Полный текст (3 717 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
تفسير سورة النور (تابع) [٣٠ - ٣١]
من حكمة الله أن أمر بغض البصر وحفظ الفرج؛ حتى لا تشيع الفاحشة وتنتشر الجريمة، وحتى يتمكن الإنسان من غض بصره وحفظ فرجه عن المحرمات أمر الله النساء بعدم الخروج سافرات، ونهاهن عن التبرج حتى لا يفتن بهن الرجال، وسداً لذريعة الفساد، وإغلاقاً لأبواب الفتن.
стр. 632
الأمر بغض البصر وحفظ الفرج
الحمد لله رب العالمين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة النور: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣٠ - ٣١].
في هاتين الآيتين من سورة النور يأمر الله المؤمنين رجالاً ونساءً بأمرين: غض الأبصار، وحفظ الفروج.
ثم ذكر للنساء مزيد تأكيد في ذلك فقال: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] إلى آخر ما ذكره .
ففيه أن هذا الدين العظيم جعل حدوداً للإنسان، وليس من حق الإنسان أن يقتحم هذه الحدود التي جعلها الله حماية له ولغيره، فبصر الإنسان خلقه الله لينظر به إلى ما ينفعه، وحرم عليه النظر به إلى ما يضره، فليحذر الإنسان وليغض بصره، كما أمر الله بقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]، ولم يقل: قل للناس، ولكن قال: قل للمؤمنين، تهييجاً لداعي الإيمان في القلوب، فإذا كان العبد مؤمناً فسوف ينفذ ما أمره الله به.
وقوله: (يغضوا من أبصارهم)، (ويغضضن من أبصارهن) أي: من بعض النظر وليس من جميع النظر، وإلا فالعين خلقت لكي تنظر وتبصر، ويتأمل بها الإنسان ما يريد أن يتأمله، ويبصر بها ما يريد أن ينظر إليه.
فيكون غض البصر، واخفض الطرف عن الحرام.
قال تعالى: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠]، وكأن البصر علاقته بقلب الإنسان وبفرجه علاقة شديدة وقوية، فلذلك هنا عقب بعد غض البصر بحفظ الفرج، فقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠]، ولما كان الأصل في البصر: غض بعضه، قال: عضوا من أبصاركم، ولما كان الأصل في الفرج: الحفظ، قال: احفظوا فروجكم كاملة، فأمرهم بحفظ الفرج عن كل ما حرم الله إلا ما يباح للإنسان من زوجته أو ملكت يمينه.
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠] أي: أطيب وأطهر لهم، وقد مدح الله المؤمنين الذين يتطهرون بقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، وقال عن الذين يزكون أنفسهم ويطهرونها: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩]، فيزكي نفسه أي: يطهرها بطاعة الله سبحانه والبعد عن محارمه.
﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:١٠] أي: أوقعها في الرجس والنجس والخبث، وفيما حرم الله من المعاصي ومن الذنوب، فالمؤمن يزكي نفسه بمعنى: يطهرها.
وفرق بين التزكية التي يريدها الله من العبد، والتزكية التي يمنع منها العبد، كما في قوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢] أي: لا تمدحوا أنفسكم بالأوصاف التي فيها المدح، بمعنى: لا تجعل نفسك أفضل من غيرك بهذه الصفات، ولكن الله أعلم بما في القلوب، وهو أعلم بأهل التقوى سبحانه، فقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:١٠] أي: قد أفلح من زكاها بالعمل وليس بالقول وقوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم:٣٢] أي: بالأقوال، وبمدح بعضكم بعضاً، فتقطعوا ظهور إخوانكم بهذا المديح الذي لا ينبني عليه إلا العجب والرياء والافتخار، ولكن زكوها بتقوى الله ، وبفعل الطاعات، فمن كان كذلك فهو مفلح، فيزكيه الله ويطهر قلبه، ويعصمه من الشيطان: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠].
وأمر الله المؤمنات بما أمر به المؤمنين، فقال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١]، فبغض الإنسان بصره: يحافظ على فرجه وإيمانه، ويحافظ على قلبه من الشهوات والشبهات؛ لأن الإنسان إذا أطلق لبصره العنان، ونظر إلى ما حرم الله: اشتهى هذا الذي حرمه الله، فوقع في العشق الحرام، وبعد ذلك يستبيح الحرمات التي حرمها الله .
стр. 633
التحذير من فتنة النساء وما يقع في آخر الزمان
لقد ذكر لنا النبي ﷺ أن أشد ما يخشاه على هذه الأمة هو فتنة النساء، فقال: (اتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن فتنة بني إسرائيل كانت في النساء).
فخاف ﷺ على هذه الأمة من النساء، وأمر المرأة بأن تحتجب، وقال: (المرأة عورة)، كما أمرها الله ألا تبدي زينتها إلا لمحارمها، فإذا أبدت المرأة زينتها للأجانب عنها أوقعت نفسها في الفتنة، وأوقعتهم في ما حرم الله ، فأوشك الناس أن يستبيحوا للزنا، وهذا هو الحاصل في هذا الزمان ولا حول ولا قوة إلا بالله، فقد أصبح الإنسان يترخص في شرع الله سبحانه، وينسى دينه، ويقع في المحرمات، رجالاً ونساء، ولذلك قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البزار وابن حبان عن عبد الله بن عمرو بن العاص: (لا تقوم الساعة حتى يتسافدوا في الطريق تسافد الحمير.
قال: قلت: إن ذلك لكائن؟ قال: نعم، ليكونن)، فلا تقوم الساعة حتى يحدث ذلك، وقوله (يتسافدوا في الطريق) أي: يزني الرجل بالمرأة في الطريق.
وهذا ما يحدث في دول الغرب، ففي الحدائق العامة أمام الناس لا يستحي الإنسان أن يأتي المرأة فيفعل بها ما يشاء، طالما أنها بالغة وكبيرة راشدة، فالقانون عندهم لا يمنع من هذا الشيء، وأما بلاد المسلمين - ولا حول ولا قوة إلا بالله - فقد وجدت بعض تلك الصور سواء قلت أو كثرت، فالرجل يحتضن الفتاة في الشارع، ويمشي معها في الطريق، ويضع يده على كتفها، وتتعرى المرأة في الطرقات، وفي البحار، إلى غير ذلك من العري والأشياء الفاضحة التي تحدث هنالك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: (لا تقوم الساعة حتى يتسافدوا - يقعوا في الزنا- في الطريق تسافد الحمير)، كما تفعل البهائم بلا حياء.
قال عبد الله بن عمرو: (قلت: إن ذلك لكائن؟) كأنه يتعجب: هل من الممكن أن يحصل هذا الشيء؟ قال: (نعم، ليكونن).
وصدق رسول الله ﷺ ، فالإخبار بما يكون من معجزاته ﵊، وذلك أن الله يخبره بما يكون، فيخبر الناس، فيكون على ما قاله صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 634
ما ينبغي للمسلم فعله حتى يغض بصره ويحفظ فرجه
روى الترمذي وابن حبان، من حديث جابر عن النبي ﷺ : (إن المرأة إذا أقبلت أقبلت في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأتي أهله؛ فإن الذي معها مثل الذي معها).
وهذا الحديث قاله النبي ﷺ قولاً وبينه عملاً صلوات الله وسلامه عليه، فقد كان جالساً مع أصحابه ﵊ -والنساء في عهده ﷺ كن محتجبات، فليس هناك امرأة تمشي كاشفة أو عارية، التزاماً بأمر الله فتمر امرأة من بعيد، ويقوم النبي ﷺ ويذهب إلى بيته ويأتي أهله، ثم يخرج إليهم بعد ذلك ويخبرهم أنه رأى هذه المرأة، فذهب إلى بيته وأتى أهله ﷺ .
والنبي ﷺ لا يهيجه الشيطان، أو يوسوس له؛ لأن الله قد عصمه من ذلك، ولكنه أراد أن يعلم أصحابه ﵊، فأتى أهله، ثم اغتسل، ثم خرج وأخبرهم بما حدث، وكأنه يقول: لا تجعل نفسك تشتهي ما لا تفعله ولا تحصل عليه إلا بطريق الحرام، ولكن اذهب إلى ما أحله الله لك.
أما الشباب العزاب فقد قال لهم: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء).
فعلمهم أن من استطاع منهم تكاليف الزواج، وعنده القدرة عليه فليتزوج: (فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج) أي: فإن الزواج يعين المؤمن على أن يغض بصره، وعلى إحصان فرجه.
والذي لا يقدر على الزواج فعليه ألا يتمنى ما لا يقدر عليه، ولكن قال له ﷺ : عليك بالصوم؛ لأن الصوم يقلل ما في نفسه من شهوة، فالغذاء إذا قل قلت شهوة الإنسان، وكثْرة الصيام نوع من تقليل الأغذية.
والأمر الآخر أن الصوم يذكر الإنسان بمحارم الله، فيحفظ لسانه وبصره وأذنه ويده ورجله عن الحرام، فإذا بصومه -إذا كان صوماً حقيقاً- يبعده عن ذلك، ويعينه على غض بصره وحفظ فرجه، فأمر النبي ﷺ المؤمن أن يتزوج، والأمر بالزواج هنا للاستحباب، ولكن إذا خشي الإنسان على نفسه الوقوع في الفتنة وعنده قدرة على الزواج وجب عليه أن يتزوج؛ حتى يحصن فرجه، ويعف نفسه عن الوقوع في ما حرم الله سبحانه.
وقوله سبحانه: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] فيه أمر للنساء أن يحفظن فروجهن، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (احفظ فرجك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك).
فيجب على المرأة أن تحفظ فرجها إلا من زوجها، كما يحرم عليها وعلى الرجل إبداء ما حرم الله إبداءه.
стр. 635
حفظ الفرج نوعان
حفظ الفرج -كما ذكرنا قبل- نوعان: الأول الحفظ من النظر، فلا ينظر إليه أحد.
والثاني: الحفظ من الوقوع في الحرام، ولذلك مدح الله المؤمنين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٥] فهذا هو الأصل، ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:٦] أي: أن الرجل يحفظ فرجه إلا من زوجته أو ما ملكت يمينه، فله أن يملك الأمة فيطأها ويكون له منها الولد، أما المرأة فإنها تحفظ فرجها إلا من زوجها فقط، وأما ما ملكته يمينها فلا يجوز لها معاشرته.
والآن وفي زماننا لا يوجد إماء ولا عبيد، وعلى ذلك فيجب على الرجل حفظ فرجه إلا من زوجته فقط، والمرأة كذلك مع زوجها.
стр. 636
الأمر بالحجاب وعدم إظهار الزينة
قال الله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١]، وهذا يدل على أن زينة المرأة: زينة ظاهرة، وزينة باطنة.
فالزينة الظاهرة: كالثياب ونحوها، فعندما تمشي المرأة في الطريق لابسة ثيابها فإنها تكون معذورة في إبداء هذه الزينة.
стр. 637
اختلاف أهل العلم في كشف الوجه والكفين
واختلف العلماء: هل للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها للأجانب؟ مع اتفاقهم على أن المرأة إذا خشي منها الفتنة وكانت في زمن يكثر فيه الفساق أنه لا بد أن تستر وجهها وكفيها بحيث لا يبدو منها شيء، وفي غير ذلك اختلفوا، فذهب البعض إلى أنه لا يبدو منها إلا الوجه والكفان، وذهب البعض الآخر إلى أنه لا يبدو منها شيء مطلقاً.
стр. 638
أدلة القائلين بجواز كشف الوجه والكفين
استدل القائلون بجواز كشف الوجه والكفين بما جاء عن ابن عباس ﵄ أنه فسر قول الله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] بقوله: إن ما ظهر منها هو الوجه والكفان.
وجاء أيضاً عن ابن عباس ﵁ في تفسر ما ظهر منها، قال: الكحل والسوار والخضاب، وذكر نحو ذلك.
وجاء عن عائشة ﵂ ما يؤيد هذا القول فيما رواه أبو داود أن أسماء بنت أبي بكر أخت السيدة عائشة ﵂ دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق، فلما رآها النبي ﷺ أعرض عنها، وقال: (يا أسماء! إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه) صلوات الله وسلامه عليه.
فهذا الحديث احتج به من قال: إن المرأة يجوز أن يبدو منها الوجه والكفان.
وهذا الحديث اختلف أهل العلم في الاحتجاج به، فأكثرهم قالوا بضعفه، حتى الذي رواه - وهو الإمام أبو داود - ذكر أنه مرسل، وقال: هذا مرسل خالد بن دريك، ولم يدرك عائشة.
يعني: أن فيه انقطاعاً؛ لأن راوي الحديث وهو خالد بن دريك لم يدرك عائشة ﵂، أي: أنها ماتت ﵂ قبل أن يسمع منها ﵁، ولأجل ذلك ضعف الحديث.
قالوا: وعلى فرض صحته فيكون قبل أن يأمر الله النساء بالحجاب في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩]، فالحديث كان في بداية الأمر، وبعد ذلك أمر الله بالحجاب.
واحتج من أجاز كشف الوجه والكفين أيضاً بما جاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ في أن الفضل كان رديفاً للنبي ﷺ ، فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبي ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: (يا رسول الله! إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم.
قال: وذلك في حجة الوداع).
فقالوا: إذا كان هذا الحديث الأول قبل الحجاب، فإن الحديث الثاني كان بعد الحجاب، ففيه أن الفضل بن عباس كان راكباً خلف النبي ﷺ ، والمرأة كانت حاجة تسأل النبي ﷺ عن أن تحج لأبيها، وأن الفضل نظر إليها، فالنبي ﷺ لوى وجه الفضل إلى الناحية الأخرى؛ حتى لا ينظر إليها.
فالذين قالوا بجواز كشف الوجه احتجوا بأن المرأة كما في الحديث كشفت وجهها.
стр. 639
أدلة القائلين بعدم جواز كشف الوجه والكفين
استدل القائلون بعدم جواز كشف الوجه والكفين بأن ينظر إليها لتركه النبي ﷺ ينظر إليها، وقالوا أيضاً: إن المرأة كانت محرمة، فكأنها أبدت وجهها وكفيها لكونها محرمة، والكلام ليس في الإحرام وإنما في غير ذلك.
كما احتج العلماء القائلون بأنه لا يجوز أن يبدو منها شيء بحجة قوية وهي قول النبي ﷺ : (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان) وهذا الحديث رواه الترمذي عن ابن مسعود ﵄ بسند صحيح.
وراوي الحديث هو الذي قال في قول الله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١]: إن ما ظهر منها هو الثياب الظاهرة.
والنبي ﷺ في قوله: (المرأة عورة) لم يستثن شيئاً، فكل المرأة عورة لا يجوز أن يبدو منها شيء.
فالعمل بهذا الحديث أقوى، والمرأة يلزمها أن تستتر وخاصة في زمن يكثر فيه الفساق.
وفي هذا الحديث: (إذا خرجت استشرفها الشيطان)، فالشيطان: إما شيطان الجن -إبليس وأشياعه- وإما شيطان الإنس.
واستشرف بمعنى: رفع البصر إليها، وأصل الاستشراف: أن يضع الإنسان يده على عينه حتى ينظر إلى الشيء البعيد.
فمعنى: (استشرفها الشيطان) أي: نظر إليها الشيطان، أو أنه جاء إليها فجعل الناس ينظرون إليها، فكأن الاستشراف هنا إذا كان من شيطان الجن بمعنى: زينها في نظر الناظرين من شياطين الإنس حتى تعجبهم.
فالنبي ﷺ كأنه يحذر المرأة أن تخرج إلى الرجال فينظروا إليها فتفتنهم، وأكثر ما يفتن في المرأة وجهها، وأول شيء ينظر إليه الإنسان من غيره هو الوجه.
فعلى ذلك يلزم المرأة أن تستتر في مثل زماننا هذا الذي كثر فيه الفساق، وإن كانت المسألة خلافية بين أهل العلم، هل يجب عليها أن تستر وجهها وكفيها أو يستحب؟! الأحوط هو قول من قال بلزوم ستر الوجه والكفين؛ لقول النبي ﷺ : (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان)، والله أعلم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 640
تفسير سورة النور الآية [٣١]
لقد كرم الله المرأة المسلمة، وعلمها كيف تصون نفسها، وتعتز بحجابها، فهي محط أنظار أمراض النفوس، وهي فتنة إذا لم تلتزم بأوامر ربها، ولذلك فإن سورة النور تذكر بعض الآداب والواجبات التي على المرأة أن تعمل بها؛ لتحفظ دينها ومجتمعها من الانحلال، ولنساء المسلمين اليوم أسوة بنساء المهاجرين والأنصار بالأمس، وبهذا التأسي يفزن برضا الله سبحانه وجناته.
стр. 641
تفسير قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة النور: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١].
لقد أمر الله المؤمنين والمؤمنات بغض البصر وحفظ الفرج كما قدمنا قبل ذلك، وزاد هنا للمؤمنات فقال: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، أي: لا تبدي المرأة زينتها إلا ما ظهر منها.
стр. 642
اختلاف أهل العلم فيما يحرم إظهاره من زينة المرأة
واختلف أهل العلم في هذه الزينة المذكورة في الأول، وقال بعد ذلك: ((وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ))، فكأن هناك زينة ظاهرة في المرأة يجوز إيداؤها، وزينة أخرى لا يجوز لها أن تبديها وهي زينة باطنة.
فالزينة الظاهرة: هي الثياب الظاهرة التي تلبسها المرأة، فلا تملك أن تخفيها، وتحتاج المرأة للخروج لحاجتها، فهذه هي الزينة الخارجة والزينة الظاهرة، فلا ينبغي للمرأة أن تلبس من الثياب ما يلفت إليها النظر، وتتبرج في الطريق بألوان الثياب وتجعل الناظرين ينظرون إليها، ولا يجوز لها أن تلبس شيئاً يصف بدنها، ولكن لا بد أن تستتر بثياب صفيقة غير شفافة، وتكون ساترة لها، وربنا كرم المؤمنات وجعل المرأة المؤمنة مستترة، فلا ينظر إليها أحد ولا يهينها أحد، فهي مستورة بستر الله ، فتلبس ثيابها، وتتجمل بإيمانها، فهي ثياب الإيمان التي تفرق بين المرأة المؤمنة والمرأة الفاسقة الفاجرة الكافرة، فصان الله المؤمنات من أن ينال من أعراضهم، فالمرأة المؤمنة تغض بصرها فلا تقع في الحرام، وهي لا تنظر إلا إلى ما أحل الله لها، فلا تنظر إلى رجال أجانب، ولا تنظر إلى عورات النساء أو الرجال، فهي تغض بصرها إلا ما أحل الله لها من نظر إلى الزوج أو نظر إلى المحارم فيما يحل، قال تعالى: ((وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ)).
стр. 643
اختلاف أهل العلم في نظر المرأة إلى الرجل وفي نظر الرجل إلى المرأة
وهنا اختلف أهل العلم في نظر المرأة إلى الرجل، فهل يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل؟ نقول: يحرم على الرجل أن ينظر إلى المرأة، ولا بد أن تستتر المرأة من الرجل إلا في حال الضرورة، فإذا كان في حالة ضرورة جاز للرجل أن ينظر للمرأة، كالمداواة ونحوها إن لم يوجد نساء، فعلى ذلك يجوز أن ينظر إلى ما تدعو الحاجة إليه، لكن غير ذلك لا بد من غض البصر، وحفظ الفرج، وحفظ ما حرم الله أن يبدو وأن يظهر، فالمرأة تحفظ نفسها وبدنها، وتحفظ فرجها، وتغض من بصرها، وجاء في ذلك حديث عن النبي ﷺ ، تقول أم سلمة: (كنت عند النبي ﷺ وميمونة)، تعني: أنا وميمونة كنا عند النبي ﷺ ، (فأقبل ابن أم مكتوم حتى دخل عليه، وذلك بعد أن أمر بالحجاب)، يعني: بعدما أمر الله بالحجاب، (فقال رسول الله ﷺ : احتجبا منه، فقلن: يا رسول الله! أليس أعمى لا يبصرنا؟ قال ﷺ : أفعمياوان أنتما؟) أي: ألستما تبصران؟ هذا الحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الترمذي، لكن إسناد الحديث فيه ضعف.
ففيه: أن المرأة لا تنظر إلى الرجل، وهذا هو المعنى الصحيح، وجاء عن السيدة عائشة ﵂ في الصحيحين قالت: (رأيت النبي ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا أسأم، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو).
وهذا الحديث فيه أن النبي ﷺ ستر عائشة وكانت تنظر إلى الحبشة، وكانت عادة الحبشة في الأعياد أن يلعبوا بالحراب ويرقصوا بها، وقد دخلوا مسجد النبي ﷺ يوم العيد، وفعلوا هذا الشيء في مسجده ﷺ ونظر إليهم، وقال للسيدة عائشة ﵂: (أتشتهين تنظرين؟) أي: أتحبين أن تنظري؟ وهي لا تريد أن تنظر ولا غيره، ولكن تريد أن ترى قدرها من النبي ﷺ (فوقفت تنظر وهو يسترها بثوبه ﷺ ، وظل النبي ﷺ على ذلك حتى هي التي سئمت) أي: لم يقل لها: كفى، ولكن هي التي سئمت فدخلت، فالسيدة عائشة ﵂ هنا نظرت لذلك، وفي رواية: (أن الحبشة كانوا يلعبون عند رسول الله ﷺ في يوم عيد، قالت: فاطلعت من فوق عاتقه فطأطأ لي منكبه، فجعلت أنظر إليهم من فوق عاتقه حتى شبعت ثم انصرفت).
فالجمع بين الحديث وهذه الآية: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أن المرأة لا تنظر إلى الرجل الواحد نظرة تأمل وتفحص فيه، وكونها تنظر إلى مجموعة يلعبون نظرة عامة فهذا جائز يدل عليه حديث عائشة ﵂ هذا.
وأما أن تنظر إلى رجل واحد أو إلى رجال نظرة شهوة ونظرة تفحص فهذا غير جائز؛ لأن ذلك يوقع في قلبها الفتنة كما يحدث العكس للرجال، فهذا هو المنهي عنه.
وقال بعض أهل العلم: هذا الحديث كان والسيدة عائشة صغيرة، فقد تزوجها النبي ﷺ ولها سبع سنوات، ودخل بها ولها تسع سنوات، قالوا: فكانت صغيرة، فيجوز للصغيرة ذلك.
والصواب: أنها كانت كبيرة وليست صغيرة، فقد جاء في بعض الروايات أن هذا كان بعد مقدم الحبشة، وكان قدومهم سنة سبع، وكون النبي ﷺ تزوجها في المدينة ولها سبع سنوات، ودخل بها ولها تسع سنوات، فإنه سيكون قد مضى من عمرها ست عشرة سنة، إذاً: فالقول: إنها كانت صغيرة قول بعيد، والصواب: أنها جاوزت الست عشرة سنة ﵂.
وأيضاً جاء في حديث لـ فاطمة بنت قيس في الصحيحين، لما طلقها زوجها التطليقة الثالثة، وكأن المرأة لم يكن لها مكان تعتد فيه، فأمرها النبي ﷺ أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، وقد كان في البداية أمرها أن تمضي إلى إحدى النساء واسمها أم شريك، امرأة أنصارية، قال: اذهبي واعتدّي عندها، ثم رأى النبي ﷺ أن هذه المرأة عجوز، ويحضر إليها الكثيرون من الصحابة في بيتها تطعمهم أو تعطيهم شيئاً، والبيت مع ضيقه وهي فيه سيحصل شيء من الحرج حين يقدم أحد من أصحاب النبي ﷺ فتنظر إليه أو ينظر إليها، فقال: (اعتدي عند ابن أم مكتوم)، وكان ابن عمها وليس محرماً لها ﵄، فأمرها وقال: (إنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده)، إذاًَ: هو أعمى لا يراها، ولكنها تراه، والضرورة موجودة، فالمرأة ليس لها مكان تعتد فيه، وزوجها طلقها الطلقة الثالثة وليس لها بيت، إذاً: فالأحرى بها أن تذهب عند هذه المرأة العجوز، وهذا من حيث النظر في البداية، ولكن لما كانت هذه المرأة كبيرة وكان الناس يحتاجون إليها ويذهبون إليها في بيتها، والبيت مع ضيقه وحضور الرجال إليها تطعمهم أو تعطيهم شيئاً، سيجعل هذه المطلقة تنظر إلى مجموعة من الرجال.
إذاً: الأفضل أن تعتد عند ابن أم مكتوم في بيته، فهو رجل واحد، وإن نظرت نظرت إلى رجل واحد، والرجل سيكون متزوجاً، وعنده أهله في بيته، فعلى ذلك سيكون الأمر أيسر بكثير عند ابن عمها ابن أم مكتوم من أنها تكون عند أم شريك، فلذلك أمرها النبي ﷺ بأنها تعتد عند ابن أم مكتوم، وعلل ذلك بأنه رجل أعمى تضع ثيابها عنده، يعني: في هذا البيت، فضلاً عن أن ابن أم مكتوم كان ابن عم لها.
قال تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١]، واختلف العلماء فيما يظهر من الزينة: فذهب ابن عباس وغيره إلى أن ما ظهر من الزينة هو الوجه والكفان.
وجاء عن ابن مسعود وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم أن قوله تعالى: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] يعني: الثياب الظاهرة.
وقال أهل العلم: إنه في الزمن الذي يكثر فيه الفساق ويبتعد الناس عن الدين، فلا بد للمرأة أن تستتر جميعها، والمسألة فيها خلاف بين أهل العلم في أنه هل تبدي المرأة الوجه والكفين أم أنها تستر الجميع؟ لكن في زمن الفتنة تستتر المرأة وخاصة إذا كانت جميلة ينظر إليها الناس، فلابد أن تستر وجهها، وتستتر بستر الله الذي أمرها الله به.
قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، الخُمُر: جمع خمار، والخمار: الغطاء، ومنه: خمرّ الشيء، يعني: غطاه، والخمار هنا المقصود به: الغطاء الذي يوضع على رأس المرأة، فيكون الخمار نازلاً من فوق الرأس فيستر صدر المرأة، وسمى الله صدر المرأة جيباً، وأمر أن تضرب المرأة بالخمار، فينزل من على رأسها ويستر صدرها، وقوله تعالى: ﴿جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] مثل كلمة عيون، وكلمة بيوت في القرآن، فإنها تقرأ بالضم وتقرأ بالكسر، فتقرأ بُيوت وبِيوت، شُيوخ وشِيوخ، عُيون وعِيون، جُيوب وجِيوب، وابن ذكوان وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي يقرءونها بالكسر، وبقية القراء يقرءونها بالضم.
стр. 644
سبب نزول قوله تعالى: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن)
ذكروا في سبب نزول هذه الآية أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين رءوسهن بالأخمرة وهي المقانع سدلنها من وراء الظهر، يعني: كانت المرأة في الجاهلية تضع خماراً على رأسها وتجعله وراءها، فيبدو من الأمام صدرها، فهذا مثل جاهلية اليوم تجد المرأة تمشي وصدرها منكشف، فكان أهل الجاهلية على هذا الشيء.
وكانت المرأة في الجاهلية لا تبالي أن يظهر منها شعرها، أو أن يظهر منها أذنها وقرطها، أو يبدو خلخالها، بل كانت تمشي في الطريق لابسة خلاخيل في رجليها فتضرب برجلها حتى يسمع صوت الخلخال وهي ماشية، فينتبه إليها الناس وينظرون إليها، فحذر الله المؤمنات من الوقوع في ذلك.
فقد ذكر الإمام البخاري عن عائشة ﵂ أنها قالت: (رحم الله نساء المهاجرات الأول، لما نزل: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] شققن أزرهن فاختمرن بها)، وكذلك نساء الأنصار، فجاء عنها ﵂ في صحيح البخاري أنها قالت: (لما أنزلت هذه الآية ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها) يعني: أخذت الإزار الذي تلبسه فشقته من قبل الحاشية، أي: البطانة، فقد كان الثياب عندهن قليل، فنزلت الآية بالأمر بحجاب المرأة.
وأيضاً جاء في حديث ذكره ابن أبي حاتم عن صفية بنت شيبة قالت: (بينا نحن عند عائشة ﵂ قالت: فذكرنا نساء قريش وفضلهن، فقالت عائشة ﵂: إن لنساء قريش لفضلاً، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقاً لكتاب الله ولا إيماناً بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] لما نزلت هذه السورة انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وعلى كل ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت به تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله ﷺ معتجرات كأن على رءوسهن الغربان) تعني: أن كل واحدة بحثت عن الذي عندها من إزار أو مرط أو غيره، فتغدو وتجعله فوق رأسها وتغطي به صدرها، وتذهب لتصلي مع النبي ﷺ الفجر، ففي الليل عرفن ذلك، وفي الفجر ذهبن يصلين مع النبي ﷺ كما تقول السيدة عائشة: أنها نظرت لمنظر النساء وكأن الغربان على رءوسهن، يعني: فقد وضعن على رءوسهن أشياء من الثياب السوداء ونحو ذلك، ومعروف أن الغراب أسود، أو المقصد: أن المرأة كانت تجعل الثياب على رأسها وتبالغ في إخفاء رأسها.
وورد في رواية أخرى عن عائشة عند أبي داود قالت: (يرحم الله النساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] شققن أكتف مروطهن فاختمرن بها)، فدل على أن كلاً من المهاجرات والأنصاريات فعلن ما أمر الله به حالاً، ولم تقل المرأة: سنفعله تدريجياً كما يفعل نساء هذا الزمان، فتلبس ما تشاء من بنطلون ضيق وتزعم أنها محجبة، وتحط على رأسها ريشة قماش وتزعم أنها طارحة جلباباً، وتخادع نفسها ويغرها الشيطان، وفي النهاية الموت يأتي على الجميع والحساب يوم القيامة.
стр. 645
الدعوة إلى الحجاب وإلى الرجوع إلى تطبيق كتاب الله وسنة نبيه
ولذلك على الإنسان المؤمن أن يعلم أهل بيته، ويعلم بناته أن يستترن، وأن يطعن الله ، فالمرأة إذا عصت الله كانت شؤماً على نفسها وعلى أهل بيتها، وكانت فتنة لغيرها، فلا بد أن يتقي الله النساء والرجال في البنات وفي الأخوات وفي الأهل.
ففي حالات كثيرة تجد الرجل يمشي مع زوجته متبرجة ولا يستحيي من ذلك، وتلاقي المرأة تمشي مع ابنتها والرجل مع ابنته وهي متبرجة، فإن قلت: هذا حرام، قال: لا زالت صغيرة، فكلمة صغيرة ضحك بها الغرب على الشعوب المسلمة، وبدءوا يقولون: المرأة صغيرة، ثم تجد الأب يترك ابنته إلى ثمانِ عشرة سنة ويعاملها كطفلة! إن السيدة عائشة تزوجت ولها سبع سنوات، ودخل بها النبي ﷺ ولها تسع سنوات، فتقول: إذا بلغت الصبية تسعاً فهي امرأة.
ففي عهد النبي ﷺ كانوا يعاملون الصغيرة على أنها كبيرة، وليس من اللائق أن تقول عن رجل: طفل صغير، وقد مضى من عمره ثمانِ عشرة سنة، فإن أعداء الإسلام يضربون هذه الأمة بأسلحتهم ويهينونها، وبذلك فإن المسلم يهين نفسه، ويستحق الهوان من غيره، ولا يستحق أن يدافع الله عنه.
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام فالإنسان الذي تهون عنده نفسه يصير أهون عند الغير، فأمة المسلمين لما نسوا أنفسهم، وطأطئوا رءوسهم للغرب، ولما تركوا دينهم وراءهم، واقتدوا بأوروبا وأمريكا، وصارت التشريعات الفرنسية هي التي تحكمهم، وأصبح كتاب الله زينة للبيوت فقط لا للتشريع، ونسى المسلمون ربهم سلط الله عليهم غيرهم فأذلوهم، وصارت الشعوب ترمي المسلمين بأنهم متخلفون، وشعوب المسلمين هي الشعوب المتأخرة التي جعلت اهتمامها بالدنيا فقط، فإذا أراد المسلمون أن يقلدوا الغرب يتركون التقليد في الأشياء العلمية المفيدة ويقلدونهم فيما يخالف دين الإسلام، فهل من التنوير أن المرأة تتبرج، وأن الرجل ينظر إلى ما يشاء، والبحور تمتلئ بالعرايا، فهذا هو التنوير الذي عرفه المسلمون من هؤلاء، فقد تركوا ما عندهم من علوم وبقوا متأخرين، وقد كانوا قادة الأمم في العلوم قبل ذلك، فقد كانت كتب المسلمين في الطب وغيرها تترجم إلى هؤلاء ليتعلموا من المسلمين، واليوم أصبح المسلمون المتأخرين المتخلفين وأصبح هؤلاء القادة عليهم والسادة فوقهم، فيأمرونهم فينفذون لهم ما يريدون، فكيف يقول المسلمون: نحن نريد أن نعرب الطب، فنقول: لو عربتم كتب الطب فهل سيقرؤها الآخرون وهم أصلاً يسبقكونكم في هذه العلوم، فهذا الكلم الذي يتكلم به المسلمون عبارات جوفاء وأشياء لا ينظرون إلى جوهرها، بل ينظرون إلى مظهرها فقط، فالمسلمون لن يعودوا إلى ما كانوا عليه إلا إذا تمسكوا بكتاب ربهم ، وطبقوا هذا النور العظيم، إذا تعلمت المرأة كيف تحتجب، وكيف تطيع ربها سبحانه، وكيف تعلم أولادها، فإذا عرفوا ذلك ورجعوا إلى دين الله أعانهم الله سبحانه على أن يكونوا سادة الأمم، وجاء العصر الذي يقاتل فيه المسلمون اليهود ويقول الحجر (يا مسلم هذا يهودي ورائي تعال فاقتله)، فهنا يجعل الله الجمادات تقاتل مع المسلم، وتعينه على الجهاد في سبيل الله .
وأما إذا كان المسلم متأخراً ومتخلفاً وتاركاً لدين الله وراء ظهره فلا ينتظر توفيقاً من الله إلا أن يراجع دينه، ويرجع إلى ربه.
نسأل الله أن يعيننا ويعين كل المسلمين على العودة إلى كتابه وسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 646
تفسير سورة النور (تابع) الآية [٣١]
لقد جاء الإسلام بصيانة المرأة وسترها والمحافظة عليها، وكذلك جاء لتطهير المجتمع من أمراض الشهوات والرذائل، ولذلك حرم الزنا، وأمر بحفظ الفروج.
ولما كانت المرأة هي العامل الأقوى في نشر هذه الأمراض أمرها الله بحفظ البصر والفرج، وأمرها بالحجاب وعدم إبداء الزينة إلا لمن ذكرهم الله في هذه الآية.
стр. 647
تفسير قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن)
стр. 648
أنواع الزينة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة النور: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١].
ذكر الله في هذه الآية أمراً للنبي ﷺ ، وهو أن يأمر المؤمنات بما أمر به المؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١].
والزينة زينتان: ظاهرة وباطنة.
فالزينة الظاهرة لا تبدي المرأة منها إلا ما تحتاج إلى إبدائه كالثياب الخارجة، بشرط ألا تكون زينة في نفسها بحيث تلفت إليها أنظار من تمر به من الرجال ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، والخمار هو: ما تغطي به المرأة رأسها، فتضرب بهذا الخمار على رأسها، وتستر به صدرها.
والمقصود بالجيب: جيب القميص، أو جيب الدرع، وهو مكان دخول الرأس في القميص أو في الدرع أو في ما تلبسه المرأة، وقد يكون واسعاً فيبدو صدرها فأمرها الله أن تنزل الخمار الذي فوق رأسها فتستر به صدرها.
قال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور:٣١]، وهذه هي الزينة الثانية وهي الزينة الباطنة، فلا لا يجوز للمرأة أن تبدي هذه الزينة إلا لمن ذكرهم الله هنا وأباح لها أن تبديها لهم.
وما تبديه المرأة للزوج غير ما تبديه لباقي هؤلاء الذين ذكرهم الله في هذه الآية.
وقد ذكر سبحانه هنا اثني عشر صنفاً من الأصناف الذين يجوز للمرأة أن تبدي زينتها أمامهم.
стр. 649
الزينة التي تبديها المرأة أمام الزوج
قال تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، والبعل: هو زوج المرأة، ويطلق على السيد أيضاً.
والمرأة إما حرة وإما أمة، فالمرأة الحرة تبدي زينتها وجمالها وبدنها كله لزوجها، فللزوج أن ينظر من زوجته إلى كل شيء منها، وكذلك تنظر المرأة إلى زوجها، وهذا حلال أحله الله .
وكذلك السيد مع أمته، والأمة هي المملوكة المشتراة بالمال، والزوجة هي التي يعقد عليها وليها للزوج، فلا يملك الزوج منها شيئاً، ولكن ينتفع بما أباح الله له من استحلال فرجها، والاستمتاع بها.
وأما الأمة فيملك سيدها أن يبيعها وأن يبقيها وأن يعتقها، والآن لا توجد إماء ولا يوجد عبيد؛ فقد حررهم الله بما فرض في القرآن من كفارات ونحوها، فحررهم كلهم حتى لم يبق في المسلمين عبيد، بل وفي العالم كله لم يبق عبد ولم يبق إلا العبودية لغير الله الموجودة في الخلق، أو في الكفرة فهم يعبدون غير الله سبحانه، وأما العبيد والإماء فليسو موجودين الآن.
فالبعل المقصود به: السيد أو الزوج، فللزوج أن يرى من المرأة كل ما يبيحه الله له، فينظر إليها إلى بدنها كله، وقد بدا هنا بالزوج.
стр. 650
الزينة التي تبديها الزوجة أمام بقية الأصناف غير الزوج
قال تعالى: ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، فللمرأة أن تبدي زينتها لأبيها، ولا شك أن ما تبديه المرأة لزوجها غير ما تبديه لأبيها، فإن الزينة التي تبديها المرأة لزوجها هي بدنها كله، وأما الزينة التي تبيدها المرأة لأبيها أو لباقي من ذكر الله فهي ثياب المهنة أو ثياب البيت، وما قد يبدو منها في ثياب بيتها أو ثياب مهنتها، مثل يدها أو رجلها أو ساقها أو ذراعها أو شعرها أو رأسها، وأما عورتها فيما بين سرتها إلى ركبتها فلا يطلع هؤلاء على ذلك.
وتخفي صدرها فلا تظهره أمام هؤلاء، قال أهل العلم: إن ما تبديه المرأة لهؤلاء الأحد عشر غير ما تبديه المرأة لزوجها.
قال تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أي: آباء البعولة وآباء الأزواج.
قال تعالى: ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أي: إن المرأة أمام أبيها وأمها وأولادها وبقية الأصناف لا تظهر لهم إلا ما يظهر منها في ثياب مهنتها في بيتها مثل كتفها ونحرها وذراعها وقدمها وشعرها ورأسها وذراعها ولا تظهر أمام هؤلاء ما بين سرتها إلى ركبتها، وإنما هذا يظهر أمام الزوج فقط.
قال : ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، أي: ابن المرأة ﴿أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أي: ابن زوجها.
﴿أَوْ إِخْوَانِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، أي: أن للأخ أن يرى ذراعها وساقها ورأسها فهذا جائز ﴿أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أي: من تكون هي عمة له فيجوز له أن ينظر أيضاً إلى رأسها وشعرها وذراعها ورجلها.
قال تعالى: ﴿أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أي: من تكون لهم خالة، قال تعالى: ﴿أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أي: نساء المرأة فمن كان معها من نسائها قريبة لها فتدخل عليها، وهن غير الكافرات.
وقد اختلف أهل العلم في المقصود هنا.
قالوا: لكن الأصل هنا في قوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١] يعني: نساء المرأة من المؤمنات.
فهنا الاتفاق على أن المسلمات يدخلن على المرأة، وينظرن منها إلى ما يجوز للمرأة أن تنظر إلى المرأة منه.
стр. 651
حكم التجرد وإظهار العورة
ولا يجوز للمرأة أن تبدو متجردة أمام امرأة أخرى، وكثير من النساء يفعلن هذا الشيء ويتساهلن فيه، فلا تستحي المرأة أن تبدي ما بين سرتها إلى ركبتها أمام امرأة أخرى، وهذا غير جائز، فعلى المرأة أن تستتر من النساء، والرجل يستتر من الرجال، فلا يبد لهم ما بين سرته إلى ركبته، فهذا عورة.
والعورة قسمان: عورة مغلظة، وعورة مخففة، فالعورة المغلظة: السوءتان.
والعورة المخففة: غير ذلك مما بين السرة إلى الركبة.
والعورة المغلظة لا يجوز لأحد أن يبديها، ولا يجوز لأحد أن ينظر إليها إلا لحاجة، والعورة المخففة قد تبدو مع المهنة أو مع شيء آخر، ولكن لا يُنظر إليها.
والمرأة مع المرأة كذلك، فلا تنظر المرأة إلى عورة امرأة أخرى فيما بين سرتها إلى ركبتها إلا لحاجة من تطبيب ونحو ذلك.
وأما لغير حاجة فليس لها ذلك.
وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁: (لا تباشر المرأة المرأة تنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها) يعني: لا تنظر إلى بدنها كله، فقد يكون في نفسها شيء فتذكر هذا الشيء لزوجها، أو تفضح هذه المرأة أمام غيرها، فحمى ربنا المؤمنة وقال لها: لا تظهري زينتك أمام أحد إلا من ذكر هاهنا.
ولا يجوز للمرأة أن تظهر ما بين السرة إلى الركبة لأحد إلا لزوجها، وإلا لحاجة من تطبيب ونحوه.
إذاً: فالمقصود بقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١] النساء المسلمات، قال العلماء: تَظهر المرأة بزينتها للنساء المسلمات دون نساء أهل الذمة، وأما نساء أهل الذمة فقد خاف العلماء من أن تبدي المرأة زينتها أو تكثر من التزين أمامهن فيفضحها، فإنهن لا دين عندهن، فإن من الممكن أن يذكرن أن فلانة شكلها كذا ولونها كذا ورجلها كذا وعينها كذا، فيذكرن أشياء من زينتها فيفضحنها، أو يذكرنها للكفار.
وقد جاء عن عمر ﵁ أنه كتب إلى أبي عبيدة: أما بعد: فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك، وإنهن من قبلك، فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر عورتها أو إلى عورتها إلا أهل ملتها.
فهذا مذهب عمر رضي الله ﵎ عنه، فقد خشي عمر من دخول المسلمات مع الكافرات في الحمامات، فإذا كان المسلمون إذا دخلوا الحمامات العمومية تجردوا من ثيابهم أمام الآخرين فكيف بالنساء؟ فهن ناقصات عقل ودين، فقد تفعل المرأة ذلك، فإذا دخلت المرأة حماماً فيه كافرات أيضاً فقد تفعل هذا الشيء، فخشي عمر من ذلك، فنهى عن مثل ذلك؛ خوفاً من هذا الشيء.
стр. 652
حكم إبداء المرأة لزينتها أمام النساء
إن مسألة إبداء الزينة أمام الكافرات أنواع: أما إبداء البدن كله فهذا محرم، فلا يجوز لا أمام مسلمة ولا أمام كافرة.
وأما أن تخفي المرأة ما بين السرة إلى الركبة وتبدي غير ذلك أمام امرأة مسلمة فهذا جائز، وأما أمام الكافرة فتمنع المرأة من هذا الشيء، وأما ثياب المهنة التي تلبسها في بيتها أمام أبيها أخيها وأقاربها ومحارمها الذين ذكرهم الله فقد اختلف أهل العلم في ذلك: فذهب الشافعي وغيره: إلى المنع من ذلك.
فقد ذكر الإمام النووي وغيره أن المرأة المسلمة لا تبدي زينتها أمام امرأة كافرة في ذلك.
وذهب الحنابلة وغيرهم: إلى أنه لا فرق بين ما تبديه المرأة المسلمة أمام المسلمة وبين ما تبديه أمام المرأة الذمية، كما أنه لا فرق بين ما يبديه المسلم أما المسلم وبين ما يبديه أمام الذمي.
وجاء عن الإمام أحمد روايتان في هذه المسألة.
فقال: أنا أذهب إلى أنها لا تنظر إلى الفرج، ولا تقبلها حين تلد.
أي: أن المرأة الكافرة لا تكون لها قابلة إذا وجدت الطبيبة المسلمة أو الداية المسلمة، فإن لم يوجد غيرها واحتيج إلى ذلك فلا بأس، ولو اضطرت إلى الذهاب إلى طبيب ذهبت إلى الرجل الطبيب المسلم.
أي: أن الأمر في التطبيب مع الحاجة، فقد تذهب المرأة إلى الطبيبة المسلمة، وإذا لم تجد ذهبت إلى الطبيبة الكافرة، وإذا لم تجد ذهبت إلى الطبيب الذكر المسلم.
وجاء عن الإمام أحمد رواية أخرى، وهي: أن المسلمة لا تكشف قناعها عند الذمية.
والقناع هو: الغطاء الذي تجعله المرأة فوق رأسها تستر به رأسها ومحاسنها.
فقال: لا تكشف قناعها عند الذمية، ولا تدخل معها الحمام، والخوف من دخول الحمام خوفاً من التجرد، فإن المرأة قد تستهين بأمر دينها فتخلع ثيابها كما يحدث الآن، فقد صارت المرأة تخلع ثيابها في البحار أمام الرجال والنساء، ولا تفرق بين شيء وشيء، فنهى العلماء عن ذلك؛ خوفاً مما يحدث بعد ذلك، فلعل المرأة المسلمة تتجرد أمام المرأة الكافرة، فتصورها وترسلها لغيرها لتفضحها بها.
ولعلها إذا تجردت أمام الكافرة يكون في نفسها شيء من شهوات النساء الباطلة أو الشذوذ، فتقع معها في السحاق، والعياذ بالله.
أو تدعوها إلى مثل ذلك.
فإذاً تستتر المرأة ولا تبدي زينتها أمام هؤلاء، وأما إذا كان لا يقصد إلى هذا الشيء فالراجح: أن ما تبدو به أمام المرأة المسلمة جاز لها أن تبدو به أمام غيرها، ولكن الأحوط أن تحتاط المرأة لنفسها، فإذا عرفت عن هذه أنها تتكلم في أمر النساء، أو يخشى من شهوتها، أو ثرثرتها، فإنها تستتر، ولا تدخل أمثالها على بيتها.
قال ابن قدامة ﵀: والأول أولى.
وهو أنها تبدو أمام الكافرة بثياب الزينة وبما يجوز لها أن تظهره أمام المسلمة، قال: لأن النساء الكوافر من اليهود وغيرهن كن يدخلن على نساء النبي ﷺ .
يعني: كان بعض نساء اليهود يدخلن على السيدة عائشة ﵂، ولم ينهاها النبي ﷺ ، ولم يثبت أنه أمرها أن تحتجب من هذه المرأة، قال: فلم يكن يحتجبن ولا أمرن بحجاب، وقد جاء أن امرأة يهودية جاءت إلى عائشة ﵂: تسألها شيئاً، أي: تطلب منها إعانة، فدعت للسيدة عائشة وقالت: أعاذك الله من عذاب القبر.
فسألت عائشة رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله عليه بعد ذلك (إنكم تفتنون في قبوركم، فكان يتعوذ بالله من عذاب القبر).
يعني: إلى هذا الحين لم ينزل على النبي ﷺ في عذاب القبر ولم يوح إليه في أمر عذاب القبر بشيء، حتى دخلت المرأة اليهودية على السيدة عائشة ودعت لها بذلك.
فسألت السيدة عائشة النبي ﷺ عن قول اليهودية فأنزل الله على النبي ﷺ بعد ذلك: (إنكم تفتنون في قبوركم.
وقال: إنه قد أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم، فكان يتعوذ بالله من عذاب القبر)، صلوات الله وسلامه عليه.
وكذلك قالت أسماء وهي أخت عائشة بنت أبي بكر ﵃: (قدمت علي أمي وهي راغبة، يعني: في الإسلام، أو: راغبة عن الإسلام، أو: راغبة في صلة من الصلات، فسألت رسول الله ﷺ أأصلها؟ فقال: نعم)، وقد كانت أم أسماء غير أم عائشة، فأم عائشة اسمها أم رومان وقد كانت مؤمنة مسلمة، وأما أم أسماء فكانت كافرة، فجاءت تزور أسماء وهي كافرة، فلما جاءت أرسلت أسماء لتسأل النبي ﷺ : هل تستقبلها وهي كافرة؟ فأمرها النبي ﷺ أن تستقبلها؛ فإنها أمها.
والنبي ﷺ لم يأمرها هنا أن تحتجب منها.
وهنا قد يقال: هي أمها، والمرأة لا تحتجب من أمها، إلا ما لا يجوز لها إظهاره أمام الأم.
ولكن اليهودية التي دخلت على عائشة ﵂ لم يأمرها النبي ﷺ أن تحتجب منها، ولم يثبت عنه مثل ذلك.
قالوا: فعلى ذلك لا يثبت الأمر بالحجاب إلا بنص من كتاب أو سنة، وهذا ليس فيه ذلك، فعلى ذلك فقوله سبحانه: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١] يحتمل أن يراد به جملة النساء، يعني: من يدخل على المرأة من النساء سواء كن من أقارب المرأة، أو غريبات عنها، أو إمائها مسلمات أو كافرات، أو كن حرائر من ذميات أو نحو ذلك، فيجوز للمرأة أن تظهر أمامهن كلهن بثياب زينتها، ولكن لا تتجرد أمامهن، وعليها أن تستر أمام النساء ما بين سرتها إلى ركبتها، وتستتر أكثر من ذلك أمام النساء الكافرات.
стр. 653
معنى قوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانهن)
قال الله : ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور:٣١] وهذا هو الصنف العاشر ممن تبدي المرأة زينتها أمامهم، قال تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور:٣١] فإذا كانت فالمرأة تملك أمة مسلمة أو كافرة فيجوز لها أن تبدو بثياب زينتها أمامها، وكذلك إذا كانت المرأة تملك عبداً كافراً أو مسلماً، ففي الحديث: (أن النبي ﷺ أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي ﷺ ما تلقى قال: إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغلامك).
فالعبد الذي تملكه المرأة يجوز له أن ينظر إلى وجهها ويدها.
وفرق بين أن تملك المرأة عبداً وبين أن يملك الرجل أمة، فالرجل إذا ملك أمة فيجوز له أن يطأها؛ لأنها ملكه، والمرأة إذا ملكت عبداً فلا يجوز له أنه يطأها، إلا إذا تزوجها بإذن وليها، أو زوجها وليها عبداً، وكان هذا العبد يجوز له أن يتزوجها.
فلا يجوز له أيضاً أن ينظر إليها متجردةً، وإنما يدخل عليها ويقضي لها حوائجها، فيجوز له أن ينظر إلى وجهها ويدها ولو انكشف شيء من شعرها أيضاً جاز له أن ينظر إليه؛ لأن النبي ﷺ أهدى لـ فاطمة غلاماً عندما كانت محتاجة لمن يخدمها ويعينها، فدخل عليها وكان ثوبها الذي عليها إذا غطت به رأسها انكشف قدمها، وإذا عطت قدمها انكشف شعرها أو رأسها ﵂، فقال لها النبي ﷺ : (إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك أو غلامك)، فدل هذا على أن العبد يجوز له أن ينظر إلى يد سيدته ووجهها، أو حتى إلى شعرها.
وأما أكثر من ذلك فلا، وهذا الحديث لم يذكر فيه أكثر من أنه بدأ شيء من رأسها أمام هذا العبد، فإذا اعتقت هذا العبد صار حكمه كغيره من الناس، فلا يجوز له أن ينظر إليها.
стр. 654
معنى قوله تعالى: (أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال)
ومن الأصناف الذين ذكرهم الله في هذه الآية: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ﴾ [النور:٣١]، والإربة أصلها: الحاجة.
والمقصود هنا: الشهوة، قال تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور:٣١]، وذلك مثل الرجل الشيخ الكبير والعجوز الذي لا شهوة عنده، أو الإنسان العنين، أو الإنسان المخنث خلقة، يعني: خلق وفيه خنوثة وتكسر، وفيه صفات الأنوثة وليس له في النساء حاجة.
فإذا بدأ أنه له في النساء ذلك لم يجز أن يدخل عليهن، قال تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ﴾ [النور:٣١]، قال المفسرون: هو: الأحمق الذي لا حاجة به إلى النساء، يعني: المعتوه الذي ليس فيه شيء من العته، ولا شهوة فيه.
وقيل: العنين، وقيل: الإنسان المخنث خلقة، وقيل: الرجل يتبع القوم فيأكل معهم، ويرتفق معهم وهو ضعيف، يعني: في شهوته وفي علقه، ولا يشتهي النساء.
فإذا كان على هذا النحو بأن خلق لا شهوة فيه، أو بسبب مرض فيه جاز له أن يدخل مع رجال البيت على النساء، وأن يسأل أو يأكل أو نحو ذلك.
قال تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ﴾ [النور:٣١]، فإذا بدا أن هذا الإنسان يفهم أمر النساء لم يجز له أن يدخل، ولذلك جاء في الحديث: (أن رجلاً كان مخنثاً وكان يدخل على بيوت النبي ﷺ يسأل نساء النبي ﷺ فيعطينه، وكانوا يرون أنه لا حاجة له في النساء ولا شهوة فيه، فسمعه النبي ﷺ مرة وهو يتكلم في أمر النساء، وهو ينصح أخاً لإحدى أمهات المؤمنين، ويصف له امرأة ويقول: إذا فتح الله عليكم ثقيفاً فعليك بابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان.
فسمعه النبي ﷺ وقال: ألا أرى هذا يعلم ما هناك؟) يعني: يفهم أمر النساء، فمنعه ونفاه خارج المدينة أبداً؛ من أجل ألا يخدع الناس، فأمر به النبي ﷺ فنفي خارج المدينة، وكان يؤْذن له كل أسبوع ينزل المدينة يسأل الناس.
فهو لما كان معروفاً بين الناس أنه مخنث وأنه لا شهوة له في النساء كانوا يتركونه يدخل بيوتهم يسأل، فيعطونه ويطعمونه، ولما ظهر من كلامه أنه يفهم أمر النساء، ويصف امرأة بأنها فيها من الجمال وكذا وكذا، وعرف النبي ﷺ ذلك منعه من الدخول على بيوت النساء، ونفاه خارج المدينة، فكان بعد ذلك ينزل في كل أسبوع مرة، فيسأل الناس.
وفي قوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور:٣١] قراءتان: فقرأ ابن عامر وشعبة عن عاصم وأبو جعفر (غيرَ أولي الأربة من الرجال)، وقرأ باقي القراء بالجر فيها.
стр. 655
معنى قوله تعالى: (أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء)
قال تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ﴾ [النور:٣١]، وهذا هو الصنف الثاني عشر ممن يجوز للمرأة أن تبدو أمامهم بزينتها، وهو: الطفل.
والطفل يطلق على من لم يبلغ الحلم، فيطلق على الإنسان وهو في بطن أمه جنين، وعندما يخرج من بطن أمه إلى المراهقة.
وكلمة راهق بمعنى: قارب البلوغ ولم يبلغ، فمرحلة المراهقة تطلق على آخر مرحلة من مراحل الطفولة قبل البلوغ.
أي: أنه قارب البلوغ ولم يحتلم.
فالطفل إذا لم يبلغ جاز للمرأة أن تبدو بزينتها أمامه، إلا إذا بدأ عليه شيء من الشهوة، أو كان يتكلم بما يراه، وينقله لغيره، أو يصف النساء، فإذا علم منه ذلك فعلى المرأة أن تتستر أمامه.
والله أعلم.
أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 656
تفسير سورة النور [٣١ - ٣٢]
إن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس ينفذ إلى القلب فيمرضه، أو يصيبه في مقتل، ومن تركه أورثه الله نوراً يجد حلاوته في قلبه، وقد جاء الأمر الرباني لمن اتصفن بصفة الإيمان من النساء أن يغضضن أبصارهن، وألا يكن داعيات للفتنة بحركاتهن أو زينتهن وملابسهن، أو حتى بالضرب بأرجلهن ليعلم ما يخفينه من زينتهن، ثم جاء النداء الرباني الرحيم بأن من فعل شيئاً من ذلك فطريق فلاحه أن يتوب إلى الله تعالى، ويرجع إليه.
стр. 657
تفسير قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
لما أخبرنا الله في الآية السابقة عما يجوز للمرأة أن تظهره أمام محارمها، وعن الزينة الظاهرة والباطنة، وما لا يحل لها أن تظهره أمام غير محارمها، أمر عباده بالتوبة إليه سبحانه فقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]، فإذا كان النبي صلوات الله وسلامه عليه يقول: (إني لاستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة)، وهو المعصوم الذي قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ويعد له في المجلس الواحد سبعين مرة يستغفر فيها، فالمؤمنون مأمورون بأن يتوبوا في كل وقت إلى الله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]، وتوبة العبد سبب للفلاح، فما من إنسان إلا ويبدر منه ذنب من الذنوب كبر أو صغر، جاء في الحديث: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون).
وذكر لنا ربنا ما تتعلق هذه الآية أو هذه الجملة به، فذكر النساء وقال: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور:٣١]، فذكر هؤلاء.
وقد يبدو من المرأة شيء من زينتها أمام غير من ذكر الله ، فكأنه يشير إلى ذلك ويقول: توبي إلى الله مما بدر منك سواء كان عمداً أو خطأً، وقد تنكشف المرأة أمام البعض، وتستتر أمام البعض الآخر، وقد منع الله من إظهار الزينة إلا أمام من ذكر.
وقد تستصغر إنساناً ولا يكون صغيراً، وقد تظن أن هذا من غير أولي الإربة ويكون من هؤلاء، فيأمر الله بالتوبة إليه، ففي نهاية هذه الآية قال الله : ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ﴾ [النور:٣١] يعني: الرجال الذين لا حاجة لهم في النساء: من كبر سن فيه، أو يكون إنساناً مخنثاً خلقة.
فإذا دخل وطلب طعاماً أو سأله ونظر إلى شيء فهنا لا يجب على المرأة أن تستتر استتاراً كاملاً منه، ولكن قد تظن أن هذا من غير أولي الإربة ثم يبدو أنه من هؤلاء، مثل المخنث الذي كان في عهد النبي ﷺ ، ونقصد بالمخنث الإنسان الذي ليس به حاجة إلى النساء، أو الذي في تركيبه طبيعة النساء، وأما المخنث تطبعاً فهذا ملعون، وفي الحديث: (لعن النبي ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال).
فالإنسان الذي يتكسر في مشيته ويتشبه بالنساء ملعون، والمرأة المترجلة التي تتشبه بالرجال في زيها وفي مشيتها ملعونة.
ولكن لما نتكلم عن المخنث الذي يجوز أن يدخل البيت ويسأل المرأة نقصد به من كان أشبه بالنساء منه بالرجال خلقه.
وكذلك الطفل قال تعالى: ﴿وَالطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور:٣١] أي: الطفل الذي لا يميز العورات، أو الطفل الذي لم يبلغ.
فإذا كان الطفل صغيراً جاز للمرأة أن تبدو أمامه بزينتها، فإذا كان الطفل كبيراً وهنا سواء كان ابنها أو غير ابنها، فإذا كان ابن لها فهو ممن دخل في هذه الآية، وإذا كان ليس ابناً لها وكان صغيراً مثله لا يطلع على عورات النساء ولا يفهمها جاز أن تبدو في ثياب مهنتها أمامه، لكن إذا ظن أنه يفهم ذلك وأنه قد قارب البلوغ، وأنه يتكلم بكلام كثير ممكن ينقل أوصاف المرأة للرجال مثلاً فيجب عند ذلك أن تستتر المرأة أمامه، فإن بدا منها شيء فهنا ربنا يذكر بالتوبة فيقول: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [النور:٣١]، فالإنسان المؤمن يكثر من التوبة إلى الله من ذنوبه التي يقع فيها.
وأيضاً هنا ذكر في هذه الآية تحذير للنساء من الضرب بالأرجل فقال: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، فقد كانت المرأة في الجاهلية تمشي وقد ينكشف شيء من شعرها، أو شيء من صدرها فلا تبالي بذلك، وإذا أحبت إحداهن أن تلفت النظر لبست خلخالاً في رجلها، فإذا مرت بالرجال ضربت برجلها الأرض فيحدث الخلخال صوتاً، فينتبه الرجال لها وينظرون إليها.
وقارن بين جاهلية الأمس وجاهلية اليوم كيف أنها اليوم لا تحتاج إلى الخلخال ولا غيره، فهاهي تمشي عريانة أصلاً، فتلفت نظر جميع من ينظر إليها في الطريق، وأيهما أشد الجاهلية الأولى حين يبدو من المرأة شيء من رقبتها، أو شيء من شعرها وهي تمشي، أو لكي تبين أنها امرأة تسير في الطريق تضرب برجلها ليسمع صوت الخلخال، أم جاهلية اليوم حين تمشي المرأة كاسية عارية في الطريق والكل ينظر إليها؟! ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقد تمشي المرأة في الطريق فتضحك بصوت مرتفع ينتبه إليها من ينظر إليها، وقد تتكلم بصوت عالٍ، وهذه هي الحرية التي تطلبها، النساء فتضع إحداهن المساحيق على وجهها أو على جسدها، وهي ألوان تلفت النظر إليها، أو عري فاضح وتهتك أمام الناس، فتهتك ما بينها وبين ربها من ستر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 658
القراءات في قوله تعالى: (أيه المؤمنون)
قوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور:٣١] هذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن عامر: (أيهُ الْمُؤْمِنُونَ)، كأنه أخذ الكلمة على أنها كلمة واحدة أصلها: أي والضمير، فتعامل معها على أنها كلمة واحدة، فهي مناداة، فعلى ذلك بناها على ما يرفع به فكانت (أيهُ الْمُؤْمِنُونَ).
وهي قراءة أنكرها بعض أهل العربية، ولكن القرآن حجة على غيره، وليس غيره حجة عليه، فأفصح اللغات ما نزل به كتاب رب العالمين، وطالما ثبتت القراءة عن النبي ﷺ فهي حجة وحدها لذاتها.
وأيها مكتوبة في المصاحف همزة وياء وهاء، فعلى قراءة (أيه) ستكون عليها فتحة بدون ألف، ولذلك اختلف القراء في الوقف عليها: فذهب أبو عمرو، ويعقوب والكسائي إلى أنها تقرأ بالألف على أصلها ﴿وتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا﴾ [النور:٣١].
وباقي القراء قالوا: نتعامل مع الرسم الذي هو موجود فيها.
فإذا وقفنا عليها قلنا: ((أيّهْ)) على أنها همزة وياء وهاء، والهاء عليها فتحة فإذا قرئت وصلاً كانت: ﴿أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور:٣١]، وإذا وقف عليها يبقى: ((أيُّه)) على قراءة الجمهور.
قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]، فقيد الفلاح بالتوبة إلى الله .
وجاء في حديث النبي ﷺ : (التوبة تجب ما قبلها)، فالتوبة تمحو وتزيل ما كان قبلها من معاصي.
стр. 659
تفسير قوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم)
ثم قال: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢]، هذه الآية خطاب من الله للأولياء أن أنكحوا بمعنى: زوجوا، فكأنه يشير لولي المرأة، أو إلى ولي من يحتاج إلى تزويج ممن لا يقدر أن يتزوج بنفسه؛ لضعف عقله مثلاً، أو لكونه عبداً، فيقول: زوجوا هؤلاء.
فالإنسان الذي يقدر على الزواج بنفسه فسيتزوج، ولكن المرأة لا تزوج نفسها فوليها مأمور أن يزوجها، فقال: ﴿وَأَنكِحُوا﴾ [النور:٣٢]، وفرق بين أنكحوا وانحكوا، فانكحوا بمعنى تزوجوا، وهو خطاب للرجل، وأما أنكحوا فمعناها: زوجوا، وهو خطاب لولي المرأة ألا تعضل المرأة عن الزواج.
وفيها إشارة إلى أن المرأة لا تزوج نفسها إذ لم يقل: أنكحن، ولذلك جاء أن النبي ﷺ قال فيمن تزوجت بغير ولي: (أيما امرأة نكحت بغير أذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل)، فلا يجوز للمرأة أن تزوج نفسها، ولكن الولي هو الذي يزوجها، والولي أبوها أو جدها أو عمها أو أخوها، فهؤلاء عصبة المرأة الذين يزوجونها.
وجاء عن النبي ﷺ قوله: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)، فلا يتم النكاح إلا بأن يعقده ولي المرأة.
قال تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور:٣٢] والأيامى: جمع أيم، والأيم هي المرأة التي لا زوج لها، وقد يطلق على الرجل الذي لا امرأة له، ولكن هذا قليل.
فأصل الأيم المرأة غير المتزوجة سواء كانت لم تتزوج أصلاً، أو تزوجت وطلقت، أو تزوجت وتوفي عنها زوجها، فهذا كله داخل تحت الأيامى.
وقد اختلف العلماء في حكم هذا النكاح: هل هو فرض، أم مستحب، أم مباح؟ فقال العلماء: يختلف ذلك باختلاف حال المؤمن من خوف العنت، وعدم صبره.
يعني: حسب حال الإنسان: هل يقدر على الصبر عن النكاح فلا يتزوج، أم أنه لا صبر له عن النكاح، فإذا كان يخاف على نفسه العنت، ويقدر على الزواج فيجب عليه أن يتزوج إذا كان عنده التكاليف المالية، ويخاف على نفسه الوقوع في الزنا.
وإذا كان معه مال يكفيه: إما للحج وإما للزواج فهو مخير بين الاثنين.
لكن إذا كان يخاف على نفسه الزنا في زمن مثل زماننا الذي كثرت فيه الفتن، ويخاف على نفسه الوقوع فيها، ولا صبر له عنها فيبدأ بالزواج، ثم يرزقه الله ما يحج به بعد ذلك، وإلا فليقدم الحج على الزواج.
يقول العلماء: إذا خاف الهلاك في الدين أو الدنيا أو فيهما فالنكاح حتم واجب، وإن لم يخش شيئاً فيقول بعض العلماء: إنه يباح له الزواج.
وقال البعض: إنه مستحب، وهذا هو الراجح؛ فهو سنة النبي ﷺ ، وقد جاء في الحديث الذي في الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال: (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها) أي: أن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ ذهبوا يسألون نساء النبي ﷺ عن حال النبي ﷺ ، وعن عبادته: كم يصوم؟ وكيف يصلي؟ وكم يقوم من الليل؟ فلما أخبر أزواج النبي ﷺ هؤلاء الصحابة عن حاله وعن صلاته؛ كأنهم تقالوها، يعني: كانوا يظنون أن يقال لهم: إنه يصلي من بعد العشاء إلى طلوع الفجر، والنبي ﷺ بشر يحتاج لقضاء حاجته، ويحتاج إلى أن يكون مع نسائه، وهو مشغول بأشياء فلا يمكن أن يكون وقته كله صلاة وصوم فقط.
فهؤلاء كأنهم تقالوها، فقال بعضهم لبعض: (وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً).
يعني: هو الذي كان يتوقعه أن النبي ﷺ يقوم الليل كله من العشاء إلى الفجر، فقال: أنا سأعمل هذا الشيء.
وقال الآخر: (وأنا أصوم الدهر ولا أفطر)، وهذا كان متوقعاً أن النبي ﷺ يصوم كل يوم.
وقال الآخر: (وأنا اعتزل النساء ولا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال لهم: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ فقال ﷺ : أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له) أي: أنا أخشى الخلق لله ، واتقى خلق الله لله سبحانه.
قال: (لكني أصوم وأفطر)، ولو أن الدهر كله كان صياماً فكيف سيقوم بالعبادات الأخرى كالجهاد في سبيل الله ، وتعليم الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟! قال: (وأصلي وأرقد)، ولو أنه يقوم الليل كله لتعب، ونفهت عيناه، وتعبت قدماه، ولم يقدر على المواظبة والمواصلة، ولكنه يقوم من الليل، ويرقد صلوات الله وسلامه عليه.
قال (وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)، وضع لهم هذه القاعدة: فالذي لا يريد سنة النبي ﷺ فلا يستحق أن ينسب إليه، ولا يستحق أن يتشرف بأن ينسب إلى سنته، أو أن يكون معه يوم القيامة.
فوضع لهم هذه القاعدة التي أراحت المؤمنين، ومن شدد على نفسه وجد المشقة بعد ذلك، فـ عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ شدد على نفسه، وقد قال النبي ﷺ : (اقرأ القرآن في شهر، قال: أطيق أكثر من ذلك، قال: اقرأ القرآن في خمسة عشر يوماً، قال: أطيق أكثر من ذلك، قال: في أسبوع، قال: أطيق أكثر من ذلك، قال له النبي ﷺ : من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقه).
فشدد على نفسه فكان يختم في كل ثلاثة أيام، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، فقال النبي ﷺ : (صم يوماً وأفطر يوماً، فقال: أطيق أفضل من ذلك، قال: لا أفضل مثله، ثم قال: خير الصيام صيام داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً).
فـ عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ لم يأخذ الرخصة، وأخذ بهذا لما كبر سنه رضي الله تعالى عنه وجاءته الشيخوخة، فلم يكن قادراً على ذلك، وهذا ليس فرضاً عليه، وكان يقول: يا ليتني أخذت برخصة النبي ﷺ ، يعني: هو كان أعلم مني بنفسي، فقيل له: لماذا لا تترك الذي أنت فيه؟ يقول: لا أريد أن أترك شيئاً كنت أفعله على عهد النبي ﷺ ، فأريد أن أقابله يوم القيامة، فشدد على نفسه فشدد عليه.
قال الله سبحانه: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢]، هذا إذا وجد العبيد، فهنا يأمر الله سيد العبيد أن يزوجهم ويعفهم، وإذا تركوا بغير زواج أوشك العبد أنه يهرب من سيده ليزني، والأمة كذلك، فأمره بإعفاف هؤلاء.
ثم وعد الله الجميع فقال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]، وفضل الله عظيم سبحانه.
والإنسان يعيش في الدنيا يبتغي فضل الله سبحانه، ورزقك عند الله مقسوم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨]، فوعد من الله لهم أنهم إذا استغنوا بالله سبحانه، وطلبوا العفاف في هذا الزواج، فالله يغني الناكح المتعفف، وكم من إنسان يتزوج ويغنيه الله سبحانه، وكم من إنسان يتزوج ويفتقر، فهذا وعد الله والله لا يخلف الميعاد، فمن توكل على الله فالله وكيله، والله حسبه، والله يعطيه سبحانه.
والإنسان الذي يعتمد على نفسه ويترك توكله على الله سبحانه ويحسن الظن بنفسه، ويسيء الظن بالله لا يستحق أن يعان إلا أن يشاء الله ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣].
وجاء في حديث النبي ﷺ : (ثلاثة حق على الله عونهم)، فجعل الله لهؤلاء حقاً عليه أن يعينهم.
فقال: (المجاهد في سبيل الله سبحانه) أي: ليس في سبيل دنيا ولا مغنم، وإنما في سبيل الله، ولرفع دين الله ونصره.
قال: (والناكح يريد العفاف)، إنسان يتزوج يريد أن يغض بصره، وأن يحصن فرجه، ويريد أن يتعفف بهذا النكاح، ويرجو رحمة الله ثقة في الله، فهذا حق على الله أن يعينه وأن يغنيه سبحانه.
قال: (والمكاتب يرد الأداء)، والمكاتب: هو العبد الذي كاتبه سيده على أن يؤدي مالاً معيناً ويصير حراً، فهو يسعى جاهداً لذلك، فحق على الله عونه.
وهذا حديث صحيح رواه النسائي، والترمذي، وابن ماجه.
يقول عبد الله بن مسعود ﵁: (التمسوا الغنى في النكاح)، أي: أنه يستدل وينزع بهذه الآية: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢].
وقال عمر ﵁: عجبي ممن لا يطلب الغنى في النكاح وقد قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢].
فهذا في الإنسان الناكح الذي يريد العفاف، والذي يتوكل على الله، ويتقيه، ولا يرهق نفسه ولا يرهق غيره بتكاليف النكاح، فالإنسان الذي يتزوج على كتاب الله وعلى سنة النبي ﷺ ، ويريد أبسط الأشياء، والمرأة التي تريد ذلك فهذا زواج مبارك، وهذا من بركتها.
فالله ييسر النكاح لهؤلاء، وييسر لهم الغنى، والإنسان الذي يتزوج ويريد أن يتزوج بالديون، وأن يكون عنده الشيء العظيم من والمتاع، والمرأة تأبا أن تتزوج إلا إذا كان المهر كذا، وكان المتاع كذا، فهؤلاء يفتقرون في النهاية.
ولكن كلما تيسر أمر النكاح كان فيه بركة من الله ، وكان فيه عون من الله سبحانه على ما في هذه الآية من وعد الله، نسأل الله من فضله ورحمته.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله و
стр. 660
تفسير سورة النور [٣٢ - ٣٣]
دين الإسلام هو دين الفطرة، فقد جاء ليهدي النفوس لا ليعذبها، ومن أجل ذلك سن الزواج الذي هو نداء الفطرة في كل إنسان سوي، فأمر المولى سبحانه أولياء الأمور بتزويج من احتاج إلى ذلك رجالاً ونساء، ولأن هذه الغريزة متعلقة بالجسد والنفس فهي مرادة حتى من العبيد والإماء، إذ لا دخل لرقهم في غرائزه وشهواتهم.
стр. 661
تفسير قوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم)
الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٢].
يأمر الله سبحانه في هذه الآية بالنكاح والإنكاح، فيقول: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢] (أنكحوا) أي: زوجوا، فالولي يزوج من هو ولي عليها، كابنته وأخته، فإذا زوجت فلا ترفض ذلك؛ فهي مأمورة بالطاعة، ويلزمه ألا يكرهها، إلا أن تكون صغيرة ومثلها لا رأي له.
ولكن الأصل أن الله جعل النكاح عفة لعباده، وجعله وسيلة للتناسل وإبقاء النسل إلى ما يشاء الله .
قال: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى﴾ [النور:٣٢] يعني: من ليست له زوجة من الرجال، ومن ليس لها زوج من النساء، والأصل أن الأيم هي المرأة التي لا زوج لها، ويطلق أيضاً على الرجل الذي لا زوجة له.
قال: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢]، فأمر أيضاً بتزويج العبيد والإماء، أي: أعينوهم على العفة بالزواج، قال: ﴿مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور:٣٢]، فكما أن الحر له حقوق، فكذلك العبيد لهم حقوق، فالله جعل لهم حقوقاً في كتابه، وجعل لهم حقوقاً على لسان النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن العبد إنسان مؤمن مثل الحر، ولكن جعله الله تحت يدك، فلا تتجبر عليه، ولا تقس عليه، ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ : (إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم)، إذاً: فهذا العبد جعله الله تحت يد الحر، ولو شاء الله لجعل هذا الحر عبداً تحت يد هذا العبد وجعله حراً، ولكن الله منّ على عباده حين ملكهم هؤلاء، وقال: راعوا الحقوق في الذين تملكونهم، فكما أنك إنسان ومقتضى إنسانيتك أن لك حقوقاً فتحتاج إلى النكاح لتعف به نفسك، فكذلك هذا العبد يحتاج إلى ذلك.
والإنسان الحر لو لم يتزوج لعله يقع في السفاح والزنا، والعبد كذلك، بل العبد أشد، فالحر قد يجد من أهله من يمنعه من ذلك، وأما العبد والأمة فلا أهل لهما.
فالعبد قد يكون أسيراً وجيء به إلى أرض غير أرضه، فإذا به لا أهل له، ولا رادع له، فإما أن يكون في قلبه إيمان يمنعه وخوف من الله يدفعه إلى طاعة الله، وإما أنه لا يهتم بشيء، فإذا به من أفجر الفجار.
ووجود الإنسان الحر في أهله إذا أراد أن يقع في منكر فإنه يستحيي منهم ويخاف؛ لأنه يوجد فيه من يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر.
ولذلك أمر الله الأحرار بالزواج؛ لأن هذا يحصنهم ويمنعهم من الفجور، وقال النبي ﷺ في الحديث: (يا مشعر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فأنه أغض للبصر، وأحصن للفرج)، فالزواج ليس للأحرار فقط دون العبيد، ولكن قال الله هنا: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢]، والصلاح خير لصاحبه في كل أحواله حراً كان أو عبداً، فهنا وصى الله سبحانه بهؤلاء الصالحين من العبيد والإماء أن زوجوا هؤلاء، فالسيد يملك الأمة، فإما أن يعفها هو بأن يطأها ويكون له منها الولد، فهي ملك يمين، أو يتزوجها، أو يزوجها، أو يبيعها لمن يقدر على ذلك.
وأمر الله الحر السيد أن يزوج هذا العبد حتى لا يقع في الحرام، قال: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢].
стр. 662
معنى قوله تعالى: (إن يكونوا فقراء يغنهم الله)
ثم قال سبحانه: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ﴾ [النور:٣٢]، فوعد من الله سبحانه أن الإنسان الذي يتزوج ابتغاء العفاف أن الله سيغنيه من فضله.
وفي قوله تعالى: ﴿يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢] ثلاث قراءات: فقراءة أبي عمرو، وروح عن يعقوب: (يُغْنيِهِمِ الله من فضله).
وقراءة حمزة والكسائي وخلف ورويس أيضاً: (يغنيهُمُ الله من فضله) بضم الهاء والميم؛ لأن أصل حركة الضمير الضم، فمشى مع هذا الأصل.
وقراءة باقي القراء: ﴿يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]، بكسر الهاء وضم الميم.
والله واسع الرحمة، واسع الفضل، واسع الغنى، فلا تقتر على خلق الله سبحانه.
والله عليم بمن يستحق أن يغنيه، فكم من إنسان يتزوج ويكون فقيراً، فتكون البركة في هذا النكاح.
وكم من إنسان يتزوج ويكون قد قدر عليه رزقه في هذا النكاح، فالله أعلم بمن يستحق فضله، فنحن نرى شيئاً والله يرى قلوب العباد ما الذي فيها، وما الذي يستحقونه.
فقد وعد في كتابه فقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، فهناك إنسان يتقي ربه سبحانه، ويتوكل عليه، ويمشي في الأمر فييسره الله ، وهناك إنسان يجرب ربه فيقول: سأتزوج فأنظر هل سيغنيني أم لا؟ والله جل في علاه لا يجرَّب، لكن إن تثق في الله يعطك، وإن تتوكل على الله فالله نعم المولى ونعم الوكيل ونعم النصير.
ولذلك فالإنسان الذي يثق بالله يقول له: (أنا عند ظن عبدي بي)، فظن بالله خيراً؛ فإن الله عند حسن ظنك به.
أما أن تجرب ربك وكأنك لم تحسن الظن به، وكأنك تشك في وعده ، فلا يستحق فاعل هذا إلا ما يشاءه الله سبحانه.
ففقر الإنسان لا يمنعه من الزواج طالما أنه يملك شيئاً يتزوج به، ويجد من ترضى به على حاله، فليتزوج ولينتظر الفضل والرزق من الله سبحانه، وإذا كان شديد الفقر لا يقدر أن ينفق على من يتزوجها، فليصبر في هذه الحال.
وفرق بين إنسان رزقه قليل فيستطيع أن يعيش عيشة متواضعة في مكان يسير، وعلى قدر حاجته، وينفق على المرأة التي يتزوجها وهي ترضى بهذا، فهذا خير وبركة وتيسير من الله ، ولذلك هنا جاء في الحديث ما يبين أن الفقر لا يمنع من الزواج، وأن الإنسان الفقير طالما أنه يجد شيئاً فليتزوج.
ففي الحديث الذي أخرجه البخاري من حديث سهل بن سعد أن امرأة قالت للنبي ﷺ : (إني وهبت لك نفسي)، وهذا جائز للنبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٥٠]، وهذا الحكم له وحده فقط ﷺ ، لذلك قال الله : ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠].
فلما قالت المرأة ذلك سكت النبي ﷺ ، وذكر هنا في الحديث أنها قامت قياماً طويلاً، فقال رجل عند النبي ﷺ : (زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة) يعني: كأن الرجل وجد أن النبي ﷺ لا يريد أن يتزوجها، وكان شديد الحياء، فاستحيا أن يقول لها: لا، وهذا من أدبه الجم ﵊.
فالرجل استشعر ذلك، والمرأة تريد الزواج، فقال للنبي ﷺ : (زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة، فقال له النبي ﷺ : هل عندك من شيء تصدقها؟)، ولم يقل: اذهبي وهاتي أولياءك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦]، فهو أولى بها من أبيها وأخيها ومن نفسها أيضاً.
فقال لهذا الرجل -وقد نظر لمصلحة المرأة الآن-: (هل عندك من شيء تصدقها) يعني: لم يسأله هل عنده بيت أو مكان يتزوجها فيه، ولكنه سأله عن المهر.
فقال الرجل: (ما عندي إلا إزاري) أي: ليس عندي شيء إلا الإزار الذي ألبسه، فقال: (إن أعطيتها إزارك جلست ولا إزار لك) يعني: ماذا ستعمل؟ وكيف ستصلي وقد أعطيتها وأصبح ملكاً لها؟! ثم قال: (التمس شيئاً، فقال: ما أجد شيئاً، فقال التمس)، وكانوا فقراء، فالرجل منهم يذهب يعمل ويأتي بطعام يومه أو وجبته، فهذا الذي يملكه، فإذا تزوج فإنه يستطيع أن يطعم المرأة كل يوم، ولكن لابد للمرأة من مهر، فالرجل لم يجد، فقال: (التمس ولو خاتماً من حديد) ولم يقل له: من ذهب أو من فضة، لأنه لن يستطيع أن يأتي به، ولكن ولو خاتماً من حديد، فلم يجد، فقال: (أمعك من القرآن شيء، فقال: نعم، سورة كذا وكذا، وسورة كذا، لسور سماها، فقال النبي ﷺ : قد زوجناكها بما معك من القرآن) يعني: مهرها الآن السور التي معك، فإذاً: أنت ملزم أن تحفظها الذي تحفظه من القرآن، فهذا هو مهر هذه المرأة.
والغرض من هذا الحديث أن النبي ﷺ وجد الرجل فقيراً لا يملك أن يدفع مهراً، ومع ذلك لم يقل له: لا تتزوج، فطالما أنه يقدر على أن يأتيها بطعام يومها، وأنه يستطيع أن ينفق عليها ما تحتاجه من ضروريات الحياة، إذاًَ: فعلى ذلك له أن يتزوجها ولو كان المهر شيئاً يسيراً.
وقد ذكر النبي ﷺ أن: (من بركة المرأة يسر مهرها)، فيكون مهراً يسيراً خفيفاً، وهذا من بركة المرأة أن تتزوج فيكون الزواج يسيراً لا مشقه فيه، وأيضاً ما إن تتزوج حتى تنجب فهذا من بركة المرأة.
стр. 663
تفسير قوله تعالى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً)
قال الله بعد ذلك: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣]، فإذا كان الإنسان لا يوجد معه مهر، ولا يستطيع أن يقوت من يعول ولا أن يقيم بيتاً، فكيف سيتزوج؟! فيلزمه الاستعفاف إذاً.
قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ [النور:٣٣] السين في يستعفف استدعاء واستفعال، يعني: ليطلب العفة، ويستدعي العفة من نفسه.
والعفة: هي الكف عما حرم الله ، وعما لا يحل للإنسان أن يفعله.
فالإنسان العفيف هو الذي يصبر عن محارم الله سبحانه، ويضبط نفسه ويكف نفسه عما حرم الله، وعما يجب أن يتركه.
وليستعفف هؤلاء الذي لا يجدون نكاحاً، يعني: لا يجدون طول النكاح، فلا يقدر على النكاح بسبب المال.
وإلى متى يستعففون؟ قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣]، وكأنه وعد من الله إن تستعفف يغنك الله .
وليستعفف هؤلاء إلى أن يرى الله منهم عفة حقيقة وصبراً جميلاً، فيغنيهم الله من فضله.
وقال النبي ﷺ : (فمن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء)، فالصوم يمنع الإنسان من معصية الله ؛ لأنه يقلل الدماء في عروقه، فيصبره على الشهوة، ويصبره على أمر النكاح، ولا يستعجل الإنسان فيقول: أنا صابر فلماذا لم يغنني الله؟ وأنا أسال الله فلماذا الله لم يعطني؟ فالإنسان المتعجل جدير بعدم الإجابة، لذلك جاء في حديث النبي ﷺ : (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: دعوت فلم يستجب لي)، فهذا إنسان عجول يدعو قليلاً ثم ينقطع، فالإنسان الذي يدعو يصبر لأمر الله سبحانه، فالله لم يقل: أنا سأستجيب لك اليوم، ولا غداً.
وانظر حين وعد الله النبي ﷺ والمؤمنين بفتح مكة فقال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ [الفتح:٢٧]، فالصحابة يريدون وعد الله ، وكان النبي ﷺ قد رأى رؤيا قبل ذلك أن الله يفتح لهم، فلما ذهبوا عام الحديبية ولم يستطيعوا أن يدخلوا مكة ورجعوا قالوا: (ألم تكن تحدثنا أنا نأتي مكة)، فكأنهم تعجلوا ذلك، قال: (بلى، وإنا إن شاء الله آتوها، هل حدثتكم أنا نأتي هذا العام؟!)، هل قلت لكم إننا سنأتي هذه السنة؟ فلم يقل ذلك ولكن ذكر لهم رؤيا رآها أنهم سيفتحون مكة، وسيدخلونها، وأما تحقيق ذلك فمرجعه إلى الله تعالى، ولكن سيكون وعد الله الذي وعد به نبيه صلوات الله وسلامه عليه.
فرجعوا من الحديبية بعدما كانوا مؤملين أنهم يدخلون مكة، ولم يدخلوا، ولما أمرهم أن يحلقوا كأنهم ما زالوا ينتظرون دخول مكة، فلم يحلقوا، وأصبح كل واحد يتلكأ ويتأخر حتى حلق النبي ﷺ شعره، ثم بدأ يحلق بعضهم لبعض، وكاد بعضهم يقتل بعضاً من شدة غمهم؛ لأنهم لم يدخلوا مكة هذا العام.
فلما كانوا راجعين أنزل الله سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١]، فتح ماذا وقد رجعنا من دون فتح ولا شيء؟ فذهب عمر يسأل النبي ﷺ -وكان من أكثر الناس كلاماً في هذا اليوم- فقال: (أو فتح هو؟ قال: نعم) يعني: هل هذا الذي عملناه فتح وقد رجعنا بشروط أقرب للهزيمه منها للعدل، ورجعنا ولم ندخل ولم نعتمر؟ فقال: نعم، فتح، فصدَّق عمر أن الأمر فتح، وكان أعظم الفتوح.
وفي سنين الإسلام الطويلة قبل ذلك كان العدد الذي يدخل في الإسلام قليلاً، إلا أن ما بين الحديبية إلى فتح مكة دخل في دين الله الأفواج الكثيرة، ثم فتحت مكة بعد عامين فكان الفتح العظيم من الله، وكانت الإجابة بوعد الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه.
فهنا لم يقل: سنفتح لكم مكة اليوم، أو غداً أو بعد كذا، والله أعلم من يستحق أن يستجيب له حالاً، ومن يستحق التأجيل، ومن لا يستحق الاستجابة في الدنيا بل يدخر له ذلك ليوم القيامة.
لذلك على المؤمن أن يصبر لأمر الله وينتظر الفرج ولو بعد حين، وتأمل صبر يعقوب ﵊ على ذهاب ابنه، فلما قال الله: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف:٤]، وهذه رؤيا نبي فهي حق، فلذلك الأب فهم الرؤيا، وأنه لابد أن الأب والأولاد كلهم يسجدون ليوسف ﵊، فهذه رؤيا حق، فقال: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف:٥]، ثم أخذوا أخاهم وألقوه في الجب، وجاءوا لأبيهم وقالوا: أكله الذئب، فلم يصدقهم في ذلك، ولم يقل: يا رب ائتني به الآن، فأنا لا أصدقهم فيما يقولون، أو دلني على مكانه، وإنما صبر سنين طويلة إلى أن أصبح يوسف أميراً على مصر، وحاكماً عليها، وهذه سنين طويلة جداً إلى أن رجع يوسف لأبيه أو جاء الأب إلى ابنه.
فعلم أن الله لا يخلف الميعاد، وأن هذه رؤيا حق، فلم يسأل ربه أو يناقشه في هذه الرؤيا، وأولاده يكذبون عليه يوماً بعد يوم، فقالوا: أكله الذئب، ثم قالوا: ﴿تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنْ الْهَالِكِينَ﴾ [يوسف:٨٥] وقد قالوا له ذلك قبل أن يجد يوسف ﵊.
وقد كان شديد الصبر والكظم لغيضه، ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف:٨٤]، فذهبت عيناه من الحزن، لكنه لم يتعجل أمر الله إلى أن جاء أمر الله : ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:١٠٠]، وهذه الرؤيا لها فوق الخمسين سنة قبل ذلك، ثم كان تأويل هذه الرؤيا -وهي رؤيا صدق- وتحققت لكن لم يُحدد زمن لوقوعها.
كذلك الإنسان المؤمن الذي يتوكل على الله ويثق بوعده، وأن الله يريد به الخير واليسر، وأنه إن أخر شيئاً فلخير أخره، فماذا سيخسر الله إن استجاب الآن أو غداً، ولكن له حكمة ، فثق بالله سبحانه، وانتظر فضله ورحمته الواسعة.
نسأل الله من فضله ورحمته.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 664
تفسير سورة النور الآية [٣٣]
خلق الإنسان في هذه الحياة ليبتلى، فقد يبتلى بالفقر والغنى، ومن ذلك أن الرجل كامل القوة تام الأعضاء قوي البنية قد لا يجد صداق امرأة ينكحها، فيأتي التوجيه الرباني مرشداً له كيف يتصرف ويواجه هذا الابتلاء، وذلك بأن يطلب الاستعفاف بالصيام، والابتعاد عن كل ما يثير هذه الشهوة الجامحة حتى تزول شدته، ويأتي الفرج من ربه، فينكح ما طاب له من النساء.
стр. 665
تفسير قوله تعالى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٣٣].
لما أمر الله عباده بالنكاح وقال: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢]، ووعد سبحانه بالفضل منه ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٢].
قال: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ [النور:٣٣]، فالقادر على النكاح يتزوج، وخاصة إذا كان في زمن الفتنة ويخاف على نفسه من العنت والوقوع في الفاحشة، فيجب عليه أن يتزوج طالما عنده القدرة المالية، وعنده القدرة على النكاح.
وأما الذي لا يقدر فيطلب العفاف والكف عن ما حرم الله سبحانه بأن يغض بصره، ولا يمشي في أماكن الحرام، ولا يصادق أصدقاء السوء، ولا يطلع على ما لا يحل له الاطلاع عليه، ويكف شهوته بأن يكثر من الصوم، ويتذكر أمر الآخرة والحساب عند الله ، وأمر النار لو أنه وقع في الفاحشة وفي المعصية، ويتذكر ما جاء عن النبي ﷺ من أحاديث في أن (العين تزني، وأن اليد تزني، وأن الرجل تزني) وما إلى ذلك من أحاديث، فيستعين بما ذكرنا وغيره على أن يحصن نفسه؛ لئلا يوقع نفسه في الفاحشة, فيتعفف بالبعد عن الحرام.
﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣]، والله سبحانه يعد بأن يغنيه من فضله وقت ما يشاء ، فيتعفف هؤلاء انتظاراً لفرج الله، وانتظاراً للغنى من الله .
стр. 666
تشوف الإسلام إلى إعتاق العبيد
ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور:٣٣] وهؤلاء هم ملك اليمين، وهم العبيد والإماء، فلهم حقوق كما ذكر النبي ﷺ في الحديث فقال: (إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم) فالله جعل هؤلاء العبيد تحت أيدي الأحرار يملكونهم، والله يفعل ما يشاء، وقد كان الرق قبل الإسلام منتشراً جداً، وكان موجوداً عند العرب في الجاهلية وعند اليهودية والنصرانية وعند الكفار من هنود وبوذيين وغيرهم من الأمم، فجاء الإسلام على هذا الوضع الموجود، فلو أنه بدأ وقال: حرروا الرقاب، لما أطاق أحد أنه يفعل ذلك، وما نفذوا ذلك؛ لأن الرقاب التي في أيديهم أموال، فالواحد يشتري بماله عبداً أو عبدين أو ثلاثة؛ ليعلموا ويأخذ منهم الأجرة على العمل الذي عملوه، وهو يملكهم ويبيعهم، فلو أنه حرم عليهم ملك العبيد وأمر بتحرير كل العبيد لما استجابوا لذلك.
ولذلك جاء الإسلام يريد أن يحرر هؤلاء العبيد، ولكنه لم يأت بوجوب إعتاق الرقاب مطلقاً، ولكن جعل ذلك في الكفارات مثل كفارة القتل خطأً أو عمداً، فيحرره إذا كان قبل عمداً واستحق بذلك النار؛ فلعل الله أن يعفو عنه.
فالإنسان الذي قتل خطأ الكفارة التي عليه أن يبدأ بالعتق، والإنسان الذي يحلف يميناً فعليه كفارة ويبدأ بتحرير الرقبة، والإنسان الذي يظاهر من أهله عليه في الكفارة تحرير رقبة، والذي يفطر عمداً بجماع في نهار رمضان عليه كفارة تحرير رقبة.
فجعل كفارات كثيرة أول ما يبدأ المكفر فيها يبدأ بتحرير الرقاب، فهذا هو ما يجب فيه تحرير الرقاب، وما سوى ذلك فقد جعل تحرير الرقاب مستحبا، ً فمن خاف من النار يوم القيامة أعتق عبداً يكون فكاكاً من النار.
وأمر الله المسلمين أن يجعلوا جزءاً من زكاة أموالهم في عتق الرقاب، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة:٦٠]، فقوله: (وفي الرقاب) يعني: جعل شيء من زكاة ماله لعتق العبيد.
وقد جعل من ذلك أيضاً عتق المكاتَب، فإذا وجد السيد في عبده خيراً وعلم منه صلاحاً وتديناً وأمانة وقدرة على الكسب ولا يوجد مانع من عتقه أعتقه، وقد يقول الإنسان: هذا مالي فكيف أضيعه من يدي ببساطة؟! فلما علم الله شح النفوس جاء بطريقة ثانية فحْواها ألا يضيع مال السيد، بل يترك العبد يعمل ويدفع ثمن نفسه، فيكتب عقداً بينهما أنه يدفع ذلك خلال سنتين مثلاً، ثم يكون بعد ذلك حراً.
فانظروا كيف حرر العبيد، فمرت السنون والأعوام وإذا بكل العبيد يعتقون، ولا يوجد رق بعد ذلك.
وانظر الفرق بين الإسلام وبين الغرب الكافر فلما أراد الأمريكان أن يحرروا العبيد صدر بذلك قرار جمهوري، فوقعت حرب أهلية بين الناس، ودام القتال سنوات طويلة بين أصحاب المال ومن يريد أن يتحرر.
أما الإسلام من فقد حرر العبيد من غير إراقة دماء، ولكن حرر هؤلاء خلال سنين طويلة.
فالإسلام يخاطب القلوب والعقول، ويذكر بالآخرة، ويربط العامل بدخوله الجنة، والنجاة من النار، فجاءت هذه الآية في الكتابة، والكتابة: هي العقد بين السيد والعبد سواء كان ذكراً أو أنثى.
فيقول لهم سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور:٣٣] فالعبد يطلب من سيده أن يحرره، فهذا معنى قوله: (يبتغون)، فلا يتعنت السيد فيمنع ذلك، لكن طالما أن العبد يقدر على أن يأتي بثمن نفسه، وهو عبد صناع فلا مانع أن يكتب معه عقده، قال: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور:٣٣] وملك اليمين هو العبد أو الأمة.
قال: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور:٣٣]، هذا أمر من الله للسادة بالكتابة، قال: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:٣٣] يعني: إن علمت في هذا الإنسان أمانة وتديناً وصلاحاً وقدرة على الكسب فكاتبه.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن عقد الكتابة في هذه الحالة واجب، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور:٣٣]، وهذا أمر من الله فيحمل على الوجوب.
لكن الجمهور قالوا: هذا الأمر على الاستحباب، وقرينة صرفه عن الوجوب قوله في الآية نفسها: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:٣٣]، والخير والصلاح والتدين والأمانة شيء قلبي ولا أحد يطلع عليه، فالسيد لم يعلم إلا بالظاهر، وقد يكون الباطن خلاف ذلك، فقد يظهر ذلك ليعتق.
وقد كان عبد الله بن عمر ﵄ إذا وجد من عبيده من هو محافظ على العبادة اعتقه، فكان عبيده يتظاهرون أمامه بذلك، فكان يعتقهم.
ففال له الناس: إن هؤلاء يخدعونك وإنما يفعلون ذلك أمامك فقط، فكان يقول: عبد الله بن عمر ﵁: من خدعنا بالله انخدعنا.
فـ عبد الله بن عمر ﵄ كان صادقاً مع الله، وتأمل الفرق بيننا وبينه، فنحن نحاول أن نكون أذكياء، لكن الصحابة كان ذكاؤهم فطرياً، فهم لا ينخدعون ولكن يتغافلون.
والمؤمن يتعامل مع الله ، فإذا وجد إنساناً يظهر الصلاح اعتبره صالحاً، ولا يشغل نفسه به: هل هو صادق أم لا؟ لأن الله سبحانه هو الذي سيتولى حسابه، فلماذا يضيع وقته معه ويقعد يرقبه ليتأكد من صلاحه؟! لذلك كان الصحابة أفطن وأعلم بأمر الدنيا والآخرة منا، فنحن نقعد نفتش وننقب ونبحث فيضيع وقتنا بدون فائدة، لكنه ببساطة يقول: من خدعنا بالله انخدعنا.
يعني: نحن عملنا هذا العمل لله، فلنا الأجر عند الله، وهم حسابهم عند الله .
قال تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:٣٣]، فإن علم الإنسان في هذا العبد خيراً كاتبه، قالوا: وعلم الخير شيء مجهول، ونحن إنما نعلم الظاهر فقط، وأما ما في القلب فلا نعمله، فيكون الحكم على ذلك: إذا علمت صلاحه يقيناً وجبت مكاتبته، وأما إذا لم يعلم يقيناً فيستحب أن أكاتب هذا العبد الذي ظهر فيه الخير والصلاح.
قال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣]، فانظروا الفضل من الله ، فربنا كريم ويعلِّم العباد الكرم.
فالله يأمرك أن تكاتب هذا العبد، وهو لا يملك مالاً؛ لأنه قبل عتقه ملْك لسيده، وكذلك كسبه، فإذا كاتبته على مال معين فاعفه عن جزء منه؛ إعانة له في عتقه، فالله يقول لهذا السيد: اتق الله في هذا العبد أن تأخذ منه كل المال، فإن كنت كاتبته على ألف فخفِّض له قليلاً، فإذا أعطاك ثلاثة أرباع المال فاعف عن الربع الأخير، وإذا كان عليه عشرة أقساط فأترك له قسطاً أو قسطين.
وهنا قال سبحانه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣]، فالله دائماً يذكرك أن المال ليس مالك، وإنما هو مال الله، ويعرف الإنسان ذلك في وقت الوفاة حينما يقول: مالي كله صدقة، فيقال له: المال مال الورثة، ولكن لك أن توصي بالثلث من المال فقط، وبشرط ألا توصي بذلك لوارث، فليس من حقك أن تفعل ذلك، فإن كنت تريد أن تعمل الخير فأوصي إلى غير وارث.
وعندما يكون الإنسان في مرض الموت يستشعر أنه الذي جمع المال طول عمره، فإذا أراد أن يصرفه رُفع أمره إلى القاضي ليحجر عليه، فهذا المال جمعة في حياته كلها لكن ليس من حقه الآن أن يصرفه؛ فقد انتقل للورثة.
فالإنسان خليفة في الأرض، وهو لا يخلف الله تعالى كما يقولون، وإنما الإنسان يخلف غيره، فهذا يموت والآخر يأتي بعده، وهذا يذهب وهذا يأتي، والمال في يد هذا وبعد ذلك أخذ هذا المال آخر، فيخلف بعضهم بعضاً.
فهنا يقول ربنا سبحانه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣] يعني: أن السيد الذي كاتب عبده يتنازل عن قسط أو قسطين من المال، وكذلك المسلمون يدفعون من زكاة أموالهم؛ ليساعدوه من اجل أن يعتق ويتحرر.
وبهذه السورة العظيمة الجميلة تحررت رقاب كثيرة حتى تحررت كل الرقاب التي مع المسلمين.
والكتابة كانت على عهد النبي ﷺ صورة من الصور التي تبين حرص الصحابة على الخير وخاصة أمهات المؤمنين رضوان الله وتعالى عليهن، فهذه عائشة ﵂ جاءتها بريرة، وهي امرأة كانت أمة وكان زوجها عبداً، فـ بريرة يملكها أناس، وزوجها -اسمه مغيث - يملكه أناس آخرون، فتزوج مغيث من بريرة، وبعد ذلك كاتبها أهلها على تسع أواق في تسع سنوات أو في خمس سنوات، فـ بريرة لما كاتبوها دخلت على عائشة ﵂ تستعينها في كتابتها، وعليها خمس أواق نجمت عليها في خمس سنين.
وهذه الرواية من روايات الحديث في صحيح البخاري، وفي رواية أخرى وهي الأرجح منها: أنهم كاتبوها على تسع أواق من الفضة خلال سنين معينة وتعتق بعدها، فهي لم تكن أدت من كتابتها شيئاً، فجاءت إلى عائشة ﵂ تستعين بها على ذلك، فأعجبتها وأحبت أن تسارع وتبادر إلى خير، فقالت: أرأيت إن عددتها لهم عدةً واحدة أيبيعك أهلك فأعتقك فيكون ولاؤك لي؟ يعني: إذا دفعت لك ذلك مرة واحدة، هل سيبيعك أهلك؟ وهي لا تريد أن تشتريها لتجعلها أمة عندها، وإنما لتعتقها رضي الله تبارك عنها.
فذهبت بريرة إلى أهلها فأبى أهلها ذلك، وقالوا: لا إلا أن يكون لنا الولاء.
والولاء في هذا الباب بمعنى: الميراث، والمعنى: أنهم أرادوا ذلك، إذ قد تصبح غنية في المستقبل، فلعلها تموت فإذا لم يكن لها ورثة ورثوها بالولاء.
وبريرة كانت متزوجة من مغيث، والظاهر أنها عندها أولاد منه، فلما عتقت خيرت في زوجها هل تبقى معه أو لا تريد أن تبقى معه، فكان مغيث يجري وراءها في الطريق وهو يبكي يريدها أن تبقى معه،
стр. 667
تفسير سورة النور [٣٣ - ٣٤]
لقد حث الله عباده على النكاح، ومن لم يجد ما لا يتزوج به فقد حثه الله على العفاف، ووعده بالغنى، ورغب الله في مكاتبة الرقيق إن كان فيهم خير، فيكون العتق صلاحاً لهم في دينهم ودنياهم؛ ولا يكونون عالة على غيرهم، وحرم الله على من يملك الجواري أن يكرههن على الزنا، فإن أكرهن فإن الله يغفر لهن إن كن لا يردن ذلك.
стр. 668
تفسير قوله تعالى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً)
الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة النور: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور:٣٣ - ٣٤].
يأمر الله في هاتين الآيتين بالعفة بعدما أمر بالإنكاح، قال قبل ذلك: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢]، فأمر بالتزويج، وأن الولي الذي عنده عبد أو أمة وهم يريدون النكاح أن يعينهم عليه.
ثم قال: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ [النور:٣٣]، فالقادر على النكاح يتزوج، والذي لا يجد قدرة مالية على النكاح فليستعفف: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣]، وهذا أمر.
стр. 669
معنى قوله تعالى: (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم)
قال: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور:٣٣]، هذه المكاتبة التي فصلناها قبل ذلك، فقد أمر الله الذين يملكون العبيد والإماء إذا وجدوا منهم صلاحاً، ووجدوا فيهم أمانة، ووجدوا فيهم خيراً وقدرة على الاكتتاب؛ أن يعينوهم على التحرر والخروج من الرق إلى الحرية، قال: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣]، فأمرهم أن يكاتبوهم إذا لم يحرروهم بلا شيء، فيدفع العبد ثمن نفسه، وذلك بأن يعمل ثم يدفع ثمن نفسه فيكون حراً بعد ذلك.
وأمر الله بإعانتهم، فهذا الذي يملك عبداً، ويكاتب هذا العبد على ثمن أمره الله بالإعانة، وذلك إما بخفض قيمة الأقساط التي يدفعها، فيتنازل له عن قسط أو قسطين من هذا المال، أو أن يعنيه بالمال من صدقة أو من زكاة ونحو ذلك؛ حتى يصير حراً، قال الله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣]، ويذكرنا الله أن المال هو مال الله ، فمهما آتيت إنساناً من مال فلا تزعم أن الفضل لك، وإنما الفضل من الله؛ لأنه صاحب المال وصاحب الغنى الحقيقي .
стр. 670
معنى قوله تعالى: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء)
ذكر الله حكماً ثالثاً في الآية نفسها وهو: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النور:٣٣]، فالحكم الأول: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ [النور:٣٣]، والحكم الثاني: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ [النور:٣٣] وأمر بإعانتهم على فك رقابهم فقال سبحانه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣]، ثم ذكر حكماً آخر فقال: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النور:٣٣]، وهذا الحكم عام وسبب هذا الحكم خاص، والفتيات هنا هن الإماء، وما كان رجل أبداً يكره ابنته على أن تذهب إلى الزنا، بل كان العرب يقتلون بناتهم خوفاً من الوقوع في ذلك، ولم يكن يحدث هذا من الحرائر غالباً وإنما كان يحدث من الإماء، فكان الرجل يملك مجموعة من الإماء، فيأمر الأمة أن تذهب تسافح وتأتي له بأجرة، فنهى الله عن ذلك.
وكان سبب نزول هذه الآية في المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول لعنة الله عليه، فقد كان منافقاً كافراً امتلأ قلبه بالكفر والحنق على الإسلام، وأعماله فاسدة، وهذا الرجل كان في الجاهلية من كبار الناس في المدينة، وكادوا يجعلونه ملكاً عليهم لشرفه عندهم، فلما جاء الإسلام وجاء النبي ﷺ ظن أنه قد انتهى أمره وضاعت رياسته، فانقلب ما كان فيه من أمور خير كان عليها في الجاهلية، إلى شر شديد جداً في الإسلام! فدخل في الإسلام كرهاً؛ لأنه وجد من حوله قد دخلوا في الإسلام، وسيضيع منه الأمر إذا ظل على كفره، وخوفاً من أن يقتل كافراً، فدخل في الإسلام ظاهراً وقلبه ممتلئ بالبغض للإسلام وللنبي ﷺ ، فكانت أعماله شنيعة قذرة، وقد كان يكيد للنبي ﷺ ، ويوالي اليهود، ويدافع عن اليهود، حتى إن النبي ﷺ لما أراد قتل يهود بني قينقاع دافع عنهم هذا المنافق دفاعاً شديداً، حتى إن النبي ﷺ أجلاهم ولم يقتلهم.
وهناك فرق بين هذا المنافق الكافر المجرم وبين الرجل الأنصاري العظيم سعد بن معاذ رضي الله ﵎ عنه، فهذا المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول كان يهود بني قينقاع أولياء له في الجاهلية، وسعد بن معاذ كان يهود بني قريظة أولياء له في الجاهلية أيضاً، فلما جاء الإسلام ومنع الموالاة مع الكفار فـ سعد بن معاذ ترك هؤلاء.
ولما أراد النبي ﷺ قتل بني قينقاع، إذا بـ عبد الله بن أبي يدافع عنهم دفعاً شديداً، وقال للنبي ﷺ : أتقتلهم في غداة واحدة؟! ولم يزل يدافع عنهم حتى تركهم النبي ﷺ له؛ تأليفاً لقلبه، وليس حباً لهذا الإنسان، عسى أن يصلح حاله، وأيضاً خوفاً من الفتنة؛ لأن أشياعه من الأنصار كثير، فقد كان خزرجياً، والخزرج أهل ود النبي ﷺ ، وأهل دفاع عن دين الله ، فخشي النبي ﷺ فتنتهم بهذا الرجل المجرم عبد الله بن أبي ابن سلول، فترك له هؤلاء اليهود، وأجلاهم النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وأما سعد بن معاذ الأوسي الأنصاري ﵁ الذي اهتز عرش الرحمن لوفاته رضي الله ﵎ عنه؛ فرحاً بقدومه على ربه سبحانه، فلما أراد النبي ﷺ في حصاره لبني قريظة أن ينزلوا على حكمه، رفضوا أن ينزلوا على حكم النبي ﷺ ، وقالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ، وظنوا أنه سيفعل بهم كما فعل المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول بحلفائه، فالنبي ﷺ قبل أن ينزلهم من الحصن بأمان إلى أن يحكم فيهم سعد بن معاذ، ولما جاء سعد بن معاذ وقفوا يبكون له ويتوددون له، ويذكرونه بأيام الجاهلية، وما كان بينه وبينهم، فقال: آن لـ سعد بن معاذ ألا تأخذه في الله لومة لائم، وحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وأن تسبى ذراريهم، وأن تؤخذ أموالهم، فقتل في غداة واحدة جميع رجالهم، وقال النبي ﷺ مصوباً لحكمه: (لقد حكمت فيهم بحكم الملك).
وهذا عبد الله بن أبي بن سلول المجرم الملعون قال عن النبي ﷺ ومن معه من المؤمنين: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨]، يقصد بالأعز نفسه، وبالأذل النبي ﷺ ومن معه من المؤمنين لعنة الله عليه، وقد سلط الله عليه ابنه عبد الله، وكان رجلاً مؤمناً ﵁، فوقف بسيفه على أول المدينة ومنع أباه من الدخول؛ حتى يعترف أنه هو الأذل وأن رسول الله ﷺ هو الأعز، ومنعه من الدخول حتى أقر بأنه الذليل لعنة الله عليه، وأن النبي ﷺ هو العزيز ومن معه من المؤمنين.
فهذا الرجل أهل لكل خيانة، وأهل لكل شر، وأهل لكل فساد، وهو سبب نزول هذه الآية، فقد كان عنده جاريتان، وكان يأمرهما بالزنا ويكرهما عليه، فتخرج الفتاة وتزني وترجع إليه بمال الزنا والعياذ بالله.
روى الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄ أن جارية لـ عبد الله بن أبي ابن سلول، يقال لها: مسيكة، وأخرى يقال لها: أميمة، كان يكرههما على الزنا، فشكتا ذلك للنبي ﷺ ، فأنزل الله : ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النور:٣٣].
قال الله: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور:٣٣]؛ لأنه لا يتصور الإكراه إلا والفتاتان لا ترغبان في ذلك وتمتنعان منه، وأما إذا كانت الفتاة تطاوع على ذلك فلا إكراه في ذلك، لكن الفتاة كانت مؤمنة، وكانت ترفض ذلك، فكان يجبرها على هذا الزنا، فأنزل الله هذه الآية يحرم ذلك.
وقوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور:٣٣] هذا وصف للحال الذي عليه الفتاتان، وليس هذا شرطاً، وليس المعنى: إذا أردن تحصناً فلا تكرهوهن، وإذا لم يردن فأكرهوهن، فلا مفهوم لهذه الآية، ولكن المعنى: والحال أنهما تريدان التحصن والبعد عما حرم الله، وتريدان هذا الإسلام العظيم، وتريدان طاعة الله سبحانه، فلا يحل لكم أن تصنعوا ذلك معهن ولا مع غيرهن، والتحصن بمعنى العفة.
ثم بين الله سبب إكراههم الفتيات على البغاء فقال: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النور:٣٣]، فالأمر كله من أجل المال، والمنافق لا يشبع من شيء، فهو يريد المال ولو بهذه الصورة القذرة حيث يأمر الفتيات بالبغاء.
وقوله: (لتبتغوا) مفعول لأجله، أي: لأجل أنكم تبتغون عرض الحياة الدنيا، والدنيا أعراض، نقول: جاء للإنسان عرض، والمرض عرض يعرض للإنسان، والعرض شيء لا يدوم، فما أخذته في الدنيا لا يدوم لك أبداً، بل ينفد ويزول، فكل أعراض الدنيا مهما أخذت منها شيئاً، وكذلك ما يعرض لك من مرض ومن أشياء تبتلى بها فإنها لا تدوم، فهؤلاء يبتغون عرض الدنيا، فالله يحذر من ذلك، ويبين أن هذا عرض ليس دائماً، فابتغ ما عند الله من الجنة الدائمة.
وقوله ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور:٣٣] فيها قراءات: قرأها ورش وقنبل عن ابن كثير وأبو جعفر ورويس: (على البغاء ان) بهمزة أولى محققة، وبهمزة ثانية مسهلة.
وقرأها قالون والبزي بالعكس؛ بتسهيل الأولى، وبتحقيق الثانية (على البغآ إن)، ولهما المد أو القصر في ذلك.
وقرأها ورش أيضاً مطولاً لها: (على البغآ إن أردن) فيمد الهمزة الأولى ويمد الأخرى، وهذه قراءة أخرى له في ذلك.
وقرأها أبو عمرو: (على البغا إن)، بحذف الهمزة الأولى وإثبات الثانية فقط.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ﴾ [النور:٣٣] أي: يكره الفتاة على الزنا ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾ [النور:٣٣]، أي: هؤلاء النساء ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٣٣]، فالمكرهة معذورة في إكراهها، فإذا أجبرها سيدها على ذلك بالضرب أو بالتخويف بالقتل، فهذه مكرهة، فالله يغفر لها، وهذا الذي أكرهها له العذاب الأليم عند رب العالمين .
следующие страницы →