Полный текст (3 717 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة محمد ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٧ - ٨].
يخبرنا ربنا في هذه الآيات أن النصر من عنده، وأنه ينصر المؤمنين إذا نصروا دين الله سبحانه، وهذا سبب ونتيجة، شرط وجواب، فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ﴾ [محمد:٧] إن تنصروا دين الله ، وإن تدافعوا عن دين الله سبحانه، وإن تنصروا المستضعفين من المؤمنين؛ فالله ناصركم ومثبت أقدامكم، ومعطيكم خير الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد:٧] أي: يا من صدقتم ودخلتم في هذا الدين، موقنين بالله رب العالمين أنه ربكم وأن هذا رسولكم صلوات الله وسلامه عليه، وأن هذا القرآن من عند رب العالمين.
يا من آمنتم بالجنة وعرفتم النار وصدقتم وآمنتم بهذا كله، يا مؤمنون جاهدوا في سبيل الله ، فإذا نصرتم الله فالله معكم والله ناصركم سبحانه.
وكان المؤمنون يدعون ربهم سبحانه في قتالهم يقولون: فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا إن الألى إذا بغوا علينا أو أرادوا فتنة أبينا فكانوا يقولون لله سبحانه: ثبت الأقدام إن لاقينا، فالله يثبتهم بما يشاء من تثبيت، وتثبيت الأقدام يأتي من تثبيت القلوب، ويأتي مما يصنعه الله للمؤمنين، قال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ [الأنفال:١١].
فهذا تثبيت من الله للمؤمنين: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال:١١] المؤمنون في قتالهم الأعداء يرون كثرة أعدائهم، ويرون قلة ما هم فيه من عدد ومن عدة، ومع ذلك إذا بالله يثبت المؤمنين تثبيتاً شديداً.
ويخبرهم الله على لسان النبي ﷺ بالوعد الحق أنه ناصرهم في يوم بدر، وأنه سيربط على قلوبهم سبحانه، قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الأنفال:١١] أي: بركات من السماء، فإذا بهم يجدون ما يشربون من ماء السماء ويتوضئون به، كذلك يجعل التراب الذي تحت أقدامهم صلباً فتثبت أقدامهم.
ويربط بذلك على قلوبهم ويعطيهم شيئاً عجيباً أن يناموا والأعداء يتربصون بهم، قال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال:١١] فينام أحدهم وهو قاعد وهو قائم ويغشى عليه، حتى يكاد يقع عن الدابة التي هو عليها، فينامون ربطاً على قلوبهم، فيثبتهم الله سبحانه ﵎ بذلك.
وحين يواجهون أعداءهم، قال الله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ [الأنفال:٤٣] فالله عليم بذات الصدور، وأعلم بما في نفوس المؤمنين، فيري النبي ﷺ رؤيا منامية أن الأعداء قليلون، فيطمئن النبي ﷺ ويبشر المؤمنين.
قال تعالى: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ [الأنفال:٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال:٤٤] وقال تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:٤٢] أي: سميع بما تقولون، عليم بما تفعلون سبحانه، عليم بما في قلوبكم، وتدبير الأمر كله من الله سبحانه، تجد أنه يحرك هؤلاء ويحرك هؤلاء، فالكفار يرون المؤمنين قلة وهذه الحقيقة، والمؤمنون يرون الكفار قلة، إذ إن الله سبحانه غير المنظر فأرى المؤمنين أن الكفار عددهم قليل جداً فإذا بالمؤمنين يستأسدون ويتقوون على أعدائهم، والكفار يرون المؤمنين قلة حتى يهجموا ويقدموا للقتال، فلو انعكس الأمر بأن جعل الله الكفار يرون المؤمنين عدداً كثيراً لما حصل قتال، ولهرب الكفار وهم الذين جاءوا للمؤمنين، ولكن الله أراد أن يلتقي الفريقان وأن يتقدم الكفار إلى المؤمنين حتى يرينا نصره سبحانه، قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران:١٢٦]، فهذا شيء أحدثه الله للمؤمنين حين التقوا مع الكفار في يوم بدر، ونصر الله المؤمنين نصراً عظيماً ما كانوا يتخيلونه.
قال تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧] فهم قد نصروا الله سبحانه، وقد سألهم النبي ﷺ حين رأى الكفار وعدد الكفار: (أشيروا علي أيها القوم) فكانت الإشارة من المهاجرين ومن الأنصار: أقدم يا رسول الله، لو خضت بنا برك الغماد لخضناه معك.
أي: اذهب لآخر الأرض التي نعرفها وهي برك الغماد فسنذهب معك لهذه الأرض مثلما تريد، وأوصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعاد من شئت، وسالم من شئت، نحن معك، ولا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] بل نقول: إنا معكما مقاتلون.
قاتل يا رسول الله ونحن معك ونحن أمامك ووراءك صلوات الله وسلامه عليه، فكان النصر من عند الله ، وهذه معاني نتعلمها من كتاب الله ومن سير أصحاب رسول الله مع النبي صلوات الله وسلامه عليه في جهادهم وقتالهم للكفار.
فقد رباهم النبي ﷺ على حب الجنة، فكان جهادهم ابتغاء مرضات الله وطلباً لهذه الجنة العظيمة، والله يعدهم هذا الوعد العظيم: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧] ولم يكن للنبي فقط ﵊ وإنما الوعد باق من الله لكل المؤمنين في كل زمان ومكان.
فقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧] أي: ينصركم الله إذا أتيتم بشروط هذا النصر، وهو نصركم لدين الله وإعدادكم للكفار ما استطعتم من قوة، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]، فإذا أعد المؤمنون أنفسهم وأعدوا ما في قلوبهم من قوة بالاعتصام بحبل الله وبكتاب الله وبهدي رسول الله ﷺ وبالتمسك بدينهم، وأعدوا ما استطاعوا من قوة ومن عدة ومن عدد لجهاد أعدائهم، ومن ربط بين المسلمين وتآلف فيما بينهم ومن اتحاد واعتصام بحبل الله سبحانه، فإن الله ناصرهم.
стр. 3607
تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا فتعساً لهم وأضل أعمالهم)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٨] أي: الذين كفروا لهم الخيبة ولهم التعس ولهم التعاسة ولهم الشقاء ولهم الوبال ولهم الهلاك والشنار، ولهم من الله الدمار، فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ [محمد:٨] أي: يتعسهم الله ويخزيهم ويخيب أمرهم .
فلست أنت الذي تصنع، وإنما الله يصنع ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].
وهل الكفار فقط الذين يتعسون؟ الله ذكر ذلك، وذكر لنا النبي ﷺ أن من الذين يتعسون من عبد الدنيا ومن طلب الدنيا ومن كان همه فيها الدينار والدرهم، قال رسول الله ﷺ : (تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم).
فالإنسان الذي همه الدنيا إنسان تعيس، دعا عليه النبي ﷺ بالتعاسة وبالخيبة وبالشقاء وبأن لا ينال مراده من هذه الدنيا، قال: (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش).
فدعا عليه النبي ﷺ لأن همه في الدنيا، لا يهتم لدين ولا لصلاة ولا لصوم ولا لدعوة إلى الله سبحانه، سواء انتصر المسلمون أو انهزموا لا يهمه ذلك، المهم ماله! فالنبي ﷺ يقول: خيبك الله، تعست أيها الإنسان، أنت همك نفسك فقط، وأنت ما خلقت إلا لإقامة هذا الدين، فكل أمر الله ليس على بالك، فلا تستحق إلا التعاسة والخيبة والشقاء.
قال: (تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش)، الانتقاش: إزالة الشوكة بالملقاط، فيدعو عليه النبي ﷺ أنه لو شيك فلا قدر على أن يخرجها من قدمه؛ لأنه لا يستحق أن يعافى؛ لأنه ابتعد عن دين الله .
بل الكافر له التعاسة وله الشقاء، وكذلك من المسلمين من تركوا دين الله وراءهم ظهرياً وعبدوا الدرهم والدينار، وأقبلوا على الدنيا وعلى تحصيلها من كل مكان، وفروا من القتال في سبيل الله ومن الجهاد في سبيله.
стр. 3608
من قصص الصحابة في نصرهم دين الله
إن قصص الصحابة كثيرة في نصر دين الله ، وقد رأينا كيف أنهم يدعون إلى الله في قتالهم لأعدائهم، فإذا أصر أعداؤهم على الكفر قاتلوهم فنصر الله بهم دين الله سبحانه.
كان أحدهم يتقدم ويتحنط قبل القتال كما فعل ثابت بن قيس بن شماس خطيب الأنصار بل خطيب رسول الله ﷺ ، فعند قتال مسيلمة الكذاب ومن معه قال لمن معه من التابعين ومن حضر الموقعة: بئس ما عودتم أقرانكم، أن تفروا من أمام هؤلاء! وكان يلبس كفنه، ويريهم أن الذي يتقدم للقتال لا يطلب الدنيا؛ لأن الذي يطلب الدنيا لن يقاتل، بل سيفر ويهرب، فاطلب الآخرة، فقد كان أحدهم يتقدم للقتال في سبيل الله ويقول: واه لريح الجنة، لئن صبرت حتى آكل هذه التمرات إنه لعمر طويل، فيرميها ويتجه للقتال في سبيل الله طالباً جنته .
وهذه قصة في عهد عمر رضي الله ﵎ عنه في فتح نهاوند، ونهاوند من بلاد الفرس فتحها الله للمؤمنين في عهد عمر ﵁، وكان قائد المسلمين في القتال هو النعمان بن مقرن رضي الله ﵎ عنه، أحد أصحاب النبي ﷺ ، وكان بكاءً ﵁، عظيم البكاء من خوف الله ، وفتح الله على يديه وعلى يد المسلمين هذه البلدة التي كانت صعبة وعسيرة.
وهذه القصة يذكرها ابن جرير الطبري في تاريخه ويذكرها ابن حبان في سياق طويل جداً، وهي قصة إسنادها صحيح صححها الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة، وفيها يقول ابن جبير بن حية عن أبيه أن الهرمزان أحد قادة الفرس أسره عمر رضي الله ﵎ عنه وكان عمر يريد قتله، فـ الهرمزان أراد أن يشرب ماء وخدع عمر ﵁ بقولة قالها، وذلك لما أتوا له بالماء لم يمد يده إليه، فإذا بـ عمر يقول له: اشرب لا بأس، عمر يقصد أنه لن نفعل بك شيئاً، فالرجل أخذ الماء وشرب فلما أراد عمر قتله قال: لقد أمنتني أي: أعطيتني الأمان، فكيف تقتلني الآن؟ فتعجب عمر وقال: أين الأمان الذي أعطيته لك؟ قال: قلت لي: اشرب لا بأس، فإذا بـ عمر ينظر للصحابة وكان عظيم الورع، فقالوا: صدق أنت الذي قلت له: لا بأس، قال: خدعني خدعه الله.
وأظهر الهرمزان إسلامه، وكان مع عمر، فأراد عمر ﵁ النصيحة من الهرمزان في أمر فارس، وقد كان عمر في غاية الذكاء رضي الله ﵎ عنه، لا مانع من أن يأخذ النصيحة ممن كان عدواً له، ولكن يفكر في هذه النصيحة قبل أن يأخذ بها، وهل يقبل النصيحة من عدو؟ فقد يكون أنت تقاتله البارحة، واليوم صار صديقاً لك، لكن العداوة ما زالت موجودة في القلب، فليس معنى أنه في البارحة كان عدواً لك واليوم صديقاً لك أنه دخل في الإسلام دخولاً حقيقياً، فلما طلب عمر من الهرمزان النصحية قال الهرمزان: إن فارس اليوم رأس وجناحان، أي: فارس مثل طائر له رأس وله جناحان، فقال له عمر ﵁: فأين الرأس؟ قال: نهاوند مع بندار واحد من أعظم رؤساء الفرس، فإن معه أساورة كسرى وأهل أصفهان.
قال عمر: فأين الجناحان؟ فذكر الهرمزان الجناحين، والراوي يقول: نسيت المكان الذي ذكره، فقال الهرمزان لـ عمر ناصحاً: اقطع الجناحين توهن الرأس، فقال له عمر ﵁: كذبت يا عدو الله تريد أن تفل جموع المسلمين وتفتتهم شمالاً ويميناً حتى إذا جاءوا للرأس هُزموا، بل أبدأ بالرأس، فكان عظيم الحكمة رضي الله ﵎ عنه، قال: بل أعمد إلى الرأس فيقطعه الله، وانظر إلى قوله البليغ، ليس هو الذي يقطع الرأس، ولكن الله هو الذي سيقطعه، فإذا قطعه الله عنهم، انقطع عنهم الجناحان، فأراد عمر أن يسير بنفسه لقتال الفرس رضي الله ﵎ عنه، فإذا بأصحابه رضوان الله عليهم يقولون: نذكرك الله يا أمير المؤمنين أن لا تسير بنفسك إلى العجم، فقد استقرت الدولة في عهد عمر، وكانت دولة الإسلام في عهده أعظم ما يكون.
قال النبي ﷺ : (لم أر عبقرياً يفري فري عمر) ﵁، وذلك حين رآه في رؤيا منامية.
فقالوا: إن أصبت بها لم يكن للمسلمين نظام، ولكن ابعث الجنود، فبعث أهل المدينة وبعث فيهم ابنه عبد الله بن عمر حتى لا يقال: عمر قعد وخاف على أهله، قال: وبعث المهاجرين والأنصار لتثبيت المقاتلين من المسلمين.
وكتب إلى أبي موسى الأشعري ﵁ أن سر بأهل البصرة، وكتب إلى حذيفة بن اليمان أن سر بأهل الكوفة، حتى تجتمعوا بنهاوند جميعاً، فإذا اجتمعتم فأميركم النعمان بن مقرن ﵁، وهو صحابي فاضل، وذكرنا أنه كان عظيم الزهد كثير البكاء من خشية الله سبحانه، فلما اجتمعوا بنهاوند أرسل إليهم بندار كبير الفرس أن أرسلوا إلينا يا معشر العرب رجلاً منكم نكلمه، فبعث الصحابة إليه المغيرة بن شعبة ﵁ وكان من أذكى خلق الله رضي الله ﵎ عنه.
فذهب المغيرة بن شعبة، قال الراوي: وهو رجل طويل أشعر، أي: شعره طويل أعور رضي الله ﵎ عنه، وأفتاهم فلما رجع إلينا سألناه فقال: وجدت العلج قد استشار أصحابه.
والعلج بمعنى: الرجل غير العربي، والعلوج يعني: غير العرب، يطلق عليهم ذلك، قال: قد استشار أصحابه في أي شيء تأذنون لهذا العربي؟ أبشارتنا وبهجتنا وملكنا أو نتقشف له فنزهده؟ يعني: إذا جاءنا هذا العربي، هل نظهر له أبهتنا وعظمتنا وفرشنا فيخاف منا، أو نظهر أمامه في صورة الزهاد المتمسكين الذين لا حيلة لهم، فيبعدون عنا ويتركونا؟ قالوا: بل نأذن له بأفضل ما يكون من الشارة والعدة، قال: فلما رأيتهم رأيت تلك الحراب والترع يلمع منها البصر، فلما نظر إلى المنظر الذي هم فيه قال: ورأيتهم قياماً على رأس أميرهم أو رئيسهم، فإذا هو على سرير من ذهب، أي: له عرش ضخم جداً من ذهب وعلى رأسه التاج، فمضيت كما أنا، والصحابة زهاد لا يملكون إلا الثياب الرثة، وقد كان يلبسها ﵁، قال: ونكست رأسي لأقعد معه على السرير، فدفعت ونهرت، فقلت لهم: إن الرسل لا يفعل بهم هذا! فلما قال لهم ذلك، قالوا: إنما أنت كلب أتقعد مع الملك؟! فقال: لأنا أشرف في قومي من هذا فيكم، فانتهرني وقال: اجلس فجلست، فترجم لي قوله فقال: يا معشر العرب إنكم كنتم أطول الناس جوعاً، وأعظم الناس شقاءً، وأقذر الناس قذراًً، وأبعد الناس داراً، وأبعدهم من كل خير، وما كان منعني أن آمر هذه الأساور أن ينتظموكم بالنشاب إلا تنجساً لجيفكم لأنكم أرجاس، فإن تذهبوا يخلى عنكم، وإن تأبوا نبوئكم مصارعكم.
انظروا هنا الافتخار بالنفس والكبر والغرور الذي يؤدي بالإنسان إلى أن يكون جيفة في القبور، تكبر على أصحاب النبي ﷺ وقال: أنتم جيف! قال المغيرة: فحمدت الله وأثنيت عليه وقلت: ما أخطأت من صفتنا شيئاً، إن كنا لأبعد الناس داراً، وأشد الناس جوعاً، وأعظم الناس شقاءً، وأبعد الناس من كل خير، حتى بعث الله إلينا رسولاً صلوات الله وسلامه عليه فوعدنا بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة، فلم نزل نتعرف من ربنا منذ جاءنا رسوله ﷺ الفلاح والنصر حتى أتيناكم، وإنا والله نرى لكم ملكاً وعيشاً لا نرجع منه إلى ذلك الشقاء أبداً، يعني: لن نترككم أبداً سنأخذ كل ما عندكم، فقد كان ﵁ غاية في الذكاء، وكان عظيماً في الكياسة وعظيماً في التكلم ﵁، واختيار ما يرعب به خصمه، قال: لا نرجع إلى ذلك الشقاء أبداً حتى نغلبكم على ما في أيديكم أو نقتل في أرضكم، فقال الرجل لقومه: أما الأعور فقد صدق، هذا الأعور الذي جاءكم قد صدق في كلامه الذي نسمع، قال: فقمت من عنده وقد -والله- أرعبت العلج جهدي.
فهذا واحد من المسلمين يرعب عظيم الفرس قائد هذا الجيش كله! فقال: فأرسل إلينا العلج إما أن تعبروا إلينا بنهاوند وإما أن نعبر إليكم، وكان بين المسلمين والكفار نهر فقال النعمان بن مقرن ﵁: اعبروا إلينا، قال راوي الحديث: فلم أر مثل اليوم قط، إن العلوج يجيئون كأنهم جبال الحديد، أي: كأني أنظر إلى أعدادهم وعدتهم وكأنهم جبال من حديد، هيئتهم من الأكل والشرب والاستعداد الواحد منهم مثل الجبل، والتروس التي عليه والعدد التي عليه كأنها جبل من حديد.
قال: وقد تواثقوا أن لا يفروا من العرب، وقد قرن بعضهم إلى بعض حتى كان السبعة في قران، أي: ربطوا أنفسهم بسلاسل، كل سبعة مربوطون في سلسلة، بحيث لا يفرون من العرب، وكأنهم جبال مربوطة ببعضها، والعرب أعدادهم أقل من أعداد هؤلاء بكثير، وحدثت المعركة بينهم والحديث طويل نرجئه للغد إن شاء الله.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3609
تفسير سورة محمد [٧ - ١١]
وعد الله المؤمنين بالنصر إذا هم نصروه، وكتب التعاسة والشقاء على الكافرين، والله يمحص المؤمنين حتى يعودوا إلى دينهم، وهو وليهم، والكفار لا مولى لهم.
стр. 3610
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة محمد ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:٧ - ١١].
في الآيات وعد من الله للمؤمنين الذين يدافعون عن دينه، وينصرون دين الله سبحانه أن ينصرهم الله سبحانه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، وقد عرفنا جهاد النبي ﷺ وغزواته صلوات الله وسلامه عليه، وكيف ثبت الله المؤمنين في مواطن كثيرة ومن عليهم بذلك، قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ [التوبة:٢٥]، ولكن حين ظنوا أنهم ينتصرون بقوتهم، بين لهم النبي ﷺ من هذا الظن خطأ، وأن القوة ليست كل شيء، وإنما الإنسان يُعد ما استطاع من قوة إيمانية، وقوة بدنية، وقوة في السلاح وغير ذلك، فالأصل أنَّ قلب الإنسان يكون مؤمناً، ومتوكلاً على الله .
فإذا ظن الإنسان أنه بقوته ينتصر فقد أصابه غرور واستحق أن يتركه الله ، فكان النبي ﷺ يحذر الصحابة من الغرور ومن الاستكبار ويقول لهم حين يقول له سعد: يا رسول الله هذا السيف أريد، أعطني هذا السيف لعله يأخذه من لا يبلي بلائي، وكان عظيم البلاء ﵁، وكان في قتاله شديداً، وكان النبي ﷺ يفديه وهو يرمي ويقول: (ارمِ فداك أبي وأمي)، ومع هذا كله لم يعطِهِ السيف في يوم بدر، وكأنه يقول: أنا يدي قوية، أنا سأقاتل قتالاً شديداً، ولعله يأخذه من لا يجيد استعمال هذا السيف، فقال: (ضعه مكانه).
فلما أكثر على النبي ﷺ قال: (وهل تنصرون إلا بضعفائكم؟) فالضعيف يذهب ليقاتل في سبيل الله وليس هذا مدح للضعف، وإنما مدح لقوة إيمان المؤمن الذي لا حيلة له.
وقد كان عبد الله بن مسعود من أعظم أصحاب النبي ﷺ علماً ومع ذلك كان نحيفاً جداً، وكان قصيراً جداً ﵁، قال النبي ﷺ حين ضحك الصحابة من دقة ساقيه: (لهما أثقل في الميزان من جبل أحد) فهو ﵁ خلقه الله هكذا والله يخلق ما يشاء، ولما أراد أن يحز رقبة أبي جهل بسيفه أخذ يضرب في أبي جهل ويضرب، والسيف لا يؤثر حتى قال أبو جهل: خذ سيفي، فأخذ سيفه وصعد فوق صدره فحز رقبته لعنة الله عليه.
هذا صحابي لم يمنعه أنه نحيف البدن، قصير القامة من أن يجاهد في سبيل الله رضي الله ﵎ عنه، فيقول النبي ﷺ : (هل تنصرون إلا بضعفائكم؟)، يجاهدون في سبيل الله فيري الله كيف يصنع هؤلاء، فالضعيف يقاتل ما استطاع، ويفعل ما يقدره الله عليه، بل يكون في قلبه قوة الإيمان بالله الذي يدفعه لأن لا يرى أنه أقل من غيره في القوة، والكفار كالجبال وهذا بجوارهم قصير ونحيف، ومع ذلك يقف ليقاتل في سبيل الله ! هذا الضعيف قوة الإيمان في قلبه ويقول: يا ربي يا ربي فينصرنا الله بدعاء الضعيف، والضعيف أشد دعاءً واستغاثة بلله ، وأكثر تضرعاً إلى الله ، فالإنسان القوي ينسى نفسه وفي أثناء القتال يتناسى أمر الدعاء ويعتمد على أنه يهجم على الأعداء، لكن الضعيف دائماً على لسانه ذكر الله سبحانه؛ لأنه يعلم أن النصر ليس بيده، وهو ضعيف إن لم يقوّهِ الله وإن كان الجميع هكذا، ولكن الضعيف أشد استحضاراً لهذا الحال من القوي، فقال النبي ﷺ : (هل تنصرون إلا بضعفائكم؟)، يرحمهم الله ، وليس الضعيف هو الإنسان الذي هو نحيف البدن أو أنه قليل القوة فقط، ولكن الضعيف أيضاً النساء والصبيان، فهؤلاء الضعفاء يدعون الله فيستجيب الله سبحانه، وينصر المسلمين ببركة دعوة هؤلاء، ولجوئهم إلى الله ، وصدق استغاثتهم به سبحانه.
стр. 3611
تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا فتعساً لهم وأضل أعمالهم)
قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٨] التعس أصله: التَعثر، تعس الإنسان بمعنى: انكب، وتعثر وسقط على الأرض.
وتطلق أيضاً التعاسة على الشقاء، وعلى الكآبة، وعلى الخيبة، وعلى الحسرة، وعلى الحرمان، وتطلق أيضاً على التدبير، والتدمير، والإهلاك، كل هذه المعاني جمعها الله في هذه الكلمة للكفار، مكتوب عليهم الشقاء، مهما آتاهم الله من ملك ومن قوة، ومن قدرة وغنىً ونساء، مهما آتاهم الله يستشعرون في قلوبهم التعاسة.
وتتجلى المظاهر الكاذبة والبراقة أمام الناس في قائد الفرس وهو جالس على سرير من ذهب، فيرعبه صحابي واحد، إذْ نظر إليه قائد الفرس فقال: إنما أنتم كالكلاب، ولولا أني أخاف أن تتنجس رماحنا لرميناكم! هذه نظرة هذا الكافر لهؤلاء الصحابة الأفاضل.
ولما مشى المغيرة بن شعبة وكان أعور رضي الله ﵎ عنه قال هذا الكافر لمن حوله: لقد صدق الأعور، صدق في اللقاء، وذلك لمَّا قال لهم: (إن كنا لأبعد الناس داراً، وأشد الناس جوعاً، وأعظم الناس شقاءً، وأبعد الناس من كل خير حتى بعث الله إلينا رسولاً، فوعدنا النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة، فلم نزل نعرف من ربنا منذ جاءنا رسول الله ﷺ الفلاح والنصر حتى أتيناكم.
والكافر ينظر إليه ويقول: صدق فعلاً، هذا الكافر أظهر مظهر العظمة والفخامة أمام هذا الصحابي، لكن بعد ما انصرف إذا به يقول لمن حوله: لقد صدق فيما قال، وسيفعل ما يقول، وقبل أن يأتي المغيرة بن شعبة إليهم استشار قومه في أن يظهروا أمامهم بمظهر متقشف فيه حتى لا يطمعوا فيهم، أو يظهرون أمامهم بمظهر الملوك لكي يخوفونهم؟ كلهم قالوا: بل بمظهر العظمة والفخامة، وكان قبل ذلك خائفاً، وبعد ذلك ازداد رعباً، ورجع المغيرة قوياً في قلبه، شجاعاً في بدنه رضي الله تبارك تعالى عنه، يقول لمن حوله: والله ما تركتهم حتى أرعبت الكافر! هذا هو الفرق بين المؤمن وبين الكافر، الكافر وإن أظهر القوة هو في نفسه خائف وشقي، وفي نفسه الرعب من المستقبل، أمَّا المؤمن مطمئن بالله ، قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
فالمؤمن مطمئن بالله ، أما الكافر: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة:٩٦]، يريد أن يعيش كثيراً فيموت بعد ذلك ولا بعث حسب زعمه، ولما عرف اليهود أن مآلهم النار تطاولوا على النبي ﷺ وقالوا: سنمكث فيها سبعة أيام ثم تخلفونا، فقال النبي ﷺ : (اخسئوا والله لا نخلفكم فيها أبداً، ولا تخرجون منها أبداً).
فلذلك الكافر في تعاسة وفي شقاء، وهو مهما أوتي من بذخ في الدنيا يستشعر في نفسه أنه يفقد شيئاً، لذلك تجد من يسلم من هؤلاء يذكر أنه كان قبل أن يسلم في تعاسة وشقاء، وأنه كان يفقد شيئاً.
يجدون تعاسة في قلوبهم حتى وإن أظهروا أنهم أفضل من غيرهم، فمن أسلم منهم استشعر طعم الإيمان، واستشعر حلاوة هذا الدين، هذا الذي كان ينقصه، أما من بقي على مثل ما هو عليه ففي نفسه الشقاء، وفي نفسه الحرمان والخيبة كما قال الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ [محمد:٨]، في الدنيا وفي الآخرة.
ولذلك تجد أعلى معدل للانتحار في بلاد البذخ والرفاهية وفي بلاد الكفار، والآن عندهم أماكن للموت يسمونها موت الرحمة للانتحار، وهناك أطباء مستعدون لذلك، ومن أراد أن يموت يذهب إلى الأطباء ليعطوه حقنة يموت بسببها، ويشرعون قانوناً لمثل هذا! رجل لديه من الأموال الطائلة ما لديه، لكنه يريد أن يموت؛ لأنه يائس من الدنيا، فهو يستشعر الإحباط في نفسه، وليس بينه وبين الله صلة، لكن المؤمن مهما ابتلي في الدنيا في نفسه أو في ماله، أو فيما يشاء الله سبحانه تجده صابراً محتسباً.
فإذا جاء البلاء فالمؤمن صابر؛ لأنه يعلم أن هذا البلاء قضاء من الله وقدر، فهو راضٍ بقضاء الله وقدره، وصابر لأمر الله سبحانه؛ لأن بعد الضيق سيأتي الفرج؛ وبعد الدنيا ستأتي الآخرة؛ ولأن بعد الشقاء جنة ونعيم وخلود فيها، فهو يصبر، ويطمئن نفسه على ذلك؛ لأنَّ رجوعنا جميعاً إلى الله.
فهناك فرق بين من يعد نفسه للجائزة العظيمة عند الله ، وبين من يقول: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤].
ولذلك يزهق الكافر من الدنيا، ويقتل نفسه برصاصة يئساً من رحمة الله، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]، كفروا بالله، ويئسوا من رحمة الله.
ولذلك من لم يعرف الله سبحانه لم يعرف شيئاً، ومن وجد الله وعرف الله وجد كل شيء وعرف كل شيء، ومن لم يعرف الله سبحانه حتى وإن زعم أنه يعلم في الدنيا قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧].
стр. 3612
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم)
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩] تلك التعاسة التي كتبها الله عليهم بأنهم كرهوا ما أنزل الله، والذي يكره ما نزل من عند الله ضيع نفسه وهو في ضلال مبين، أضل الله أعمالهم في الدنيا فشقوا ففعلوا السيئات والمنكرات، وفي الآخرة أضلهم عن طريق الجنة إلى طريق النار والعياذ بالله؛ لأن هؤلاء: ﴿كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [محمد:٩]، من الكتب، والشرائع، وما نزل من عند الله سبحانه ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩] أي: أبطل أعمالهم حتى لا يعملوا، بزعم الإنسانية، والرحمة، والمساواة بين الخلق، ويفعلون الشيء الذي ظاهره حلو ولكن باطنه لا يعرفون الله سبحانه، ولا يتقربون به إلى الله ، فأحبط الله أعمالهم، فالعمل الصالح لا يقبل إلا من المؤمن.
стр. 3613
تفسير قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم)
قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [محمد:١٠]، ﴿أَفَلَمْ﴾ [محمد:١٠]: تعجب من شأنهم، أي: أما ساروا في الأرض هؤلاء؟ وأكثر الناس بحثاً عن الحفريات وعن الآثار، وأكثر الناس سياحة في الأرض هم الكفار، فقد ساروا في الأرض ورأوا آثار السابقين، أفلا يدفعهم ذلك إلى الإيمان برب العالمين، وقد قال سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت:٥٣]، يرون الآية تلو الآية، ولا يؤمنون، ومن الآيات عثور الكفار على أقدم نسخة من الأناجيل، وهو إنجيل يهوذا ووضعوه تحت الإشعاع فعرفوا أن هذا الإنجيل كتب سنة مائتين أو قبلها من ميلاد المسيح ﵇، وهذا الإنجيل يخالف عقائد النصارى، وفيها أن اليهود يقولون: إن المسيح سأل من يكون مقامي؟ يعني: من يصلب مكاني؟ فتثبت أن المسيح لم يُقتل، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت:٥٣] وفيها أن يهوذا هو الذي صلب وليس المسيح، قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧].
فسبحان الله الذي يري هؤلاء الآيات، ويا ترى هل يقودهم ذلك إلى الإيمان؟ هذا بعيد جداً إلا من ﵀ ، فهم كرهوا ما أنزل الله، وأعجبتهم الدنيا ورضوا بها.
وهذا هرقل عرف النبي ﷺ ، وامتحن أبا سفيان وكان أبو سفيان كافراً، وسألوه عن النبي ﷺ عشرة أسئلة كلها تؤكد لـ هرقل أن محمداً نبي حتى كاد أن يسلم، ثم ضن بملكه، ورفض أن يدخل في دين الله سبحانه بعدما دعا قومه إلى أن يتابعوا النبي صلوات الله وسلامه عليه، فترك الآخرة وطلب هذه الدنيا، قال الله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [محمد:٩ - ١٠]، كيف كان جزاؤهم؟ كيف كانت نهاية السابقين؟ ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [محمد:١٠]، يقال: دمرهم، ودمر عليهم، دمرهم، أي: من الداخل في أنفس هؤلاء، ودمر عليهم أي: فيها ما فيها من الهول، ويكون العذاب من فوقهم، وفيه ما فيه من الرعب.
فقوله تعالى: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [محمد:١٠] أي: أنزل عليهم الدمار من فوقهم فأهلكهم الله سبحانه وأبادهم، واستأصلهم، ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد:١٠]، ليس العذاب لهؤلاء فقط، بل إن كل كافر يكفر بالله له يوم عند الله يذيقه فيه ما يشاء من عذاب أليم.
стр. 3614
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا)
ذكر الله أن ذلك الذي يصنعه الله مع هؤلاء الكفار ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد:١١] أي: المؤمنون وليهم وناصرهم سبحانه، ومعينهم، وهو المدافع عنهم .
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١]، يا ترى هل الكفار ليس لهم أحد يدافع عنهم؟ بل لهم أولياء كثيرون، ولكن لا قيمة لهم، والجيوش التي في الأرض لا تنفعهم أمام ولاية الله ، فالشيطان يفر، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم:٢٢].
ولما رأى الشيطان الملائكة تنزل من السماء فر وقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر:١٦]، ﴿أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة:١٩٦]، ترك أولياءه من الكفار وفر.
إذاً: الكفار لا مولى لهم مهما كانت قوتهم، ومهما كثر عددهم فلا ولاية لهم ولا ناصر لهم من الله .
стр. 3615
ذكر زمن نزول قوله تعالى: (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا)
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد:١١]، هذه الآية نزلت قبل وقعة أحد، ولذلك في أول غزوة أحد انتصر المسلمون ولما خالفوا أمر النبي ﷺ انهزم المسلمون، وظهر الكفار، ثمَّ أجمع الكفار على المسير.
ووقف أبو سفيان يرفع صوته، فيقول: أفيكم محمد ﷺ ؟ قال: (لا تجيبوه) فقال: أفيكم محمد؟ قال: (لا تجيبوه)، ففرح أبو سفيان وقال لمن حوله وللمؤمنين: أما محمد فقد قتل، فلم يمسك عمر لسانه وقال: قد أبقى الله لك ما يخزيك أيها الكافر، لم يمت النبي ﷺ ولم يقتل، فرفع أبو سفيان شعاراً وقال: اعل هبل، فقال النبي ﷺ : (ألا تجيبوه؟ قالوا: ماذا نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل، فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، قال: ألا تجيبوه؟ قالوا: وما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم) يعني: وإن انتصرتم فالله معنا وليس معكم.
فالله مولى المؤمنين سواء كانوا منتصرين أو مغلوبين، يتركهم حين يتركون الحق، ويبتعدون عن الصواب ولكن لا يتركهم دائماً، بل لا بد أن تكون هناك فئة من المؤمنين ينصرهم الله سبحانه، كما قال النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم، أو خذلهم حتى تقوم الساعة).
إذاً: الله ينصر المؤمنين، والله يتولاهم، وقد يختبرهم بالمحن أياماً، أو شهوراً، أو سنيناً، ولكن لا يدوم ذلك، فقد وعد الله بنصر هذا الدين، وجاء عن النبي ﷺ أن الله سيمكن للإسلام والمسلمين بعز عزيز، أو بذل ذليل، بعز يعز الله به الإسلام، وبذل يخزي به الكفار.
نسأل الله أن ينصر الإسلام والمسلمين.
أقول قولي هذا، واستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3616
تفسير سورة محمد [١٠ - ١٥]
ألا يتأمل كل من لم يوقن بوعد الله عند سيره في الأرض أن الملك الجبار قد دمر الأمم السابقة المكذبين، وما زالت بعض آثارهم باقية تدل على بطش الله بهم، فيؤمن حتى يستحق ولاية الله سبحانه ليدخله جنات تجري من تحتها الأنهار.
стр. 3617
تفسير قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد:١٠].
قال سبحانه: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ أي: هؤلاء الكافرون.
ثم قال: ﴿فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: هم عند سيرهم في الأرض لم يتعظوا ولم يعتبروا بنهاية السابقين، وكيف أن الله أهلكهم ودمرهم، قال سبحانه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠].
وكيف صنع الله بالأقوام السابقين قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الأيكة وقوم لوط وفرعون وجنوده، وغير ذلك، منهم من قص الله علينا خبره، ومنهم من لم يقصص علينا خبره.
يسيرون في الأرض ليروا كيف صنع الله بهذه المخلوقات التي كانت على الأرض، أبادها وأنشأ غيرها، وكلما حفروا في الأرض نظروا إلى آيات وعجائب من خلق الله .
وفي عصر من العصور كانت الديناصورات موجودة في الأرض وقد وجدوا الهياكل العظمية لها، وهي حيوانات ضخمة جداً وعملاقة، فحاولوا أن يجمعوا العظام لكي يتخيلوا منظرها، أين ذهبت هذه الكائنات؟ وكيف استبدل الله بها غيرها سبحانه؟ ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف:٣٣].
دمر الله السابقين، وأهلكهم في أراضيهم، وأهلك زروعهم، ودوابهم، أهلك ما شاء سبحانه وأنشأ قوماً آخرين، هلا اعتبروا بذلك؟ وإن الدمار والموت الذي أتى عليهم سيأتي على غيرهم أيضاً فهلا أحسنوا العمل؟ قال: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد:١٠] أي: لن يفلتوا من الله ، فلهم الدمار، ولهم الإهلاك من الله ، ووعد الله حق، وقول الله صدق ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب:٤].
وفي هذه الآية بشارة للمؤمنين أن الله سينصرهم على الكافرين، وأن الله سيهزم الكافرين إن أخذتم بأسباب النصر أيها المؤمنون.
стр. 3618
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا)
قال الله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١] ذلك التدمير للكافرين من الله له سبب بأن الله مولى الذين آمنوا، فالمؤمن يتولى الله ، وينصر دين الله، ويدافع عن أهل الله، فالله يدافع عنه قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨].
قال سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١] أي: لا ناصر لهم من عند الله سبحانه، وإن اجتمع من في الأرض ليدافع عن الكافرين وأراد الله إهلاكهم فلا بد أن يكون أمر الله سبحانه، وقد قال النبي ﷺ : (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).
فالقوم مهما اجتمعوا على شيء من قضاء الله وقدره فسيكون، ولو اجتمعوا على شيء لم يقدره الله فمستحيل أن يكون هذا الشيء الذي يجتمعون عليه.
стр. 3619
تفسير قوله تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار)
يقول ذكراً للمؤمنين ثوابهم وحسن الجزاء من الله سبحانه لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] يعني هل يستوي المؤمنون مع الكفار؟ هؤلاء المؤمنون الأتقياء الذين خافوا من الله، وصدقوا بموعود الله سبحانه، والذين أخلصوا لله وعملوا من أجل دين الله يدخلهم الله جنات عظيمة.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ﴾ [محمد:١٢] فالله صاحب هذه الجنات، وخالقها، ويتفضل ويكرم عباده فيقول: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر:٤٦] وهو سبحانه الذي يتولى ذلك، فالمؤمن يستبشر ويطمئن فربه كريم .
قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد:١٢] أي: الذين صدقوا وأيقنوا وعملوا الصالحات يدخلهم جنات وبساتين عظيمة في جنة الخلود.
قال تعالى: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [محمد:١٢] أي: في أرضها من تحت أقدامهم، فينظرون إلى الأنهار وهي تجري لا كدورة فيها، ولا عكارة فيها، ولا شيء يؤذيهم فيها.
وسيفسر لنا بعد ذلك ما هذه الأنهار؟ قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ﴾ [محمد:١٢] كأنه يقول لك: قارن بين الاثنين، فالمؤمن آمن في الدنيا وعمل الصالحات، واجتهد في طاعة الله، وفي عبادة الله، وجاهد نفسه وهواه، وجاهد شيطانه، وصبر على أمر الله، وجاهد الكفار والمنافقين، وجاهد كل شيء يؤذي ويشغل عن الله ، فالمؤمن تعب في الدنيا، فاستحق الراحة في الآخرة.
أما الكافر فاستمتع بهذه الحياة الدنيا، فمثلهم مثل البهائم، لا يفهمون ولا يفقهون لماذا خلقوا ولماذا يموتون، وهل هناك بعث أم لا، الذي يهمه الدنيا فقط، فيقضي الدنيا للدنيا؛ لذلك تجد الكفار يجرون في دائرة لا تنتهي، فيمني بعضهم بعضاً، يريدون رفاهية، ويريدون حياة طيبة بزعمهم، ويريدون أن يعيشوا، ويستمتعوا بكل شيء في هذه الدنيا، فإذا بهم في بلاد الكفار عندهم المال، وعندهم النساء، وعندهم ما يشتهونه من أشياء، ومن لديه حاجة لا يرضى بها ويريد أكثر منها! ويشجعون بعضهم على ذلك: فإن كان لأحدهم شقة صغيرة في حي فقير، قيل له: خذ شقة كبيرة في حي غني.
وإن كان عندك بيت قالوا: اجعله قصراً، وهكذا يطلبون الدنيا، والمال، والشهرة، ويقولون: اطلب هذا الشيء واعمل وسنعطيك، بل سنعطيك قبل أن تعمل، فالبنوك موجودة استلف من بنك واعمل لنفسك بيتاً، أو دع البيت القديم وخذ الجديد، ويبيع سيارته لكي يأخذ الموديل الجديد الأحدث منها، وهكذا شغلهم في الدنيا بما لا ينفعهم في الآخرة.
وأيضاً: كثير من المسلمين يقلدونهم في هذا الشيء، إن كان عنده سيارة موديل قديم تركها وأخذ الأحدث منها، ولا فرق بينهما إلا الموديل! وهذا بذخ وطلب الدنيا للدنيا، يكلف نفسه، ولعله يستدين من بنك أو من أحد ويزيد عشرين ألف فوقها، والذي أدخله في هذه الفرامة الطمع في الدنيا.
وما زاده من مال قد يكون أخذه من ظلم الناس، ونهب أموالهم، وسرقتهم، وقد يمتنع من زكاة المال التي تجب عليه، ويتهرب منها كأن يشتري بماله أشياء تبقى للقنية، ثم يبيعها ليضيع حول زكاة المال في سنته! وهذا طريق الكفار أن يستمتع بالدنيا للدنيا، ويريد كل شيء في الدنيا، ومستحيل أن يحصل إنسان على كل شيء فيها.
يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ﴾ [محمد:١٢] أكل البهائم، والأنعام، يريد الدنيا فيأكل ويشرب فيها، ويعمل ما يشاء، وفي كل مرة يعلن عن أكل جديد وهو متابع لكل جديد.
ويقال له: خذ الدواء الفلاني بالصبح والليل من أجل الصحة والحيوية وتأخير الشيخوخة، مثل الأنعام يريد الحياة الدنيا للدنيا، يريد أن يكون شاباً طول عمره، ويشد وجهه لكي يبدو منظره شاباً.
وما علموا أن الهرمونات الموجودة في جسم الإنسان هي مسئولة عن الشيخوخة أم يريدون إلغاءها؟! ولماذا لا يلغون الموت أيضاً؟! يظنون أنهم يخلدون في هذه الدنيا، سبحان الله! هم مثل البهائم والأنعام كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٤].
ويقول هنا: ﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] فرق بين المؤمن حين يأكل وبين الكافر حين يأكل، الكافر يأكل يريد الصحة والقوة، والمؤمن يتقوى بذلك على طاعة الله ، فالمؤمن يأمره الله : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١].
ويقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢] أي: كل واشرب بقدر من غير أن تؤذي نفسك، ولا تؤذي غيرك، ثم احمد الله واشكره على نعمه؛ فهذه النعم خالصة لك يوم القيامة، وليس عليك حساب يوم القيامة ولا عقاب على ذلك.
أما الكافر فيسأل عن كل شيء، قال تعالى: ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] أي: مقامهم، والمنزل الذي ينزلون فيه، ومكان ثوائهم.
ومعنى يثوون: يقيمون ويؤبدون فيها لا يخرجون منها.
стр. 3620
تفسير قوله تعالى: (وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك)
قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد:١٣].
﴿وَكَأَيِّنْ﴾ أي: كم؟ كثير.
قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [محمد:١٣] أصلها: كأي، ولذلك يقف أبو عمرو ويعقوب عليها: (وكأيْ)، وباقي القراء يقفون: (وكأين) كلمة كاملة.
والقراءات التي فيها: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ [محمد:١٣] قراءة الجمهور: (وكائن)، وقراءة ابن كثير، (وكاين) بالتسهيل، وقراءة أبي جعفر بالمد وبالقصر.
والمعنى: كثير من القرى، والقرية بمعنى: المدينة، فكلمة (قرية) في القرآن معناها المدينة، ونحن نطلق هذا على الريف، والقرية سميت قرية؛ لأنها كبيرة وتجمع من فيها من القَريْ، والقري الجمع، فالمدينة سميت قرية؛ لأنها تجمع أهلها فيها.
قال تعالى: ﴿هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ﴾ [محمد:١٣] أي: من بلدك مكة.
﴿الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد:١٣] ورأينا كيف خرج منها صلوات الله وسلامه عليه ولم يستجب له إلا القليل خلال ثلاث عشرة سنة من دعوته إلى الله .
قال سبحانه: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [محمد:١٣] في جنوب مكة انظروا كيف صنعنا بعاد، وفي شمال مكة كيف صنعنا بثمود، وانظروا حولكم تعرفون كيف صنع الله بالسابقين، قال سبحانه: ﴿فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد:١٣] أي: من ينصرهم من دون الله؟ لم يجدوا لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً.
стр. 3621
تفسير قوله تعالى: (أفمن كان على بينة من ربه)
قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٤] يعني هل يستويان؟ وهل يعقل هذا الشيء؟ الإنسان الذي على بينة ودليل وحجة وبرهان من الله، صدق بذلك، وأيقن أن هذا من عند الله فعمل لذلك، وأيقن بالجزاء وبالحساب وبالجنة وبالنار وبالموعد عند الله ، هل يستوي هذا مع إنسان زين له سوء عمله؟ والتزيين إما خلقة وإما فعلاً ودلالة ووسوسة: فالله ، خلق المال والبنين وجعلهما زينة للحياة الدنيا، وزين النساء، والأرض.
فإذا بهؤلاء ينظرون إلى هذه الأشياء المزينة ولا ينظرون كيف يشكرون الله ليستعينوا بالنعمة على عبادة الله سبحانه ﵎.
زين الله المال فأخذوه سواء من حلال أم حرام، فالمهم أنه مال.
وزين الله النساء، وأباح أن تتزوج بالعقد الشرعي، فإذا بالكافر لا يهتم بالعقد الشرعي، ويريد أن يزني ويريد أن يقع فيما يحب ويهوى، ويريد انتشار الخبث والخبائث بين الناس، فيبيح لنفسه ما حرم الله سبحانه.
إذاً: التزيين يكون من الله الذي زين الخلق، ويكون كوسوسة في النفس ليأخذ الإنسان الحرام فيأتي الشيطان فيزين هوى الإنسان.
إذاً: المقصود بقوله: ((كمن زين)) أن الخلق يزينه الله ، والذي يزين للإنسان أن يقع في الحرام الهوى والشيطان.
فهل يستوي من زين له سوء عمله؛ فاتبع هواه فوقع في النار مع الإنسان المؤمن؟ قال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [محمد:١٤] العمل السيئ كأن يكون الخلق حسناً من الله فإذا بنفس الإنسان تأمره أن يأخذ هذا من الحرام، فجعله الله من أهل النار؛ لأن الله خلق الخلق ليستدل به على أنه الخالق وحده سبحانه، فيعبد دون غيره.
وإذا به ينظر للخلق فيعبد الخلق من دون الله سبحانه، فيعبد الحجارة ويعبد كذا ويعبد كذا، فزين له سوء عمله يظن أن عمله هذا صحيح، وما علم أن الشيطان أغواه بذلك، وزين له سوء عمله فاتبع هواه من دون الله.
стр. 3622
تفسير قوله تعالى: (مثل الجنة التي وعد المتقون)
ثم يذكر لنا الله الجنة وجمال الجنة التي وعد بها المتقون المؤمنون، فانظر إلى هذه الجنة العظيمة العالية، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥] ما مثل هذه الجنة؟ تخيل هذا الشيء، وليس الإنسان حين يتأمل الآية سينظر إلى الجنة حقيقة، إنما هذا تمثيل لتقريب المعنى.
فعندما يقول الله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن:٦٨] فالنخلة في الدنيا إذا أخذت منها بلحة قد يكون طعمها ليس حلواً، فلو ذكر أسماء لا تعرفها فلن تتخيل الجنة، فلا تندفع للعمل لها، لكن لما يذكر لك مثالاً لها، كأن يقال: البلح موجود في مصر، وهناك نوع أحسن منه في بلاد الشام، والبلح الذي في الجنة أعظم فيعطيك المثل.
إذاً تأمل في الشيء الموجود وحاول أن تتخيل ما هو أعظم منه ولن تصل بخيالك إليه.
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [محمد:١٥] أي: وعد الله المتقين هذه الجنة العظيمة.
والمتقون الأتقياء، وتقوى الإنسان أن يبتعد عن الحرام.
قال النبي ﷺ لـ أبي هريرة: (اتق المحارم تكن أعبد الناس).
يعني: إذا تريد أن تصير أتقى الناس وأورعهم فابتعد عن الحرام، وإذا ابتعد المؤمن عن الحرام هداه الله لفعل كل ما يرضي الله ، فإذا بعدت عن الحرام وفقك للحلال، وللواجب، وللمستحب، ولكل عبادة له.
قال تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد:١٥].
هذه الجنة التي ينادى على أهلها، (يا أهل الجنة! إن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، إن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً).
يعيش المؤمن في هذه الجنة العظيمة، فادع ربك سبحانه الجنة، (فإذا سأل العبد ربه الجنة ثلاث مرات قالت الجنة: يا رب أدخله الجنة).
واستجر بالله من النار: (اللهم إني أعوذ بك من النار، اللهم إني أعوذ بك من النار، اللهم إني أعوذ بك من النار، فتقول النار: يا رب! ابعده عني).
فضل من الله ورحمة من الله سبحانه للإنسان المؤمن أن الجنة تحبه، والنار تدعو ربها ألا يكون من أهلها، فكل شيء من خلق الله يحب للمؤمن الخير، فإذا دخل الجنة وجد فيها هذا النعيم العظيم.
قال تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد:١٥].
(آسِنٍ) قراءة الجمهور، و (أسِن) قراءة ابن كثير، و (آسن وأسن) بمعنى: منتن.
فماء الدنيا لو وقف كثيراً أنتن، وماء البحر لو وقف ينتن، وماء النهر كذلك، لكن الله يجري الأنهار لئلا يحصل فيها النتن.
والبحار جعل فيها الملح حتى لا يتأذى الإنسان بنتن الماء.
ولكن ماء الجنة ماء عظيم مستحيل أن ينتن، ولا يتغير طعمه، وليس فيه حصى، ولا تراب.
قال تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد:١٥] حين يترك اللبن في البيت فترة يتغير طعمه، أما لبن الجنة فأنهار لا يتغير طعمه.
قال تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ﴾ [محمد:١٥] خمر الجنة خمر عظيم، لما منعت نفسك من الخمر في الدنيا طاعة لله ، فاشرب ما شئت في الجنة.
قال سبحانه: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ﴾ [الواقعة:١٩] فخمر الدنيا يذهب العقل ويخرف شاربه، ويدوخ وينام ويقوم من النوم تعبان من الخمر التي شربها.
أما في الجنة فلا في صداع، اشرب ما شئت، ولا تذهب العقل، يقال نزف العقل بمعنى.
راح العقل.
فلا ينزفون بسبب هذه الخمر في الجنة، أما خمر الدنيا ففيها الرجس (النجاسة) وذهاب العقل، وتخدع الرجل الحليم وكم صنعت في الناس هذه الخمور فجعلتهم يقتلون، وجعلتهم يزنون، وجعلتهم يفعلون كل ما حرم الله ، وجعلت الرجل الحليم وشكله الكبير في القوم يكون وضيعاً، أتلفت أموال الناس، ولذلك كان بعض أهل الجاهلية يحرمها على نفسه لما رأى من صنيع الخمر به منهم: قيس بن عاصم، فهؤلاء شربوا الخمر مرة فرأوا أنهم يخرفون والناس تضحك عليهم فلما أفاقوا قالوا لهم: عملتم كذا وكذا، فحرموها على أنفسهم.
وهنا الله قارن بين خمر الدنيا وخمر الجنة فخمر الجنة له لذة، وخمر الدنيا مرة، واصبر عمرك وهو قليل حتى تصل إلى الجنة فتأخذ من هذا الذي ادخره الله لك.
قال تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد:١٥] ليس محتاجاً للنحل، فالنحل يأخذ العسل ثم يخلطه ببطنه بشيء ويخرج العسل، أما عسل الجنة فلا نحل ولا شمع ولا كدورة الدنيا، إنما هو عسل مصفى نقي أنهار خلقه الله الذي يقول للشيء: كن فيكون، فجعله أنهاراً! قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [محمد:١٥].
كل ما شئت من كل الثمار التي تتمناها، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة:٢٥]، فهو متشابه شكلاً، مختلف طعماً، وفي الدنيا ستأكل ثمرة أو ثمرتين ثم تمتلئ بطنك أما في الجنة فكل ما شئت فإذا قلت: بطني امتلأ، خرج رشح من الإنسان رائحته رائحة المسك، وكل مرة أخرى كل، في كل وقت ولا يوجد ليل في الجنة، فتجد المؤمن حين يتفكر في الجنة يقول: لا أفرط في الجنة، ولا أضيعها؛ ففيها نعيم دائم، أما الدنيا فنعيم زائل لا يدوم، ولو كان معك مال كثير فكل الناس ينظر إليك حسداً حتى تبتلى بالمرض، أما الآخرة فهي خير وأبقى، فالمؤمن يعمل لهذه الدار العظيمة.
ثم ذكر الله أن هذا الذي أعطيه من نعيم للمؤمن أزيد على ذلك المغفرة، فيغفر الله الذنوب، وكل هذا الفضل من الله ، ومغفرة من ربهم الذي خلقهم، يغفر مغفرة تليق به ، فعبر عنها بالربوبية لله ، وهو الفعال لما يريد سبحانه، لا يتعاظم على الله شيء فيغفر الذنوب جميعاً، من تاب تاب الله عليه.
فهل هؤلاء الذين في الجنة يستوون مع من هو خالد في النار وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم؟ هل يستوي أهل الجنة مع أهل النار الذين يخلدون في النار والعياذ بالله فلا يخرجون منها أبداً؟ قال تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥] طعامهم الزقوم، وشرابهم الحميم، والزقوم طعام مر له شوك يقف في الحلوق، فلا ينزل، ويريدون ماء لإنزال الشوك من الحلوق، فإذا بالله يعطيهم حميماً مغلياً شديد الحرارة يشربونه، فيمزق جلودهم، ويشوي وجوههم، ويدخل في أمعائهم فيخترقها! تخيل تقطيع الأمعاء في الدنيا، الإنسان قد يأتي له مرض شديد فتتقطع من شدة الألم أمعاؤه، لكن تخيل لو أن الطعام كانت حموضته كبيرة فأصابه بالقرحة في الأمعاء واخترق هذه الأمعاء وطلع منه جزء يسير! فسيكون الألم لا يطاق، فعندما يقول لك: قطع أمعاءهم قطعها حقيقة، وهم يستحقون ذلك بما صنعوا، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3623
تفسير سورة محمد [١٦ - ١٨]
النبي ﷺ هو خاتم النبيين، ومبعثه ﷺ من علامات الساعة، وللساعة علامات صغرى وكبرى ذكرها النبي ﷺ ، وقد ظهر أكثرها، وسيظهر الباقي كما أخبر النبي ﷺ .
стр. 3624
تفسير قوله تعالى: (ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة محمد ﷺ : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ * وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ * فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد:١٦ - ١٨].
يخبرنا الله في هذه الآيات عن صفة من صفات المنافقين، والفرق بينهم وبين المؤمنين أن المنافق: إنسان دخل في الإسلام وهو كاره له، لما رأى غلبة الإسلام وغلبة المسلمين أذعن ودخل في دين الله ، وأظهر هذا الإسلام، وأبطن الكفر، وعمل للإفساد بين المسلمين.
والمنافقون أشد الناس على المسلمين، وأفسد الناس فيمن استطاعوا أن يفسدوهم من المسلمين، وهم أكثر الناس إدخالاً للفساد على بلاد المسلمين.
والكافر معروف كفره، أما المنافق فبعض الناس يدافع عنه، وله أقرباء من الناس، ولذلك الناس يسكتون عنه؛ إكراماً لأقربائه؛ ولأنه يقول: أنا مسلم، يسكتون عنه، ويتغاضون عنه، أما هو فلا يسكت، بل يشيع الفاحشة بين المؤمنين، ويشيع الكلام الخبيث بين المؤمنين، ويظهر الكلام الذي يوهن في قوة المسلمين، وإذا جاء وقت الجهاد ووقت الحرب ووقت الغزو إذا به يتكلم عن الكفار بأنهم أقوى ما يكونون، وأن المؤمنين ضعفاء، ولا يقدرون على هؤلاء؛ توهيناً لقوة المسلمين.
والمنافقون فضحهم الله في سورة المنافقون، وأيضاً في سورة براءة، وهنا في هذه السورة ذكر صفة من صفات هؤلاء، وفي سورة براءة ذكر الله كثيراً من صفاتهم.
وهنا ذكر صفة من هذه الصفات فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٦]، ومن هؤلاء عبد الله بن أبي ابن سلول رئيس المنافقين لعنة الله عليه وعلى أمثاله.
ومن هؤلاء رجل اسمه رفاعة بن التابوت، ورجل آخر اسمه زيد بن الصلت، ورجل رابع اسمه الحارث بن عمرو، وكان هؤلاء وغيرهم من المنافقين يعرفهم النبي ﷺ ، وكان هناك غيرهم لا يعرفهم لكن الله يعرفهم، ثم أخبر نبيه ﷺ عن بعض أسماء هؤلاء الذين يموتون على نفاقهم، فهؤلاء من أوصافهم التي ذكر الله في كتابه أن النبي ﷺ يعرفهم في لحن القول، فالمنافق يلحن بقوله فيعرف النبي ﷺ ما في باطن هذا الإنسان بما يظهر على فلتات لسانه.
قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [محمد:١٦]، هنا استمعوا للنبي ﷺ وهو يخطب وهو يذكر ويقرأ القرآن، فكانوا يسمعون ساكتين، وحين يخرجون من عند النبي ﷺ فكما قال الله: ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد:١٦] يعني: حالاً، منذ وقت قريب، فالأنف: الشيء القريب.
وفرق بين أن يسأل الإنسان آخر: ما عملت أمس؟ والسنة التي فاتت ماذا كان فيها؟ أما الذي سيسأل عما حصل في الأمس فستقول له: أنت تشك، أو يمكن أنك ناسٍ، والمنافقون يقول أحدهم للآخر: اترك النبي ﷺ ولا تسمع منه شيئاً، فهو يقول كلاماً لا يدخل عقولنا، ولا يحفظ هذا الكلام، فيريدون أن يشككوا المسلمين، كعادة الإنسان الذي يستهين بمن يعلمه، وبمن يدرسه.
قال تعالى: ((مَاذَا قَالَ آنِفًا)) أي: حالاً، يعني: الخطبة التي كان يقولها ماذا كان يتكلم فيها؟ فيحاولون أن يلقوا الشك في قلوب المؤمنين، فيسألون الذين أوتوا العلم: ((مَاذَا قَالَ آنِفًا))، والعادة أن صاحب العلم حوله من يتعلم منه، وحوله من يسمع له، فكان يأتي المنافق إلى مثل ابن مسعود ﵁ وهو من فقهاء الصحابة فيقول له: ماذا كان يقول؟ يعني: الكلام الذي كان يقوله النبي ﷺ كلام ليس مفهوماً، وكأن هؤلاء الناس الكبار ليسوا فاهمين منه شيئاً، ويشككون المؤمنين فيما يقوله النبي ﷺ ، ففضحهم الله بهذا.
وللمنافقين صفات أخرى كثيرة ذكرها الله، منها قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة:٥٨]، وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة:٤٩] وغيرها من الصفات.
فمن صفاتهم: التشكيك فيما يقوله النبي ﷺ ، والاستهانة بالنبي ﷺ ، والاستهزاء بكلامه ﵊، ودعوى أنه يقول كلاماً لا يفهم.
قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد:١٦]، إذاً: هم يظهرون أنهم لا يفهمون، والحقيقة أنهم وإن فهموا المعنى فقلوبهم في غفلة، وقلوبهم مختوم عليها، ومطبوع عليها، ولا يدخلها الإيمان لفسادها، ولذا قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد:١٦] أي: ختم الله عليها، وجعل عليها أغشية فلا تفقه ولا تعي ولا تفهم ما يقوله النبي ﷺ ، وفرق بين أن يفهم الإنسان أن معنى الإيمان معنى التصديق، وأن يعقل الإنسان بقلبه ذلك فيستجيب له، فهذا استماع وهذا استماع، وهذا استمع للإيمان وهذا استمع للإيمان، ولكن أحدهما استمع ليشكك، والآخر استمع ليصدق، ففرق بين هذا وبين ذاك، فلذلك ذكر الله المؤمنين فقال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾.
فالمنافق بسبب أنه يريد أن يستهين وأن يستهزء بالدين يطبع الله على قلبه، والمؤمن أقبل على الله، وأقبل على رسول الله ﷺ ، وفتح قلبه تواضعاً لدين الله سبحانه؛ ففتح الله قلبه، وزاده إيماناً فوق إيمانه، فالمنافقون قال الله عنهم: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٦]، فهم متبعون للهوى، وسيهوي بهم في نار جهنم والعياذ بالله! وأما المؤمنون فاتبعوا تقوى الله سبحانه ﵎، فآتاهم تقواهم، وآتى كل إنسان من المؤمنين التقوى التي ينتفع بها في الدنيا بأن يسمع ويزداد إيماناً، وينتفع بها في الآخرة بأن يقيه الله من النار.
стр. 3625
تفسير قوله تعالى: (والذين اهتدوا زادهم هدى)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧]، في هذه الآية مسألة من مسائل العقيدة التي يؤمن بها المؤمنون، وهي أن الإيمان يزيد وينقص، كما قال تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣]، وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، فالإيمان أصله التصديق، والذي يريده الله ليس مجرد تصديق، ولكن التصديق الذي يدفع إلى العمل واليقين في القلب، فاليهود كانوا مصدقين بالنبي ﷺ ، ولا يظهرون ذلك، بل يظهرون خلاف ما يعتقدونه، فإذا قالوا: أنت نبي، يستثنون ويقولون: ولكنك نبي الأميين، فهم مصدقون أنه ﷺ نبي، وهم يعرفون بينهم وبين أنفسهم أنه نبي، والكفار كان في قلوبهم التصديق بأنه نبي ﷺ ، ولكن حسدوه صلوات الله وسلامه عليه، وقالوا: وأنى لنا نبي؟ فهم يعرفون معرفة يقينية أن هذا رسول، ولكنهم لم يتبعوه، ولذلك قال النبي ﷺ لبعض اليهود وقد جاءوا إليه وسألوه وقالوا له: صدقت يا محمد! فقال ﷺ : (فما يمنعكم أن تتبعوني؟) فهم كلهم يقولون: أنت صادق، وأنت نبي فعلاً، وقبلوا يديه ورجليه ﷺ ، فكما فلما قال لهم: (ما يمنعكم أن تتبعوني؟) قالوا: نخاف من اليهود، فهؤلاء ليسوا مكذبين للنبي ﷺ ، وليس في قلوبهم أن هذا ليس نبياً، بل هم يعرفون في قلوبهم أنه نبي، بدليل أنهم يعترفون له بذلك، ولكن هذا لا ينفع، فمجرد كونك عرفت أنه نبي ولكنك لم تتبعه هذا لا ينفعك، بل لا بد من الاتباع، ولذلك قال: (ما يمنعكم أن تتبعوني؟) قالوا: نخشى من اليهود، والبعض الآخر قالوا: إن داود دعا بأنه لا يزال في ذريتي نبي، فنحن ننتظر نبياً من ذرية داود عليه وعلى نبينا الصلاة السلام.
وكذبوا فيما قالوه للنبي ﷺ ، فالإيمان الذي يريده الله ليس مجرد التصديق بأن هذا كتاب من عند الله، وأن هذا رسول من عند الله صلوات الله وسلامه عليه، ولكن المراد تصديق ويقين يدفع للاتباع، فيدخل الإنسان في هذا الدين، ويقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فإذا دخل الإنسان في الإيمان عمل الصالحات، وازداد إيماناً فوق إيمانه، فالإيمان يزيد وينقص، يزيد الإيمان بالطاعة، وينقص الإيمان بالمعصية.
فمن اعتقاد المؤمنين أن الله يزيد المؤمنين إيماناً، فيزدادون درجات من عند الله ، وبالمعاصي ينقص الإيمان، وليس المعنى أنه بالمعصية ينقص ويصير كافراً، ولكن المعاصي تتنوع، فقد تكون المعصية كفراً بالله سبحانه ﵎، وأعظم ذلك الشك بهذا الدين والتكذيب بما جاء به سيد المرسلين ﵊.
فالمؤمنون زادهم الله هدى وآتاهم تقواهم، فيعين الله المؤمن بأن يعطيه في قلبه ما يجعله يبصر أن هذا خطأ فيتقي الله، ويبتعد عن الخطأ.
стр. 3626
تفسير قوله تعالى: (فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة)
قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد:١٨].
هؤلاء المنافقون الذين يسمعون فلا ينتفعون، والذين يقولون لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ: مَاذَا قَالَ آنِفًا، قال عنهم: ﴿َهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ﴾ [محمد:١٨]، أي: ينتظرون الساعة فجأة ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨].
يقول قتادة: الناس رجلان: رجل عقل عن الله فانتفع بما سمع، ورجل لم يعقل ولم ينتفع بما سمع، يعني: هذا يسمع وهذا يسمع، ولكن إنساناً سمع فانتفع وآخر سمع فلم ينتفع.
وكان يقال: الناس مع هذا الدين العظيم ومع كلام رب العالمين ثلاثة أنوع: فسامع عامل، وسامع عاقل، وسامع غافل تارك.
سامع عامل أي: يسمع ويعمل بما سمع، وسامع عاقل أي: عقل وفهم هذا الذي يقال، وسامع غافل تارك يعني: يسمع الكلام ولا يستجيب، وكأنه في واد بعيد، وهذا مثل كثير من الناس، فإنك حين تذكره بالله يتضجر، ولو أنه عاقل لما تذكره به، وعرف أن هذا الكلام الذي تقوله سيسأله الله يوم القيامة عنه لما تضجر، فتقول له: تعال صل، فيقول لك: ما لك دعوة، وهو لو يعقل الذي يقوله لما قاله، فهو لن يصلي لك أنت وإنما سيصلي لله سبحانه ﵎، ولو كان يعقل لما قال هذا الشيء، ولكنه في هذا الحين يهرف بما لا يعرف، ويتكلم بالكلام الذي لا يعقله بسمعه ولا بقلبه ولا ببصيرته، فيقول الكلام الذي يؤذيه، ولذلك يقول النبي ﷺ : (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً)، فيغضب الله بما يقول، وليس على باله أن هذه الكلمة عظيمة، فهذا الإنسان يستهزئ، ويستهين يالدين، فيا ترى هل فهم؟ ولو كان يعقل ويتخيل النار التي يلقى فيها يوم القيامة بسبب هذه الكلمة ما قال هذه الكلمة، ولكنه ذهب عقله، وغاب فهمه، فإذا به يتكلم بالكلام الذي يؤذي به نفسه يوم القيامة، قال ﷺ : (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه).
قال سبحانه: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ [محمد:١٨] أي: فجأة يوم القيامة، وقد عرفنا من الأحاديث أنها تكون يوم الجمعة، لكن أي جمعة؟ لا ندري، وهذه الساعة الكبرى، وأما ساعة أحدنا فتكون قبل هذه الساعة الكبرى.
فهنا قال سبحانه: ﴿َهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ [محمد:١٨]، وجاء في حديث النبي ﷺ قال: (بعثت أنا والساعة كهاتين)، وأشار بإصبعيه: السبابة والوسطى، والمعنى: أن المسافة يسيرة بين بعث النبي ﷺ وبين الساعة، ويعدون السنين التي في الدنيا بآلاف السنين، بل يعدونها بالملايين من السنين، والله أعلم بها، والذي بقي من الدنيا وقت قليل، وإذا كان بعث النبي ﷺ وبعثت الساعة معه، فالمعنى: أنه أمر أن يقول للناس وينذر الناس ويبشر الناس، والساعة تليه صلوات الله وسلامه عليه.
إذاً: الساعة قريبة، كما قال الله سبحانه: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب:٦٣].
وقوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ [محمد:١٨] أي: فجأة ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨] أي: علاماتها، وكأنه مأخوذ من الشرط، والشرط: العلامة، ولذلك سميت الشرطة برجال الشرط، من أجل أنهم يلبسون علامات تميزهم عن غيرهم، فالشرطة والشَرَط والشُرَط والشُرْط والأشراط معناها: العلامات.
وقد جاءت أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ في أمر الساعة وما يكون من أمر الساعة، وما الذي يحدث قبلها، سواء علامات الساعة الكبرى، أو علامات الساعة الصغرى.
стр. 3627
ذكر بعض أشراط الساعة
قوله: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨] ما هي أشراط الساعة؟ جاءت أحاديث في ذلك، منها ما في الصحيحين عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا)، فهذه من أشراط الساعة، والساعة لها علامات كبرى، وهذه من العلامات الصغرى، وكلها تقع بين يدي الساعة، فإذا حدثت هذه الأشياء فانتظروا الساعة فإنها قريبة.
وقوله: (إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم) يعني: يجهل الناس الدين، وفي أيام النبي ﷺ كانوا يهتمون بحفظ كتاب الله ، وبحفظ أحاديث النبي ﷺ ، ولم يزالوا هكذا قروناً وراء قرون وراء قرون، إلى أن بدأ الناس يتركون دين الله، وبدأ يقل حفظهم لكتاب الله ولسنة النبي ﷺ ، حتى تجد الرجل الآن لعله لا يحفظ الفاتحة، فتقول له: اقرأ الفاتحة فلا يعرف يقرأ الفاتحة، وكم تسمع من ذلك، بل تجد إنساناً كبيراً في السن ويصلي وعمره نحو ثلاثين أو أربعين سنة أو أكثر فتقول له: اقرأ لي الفاتحة، فيخطئ فيها، ولا يعرف أن يقرأ الفاتحة، وما أكثر هؤلاء رجالاً ونساءً، فيضيع العلم، حتى القرآن العظيم ينسى، فترى الإنسان الذي يتكلم عن القرآن يقول لك: ربنا يقول كذا، ويأتي بمثل من الأمثلة! لا يفرق بين القرآن وبين كلام البشر! وقوله: (يرفع العلم ويظهر الجهل)، أي: يتأصل الجهل في نفوس الناس، فإذا بهم يجهلون القرآن ويجهلون السنة، ويتكلم كل إنسان بما ليس في دين الله ، بل ويثبتون عكس ما في كتاب الله ، فتسمع الناس يتكلمون، فيقوم الواحد منهم يقول لك: ما هو المانع من هذا الشيء؟ لا مانع يمنع من هذا الشيء، الحجاب الذي تذكرونه عليه، ليس هناك آية في القرآن تقول: حجاب، فالحشمة تكفي، والمهم الإيمان في القلب، واللباس لباس التقوى، ونحو هذا الكلام الفارغ، فهذا الذي يقول هذا الكلام هل قرأ القرآن فعلاً حتى يقول: ليس في القرآن آية تأمر المرأة بالحجاب؟ والله يقول: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩]، فهذا لا يقرأ القرآن ولا يعرف شيئاً من القرآن، وإنما الإنسان منهم ينظر في التلفزيون أو يستمع من الراديو أو يقرأ الصحف، ويتكلم ويقول: المتطرفون والمتزمتون يقولون: هذه آيات من القرآن وهذه أحاديث من أحاديث النبي ﷺ ، ويقول هذا المجرم الجاهل: ليس هذا في كتاب الله ولا في سنة النبي ﷺ ! فمن أين أتوا لنا بهذا الكلام؟ ولو أنه قرأ وكلف نفسه أن يختم القرآن ختمة واحدة، لعرف ما في القرآن، ولكن الجهل الذي ثبت ورسخ في قلوب هؤلاء المجرمين هو السبب، فنسوا الله سبحانه ونسوا سنة النبي ﷺ .
ويأتي إنسان آخر فيقول: ويقولون: أهل الكتاب كفرة، هؤلاء مسلمون، فلقد سمعنا من يقول: أهل الكتاب مسلمون، أهل الكتاب مؤمنون! والله يقول: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]، فربنا يقول هذا الشيء، وهذا يقول: ليس في القرآن هذا الشيء، وإنما هؤلاء يريدون أن يكفروا الناس، فكلنا مسلمون وكلنا مؤمنون، وكلنا كذا! ونحو هذا الكلام الخبيث الكاذب، ويقول هؤلاء الخبثاء: ابعد عن القرآن وابعد عن السنة! ثبت الجهل في قلوبهم فإذا بهم يتركون الدين وراء ظهورهم ولا يعرفون شيئاً من دين الله سبحانه ﵎.
قوله: (ويشرب الخمر) يعني: أن الناس يشربون الخمر، وهذه من علامات الساعة؛ فالمحلات في كل مكان مليئة بالخمور، ولا تستطيع أن تنكر؛ فإن صاحب المحل يأخذ رخصة من الدولة من أجل أن يعمل الخمر ويصنعها، ومن أجل أن يبيعها، ويأتي إليه أصحاب الضرائب فيأخذون عليه الضرائب؛ لأنه في زعمهم من ضمن الرعية الموجودين، وله أن يشرب الخمر وأن يبيع الخمر، ولا شيء عليه طالما أن القانون يبيح هذا الشيء، وأما دين ربنا سبحانه ﵎ فليس بمهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله! ولا ننتظر إلا أن يأتيهم عذاب رب العالمين، وإلا أن يخزيهم الله سبحانه، وإلا أن يسلط عليهم أنفسهم وأعداءهم، فتسلط عليهم الكفار، ففي كل يوم يستهينون بدين الله ، ويستهينون بسنة النبي ﷺ ، وهم في غفلة، وهم فقط يدافعون عن أنفسهم ويدافعون عن أمر هذا الدين الذي يزعمونه ولا يعرفون شيئاً عن كتاب الله ولا عن سنة رسول الله ﷺ .
وقوله: (يظهر الزنا) يعني: ما كان مستوراً مختبئاً يصير ظاهراً أمام الناس، وأصبح لا مانع من مواخير في بلاد المسلمين، وأصبحت هناك أماكن يذهب إليها الناس للهو وللزنا وللعبث، ولا أحد يتكلم في هذا الشيء، وطالما أن الذي يفعل هذا والتي تفعل هذا راضيان فلا مانع عندهم في القانون، وحين يقبض على أحد من الناس زنى بزوجة إنسان فإنهم يسجنونه شهرين ويخرجونه! فأين أحكام كتاب الله ؟ ثم بعد ذلك يأتي الكفار ويقولون لهم: لا بد من تشريعات في بلادكم للإباحة الجنسية، لماذا لا يكون فيها إباحة جنسية؟! أين الحرية الجنسية؟! فصدق رسول الله ﷺ حين قال: (يظهر الزنا) أي: يفشوا بين الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله! قال: (وتكثر النساء، ويقل الرجال، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد)، وسيكون ما أخبر به النبي صلوات الله وسلامه عليه.
أيضاً يقول ﷺ : (إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوماً ينتعلون نعال الشعر، وإن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوماً عراض الوجوه، كأن وجوههم المجان المطرقة)، وهذا القتال سيكون بين المسلمين وبين الروم، وبين المسلمين وبين الترك، وبين المسلمين وبين الكفار أهل الغرب، فهنا يخبر النبي ﷺ أنه لن تقوم الساعة حتى يحصل قتال، وصدق رسول الله ﷺ .
ما كان المسلمون أبداً يقولون: إنه سيغزونا الكفار إلى بلادنا، ونحن غزونا العالم كله، وكان الخليفة في أيام الخلافة الإسلامية يقول: اذهبي -يا سحابة- إلى أي مكان فسيأتيني خراجك، أما الآن فالخراج يأخذه الكفار من بلاد المسلمين عنوة وغصباً وعدواناً، ينزلون إلى بلاد المسلمين ويقولون: نحن ندافع عنكم! نحن نريد أن نثبتكم على كراسيكم، فادفعوا لنا ثمن أننا نحارب في المكان الفلاني، وادفعوا لنا في اليوم مليون دولار من أموال بترولكم، ودعونا نأخذ البترول نتصرف فيه مثل ما نريد، فيحتلون بلاد المسلمين، وصدق رسول الله ﷺ حين أخبر أنه لا تقوم الساعة حتى يحدث ذلك، فحصل الذل على المسلمين بتفريطهم في دينهم، فإذا فرط الإنسان في دينه فإن الله لا يدافع عنه؛ لأن الله لا ينصر إلا المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨].
أما إذا كانوا ليسوا بمؤمنين فكيف يتوقعون أن يدافع الله عنهم، وهم يحاربون الله، ويحاربون دين الله سبحانه ﵎؟ وفي حديث آخر ذكر فيه بعض هذه الأشراط الصغرى، قال ﷺ : (من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد)، هذا الحديث رواه أبو داود والنسائي وهو حديث صحيح، فمن أشراط الساعة المباهاة، فالمسجد هو مكان للعبادة لا للمباهاة، لكن ترى من يقول: مسجدنا أحسن مسجد، ومسجدنا جعلناه على شكل الكعبة، وآخر يقول: مسجدنا جعلناه مثل المسجد النبوي، وعملنا فيه قبباً، وعملنا فيه مئذنة طويلة، وعملنا فيه كذا، ولوناه بأحمر وأسود، ونحو ذلك! فالتباهي بالمساجد وعدم الصلاة فيها من أشراط الساعة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة:١٨]، وعمران بيوت الله يكون بالصلاة فيها، وليس المعنى: أن المسجد لا يبيض ولا ينظف؛ بل النبي ﷺ صلى على المرأة التي كانت تنظف المسجد، صلى عليها وهي في قبرها، وكانت قد دفنت من غير ما يؤذن النبي ﷺ بها.
ولكن المعنى: أنه سيقل الإيمان ويبقى فخر الناس فقط بقولهم: عندنا مسجد كبير، وكثير منهم لا يصلون فيه، بل إن بعض الناس يكون في مكة، ويبقى فيها سنين وما صلى في المسجد الحرام! لا يصلي وبجانبه الكعبة، وبجانبه المسجد الحرام، ولا اعتمر ولا حج ولا يعرف شيئاً! وبعض الناس من أصحاب الشركات السياحية يخرج بالناس ليؤدوا العمرة، وعندما يريد أن يعتمر يلبس لبس الإحرام، فإذا أغضبه أحد يخلع لباس الإحرام ويقول: لن أعمل عمرة هذه السنة، فهذا دينهم، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩]، فظهر الجهل بين الناس، وقل العلم، وقل الدين، فلم ينتظروا إلا الهوان في الدنيا، وما لجرح بميت إيلام.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3628
تفسير سورة محمد [١٧ - ١٨]
الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، والمنافقون مذبذبون بين ذلك، فإذا جاءهم الموت بغتة أو الساعة فلا توبة تنفعهم ولا إيمان، وقد جاءتهم علامات قرب قيام الساعة ولكن لم يعتبروا ولم يتوبوا، وعلامات الساعة مذكورة في الكتاب والسنة.
стр. 3629
تفسير قوله تعالى: (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم)
الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة محمدٍ ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ * فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد:١٧ - ١٨].
الله يمن على المؤمنين بالهدى ويزيدهم إيماناً فوق إيمانهم بطاعتهم، فالمؤمن كلما ازداد طاعة زاده الله إيماناً، وزاده رفعة، وزاده درجات عنده ، وكلما وقع الإنسان في المعصية نكت على قلبه، وتغير شيء من قلبه، فإذا تاب مسحت هذه النكتة السوداء التي تكون على قلبه.
وإذا وقع في المعصية رجعت مرة أخرى، فإما أن يصير صاحب معاصٍ فيختم على قلبه ويطبع، ولا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، أو أنه ينزع ويتوب إلى الله ويبيض قلبه، فيعرف الخير ويزداد إيماناً، فالمؤمنون يزيدهم الله هدى.
وذكر الله المنافقين وكيف أنهم كانوا يسمعون من النبي ﷺ القرآن ويسمعون كلامه العظيم صلوات الله وسلامه عليه، ويريدون أن يشككوا الناس فيما يقوله النبي ﷺ ، فيسألون أهل العلم أمام الناس فيقولون: ماذا قال آنفاً؟ كأنهم لم يعقلوا ولم يفهموا ما الذي يقوله صلوات الله وسلامه عليه! استهزاءً بما يقول، وتنفيراً للناس عن النبي ﷺ حين يرون هؤلاء أنهم لم يفهموا، فلعل غيرهم يقولون ما يقول هؤلاء، فيتشككون في كلامه ﷺ .
стр. 3630
تفسير قوله تعالى: (فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة)
قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد:١٨]، فتأتي ساعة أحدهم أو تأتي القيامة الكبرى عليهم، قال تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨]، أي: قد جاءت أشراط الساعة، ومن أشراط الساعة أن بعث النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأخبر أنه بعث هو والساعة كهاتين، وأشار بالأصبعين الوسطى والسبابة، فسبقت واحدة والأخرى تليها مباشرة، فالفترة الزمنية التي بين النبي ﷺ وبين قيام الساعة فترة صغيرة وقليلة جداً من هذه الدنيا.
وقال تعالى: ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ [محمد:١٨] أي: إذا جاءت الساعة جاءت بغتة تذهل الناس، وترجع الناس فيأخذهم الله .
قال تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ﴾ [محمد:١٨]، أي: كيف ومن أين لهم إذا جاءتهم هذه الساعة أن يتذكروا؟ أي: متى يتاح لهم أن يتذكروا، يأتي الموت ثم تأتي الساعة، ولا يلحق الإنسان أن يتذكر التذكرة التي تنفعه في العمل، فإنه إذا رأى الموت رأى ما كان غائباً عنه قبل ذلك، فلا تنفعه الذكرى، ولا تنفعه التوبة، ولا يستطيع أن يقول: تبت إلى الله، بل يختم عليه ويمسك لسانه، فلا يقدر أن يقول: لا إله إلا الله، أو أن يقول: تبت إلى الله، قال تعالى: ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨].
فقوله تعالى: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ﴾ [محمد:١٨]، أي: من أين وكيف لهم أن يتذكروا فينتفعوا بهذه الذكرى؟ فأنى لهم إذا جاءتهم الساعة أن يتذكروا وأن ينتفعوا بذلك، وأن يناجي بعضهم بعضاً، فيذكر بعضهم بعضاً، والحق أنَّ الساعة ستقوم، بل تأتي الساعة عليهم كما جاء في حديث النبي ﷺ أنهم قد يكونون في سوقهم يتبايعون، يبيع الرجل الثوب ويمده ويمتره ويذرعه، وهذا يشد وهذا يشد وهذا يقيس، قال رسول الله ﷺ : (ينفخ في الصور فإذا بهم يسمعون صوت نفخة، فيصغي الرجل ليتاً ويرفع ليتاً) والليت: جانب العنق، يصغي: يميل ليسمع ما هو هذا الصوت، فلا يلحق بل يخر ميتاً، وذكر أن إنساناً آخر يلوط حوض إبله، أي: يحضر الحوض الذي سيسقي فيه إبله ويجهزه، ولا يلحق أن يأتي الإبل ويسقيها، فإذا به يسمع النفخ في الصور فيخر صعقاً، والرجل يمسك اللقمة يرفعها إلى فيه، فيسمع الصوت ويصغي له، ولا يلحق أن يأكل اللقمة، ويخر ميتاً.
فمتى يتذكرون؟ ومتى يعتبرون؟ ومتى يدعو بعضهم بعضاً؟ ومتى يذكر بعضهم بعضاً وينادي بعضهم على بعض أن الساعة حق؟ ومتى يلحقون قول لا إله إلا الله قبل أن تقوم الساعة؟ أنى لهم ومن أين لهم هذا الشيء؟ لا يقدرون.
فقد جاء من الله أشراط، أي: علامات لهذه الساعة، جاءت العلامات الصغرى لعلهم يعتبرون قبل أن تأتي الكبرى، وقبل: ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام:١٥٨].
стр. 3631
من علامات الساعة
стр. 3632
تسليم الخاصة
من أشراط الساعة الصغرى: أن يرفع العلم، وأن يثبت الجهل، وأن يشرب الخمر، وأن يظهر الزنا، من ذلك أيضاً: عن طارق بن شهاب قال: كنا عند عبد الله بن مسعود ﵁ فجاء رجل فقال: قد أقيمت الصلاة، فقام وقمنا معه، فلما دخلنا المسجد رأينا الناس ركوعاً في مقدم المسجد، فكبر وركع وركعنا، ثم ذكر: أنه مر رجل مسرعاً، فقال: عليك السلام يا أبا عبد الرحمن، يعني: هم دخلوا للصلاة، وهذا الذي مر على الجميع قال: عليك السلام يا أبا عبد الرحمن.
وقد نهانا النبي ﷺ عن هذا القول: عليك السلام يا فلان، قال ﷺ : (عليك السلام تحية الموتى، إنما تقول: السلام عليكم).
فـ ابن مسعود كان في الصلاة، ومعلوم أنه إذا سلم الإنسان على إنسان يصلي، فإنَّ المصلين لن يردوا ﵇، ولكن يرد بيده إذا كان يرفع يده ويرفع إصبعه، ينبه أن سمع السلام ويكفي، وكان ابن مسعود في الصلاة، فقال: صدق رسول الله، أو كان لم يدخل في الصلاة فقال ذلك، والله أعلم، لكن الغرض: أنه رفع صوته بذلك، قال: صدق رسول الله ﷺ .
فلما انتهى ابن مسعود من الصلاة ورجع سألوه عن سبب قوله: صدق رسول الله ﷺ ، فقال: قال النبي ﷺ : (إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة) يعني: من علامات الساعة: مجموعة من الناس موجودون، فيسلم المار على أحدهم، وبقية الناس لا قيمة لهم.
ومن علامات الساعة أن يظهر جهل الناس، ويسلم على واحد فقط، فأنت إذا أردت السلام على واحدٍ بين قوم، تسلم على الجميع، فإن الله يقول: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور:٦١] أي: يُسلم بعضكم على بعض، فلا تنتقي واحداً وتسلم على الذي تعرفه فقط، والباقي لا تسلم عليهم، فـ ابن مسعود يقول: صدق رسول الله، يعني: حدث هذا في عهده رضي الله تعالى عنه، أنَّ رسول الله ﷺ أخبر أنه سيكون ذلك، وهو قوله ﷺ : (إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة) يعني: الإنسان يسلم على الذي يعرفه فقط، أما أصحاب النبي ﷺ فكانوا يسلمون على الجميع، مثل عبد الله بن عمر ﵁، كان يخرج إلى السوق ومعه جماعة من الناس، ولا يريد أن يبيع ولا يريد أن يشتري ولكن ليسلم على الناس فقط، ثمَّ يرجع إلى البيت.
وإذا خرج الإنسان إلى السوق وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، يأخذ ألف ألف حسنة على هذه الكلمة التي يقولها، يعني: مليون حسنة على هذه الكلمة! فالإنسان المؤمن يفكر كيف يأخذ الثواب من الله ، وكيف يعمل العمل الذي يؤجر عليه الأجر العظيم، أما أنه يسلم على واحد فقط من بين الناس، فهذا لا ينبغي.
إن تسليم الخاصة يجعل العداوة والبغضاء في قلوب الناس، فبتسليمه كسب عداوة الباقين، فالنبي ﷺ يعلم المؤمنين، ويقول: (افش السلام على من عرفت ومن لم تعرف) أي: سلم على الجميع على من عرفت وعلى من لم تعرف.
стр. 3633
فشو التجارة
من علامات الساعة: (فشو التجارة)، ولا يعني هذا: معرفة الناس كيفية البيع والشراء، لكن فشو التجارة يعني: يدخل فيها الذي يعرفها والذي لا يعرفها، فتجد الواحد موظفاً ويزاول التجارة أيضاً، وليس معناه: أن التجارة حرام، ولكن النبي ﷺ يخبر عن شيء سيكون أن كل الناس الذي يعرف البيع والشراء والذي لا يعرف سيزاولون التجارة، قال: (حتى تعين المرأة زوجها على التجارة)، ولم يكن معروفاً في الجاهلية هذا الشيء، أن الرجل يشتغل، وزوجته تقعد مكانه في الدكان، ولم يكن معروفاً عند المسلمين هذا الشيء، وأخبر النبي ﷺ أن هذا سيكون وليس معناه: أنه حرام، وليس معناه: أن المرأة لا تعين زوجها على التجارة وأنه حرام، ولكن يخبر النبي ﷺ أنه سيكون هم الإنسان كله في دنياه ليس في دينه، ويكون الرجل مشغولاً في التجارة، وزوجته مشغولة معه في التجارة، فينسون دين الله ، فهنا إخبار أن هذا الدين سينْسى؛ لاشتغال الناس بالدنيا والتجارة، حتى تعين المرأة زوجها على التجارة.
стр. 3634
قطع الأرحام
قطع الأرحام من علامات الساعة، فالإنسان يقطع أرحامه؛ لانشغاله بالدنيا وجمع المال، ولا يريد أن يعطي أحداً حقه، ولا ينظر إلى فقير ولا إلى مسكين ولا إلى أب ولا أم ولا كذا، فترى الأب يجانبه ابنه في البيت، ولا يذهب إليه؛ خوفاً من أن يقول له أبوه: هات.
والأب يعرف أن ابنه فقير ومحتاج، لكن لا يتدخل به، فتقطع الأرحام بسبب جمع المال والحرص عليه، وكل إنسان لا يريد أن يعطي الحق الواجب عليه.
стр. 3635
شهادة الزور
من علامات الساعة: قال النبي ﷺ : (وشهادة الزور)، أن يشهد الإنسان زوراً، بأن يكون محرجاً من فلان، فيذهب ويشهد معه زوراً وهو لم ير شيئاً.
وإنسان يبغض فلاناً فيشهد عليه زوراً وهو لم يرَ شيئاً، وقد يجلس شخص على القهوة، وينتظر أحد يناديه، تعال واشهد معي في المحكمة وسأعطيك مبلغاً من المال، فيذهب ويشهد كذباً وزوراً ويحلف اليمين الغموس، وكم تسمع عن أمثال هؤلاء وهم لم يشاهدوا شيئاً حتى يشهدوا! والذي يشهد شهادة الزور يعتبرها خدمة ومجاملة، فيشهد زوراً وكذباً لإنسان؛ فتضيع حقوق الناس، وقد يظلم أهل التقوى ويسجنون بسبب شهادة الزور.
والمرأة تشهد على جارتها وتحلف كذباً لأنها تغيظ منها، كذلك المحامي يقول لمن يحامي عنه: أوجع نفسك بأي جرح واتهم بما حدث لك فلاناً، فهذه أيضاً من شهادة الزور.
стр. 3636
كتمان الشهادة
يقول ﷺ هنا ذاكراً من علامات الساعة: (وكتمان الشهادة) كتمان الشهادة من علامات الساعة، فيكون الإنسان مظلوماً وأنت تعرف ذلك وقد شاهدت ما حصل بنفسك فتأبى أن تشهد معه، ومن ذلك مثلاً: امرأة زوج قريبتها تبنى طفلاً صغيراً، ومعلوم أن التبني حرام، فمات هذا الرجل وعنده مال، وورثه هو وأخواته البنات، والرجل صنع وكالة لهذا المتبنى، ونسبه لنفسه، فأخذ الولد المال كله يصرفه على نفسه ويضيعه، وهم يقولون: إنه لا يعطي لعماته، ومعلومٌ أن هذا المتبنى ليس له من المال شيء، بل هو آكل مال الورثة، وضاع الإرث عن أصحابه بسبب كتم الموروث الشهادة.
فالمطلوب منك أن تدلي بشهادة الحق، حتى لا يضيع المال على صاحبه.
وقد جاء عن النبي ﷺ في الكذبة والفساق أنه يسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته، ويخبر أنه من علامة المؤمن أن يؤدي الشهادة قبل أن تطلب منه، وأنكر النبي ﷺ على من يشهد بعد أن تطلب منه، وأمر بأن يشهد من غير أن يطلب منه؛ لأنه يعلم أن الحق سيضيع على أصحابه لو لم يشهد.
فيبدأ هو بالشهادة من عند نفسه من غير أن يستدعيه إنسان، فمن يعرف مظلوماً سيضيع حقه، فعليه أن يؤدي الشهادة بحقها حتى لا يضيع هذا المظلوم.
стр. 3637
ظهور القلم
من علامات الساعة كما جاء في هذا الحديث: (وظهور القلم)، كما قال النبي ﷺ : (إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة، وفشو التجارة، حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، وظهور القلم).
وأيام النبي ﷺ كان يقول لهم: (نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) أي: الذين يكتبون عدد قليل جداً، ولكن هو يخبر أنه في يوم من الأيام سيكون أكثر هذه الأمم يعرفون القراءة والكتابة، وسيظهر القلم، وسيكون كل إنسان يقرأ ويكتب ويحسب ويعرف هذا الشيء، وليس هذا ذماً لظهور القلم أن يكتب الناس، ولكن يخبر أن الأمة العربية التي كانت جاهلة وكانت أمية، سيأتي يوم من الأيام على أغلبها يظهر فيهم القلم، وسيكون كل شيء بالكتاب، ويخبر أنه ستصاب هذه الأمة بالنسيان، حتى تحتاج إلى القلم.
فالعرب لم يكونوا يحتاجون إلى القلم، بل منهم من كان يفتخر أنه لا يكتب بالقلم كما قال الشعبي: ما كتبت بيضاء في سوداء، بل يسمع فقط، وكان حافظاً من الحفاظ، وعالماً من العلماء، وفقيهاً من الفقهاء، ويحفظ ما سمعه، والإمام ابن شهاب الزهري عالم لا يحتاج إلى كتاب يكتب إليه، فهو يحفظ الحديث حين يسمعه من مرة واحدة فقط، ولا يحتاج أن يكرر عليه الحديث، قال العلماء عنه: الحديث الذي لا يعرفه الزهري ليس بحديث، فـ الزهري ليس محتاجاً إلى أن يكتب، حفظه قوي جداً، فكان العرب هذه عادتهم، إذْ كانوا يفتخرون بالحفظ، فإذا بأحدهم يحفظ القصيدة مائة بيت ومائتي بيت من الأول إلى الآخر، وينكسها من الآخر إلى الأول من غير كتابة ولا حفظ يعانيه ولا غيره! فقوله ﷺ : (وظهور القلم) معناه: ستنسون وستتعودون على النسيان، حتى تحتاجوا إلى أقلامٍ لكتابة هذا الشيء.
стр. 3638
ولادة الأمة سيدتها أو سيدها وتطاول الحفاة العراة في البنيان
من الأحاديث التي جاءت عنه ﷺ في بيان علامات الساعة، ما جاء عن ابن عباس ﵄ في مسند الإمام أحمد، عن النبي ﷺ قال: (إذا رأيت الأمة ولدت ربتها، ورأيت أصحاب البنيان يتطاولون في البنيان، ورأيت الحفاة الجياع العالة كانوا رءوس الناس؛ فذلك من معالم الساعة وأشراطها)، هذا جاء في حديث عمر بن الخطاب في الصحيح عن النبي ﷺ في حديث جبريل، وجاء أيضاً من حديث ابن عباس ﵄.
وحديث جبريل حديث طويل، وهذا الحديث مختصر: (إذا رأيت الأمة ولدت ربتها)، والمعنى: أمة جارية تلد سيدتها، تكون ابنتها سيدتها، وابنها سيدها، وهذا لا يجوز؛ لأن الابن لا يستعبد أمه، والبنت لا تستعبد أمها، هذا لا يكون أبداً، ولكن أخبر النبي ﷺ أن هذا سيكون في يوم من الأيام! ومعلوم أن الأمة إذا وطأها سيدها، ثم أحبلها الجنين الذي في بطنها عندما تضعه يكون سبب عتقها، ولا يجوز أن تكون أمة بعد ذلك، فإذا مات هذا السيد، وكان ابنها هو الذي يستعبدها بعد ذلك، تصير عبدة عند ابنها، فهذا من علامات الساعة كما أخبر النبي ﷺ بذلك.
قال: (ورأيت أصحاب البنيان يتطاولون في البنيان)، والذي يخبر به النبي ﷺ كله حاصل، فهناك بيوت عالية جداً بحق وبباطل، وبيوت ناطحات سحاب في السماء، وما كان الصحابة يتخيلون بيتاً مكوناً من طابقين، بل أعلى شيء يتخيلونه أن تكون هناك غرفة مشرفة عالية في البيت.
قال: (ورأيت الحفاة الجياع العالة، كانوا رءوس النا)، أي: إنسان يكون فقيراً وفي يوم من الأيام يكون رئيساً على الناس، ولا يوجد مانع من هذا الشيء، ومن يمنع رحمة الله ؟ ولكن المعنى: أن الناس يجعلون صاحب المال رئيساً فيهم، فصاحب المال هذا كان في يوم من الأيام حافياً جائعاً، ولم يكن يملك شيئاً، وليس له حظ في العلم ولا في العمل ولا وجاهة له في الناس، وفجأة أصبح هذا الإنسان غنياً، وأصبح فوق رءوس الناس، فصار هو الذي يصلح أن يقودهم، وليست عنده حكمة، وليس عنده علم، وليس هو من أهل الخبرة في ذلك، ولكن ماله هو الذي جعله فوق الناس، يعني: الناس لا يحترمون إلا من له مال.
فإذاً: هو صاحب الرأي فيهم، وهو الذي يصلح فيهم أن يقودهم، فهذا من علامات الساعة، لكن أهل الجاهلية من العرب لم يكن رئيسهم صاحب مال، بل صاحب العقل فيهم، وصاحب السن فيهم، يعرفون له سناً، ويعرفون له حكمته، فيقبلون منه، ويذهبون إليه فيتقاضون عنده، لكن إذا صار الأمر إلى أن الذي عنده مال هو الذي يصلح، ضاع الرأي إذا كان المال من ورائه، قال ﷺ : (فذلك من معالم الساعة وأشراطها).
стр. 3639
ظهور خسف وقذف ومسخ
أيضاً: جاء عنه ﷺ في الحديث يقول: (إذا سمعتم بقوم قد خسف فيهم هاهنا قريباً، فقد أظلت الساعة)، خسف بالمشرق هناك، إذا سمعتم أنه حصل خسف بالناس، فاعلموا أن الساعة قريبة، وأخبر عن الزلازل، وانظر إلى الزلازل التي كثرت في هذا الزمان.
ويقول ﷺ : (إذا فسد أهل الشام، فلا خير فيكم، ولا تزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة).
إذا فسد أهل الشام، وإذا ضاع الإيمان، وضاع الدين من بلاد الشام، هذا آخر ما يكون في الإيمان، فقد فسدت الدنيا فانتظروا الساعة.
стр. 3640
إسناد الأمر إلى غير أهله
من علاماتها أيضاً الصغرى: يقول: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة)، إذا صارت الأمور ومقاليدها يديرها من لا يستحقون ذلك، والذين لا خبرة لهم، والكفار يصنعون ذلك في المسلمين، إذْ يولون بين المسلمين وعلى المسلمين من لا يصلح لشيء، ولذلك سقط الاتحاد السوفيتي بسبب رجل من أصحاب المخابرات في الاتحاد السوفيتي يعترف في يوم من الأيام أنه كان عميلاً للأمريكان هنالك، إذْ جعلوه مسئولاً عن التعيينات، وأي إنسان صاحب كفاءة لا يعينه، فكان إذا خير بين ثلاثة أو أربعة عندهم كفاءات وإنسان جاهل، يأتي بالجاهل ويحطه في هذا المكان، وإذا صارت البلاد يديرها الجهال ضاعت البلاد؛ لأنه لا خبرة عنده ولا ديانة عنده ولا دراية عنده، فسقط الاتحاد السوفيتي الذي كان في يوم من الأيام ملء السمع والبصر! هذا قول النبي ﷺ : (إذا وسد الأمر إلى غير أهله) أي: إذا صار يحكم الناس، ويقوم بشئونهم أصحاب المحسوبية والرشاوى والأقارب والإنسان الذي لا يستحق؛ ضاعت بلاد المسلمين، وانتظروا الساعة من وراء ذلك.
стр. 3641
حديث عوف بن مالك في بيان بعض علامات الساعة الصغرى
عن عوف بن مالك عن النبي ﷺ كما في صحيح البخاري - يقول: (أعدد ستاً بين يدي الساعة: موت النبي ﷺ ، ثم فتح بيت المقدس -وقد حصل في زمن عمر ﵁ ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم) يعني: أنه يحدث فيكم أوبئة، فيموت فيكم أعداد ضخمة جداً من الناس، وهذا حدث في عصور كثيرة قبل ذلك، فالله أعلم أي عصر يقصده النبي ﷺ ، ولكن يخبر أنه ستكون في بلاد المسلمين أوبئة يموت بسببها الأعداد الضخمة من الناس.
يقول: (ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار، فيظل ساخطاً)، يخبر أنه يصبح الناس في يوم من الأيام أغنياء، فيعطي الرجل مائة دينار يعني: نصف كيلو ذهب: أربعمائة وخمسة وعشرون جراماً من الذهب تقريباً، فيسخط ويريد أكثر من ذلك، ولا يرضى بهذا المال.
ويقول النبي ﷺ : (ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته) أي: معاصٍ وذنوب تدخل جميع البيوت، ما من بيت من البيوت إلا وتجد فيه فتنة من الفتن، في النساء وفي الرجال وفي المال وغير ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
يقول ﷺ : (ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر) أي: بينكم وبين الغرب، بينكم وبين الكفار تكون هدنة، فيغدرون ويدخلون بلادكم، قال: (ويأتونكم تحت ثمانين راية) أي: تحت ثمانين لواء، (تحت كل راية اثنا عشر ألفاً) يعني: ستأتيكم جيوش ضخمة من هؤلاء الكفار على بلادكم، يصل عددهم إلى نحو مليون، حوالي تسعمائة وستين ألف مقاتل، ويسمونها جيوش الأحلاف، هؤلاء الكفار يدخلون على المسلمين في بلادهم، فيحذرنا النبي ﷺ من هؤلاء، هذه بعض علامات الساعة التي ذكرها النبي ﷺ .
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3642
تفسير سورة محمد الآية [١٨]
لقد أخبر النبي ﷺ عن ظهور علامات صغرى وكبرى قبل قيام الساعة، وأخبر ﵊ أن الناس عند اقتراب الساعة ورؤيتهم لعلاماتها لا يزدادون على الدنيا إلا حرصاً، ولا من الله إلا بعداً، فينبغي على المسلم أن يشتد حذره وخوفه من الله، وعندما يشاهد هذه العلامات يزداد حرصاً على الآخرة، ويزداد إقبالاً على الطاعة.
стр. 3643
تفسير قوله تعالى: (فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
وقفنا في سورة محمد ﷺ عند قول الله : ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد:١٨].
يخبر الله أن الساعة قريب، وقد ذكر الله ذلك في كتابه، قال سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات:٤٢ - ٤٣]، علم الساعة عند الله ففيم أنت من ذكر هذه الساعة؟ ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾ [النازعات:٤٤] أي: منتهى علم هذه الساعة إليه سبحانه، فهو الذي يعلم منتهى هذه الساعة وما يكون فيها، وأخبر أن الساعة قريب، وأنها إذا جاءت أذن الله أنه لابد أن تكون، فأخبر بقوله: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب:٦٣] وأخبر الله سبحانه ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١] أي: قد أمر الله وقد كان من أمر الساعة ما يريده الله سبحانه، فلابد أن تكون.
قال سبحانه هنا: ((فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا)) أي: جاءت العلامات الصغرى للساعة، وتليها بعد ذلك العلامات الكبرى للساعة، ومن العلامات الصغرى ما ذكرناه قبل ذلك.
ورد حديث للنبي ﷺ يخبرنا فيه أن الساعة قريبة، ومع ذلك الناس ليس على بالهم أمر الساعة، فروى الإمام الحاكم من حديث ابن مسعود ﵁ وأيضاً رواه الطبراني قال النبي ﷺ : (اقتربت الساعة ولا يزداد الناس على الدنيا إلا حرصاً، ولا يزدادون من الله إلا بعداً) يعني: كلما جاءت أشراط الساعة لم يتعظ الناس، وكلما اقترب أمر الساعة ازداد الناس حرصاً على الدنيا وليس على الآخرة، وكان المفترض في الإنسان أنه كلما ذكر بآية من الآيات وعلامة من العلامات رجع وتاب وأناب إلى الله ، ولكن يخبر النبي ﷺ أنهم كلما رأوا شيئاً من هذه العلامات ازدادوا حرصاً على الدنيا وتكالباً على الدنيا، وهذا الذي تراه، فتجد الناس يشيعون الجنائز وبعض المشيعين لعلهم لا يصلون، وإنما يبقون خارج المسجد في سياراتهم ويشربون سجائر ويضحكون، والميت يصلى عليه داخل المسجد! وهو إنما حضر مجاملة لأهل الميت، ويذهب معهم إلى المقابر نوعاً من المجاملة للأحياء، أما الميت فليس على بالهم، وذكر الموت ليس على بالهم، مع أن ذكر الموت موعظة من أعظم المواعظ، فهؤلاء يرون الموتى أمامهم فلا يزدادون على الدنيا إلا حرصاً، ولا يزدادون من الله إلا بعداً، وكلما كان الإنسان في غفلة كان بعيداً عن الله، وكلما بعد عن الله سبحانه استحق عقوبة الله سبحانه.
стр. 3644
شرح حديث: (لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات)
من الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ في أمر الساعة هذا الحديث الذي رواه مسلم من حديث حذيفة بن أسيد عن النبي ﷺ قال: (إن الساعة لا تقوم حتى تكون عشر آيات) وهذه العلامات الكبرى للساعة عشر آيات، وأخبر في حديث: (أنها كنظام عقد انفرط) العقد هو السلك الذي ينضم فيه الخرزات، فهذا العقد إذا انفرط وانقطع تساقطت الخرزات منه خرزة خرزة، فكأنه يخبر أن علامات الساعة الكبرى إذا جاءت فإن الساعة تطلع بسرعة وراء هذه العلامات.
يقول: (إن الساعة لا تقوم حتى تكون عشر آيات: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونزول عيسى، وخروج يأجوج ومأجوج، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا) هذه العلامات الكبرى للساعة، حين تظهر هذه العلامات وخاصة طلوع الشمس من مغربها يقول ربنا سبحانه: ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، ويذكر لنا النبي ﷺ هذه الآية مع ذكره هذه العلامات، فمن العلامات الكبرى التي تكون قرب الساعة: الدخان، دخان يملأ الدنيا، ويكون شديداً على الكافر، ويكون على المؤمن كالزكمة في أنفه، والدجال الذي يدعو الناس إلى نفسه بأن يعبدوه فيتبعه اليهود والمنافقون، ويرى المؤمن مكتوباً على جبينه: كافر، أيضاً الدابة، وهي دابة تكلم الناس: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٨٢] كما مر في سورة النمل، فالله يخبرنا عن هذه الدابة أنها تكلم الناس: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٨٢]، والنبي ﷺ يخبرنا أن الدابة تسم الناس، فهي تجري وراء كل إنسان وتسمه على جبينه: هذا كافر وهذا مؤمن، وانتهى الأمر على ذلك، المؤمن يعيش يناديه الناس: يا مؤمن! اذهب يا مؤمن، تعال يا مؤمن، هات كذا، والكافر يناديه الناس: يا كافر! اعمل كذا، يا كافر هات كذا، ويختم على ذلك الكافر، فهو كافر لا ينتفع بموعظة ولا بشيء، ويظل على ذلك حتى يموت.
يقول هنا في الحديث: (وطلوع الشمس من مغربها، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق) يعني: الأرض تخسف بمن عليها، (وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب) يعني: تحصل زلازل عظيمة جداً ويخسف بالناس في هذه المواضع الثلاث.
قوله: (ونزول عيسى، وفتح يأجوج ومأجوج) إذا خرج الدجال ينزل المسيح عيسى بن مريم من السماء فيقتله، ويحقق العدالة على الأرض التي يريدها الله ، ويحكم بهذا القرآن العظيم، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ولا يقبل الجزية أي: لا يقبل إلا الإسلام فقط، فيصير الناس مؤمنين طيبين.
يقول هنا ﷺ : (ونار تخرج من قعر عدن) من عدن تخرج نار تسوق الناس إلى أرض المحشر يعني: من عدن من اليمن إلى بلاد الشام، من الجنوب إلى الشمال، نار تسوق الناس ولا يقدرون أن يطفئوا هذه النار مهما أوتوا من قوة ومن آلات ومياه وغيرها، لا يقدرون على إطفائها إنما يفرون منها وهي وراءهم تجري معهم ليل نهار من اليمن إلى أن يصلوا إلى بلاد الشام.
стр. 3645
شرح حديث: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها)
أيضاً من الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ هذا الحديث الذي في صحيح مسلم من حديث ثوبان ﵁ قال النبي ﷺ : (إن الله زوى لي الأرض) يعني: جمع لي الأرض، ثم قال: (فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها) يعني: ما جمعه الله لي ورأيته لابد وأن يكون، لأن الله لا يخلف الميعاد سبحانه، ثم قال: (وإني أعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض) يعني: أعطى أمته، وإلا فهو قد مات ﷺ قبل أن ينال من الدنيا شيئاً من كنوزها ﵊، وإنما يفتح الله لهذه الأمة ويعطيها ويمكن لها في الأرض، ثم قال: (وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة، ولا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم) يعني: أنه ﷺ دعا ربه سبحانه ألا يهلك المسلمين بسنة عامة، يعني: جميع المسلمين وإلا ففي بلاد المسلمين حصلت مجاعات خلال القرون السابقة، كانت تجيء على أهل مصر مجاعة كانوا يأكلون الكلاب ويأكلون لحوم الميتة، والذي يقرأ في التاريخ يعرف كيف أننا أصبحنا في نعم من الله ، ففي بلادنا هذه يذكر الحافظ الذهبي في تاريخ الإسلام وسير أعلام النبلاء وغيرهما من الكتب وغيره من العلماء أنه حصلت مجاعات في هذه البلاد كان الناس يأكلون فيها كل شيء، ووصل ثمن حفنة القمح بمثلها من الذهب، كانوا يخرجون الدر والياقوت حتى يأخذوا مكانه قمحاً بنفس المقدار! وهذه المجاعات أكل فيها الناس الكلاب وأكلوا كل شيء، حتى كان الرجل يموت فلا يصلون بجثته إلى المقابر إلا وقد تخاطف الناس الجثة وأكلوها، ويذكر علماء التاريخ من ذلك أنه في مجاعة من هذه المجاعات خرج قاضي البلد على بغلة له ومعه حراسه، وتركوا البغلة في مكان، وذهب القاضي للقضاء، فالناس سرقوا البغلة وأكلوها، نسأل الله العفو والعافية! فيخبر النبي ﷺ أنه دعا ربه ألا يهلك المؤمنين بسنة عامة يعني: ألا يعمهم عذاب من عند الله ويمنع عنهم المطر ويمنع عنهم الخير ويموت الجميع، فليس يحدث هذا الشيء؛ لأنه ﷺ دعا ربه بألا يكون ذلك، ولكن قد يحدث في بعض البلدان ذلك.
ودعا ﷺ : (ولا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم) وربنا سبحانه أجاب النبي ﷺ وقال: (يا محمد! إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، ولا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها) يعني: ليس يكون ذلك ما داموا متمسكين بكتاب الله ، وما داموا متآلفين متحابين فيما بينهم، ثم قال له ربه: (حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً) يعني: أن يقاتل المسلمون بعضهم بعضاً، طمعاً في الدنيا وحباً للملك، إذا حصل ذلك سأسلط عليهم أعداءهم، وهذا هو الحاصل في المسلمين، لما بغى المسلمون بعضهم على بعض، وتركوا كتاب الله وراء ظهورهم، وتنازعوا وتناحروا على الدنيا؛ إذا بالله يتركهم، فيتسلط عليهم أعداؤهم، وهذا الوعد الحق من أشراط الساعة.
إذاً: الله لا يرفع عن هذه الأمة العذاب العام، وإنما يجعل بأسهم بينهم إذا هم نسوا دين الله ، ولا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم إلا إذا تسلط بعضهم على بعض، حينها يسلط عليهم أعداءهم.
следующие страницы →