباس ﵁: ثم انصرف النبي ﷺ حين يئس من خير ثقيف، حتى إذا كان ببطن نخلة -وكان بينها وبين مكة ثلاثة عشر كيلو متراً، وقد مشاها صلوات الله وسلامه عليه على قدميه- قام يصلي من الليل ﷺ . فمن فضل الله سبحانه أن بعث له من يستجيب لدعوته بعد أن رفضها أهل الطائف، فأرسل إليه نفراً من الجن من أهل نصيبين -مكان في اليمن- وكان ذلك سبباً لهدايتهم، فقد كانوا يسترقون السمع من السماء وينزلون إلى الأرض، فيأخذون الكلمة ويزيدون عليها ويكذبون بها على الخلق، فلما بعث النبي ﷺ إذا بالجن التي تسترق السمع تلقى عليها الشهب الثاقبة من السماء فتحرقها. فقالوا: هناك أمر قد حدث في الأرض منعنا من استراق السمع، فبعث إبليس سرية من أشرف الجن فداروا في الأرض حتى وصلوا إلى تهامة، فلما بلغوا بطن نخلة سمعوا النبي ﷺ يصلي صلاة الغداة ويتلوا القرآن، فاستمعوا له وقال بعضهم لبعض: أنصتوا، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩]، فكأن الجن جاءوا إلى النبي ﷺ يسمعون له وازدحموا عليه حتى صاروا لبداً، أي: صار بعضهم فوق بعض. فقال الله له ممتناً عليه: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف:٢٩]، فعندما لم يؤمن الإنس جاء الجن فأمنوا بك، وهذا فيه تثبيت له ﷺ . وفي هذه الحادثة كان النبي ﷺ وحده؛ لأن ابن مسعود: ﵁ عندما سأله أحدهم: هل شهد منكم أحد مع النبي ﷺ ليلة الجن؟ فقال ابن مسعود: لا، فكأنه يقصد في هذه المرة، وفي المرة الأخرى ذكرنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد الترمذي والدارمي عن النبي ﷺ عن ابن مسعود: أنه كان مع النبي ﷺ . وإن كان يحتمل أنه لم يسمع ولم يحفظ كلام النبي ﷺ عن الجن، فقد خط له النبي ﷺ خطاً ونهاه أن يخرج من هذا الخط إلى أن يرجع إليه، فذهب النبي ﷺ ودعا الجن، ثم رجع إلى ابن مسعود كما قدمنا في الحديث السابق.

стр. 3572

الجن يعلنون إسلامهم ويدعون قومهم إلى الإسلام يقول الله ((وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا)) والنفر: هو المجموعة من الجن، وقد جاءوا للنبي صلوات الله وسلامه عليه، ((يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ))، فبعد أن كان يذهب إلى الإنس يسمعهم القرآن جاء إليه الجن ليستمعوا له، فقالوا: (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن:١] أي: هذا كلام عظيم جميل، ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن:٢]. يقول هنا ربنا سبحانه ((فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا)) أي: أمر بعضهم بعضاً بسماع الكلام من النبي ﷺ ، فجلسوا ساكتين يستمعون القرآن، وهذا من أدبهم، وكان مما تلى عليهم ﷺ سورة الرحمن، وهي تلقب بعروس القرآن، وقد تلاها النبي ﷺ على الصحابة فسكتوا لما سمعوها، فقال: (لقد كانت الجن أحسن رداً منكم)؛ لأنهم سمعوا واستوعبوا من النبي ﷺ ، فكان كلما تلا عليهم ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣] يقولون: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد، فتليت عليهم إحدى وثلاثين مرة، وهم يرددون: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد. قال الله تعالى: ((فَلَمَّا قُضِيَ))، أي: لما انتهى النبي ﷺ من قراءة القرآن على هؤلاء ((وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ)) أي: ينذرون قومهم ويخوفونهم ويقولون لهم: ((يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ))، ففي هذه المرة دعا النبي ﷺ الجن فرجعوا إلى قومهم منذرين، وجاءوا إليه أيضاً مرة أخرى، ففي صحيح مسلم عن معن يذكر عن أبيه عن مسروق أنه سأل: من آذن النبي ﷺ بالجن ليلة استمعوا القرآن؟ أي: من أعلم النبي ﷺ بأن الجن يسمعون منه القرآن؟ فقال: حدثني ابن مسعود ﵁ أنه آذنته بهم شجرة. وهذه معجزة من الله لنبيه ﷺ في أن الجن جاءوا ليستمعوا منه القرآن، وحتى لا يخاف النبي ﷺ من الجن آذنته شجرة، فجاء الجن وسمعوا منه.

стр. 3573

تفسير قوله تعالى: (قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى) فلما رجعوا إلى قومهم منذرين ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف:٣٠] وهذا كعادة القرآن في ذكر كتاب موسى وكتاب محمد ﷺ ، لأن كتاب موسى كان كتاب شريعة، وأما الإنجيل كتاب عيسى ﵊ فلم يكن كتاب شريعة، وإنما كان كتاب حكم ومواعظ، وبشارة لمجيء النبي ﷺ ، وعندما يقال: العهد الجديد والعهد القديم فإن القديم هو التوراة التي فيها الشريعة. فإذا قيل الكتاب الذي قبل القرآن فهو كتاب موسى ﵊ الذي فيه التشريع من الله ، فكأن الجن قالوا: هذا كتاب تشريع كما كان كتاب موسى كتاب تشريع. وقوله تعالى: ((مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ)) أي: مصدقاً للكتب السابقة وما جاء فيها من التشريعات والعقائد، من قصص الأنبياء. وقوله: ((يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ)) أي: يهدي إلى أمر الله ، وإلى الطريق المستقيم، وهو الطريق الموصل إلى جنة الله ورضوانه. قال الله تعالى: ((يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ)) فالجن يطلبون من أقوامهم أن يستجيبوا للنبي ﷺ ، ويؤمنوا به، فإن فعلتم ذلك فالله يغفر لكم من ذنوبكم بفضله وكرمه، وبسبب استجابتكم، ولأن الإسلام يجب ما قبله كما في حديث النبي ﷺ ، قال الله تعالى: ((يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)). نسأل الله أن يغفر لنا ذنوبنا، وأن يجيرنا من عذابه سبحانه. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3574

تفسير سورة الأحقاف [٣٠ - ٣٥] ذكر الله تعالى في هذه الآيات أن نفراً من الجن سمعوا هذا القرآن الكريم البليغ المعجز، فدهشوا لسماعه، وتعجبوا من عظمته، فولوا إلى قومهم منذرين، فأخبروا قومهم بما سمعوه من العجب، وذكروا لهم صفته، وأنه يهدي إلى الرشد وإلى الطريق المستقيم، ثم نصحوا قومهم بأن يتبعوا دين الله تعالى، فإن هم فعلوا ذلك كان لهم الأجر العظيم، وإن لم يفعلوا ذلك فإنهم لا يعجزون الله شيئاً، ولا يضرون إلا أنفسهم.

стр. 3575

تفسير قوله تعالى: (وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الأحقاف: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣٥]. ذكر الله في هذه الآيات كيف أنه صرف مجموعة من الجن يستمعون القرآن من النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهذا كان في مكة بعد موت أبي طالب، وموت خديجة زوجة النبي ﷺ ، وقد ازداد ابتلاء الله لنبيه ﷺ ، وازداد أذى المشركين له، فخرج يدعو أهل الطائف فتلقوه بما ذكرنا في الحديث السابق، فرجع النبي ﷺ إلى مكان اسمه نخلة، وهنالك ساق الله إليه مجموعة من الجن فاستمعوا منه القرآن، وصدقوه، ورجعوا إلى قومهم ليبلغوهم وينذروهم، فقالوا: ((يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ)). إنه كتاب عظيم جاء من بعد موسى ﵊، وفيه شريعة من الله كما كان كتاب موسى فيه شريعة من الله ، مصدقاً الكتب السابقة، وللرسل السابقين عليهم الصلاة والسلام. وقوله: (يهدي إلى الحق) أي: يدل على طريق الله سبحانه، وإلى الحق الذي يريده الله، كما يدل على الإله الحق المعبود ، ويهدي إلى طريق مستقيم، أي: طريق الشريعة الموصل إلى جنة الله . قال الله تعالى عن الجن أنهم قالوا لقومهم: ((يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ)) فالجن يدعون قومهم ويقولون: يا قومنا، والرسل يدعون أقوامهم ويقولون: يا قومنا، وهذه الكلمة فيها ما فيها من اللطف بمن تدعوه، فحين تقول للإنسان: يا إنسان! افعل كذا، فقد يستشعر أنه شيء وأنت شيء آخر، وحين تقول له: يا أخي! أو تدعو المجموعة: يا قومنا! فإن هذا يجعلهم يألفون من يدعوهم، ويحسون أنه يخاف عليهم من عذاب الله سبحانه. قال الله تعالى: ﴿قَاْلُوْا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ فبدءوا بالدليل النقلي قبل مخاطبة العقل، فالنقلي: أنه كتاب جاء من عند الله سمعناه ولم نقله من عندنا، وقد جاء من بعد موسى على محمد صلوات الله وسلامه عليه، ووجدناه يهدي ويدل على الطريق المستقيم وإلى الجنة. وقوله: (يا قومنا أجيبوا داعي الله) أي: ما جاءكم من عند الله سبحانه، واسمعوا وعوا كلام رب العالمين. وقوله: (وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم) فيه أن الذي يدخل في دين الله الله فإنه يغفر له من ذنوبه، وكأن (من) هنا للدلالة على جنس الذنوب، وليس المقصود بها بعض الذنوب فقط، فالإسلام يغفر به الله جميع الذنوب، ويجب ما كان قبله من الكفر والمعاصي بشرط الإحسان في الإسلام، فلو أن إنساناً كان كافراً سواء كان يهودياً أو نصرانياً أو وثنياً، أو في أي ملة من الملل غير الإسلام ثم أسلم وتاب وآمن وعمل صالحاً فالله يغفر له جميع ما فعله قبل ذلك، ولكنه لو أسلم ولم يعمل صالحاً، ولم يستمع لما يقوله الله سبحانه فقد تنفعه كلمة التوحيد يوماً من الدهر، ولكنه قد يؤاخذ على كل ما عمل من ذنوب قبل الإسلام وبعده، فلابد أن يحسن في الإسلام، فيصلي ويصوم ويزكي ويفعل الطاعات ويمتنع من المعاصي، وهذا الذي جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (أيما رجل أسلم فأحسن غفر الله له ذنوبه، ومن أسلم ولم يحسن أخذ بالأول والآخر) أي: بالذي فعله قبل ذلك والذي يفعله بعد إسلامه؛ لأنه لابد للإنسان المسلم من أن يظهر عليه أثر الإسلام، وإن كانت كلمة التوحيد وهي العهد والميثاق الذي بينه وبين الله لا تجعله خالد مخلداً في نار جهنم كالكفار، ولكنه قد يستوجب النار والعذاب إلى ما شاء الله ، ثم يخرج منها إلى الجنة. لقد كان النبي ﷺ مبعوثاً إلى الجن وإلى الإنس وإلى جميع الخلق، فدعاهم ﷺ فاستجابوا له.

стр. 3576

الخمس الخصال التي خص بها النبي ﷺ دون سائر الأنبياء جاء في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي) إن الله ميز النبي ﷺ بخمس خصال من فضله وكرمه، ولم يكن لأحد من الأنبياء مثل ذلك، فقال ﷺ : (كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود) أي: أنه بعث إلى الخلق جميعهم، الأحمر والأسود، والعربي والعجمي، والإنس والجن، فهذه خصيصة لم تكن إلا له وحده صلوات الله وسلامه عليه. وقال النبي ﷺ : (وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي)، فقد رحم الله به هذه الأمة وأعطاهم الغنائم، وقد كان الأنبياء قبل النبي ﷺ لا يحل لهم الانتفاع بها، فإذا قاتلوا وغلبوا أعداءهم أخذوا الغنائم ووضعوها فوق الجبل وتركوها، فتنزل نار من السماء فتحرقها، ويكون ذلك دليلاً على أن الله قد قبل منهم هذا الجهاد، ولكن في شريعتنا رحم الله هذه الأمة فأباح لهم أن ينتفعوا بهذه الغنائم. ثم قال النبي ﷺ : (وجعلت لي الأرض طيبة طهوراً ومسجداً)، فالذي يريد أن يصلي فمسجده الأرض، وفيها طهوره، فإذا لم يجد ماء يتوضأ به فليتيمم من الأرض، وله أن يركع ويسجد على تراب الأرض، فلا يحتاج إلى سجادة ولا حصيرة، فالأصل أن الأرض طاهرة، إلا إن علمت النجاسة في موضع فلينتقل الإنسان إلى موضع آخر ليس بنجس، وهذا تيسير عظيم من الله سبحانه في أمر الوضوء والاغتسال، فالبدل من ذلك هو التيمم. وقد كان السابقون يحتاجون إلى مكان يصلون فيه، وأما نحن فلا نحتاج إلى ذلك، ففي أي مكان أدركتنا الصلاة صلينا، فإذا لم يوجد المسجد صلاها المسلم في أي مكان من الأرض، وأما السابقون فكانوا ملزمين بأن يصلوا في المساجد، ولذلك قال الله لموسى ﵇ وأخيه ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس:٨٧]؛ لأن آل فرعون منعوهم من الصلاة والعبادة في المساجد، فأمرهم الله أن يجعلوا بيوتهم إلى القبلة، وأن يصلوا في بيوتهم، فالأصل عندهم ألا يصلي الإنسان في بيته، ولكن للضرورة التي وقعوا فيها من إيذاء فرعون وجنوده لهم رخص لهم في ذلك، وأما نحن فالأرض لنا مسجد وطهور، فإذا وجد المسجد فيلزم المسلم أن يذهب إليه، وإذا لم يجد المسجد صلى في أي مكان هو فيه. قال ﷺ : (فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل -أي: حيث كان-، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر) أي: أنه ﷺ نصر بالرعب، فجعل الله له جنوداً من الإنس ومن الملائكة، وجنوداً مما شاء الله مما يبثه في قلوب أعداءه، ومن ذلك الرعب، فأيما عدو سمع عن النبي ﷺ أنه قادم إليه جعل الله في نفسه الرعب والخوف من النبي ﷺ ، فجعل الله له من الجنود ما يعلم ومالا يعلم صلوات الله وسلامه عليه. قال: (وأعطيت الشفاعة)، فأعظم عطاء من الله سبحانه لنبيه أن يشفع في فصل القضاء يوم القيامة، ويطلب من الله أن يفصل القضاء بين العباد، وله شفاعات أخرى معلومة.

стр. 3577

عموم دعوته ﷺ للجن والإنس ذكر الله عن الجن أنهم قالوا لقومهم: ((يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ))، وداعي الله هو النبي ﷺ ، ومعنى آمنوا به أي: آمنوا بالله . وقوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣١] أي: يغيثكم من عذاب النار يوم القيامة، فالجن فيهم منذرون، لكن لم يذكر الله لنا أن فيهم رسلاً منهم، إلا أنهم يسمعون أنبياء الله من البشر ويبلغون أقوامهم، فهؤلاء سمعوا من النبي ﷺ ، فذهبوا وبلغوا قومهم وقالوا لهم: استجيبوا لربكم. وأما قول الله : ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠] فهذا جاء على التغليب، فمعنى رسل منكم أي: من الإنس للجميع، كما تقول للشمس والقمر: الشمسان، وهي شمس واحدة، ولكنه غلب واحد من الاثنين، وتقول: العمران، وتقصد أبا بكر وعمر رضي الله ﵎ عنهما، وهو عمر واحد وليس اثنين، وقلنا: العمران ولم نقل: البكران؛ لأن العمران أسهل. فهذا أيضاً من هذا الباب، فالمقصود بـ (رسل منكم) أي: من جنس واحد من الاثنين وهو الإنس.

стр. 3578

تفسير قوله تعالى: (ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض) قال سبحانه: ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٣٢].

стр. 3579

اختلاف العلماء في الجن هل لهم ثواب على إيمانهم أم لا ؟ في هذه الآية يحذر الجن أقوامهم من معصية الله، ومن الكفر به، بالعذاب الأليم، وقد اختلف العلماء فيما لو أطاع الجن ربهم هل لهم ثواب على ذلك أم لا؟ فذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ إلى أن الجن لا ثواب لهم إلا أن يجاروا من النار، وبعد ذلك يقال لهم: كونوا تراباً فيكونون تراباً، والصواب خلاف ذلك، فكل مؤمن له أجر عند الله ؛ لأن الله عندما ذكر الجنة وما فيها قال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٤٦ - ٤٧]، والخطاب هنا موجه إلى الإنس والجن، فالذي يخاف مقام الله له جنتان سواء كان من الإنس أو من الجن، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) [الرحمن:٦٢ - ٦٣]، فالمطيع له الجنة والعاصي له النار من الجن والإنس.

стр. 3580

تخويف الجن لقومهم بقوة الله وقدرته قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ﴾ [الأحقاف:٣٢]، فالجن يخاطبون قومهم بأن الذي لا يستجيب لله فلا يستطيع أن يهرب منه لا في الأرض ولا في السماء. وقوله: ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ﴾ [الأحقاف:٣٢] أي: لا يجد من ينصره ويتولى الدفاع عنه ويتولى أمره من دون الله، بل هو في ضلال مبين وبعيد، فقد ابتعد كل البعد عن طريق الهداية، فهو في أعظم الضلال، وضل الإنسان بمعنى: تاه، فالذي لم يعرف ربه، ولم يستجيب له فقد تاه، وهذا التيه الذي هو فيه ضلال بيّن، فكل من ينظر إليه يعرف أنه ضال ضائع هالك، فهذا كذلك في ضلال مبين، كما قال الله تعالى: ((أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)).

стр. 3581

تفسر قوله تعالى: (أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض بقادر) يقول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف:٣٣] فبعد أن ذكر سبحانه كلام الجن مع قومهم دعا الخلق إلى أن ينظروا ويتأملوا في بديع خلق الله ، وفي قدرته ، والمعنى: أولم ير هؤلاء المشركون الذين يعبدون غير الله سبحانه، ويكفرون بالله أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن، أي: لم يتعب ولم يكل ولم يعجز (بقادر) وهذه قراءة الجمهور، وقرأها يعقوب: (يقدر على أن يحيى الموتى)، أولم يروا ذلك؟ و الجواب بلى إنه قادر على كل شيء سبحانه، فأجاب سبحانه: ((بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))، فالذي خلق السموات والأرض، وخلق البشر وأحياهم وأماتهم قادر على أن يحييهم مرة ثانية، فهو يقدر على كل شيء في هذا الكون.

стр. 3582

تفسير قوله تعالى: (ويوم يعرض الذين كفروا على النار) يذكَر الله الكافرين بيوم الحشر والعرض الأكبر عليه سبحانه، فيقول: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأحقاف:٣٤] فيقال لهم: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ [الأحقاف:٣٤] ويؤتى بالنار لها سبعون ألف زمام، وعلى كل زمام سبعون ألف ملك، حتى تكون أمامهم فيصرخون ويفزعون، فيقال لهم: ((أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ))؟ فهذه هي النار التي كنتم تكذبون بها، وتستهينون وتسخرون منها، ((أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ))؟ فيجيبون على ربهم سبحانه ويقولون: ﴿بَلَى وَرَبِّنَا﴾ [الأحقاف:٣٤]، قال: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [الأحقاف:٣٤]، فلا ينفعكم الاعتراف بعد أن رأيتم النار، فقد كان الإيمان بالغيب وبالجنة والنار ينفعكم في الدنيا، قال تعالى: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأحقاف:٣٤]، فهذا العذاب بما كنتم تكفرون، ونحن نؤمن بقضاء الله وقدره، وأنه منذ خلقهم وهو يعلم أنهم صائرون إلى النار، ولكن حين يدخلهم النار ليس معنى ذلك أنه ظلمهم، ولكنه أدخلهم النار بما كسبت أيديهم، فكان جزاؤهم جزءاً وفاقاً، إذاً: نؤمن بقضاء الله وقدره، فهو الحكم العدل ، وحاشاه أن يعذب أحد ظالماً له، وإنما ذلك بما كسبت يديه.

стр. 3583

تفسير قوله تعالى: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) ختم الله سبحانه هذه السورة الكريمة بقوله للنبي ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] أي: فاصبر وتأس بالسابقين من قبلك من الأنبياء، فهذا خطاب للنبي ﷺ -وقد صبر- وللمؤمنين بالتبع، فكأنه سبحانه يقول لهم: اصبروا على ما ينالكم من الكفار، فلعل الله أن يأتيكم بالفرج من عنده، ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥]، والعزم هو الحزم والعزيمة والقوة في دين الله ، وكل الرسل من أولي العزم، ولكن بعضهم اشتد الابتلاء عليه واشتد صبره، فأمر الله النبي ﷺ أن يقتدي بهؤلاء، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠] فأمره أن يقتدي بهدي السابقين عليهم الصلاة والسلام خاصة من ابتلي منهم فصبر، وللمفسرين كلام كثير في تعيين أولي العزم. وكل من ابتلاه الله وصبر على هذا الابتلاء فهو من أولي العزم، ولا يمنع أن يكون أعظمهم خمسة أنبياء، وهم: نبينا صلوات الله وسلامه عليه، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ﵈، هؤلاء من أولي العزم من الرسل، لكن ليسوا وحدهم فقط، فهناك غيرهم من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام صبروا صبراً عظيماً على أمر الله سبحانه، فهذا نوح صبر ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوا قومه وهم لا يستجيبون له، وما آمن منهم إلا قليل، وهذا هود يدعو قومه، وهذا صالح يدعو قومه ولا يستجيبون له، وهذا شعيب يسفهه قومه ويأبون أن يستجيبوا له عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وهذا أيوب يبتليه الله فيمكث في ذلك البلاء ثمانية عشر عاماً وهو صابر، ولم يطلب كشف البلاء عنه إلا في النهاية حين آذاه أصدقاؤه بكلام سيء، وباتهام كاذب. فالغرض أن الله ذكر الأنبياء السابقين وما فيهم من عزيمة وصبر على أمر الله، فأمر نبيه ﷺ أن يقتدي بهم في صبرهم عليهم الصلاة والسلام. وقال سبحانه ﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف:٣٥] أي: لا تستعجل فتدعو عليهم بأن يمحقهم الله ويبيدهم، ولكن اصبر عليهم، فكان كذلك صلوات الله وسلامه عليه. ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:٣٥] أي: كأن هؤلاء حين يتخيلون ما هم فيه من طول العزاء والشقاء والعناء يوم القيامة ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف:٣٥]، وكأن هذه الدنيا لعبة، فالإنسان حين يتفكر في عمره وكم مضى منه: عشر سنين، أو عشرون سنة، أو خمسون سنة، أو أكثر فإنه يحس أنه لا شيء، ولو عمِّر كما عمِّر نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فإنه عندما يقارن يوم القيامة بما عاشه في الدنيا يشعر وكأنه لم يعش ساعة، ولذلك عندما يسألون: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٢ - ١١٣] قال الله سبحانه ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ﴾ أي: هذا بلاغ، فقد بلغناكم وأنذرناكم، والبلاغ بمعنى الكفاية أيضاً، كأنه يقول: هذا فيه كفاية لكم في إنذاركم، ولو أنكم تعقلون ذلك لاكتفيتم به، فعملتم ثم خفتم من المرجع إلى الله . ثم قال تعالى: ((فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ)) أي: فلا يهلك على الله إلا هالك، وهو الإنسان الذي فسق وخرج من عباءة الإيمان، ودخل في الكفر والشرك بالله سبحانه، فلا يهلك إلا الفاسقون. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3584

تفسير سورة محمد [ ١ - ٢] سورة محمد تسمى: سورة القتال، وسورة الذين كفروا، ولها أغراض عظيمة جداً أولها: تحريض المؤمنين على قتال الكافرين، وذكر ثواب ذلك عند الله ، وقد أخبر سبحانه أنه يبطل أعمال الكافرين مهما كانت؛ لأنهم لا يبتغون بها وجهه الكريم سبحانه، وأنه سيسدد الذين آمنوا بما أنزله من الشرائع على نبيه ﷺ في كل شيء.

стр. 3585

مقدمة بين يدي سورة محمد الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة محمد ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ [محمد:١ - ٢]. هذه السورة هي السابعة والأربعون في ترتيب المصحف في كتاب الله . سميت سورة محمد ﷺ ، وسميت بسورة القتال، وسميت سورة الذين كفروا. وأسباب التسميات: سميت بسورة محمد؛ لأنه ذكر فيها اسم النبي ﷺ ، وإن كان ذكر في آل عمران اسمه ﷺ إلا أن هذه سابقة لسورة آل عمران، فسميت بذلك، أما سورة آل عمران فسميت باسمها المعروف. وسميت بسورة القتال؛ لأن الله ذكر فيها القتال، وحرض فيها المؤمنين على قتال الكفار. وسميت بسورة الذين كفروا باعتبار أول آية فيها، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:١]، والسورة قد تسمى بما يذكر في أولها أو بما يشتهر ذكره فيها ببعض الأحكام التي تدل عليها السورة. هذه السورة مدنية باتفاق المفسرين، وإن كان روي أن فيها آية مكية وهي الآية الثالثة عشر فقد قيل: إنها نزلت في طريق هجرة النبي ﷺ . وهل نزلت بعد غزوة بدر أو بعد غزوة أحد؟ المهم أنها سورة مدنية، وقد شرع الله فيها القتال، وحرض المؤمنين على الجهاد في سبيل الله . والسورة ترتيبها على حسب نزول سور القرآن السادسة والتسعون، وقد نزلت هذه السورة بعد سورة الحديد وقبل سورة الرعد. واختلفوا في عدد آياتها على ما قدمنا قبل ذلك من خلافهم في مواضع الوقوف في الفواصل التي بين الآيات، وإلا فهي نفس الكلمات ونفس الحروف إلا أن البعض قد يعتبر هذه آية والبعض يعتبرها آيتين، ففي عد الكوفيين ثمانية وثلاثون آية، وفي عد الحجازيين والدمشقيين تسعة وثلاثون، وفي عد البصريين والحمصيين أربعون آية، فهم يختلفون في الوقف، فقوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد:٤]، يوجد فيها وقف لغير الكوفيين، أما الكوفيون فلا يقفون، ولا يعدونها آية، وقوله سبحانه: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد:٤]، وقوله: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد:٤]، وقوله: ﴿لانتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ [محمد:٤]، في هذه المواضع يقف الحمصيون، فبناء على ذلك سيكون العدد عندهم أكثر من العدد عند غيرهم.

стр. 3586

أغراض السورة ومقاصدها الغرض من هذه السورة واضح من أولها، فهي تحريض للمؤمنين على أن يدفعوا عن أنفسهم وعن دينهم، وأن يطلبوا الجنة بالجهاد في سبيل الله ، ولذلك معظم أغراض هذه السورة التحريض على الجهاد في سبيل الله ، والانتصار لهذا الدين العظيم، وذكر ثواب ذلك. ولذلك بدأت هذه السورة بذكر ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ الله﴾ [محمد:١]، ليتذكر المؤمن أن هؤلاء كفرة، مجرمون، يكفرون بربهم ، ويجحدونه سبحانه، بل ويصدون المؤمنين عن سبيل الله، فأول آية في السورة فيها تحريض للمؤمنين على هؤلاء الذين يصدونهم عن دينهم، وطردوهم من مكة، ثم جاءوا إليهم إلى المدينة ليقاتلوهم، وليضيعوا عليهم دينهم، فقد افتتح الله هذه السورة بما يثير حنق المؤمنين على المشركين لكونهم كفروا بالله وصدوا عن سبيله . وكذلك من أغراض هذه السورة أن الله بين للمؤمنين أن الكافر غير مسدد وغير موفق؛ لأن التوفيق من الله ، قال تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨]، فالله هو الذي يوفقك، أما الكافر فلا يستحق التوفيق، فالله يقول للمؤمنين: قاتلوا هؤلاء، فإني سأثبتكم، وأنصركم، وأسدد رميكم، ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١٤]، وهذا التأييد كله إذا كان القتال في سبيل الله وليس في سبيل الدنيا، وليس رياءً ولا سمعة، فإذا أخلص المؤمنون فإن الله وعدهم بأنه سيكون معهم ، وأعلمهم سبحانه بأن الكفار لن يسددوا، بل إن الله سيحبط أعمالهم، ثم أخبر المؤمنين بأنهم لا بد وأن يقاتلوا في سبيل الله من أجل إعلاء كلمة الله سبحانه، ونصر دينه ، وأنه لو شاء لنصر دينه من غير جهاد أو مجاهدين، ولو شاء لمحق الكفر والكافرين، ولكن لحكمة من الله لا بد من الابتلاء، والتنازع بين هؤلاء وهؤلاء ليعلم من الذي يثبت على دينه . وفي هذه السورة وعد الله المجاهدين بالجنة، وأنه سيعطيهم الدرجات العلى منه سبحانه، كما أنه أمر المسلمين بمجاهدة الكفر والكافرين، ونهاهم أن يدعوا إلى السلم وإلى التراخي، فليس المسلم كالكافر، فلا تهنوا، أي: إياكم أن يصيبكم الهوان، فإذا أنت -أيها المسلم- أهنت نفسك أهانك غيرك، فلا تنظر لنفسك بعين التحقير مع هؤلاء الكفار. ولذلك يشرع للمؤمن أن يختال على الكفار في ميدان الجهاد والقتال في سبيل الله سبحانه، ولا يري من نفسه الضعف، ولكن يري من نفسه القوة والعزة، فهو معتز بدين الله سبحانه، ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٥]، فإذا كان الله سبحانه معكم أيها المؤمنون فأنتم الأعلون، والله سبحانه لن ينقصكم ثواب أعمالكم، فما الذي سيجعلكم تهنون أمام الكفار؟ فالله سبحانه يدعو المؤمنين لجهاد الكفار إلى أن ينتصروا عليهم، فإن جنحوا للسلم فاجنح لها، أما أن تجنح للسلم وتجنح للتراخي في حال انهزامك وتلغي الجهاد في سبيل الله ، فإن الله لم يأمرك بذلك، طالما أن دين الله يتعرض له الكفار بالإيذاء، ويشرع جهاد الدفع والابتداء إلى أن يدخل الناس في دين الله أو يتركوا المسلمين يدعون الناس إلى الله سبحانه من غير أن يصدوا عن سبيل الله ، عند ذلك تشرع الأحكام الأخرى التي ذكرها الله في كتابه. أيضاً من أغراض هذه السورة إخبار المشركين بأن الله سيصيبهم بمثل ما أصاب السابقين قبلهم، ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [يونس:١٠٢] أي: لينتظروا ما تكون النتيجة من قتالهم المؤمنين. ومن أغراضها أيضاً وصف الجنة وما فيها من النعيم العظيم ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد:١٥]، ليشتاق المؤمنون إلى الجنة، فكأنه يقول للمؤمن: الجنة أمامك، وما بينك وبين الجنة إلا أن تقاتل في سبيل الله، مخلصاً لله سبحانه، أو تموت وفي نيتك أن تجاهد في سبيل الله، وفي قلبك إيمان بالله سبحانه. ومن أغراضها: وصف النار وما فيها، وذكر طعام أهلها وشرابهم الذي يقطع أمعائهم، فهل يستوي ما في الجنة وما في النار؟ لا يستويان أبداً. أيضاً من أغراضها وصف حال المنافقين، واندهاشهم وحيرتهم إذا أنزلت سورة وذكر فيها القتال، فهم في وقت السلم يقولون: متى نجاهد؟ ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد:٢٠] أي: كل من يتلفظ بالإيمان ﴿لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد:٢٠ - ٢١] أي: بدل أن يقولوا: لماذا لم تنزل آيات فيها ذكر القتال يطيعون الله ، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، حتى إذا أنزلت الآيات في القتال جاهدوا في سبيل الله . أيضاً من أغراضها: تهديد المنافقين بأن الله سيفضحهم، وأنه سيريهم نبيه ﷺ بأسمائهم فهو يرى سيماهم، وعلامات المنافقين واضحة، يعرفهم النبي ﷺ بها. ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ﴾ [محمد:٣٠] أي: لعرفتهم بأوصافهم وأسمائهم ولكن تعرفهم في لحن القول، وتعرف إشاراتهم وأفعالهم. ثم ختم الله السورة بالإشارة إلى تحقق وعد الله للمسلمين بنوال السلطان، وحذرهم إذا صار إليهم الحكم، وصار بين أيديهم الملك أن يفسدوا في الأرض، وأن يقطعوا أرحامهم، ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلُيتمْ﴾ [محمد:٢٢] أي: إذا كان الأمر كذلك ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣]. كذلك في هذه السورة الحث على تدبر كتاب الله سبحانه، ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، فهو يصف الإنسان الذي يسمع القرآن فلا يعقله ولا يتدبره بأنه مقفول على قلبه فلا يعرفه ولا يفهمه، فالإنسان المؤمن إذا سمع كتاب الله لا بد أن يرعه سمعه وقلبه وأن يتأمل وأن يتدبر فيه، وخاصة آيات الأحكام والآيات التي تتحدث عن الكون كخلق السماوات والأرض، فإنه لما نزل على النبي ﷺ قول الله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] قال: (لقد أنزلت علي الليلة آيات ويل لمن سمعها ثم لم يتفكر فيها)، فإذا سمعت آيات الله وجب عليك أن تتأمل وأن تتدبر هذه الآيات حتى لا تدخل في الوعيد الذي ذكره الله سبحانه في الآية السابقة.

стр. 3587

تفسير قوله تعالى: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم) ابتدأت هذه السورة بقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:١]، كفر بمعنى: جحد، والكفر هو التغطية والستر، ولذلك يسمى المزارع كافر؛ لأنه يضع البذرة في الأرض ويكفرها بالتراب أي: يسترها. فكأن الكافر غطى على دلائل ما يدخله في دين الله سبحانه، وما يعرف به الله ، فهو يريد أن يطمس النور الذي جاء من عند الله سبحانه، فهو يقول: لا يوجد إله أو آلهة مع الله، كأنه جعل ربه عاجزاً يحتاج لآلهة أخرى معه! حاشا لله . فالكافر حين ينكر آيات الله، وينكر نعم الله يكفرها، ويغطيها ويسترها فلا ينظر إليها ولا يدعو إليها. والكفر فعل لازم لهم في أنفسهم، والصد فعل متعد، فهم يصدون غيرهم عن طاعة الله وعن سبيل الله ، فكفروا في أنفسهم ومنعوا غيرهم من الدخول في الإيمان بالتعذيب والتهديد والوعيد وغير ذلك. وسبيل الله هو طريق الله المستقيم، طريق الإيمان، والإسلام. ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:١]، أي: أعمال الكفار، والضلال بمعنى الضياع والتيه وعدم الهداية، فهو سبحانه لم يهدهم في أعمالهم بل أضلهم بالطمس على قلوبهم، وعلى أبصارهم وبصائرهم، فلا يفهمون ولا يعقلون، ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٤]. وقوله: ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:١]، هي من الآيات القصيرة التي لها معانٍ عظيمة جداً، وهي كثيرة في القرآن، وهذا من بلاغة القرآن فهو يبلغ إلى المعنى الذي يريده وإلى المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة. ولها معنى آخر: وهو أن الله أبطل على هؤلاء كيدهم ومكرهم وتدبيرهم للمؤمنين، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]، وهذا وعد من الله ، أنه مهما مكر بكم الكفار واعتصمتم بالله سبحانه فإنه ناصركم عليهم، ومبطل كيدهم ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:١] أي: أبطل كيدهم ومكرهم وتدبيرهم لكم. ولها معنى ثالث وهو: أنهم إذا جاءوا يوم القيامة تكون أعمالهم كلها هباءً منثوراً، ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، فقد كانوا يطعمون الحجيج، ويسقونهم ابتغاء السمعة، ليس ابتغاء وجه الله ، وابتغاء الشرف، ومن أجل أن يقال عنهم: هذه القبيلة أفضل من هذه القبيلة، ولذلك كان سبب صدهم النبي ﷺ عن الدعوة إلى الله المفاخرة، لأنه سيكون أحسن منهم بزعمهم، فقد قالوا: تسابقنا مع بني هاشم، أطعموا الحجيج وأطعمنا الحجيج، وسقوا الحجيج وسقينا الحجيج، وعمروا المسجد الحرام وعمرنا المسجد الحرام، ثم لم يلبثوا أن قالوا: منا نبي، فأنى لنا بنبي؟ إذاًَ كان إطعام وسقاية الحجيج ليس من أجل التقرب إلى الله، وإنما كان لأجل المفاخرة وابتغاء الدنيا، وأن يكون لهم ذكر وفخر وشرف بين الناس. ولذلك قالوا: حتى إذا كنا كفرسي رهان، أي: حتى إذا كنا في الشرف سواء قلتم: منا نبي! ومن أين نأتي بنبي؟ إذاً: فلن ندخل في هذا الدين. فأبطل الله ما عملوا مما كانوا يسمونه مكارم الأخلاق، من صلة الأرحام، وفك الأسرى، وقرى الأضياف، وحفظ الجوار، ونصر المظلوم، ونحو ذلك، فأبطل الله عليهم أعمالهم؛ لأن هذه الأعمال لم يبتغ بها وجه الله ، حتى وإن ابتغوا وجه الله بشيء منها فهم يشركون بالله سبحانه ويتقربون إلى غيره من أصنام وغيرها، والله لا يقبل من العمل إلا ما كان صالحاً وما كان خالصاً له وحده . وكان من هؤلاء الذين يوصفون بالإطعام المطعم بن عدي وقد كان هذا اسمه، واشتهر بأنه يطعم الناس، فكأنه أخذ فعله من اسمه، ابتغاء الدنيا، فكان ابنه يقول للنبي صلوات الله وسلامه عليه: أبي كان يطعم الحجيج ويفعل ويفعل، هل هذا نافعه عند الله ؟ قال: لا، (إنه لم يقل يوماً من الدهر: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم)، يعني: ما أخلص لله ، فقد كان عمله لغير الله، فلا يقبله الله . كذلك من هؤلاء من أطعموا في يوم بدر، فقد كان فيهم اثنا عشر رجلاً تكفلوا لجيش الكفار بالطعام، فكانوا ينحرون عشرة جمال أو تسعة جمال كل يوم، وهؤلاء الاثنا عشر: أبو جهل والحارث بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبي بن خلف وأمية بن خلف ومنبه بن الحجاج ونبيه بن الحجاج وأبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود وحكيم بن حزام والحارث بن عامر بن نوفل، هؤلاء الاثنا عشر أنفقوا من أموالهم، والله يقول: ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:١]، فلو أنفقوا ما أنفقوا فإنه إنفاق على الكفر لا ينجح عند الله .

стр. 3588

تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد) قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [محمد:٢] الذي نزل على محمد، هو هذا الدين العظيم، وهذا القرآن الكريم، وهذه الشرائع من رب العالمين سبحانه التي تعلم الناس من ربهم وما دينهم ومن نبيهم ﷺ ، وما الذي يرضي الله ، وما الذي يغضب الله، فهؤلاء الذين آمنوا بذلك ونفذوا أمر الله سبحانه، استحقوا من الله أن يكفر عنهم سيئاتهم، وأن يستر ما وقعوا فيه من المعاصي والسيئات، وأن يصلح حالهم وبالهم وعملهم، وأن يقبل ذلك منهم ولا يحبطه. وللحديث بقية إن شاء الله. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3589

تفسير سورة محمد [١ - ٤] منذ أمد بعيد والحرب قائمة على كل مسلم على وجه المعمورة، فأخبر سبحانه أنه سيبطل وسيحبط أعمال الكافرين المحاربين، وسيكفر سيئات المؤمنين، وسيصلح أحوالهم؛ وذلك أن الكافرين اتبعوا الباطل المستورد من أهوائهم والشيطان، والذين آمنوا اتبعوا الحق المستوحى من ربهم.

стр. 3590

تفسير قوله تعالى: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة محمد: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ [محمد:١ - ٣]. هذه سورة محمد ﷺ ، وذكرنا مقدمات لهذه السورة في الحديث السابق، وبدأها الله سبحانه ﵎ بتحفيز المؤمنين على الجهاد في سبيل الله سبحانه، وتهييج ما في قلوبهم من إيمان على الدفاع عن دين الله سبحانه ﵎، ومقاتلة من يصدونهم عن سبيل الله وعن الدعوة إلى الله سبحانه. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [محمد:١] هم الكفار الذين كانوا في أهل مكة، وصدوا النبي ﷺ ومنعوه من أن يدعو إلى الله سبحانه، وأخرجوه من داره صلوات الله وسلامه عليه، فربنا يذكر المؤمنين بصنيع المشركين؛ حتى يبارزوهم وحتى يدافعوا عن دينهم. فإن المؤمنين لو تركوا الجهاد في سبيل الله تسلط عليهم الكفار، فالدنيا إما أن تكون فيها غالباً أو تكون فيها مغلوباً، ولا يوجد وسط في ذلك، والدنيا مثل الغابة، القوي فيها يغلب، والكافر استأسد على المسلم، وأخذ ما عنده، ولم ينفع معه مجادلة بحجة ولا بعقل ولا بشيء، فالكافر يلغي عقله، ويحكِّم سلاحه وقوته، وهذا فعل الكافر، والمؤمن يحكم شرع الله سبحانه، ويحكم دين الله ، ويخاطب العقول، لكن الكافر أغلق عقله وحكَّم سيفه، وتعرض لأذى المؤمن، فإن لم يكن المؤمن قوياً، ومعه من القوة ما يسكت به ويلجم هذا الكافر، ويدفعه إلى أن يحكم العقل، ويخضع للنقاش، فإما أن تكون ضعيفاً، والكافر قوي غالب مستأسد، غاشم، معتدي، لا يفكر ولا يسمع منك، وتقول: أدعوه، فإلى أي شيء تدعوه؟! وهو الذي يملي عليك الشروط، وهو الذي يلزمك بما يريد، لذلك يقول القرآن: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:٨]. لا تقل: أنا سأناقشه بالعقل وسيسمع مني، فهذا كلام غير مقبول، فإن الذي حكم عليه هو الله سبحانه، وهو عليم بما في نفسه، خبير بذات الصدور وذات الأنفس، يقول لك: كن قوياً؛ حتى تعرف كيف تدعو إلى الله سبحانه ﵎، وحتى لا يصدك هذا، وحتى لا يكفر بما جئت به، وحتى لا يستر ويغطي النور الذي معك بقوته، وطغيانه، فيقول لنا: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد:١]، بدأ بذكر هؤلاء وأفعالهم القبيحة. قال تعالى: ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:١] فالله سبحانه أحبط أعمالهم، وأبطل ما يصنعون، وجعلهم في تيه لا يعقلون، فقد أضل أعمالهم في الدنيا وفي الآخرة. في الدنيا: أضل أعمالهم بأن جعل على قلوبهم الران والغشاوة، وختم على القلوب، وطبع عليها، فهم لا يعقلون، ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٤]. وفي الآخرة: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣].

стр. 3591

تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد) أما المؤمنون فيقول تعالى عنهم: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ [محمد:٢] المقصود المؤمن التقي الذي يعمل بما يرضي الله سبحانه، ويعمل الصالحات من الأفعال والأقوال، وكلها في ميزان حسناته، وميزان الصالحات. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ [محمد:٢] أي: صدقوا بما جاء من عند الله، ومن ذلك آيات الجهاد في سبيل الله ، وقتال المشركين، وآمن بما ذكره النبي ﷺ ، ومن ذلك قوله: (إنكم إن تركتم الجهاد في سبيل الله سلّط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم). وقوله: (وهو الحق) جملة اعتراضية؛ ليبين أنه الحق سواء اعترفتم أو لم تعترفوا بأنه الحق، فالله قد أخبر بذلك، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨] فقوله الحق سبحانه. والذي نزل على النبي ﷺ هو القرآن العظيم، والإسلام وهذا الدين، وهذه الشريعة، والحق هو من الله سبحانه ﵎، سواء أقروا أو لم يقروا بذلك، فهو الحق من ربهم. قال تعالى: ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [محمد:٢] أي: ستر عنهم السيئات التي وقعوا فيها، وغفرها لهم سبحانه ﵎، ولم يفضحهم بها لا في الدنيا ولا في الآخرة. ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ [محمد:٢] البال هو: الشأن، فشأن الإنسان: باله وحاله، فأصلح الله شأنهم، أي: أصلح حالهم، وأصلح أعمالهم، وأصلح أقوالهم سبحانه ﵎، ومصالح دينهم ودنياهم وأخراهم أصلحها الله سبحانه، ووجههم إلى الخير في ذلك. ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ [محمد:٢] على ما يتعلق بأمر دنياهم، وأمر أخراهم، ومن معانيها أيضاً: أصلح نياتهم، وأصلح أعمالهم بإصلاح نواياهم، فالبال المذكور هنا بمعنى: الشأن، ويأتي بمعنى: عمل الإنسان أيضاً، إذاً هنا: أصلح الحال، وأصلح الشأن، وأصلح أعمالهم، وأصلح أمورهم سبحانه ﵎.

стр. 3592

تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل) قال تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ [محمد:٣] أي: الأمر الذي ذكره الله ، وهو إضلال الكفار، وإصلاح حال المؤمنين وهدايتهم، ﴿ذَلِكَ﴾ [محمد:٣] وهي كلمة فصيحة؛ لأنها تعبير عن جملة، وهي أن الذي ذكر هذه الآية أشار إليه بذلك، وكل الذي فعله الله من إصلاح حال المؤمنين، وإضلال أعمال الكافرين، من صنع الله سبحانه له سبب وهو: ﴿بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد:٣]. فالكفار اتبعوا الضلال، واتبعوا الباطل، وهم في غيهم يلعبون، ومع ذلك يصدون المؤمنين عن عبادتهم، ويصدونهم عن ربهم سبحانه ﵎، والكافر يظن أن المؤمن ليس بأحسن منه، فهو لا يقبل أن يكون المؤمن أفضل منه، حتى وإن قال الكافر: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] فلن يسكت أبداً عن المسلم؛ لأن المسلم دينه حق، ولو دعا إليه سيتبعه الناس، فالكافر لا يريد ذلك، فإذا جاء على المسلم ضيق عليه، كما صُنع مع أبي بكر الصديق ﵁، وقيل له: إذا أردت أن تقرأ القرآن، فاقرأ في بيتك، ولا تقرأه علينا، فأخذوا الميثاق على ذلك، ونادوا بمن أجار أبا بكر فإذا به يلتزم لهم ألا يقرأ أبو بكر عليهم القرآن، وبنى مسجداً في داره، وجلس يقرأ القرآن فيه، فإذا بنساء المشركين، يتهافتن ويأتين إلى بيت أبي بكر الصديق، يسمعن من أبي بكر الصديق القرآن، فرفض الكفار ذلك، وقالوا: لا يقرأ حتى لو كان في بيته. فالكافر لن يكف عن إيذاء المسلمين، ويقول لك: تصرف على راحتك، وخذ حريتك، هذا غير ممكن، ولن يسكت على ذلك، مع أنه يعرف دينك، والمستشرقون درسوا هذا الكتاب، ودرسوا سنة النبي ﷺ ، والقرآن فيه كذا، والسنة فيها كذا، ولو انتشر ذلك هم الذين سيغلبون ويسيطرون على الدنيا؛ لأن كلامهم الحق. فهم يضربون المسلمين ضربات قاصمة، من أجل أن يفتتوا الدين، ويفرقوا المسلمين، بعدما كانوا دولة واحدة وخلافة تحكم الدنيا كلها، فتتوها إلى دويلات وإمارات وجمهوريات، وأصبح كل واحد ينظر لما عنده وليس له شأن بأحد، والمسلمون في كل مكان يحصل لهم ما يحصل، وهو يقول: ليس لي شأن، والمهم الذي نحن فيه فقط، والمكان الذي نحن فيه. ودخلوا في ديار المسلمين، وأخرجوا نساء المسلمين، والنبي ﷺ يقول لنا: (إن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)، فهي أعظم فتنة، ونادوا بخروج المرأة من البيت، وبدءوا يقننون للزنا والفواحش القوانين تحت ما يسمى: بالحرية والمساواة والعدالة مع المرأة، ومبدأ مساواة المرأة بالرجل، فتخرج المرأة وتفعل ما تشاء، ليس لأحد شأن بها، وبدءوا يتحكمون في بلاد المسلمين. وقالوا: إن المرأة مظلومة، فأقرت الأمم المتحدة قانوناً للنساء، لا بد أن يطبق في كل بلد من البلدان، فأصبح المسلمون كلهم يقولون: إن المرأة نصف المجتمع، ولا بد أن نعطي لها مكاناً في البرلمان، واحتجت أمريكا على الدول التي تكون فيها المرأة منقبة، وقالوا: لا بد للمرأة أن تتحرر من هذا النقاب! فهم يتدخلون في جميع شئون بلاد المسلمين، ويقولون: لا نسكت على هذا الشيء، لا بد أن تخرج المرأة حتى ينتشر العهر والجنس، وحتى يقع الناس في الزنا، وحتى ينزل عليكم غضب الله سبحانه ﵎، وحتى تتركوا دينكم، وحتى لا تنتصروا؛ لأنهم يعلمون أن هذا هو الدين الذي تنتصرون به، فالكفار عرفوا أن المسلمين إن تمسكوا بدين الله، نصرهم الله ، فبدءوا يدخلون الشبهات والشهوات عقول شباب المسلمين، حتى يصرفوهم عن الجهاد، فأدخلوا لهم المسكرات، وأحلّوا لهم الخمر والحشيش والفواحش، وغيرها من أساليب الإدمان التي تزج بشباب المسلمين إلى المصحات أو القبور. وبين الحين والآخر يخترعون أشياء وينزلوها في بلاد المسلمين، وإذا وصل الحال بشباب المسلمين إلى ذلك، لن يكون لهم جيوش، فما دام الشاب سكراناً ومحذراً وضائعاً، فلا قوة للبلدان المسلمة، ولماذا تقوم الدول والحكومات بإنشاء الجيوش؟ فإذا أراد الكافر في أي يوم أن يضربك، لن تستطيع أن تدافع، ولن يكون أمامي إلا شعبك، لديك مدافع ولديك دبابات، ولكن ليس لها المدى الذي تصل به لطائراتنا، ولا لهجومنا، هؤلاء الكفار الذي حذر الله منهم بقوله: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:٨] فهم يقولون: سنضربكم، وندمر دولكم بدعوى وجود الإرهاب في بلادكم، أتينا لنعلمكم الديمقراطية، والحرية، وأتينا نقرر عندكم مبادئ المساواة والعدالة، وإخراج النساء من المنازل، والمسلمون للأسف الشديد حتى إذا لم يصدقوا فهم مغلوبون على أمورهم، وعلى عقولهم، وهم يمضون وراء التيار، لكي لا تضيع الرياسة منهم، ولكيلا تضيع الكراسي منهم، وهم يقومون بإخافتهم بلعبة العصا والجزرة التي يلعبون بها مع القرد أو الأرنب أو غيره، يقولون: نعطيك الجزرة إذا مضيت معنا، ونضربك بالعصا إذا خالفت دربنا، فإذا بهم يمضون وراء هؤلاء في كل ما يقولون! ويحذرنا القرآن من ذلك، فإذا ظهروا عليكم لن يرقبوا فيكم إلاً ولا ذمة، وأكبر دليل على ذلك ما يصنعون في العراق، ففي كل يوم يضربون العراق وأهله، وهم إذا أرادوا قتل جماعة من الناس في أي دولة من الدول فإنهم يطلقون على هذه الجماعة وابلاً من الرصاص والمدفعيات وغيرها من الأسلحة ثم تقول الدولة والإدارة: قتلوا بنيران صديقة! وهم يريدون تطبيق مبدأ المساواة التي يريدونها، وفي الحقيقة أن المساواة والعدالة معدومة تماماً في سجونهم ومعتقلاتهم. فلذلك من ابتعد عن كتاب الله وعن سنة رسول الله ﷺ لعب به الشيطان، ولعب به هواه، ولعب به الكفار وتحكموا فيه، والله مع المؤمنين إذا اعتصموا بالله، والله سيضل الكافرين؛ لأنهم اتبعوا الباطل. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد:٣]، فهداية المؤمنين منوط بذلك، فالمؤمن لا بد أن يكون متبعاً للحق من عند الله، وليس مبتدعاً، ولا بعيداً عن دين الله سبحانه، تاركاً له وراء ظهره، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد:٣]، ما هي نتيجة هذا الشيء؟ أن الله مع المؤمنين، وأن الله يكيد للكفار، وأن الله يغلبهم ويمحقهم سبحانه. ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ [محمد:٣] أي: كهذا البيان الذي ذكر الله يوضح الله لكم في كتابه، فاعقلوا عن الله ما يريد بكم من خير.

стр. 3593

تفسير قوله تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) قال تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٤] هذا هو الحكم الذي مهد له فيما تقدم، ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد:٤] والكافر إذا حارب المسلم، فلا يقول له المسلم: أسالمك، وافعل بي ما تريد، فأنا مسالم، وسأعمل على تحقيق هدنة من طرف واحد! هذا خطأ حذر الله منه، فطالما المؤمن مستضعف نفسه، فإن الكافر يستأستد عليه. فعلى المؤمن أن يكون قوياً، ويجهر بالحق، مع إعداد القوة التي أمر الله بها، ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] (ما استطعتم) من ألفاظ العموم، أي: كل ما استطعتم من قوة، ولذلك فإن المؤمن يتقن عمله في كل مجال؛ حتى يعد العدة لهؤلاء الكفار، كما أمر الله سبحانه، ولا بد للمسلمين أن ينبغوا -كما كانوا قبل ذلك- في كل المجالات، وكل في مجاله، فالآن العلم أصبح شبكة متداخلة فالطب أصبح في الهندسة، والهندسة دخلت في الطب، فيوجد الطب الوراثي، والهندسة الوراثية والزراعة وغيرها إذا لم يتعلم المؤمن هذه الأشياء فسوف يدخل الكفار إلى بلاده، فيخربون بلادهم، ومثال ذلك: عندما استوردنا البذور من إسرائيل، فسدت المزارع، ولم ينبت الزرع، وهذا نتيجة أنهم وصلوا في الزراعة لأعلى الدرجات، فاليهود أعلم الناس بالزراعة، فإذا أنت لم تكن على نفس الدرجة الذي هو عليها، فإنك ستحتاج إلى ما يقدمونه وخصوصاً إذا كان بسعر رخيص. وعندما ترك المسلمون ذلك، دخل الطلبة الامتحانات بأجهزة إلكترونية بغرض أن يغشوا بها، فزوروا ودفعوا رشاوى لكي ينجحوا، وتركوا العلم فلم يتعلموا أمور دنياهم، ولا أمور دينهم، واعتمدوا على بعض المدرسين الذين حضروا الدكتوراه، والذين حضروا الماجستير في رسالة معينة، ثم رميت في الدرج، وأقفل عليها ولم ينظر أحد إليها بعد ذلك. أصبحت رسائل العلماء في الأبحاث التي يعملونها مرمية، واعتمدنا على الغرب أن يعطينا، فأعطونا هذه الصفعات المتتالية التي لا نقوم منها، وبين الحين والآخر يحصل شيء في غير صالح الأمة، تأتي أنفلونزا الطيور، فلا نستطيع محاربتها إلى أن يبعثوا لنا بالمصل من الخارج، ونصرف كذا مليار من أجل أن نحضر المصل من الخارج، فنحن لا نفعل شيئاً، حتى الإبر نستوردها من الصين، والأوراق نستوردها كذا، في الخارج القمامة التي في البيوت يأخذوها، ويقسمون القمامة، فيضعون الورق في جانب، والبلاستيك في جانب، والزجاج في جانب، فتباع لأصحاب القمامة؛ من أجل أن يشجع الناس ألا يفسدوها، وتأتي شركة الورق تبحث عن الورق الهالك هذا، ويستفيدون منه في إعادة تصنيع الورق، ولو أننا نعمل هذا فإنه من الممكن أن نستفيد بمقدار ٦٥% مما نستورده منهم، ولكن الناس يفسدون الورق، ويضع الورق على الماء، وعلى النجاسة، ونحن لا نحتاج الورق، فنحن لا نعرف ماذا نفعل به، وهذا نتيجة عدم الفهم، فهل الكافر أذكى منا لأنه يفكر بهذا الشيء، ونحن ليس لدينا هذه العقول؟ فعقولنا أصبحت عقولاً سفيهة غبية؛ لأنها تركت دين الله . فعلى المسلمين إذا لقوا الكفار أن يكونوا أقوياء، قادرين على الصمود، أما الآن فأخبار جرائدنا عبارة عن: هجوم صاروخي على البلدة الفلانية في بداية الصفحة، وتحتها: هجوم لفريق كرة القدم على الآخر! فهذا الذي أصبحت الشعوب مهمة فيه، وإخواننا يضربون في بلدانهم، ونحن لا نعقل ولا نفهم، وكل الذي في عقولنا: ماذا سنأكل غداً؟ ماذا سنفعل؟ رزقنا قليل البلد ليس فيه عمل، لأن الله سلط بعضنا على بعض، فانشغل الناس بالدنيا، وتركوا دين الله سبحانه، بل أصبحوا يحاربون دين الله سبحانه. وتجد شاباً ملتحياً قدم بطلب وظيفة في شركة خاصة لكي يعمل بها، فلم يتم قبوله؛ لأن الشخص الملتحي ممنوع من العمل في شركة خاصة وفي الشركات الحكومية أيضاً! وكل هذا محاربة لدين الله سبحانه؛ لأن الكفار يقولون لهم ذلك، بحجة أنهم إرهابيون، ولكنه بعد أن حلق لحيته تم قبوله، فلماذا بعدما حلق لحيته أصبح جيداً، ودخل الشركة مع أنه نفس الشخص ولم يغير نفسه، وعندما كان بلحية كان إرهابياً؟! يقولون: إن شركتنا لا تقبل ملتحين، ومنظرك لن يكون مناسباً، ولكن تجد المنسق الأوروبي لحيته كثيفة، فلماذا لحية هذا لم تفسد عليه الاجتماع الذي هو فيه؟! هذا يدل على عدم التفكير، وعلى الهوس في التفكير، والبعد عن دين الله سبحانه، فيسلط الله عليهم أعداءهم، يملون عليهم أن افعلوا كذا من دون تفكير، وهذا كله سببه الضعف الكامن في قلوبهم، فهم ضعيفون في عقائدهم، وفي نفوسهم، وقد استخزوا فأخزاهم الله، واستذلوا فأذلهم الله، واستهانوا بأنفسهم فأهانهم الله، وما لجرح بميت إيلام. ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [محمد:٤] وكنتم على قوة، وأعددتم لهم ما تستطيعون من قوة، ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ﴾ [محمد:٤] ولا يكون المن والفداء إلا بعدما تكون قادراً، وبعدما تخيف عدوك، ولا يكون هذا وأنت ضعيف فسيستهين بك، ويلعب بك، ولا تقدر معه على شيء. ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ﴾ [محمد:٤] يعني: اضربوها ضرباً، فهذا مصدر يفيد جملة محذوفة تقديرها: اضربوا رقاب الكفار ضرباً. ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد:٤] ورقبة الإنسان أعز ما عليه، فعندما أقول: اضرب رقبته، يعني: أزل رأس فلان، ففيها من القوة ومن الشدة، فهي أقوى من أن يقول: اقتله، قال: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد:٤] أي: أزيلوا رقاب هؤلاء؛ حتى يكون بعضهم عبرة لبعض، وقد يقول بعض الكفار: أنتم تعملون هذا الشيء من ضرب للرقاب، متناسين القنابل التي ينزلونها على بلاد المسلمين، القنابل الفسفورية والعنقودية والذرية الصغيرة والكبيرة، وكلها تجرَّب في بلاد المسلمين، ويدمرون بها المسلمين، ويدمرون بها الحقول, وعندما تنزل تخرج الماء من باطن الأرض، فما الذي يفعلونه بالمسلمين؟! أليس ضرباً للرقاب بهذه القنابل، وحرق البلاد والعباد وإفساد الأرض؟ فإذا لقيتم الذين كفروا فاضربوا رقابهم، الذين يصدونكم عن سبيل الله ويصدونكم عن دين الله سبحانه، ويمنعون تبليغ دين الله سبحانه، لا ينفع معهم إلا أن تجاهدوهم. وإن الحرب التي يتحدثون عنها هي: حرب صليبية، مهما قالوا: إنها من أجل الديمقراطية فهذا كذب بين، وهذه حقيقة حروبهم مع المسلمين، وأن الإسلام هو عدوهم. ولذلك لما انهار الاتحاد السوفيتي قال الأمريكان في اجتماعهم: انتهينا من عدو، وبقي لنا الآن عدو آخر وهو: الإسلام، فبعد الاتحاد السوفيتي، والحرب الباردة، وحرب النجوم، لا بد أن نشن الحرب على الإسلام، وفعلوا ذلك، والمسلمون في غفلة، يقولون: لا، هذه ليست حرباً على الإسلام، هؤلاء يقصدون المتطرفين من المسلمين! والحقيقة أنهم يضربون المسلمين الملتزمين وغير الملتزمين، يضربون الجميع، ولا يفرقون بين أحد وآخر، بل يحاولون إبادة كل شخص يطلق عليه مسلم، لذلك لا بد أن يعود المسلمون إلى عقولهم، ويعودون إلى دينهم، ويقرءون التاريخ فيعرفون كيف يصنع الكفار بالمسلمين حين يتمكنون منهم. نسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين, وأن يذل الكفر والمشركين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3594

تفسير سورة محمد [٤ - ٧] شرع الله سبحانه الجهاد في سبيله، وشرع أحكاماً في معاملة أسرى الحرب، وبين سبحانه ما للشهيد عنده من كرامات وهبات، وفضائل سابغات، وبين فضل المجاهدين، حتى يحث المسلمين على الجهاد، فقد اقتضت سنة الله الكونية أن يقع الصراع بين الحق والباطل، ولو شاء الله لانتصر من الكافرين، ولكن ليبلو المسلمين بهم.

стр. 3595

تفسير قوله تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة محمد ﷺ : ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد:٤ - ٦]. يخبرنا الله في هذه الآيات عن حكم من أحكام الجهاد في سبيله ، فيقول: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد:٤] أي: اضربوا رقابهم كما قدمنا في الحديث السابق، والكفار: من ليس بينهم وبين المسلمين عهد ولا ذمة، فهؤلاء الذين يقاتلون، أما من بينهم وبين المسلمين عهد أو ذمة، فلهم عهدهم إلى مدتهم، فإذا كانوا يعيشون بين المسلمين، ولهم ذمة مع المسلمين، ويدفعون الجزية للمسلمين، فلهم عهدهم ولهم ذمتهم. لكن الكافر الحربي المحارب للإسلام ولدين الله ، يحارب ويجاهد في سبيل الله ، قال: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [محمد:٤] أي: في أي مكان، سواء جاءوا إليكم أم نزلوا في أراضيكم، أم قابلتموهم في قتال بينكم وبينهم، قال: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد:٤]، وفي الآية تعويد للمسلمين على العزة بدينهم، وأن يطلب الله سبحانه في هذا الجهاد لا الدنيا، فإذا كان الجهاد لله كان الله مع المؤمنين فنصرهم وأعلى أمرهم، لذلك لما بعث النبي ﷺ بعضاً من المسلمين في سرية لقوا بعض الكفار، وكان بينهم مسلم وكانت بينه وبين أحد المسلمين المرسلين ضعينة، فلما وصل إليهم سلم عليهم، فتحرش المسلم به فقتله زاعماً أنه يتحصن بالسلام فقط، وحقيقة أمره أنه طمع في الغنيمة التي كانت مع هذا الرجل، فقد كانت معه بعض غنمات فطمع فيها، فأخذ الغنمات وقتل الرجل، فأنزل الله : ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء:٩٤] فقوله: (لَسْتَ مُؤْمِنًا) أي: لن نؤمنك، وليس المقصود بالإيمان المقابل للكفر، بل أنت على ما أنت عليه، قال: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء:٩٤]، فالآية هنا فضحت ما في النفس، وقالت: احذروا أن يكون الجهاد طلباً للدنيا، فهذا الذي صنعتموه بهذا الرجل، لم يكن ابتغاء وجه الله، بل ابتغاء هذه الغنيمة، ولقد كنتم كفاراً من قبل فمن الله عليكم بالإسلام، فلماذا تبادرون بقتل إنسان ألقى إليكم السلام، وفي هذا تعويد للمجاهدين أن الأسير إذا استسلم فلا يجوز قتله في هذه الحالة، قال: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) و (السَلامَ)، فالسلم: الاستسلام، والسلام: قول: السلام عليكم، ولا تقل لهذا: لست مؤمناً، أي: لن نؤمنك، قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:٩٤] أي: كنتم كفاراً قبل ذلك، قال: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء:٩٤]. فهنا الله يعلم المؤمن أن يكون مجاهداً في سبيل الله مخلصاً له طالباً أمان الناس، هذا هو الهدف، فليس الهدف أخذ الغنيمة، وإنما هي تابعة.

стр. 3596

الحكمة من الغلظة على الكافرين المحاربين قال تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [محمد:٤]، منوا على هؤلاء بأن تعلموهم دين الله سبحانه، فإذا كان لا فائدة، فاقتلوا الذين كفروا، كما قال سبحانه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة:٥]؛ لأنهم إن ظهروا عليكم لا يرقبون فيكم إلاً ولا ذمة. وكان النبي ﷺ يرسل بعوثه وسراياه صلوات الله وسلامه عليه وجيوشه فيقول لأميرهم: (إذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى واحدة من خصال ثلاث) أي: ولا تقاتلهم مباشرة، قال: (ادعهم إلى الإسلام، فإن هم أطاعوا فكف عنهم، واقبل منهم)، إذاً: فالأمر ليس لمجرد القتال فقط، ولكن ابدأ بدعوة هؤلاء إلى دين الإسلام، فإن قبلوا منك هذا فهو المطلوب، فإذا لم يقبلوا الإسلام أتيت بالخصلة الثانية، قال: (ادعهم إلى أن يدفعوا الجزية، فإن قبلوا منك ذلك فخذ منهم وكف عنهم، فإذا رفضوا ذلك وأبوا إلا المقاتلة، فاستعن بالله وقاتلهم، فإذا قاتلت هؤلاء فافعل بما أمر الله ، ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد:٤]) أي: قاتل قتالاً شديداً ابتغاء وجه الله ، كما قال: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:١٣٩ - ١٤٠]، فأنتم الأعلون عند الله ، فإنها إن تصبكم جراحات في القتال فقد أصابت اعداءكم، فهل يكونون أصبر منكم على الجراح وعلى القتل؟ وكيف يكونون أصبر منكم وأنتم موعودون بالجنة عند الله ؟! فلكم الأجر العظيم والقرب من الله سبحانه في الآخرة، ولكم في الدنيا النصر والغنيمة، فلا تكونوا أقل شأناً من أعدائكم. قال تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد:٤] أي: فقاتلهم قبل أن تسالم أو تداهن؛ حتى توهن عدوك، وحتى يعرف قدرتك، ثم تكلم عن السلم بعد ذلك وأنت غالب قوي، أما وأنت ضعيف فليس لك عند عدوك شأن حتى يقبل منك شيئاً، فلا تبدأ بطلب السلم بل جاهد وقاتل في سبيل الله حتى تضعف خصمك، وحتى ينصرك الله . قال: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ﴾ [محمد:٤]، الإثخان في العدو: أي: إكثار القتل فيه، يقال: أثخنه جراحاً: أي: أسال دمه وأكثر فيه القتل والجراحات: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد:٤]، الوثاق: الربط والقيد، يعني: أسر الأعداء، ثم لكم أن تمنوا عليهم بعد انتصاركم عليهم، ولكم أن تقبلوا الفدية، ولكم أن تدعوهم إلى دين الله مرة ثانية، لعلهم يدخلون في دين الله .

стр. 3597

كيفية التعامل مع الأسرى قال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ﴾ [محمد:٤] أي: بعد أن ينصركم الله ، وبعد أن تتمكنوا من أعدائكم، قال: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد:٤]، حتى لا يكون بينك وبين الكفار قتال، والأوزار: هي الأثقال، مفردها وزر، والوزر: الثقل، قال: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد:٤]، أي: حتى يكف الكفار عنكم، إذاً: فقاتل عدوك؛ لأنك إن لم تقاتله فسوف يقاتلك، فإذا استسلم ووضع سلاحه وكف عنك فكف عنه، حتى تضع الحرب أوزارها بشروط كتاب الله ، وما ذكر النبي ﷺ في سنته. اختلف العلماء في هذه الآية، هل هي منسوخة بآية السيف، وهي قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة:٥] أم أنهما في مواطن مختلفة؟ والصواب: أنها آية محكمة وليست منسوخة، والمعنى: أن المن باق، فتمن على عدوك وتطلقه بغير شيء، أو أنك تفادي العدو بالأسير، فلإمام المسلمين وقائدهم أن يصنع ذلك، لذلك فإن الأكثر ومنهم ابن عباس ﵄ على أن هذه الآية محكمة، والإمام مخير. والأدلة من السنة على ذلك كثيرة ومنها: أن النبي ﷺ قد من على الكفار في فتح مكة، فقال: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، وكانوا قد جمعوا أنفسهم لقتاله ﷺ مرات ومرات قبل الفتح، بل إنهم جمعوا له في الفتح أوباشهم ليقاتلوا النبي ﷺ ، فنصره الله سبحانه، ثم منَّ عليهم صلوات الله وسلامه عليه. كذلك: جاء عنه أنه قتل البعض ممن كانوا يؤذونه ﷺ ويؤذون المسلمين، كـ عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث، فقد أمر النبي ﷺ بقتلهم، فقتلوا في يوم بدر؛ لأنهما كانا يؤذيان النبي ﷺ ، ويتكلمان فيه بالكلام المؤذي، ويطعنان في الإسلام والمسلمين، فأمر النبي ﷺ بقتلهما بعدما أسرا. إذاً: إذا كان العدو محارباً لله ولدينه، فهو يسبه ويفخر بذلك، فإذا أسر ولم يدخل في الإسلام وبقي على كفره فإنه يقتل، وإن كان النبي ﷺ قد من على رجل من هذا الصنف واسمه أبو عزة الشاعر، وقد كان شاعراً يهجو الإسلام ويهجو النبي ﷺ ، فمن عليه النبي ﷺ في يوم بدر لما ذكر للنبي ﷺ أن له بنات لا يكفلهن غيره، فرحمه النبي ﷺ فتركه، فرجع إلى مكة يضحك ويسخر من النبي ﷺ ويقول: ضحكت على النبي وعلى المسلمين وقلت لهم كذا وكذا، ويحك عارضيه بالكعبة، ويقول: هزأت بالمسلمين وكذا، فلما أسر مرة ثانية بدأ يستعطف النبي ﷺ ، فقال: لا، لا ترجع مرة ثانية تحك عارضيك بالكعبة وتقول: سخرت منه، وأمر بقتله فقتل. فالغرض: أن حكم الإنسان الذي يسب دين الله القتل إلا إذا أسلم فحينئذ يكف عنه، أما إذا بقي على كفره، فللإمام أن يقتله كما أمر النبي ﷺ بقتل عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث في يوم بدر، وفدى سائر أسارى بدر، ومن على ثمامة بن أثال، وكان رجلاً من كفار بني حنيفة، فجيء به أسيراً، فحبسه النبي ﷺ وربطه في المسجد لينظر في أمره صلوات الله وسلامه عليه. وكان يمر عليه النبي ﷺ ويقول: (ما عندك يا ثمامة؟ قال: عندي خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تمنن فعلى شاكر، وإن تطلب المال فالمال كثير، فخذ منه ما شئت) يعني: إذا منيت فقد منيت على إنسان يشكر لك هذه النعمة، وإذا قتلتني فمن حقك؛ لأني قتلت منكم الكثير، وإذا فاديت وطلبت المال، فعندي مال كثير فاطلب منه ما شئت. فتركه النبي ﷺ : (وجاء إليه في اليوم الثاني صلوات الله وسلامه عليه وقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال كما قال في اليوم الأول، فقال النبي ﷺ : أطلقوا ثمامة، واتركوه)، وكأن النبي ﷺ استشعر بلطفه وبرحمته من الرجل طيبة وخيراً، فقال: أطلقوه، فالرجل ذهب فاغتسل ثم رجع مسلماً رضي الله ﵎ عنه، فالمن هنا أتى بنتيجة. وقد أتى بنتيجة كذلك في أهل مكة، فلما من النبي ﷺ عليهم وتركهم أسلموا جميعاً، وإذا بهم يجاهدون مع النبي ﷺ ويكونون بعد ذلك من أصحاب الرأي في المسلمين، ويطلق عليهم مشيخة قريش. فلما من النبي ﷺ بعد نزول هذه الآية، دل على أن هذه الآية محكمة وليست منسوخة.

стр. 3598

معنى قوله تعالى: (ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم) قال الله : ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد:٤]، فالله هو القوي العزيز ، فلو شاء لخسف بالمشركين الأرض، ولو شاء لأنزل عليهم آية من السماء أو عذاباً من الأرض، ولكن حكمته سبحانه تقتضي أن يبتلي الناس بعضهم ببعض، فالدنيا زمن امتحان، والإنسان يريد أن يعيش في هذه الدنيا من غير امتحان بتاتاً، والله لم يجعل هذه الدنيا جنة، بل سميت دنيا ليعلم أن الآخرة هي العليا، فالدنيا هي أرض البلاء ومكان الامتحان الذي يمتحن فيه العبد، وستترك هذه الدنيا ولن ترجع إليها مرة ثانية، ولله الحكمة في وجودك في الدنيا في هذا الوقت الذي أنت فيه، ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة، ولجعل الكل على الإسلام، ولو شاء الله لنصر المسلمين في كل موطن من المواطن، لكن النبي ﷺ دخل في قتال كثير مع الكفار، فقد جاهد النبي ﷺ وأرسل بعوثه وسراياه التي بلغت تسعين غزوة وسرية، وذكر بعضهم: أنها بلغت مائة وعشرين أو مائة وثلاثين غزوة وسرية، وغزا النبي ﷺ بنفسه في نحو تسع عشرة غزوة صلوات الله وسلامه عليه، وكل ما غزا فيه النبي ﷺ من التسع عشرة غزوة كانت في المدينة، فقد مكث النبي ﷺ ثلاث عشرة سنة يدعو إلى الله سبحانه في مكة، ولم يكن فرض عليه أن يجاهد في سبيل الله، ثم لما هاجر إلى المدينة ﷺ فرض عليه الجهاد في سبيل الله، وقد عاش النبي ﷺ في المدينة عشر سنوات، فإذا خرج بنفسه تسع عشرة مرة ﷺ فإنه سيكون قد خرج للجهاد مرتين في كل سنة ﷺ ، أما من جعل عدد البعوث والسرايا التي بعثها النبي ﷺ مائة وثلاثين، فلو أنه خرج في كل واحدة منها لشق ذلك على المسلمين، فسيخرج في السنة الواحدة ثلاثة عشر مرةً، وهذا عدد كبير جداً للخروج، فكيف سيدير شئون المسلمين ﷺ إذا فعل ذلك؟ لذلك: كان من الحكمة أن يخرج بنفسه في بعض السرايا وفي بعض الجيوش، ويخرج المسلمون المجاهدون في سبيل الله في الباقي، ولو يشاء الله لانتصر من الكفار، ولكن المسلمين غلبوا في بعض الغزوات؛ ولله الحكمة العظيمة في ذلك؛ وحتى لا يغتر المسلمون بالنصر دائماً، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]، وتوكلوا على الله سبحانه إن كنتم مؤمنين، فأحسنوا الإعداد، وأحسنوا الظن بالله ، فإن الله معكم, فإذا بعدتم عن ذلك خذلكم الله ، كما قال سبحانه: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، ولو يشاء الله لانتصر من هؤلاء الكفار ,ولكن ليختبر بعضكم ببعض، وليختبر المسلمين بالكفار، فالمسلم عندما يدخل في القتال فإنه إما قاتل أو مقتول، فهو مجاهد في سبيل الله ، فيبقى الاحتمالان موجودان، والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٤]. ((والذينَ قُتِلُوا)) هذه قراءة حفص عن عاصم، وقراءة أبي عمرو البصري وكذلك يعقوب الحضرمي، أما باقي القراء فإنهم يقرءونها: (والذين قاتلوا في سبيل الله)، ولكل من القراءتين معنى، فمن قرأ: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٤] فالمعنى: أنهم قتلوا وصاروا شهداء عند الله ، فلن يحبط الله لهم عملاً، بل له الأجر والثواب لأنه جاهد في سبيل الله ، والله يوجهه إلى جنته ، فيقول: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ﴾ [محمد:٤]، وأما من قرأ: (وَالَّذِينَ قاتلوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) فإنه جعلهم أحياء يقاتلون في سبيل الله سبحانه، فالله يقبل هؤلاء؛ لأنهم ثبتوا على دين الله ، فالوعد إذاً لمن عاش وبقي مجاهداً في سبيل الله أن يثبته الله على هذا الدين، وألا يضله ، وأن يهديه ويزيده هدى، أما الذي قتل وتوفي ومات في سبيل الله سبحانه فله هداية أخرى، فإن الله يهديه في قبره، ويهديه يوم القيامة على الصراط، ويهديه سبحانه لطريق الجنة، ويثبته الله في قبره فلا يفتنه ، فالذين عاشوا لهم هداية معينة، وللآخرين هداية معينة وكل بحسبه. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٤] أي: لن يضيع عليهم ثواب ما عملوا في الجهاد في سبيل الله سبحانه، بل سيزيدهم هداية وإيماناً حتى يتوفاهم على ذلك .

стр. 3599

تفسير قوله تعالى: (سيهديهم ويصلح بالهم) قال الله: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد:٥] هذه على قراءة الجمهور أي: ما داموا على قيد الحياة، (ويصلح بالهم) أي: شأنهم وعملهم، فيحمل قوله تعالى: (والذين قاتلوا في سبيل الله)، على الأحياء المجاهدين، أما الذين قتلوا فسيصلح بالهم في السؤال في القبر، وفي التثبيت يوم القيامة، وفي السؤال عند الله ، وفي المرور على الصراط، وفي الهداية إلى الجنة، وسيصلح لهم عملهم الذي عملوه في الدنيا. قال: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد:٥]، والبال يأتي على ثلاث معانٍ: الشأن والأمر والحال.

стр. 3600

تفسير قوله تعالى: (ويدخلهم الجنة عرفها لهم) قال الله: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد:٦]، هذه آية عظيمة جميلة، فالله تعالى يدخل العباد الجنة، (عرفها لهم) أي: وهم في الدنيا، أخبرهم بأن في الجنة كذا وكذا، وإذا كان الله قد عرفك بهذه الجنة فاطلبها، ولتطلبها بعملك ودعائك، فقد عرفك الله الجنة، فاطلبها بالعمل وبالنية الحسنة وبالقول السديد، قال: ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد:٦]، فإذا دخلوا الجنة عرفها لهم، وقد جاء عن النبي ﷺ في صحيح البخاري عن أبي سعيد قوله: (يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقضى لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا) أي: أن هؤلاء يخلصون من المرور على الصراط، فمنهم من يجري سريعاً، ومنهم من يمر كطرف العين، ومنهم من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح المرسلة، أو كأجاويد الخيل، أو كالذي يسعى من الرجال، وكل بحسبه، قال: (فمنهم من يتأخر في ذلك، ومنهم من يمر سريعاً، فإذا خلصوا من هذه يحبسون على قنطرة بين الجنة وبين النار)، فيحبسون في مظالم كانت بينهم في الدنيا، ولا يعني أنك إذا خلصت من النار أنك قد تحللت منها، بل تبقى عليك مظالم فيقتص منك، فيأخذ المظلوم من حسناتك، حتى إذا هذبوا ونقوا قبل دخول الجنة أمروا بدخول الجنة، يقول النبي ﷺ : (أذن لهم بدخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله في الدنيا)، وانظر إلى قول الله: ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد:٦]، فليسوا بمحتاجين إلى دليل يدلهم على الجنة؛ فهم أعرف بمكانهم في الجنة، ولكن الدليل معهم يكون كنوع من التشريف، مثلما يجيء الإنسان الكبير في القوم وقومه أمامه وخلفه وهو يعرف طريقه ويعرف بيته، ولكنهم يوسعون له الطريق، وكذلك الملائكة، فإنها تستقبل هؤلاء وتذهب بهم إلى ديارهم في الجنة تشريفاً لهم، وإلا فقد عرفوا منازلهم، كما أنك تصلي الجمعة، وتخرج من صلاة الجمعة وأنت تعرف بيتك، مع أنك في وسط زحمة الناس، فكذلك أهل الجنة يعرفون بيوتهم، والملائكة توصله إلى هذا المكان الذي هو يعرفه أشد معرفة، وأكثر من معرفته بداره في الدنيا. قال: (فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله في الدنيا)، فقد بينها الله لعباده، وقد عرفها عباده في الدنيا بما فيها من ملاذ، وما فيها مما يشتهيه المؤمن، وعرفها لهم يوم القيامة فدخلوا إلى ديارهم غير محتاجين لمن يدلهم عليها.

стр. 3601

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) ثم قال الله للمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، هذه الآية لا بد أن تكون دليلاً لكل مؤمن يريد وجه الله وجنته، ولكن لمن يريد أن يكون الله معه ، فإذا أردت أن يكون الله معك فتذكر معيته لعباده المؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، فالله مع المحسنين، وهو يحب المحسنين . قال: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، إذا أردت معية الله تعالى لك بقوته سبحانه، وتوفيقه وهدايته فكن مع الله سبحانه، وامش في طريق الله ، ودافع عن دين الله سبحانه كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]، فالجزاء من جنس العمل، فإذا دافعت عن دين الله دافع الله عنك، وليس معنى ذلك: أنك كلما دافعت عن دين الله فلن تبتلى ولن تجرح أو تسجن، بل ابتلاء المؤمنين من سنة الله في خلقه سبحانه، قال ﷺ : (أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، ويبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه قوة زيد له من البلاء، وإن كان في دينه رقة، قلل له من البلاء). إذاً: الله يبتلي العبد بأشياء في الدنيا بما يشاء ، فإذا كان صلباً في دينه زيد عليه من البلاء؛ لأن الله يعلم صبره على ذلك سبحانه ويقدره، وإذا كان دينه ضعيفاً قلل له من البلاء . فإذا كنت تريد أن يكون الله معك وأن ينصرك ويدافع عنك فكن من المؤمنين، وكن مع المؤمنين، وكن من الصادقين، فإن الله يحب هؤلاء، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]. نسأل الله أن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يجعلنا جنوداً لدين رب العالمين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3602

تفسير سورة محمد الآية [٧] وعد الله عباده بالنصر إذا هم نصروه سبحانه، وذلك بالتمسك بشرعه، فيأتمرون بأمره ويجتنبون نهيه، فإذا فعلوا ذلك فإن الله سينصرهم؛ وقد نصر الصحابة، وفتح بهم مشارق الأرض ومغاربها، وما ذاك إلا بتمسكهم بشرع الله ودينه.

стр. 3603

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم) الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة محمد ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٧ - ٨]. وعد الله المؤمنين بالنصر إذا نصروا دين الله سبحانه، ووعدهم أن يخزي أعداءه ويهزمهم ويجعل لهم التعاسة والخيبة والشقاء والخسران والوبال والهلاك، ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]. والإنسان المؤمن حين يتأمل في تاريخ دعوة النبي ﷺ إلى ربه، ثم الصحابة من بعد النبي ﷺ كيف دعوا إلى الله ، وكيف نصروا دين الله فنصرهم الله سبحانه ﵎؛ يزداد يقيناً في أن النصر يكون مع أخذ أسباب هذا النصر، وأعظم الأسباب الإيمان، واليقين، وأيضاً الاستعداد، قال : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]، فليس الأمر أن يقول الإنسان: أنا مسلم، وإذا كنت مسلماً فلازم أن أنتصر، ليس كذلك؛ فإن الله يقول: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٦]، وهنا قيد (أن تعدوا) ويكون العدد قريباً من عدد العدو، أو يكون أقل من عدد العدو، ولكن ليس عدداً قليلاً جداً، فلتكن مائة أمام مائتين وألف أمام ألفين من الأعداء، فإن أعددتم لهذا العدو العدة فالله ينصركم. فانتصاركم يكون باستعدادكم الإيماني، واستعدادكم البدني، وإعدادكم القوة والسلاح لحرب هؤلاء الكفار، وبثقتكم في الله سبحانه، وبالتوكل على الله سبحانه، وبأخذ الحذر من كيد الكفار، فهنا بيان أن الإنسان المؤمن ينتصر بالإعداد ويقول النبي ﷺ : (الحرب خدعة)، وأنت مع الكافر إما أن تهزمه فتقتله، وإما أن تُهزم وتُقتل وتُغلب، فالإنسان إما غالب وإما مغلوب. فإذاً لا تضيع الأخذ بالأسباب؛ حتى لا تضيع نفسك، وتضيع دين الله سبحانه.

стр. 3604

ذكر قصة معركة نهاوند ومن القصص التي ذكرت في التاريخ: قصة فتح نهاوند، وهذه القصة ساقها الإمام الطبري في تاريخه، وساقها ابن حبان وغيرهما، وفيها أن عمر رضي الله ﵎ عنه بعث جيوشاً لفتح نهاوند، وكان السبب في ذلك: أن الكفار أرسلوا إلى ملكهم ملك الفرس يزدجرد يقولون له: إن المسلمين أخذوا الأهواز، وهي بلدة من بلاد الفرس، فغضب، وأرسل إلى كل مكان ليجمع جيشاً عظيماً، فجمع جيشاً في هذا المكان، وكان عدد جيش الكفار نحو مائة وخمسين ألفاً من المقاتلين؛ ليقاتلوا المسلمين. فجمع عمر بن الخطاب ﵁ من يذهب إلى هنالك، وكان يريد أن يذهب بنفسه ﵁، ولكنه استشار الصحابة، ومن ضمنهم علي بن أبي طالب فكانت مشورة الصحابة عليه أنك لو أرسلت إليهم أهل اليمن من المسلمين، فسيزحف أهل الحبشة على اليمن، فيقاتلون أهل اليمن ويأخذون اليمن، ولو أرسلت إليهم أهل المدينة وأنت خرجت بنفسك، فسيتكاثر عليهم الكفار من حولهم، وتضيع المدينة، لكن ابق أنت في المدينة مثلما أنت، واترك أهل اليمن مكانهم، وأرسل إليهم مَن حولهم هناك من أهل الكوفة وغيرها، فأرسل جيشاً كان قوامه ثلاثين ألفاً، ولاحظ الفرق بين عدد الكفار وعدد المسلمين، فالكفار مائة وخمسون ألفاً، والمسلمون ثلاثون ألفاً، يعني: خمس عدد الكفار! فالكفار جاءوا بعدد ضخم جداً، وهم في غاية الغضب وغاية القوة يريدون الانتصار والانتقام من هؤلاء المسلمين، وقد ذكرنا أن الكفار أرسلوا إلى جيش عمر ﵁ يطلبون واحداً يتكلمون معه، فذهب المغيرة بن شعبة ﵁، وحصل ما حصل بينه وبين الأمير رئيس الكفار، وكان يريد أن يجلس معه على كرسيه؛ كنوع من الاستهانة به، والتحقير له ولمن معه، وتكلم معهم، فكلمهم بكلام مرعب، فأرعبهم في كلامه، وكان من ضمن ذلك أنه قال: كنا فقراء وكنا عالة وكنا وكنا وكنا، ولكن جاء النبي ﷺ فجمعنا على الحق، واهتدينا بهذا الدين العظيم، ثم جئناكم الآن، وبلغنا أن دياركم فيها السمن وفيها العسل وفيها المال، فلن نرجع إلى التقشف وإلى الفقر الذي كنا فيه حتى نأخذ هذا منكم. فأُرعب الملك بهذا الكلام الذي قاله، وقال لما رجع: ما تركتهم إلا وقد أرعبتهم، أي: أنه تركهم في رعبهم. وهؤلاء الكفار الذين خرجوا للقتال طلبوا من المسلمين وقالوا: إما أن نعبر إليكم، أو أنتم تعبرون إلينا، فالمسلمون قالوا: اعبروا، فعبروا إليهم، يقول راوي القصة: فجعلوا يجيئون كأنهم جبال الحديد، وقد تواثقوا ألا يفروا من العرب. يعني: أنهم جعلوا بينهم عهوداً ألا يفروا من العرب، ولكنهم لم يصدقوا أنفسهم، فعهودهم ليست قوية، فلذلك احتاجوا أن يربطوا بعضهم إلى بعض، فجعلوا كل سبعة في سلسلة، فكان الرجل منهم عليه حديد، وصاروا كأمثال الجبال، ثم جاءوا لقتال المسلمين فقرن بعضهم إلى بعضهم، بحيث يبقوا جملة يقاتلون العرب، ولا يستطيع العرب أو المسلمون أن ينفذوا بينهم. فقال المغيرة حين رأى كثرتهم: لم أر كاليوم قتيلاً، إن عدونا يتركون أن يتتاموا فلا يُعجلوا؟! يعني: أنه كان له وجهة نظر، وكان قائد الجيش النعمان بن مقرن الصحابي الفاضل ﵁، وكان فيهم حذيفة بن اليمان صاحب سر النبي ﷺ ، وهو من أفاضل الصحابة رضي الله عن الجميع، فـ المغيرة كان له وجهة نظر، والمغيرة كانت من أذكياء العرب في الجاهلية وفي الإسلام، حتى كانوا يقولون: إنه داهية من دواهي العرب، فرضي الله ﵎ عنه، وقد ذكرنا قصته في إسلامه، وذلك أنه ذهب مع مجموعة من الكفار إلى الحبشة فأعطاهم ملك الحبشة هدايا، وأعطاه أقل منهم، فلما كان راجعاً معهم سقاهم خمراً، وقتلهم جميعاً وأخذ أموالهم، وذهب إلى النبي ﷺ فأسلم، وقال: هذه أموالهم، فالنبي ﷺ قال له: (أما المال فلا -أي: أنك أخذته غدراً فلا نقبله-، وأما الإسلام فنعم)، فرفض أن يأخذ منه المال، وله قصص وحكايات طويلة تدل على ذكائه وقدرته العقلية الفائقة ﵁. فهنا المغيرة لم يكن يعجبه أن الفرس يعبرون إلى المسلمين، وكأنه يقول: كيف نصبر عليهم إلى أن يتجيشوا ويتحصنوا، ثم نقاتلهم؟ ولذا قال: لم أر كاليوم قتيلاً، يعني: أنه سيكون فينا مقتلة عظيمة من هؤلاء إذا تركناهم. فـ النعمان بن المقرن ﵁ أمر المسلمين أن يصبروا، وقال لهم: اصبروا، لا أحد يقاتل، فحضروا أسلحتكم، واصبروا إلى أن يأتي وقت الزوال، وتهب رياح النصر، قال لهم ذلك لأنه كان يرى النبي ﷺ يفعل ذلك، فإنه كان ينتظر إلى أن يمر وقت الظهيرة ويبدأ في القتال ﷺ ، لكن المغيرة لم يعجبه هذا الشيء؛ لأن الكفار سيرشقونهم بالرماح، وهم قاعدون وساكتون بأمر النعمان بن المقرن ﵁. وكان المغيرة يقول: والله! لو أن الأمر إلي قد أعجلتهم، وكان النعمان رجلاً بكاءً، فقال: قد كان الله يشهدك أمثالها، فلا يحزنك ولا يعيبك موقفك. يعني أنت أهل أن تكون قائد الجيش، وأنت لست أقل من ذلك، وقد كان الله يشهدك أمثالها، ولكن لا يعيق موقفك أنك الآن جندي عندي، وأنك تستحق أن تكون قائداً، ولا تحزن لذلك، وإني والله! ما يمنعني أن أناجزهم إلا شيء شهدته من رسول الله ﷺ ، فإن رسول الله ﷺ كان إذا غدا فلم يقاتل أول النهار لم يعجل حتى تحضر الصلاة، وتهب الرياح، وينزل النصر. يعني: كان ينتظر إلى أن يأتي وقت صلاة فريضة، فيصلي ثم يقاتل صلوات الله وسلامه عليه، فيأتي النصر من عند الله ، فقال النعمان بن المقرن ﵁: اللهم إني أسألك أن تقر عيني بفتح يكون فيه عز الإسلام وأهله، وذل الكفر وأهله، وقال للمسلمين: إني داعٍ فأمنوا، والله إذا فتح على يدي إنسان فهذا شيء عظيم جداً، والإنسان يفرح بذلك، والنعمان كان يريد أن يفرح بالنصر إذا انتصر الجيش، ومن ثم يكون هو شهيداً ﵁. فقال وهو يدعو ربه: اللهم إني أسألك أن تقر عيني بفتح يكون فيه عز الإسلام وأهله، وذل الكفار وأهله، ثم اختم لي على إثر ذلك بالشهادة. أي: لا أريد أن أعيش أكثر من هذا، أريد فقط أن تقر عيني بالنصر، والشهادة بعد ذلك. ثم قال: أمنوا رحمكم الله، قال: فأمنا، قال النعمان: إني هاز لوائي فتيسروا للسلاح، ثم هازها الثانية فكونوا متأهبين لقتال أعدائكم، فإذا هززتها الثالثة فليحمل كل قوم على من يليهم من عدوهم على بركة الله. يقول: سأهز اللواء، فإذا هززته فاستعدوا، وكل واحد يحضر نفسه للقتال، والهزة الثانية اركبوا خيلكم وجهزوا أسلحتكم، والهزة الثالثة اهجموا على أعدائكم. وكان الأعداء قبل ذلك يرمونهم بالرماح، وكان المسلمون لا يقومون لهم، وكأن الكفار استقلوا هؤلاء، وظنوا أنهم ناس ضعفاء، فلما حضرت الصلاة وهبت الرياح كبر وكبرنا، وقال النعمان: ريح الفتح إن شاء الله، وإني أرجو أن يستجيب الله لي، وأن يفتح علينا، قال: فهز اللواء فتيسرنا، ثم هزها الثانية، ثم هزها الثالثة، فحملنا جميعاً كل قوم على من يليهم. وكان عدد المؤمنين قليلاً فإنهم كانوا ثلاثين ألفاً، أمام مائة وخمسين ألفاً جاءوا بأسلحة عظيمة جداً أمثال الجبال، وجاءوا متواثقين على أنهم لا يفروا، وكان الكفار واضعين وراءهم حسك الحديد، ففي أول القصة قال: وألقوا حسك الحديد خلفهم، أي: مثل شجر الشوك، ولكنها من الحديد، وأوقدوا ناراً وراءهم، ووضعوا حسك الحديد؛ من أجل ألا يفر أحد، وإذا فروا يقتلهم الحديد. وانظر إلى حكمة الله سبحانه ﵎ القائل: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧]، والقائل: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، فهؤلاء جعلوا مقتلهم بأيديهم، ووضعوا حسك الحديد وراءهم، وهنا بدأ القتال وثبت الكفار وصبر لهم المسلمون، وكانوا ثلاثين ألفاً أمام مائة وخمسين ألفاً من الكفار، وقال النعمان للمؤمنين: إن أصبت أنا فعلى الناس حذيفة، فإن أصيب حذيفة ففلان ثم فلان، حتى عد سبعة آخرهم المغيرة بن شعبة ﵁. يقول راوي القصة: فوالله! ما علمت من المسلمين أحداً يحب أن يرجع إلى أهله حتى يقتل أو يظفر. فالمؤمنون لا أحد منهم يريد أن يرجع إلى أهله إلا منتصراً، ولسان حالهم: إما أننا نقتل شهداء، فالجنة أمامنا، وإما أننا نظفر بهؤلاء، فإذا كانت هذه هي النية فمستحيل أن يفر صاحبها، مستحيل أن رجلاً يريد الشهادة فيفر؛ ولذلك ثبت المسلمون في قتال شديد، يقول الراوي: فلم نسمع إلا وقع الحديد على الحديد، ولا نسمع شيئاً، ولا يوجد صوت إلا صوت الحديد على الحديد، والسلاح يضرب في بعضه، حتى أصيب من المسلمين عصابة عظيمة، فلما رأى الكفار أنه يقتل من المسلمين ويقتل من المسلمين ويقتل من المسلمين والباقي صابرون لا يفرون، لما وجدوا الصبر هذا، جعلوا يفرون، وقتل في المعركة ثلاثون ألفاً من الكفار، يعني: مثل عدد جيش المسلمين كاملاً، قال: فجعلوا ينهزمون، وجعلوا يرجعون ويقع الرجل فيقع عليه سبعة؛ لأنهم كانوا رابطين أنفسهم بالحديد، وهذا مصداق قوله : ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، فلولا عون الله لما قدر ثلاثون ألفاً من المسلمين على مائة وخمسين ألفاً أمثال جبال الحديد، فهو نصر من عنده، ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧] فجعل كيدهم في نحورهم، وجعل بأسهم بينهم، وجعل تدبيرهم تدميرهم، ودمرهم سبحانه ﵎ بأسلحتهم. فالكفار جهزوا حسك الحديد، وأشعلوا النيران و

стр. 3605

تفسير سورة محمد [٧ - ٨] وعد الله عباده المؤمنين بالنصر والتمكين إن هم نصروا الله سبحانه ونصروا رسوله ﷺ وأعدوا العدة لقتال الأعداء، فقد كانت انتصارات المسلمين على مر التاريخ لأنهم نصروا الله ورسوله وصدقوا الله في لقاء الأعداء، وقد كتب الله التعاسة والشقاء على الكافرين، وعلى كل من خالف سنة النبي ﷺ .

стр. 3606

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة محمد ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٧ - ٨]. يخبرنا ربنا في هذه الآيات أن النصر من عنده، وأنه ينصر المؤمنين إذا نصروا دين الله سبحانه، وهذا سبب ونتيجة، شرط وجواب، فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ﴾ [محمد:٧] إن تنصروا دين الله ، وإن تدافعوا عن دين الله سبحانه، وإن تنصروا المستضعفين من المؤمنين؛ فالله ناصركم ومثبت أقدامكم، ومعطيكم خير الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد:٧] أي: يا من صدقتم ودخلتم في هذا الدين، موقنين بالله رب العالمين أنه ربكم وأن هذا رسولكم صلوات الله وسلامه عليه، وأن هذا القرآن من عند رب العالمين. يا من آمنتم بالجنة وعرفتم النار وصدقتم وآمنتم بهذا كله، يا مؤمنون جاهدوا في سبيل الله ، فإذا نصرتم الله فالله معكم والله ناصركم سبحانه. وكان المؤمنون يدعون ربهم سبحانه في قتالهم يقولون: فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا إن الألى إذا بغوا علينا أو أرادوا فتنة أبينا فكانوا يقولون لله سبحانه: ثبت الأقدام إن لاقينا، فالله يثبتهم بما يشاء من تثبيت، وتثبيت الأقدام يأتي من تثبيت القلوب، ويأتي مما يصنعه الله للمؤمنين، قال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ [الأنفال:١١]. فهذا تثبيت من الله للمؤمنين: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال:١١] المؤمنون في قتالهم الأعداء يرون كثرة أعدائهم، ويرون قلة ما هم فيه من عدد ومن عدة، ومع ذلك إذا بالله يثبت المؤمنين تثبيتاً شديداً. ويخبرهم الله على لسان النبي ﷺ بالوعد الحق أنه ناصرهم في يوم بدر، وأنه سيربط على قلوبهم سبحانه، قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الأنفال:١١] أي: بركات من السماء، فإذا بهم يجدون ما يشربون من ماء السماء ويتوضئون به، كذلك يجعل التراب الذي تحت أقدامهم صلباً فتثبت أقدامهم. ويربط بذلك على قلوبهم ويعطيهم شيئاً عجيباً أن يناموا والأعداء يتربصون بهم، قال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال:١١] فينام أحدهم وهو قاعد وهو قائم ويغشى عليه، حتى يكاد يقع عن الدابة التي هو عليها، فينامون ربطاً على قلوبهم، فيثبتهم الله سبحانه ﵎ بذلك. وحين يواجهون أعداءهم، قال الله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ [الأنفال:٤٣] فالله عليم بذات الصدور، وأعلم بما في نفوس المؤمنين، فيري النبي ﷺ رؤيا منامية أن الأعداء قليلون، فيطمئن النبي ﷺ ويبشر المؤمنين. قال تعالى: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ [الأنفال:٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال:٤٤] وقال تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:٤٢] أي: سميع بما تقولون، عليم بما تفعلون سبحانه، عليم بما في قلوبكم، وتدبير الأمر كله من الله سبحانه، تجد أنه يحرك هؤلاء ويحرك هؤلاء، فالكفار يرون المؤمنين قلة وهذه الحقيقة، والمؤمنون يرون الكفار قلة، إذ إن الله سبحانه غير المنظر فأرى المؤمنين أن الكفار عددهم قليل جداً فإذا بالمؤمنين يستأسدون ويتقوون على أعدائهم، والكفار يرون المؤمنين قلة حتى يهجموا ويقدموا للقتال، فلو انعكس الأمر بأن جعل الله الكفار يرون المؤمنين عدداً كثيراً لما حصل قتال، ولهرب الكفار وهم الذين جاءوا للمؤمنين، ولكن الله أراد أن يلتقي الفريقان وأن يتقدم الكفار إلى المؤمنين حتى يرينا نصره سبحانه، قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران:١٢٦]، فهذا شيء أحدثه الله للمؤمنين حين التقوا مع الكفار في يوم بدر، ونصر الله المؤمنين نصراً عظيماً ما كانوا يتخيلونه. قال تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧] فهم قد نصروا الله سبحانه، وقد سألهم النبي ﷺ حين رأى الكفار وعدد الكفار: (أشيروا علي أيها القوم) فكانت الإشارة من المهاجرين ومن الأنصار: أقدم يا رسول الله، لو خضت بنا برك الغماد لخضناه معك. أي: اذهب لآخر الأرض التي نعرفها وهي برك الغماد فسنذهب معك لهذه الأرض مثلما تريد، وأوصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعاد من شئت، وسالم من شئت، نحن معك، ولا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] بل نقول: إنا معكما مقاتلون. قاتل يا رسول الله ونحن معك ونحن أمامك ووراءك صلوات الله وسلامه عليه، فكان النصر من عند الله ، وهذه معاني نتعلمها من كتاب الله ومن سير أصحاب رسول الله مع النبي صلوات الله وسلامه عليه في جهادهم وقتالهم للكفار. فقد رباهم النبي ﷺ على حب الجنة، فكان جهادهم ابتغاء مرضات الله وطلباً لهذه الجنة العظيمة، والله يعدهم هذا الوعد العظيم: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧] ولم يكن للنبي فقط ﵊ وإنما الوعد باق من الله لكل المؤمنين في كل زمان ومكان. فقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧] أي: ينصركم الله إذا أتيتم بشروط هذا النصر، وهو نصركم لدين الله وإعدادكم للكفار ما استطعتم من قوة، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]، فإذا أعد المؤمنون أنفسهم وأعدوا ما في قلوبهم من قوة بالاعتصام بحبل الله وبكتاب الله وبهدي رسول الله ﷺ وبالتمسك بدينهم، وأعدوا ما استطاعوا من قوة ومن عدة ومن عدد لجهاد أعدائهم، ومن ربط بين المسلمين وتآلف فيما بينهم ومن اتحاد واعتصام بحبل الله سبحانه، فإن الله ناصرهم.

стр. 3607

تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا فتعساً لهم وأضل أعمالهم) قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٨] أي: الذين كفروا لهم الخيبة ولهم التعس ولهم التعاسة ولهم الشقاء ولهم الوبال ولهم الهلاك والشنار، ولهم من الله الدمار، فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ [محمد:٨] أي: يتعسهم الله ويخزيهم ويخيب أمرهم . فلست أنت الذي تصنع، وإنما الله يصنع ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]. وهل الكفار فقط الذين يتعسون؟ الله ذكر ذلك، وذكر لنا النبي ﷺ أن من الذين يتعسون من عبد الدنيا ومن طلب الدنيا ومن كان همه فيها الدينار والدرهم، قال رسول الله ﷺ : (تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم). فالإنسان الذي همه الدنيا إنسان تعيس، دعا عليه النبي ﷺ بالتعاسة وبالخيبة وبالشقاء وبأن لا ينال مراده من هذه الدنيا، قال: (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش). فدعا عليه النبي ﷺ لأن همه في الدنيا، لا يهتم لدين ولا لصلاة ولا لصوم ولا لدعوة إلى الله سبحانه، سواء انتصر المسلمون أو انهزموا لا يهمه ذلك، المهم ماله! فالنبي ﷺ يقول: خيبك الله، تعست أيها الإنسان، أنت همك نفسك فقط، وأنت ما خلقت إلا لإقامة هذا الدين، فكل أمر الله ليس على بالك، فلا تستحق إلا التعاسة والخيبة والشقاء. قال: (تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش)، الانتقاش: إزالة الشوكة بالملقاط، فيدعو عليه النبي ﷺ أنه لو شيك فلا قدر على أن يخرجها من قدمه؛ لأنه لا يستحق أن يعافى؛ لأنه ابتعد عن دين الله . بل الكافر له التعاسة وله الشقاء، وكذلك من المسلمين من تركوا دين الله وراءهم ظهرياً وعبدوا الدرهم والدينار، وأقبلوا على الدنيا وعلى تحصيلها من كل مكان، وفروا من القتال في سبيل الله ومن الجهاد في سبيله.

стр. 3608

من قصص الصحابة في نصرهم دين الله إن قصص الصحابة كثيرة في نصر دين الله ، وقد رأينا كيف أنهم يدعون إلى الله في قتالهم لأعدائهم، فإذا أصر أعداؤهم على الكفر قاتلوهم فنصر الله بهم دين الله سبحانه. كان أحدهم يتقدم ويتحنط قبل القتال كما فعل ثابت بن قيس بن شماس خطيب الأنصار بل خطيب رسول الله ﷺ ، فعند قتال مسيلمة الكذاب ومن معه قال لمن معه من التابعين ومن حضر الموقعة: بئس ما عودتم أقرانكم، أن تفروا من أمام هؤلاء! وكان يلبس كفنه، ويريهم أن الذي يتقدم للقتال لا يطلب الدنيا؛ لأن الذي يطلب الدنيا لن يقاتل، بل سيفر ويهرب، فاطلب الآخرة، فقد كان أحدهم يتقدم للقتال في سبيل الله ويقول: واه لريح الجنة، لئن صبرت حتى آكل هذه التمرات إنه لعمر طويل، فيرميها ويتجه للقتال في سبيل الله طالباً جنته . وهذه قصة في عهد عمر رضي الله ﵎ عنه في فتح نهاوند، ونهاوند من بلاد الفرس فتحها الله للمؤمنين في عهد عمر ﵁، وكان قائد المسلمين في القتال هو النعمان بن مقرن رضي الله ﵎ عنه، أحد أصحاب النبي ﷺ ، وكان بكاءً ﵁، عظيم البكاء من خوف الله ، وفتح الله على يديه وعلى يد المسلمين هذه البلدة التي كانت صعبة وعسيرة. وهذه القصة يذكرها ابن جرير الطبري في تاريخه ويذكرها ابن حبان في سياق طويل جداً، وهي قصة إسنادها صحيح صححها الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة، وفيها يقول ابن جبير بن حية عن أبيه أن الهرمزان أحد قادة الفرس أسره عمر رضي الله ﵎ عنه وكان عمر يريد قتله، فـ الهرمزان أراد أن يشرب ماء وخدع عمر ﵁ بقولة قالها، وذلك لما أتوا له بالماء لم يمد يده إليه، فإذا بـ عمر يقول له: اشرب لا بأس، عمر يقصد أنه لن نفعل بك شيئاً، فالرجل أخذ الماء وشرب فلما أراد عمر قتله قال: لقد أمنتني أي: أعطيتني الأمان، فكيف تقتلني الآن؟ فتعجب عمر وقال: أين الأمان الذي أعطيته لك؟ قال: قلت لي: اشرب لا بأس، فإذا بـ عمر ينظر للصحابة وكان عظيم الورع، فقالوا: صدق أنت الذي قلت له: لا بأس، قال: خدعني خدعه الله. وأظهر الهرمزان إسلامه، وكان مع عمر، فأراد عمر ﵁ النصيحة من الهرمزان في أمر فارس، وقد كان عمر في غاية الذكاء رضي الله ﵎ عنه، لا مانع من أن يأخذ النصيحة ممن كان عدواً له، ولكن يفكر في هذه النصيحة قبل أن يأخذ بها، وهل يقبل النصيحة من عدو؟ فقد يكون أنت تقاتله البارحة، واليوم صار صديقاً لك، لكن العداوة ما زالت موجودة في القلب، فليس معنى أنه في البارحة كان عدواً لك واليوم صديقاً لك أنه دخل في الإسلام دخولاً حقيقياً، فلما طلب عمر من الهرمزان النصحية قال الهرمزان: إن فارس اليوم رأس وجناحان، أي: فارس مثل طائر له رأس وله جناحان، فقال له عمر ﵁: فأين الرأس؟ قال: نهاوند مع بندار واحد من أعظم رؤساء الفرس، فإن معه أساورة كسرى وأهل أصفهان. قال عمر: فأين الجناحان؟ فذكر الهرمزان الجناحين، والراوي يقول: نسيت المكان الذي ذكره، فقال الهرمزان لـ عمر ناصحاً: اقطع الجناحين توهن الرأس، فقال له عمر ﵁: كذبت يا عدو الله تريد أن تفل جموع المسلمين وتفتتهم شمالاً ويميناً حتى إذا جاءوا للرأس هُزموا، بل أبدأ بالرأس، فكان عظيم الحكمة رضي الله ﵎ عنه، قال: بل أعمد إلى الرأس فيقطعه الله، وانظر إلى قوله البليغ، ليس هو الذي يقطع الرأس، ولكن الله هو الذي سيقطعه، فإذا قطعه الله عنهم، انقطع عنهم الجناحان، فأراد عمر أن يسير بنفسه لقتال الفرس رضي الله ﵎ عنه، فإذا بأصحابه رضوان الله عليهم يقولون: نذكرك الله يا أمير المؤمنين أن لا تسير بنفسك إلى العجم، فقد استقرت الدولة في عهد عمر، وكانت دولة الإسلام في عهده أعظم ما يكون. قال النبي ﷺ : (لم أر عبقرياً يفري فري عمر) ﵁، وذلك حين رآه في رؤيا منامية. فقالوا: إن أصبت بها لم يكن للمسلمين نظام، ولكن ابعث الجنود، فبعث أهل المدينة وبعث فيهم ابنه عبد الله بن عمر حتى لا يقال: عمر قعد وخاف على أهله، قال: وبعث المهاجرين والأنصار لتثبيت المقاتلين من المسلمين. وكتب إلى أبي موسى الأشعري ﵁ أن سر بأهل البصرة، وكتب إلى حذيفة بن اليمان أن سر بأهل الكوفة، حتى تجتمعوا بنهاوند جميعاً، فإذا اجتمعتم فأميركم النعمان بن مقرن ﵁، وهو صحابي فاضل، وذكرنا أنه كان عظيم الزهد كثير البكاء من خشية الله سبحانه، فلما اجتمعوا بنهاوند أرسل إليهم بندار كبير الفرس أن أرسلوا إلينا يا معشر العرب رجلاً منكم نكلمه، فبعث الصحابة إليه المغيرة بن شعبة ﵁ وكان من أذكى خلق الله رضي الله ﵎ عنه. فذهب المغيرة بن شعبة، قال الراوي: وهو رجل طويل أشعر، أي: شعره طويل أعور رضي الله ﵎ عنه، وأفتاهم فلما رجع إلينا سألناه فقال: وجدت العلج قد استشار أصحابه. والعلج بمعنى: الرجل غير العربي، والعلوج يعني: غير العرب، يطلق عليهم ذلك، قال: قد استشار أصحابه في أي شيء تأذنون لهذا العربي؟ أبشارتنا وبهجتنا وملكنا أو نتقشف له فنزهده؟ يعني: إذا جاءنا هذا العربي، هل نظهر له أبهتنا وعظمتنا وفرشنا فيخاف منا، أو نظهر أمامه في صورة الزهاد المتمسكين الذين لا حيلة لهم، فيبعدون عنا ويتركونا؟ قالوا: بل نأذن له بأفضل ما يكون من الشارة والعدة، قال: فلما رأيتهم رأيت تلك الحراب والترع يلمع منها البصر، فلما نظر إلى المنظر الذي هم فيه قال: ورأيتهم قياماً على رأس أميرهم أو رئيسهم، فإذا هو على سرير من ذهب، أي: له عرش ضخم جداً من ذهب وعلى رأسه التاج، فمضيت كما أنا، والصحابة زهاد لا يملكون إلا الثياب الرثة، وقد كان يلبسها ﵁، قال: ونكست رأسي لأقعد معه على السرير، فدفعت ونهرت، فقلت لهم: إن الرسل لا يفعل بهم هذا! فلما قال لهم ذلك، قالوا: إنما أنت كلب أتقعد مع الملك؟! فقال: لأنا أشرف في قومي من هذا فيكم، فانتهرني وقال: اجلس فجلست، فترجم لي قوله فقال: يا معشر العرب إنكم كنتم أطول الناس جوعاً، وأعظم الناس شقاءً، وأقذر الناس قذراًً، وأبعد الناس داراً، وأبعدهم من كل خير، وما كان منعني أن آمر هذه الأساور أن ينتظموكم بالنشاب إلا تنجساً لجيفكم لأنكم أرجاس، فإن تذهبوا يخلى عنكم، وإن تأبوا نبوئكم مصارعكم. انظروا هنا الافتخار بالنفس والكبر والغرور الذي يؤدي بالإنسان إلى أن يكون جيفة في القبور، تكبر على أصحاب النبي ﷺ وقال: أنتم جيف! قال المغيرة: فحمدت الله وأثنيت عليه وقلت: ما أخطأت من صفتنا شيئاً، إن كنا لأبعد الناس داراً، وأشد الناس جوعاً، وأعظم الناس شقاءً، وأبعد الناس من كل خير، حتى بعث الله إلينا رسولاً صلوات الله وسلامه عليه فوعدنا بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة، فلم نزل نتعرف من ربنا منذ جاءنا رسوله ﷺ الفلاح والنصر حتى أتيناكم، وإنا والله نرى لكم ملكاً وعيشاً لا نرجع منه إلى ذلك الشقاء أبداً، يعني: لن نترككم أبداً سنأخذ كل ما عندكم، فقد كان ﵁ غاية في الذكاء، وكان عظيماً في الكياسة وعظيماً في التكلم ﵁، واختيار ما يرعب به خصمه، قال: لا نرجع إلى ذلك الشقاء أبداً حتى نغلبكم على ما في أيديكم أو نقتل في أرضكم، فقال الرجل لقومه: أما الأعور فقد صدق، هذا الأعور الذي جاءكم قد صدق في كلامه الذي نسمع، قال: فقمت من عنده وقد -والله- أرعبت العلج جهدي. فهذا واحد من المسلمين يرعب عظيم الفرس قائد هذا الجيش كله! فقال: فأرسل إلينا العلج إما أن تعبروا إلينا بنهاوند وإما أن نعبر إليكم، وكان بين المسلمين والكفار نهر فقال النعمان بن مقرن ﵁: اعبروا إلينا، قال راوي الحديث: فلم أر مثل اليوم قط، إن العلوج يجيئون كأنهم جبال الحديد، أي: كأني أنظر إلى أعدادهم وعدتهم وكأنهم جبال من حديد، هيئتهم من الأكل والشرب والاستعداد الواحد منهم مثل الجبل، والتروس التي عليه والعدد التي عليه كأنها جبل من حديد. قال: وقد تواثقوا أن لا يفروا من العرب، وقد قرن بعضهم إلى بعض حتى كان السبعة في قران، أي: ربطوا أنفسهم بسلاسل، كل سبعة مربوطون في سلسلة، بحيث لا يفرون من العرب، وكأنهم جبال مربوطة ببعضها، والعرب أعدادهم أقل من أعداد هؤلاء بكثير، وحدثت المعركة بينهم والحديث طويل نرجئه للغد إن شاء الله. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3609

تفسير سورة محمد [٧ - ١١] وعد الله المؤمنين بالنصر إذا هم نصروه، وكتب التعاسة والشقاء على الكافرين، والله يمحص المؤمنين حتى يعودوا إلى دينهم، وهو وليهم، والكفار لا مولى لهم.

стр. 3610

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة محمد ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:٧ - ١١]. في الآيات وعد من الله للمؤمنين الذين يدافعون عن دينه، وينصرون دين الله سبحانه أن ينصرهم الله سبحانه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، وقد عرفنا جهاد النبي ﷺ وغزواته صلوات الله وسلامه عليه، وكيف ثبت الله المؤمنين في مواطن كثيرة ومن عليهم بذلك، قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ [التوبة:٢٥]، ولكن حين ظنوا أنهم ينتصرون بقوتهم، بين لهم النبي ﷺ من هذا الظن خطأ، وأن القوة ليست كل شيء، وإنما الإنسان يُعد ما استطاع من قوة إيمانية، وقوة بدنية، وقوة في السلاح وغير ذلك، فالأصل أنَّ قلب الإنسان يكون مؤمناً، ومتوكلاً على الله . فإذا ظن الإنسان أنه بقوته ينتصر فقد أصابه غرور واستحق أن يتركه الله ، فكان النبي ﷺ يحذر الصحابة من الغرور ومن الاستكبار ويقول لهم حين يقول له سعد: يا رسول الله هذا السيف أريد، أعطني هذا السيف لعله يأخذه من لا يبلي بلائي، وكان عظيم البلاء ﵁، وكان في قتاله شديداً، وكان النبي ﷺ يفديه وهو يرمي ويقول: (ارمِ فداك أبي وأمي)، ومع هذا كله لم يعطِهِ السيف في يوم بدر، وكأنه يقول: أنا يدي قوية، أنا سأقاتل قتالاً شديداً، ولعله يأخذه من لا يجيد استعمال هذا السيف، فقال: (ضعه مكانه). فلما أكثر على النبي ﷺ قال: (وهل تنصرون إلا بضعفائكم؟) فالضعيف يذهب ليقاتل في سبيل الله وليس هذا مدح للضعف، وإنما مدح لقوة إيمان المؤمن الذي لا حيلة له. وقد كان عبد الله بن مسعود من أعظم أصحاب النبي ﷺ علماً ومع ذلك كان نحيفاً جداً، وكان قصيراً جداً ﵁، قال النبي ﷺ حين ضحك الصحابة من دقة ساقيه: (لهما أثقل في الميزان من جبل أحد) فهو ﵁ خلقه الله هكذا والله يخلق ما يشاء، ولما أراد أن يحز رقبة أبي جهل بسيفه أخذ يضرب في أبي جهل ويضرب، والسيف لا يؤثر حتى قال أبو جهل: خذ سيفي، فأخذ سيفه وصعد فوق صدره فحز رقبته لعنة الله عليه. هذا صحابي لم يمنعه أنه نحيف البدن، قصير القامة من أن يجاهد في سبيل الله رضي الله ﵎ عنه، فيقول النبي ﷺ : (هل تنصرون إلا بضعفائكم؟)، يجاهدون في سبيل الله فيري الله كيف يصنع هؤلاء، فالضعيف يقاتل ما استطاع، ويفعل ما يقدره الله عليه، بل يكون في قلبه قوة الإيمان بالله الذي يدفعه لأن لا يرى أنه أقل من غيره في القوة، والكفار كالجبال وهذا بجوارهم قصير ونحيف، ومع ذلك يقف ليقاتل في سبيل الله ! هذا الضعيف قوة الإيمان في قلبه ويقول: يا ربي يا ربي فينصرنا الله بدعاء الضعيف، والضعيف أشد دعاءً واستغاثة بلله ، وأكثر تضرعاً إلى الله ، فالإنسان القوي ينسى نفسه وفي أثناء القتال يتناسى أمر الدعاء ويعتمد على أنه يهجم على الأعداء، لكن الضعيف دائماً على لسانه ذكر الله سبحانه؛ لأنه يعلم أن النصر ليس بيده، وهو ضعيف إن لم يقوّهِ الله وإن كان الجميع هكذا، ولكن الضعيف أشد استحضاراً لهذا الحال من القوي، فقال النبي ﷺ : (هل تنصرون إلا بضعفائكم؟)، يرحمهم الله ، وليس الضعيف هو الإنسان الذي هو نحيف البدن أو أنه قليل القوة فقط، ولكن الضعيف أيضاً النساء والصبيان، فهؤلاء الضعفاء يدعون الله فيستجيب الله سبحانه، وينصر المسلمين ببركة دعوة هؤلاء، ولجوئهم إلى الله ، وصدق استغاثتهم به سبحانه.
следующие страницы →