Полный текст (3 717 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
تشوف الإسلام إلى إعتاق العبيد
ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور:٣٣] وهؤلاء هم ملك اليمين، وهم العبيد والإماء، فلهم حقوق كما ذكر النبي ﷺ في الحديث فقال: (إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم) فالله جعل هؤلاء العبيد تحت أيدي الأحرار يملكونهم، والله يفعل ما يشاء، وقد كان الرق قبل الإسلام منتشراً جداً، وكان موجوداً عند العرب في الجاهلية وعند اليهودية والنصرانية وعند الكفار من هنود وبوذيين وغيرهم من الأمم، فجاء الإسلام على هذا الوضع الموجود، فلو أنه بدأ وقال: حرروا الرقاب، لما أطاق أحد أنه يفعل ذلك، وما نفذوا ذلك؛ لأن الرقاب التي في أيديهم أموال، فالواحد يشتري بماله عبداً أو عبدين أو ثلاثة؛ ليعلموا ويأخذ منهم الأجرة على العمل الذي عملوه، وهو يملكهم ويبيعهم، فلو أنه حرم عليهم ملك العبيد وأمر بتحرير كل العبيد لما استجابوا لذلك.
ولذلك جاء الإسلام يريد أن يحرر هؤلاء العبيد، ولكنه لم يأت بوجوب إعتاق الرقاب مطلقاً، ولكن جعل ذلك في الكفارات مثل كفارة القتل خطأً أو عمداً، فيحرره إذا كان قبل عمداً واستحق بذلك النار؛ فلعل الله أن يعفو عنه.
فالإنسان الذي قتل خطأ الكفارة التي عليه أن يبدأ بالعتق، والإنسان الذي يحلف يميناً فعليه كفارة ويبدأ بتحرير الرقبة، والإنسان الذي يظاهر من أهله عليه في الكفارة تحرير رقبة، والذي يفطر عمداً بجماع في نهار رمضان عليه كفارة تحرير رقبة.
فجعل كفارات كثيرة أول ما يبدأ المكفر فيها يبدأ بتحرير الرقاب، فهذا هو ما يجب فيه تحرير الرقاب، وما سوى ذلك فقد جعل تحرير الرقاب مستحبا، ً فمن خاف من النار يوم القيامة أعتق عبداً يكون فكاكاً من النار.
وأمر الله المسلمين أن يجعلوا جزءاً من زكاة أموالهم في عتق الرقاب، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة:٦٠]، فقوله: (وفي الرقاب) يعني: جعل شيء من زكاة ماله لعتق العبيد.
وقد جعل من ذلك أيضاً عتق المكاتَب، فإذا وجد السيد في عبده خيراً وعلم منه صلاحاً وتديناً وأمانة وقدرة على الكسب ولا يوجد مانع من عتقه أعتقه، وقد يقول الإنسان: هذا مالي فكيف أضيعه من يدي ببساطة؟! فلما علم الله شح النفوس جاء بطريقة ثانية فحْواها ألا يضيع مال السيد، بل يترك العبد يعمل ويدفع ثمن نفسه، فيكتب عقداً بينهما أنه يدفع ذلك خلال سنتين مثلاً، ثم يكون بعد ذلك حراً.
فانظروا كيف حرر العبيد، فمرت السنون والأعوام وإذا بكل العبيد يعتقون، ولا يوجد رق بعد ذلك.
وانظر الفرق بين الإسلام وبين الغرب الكافر فلما أراد الأمريكان أن يحرروا العبيد صدر بذلك قرار جمهوري، فوقعت حرب أهلية بين الناس، ودام القتال سنوات طويلة بين أصحاب المال ومن يريد أن يتحرر.
أما الإسلام من فقد حرر العبيد من غير إراقة دماء، ولكن حرر هؤلاء خلال سنين طويلة.
فالإسلام يخاطب القلوب والعقول، ويذكر بالآخرة، ويربط العامل بدخوله الجنة، والنجاة من النار، فجاءت هذه الآية في الكتابة، والكتابة: هي العقد بين السيد والعبد سواء كان ذكراً أو أنثى.
فيقول لهم سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور:٣٣] فالعبد يطلب من سيده أن يحرره، فهذا معنى قوله: (يبتغون)، فلا يتعنت السيد فيمنع ذلك، لكن طالما أن العبد يقدر على أن يأتي بثمن نفسه، وهو عبد صناع فلا مانع أن يكتب معه عقده، قال: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور:٣٣] وملك اليمين هو العبد أو الأمة.
قال: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور:٣٣]، هذا أمر من الله للسادة بالكتابة، قال: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:٣٣] يعني: إن علمت في هذا الإنسان أمانة وتديناً وصلاحاً وقدرة على الكسب فكاتبه.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن عقد الكتابة في هذه الحالة واجب، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور:٣٣]، وهذا أمر من الله فيحمل على الوجوب.
لكن الجمهور قالوا: هذا الأمر على الاستحباب، وقرينة صرفه عن الوجوب قوله في الآية نفسها: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:٣٣]، والخير والصلاح والتدين والأمانة شيء قلبي ولا أحد يطلع عليه، فالسيد لم يعلم إلا بالظاهر، وقد يكون الباطن خلاف ذلك، فقد يظهر ذلك ليعتق.
وقد كان عبد الله بن عمر ﵄ إذا وجد من عبيده من هو محافظ على العبادة اعتقه، فكان عبيده يتظاهرون أمامه بذلك، فكان يعتقهم.
ففال له الناس: إن هؤلاء يخدعونك وإنما يفعلون ذلك أمامك فقط، فكان يقول: عبد الله بن عمر ﵁: من خدعنا بالله انخدعنا.
فـ عبد الله بن عمر ﵄ كان صادقاً مع الله، وتأمل الفرق بيننا وبينه، فنحن نحاول أن نكون أذكياء، لكن الصحابة كان ذكاؤهم فطرياً، فهم لا ينخدعون ولكن يتغافلون.
والمؤمن يتعامل مع الله ، فإذا وجد إنساناً يظهر الصلاح اعتبره صالحاً، ولا يشغل نفسه به: هل هو صادق أم لا؟ لأن الله سبحانه هو الذي سيتولى حسابه، فلماذا يضيع وقته معه ويقعد يرقبه ليتأكد من صلاحه؟! لذلك كان الصحابة أفطن وأعلم بأمر الدنيا والآخرة منا، فنحن نقعد نفتش وننقب ونبحث فيضيع وقتنا بدون فائدة، لكنه ببساطة يقول: من خدعنا بالله انخدعنا.
يعني: نحن عملنا هذا العمل لله، فلنا الأجر عند الله، وهم حسابهم عند الله .
قال تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:٣٣]، فإن علم الإنسان في هذا العبد خيراً كاتبه، قالوا: وعلم الخير شيء مجهول، ونحن إنما نعلم الظاهر فقط، وأما ما في القلب فلا نعمله، فيكون الحكم على ذلك: إذا علمت صلاحه يقيناً وجبت مكاتبته، وأما إذا لم يعلم يقيناً فيستحب أن أكاتب هذا العبد الذي ظهر فيه الخير والصلاح.
قال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣]، فانظروا الفضل من الله ، فربنا كريم ويعلِّم العباد الكرم.
فالله يأمرك أن تكاتب هذا العبد، وهو لا يملك مالاً؛ لأنه قبل عتقه ملْك لسيده، وكذلك كسبه، فإذا كاتبته على مال معين فاعفه عن جزء منه؛ إعانة له في عتقه، فالله يقول لهذا السيد: اتق الله في هذا العبد أن تأخذ منه كل المال، فإن كنت كاتبته على ألف فخفِّض له قليلاً، فإذا أعطاك ثلاثة أرباع المال فاعف عن الربع الأخير، وإذا كان عليه عشرة أقساط فأترك له قسطاً أو قسطين.
وهنا قال سبحانه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣]، فالله دائماً يذكرك أن المال ليس مالك، وإنما هو مال الله، ويعرف الإنسان ذلك في وقت الوفاة حينما يقول: مالي كله صدقة، فيقال له: المال مال الورثة، ولكن لك أن توصي بالثلث من المال فقط، وبشرط ألا توصي بذلك لوارث، فليس من حقك أن تفعل ذلك، فإن كنت تريد أن تعمل الخير فأوصي إلى غير وارث.
وعندما يكون الإنسان في مرض الموت يستشعر أنه الذي جمع المال طول عمره، فإذا أراد أن يصرفه رُفع أمره إلى القاضي ليحجر عليه، فهذا المال جمعة في حياته كلها لكن ليس من حقه الآن أن يصرفه؛ فقد انتقل للورثة.
فالإنسان خليفة في الأرض، وهو لا يخلف الله تعالى كما يقولون، وإنما الإنسان يخلف غيره، فهذا يموت والآخر يأتي بعده، وهذا يذهب وهذا يأتي، والمال في يد هذا وبعد ذلك أخذ هذا المال آخر، فيخلف بعضهم بعضاً.
فهنا يقول ربنا سبحانه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣] يعني: أن السيد الذي كاتب عبده يتنازل عن قسط أو قسطين من المال، وكذلك المسلمون يدفعون من زكاة أموالهم؛ ليساعدوه من اجل أن يعتق ويتحرر.
وبهذه السورة العظيمة الجميلة تحررت رقاب كثيرة حتى تحررت كل الرقاب التي مع المسلمين.
والكتابة كانت على عهد النبي ﷺ صورة من الصور التي تبين حرص الصحابة على الخير وخاصة أمهات المؤمنين رضوان الله وتعالى عليهن، فهذه عائشة ﵂ جاءتها بريرة، وهي امرأة كانت أمة وكان زوجها عبداً، فـ بريرة يملكها أناس، وزوجها -اسمه مغيث - يملكه أناس آخرون، فتزوج مغيث من بريرة، وبعد ذلك كاتبها أهلها على تسع أواق في تسع سنوات أو في خمس سنوات، فـ بريرة لما كاتبوها دخلت على عائشة ﵂ تستعينها في كتابتها، وعليها خمس أواق نجمت عليها في خمس سنين.
وهذه الرواية من روايات الحديث في صحيح البخاري، وفي رواية أخرى وهي الأرجح منها: أنهم كاتبوها على تسع أواق من الفضة خلال سنين معينة وتعتق بعدها، فهي لم تكن أدت من كتابتها شيئاً، فجاءت إلى عائشة ﵂ تستعين بها على ذلك، فأعجبتها وأحبت أن تسارع وتبادر إلى خير، فقالت: أرأيت إن عددتها لهم عدةً واحدة أيبيعك أهلك فأعتقك فيكون ولاؤك لي؟ يعني: إذا دفعت لك ذلك مرة واحدة، هل سيبيعك أهلك؟ وهي لا تريد أن تشتريها لتجعلها أمة عندها، وإنما لتعتقها رضي الله تبارك عنها.
فذهبت بريرة إلى أهلها فأبى أهلها ذلك، وقالوا: لا إلا أن يكون لنا الولاء.
والولاء في هذا الباب بمعنى: الميراث، والمعنى: أنهم أرادوا ذلك، إذ قد تصبح غنية في المستقبل، فلعلها تموت فإذا لم يكن لها ورثة ورثوها بالولاء.
وبريرة كانت متزوجة من مغيث، والظاهر أنها عندها أولاد منه، فلما عتقت خيرت في زوجها هل تبقى معه أو لا تريد أن تبقى معه، فكان مغيث يجري وراءها في الطريق وهو يبكي يريدها أن تبقى معه،
стр. 667
تفسير سورة النور [٣٣ - ٣٤]
لقد حث الله عباده على النكاح، ومن لم يجد ما لا يتزوج به فقد حثه الله على العفاف، ووعده بالغنى، ورغب الله في مكاتبة الرقيق إن كان فيهم خير، فيكون العتق صلاحاً لهم في دينهم ودنياهم؛ ولا يكونون عالة على غيرهم، وحرم الله على من يملك الجواري أن يكرههن على الزنا، فإن أكرهن فإن الله يغفر لهن إن كن لا يردن ذلك.
стр. 668
تفسير قوله تعالى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً)
الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة النور: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور:٣٣ - ٣٤].
يأمر الله في هاتين الآيتين بالعفة بعدما أمر بالإنكاح، قال قبل ذلك: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢]، فأمر بالتزويج، وأن الولي الذي عنده عبد أو أمة وهم يريدون النكاح أن يعينهم عليه.
ثم قال: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ [النور:٣٣]، فالقادر على النكاح يتزوج، والذي لا يجد قدرة مالية على النكاح فليستعفف: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣]، وهذا أمر.
стр. 669
معنى قوله تعالى: (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم)
قال: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور:٣٣]، هذه المكاتبة التي فصلناها قبل ذلك، فقد أمر الله الذين يملكون العبيد والإماء إذا وجدوا منهم صلاحاً، ووجدوا فيهم أمانة، ووجدوا فيهم خيراً وقدرة على الاكتتاب؛ أن يعينوهم على التحرر والخروج من الرق إلى الحرية، قال: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣]، فأمرهم أن يكاتبوهم إذا لم يحرروهم بلا شيء، فيدفع العبد ثمن نفسه، وذلك بأن يعمل ثم يدفع ثمن نفسه فيكون حراً بعد ذلك.
وأمر الله بإعانتهم، فهذا الذي يملك عبداً، ويكاتب هذا العبد على ثمن أمره الله بالإعانة، وذلك إما بخفض قيمة الأقساط التي يدفعها، فيتنازل له عن قسط أو قسطين من هذا المال، أو أن يعنيه بالمال من صدقة أو من زكاة ونحو ذلك؛ حتى يصير حراً، قال الله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣]، ويذكرنا الله أن المال هو مال الله ، فمهما آتيت إنساناً من مال فلا تزعم أن الفضل لك، وإنما الفضل من الله؛ لأنه صاحب المال وصاحب الغنى الحقيقي .
стр. 670
معنى قوله تعالى: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء)
ذكر الله حكماً ثالثاً في الآية نفسها وهو: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النور:٣٣]، فالحكم الأول: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ [النور:٣٣]، والحكم الثاني: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ [النور:٣٣] وأمر بإعانتهم على فك رقابهم فقال سبحانه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣]، ثم ذكر حكماً آخر فقال: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النور:٣٣]، وهذا الحكم عام وسبب هذا الحكم خاص، والفتيات هنا هن الإماء، وما كان رجل أبداً يكره ابنته على أن تذهب إلى الزنا، بل كان العرب يقتلون بناتهم خوفاً من الوقوع في ذلك، ولم يكن يحدث هذا من الحرائر غالباً وإنما كان يحدث من الإماء، فكان الرجل يملك مجموعة من الإماء، فيأمر الأمة أن تذهب تسافح وتأتي له بأجرة، فنهى الله عن ذلك.
وكان سبب نزول هذه الآية في المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول لعنة الله عليه، فقد كان منافقاً كافراً امتلأ قلبه بالكفر والحنق على الإسلام، وأعماله فاسدة، وهذا الرجل كان في الجاهلية من كبار الناس في المدينة، وكادوا يجعلونه ملكاً عليهم لشرفه عندهم، فلما جاء الإسلام وجاء النبي ﷺ ظن أنه قد انتهى أمره وضاعت رياسته، فانقلب ما كان فيه من أمور خير كان عليها في الجاهلية، إلى شر شديد جداً في الإسلام! فدخل في الإسلام كرهاً؛ لأنه وجد من حوله قد دخلوا في الإسلام، وسيضيع منه الأمر إذا ظل على كفره، وخوفاً من أن يقتل كافراً، فدخل في الإسلام ظاهراً وقلبه ممتلئ بالبغض للإسلام وللنبي ﷺ ، فكانت أعماله شنيعة قذرة، وقد كان يكيد للنبي ﷺ ، ويوالي اليهود، ويدافع عن اليهود، حتى إن النبي ﷺ لما أراد قتل يهود بني قينقاع دافع عنهم هذا المنافق دفاعاً شديداً، حتى إن النبي ﷺ أجلاهم ولم يقتلهم.
وهناك فرق بين هذا المنافق الكافر المجرم وبين الرجل الأنصاري العظيم سعد بن معاذ رضي الله ﵎ عنه، فهذا المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول كان يهود بني قينقاع أولياء له في الجاهلية، وسعد بن معاذ كان يهود بني قريظة أولياء له في الجاهلية أيضاً، فلما جاء الإسلام ومنع الموالاة مع الكفار فـ سعد بن معاذ ترك هؤلاء.
ولما أراد النبي ﷺ قتل بني قينقاع، إذا بـ عبد الله بن أبي يدافع عنهم دفعاً شديداً، وقال للنبي ﷺ : أتقتلهم في غداة واحدة؟! ولم يزل يدافع عنهم حتى تركهم النبي ﷺ له؛ تأليفاً لقلبه، وليس حباً لهذا الإنسان، عسى أن يصلح حاله، وأيضاً خوفاً من الفتنة؛ لأن أشياعه من الأنصار كثير، فقد كان خزرجياً، والخزرج أهل ود النبي ﷺ ، وأهل دفاع عن دين الله ، فخشي النبي ﷺ فتنتهم بهذا الرجل المجرم عبد الله بن أبي ابن سلول، فترك له هؤلاء اليهود، وأجلاهم النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وأما سعد بن معاذ الأوسي الأنصاري ﵁ الذي اهتز عرش الرحمن لوفاته رضي الله ﵎ عنه؛ فرحاً بقدومه على ربه سبحانه، فلما أراد النبي ﷺ في حصاره لبني قريظة أن ينزلوا على حكمه، رفضوا أن ينزلوا على حكم النبي ﷺ ، وقالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ، وظنوا أنه سيفعل بهم كما فعل المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول بحلفائه، فالنبي ﷺ قبل أن ينزلهم من الحصن بأمان إلى أن يحكم فيهم سعد بن معاذ، ولما جاء سعد بن معاذ وقفوا يبكون له ويتوددون له، ويذكرونه بأيام الجاهلية، وما كان بينه وبينهم، فقال: آن لـ سعد بن معاذ ألا تأخذه في الله لومة لائم، وحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وأن تسبى ذراريهم، وأن تؤخذ أموالهم، فقتل في غداة واحدة جميع رجالهم، وقال النبي ﷺ مصوباً لحكمه: (لقد حكمت فيهم بحكم الملك).
وهذا عبد الله بن أبي بن سلول المجرم الملعون قال عن النبي ﷺ ومن معه من المؤمنين: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨]، يقصد بالأعز نفسه، وبالأذل النبي ﷺ ومن معه من المؤمنين لعنة الله عليه، وقد سلط الله عليه ابنه عبد الله، وكان رجلاً مؤمناً ﵁، فوقف بسيفه على أول المدينة ومنع أباه من الدخول؛ حتى يعترف أنه هو الأذل وأن رسول الله ﷺ هو الأعز، ومنعه من الدخول حتى أقر بأنه الذليل لعنة الله عليه، وأن النبي ﷺ هو العزيز ومن معه من المؤمنين.
فهذا الرجل أهل لكل خيانة، وأهل لكل شر، وأهل لكل فساد، وهو سبب نزول هذه الآية، فقد كان عنده جاريتان، وكان يأمرهما بالزنا ويكرهما عليه، فتخرج الفتاة وتزني وترجع إليه بمال الزنا والعياذ بالله.
روى الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄ أن جارية لـ عبد الله بن أبي ابن سلول، يقال لها: مسيكة، وأخرى يقال لها: أميمة، كان يكرههما على الزنا، فشكتا ذلك للنبي ﷺ ، فأنزل الله : ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النور:٣٣].
قال الله: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور:٣٣]؛ لأنه لا يتصور الإكراه إلا والفتاتان لا ترغبان في ذلك وتمتنعان منه، وأما إذا كانت الفتاة تطاوع على ذلك فلا إكراه في ذلك، لكن الفتاة كانت مؤمنة، وكانت ترفض ذلك، فكان يجبرها على هذا الزنا، فأنزل الله هذه الآية يحرم ذلك.
وقوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور:٣٣] هذا وصف للحال الذي عليه الفتاتان، وليس هذا شرطاً، وليس المعنى: إذا أردن تحصناً فلا تكرهوهن، وإذا لم يردن فأكرهوهن، فلا مفهوم لهذه الآية، ولكن المعنى: والحال أنهما تريدان التحصن والبعد عما حرم الله، وتريدان هذا الإسلام العظيم، وتريدان طاعة الله سبحانه، فلا يحل لكم أن تصنعوا ذلك معهن ولا مع غيرهن، والتحصن بمعنى العفة.
ثم بين الله سبب إكراههم الفتيات على البغاء فقال: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النور:٣٣]، فالأمر كله من أجل المال، والمنافق لا يشبع من شيء، فهو يريد المال ولو بهذه الصورة القذرة حيث يأمر الفتيات بالبغاء.
وقوله: (لتبتغوا) مفعول لأجله، أي: لأجل أنكم تبتغون عرض الحياة الدنيا، والدنيا أعراض، نقول: جاء للإنسان عرض، والمرض عرض يعرض للإنسان، والعرض شيء لا يدوم، فما أخذته في الدنيا لا يدوم لك أبداً، بل ينفد ويزول، فكل أعراض الدنيا مهما أخذت منها شيئاً، وكذلك ما يعرض لك من مرض ومن أشياء تبتلى بها فإنها لا تدوم، فهؤلاء يبتغون عرض الدنيا، فالله يحذر من ذلك، ويبين أن هذا عرض ليس دائماً، فابتغ ما عند الله من الجنة الدائمة.
وقوله ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور:٣٣] فيها قراءات: قرأها ورش وقنبل عن ابن كثير وأبو جعفر ورويس: (على البغاء ان) بهمزة أولى محققة، وبهمزة ثانية مسهلة.
وقرأها قالون والبزي بالعكس؛ بتسهيل الأولى، وبتحقيق الثانية (على البغآ إن)، ولهما المد أو القصر في ذلك.
وقرأها ورش أيضاً مطولاً لها: (على البغآ إن أردن) فيمد الهمزة الأولى ويمد الأخرى، وهذه قراءة أخرى له في ذلك.
وقرأها أبو عمرو: (على البغا إن)، بحذف الهمزة الأولى وإثبات الثانية فقط.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ﴾ [النور:٣٣] أي: يكره الفتاة على الزنا ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾ [النور:٣٣]، أي: هؤلاء النساء ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٣٣]، فالمكرهة معذورة في إكراهها، فإذا أجبرها سيدها على ذلك بالضرب أو بالتخويف بالقتل، فهذه مكرهة، فالله يغفر لها، وهذا الذي أكرهها له العذاب الأليم عند رب العالمين .
стр. 671
تفسير قوله تعالى: (ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات)
قال الله: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور:٣٤]، لقد تفضل الله على عباده بأن أنزل عليهم هذا القرآن الذي يتلى ويعمل بما فيه ويثاب الإنسان عليه.
﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ﴾ [النور:٣٤] عظيمات ﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾ [النور:٣٤]، فيها قراءتان: (آيات مُبْيَّنات) و (آيات مُبِّيَنَات)، فقرأها ابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف: بالكسر، وقرأها نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وشعبة عن عاصم: بالفتح على اسم المفعول.
فهي مبِّينة على اسم الفاعل بمعنى آية موضِّحة، فهي توضح لك ما تحتاج إليه، فهي في ذاتها ظاهرة وواضحة، وليست محتاجة إلى تعب وعناء في فهمها، فهذا القرآن العظيم كل إنسان يعرف العربية ويسمعه فإنه يفهم ما يقوله الله ، فهو بيِّن في نفسه، وهو مبَّين للأحكام التي يريد الله منك أن تعمل بها، وهي مُبَّيَنَة، فإذا جاءت في موضع مجملة وضحت في موضع آخر، وإذا أشكلت في موضع وضحت وفسرت في موضع آخر، وكذلك يبينها النبي ﷺ بسنته صلوات الله وسلامه عليه.
وقوله: ﴿وَمَثَلًا﴾ [النور:٣٤] يعني: هذا القرآن الذي نزل من عند رب العالمين فيه الآيات البينات، وفيه الأمثال، فالله يضرب لكم فيه الأمثال كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦]، فيضرب المثل بالبعوض، وضرب المثل بالذبابة، ويضرب المثل بالأحياء والأموات، ويضرب المثل بالجماد، وبالحيوان، وبالطيور؛ لنفهم عنه .
قوله: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النور:٣٤] أي: الأمثال من الأمم السابقة كيف فعلوا، وكيف فعل بهم.
﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور:٣٤] أي: وفيه موعظة، والذي يفهم هذه الموعظة ويعمل بها هو التقي، وأما غير التقي فلا يفهم ولا يعتبر، فيكون هو عبرة لغيره، فالسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه، فالقرآن فيه آيات بينات، وأمثال من خلوا من قبلنا؛ لنتعظ ونعمل.
نسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيعملون بأحسنه وينتفعون به.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 672
تفسير سورة النور الآية [٣٥]
ذكر الله في هذه الآية أنه نور السماوات والأرض، ومنورهما، وهادي أهل السماوات والأرض إلى الصراط المستقيم، وضرب الله مثلاً لنوره قي قلب المؤمن بمشكاة -وهي الكوة غير النافذة- فيها مصباح بداخل زجاجة بيضاء نقية كالكوكب المنير المتلألئ، وفتيل هذا المصباح يوقد من زيت شجرة الزيتون المباركة، وهذا الزيت يكاد يضيء من شدة صفائه، فهذا مثل لنور الله في قلب المؤمن، وهو نور الإيمان والوحي والهدى.
стр. 673
تفسير وقوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة النور: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥].
ذكر الله نوره في هذه الآية العظيمة الكريمة، ومجيئها في هذا الموضع غاية في الجمال والإحكام والإتقان، فالله ذكر قبلها غض البصر، فقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠].
وذكر بعدها: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١].
ثم ذكر أنه أنزل: ﴿آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور:٣٤].
ثم ذكر هذه الآية العظيمة، وذكر بعدها: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦].
فالذي يتأمل في هذه الآيات يجد أن الله قصد أن يبين لنا نوره ، فهو النور سبحانه، وجعل في قلوب عباده نوراً، وأنزل عليهم من السماء نوراً يهديهم، وأرسل إليهم رسولاً من عنده يهديهم إلى نوره ، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة:١٥].
فهذا نور بعضه وراء بعض: نور طاعة الله سبحانه وهداه، ونور اجتناب معصية الله وعقوبته، وذكر ذلك لما ذكر غض البصر، وكأن المعنى: أن من غض بصره فإنه يورث في قلب الإنسان نوراً من عند الله .
فالله نور السموات والأرض، أي: منورهما وهادي كل شيء ، وطاعته تورث في القلب النور، ومعصيته تحجب عن القلب النور.
стр. 674
فوائد غض البصر
قال أهل العلم: من فوائد غض البصر: أنه يورث نور القلب، والإنسان الذي يغض بصره فإنه يستنير قلبه، ويورث الفراسة، فيكون الإنسان ذكياً تقياً يعرف الشيء ويفطن إليه بمجرد إحساسه.
ولذلك أخبر عن قوم لوط أنهم أظلمت قلوبهم فصاروا متحيرين لا يفهمون ولا يفقهون، ووقعوا في هذه الجريمة الشنعاء وهي إتيان الرجال من دون النساء، فالله يخبر عنهم: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢].
والإنسان الذي يقع في المعصية وخاصة الفاحشة من زنا ولواط، فإن مبدأ هذه الفاحشة هو النظر إلى المرأة أو الأمرد، فيقع في النهاية في هذه الفاحشة والعياذ بالله.
وهؤلاء وقعوا فيها واستحلوا ما حرم الله ، فأخبر تعالى أنه عاقبهم وعاجلهم بعقوبة عجيبة جداً، فأرسل عليهم رسولاً من عنده سبحانه يستدرجهم فيما هم فيه من بلاء ومعصية حتى إذا أصروا على الوقوع في هذه الفاحشة، إذا برسل الله عليهم الصلاة والسلام -وكانوا ملائكة من عند رب العالمين- يخرجون لوطاً، وإذا بالقرية تهدم على من فيها، ويرسل عليهم ربنا حجارة تحرق من كان فيها، ويهلكهم ويتلفهم ويدمرهم بهذه الجريمة، يقول تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يعمهون﴾ [الحجر:٧٢].
والسكرة: العماية، يعني: كأنهم مخمورون، فعقولهم تائهة قد سكرت كالإنسان الذي يشرب الخمر فيتوه عقله، وكذلك أنها مسَّكرة، أي: مغلقة عليهم قد أغلقت وتاهت عقولهم؛ بسبب ما وقعوا فيه من الفاحشة.
فالفواحش تظلم على الإنسان قلبه، ومبدأ هذه الفواحش من نظر الإنسان، فينظر فيقع في الزنا أو اللواط، والقلب يتمنى الشيء والفرج يصدق ذلك أو يكذبه.
стр. 675
أضرار النظر إلى ما حرم الله
قال أهل العلم: إن التعلق بالصور والنظر إلى ما حرم الله سبحانه يوجب فساد العقل، وعمى البصيرة، وسكر القلب بل جنونه، فيجن القلب فلا يعقل ما الذي يدفع صاحبه إليه، فلذلك قال بعض الشعراء: سكران سكر هوى وسكر مُدامة فمتى إفاقة من به سكران والإنسان السكران الذي في قلبه هوى لا يفيق، وعقله يذهب، فإذا بالقلب والعقل لا يأبهان لشيء ولا يفهمان شيئاً، فإذا به يضيع، ومتى يفيق هذا الإنسان الذي يضيع؟
стр. 676
الأمور التي تؤدي إلى إصابة الفراسة
ذكر الله سبحانه آية النور عقب آيات غض البصر لينبه الإنسان أن غض البصر يورث في القلب نوراً وهذا من فوائد الطاعة وتجنب معصية الله سبحانه، لذلك قالوا: كان رجل من أهل العلم اسمه شاه بن شجاع الكرماني، كانت لا تخطئ له فراسة، فكان يتوسم في الشيء ويقول: أظنه كذا، فيكون على ما ظنه، والأمر ليس أمر ذكاء من الإنسان أو أن يجعل نفسه فاهماً وعارفاً بكل شيء، ولكنها من الله نور في قلب الإنسان، فيتفطن للشيء الذي لا يتفطن إليه غيره.
فسألوا هذا الرجل عن ذلك، فقال: من عمَّر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن المحارم، وكفَّ نفسه عن الشهوات، وأكل الحلال، لم تخطئ له فراسة.
فالإنسان الذي يريد أن يتوقع الشيء ويكون على النحو الذي يتوقعه، ولا أحد يستطيع أن يخدعه، فإن ذلك لن يأتي من كثرة مخالطة الناس، أو أن يظن الإنسان أنه ذكي، ولكن يطيع الله فيورثه الله في قلبه ما يفهم به الأمور.
فهذا الرجل الفاضل كان يقول: من عمّر ظاهره بإتباع السنة، أي: من يفعل كما فعل النبي ﷺ ويتابع هدي النبي ﷺ وسنته.
وعمّر باطنه بدوام المراقبة، أي: لا يبقى الظاهر متابعاً للسنة والباطن خرب، ولكن يعمره بمراقبة الله وبالخوف من الله ، فاجتنبوا المعاصي ظاهراً وباطناً.
ويغض بصره عن المحارم، ويكف نفسه عن الشهوات، يعني: الباطلة التي حرمها الله ، فكذلك يأكل الحلال ولا يأكل من حرام، وإذا اجتمعت فيه هذه الصفات الخمس فالله يجعل في قلبه فراسة، فلا يكاد يخطئ في شيء يظنه أو يتفرس فيه، فـ ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥].
стр. 677
شرح حديث: (إن الله لا ينام)
وجاء في صحيح مسلم عن أبي موسى ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال ﷺ : (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور -وفي رواية: النار- لو كشفه لأحرق سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه).
فالله من صفاته وكماله وجماله أنه لا ينام، وإذا كان أهل الجنة لا ينامون، والنبي ﷺ تكلم عن ذلك فقال: (النوم أخو الموت) فالنوم دليل على أن الإنسان متعب، فيستريح بالنوم، وأهل الجنة لا يتعبون أصلاً، فالجنة لا تعب فيها ولا شقاء ولا نصب، والنوم في الجنة يضيع على المؤمنين جزءاً من استمتاعهم بالشهوات فيها، وبما أباحه الله وجل لهم، وما أعطاهم من إكرام.
ولا موت بعد الموتة الأولى، فإذا كان هذا في الإنسان المخلوق، فإذا دخل الجنة فالله لا يجعله ينام إكراماً من الله لعبده، فكيف يجعل في عبده صفة ويكون هو على خلاف ذلك! فالله له الكمال ، فالله لا ينام أبداً، فإن النوم أخو الموت، فلا يظن أبداً بالله أن يكون فيه هذا النقص.
وقوله ﷺ : (يخفض القسط ويرفعه) فهنا ميزان الله العدل، فيفعل ما يشاء ويحكم بما يريد، فيعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، يخفض ويرفع، يعز ويذل، ويفعل ببعض عباده شيئاً ويفعل بغيرهم شيئاً آخر خلاف ذلك، وكل هذا مقتضى حكمته .
وقوله ﷺ : (يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل)، معناه: أن الأعمال كلها تصعد إلى الله ولا يتأخر منها شيء، والإنسان لما تأتيه أشياء فإنه يأخذ بالأول فالأول؛ لأنه لا يقدر على أن يأخذ الجميع مرة واحدة، ولله المثل الأعلى، فكل شيء يصعد إليه فهو يعلم كل شيء ، فالأعمال تتسابق ارتفاعاً إليه سبحانه، وهو مطلع على الجميع قبل صعودها إليه بل قبل أن يفعله الخلق.
стр. 678
معنى قوله ﷺ : (حجابه النور)
قال النبي ﷺ : (حجابه النور) فقد احتجب الله عن خلقه وهم أهل سمواته وأرضه بحجاب من النور ، والله أخبر عن نفسه أنه نور ، وجاء في حديث النبي ﷺ أنه قال في قيام الليل: (اللهم لك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن) أي: منور السموات والأرض، فالله نور السموات والأرض، كما ذكر لنا في هذه الآية، وكما جاء عن النبي ﷺ في هذا المعنى، وأيضاً جاء في القرآن قول الله سبحانه: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر:٦٩].
ويوم القيامة لا شمس فيه ولا قمر ولا نجوم ولا كواكب، والذي يضيء ويشرق في الأرض ويجعلها منيرة يوم القيامة هو نور الله ، قال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر:٦٩].
وجاء في صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: (إن الله خلق خلقه في ظلمة، وألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل) فرجعت الهداية إلى نور الله ، فإنه خلق الخلق وجعلهم في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره سبحانه، فمن أصابه من هذا النور جاءه الهدى من الله ، ومن لم يصبه من نور الله كان من الأشقياء.
وأيضاً جاء عن ابن مسعود ﵁ قال: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، فنور السموات من نور وجهه .
فالله نور السموات والأرض ومنورهما وهادي أهل السموات وأهل الأرض.
والله ذكر آيات في غض البصر قبل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥]، ثم بعد ذلك ذكر الله أمر المساجد فقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦].
فالمراد بالنور: الطاعة، أي نور غض البصر، فمن كف نفسه عن المعصية أورثه الله في قلبه نوراً، ومن أتى إلى بيوت الله وعمرها بطاعة الله جعل الله في قلبه نوراً، فالبعد عن المحارم يورث في القلب النور، والاشتغال بالطاعة يجعل في القلب النور، فالله يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله، فإن غض بصره عما حرم الله سبحانه عوضه عليه من جنسه بما هو خير، فجعل الله مكانه نوراً في قلبه يرى به الأشياء على حقيقتها، فيطلق نور بصيرته، ويفتح عليه أبواب العلم والمعرفة والفراسة من فضله سبحانه.
ومن فائدة غض بصر الإنسان والبعد عن المعاصي: قوة القلب، فالله يقوي قلب الإنسان ويثبته ويشجعه، ويجعل الله له سلطاناً من عنده ينصره به مع سلطان حجته، ولهذا قالوا: إن الإنسان العاصي يوجد في قلبه من الذل ما لا يستشعره إلا هو، أما الإنسان الطائع فإنه يستشعر في قلبه عز الطاعة.
وذل المعصية جاء من ظلمتها، فإذا به لا يبصر الشيء على حقيقته.
يقول الحسن البصري ﵀: إنهم وإن هملجت بهم البراذين، وطقطقت بهم البغال، فإن ذل المعصية في رقابهم، يأبى الله إلا أن يذل من عصاه.
فالإنسان وإن ركب المراكب العالية الفخمة: فسارت به السيارات، وطارت به الطائرات، وركب السفن، ومشى مختالاً في الأرض، فالله يأبى إلا أن يجعل في قلبه الذل والحاجة إليه .
قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥].
فالله نورٌ ، وهو منور السموات والأرض، وهادي أهل السموات والأرض، وهو سبحانه حجابه النور، ولما سئل النبي ﷺ عن ليلة المعراج: (هل رأيت ربك؟ قال: نوراً أنى أره) أي: أنه لا يطيق أن يرى ربه سبحانه تبارك؛ لأنه لم يعط من القوة أن يرى الله كما يعطى ذلك المؤمنون فيرونه في يوم القيامة، وأما في المعراج فالنبي ﷺ لم ير ببصره إلا نوراً، وأما أن يصف ربه سبحانه فلا يقدر على ذلك صلوات الله وسلامه عليه.
وقوله تعالى: ((مَثَلُ نُورِهِ)) ليس هذا هو النور الذي هو حقيقته ، ولكن النور الذي يضرب له المثال هو نور هدايته في قلب الإنسان المؤمن، فإن الله يقذف في قلب المؤمن نوراً شديداً قوياً كهذا النور الذي يصفه ، فمثل نوره في قلب المؤمن كمشكاة فيها مصباح، والمشكاة هي الكوة، وهي طاقة في الحائط غير نافذة، وأصل المشكاة هو الدلو من الجلد، أو العلبة المفتوحة من مكان وحد فقط.
وهذه المشكاة بداخلها مصباح، وفتيل هذا المصباح موضوع في داخل زجاجة، والزجاجة غاية في الإنارة والإضاءة كالكوكب الدري الشديد الإضاءة، وهذه المشكاة موجهة للضوء إلى مكان واحد مثل اللمبة التي يوضع عليها عاكس، فإنه يوجه النور ويكون قوياً موجهاً إلى مكان، فالعلبة المفتوحة من طرف واحد يكون ذلك أقوى للإضاءة، وبداخل هذه المشكاة مصباح، وفتيل هذا المصباح داخل الزجاجة، والزجاجة كالكوكب المنير المضيء، فكيف إذا اتقد هذا الفتيل بداخلها؟! وقوله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور:٣٥].
فهذا المصباح له زيت يوقده، وهذا الزيت يستخرج من شجرة الزيتون، وزيت الزيتون يعطي إنارة عظيمة، وهو زيت مبارك، كما سيأتي في أحاديث للنبي ﷺ بهذا المعنى، وهذه الآية تكفي في الدلالة على ذلك.
والشجرة إذا كانت شرقية يكون فيها فوائد، فإنها تأتيها الشمس من المشرق فتعطيها نوعاً من التطييب لها، وإذا كانت غربية ففيها نوع أخر، وإذا كانت وسطاً كانت أفضل أنواع أشجار الزيتون، فهي شجرة وسط لا شرقية ولا غربية، والزيت الذي فيها يكاد يضيء وحده من غير ما يوضع فيه نار، فكيف إذا وضع بداخله النار! فهذا كله لبيان النور الذي في قلب الإنسان المؤمن، فكيف يكون إذا كان في قلبه هذا النور الشديد العظيم؟ وهل يقع هذا في معصية؟ وهل يضل ويتوه عن طاعة الله سبحانه؟ كلا.
قال الله سبحانه: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥] أي: نور فوقه نور، فهو أنوار مجتمعة بقلب الإنسان الذي يتبع هدى الله ، ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥]، وأمر الهدى والإضلال يرجعان إلى الله، فالله يهدي من يشاء ويضل من يشاء ، ويضرب الأمثال بذلك لعل الناس يتذكرون.
هذا هو التفسير الإجمالي للآية، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 679
تفسير سورة النور [٣٥ - ٣٧]
لقد شبه الله نوره الذي يقذفه في قلب المؤمن فينير له الطريق، ويهديه في الظلمات، ويطمئن في المخاوف، شبهه تشبيهاً رائعاً في هذه الآيات، فانظره مع تفسيره تزدد علماً وفهماً.
стр. 680
تفسير قوله تعالى: (الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة)
الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥].
ذكر الله في هذه الآية نوره العظيم الذي يهدي به من يشاء من خلقه، فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥].
﴿اللَّهُ نُورُ﴾ [النور:٣٥] أي: منور السموات والأرض بما جعل فيها من ضياء،.
قال سبحانه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥] أي: هادي من في السموات ومن في الأرض، فالله نور ليس كغيره من النور، كما أننا نؤمن بصفاته سبحانه وأنه لا يشبهه شيء، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
وأخبر أنه خلق الإنسان من سلالة من طين، فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢].
فالله سميع وبصير سبحانه، وجعل للإنسان سمعاً وبصراً، وجعل فيه حياة، ونؤمن أن الله ليس كمثله شيء، فالمخلوق فيه كحياة، ولكنها ليست كحياة الخالق .
وللمخلوق سمع وبصر، ولكنها لا يشبهان أبداً سمع الخالق سبحانه ولا بصره، وكذلك الله نور، ولا يشبهه نور غيره.
فالله نور السموات والأرض، والله منوِّر السموات والأرض، فينورهما بما يشاء، والله يهدي أهل السموات وأهل الأرض، فهذه من معاني تنوير الله للسموات والأرض.
ثم ضرب مثالاً لنوره فقال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور:٣٥]، وختم بقوله: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥] إذاً: فلا يضرب مثلاً لنوره الذي هو صفة من صفاته سبحانه، فهو لا يشبهه شيء، ولا يضرب له الأمثال، ولكن يذكر لنا شيئاً من نور هداه سبحانه في قلب الإنسان المؤمن.
فالإنسان يعرف صفات الله لما يرى أمامه في الكون من قدرة الله العظيمة المبهرة، فيعرف قدر الله سبحانه، قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]، فلولا أن الإنسان يرى أشياء كبيراً حجمها، لما عرف أن الله هو الكبير .
فيرى الأرض عظيمة قد استوعبت من عليها من مخلوقات، ويرى من الأجرام التي خلقها الله ما هو أكبر بكثير من هذه الأرض، فيعلم أن هناك ما هو أكبر من هذا الكبير.
ثم ينظر في هذه المجرات التي خلقها الله ، فيعلم أنها أعظم وأعظم وأكبر من هذا الكون الذي يراه من أرض ومن شموس حولها، فيرى هذا شيئاً كبيراً، والله أكبر من كل شيء .
فالله يُري الإنسان الآيات ليعرف بها عظيم صفات الله ﵎.
وكذلك يرينا نوراً قد خلقه الله ، وهذا نور آخر أعظم منه خلقه الله أيضاً، وهذا نور ثالث أعظم وأعظم، فالإنسان يطلع على ما يراه من نور، فيرى نوراً موجوداً في الأرض، ونوراً يأتي من القمر، وهذا ضياء يأتي من الشمس، وفوقها ما هو أعظم من ذلك بكثير.
فالإنسان يرى النور في الدنيا، فهو يطيق أن ينظر إلى ضوء الشمعة، ولكن إذا كان مصباحاً لم يكد يقدر أن ينظر إليه، فإذا كبر ما فيها من ضوء صارت هالوجيناً مثلاً فمستحيل أن ينظر إليها بنظره، فالله نور ، وهو أعظم من ذلك بكثير.
فيضرب لنا هذا المثل للتقريب للأذهان، فعندما يرى الإنسان الشيء الكبير يعلم أن الله أكبر من ذلك، وعندما يرى الشيء العظيم يعلم أن الله أعظم من ذلك.
فمثل نوره ما يجعله في قلب الإنسان المؤمن من نور الإيمان، ونور معرفة الله سبحانه، واليقين به سبحانه، ونور القرآن في قلب الإنسان المؤمن، ونور الإتباع والهدى في قلبه، فهذا النور الذي يضيء له فلا يكاد يضل، ولا يكاد يقع في شيء يغضب الله .
﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ [النور:٣٥] قالوا: المشكاة: هي الكوة في الحائط، وكأنه نافذة مغلقة من مكان ومفتوحة من مكان آخر، وكأنه فتحة في الحائط موضوع فيها هذا المصباح.
قال تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور:٣٥] كأنه العلبة التي توضع بداخلها اللمبة من أجل تجميع الإضاءة في مكان، فكأنه يريد هنا أن يرينا مثلاً من الأمثلة: أنه إذا وجد مثل هذا النور في مكان فلا يمكن لإنسان ألا يرى ما حول هذا النور إلا أن يكون أعمى.
إذاً: فهو نور عظيم أضاء المكان الذي هو فيه، فتخيل مكاناً مغلقاً، وهناك علبة بداخلها مصباح، وهذا المصباح صفته أنه: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور:٣٥]، والفتيلة التي فيها النار داخل الزجاجة، وهذه الزجاجة يذكرها الله فقال: ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ﴾ [النور:٣٥]، فكل شيء فيها مضيء، والفتيلة مضيئة، والمشكاة التي بداخلها كأنها مضيئة.
قال تعالى: ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ [النور:٣٥] بداخل علبة زجاجية، الزجاجة هذه كأنها وحدها ﴿كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ﴾ [النور:٣٥] كأنها كوكب دري، والمصباح: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ﴾ [النور:٣٥].
стр. 681
القراءات في قوله (كوكب دري)
قوله تعالى: ﴿دُرِّيٌّ﴾ [النور:٣٥] فيها ثلاث قراءات: (دِرِّيء) وهي قراءة أبي عمرو والكسائي.
و (دُرِّيء) هي قراءة شعبة عن عاصم، وحمزة وباقي القراء يقرءون: ﴿دُرِّيٌّ﴾ [النور:٣٥] كأنه من الدر، أو من الإضاءة العظيمة الشديدة.
وقوله تعالى: ﴿كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور:٣٥] أي: كوكب ثاقب مضيء إضاءة عظيمة، أو كأنه الكوكب الدِّرِّي من الدرء، وهو الاندفاع، كأنه الكوكب الجاري بسرعة في السماء، فكلما ازداد جرياً ازداد إضاءة وتوهجاً، فكأن الزجاجة كوكب مضيء، إذاً: الزجاجة وحدها كأنها مضيئة، المصباح بداخلها مضيء.
يقول هنا : ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ﴾ [النور:٣٥] يعني: أن الفتيل يوقد من زيت هذه الشجرة التي بارك الله فيها، وهي شجرة الزيتون، فجعل في زيتها الفوائد العظيمة للإنسان في كل شيء، فإذا أوقد فيه مصباح كان أشد استنارة.
﴿لا شَرْقِيَّةٍ﴾ [النور:٣٥] أي: لا شرقية فيحجب عنها الضوء الغربي.
﴿وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور:٣٥] فيحجب عنها الضوء الشرقي، ولكنها وسط، وهذا أشد لجمالها ولحسن زيتها.
يقول الله سبحانه: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ﴾ [النور:٣٥] أي: أن زيتها الذي يوقد هذا المصباح يكاد يضيء لوحده، فلو فرضنا أن فتيلة سيخرج منها نار، ومن أجل أن نغذي هذه الفتيلة سنضع لها زيتاً، والزيت لوحده يكاد يضيء، والمصباح يضيء، والزجاجة كوكب دري، وموضوعة في مكان مغلق، فكم سيكون حجم الإضاءة التي بداخل هذا المكان؟ فهل ممكن أن يضيع منك شيء في مكان بمثل هذه الإضاءة؟ لا.
وكذلك ما يجعله الله في قلب الإنسان المؤمن من نور الإيمان يستدل به على عظمة الخالق سبحانه، ويستدل على صدق الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وعلى العمل الصالح فيعمله، ويستدل على أن هذا حلال فيأتيه، وأن هذا حرام فيبتعد عنه، فهذا نور في قلب المؤمن يهديه الله به إلى ما يشاء من طاعته.
قال سبحانه: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥] يعني: هذه الأنوار بعضها فوق بعض تضيء لصاحبها، وتريه الطريق المستقيم.
قال سبحانه: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥] أي: لنور الهدى، ونور الإيمان، ولنور القرآن العظيم، ومتابعة سنة النبي ﷺ .
وقد ذكرنا في الحديث: (إن الله خلق خلقه في ظلمة، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل).
فالله يهدي لنوره من يشاء.
قال تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ [النور:٣٥] فهذا مثال من الأمثلة العظيمة، وهو مثال: النور، ويضرب الله أمثلة كثيرة في كتابه سبحانه، ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦]، فيضرب المثل بالبعوض، ويضرب المثل بالذبابة، ويضرب المثل بالنور، ويضرب المثل بالنار، ويضرب المثل بالظلمات، ويضرب الأمثلة بما يشاء سبحانه؛ حتى يقرب للإنسان فيفهم عن الله ما يريد أن يفهمه إياه.
إذاً: فهنا يضرب الأمثال حتى يفهم الإنسان، فإذا قرأ القرآن ولم يفهم ما أراده الله منه ضرب له الأمثال، فحذره من الحرام، وأمره بأن يؤدي الواجبات والمستحبات فإذا لم يفعل ذلك ولم يفهم، فهذا شاء الله أن يضل ولا يهتدي.
فالله يضرب الأمثال واضحة كهذا النور، فإذا لم يعقل الإنسان، فمعناه: أنه لا يريد أن يفهم هذا الذي آتاه من عند الله، فيستحق ما يناله من عذاب يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥] أي: ليس علمه محدوداً بل أحاط بكل شيء علماً، فما في السموات وما فوقها، وما في الأرض وما تحتها، كل ذلك قد أحاط الله به علماً.
стр. 682
تفسير قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه)
قال سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور:٣٦].
﴿فِي بُيُوتٍ﴾ [النور:٣٦] وهي: المساجد بيوت الله ، وكل شيء ملك لله، فالأرض أرض الله، والسماء سماء الله، وكل شيء لله، ولكن لتشريف هذه المساجد سماها بيوته .
﴿أَذِنَ﴾ [النور:٣٦] أي: أمر الله وقضى أن ترفع وتشيد وتبنى؛ لعبادة الله .
стр. 683
القراءات في قوله تعالى: (في بيوت)
في قوله تعالى: ((فِي بُيُوتٍ)) قراءتان: قراءة بضم الباء وهي قراءة ورش وأبي جعفر وأبي عمرو ويعقوب وحفص عن عاصم بضم الباء.
وباقي القراء يقرءونها بالكسر: ((في بُيوت أذن الله أن ترفع)).
ومثلها ما جاء في القرآن من: ((شُيُوخ)) و ((شِيوخ))، و ((عُيُون)) و ((عِيون)) ونحو ذلك، ففيها قراءتان: بالكسر وبالضم.
قال تعالى: (أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ) أي: يرفعها الإنسان ليعبد الله فيها.
﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦].
إذاً: هذه المساجد ليست مبنية للعب، وإنما بنيت لعبادة الله .
وجاء في حديث النبي ﷺ : (إنما بنيت المساجد لما بنيت له) أي: لذكر الله وما والاه، وعالم ومتعلم، وللصلاة، فهذه بيوت الله سبحانه أذن أن ترفع لذلك.
стр. 684
تفسير قوله تعالى: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله)
﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ﴾ [النور:٣٧]، فهذه البيوت فيها رجال وصفهم الله بذلك، (رِجَالٌ) وكأنه يقول: نعم الرجال وأفضل الرجال عمّار بيوت الله ، الذين ذكرهم وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٨].
فهؤلاء الذين هداهم الله سبحانه وأكرمهم، لذلك فالإنسان المؤمن إذا وجد نفسه يواظب على بيوت الله للعبادة، ويكون محباً لبيت الله سبحانه، فليبشر بهذه البشارة التي بشر الله سبحانه بها هنا وفي سورة التوبة.
فذكر هنا: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧] فكأنه يمدحهم بهذا الوصف، فهم رجال ليسوا كغيرهم من الرجال.
فهؤلاء الرجال اختصهم الله بأن يعمروا بيوته، فاستحقوا أن يوصفوا بهذا الوصف: أنهم رجال، يعني: نعم الرجال، وهكذا كما تقول لإنسان: أنت رجل، وأنت تقصد: أنت نعم الرجل، أنت فيك صفات ليست في غيرك.
وكذلك في هؤلاء، وذكر أنهم يعمرون مساجد الله وبيوته فقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٨].
وبيوت الله هي المساجد، وقد جاء عن النبي ﷺ : (من بنى لله مسجداً، ولو كمفحص قطاة بنى له الله بيتاً في الجنة) سواء كان المسجد صغيراً أو كبيراً.
قال تعالى: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦] أي: تشيد ويرفع بنيانها، ليصلي الناس بداخلها.
وترفع أيضاً بمعنى: تطهّر وتعظّم ويرفع شأنها.
فالمؤمن يعظم بيت الله ، فلا يأتي المسجد من أجل أن يلعب بداخله، ولا يأتي المسجد من أجل أن يؤذي أحداً في بيت الله سبحانه، فلا يجوز الأذى ظاهراً ولا باطناً، وقد يتأذى الإنسان من شيء فتتأذى الملائكة منه أشد من أذى الإنسان.
فيُرفع بيت الله سبحانه فلا يؤذي فيه أحداً، ويطهره من الأنجاس والأقذار، ويعظم بيت الله .
وجاء في حديث عائشة ﵂، قالت: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نتخذ المساجد في الدور، وأن تطهر وتطيب)، فديار الأنصار كانت كثيرة، فكأن البعض منهم يشق عليهم أن يأتوا إلى مسجد النبي الله ﷺ من عوالي المدينة ونحوها، فأمرهم أن يتخذوا مساجد في الدور.
والدار: مجموعة البيوت التي تكون متلاصقة في مكان، يعني: يتخذون في أحيائهم مساجد، فيصلون فيها صلاة الجماعة، فإذا كان يوم الجمعة جاءوا فصلوا مع النبي ﷺ .
فأمر النبي ﷺ في هذه المساجد أن تطهر وتطيب، فالمسجد مكان يصان عن الأذى، ويطهر ويطيب، فتكون رائحته طيبة.
إذاً: فالإنسان الذي يأتي إلى بيت الله برائحة خبيثة من ثيابه أو من جواربه، هذا قد فعل غير ما أمر الله به، لذلك فالإنسان المؤمن يحرص على نظافته، ويحرص أنه إذا جاء إلى المسجد أن يتطيب، وأن يتجمل لبيت الله سبحانه، كما أمر الله قال: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١].
قال تعالى: ((أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ)) إذاً: هنا ستبنى المباني، لكن هل المعنى أن ترفع فوق القدر المحتاج إليه فيكون المسجد تحفة معمارية مثلاً؟ لم نؤمر بهذا الشيء، بل جاء عن النبي ﷺ المنع من ذلك صلوات الله وسلامه عليه، فجاء في الحديث: (لا تقوم الساعة حتى يتباهي الناس في المساجد) إذاً: فالمساجد أصبحت للمباهاة وليست من أجل الصلاة، بل من أجل أن يقال: مسجدنا أحسن من المسجد الآخر.
وجاء في حديث آخر عن النبي ﷺ : (إذا زخرفتم مساجدكم، وحليتم مصاحفكم فالدمار عليكم) وفي رواية: (فالدبار عليكم) وهو بمعنى: الدمار.
والمعنى: أنك مخلوق لعبادة الله سبحانه، فإذا نسي الإنسان هذه العبادة، ونظر إلى شيء آخر غير العبادة، وكل همه أن يزخرف المسجد، وأن يدهن بأصفر وأحمر، وينقش ويزخرف، ويضع صور في المسجد، فإذا دخل الصلاة نقرها كنقر الغراب، فإذا انتبه الإنسان لزينة المسجد، ونسي السبب الذي من أجله بني هذا المسجد، فانتظروا الدمار من الله ، فلم تعد المساجد للعبادة، ولم تعد لذكر الله، بل صارت للمباهاة.
وكذلك في الحديث نفسه قال: (إذا حليتم مصاحفكم) فأصبح هم الإنسان أنه يشتري مصحفاً حسناً؛ من أجل أن يعلقه في السيارة، أو من أجل أن يعلقه في بيته، أو يضعه أمام المرآة حتى يتفرج عليه، لكن لا يفتح المصحف ولا يقرأ فيه شيئاً، مع أن كتاب الله أنزل ليحفظ في الصدور، ويحفظ بالأعمال، فيعمل بما فيه شريعة ومنهاجاً، ويحفظه فيتلوه متعبداً به لله سبحانه، فإذا ترك هذا كله، وأصبح المصحف من أجل أن يعلق في السيارة، أو يوضع في البيت كنوع من الديكور، فانتظر الهلاك والدمار؛ فالمصحف لم ينزل من أجل أن تضعه تحت المخدة وتنام، من أجل البركة في زعمك، أو تضعه على الدولاب ولا يقرأ فيه، وإنما جاء المصحف شريعة من الله يقرأ ويتدبر، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، فكأن قلب الإنسان الذي لا يقرأ القرآن ولا يتدبر فيه مغلق بقفل لا يفتح؛ لأنه ترك القرآن وراءه.
يقول الله : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧].
قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ [النور:٣٦] أول النهار.
قال تعالى: ﴿وَالآصَالِ﴾ [النور:٣٦] الأصيل: وقت العصر، والمقصد أنه دائماً صباحاً ومساءً وهو في تسبيح وفي ذكر لله في الصلوات الخمس وفي غير ذلك.
﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور:٣٧] فهؤلاء هم الرجال الذين وعدهم الله سبحانه أن يهديهم، وأن يغفر لهم، وأن يرحمهم.
نسأل الله أن يجعلنا من هؤلاء.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 685
تفسير سورة النور الآية [٣٦]
ما أجمل تلك البيوت التي رفعها الله سبحانه فنزهها عن الأقذار الحسية والمعنوية، وخصها بأن يذكر فيها اسمه، وجعل روادها أهل القلوب السليمة التي لا تلهيها تجارة أو بيع عن ذكر ربها، فالأجساد خارجها والقلوب معلقة كالقناديل تضيء فيها، فيجازيهم ربهم الرحيم يوم القيامة أحسن الجزاء وأتمه، ويزيدهم من فضله!
стр. 686
تفسير قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧].
يذكر الله في هاتين الآيتين المساجد وهي بيوت الله في الأرض، قال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦] (أذن) أي: أمر وقضى .
﴿أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور:٣٦]، فذكر صفة هذه المساجد أنها مرفوعة يرفعها المؤمنون ويبنونها بطاعة الله ، وبذكر الله سبحانه.
стр. 687
القراءات في قوله تعالى: (يسبح له فيها)
في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ [النور:٣٦] قراءتان: قراءة حفص ومن معه، وابن عامر ومن معه، فـ ابن عامر وشعبة يقرءان هذه الآية: (يُسبَّح له فيها بالغدو والآصال)، فعلى قراءة شعبة عن عاصم وابن عامر يستحسن الوقف على رأس هذه الآية: (يُسبح له فيها بالغدو والآصال).
وباقي القراء منهم حفص عن عاصم ونافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحمزة والكسائي وخلف يقرءون: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور:٣٦].
وعلى هذه القراءة يستحسن الوصل حتى لا يفصل الفاعل عن الفعل، فيقرأ: (يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال) فيصل الآية بما بعدها.
فهؤلاء رجال من صفاتهم: أنهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة.
فهؤلاء المؤمنون عمّار بيوت الله لا يلهيهم شيء عن صلاتهم، ولا عن ذكر الله ، وقد مدحهم الله بأنهم لا تلهيهم الدنيا، وقد عبر عن الدنيا بالتجارة والبيع وذلك أكثر ما يشغل الإنسان، فهو يحتاج أن يشتري ويبيع ليتم بهما عيشه، ومع ذلك لا يلهيهم هذا عن ذكر الله سبحانه، وعن الإتيان إلى بيت الله في الصباح وفي المساء وفي كل وقت، فلا يضيع صلاة، فقلوبهم معلقة بالمساجد، وهؤلاء ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله كما في الحديث: (رجل قلبه معلق بالمسجد)، إذا خرج منه حتى يرجع إليه، فقد تعلق قلبه بالمسجد، فجعله الله من أهل جنته وأظله بظله يوم لا ظل إلا ظله.
هذه المساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه جعل في بنائها الثواب العظيم، وجاء في حديث النبي ﷺ : (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة) فمن بنى لله مسجداً ولو كان صغيراً، وضرب له هنا مثالاً بمفحص القطاة، وهي الحمامة التي تجعل لنفسها عشاً تبيض فيه ولو كهذا، ويستحيل أن يكون المسجد كهذا ويصلي فيه أحد، ولكن المقصد أنه ولو كان مسجداً صغيراً يصلي فيه جماعة قليلة، فكيف بمن بنى لله مسجداً كبيراً.
стр. 688
رفع المساجد حسياً ومعنوياً
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦] يقول العلماء: وبيوت الله أذن برفعها وتطييبها وتطهيرها ولم يأذن باللغو فيها، ولا باللعب فيها، ولا بتنجيسها ولا بالإيذاء فيها للملائكة أو للناس، فلذلك تصان المساجد من اللغو، وتصان من الرفث، ومن البيع والشراء ونحو ذلك كما سيأتي.
فمما تصان عنه وتنزه عنه: الروائح الكريهة، يقول الإمام القرطبي ﵀: مما تصان وتنزه عنه المساجد: الروائح الكريهة، والأقوال السيئة وغير ذلك، وذلك من تعظيم المساجد أنه لا ينبغي أن يكون فيها رفث، ولا ينبغي أن يكون فيها لغو، ولا ينبغي أن يرفع فيها الأصوات إلا بذكر الله .
وجاء في حديث النبي ﷺ أنه قال لأصحابه في غزوة تبوك: (من أكل من هذه الشجرة -يعني الثوم- فلا يأتين المساجد)، فالذي يأكل ثوماً وبصلاً لا يأتي المساجد.
وفي حديث آخر قال: (من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم).
وقال عمر ﵁ في خطبته: (ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين ولا أراهما إلا خبيثتين: هذا البصل والثوم، وقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من رجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخاً).
فلا مانع من أكل الثوم والبصل وهما مطبوختان، فإنهما في هذه الحالة لا رائحة لهما، وأما إذا كانا غير مطبوختين فإنهما لهما رائحة كريهة، فإذا أكلهما أحد وجاء إلى المسجد فإنه يؤذي الملائكة والمصلين بذلك، فلا ينبغي له أن يأتي إلى المسجد، فلا يجوز للإنسان أن يتعمد أن يأكل ذلك قرب وقت الصلاة، ولكن يجعل بينه وبين وقت الصلاة وقتاً كافياً، كأن يأكل بعد العشاء مثلاً بحيث إذا جاء الفجر لا تكون رائحة فمه متغيرة بذلك.
يقول العلماء -وهذا نقل الإمام القرطبي ﵀: وإذا كانت العلة في إخراجه من المسجد أنه يؤذي الناس برائحة فمه الكريهة، وكذلك يؤذي الملائكة فالعلة يقاس عليها.
قال: وفي القياس أن كل من تأذى به جيرانه في المسجد بأن يكون ذرب اللسان سفيهاً عليهم، أو كان ذا رائحة قبيحة لسوء صناعته أو عاهة مؤذية كالجذام وشبيهه ينبغي أن يجتنب مجتمع الناس.
أي: إنسان رائحة ثيابه منتنه يتأذى بها الناس إذا جاء المسجد فعليه التباعد عن الناس؛ لرائحته النتنه.
أو إذا كان الإنسان ثيابه قذرة مشحمة فإذا دخل في الصف يؤذي الناس ويسجد على الأرض فيوسخ سجاد المسجد، فهذا لا ينبغي أن يأتي المسجد وهو على هذه الحالة، ولكن يغير ثيابه ويأتي بيت الله نظيفاً طاهراً، وقد قال الله : ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] أي: عند موضع كل صلاة، فتتزين للصلاة كما تتزين لضيفك الذي تقابله.
فهنا رائحة الثوم والبصل رائحة منتنه فكيف برائحة السجائر التي يشربها الإنسان فيؤذي بها الناس، ويؤذي بها الملائكة؟! وكذلك إذا كانت رائحة الإنسان قذرة منتنة من عرق شديد ونحو ذلك مما يتأذى به الناس، وأحياناً بعض الناس تكون رائحة عرقهم رائحة شديدة فإذا كان على ذلك فليتنظف قبل أن يأتي بيت الله سبحانه، حتى لا يؤذي الناس بهذه الرائحة.
وبعض الناس في الصيف يلبس حذاءً وجورباً ويدخل المسجد فتكون رائحة المسجد غاية في القذارة والنتانة لا يقبلها الإنسان، فعلى المرء أن ينزع جوربه وليدخل مكان الوضوء فيتوضأ ويغسل رجليه؛ حتى لا يؤذي الناس برائحته.
ولو أن كل الناس دخلوا المسجد بأرجل منتنه أوشك الناس ألا يصلوا في المسجد، فتجد أحياناً سجاد المسجد حين تسجد عليها لا تطيق رائحتها، فتجلس منتظر متى الإمام يرفع تكاد أن تختنق من وضع رأسك على الأرض، ومن شم الرائحة المنتنه في الأرض.
فإذا كان هذا من إنسان فلا ينبغي أن تكون مثله، فإذا تأذيت بذلك فاحرص على أن تكون نظيفاً عند دخولك المسجد؛ حتى لا يتأذى أحد من رائحتك، ولا تؤذي الملائكة بذلك.
وكذلك أصحاب الروائح المنتنه في صناعة من الصناعات، كأن تكون صناعته تحتم عليه أن يتعامل مع أشياء لها رائحة تكون في يده أو ثيابه، فإذا جاء عند وقت الصلاة فليغسل ذلك، والمنظفات موجودة عند الناس من صابون ونحوها بحمد الله وبفضله، فليغسل أثر ذلك حتى يأتي المسجد وهو نظيف طيب الرائحة.
قالوا: وإذا كان هذا يتأذى به الناس، وتتأذى منه الملائكة فلا ينبغي أن يحضر الجماعة، فمن يتأذون منه أكثر من ذلك كأن يكون في المرء مرض فيخرج منه رائحة منتنه، أو إنسان به جرح فحصل في الجرح نوع عفونة بحيث إنه لا يطيق الناس أن يشموا رائحة هذا الإنسان، فله عذر أن يمكث في بيته ولا يجب عليه أن يأتي لصلاة الجماعة؛ حتى لا يؤذي الناس، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١].
ولذلك كان من الشريعة أن الإنسان المجذوم يكون بعيداً عن الناس، (لما جاء المجذوم للنبي ﷺ يبايعه قال له: ارجع فقد بايعناك، ارجع فقد بايعناك).
والجذام نوع من الأمراض المعدية بقدر الله، فهو سبحانه يجعلها سبباً من أسباب انتقال الأمراض من شخص إلى آخر، وهو مرض صعب شديد قال النبي ﷺ عن صاحب هذا المرض.
(فر من المجذوم فرارك من الأسد).
فلا ينبغي للمجذوم أن يحضر مع الناس الجماعات، وهذا الذي قاله للناس قاله تعليماً، وحتى لا يظن الإنسان أنه بمجرد أن جاء هذا المجذوم وواقف بجواره أنه سيكون مثله، فكأنه يقول للمجذوم: لا تؤذ الناس، ولما أتى يبايع النبي ﷺ قال له: (ارجع فقد بايعناك).
فيأخذ الإنسان بالحيطة والحذر في ذلك، ويستيقن أن ما أصابه فبقدر الله ، وما أخطأه فلن يخطئه إلا بقدر الله .
فقال أهل العلم: إن من كان ذا عاهة مؤذية يتأذى منه الناس بسببها فلا ينبغي عليه أن يحظر في جماعة الناس.
وكالمريض بمرض في الرئة يعلم منه أنه يؤذي الناس بعطاسه، ومعلوم عند عطس الإنسان أن الرذاذ يصل من عطسته إلى سبعة أمتار، فإذا كان الإنسان صاحب مرض معدي فلا ينبغي أن يحضر مع الناس في صلاة جماعة، ولكن يعتزل في بيته حتى يشفيه الله ، أخذ أهل العلم ذلك من أحاديث النبي ﷺ في التأذي برائحة الثوم والبصل، فقالوا: هذا أشد من ذلك، فإذا كان هذا المريض معذوراً في ذلك فالإنسان غير المعذور الذي لسانه ذرب وطويل ومؤذي، ولا يستطيع أن يتحكم في نفسه إذا دخل المسجد، وإذا كان في الشارع أو في السوق وكلمه أحد شتمه وسبه، فمثل هذا يمنع من دخول المسجد.
وذكر الإمام القرطبي عن أبي عمر بن عبد البر من فقهاء المالكية وأحد الأئمة المجتهدين، قال: شاهدت شيخنا أبا عمر أحمد بن عبد الملك بن هشام ﵀ أفتى في رجل شكاه جيرانه، واتفقوا عليه أنه يؤذيهم في المسجد بلسانه ويده.
يعني: رجل سفيه يأتي بيت الله ويتكلم على الناس ويؤذيهم بلسانه، ويمد يده فيضرب الناس، ولا يحترم بيت الله .
يقول أبو عمر بن عبد البر: فأفتى بإخراجه من المسجد، وإبعاده عنه، وألا يشهد معهم في الصلاة؛ إذ لا سبيل مع جنونه واستطالته إلى السلامة منه.
يعني: عامله معاملة المجنون، فهو طالما كان سفيهاً لا يمسك نفسه فيضرب ويبطش بيديه، فعلى ذلك يكون حكمه حكم المجنون، فلا ينبغي أن يكون في بيت الله .
وأبو عمر بن عبد البر من العلماء المجتهدين يقول: فذاكرته يوماً أمره، وطالبته بالدليل.
يعني: يتكلم مع شيخه فيما أفتى به، ما الدليل على الذي ذكرته؟ فقال: وراجعته فيه القول فاستدل بحديث الثوم، فقال: هو عندي أكثر أذى من أكل الثوم.
فإذا كان الذي يأكل ثوماً يمنع من المجيء إلى المسجد، مع أنك يمكن أن تتعود على رائحة الثوم والبصل، وأما طول اللسان واليد في المسجد فهذا مما لا يطاق.
قال: وهذا عندي أكثر ممن أكل الثوم، وصاحبه يمنع من شهود الجماعة في المسجد.
فكأن الإمام ذلك أبو عمر ابن عبد البر ينقل ذلك موافقاً لشيخه بعدما سأله.
قال أهل العلم: المساجد كلها سواء، وهذا هو الصواب وإن كان فيه خلاف يسير، ولكن المساجد كلها سواء في ذلك فالإنسان الذي به رائحة غير طيبة لا ينبغي أن يدخل المساجد: لا المسجد النبوي، ولا الكعبة، ولا المسجد الحرام ولا غيره من المساجد، فكلها يستوي فيها المنع.
قال: أفتى العلماء على أن المساجد كلها سواء لحديث ابن عمر فيمن أكل من هذه الشجرة، -يعني: الثوم- فلا يأتين المساجد.
قال العلماء أيضاً: وتصان المساجد أيضاً عن البيع والشراء وجميع الأشغال، والاشتغال في بيت الله لا ينبغي أن يكون إلا بالصلاة وبالذكر.
ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ أن رجلاً قام في المسجد وقال: (من دعا إلى الجمل الأحمر) فقد كان عنده جمل أحمر فضل عليه، فوقف في المسجد بعد الصلاة وقال: من رأى الجمل الأحمر، فقال النبي ﷺ : (لا وجدت لا وجدت) فدعا على الرجل ألا يجد جمله فقال: (لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له) وجاء في حديث آخر أن النبي ﷺ ذكر (أنما بنيت المساجد للتسبيح، ولذكر الله، وللصلاة).
فهنا قال للرجل: (لا وجدت) مع أن يمكن أن يقال: هذا معذور وجمله ضائع، وهو ليس شيئاً حقيراً.
فنقول: (ولو كان جملاً أو أكثر من ذلك فليست المساجد مكاناً لذلك، وإذا أراد أن ينادي على جمله فليناد خارج المسجد، أو في الشارع وليس في المسجد، فإنما بنيت المساجد لما بنيت له، فلا ينبغي رفع الأصوات في المساجد، وهذه حالة تجدها في كثير من المساجد، وأحياناً عندنا في المسجد بعد الصلاة تجد بعض الناس يقف ويتكلم ويكثر من الكلام، فيشوش على الناس صلاة النافلة وهو يحكي ويتكلم، ولا يدري أن الناس ين
стр. 689
تفسير سورة النور (تابع١) الآية [٣٦]
إن عمارة بيوت الله بالذكر والصلاة وقراءة القرآن دليل على تعلق قلب العبد بربه، وعلى قوة إيمانه واتصاله بالله تعالى.
ولما كان لعمارة بيوت الله هذا الفضل العظيم كان لا بد من التأدب مع هذه البيوت العظيمة، وتعظيمها، وعدم اللهو واللعب فيها، وترك ما يفضي إلى شغل الناس عن الصلاة وقراءة القرآن فيها.
стр. 690
فضل عمارة المساجد بالذكر والطاعات
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة النور: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:٣٦ - ٣٨].
مدح الله المؤمنين الذين يحرصون على المجيء إلى بيوت الله سبحانه، وعلى الجلوس فيه مصلين مسبحين الله تعالى، فقال: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ﴾ [النور:٣٧]، وقال في سورة التوبة، ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٨]، فجعلهم الله من أهل الهدى؛ لحرصهم على المجيء إلى بيوت الله سبحانه، ومواظبتهم على صلاة الجماعة، وحرصهم على الجلوس بعد الصلوات في المساجد مسبحين الله، ذاكرين الله سبحانه، فجعل الملائكة يستغفرون لهم، ويشهدون لهم عند الله كما في الحديث بقولهم: (أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون).
فالمساجد بيوت الله في الأرض، وقد شرفها الله وجعلها لذكره، ففي الحديث أنه لما جاء الرجل الأعرابي وجلس وبال في المسجد نصحه النبي ﷺ وقال له: (إن هذه المساجد لم تبن لهذا؛ إنما هي لذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن)، فبيوت الله يصلي العبد فيها صلاة الجماعة، والنافلة ونحو ذلك، ثم يجلس ذاكراً الله فيها، كما يأتيها ليتعلم أو يعلم، فالنبي ﷺ يبين أن هذه المساجد بنيت لذكر الله، أي: لأصناف ذكر الله : من قراءة للقرآن، ومن تسبيح وتحميد وتهليل وتكبير، وقراءة وسماع دروس العلم.
стр. 691
آداب الجلوس في المسجد
стр. 692
عدم الانشغال بكلام أهل الدنيا
جاءت عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة يذكر فيها آداب المساجد، وأشياء لا يجوز للإنسان أن يفعلها داخل المسجد، فمن ذلك ما جاء في الحديث: (أن رجلاً من الصحابة كان يصلي -وهو يجهل عدم جواز الكلام في الصلاة- فإذا برجل بجواره يعطس في الصلاة، فقال: الحمد الله، فقال: يرحمك الله -فتكلم في الصلاة-، فلما قال ذلك نظر إليه الناس -فكأنه هش لما نظر إليه الناس- فقال: ما لكم تنظرون إلي؟ فضرب الناس بأيديهم على أفخاذهم، فسكت بعد أن كاد يتكلم)، وبعد الصلاة توقع من النبي ﷺ أن ينهره أو يزجره، فما كان منه ﷺ إلا أن قال له: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن).
فالإنسان وهو يصلي سواء في المسجد أو في غير المسجد لا يجوز له أن يتكلم بكلام أهل الدنيا، فإذا كان في بيت الله جالساً ينتظر الصلاة فهو في صلاة، فينبغي عليه أن يكون على هيئة الذي يبتغي الفضل والأجر من الله على جلوسه، فلا ينشغل بكلام الدنيا، ولا بالمسامرة مع الناس.
يقول الإمام القرطبي ﵀: وأما رفع الصوت في المسجد فإن كان مما يقتضي مصلحة للرافع صوته دعي عليه بنقيض قصده، والمعنى: أنه إن رفع صوته في غير صلاة مكتوبة جهرية مثلاً، أو في غير تعليم الناس العلم، وإنما لمصلحة خالصة، كأن ينادي: ضاع مني كذا، أو من يشتري كذا، أو غيره من المصالح الخاصة، فهذا يدعى عليه بنقيض قصده، أي: بما جاء عن النبي ﷺ أنه قال لمن سمع من ينشد ضالة في المسجد: (فليقل لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا).
стр. 693
النهي عن التشبيك بين الأصابع في المسجد
جاء عن النبي ﷺ أن الإنسان إذا توضأ وخرج من بيته قاصداً المسجد فهو في الصلاة، ثم قال: (فلا يفعلن هكذا، وشبك بين أصابعه)، أي: إذا كنت في الطريق من بيتك إلى المسجد وأنت متوضئ فأنت في صلاة، فلا تشبك بين أصابعك حتى في الطريق إلى المسجد؛ لأنك في صلاة، فإذا كان هذا في الشارع، فكيف في بيت الله ؟! فلا ينبغي أن يتشاغل الإنسان بتشبيك أصابعه أو بقرقعتها، أو باللعب واللغو في داخل بيت الله ، فالمساجد بنيت لما بنيت له من ذكر الله وما والاه من التعلم والتعليم، والصلاة وقراءة القرآن.
стр. 694
النهي عن رفع الصوت في المسجد
سمع عمر ﵁ رجلاً في المسجد كان يرفع صوته فقال عمر: ما هذا الصوت؟ أتدري أين أنت؟ فأنكر عليه أن يرفع صوته في المسجد، ونهاه عن ذلك؛ لأنه ليس من الأدب أن يرفع الإنسان صوته في بيت الله إلا لما هو مشروع، كإمام يرفع صوته، أو مبلغ يبلغ عن الإمام في الصلاة، أو في درس علم، أما رفع الصوت بكلام الدنيا فهذا مما لا ينبغي في بيت الله سبحانه.
стр. 695
النهي عن تناشد الأشعار في المساجد
جاء في سنن الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أن رسول الله ﷺ نهى عن تناشد الأشعار في المسجد، وعن البيع والشراء فيه، وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة)، فهذه من الأشياء التي ينهى عنها في بيت الله .
فمما ينهى عنه في المساجد: تناشد الأشعار، والأشعار منها ما هو جائز ومنها ما ليس بجائز، فالشعر الجائز كأن يكون في مدح النبي ﷺ ، أو في ذكر الله ، أو في مدارسة العلم، كأن يكون متناً في الفقه، أو في الحديث، ونحو ذلك مما يقوم الإنسان بحفظه من الأشعار؛ ليتعلم العلوم الشرعية، ومما يكون خلال الدروس العلمية، أو في المواعظ ونحوها.
لكن أن يقعد الإنسان في المسجد يقول شعراً من أشعار الدنيا فهذا لا يجوز، وقد نهى عنه النبي ﷺ .
والدليل على جواز قول الشعر في المسجد إذا كان فيه مدح للنبي ودفاع عن الإسلام: هو أن حسان بن ثابت كان ينشد في المسجد، وكان النبي ﷺ يقول: (اهجهم وروح القدس معك)، فيدعوه النبي ﷺ إلى هجاء المشركين، وقد كان يدافع عن الإسلام بشعره رضي الله ﵎ عنه، ومثل ذلك جائز، وأما أشعار الدنيا التي يقولها الإنسان في المسجد فهذا لا يجوز، وقد نهى عنه النبي ﷺ .
يقول الإمام القرطبي ﵀: وأما تناشد الأشعار في المسجد فاختلف ذلك -أي: كما تقدم ذكره- وجاء عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال في الشعر: (هو كلام: حسنه حسن، وقبيحه قبيح)، وهذا حديث حسن.
ففيه أن الأشعار منها ما هو حسن ومنها ما قبيح، فإذا كان الذي في بيت الله من قبيل الحسن فهو الذي يجوز أن يقال، كأن يكون في موعظة مثلاً، أو أثناء خطبة ونحوها، أو في مدارسة العلم كدراسة متن أو أرجوزة من الشعر في أصول الفقه مثلاً، أو في أصول الحديث، فهذا يعين طالب العلم على حفظ العلم، ومثل ذلك يجوز، وأما إنشاد الشعر للشعر فلا يجوز، وهذا نهى عنه النبي صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 696
النهي عن البيع والشراء وإنشاد الضالة في المسجد
جاء عن النبي ﷺ أنه نهى عن البيع والشراء في المسجد، ففي الحديث: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك) أي: ادعوا على الإنسان الذي يبيع ويشتري في المسجد، وقولوا له: لا أربح الله تجارتك.
كذلك نهى النبي ﷺ أن تنشد الضالة في المسجد، وأن يرفع الإنسان بذلك صوته وينادي: من لقي كذا، أو أنا لقيت الشيء الفلاني، فهذا لا يجوز، فالبحث عن الضالة، أو تعريفها ليس في المسجد، وإذا أحب الإنسان أن ينشد ضالة ويرفع بذلك صوته فليخرج خارج المسجد، ولا مانع أن يقول: وجدت كذا أو لقيت كذا، أما داخل المسجد فلا، وقد جاء عن النبي ﷺ : (أنه رأى رجلاً يفعل ذلك ويقول: من دل على الجمل الأحمر؟ فقال: لا رده الله عليك، إن المساجد لم تبن لهذا).
فهذا رجل ضاع منه جمل فرفع صوته في المسجد قائلاً: من لقي الجمل الأحمر، فالنبي ﷺ نهاه عن ذلك، ودعا عليه، وقال: (لا رده الله عليك).
إذاً: فالنبي ﷺ يعلمنا أنه لا يجوز رفع الصوت في المسجد بتجارة، أو ببيع وشراء، أو بالبحث عن ضالة، فأمور الدنيا لا ينبغي الانشغال بها في المسجد، بل ينشغل فيه الإنسان بذكر الله ، والصلاة، وبالعلوم الشرعية ونحو ذلك.
стр. 697
النهي عن تحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة
جاء عن النبي ﷺ : (أنه نهى أن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة)، أي: كأن تكون هناك حلقات يتحدثون فيها، أو حلق للعلم، فلا ينبغي أن يجلسوا قبل خطبة الجمعة متحلقين، فهذا يعلمهم القرآن والتجويد، وهذا يعلمهم التفسير وغير ذلك؛ لأنهم بذلك يسدون على الناس الأماكن في بيت الله ، فقبل خطبة الجمعة ينتظر الناس الصلاة، فمنهم من يصلي، ومنهم من يذكر الله ، ومنهم من يقرأ سورة الكهف، ومنهم من يقرأ غيرها من القرآن، ومنهم من يسبح وهكذا، فكل إنسان مشغول بشيء.
فالناس يحرصون على المجيء إلى بيت الله في يوم الجمعة، ويزدحمون في المسجد، فلو جلس إنسان يعلم الناس قبل صلاة الجمعة في حلقة، وكل واحد أخذ حلقة في المسجد، حتى يمتلئ المسجد بالحلقات، فلن يلقى الذي يأتي من خارج المسجد مكاناً يجلس فيه، وإن قعد فلن يستطيع أن يقعد وسط الحلقة، فقد (نهى النبي ﷺ عن الجلوس في وسط الحلقة)، وإن قعد خارج المسجد فالملائكة على أبواب المسجد يكتبون أسماء الداخلين إلى بيت الله .
وأيضاً: فالذين يجلسون قبل خطبة الجمعة لإلقاء الدروس فإنهم يرفعون أصواتهم ويشوشون على الناس الذين يصلون، ويذكرون الله ، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك.
فلا ينبغي أن يكون قبل خطبة الجمعة حلق للدروس ولا لغيرها، ولكن يأتي كل إنسان بمفرده ليذكر الله أو ليصلي النافلة، أو يجلس ينتظر صلاة الجمعة، هذا الذي ينبغي أن يكون.
يقول الإمام القرطبي ﵀: وقد كره بعض أصحابنا التعليم في المساجد، ورأى أنه من باب البيع، وهذا إذا كان بأجرة.
стр. 698
الحفاظ على المسجد من لعب الصبيان
إن الأطفال قد يأتون إلى المسجد لكي يتعلموا العلوم، وقد كانوا في الماضي يعلمون الأطفال القرآن في المسجد، ويحفظونهم الأحاديث، فكانوا يخافون على المسجد من اللغو واللعب الذي يقوم به الأطفال، ويمنعون من ذلك.
أما إذا كان بأجرة فقد عده بعض العلماء أنه من باب الإجارة، أو من باب البيع، فقد يرفع المعلم صوته بطلب الأجرة بداخل المسجد، وهذا ممنوع منه في البيع.
قال القرطبي ﵀: فإذا كان بغير أجرة منع أيضاً من وجه آخر، وهو أن الصبيان لا يتحرزون عن الأقذار والوسخ، فيؤثر دخولهم المساجد على نظافتها، وقد أمرنا بتنظيفها وتطييبها، والأطفال منهم من قد يتبول في المسجد، ومنهم من يأكل ويرمي الأكل فيه، أو يقذره بحذائه، ولهذا يمنع من ذلك.
وليس معنى ذلك هو القول بمنع الأطفال من المسجد منعاً باتاً، ولكن إذا كان وجودهم يشوش على المصلين، وهناك من يؤدبهم ويعلمهم ويمنعهم من اللعب فلا بأس إذاً، وأما إذا ضاق الأمر واستمر الإزعاج، وضاعت على الناس صلاتهم، فيمنعوا من دخول المسجد، وخاصة إذا كانوا صغار السن، أو دون سن السبع السنوات بحيث يتأذى المصلون من أصواتهم ولغوهم ولعبهم؛ لأن صغار السن قد لا يأتون المسجد إلا للعب، ويمكن أن يأخذ الطفل المصحف ويقطعه، أو يشطب فيه، فإذا كان الإمام القرطبي يقول: تقذير أرض المسجد -فقط- ممنوع منه، فكيف بتقطيع المصاحف، أو الشطب فيها ونحوه؟! إذاً: إذا أتينا بالأطفال إلى المسجد فليكن في السن الذي أمره النبي ﷺ بالصلاة فيه: (مروا أولادهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر)، فبعد سن السبع يؤتى بالطفل إلى المسجد، بشرط أن يعلم آداب المسجد، ويحذر من اللعب مع الأطفال فيها.
стр. 699
حكم المبيت في المسجد
قال القرطبي ﵀: وأما النوم في المسجد لمن احتاج كإنسان غريب احتاج أن يبيت في المسجد، وليس له مكان يأوي إليه فلا بأس أن يبيت فيه.
وجاء في صحيح البخاري عن أنس: (قدم رهط من عكل على النبي ﷺ فكانوا في الصفة).
وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵁: أنه كان ينام وهو شاب عزب لا أهل له في المسجد.
وكان ذلك قبل أن يتزوج عبد الله بن عمر، فكان يبيت في مسجد النبي ﷺ ، ويصلي فيه ويقوم الليل، ويجتهد في العبادة، ثم يستريح في المسجد كالمعتكف في بيت الله ، فمثل ذلك جائز.
وجاء في صحيح البخاري عن عائشة قالت: أسلمت امرأة سوداء لبعض العرب وكان لها حفش في المسجد، قالت: فكانت تأتينا فتتحدث عندنا، فإذا فرغت من حديثها قالت: ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا ألا إنه من بلدة الكفر نجاني فهذه المرأة أسلمت وكان قومها كفاراً، ولما أسلمت هاجرت إلى النبي ﷺ ، ولم يكن لها مكان تنزل فيه، فجعلها النبي ﷺ في مسجده، وبنى لها حفشاً، والحفش: هو عش صغير أو خيمة صغيرة في المسجد تنام فيها المرأة إذا لم يكن لها بيت، ولم يكن عند أحد مكان يسعها فتنزل فيه.
فهذه المرأة كانت تدخل على السيدة عائشة ﵂، فإذا جلست فإنها تقول: ويوم وشاح من تعاجيب ربنا ألا إنه من بلدة الكفر نجاني فسألتها السيدة عائشة: وما يوم الوشاح؟ فقالت المرأة: خرجت جويرية لبعض أهلي وعليها وشاح من أدم، فسقط منها، فانحطت عليه حدية وهي تحسبه لحماً فأخذته.
أي: أن جارية قريبتها كانت تلبس وشاحاً من جلد -الوشاح لونه أحمر- فنزلت حدية وحسبته لحماً، وخطفته وطارت به، فأخذوا هذه المرأة -ظناً منهم أنها سرقت هذا الوشاح- وعذبوها وفتشوها، قالت: فبينا هم حولي وأنا في كرب إذ أقبلت الحدية -أي: وهم يعذبونها ويفتشونها ويتهمونها بالسرقة، فإذا بالحدية تأتي- ومعها الوشاح وتلقيه فوقهم، فهذا هو الأمر العجيب الذي جعل المرأة تقول هذا البيت من الشعر.
ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا ألا إنه من بلدة الكفر نجاني فقالت: قلت لهم: هذا الذي اتهمتموني به وأنا منه بريء.
فهذه المرأة هاجرت إلى النبي ﷺ مسلمة، وليس أهل لها في المدينة، فما كان منه ﷺ إلا أن جعل لها عشة في مؤخرة المسجد تبيت فيها.
يقول الإمام القرطبي: من احتاج إلى ذلك -أي: إلى المبيت بمثل هذه الحاجة- فليبت في المسجد.
أما أن يتخذ المسجد كالفندق فلا، فبعضهم يذهب ليعمل في النهار، ثم يجيء بالليل لينام، لا ليصلي أو يقوم الليل أو يعتكف؛ فهذا لا ينبغي، ولم تبن المساجد لهذا، ولكن الذي يأتي إلى المسجد ويبيت فيه؛ لكي لا تفوته صلاة الفجر، فهذا إنسان بات لغرض ولعلة صحيحة، وأما أن يتخذ في المسجد مكاناً كالبيت؛ حتى لا ينزل في فندق ويدفع أجرته فهذا لا ينبغي.
والله أعلم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 700
تفسير سورة النور (تابع٢) الآية [٣٦]
لقد شرع الله لعباده الصلاة في المساجد، وبين أنها بيوته، وبين فضلها وفضل بُنائها، ووصف المنشغلين بذكر الله عن الملاهي والمغريات بأنهم الرجال، فالرجل الحقيقي: هو الذي يقدم حق الله على حظوظ نفسه وشهواتها، ولقد بين الله جزاء هذا العمل من إكرامه لأهله في الدنيا والآخرة، فكما تدين تدان، والجزاء من جنس العمل.
стр. 701
فضل المساجد وفضل أهلها وما يقال عند دخولها
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة النور: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:٣٦ - ٣٨].
ذكرنا في الحديث السابق هذه الآية وهي قوله سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور:٣٦].
ففيها ذكر هذه المساجد التي عظمها الله وقضى وأمر برفعها، وأن يذكر فيها اسمه سبحانه، وأن يسبح له فيها في الصلاة وغيرها.
قوله: (بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) الغدو: أول النهار، ومنه صلاة الغداة أي: الفجر.
والآصال: جمع أصيل وهو من الظهر إلى العشاء، فدخلت مواقيت الصلوات الخمس فيها، فكأن التسبيح يكون في جميع أوقات الصلاة في المساجد، فهؤلاء هم الرجال الذين من صفاتهم: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧].
فهم يأتون بيوت الله سبحانه فيصلون لله ، ويذكرونه ويسبحونه، ويحضرون حلق الذكر، فتشهد لهم الملائكة بذلك من وقت إتيانهم من بيوتهم إلى رجوعهم إلى بيوتهم، فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون.
ومن سنة النبي ﷺ أنك إذا جئت بيت الله ودخلته أن تسمي الله تعالى، وتدخل برجلك اليمنى، وتدعو ربك سبحانه أن يفتح لك أبواب رحمته.
فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي حميد -أو عن أبي أسيد - قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك)، فداخل المسجد طالب للرحمة، والخارج من المسجد طالب لفضل الله ، فالذي يأتي إلى بيت الله يريد المغفرة ويريد فضل الله ورحمته، والخارج من المسجد يبحث عن رزقه عندما يرجع إلى بيته، فيسأل الله من فضله، وأن يرزقه ويغنيه ويعفه ويعطيه من فضله سبحانه.
وقد جاء في الحديث الآخر: (إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم، وليصل على النبي ﷺ ، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك).
وجاء في حديث السيدة فاطمة ﵂ أن رسول الله ﷺ : (كان إذا دخل المسجد قال: باسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم! اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قال: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم! اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك).
فدخول المسجد ليس كدخول غيره، فعندما تدخل المسجد تطلب الرحمة، وعندما تخرج من المسجد تطلب الفضل من الله ، وهذه مزية لبيت الله سبحانه.
وقد ثبت عنه ﷺ : (أنه كان إذا دخل المسجد يقول: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وبسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم، ويدخل برجله اليمنى ويقول: باسم الله، اللهم صل على محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك)، وجاء في هذا الذكر في قوله: (أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وبسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم) يقول النبي ﷺ : (فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم).
فيجب على المسلم أن يحفظ هذا الذكر العظيم، فإذا دخل بيت الله قال: (أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم)، فإن الله يعصمه من الشيطان الرجيم، (يقول الشيطان: حفظ مني سائر اليوم).
وإذا دخل صلى على النبي ﷺ بأي صيغة من صيغ الصلاة عليه، ومن هذه الصيغ كما في هذه الرواية: (اللهم صل على محمد) وفي رواية: (والصلاة على رسول الله)، أو (والسلام على رسول الله) ﷺ ، ثم تسأل الله من رحمته.
فالدخول إلى المسجد يكون بالرجل اليمنى، والخروج من المسجد يكون بالرجل اليسرى.
стр. 702
بعض من أحكام تحية المسجد
وفي الحديث عن أبي قتادة أن رسول الله ﷺ قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس)، وهذا أدب آخر يختص به بيت الله ، فإذا دخلت المسجد فلا تقعد حتى تصلي ركعتين تحية المسجد.
وفي حديث آخر يقول أبو قتادة: (دخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس فجلست، فقال رسول الله ﷺ : ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس؟ قلت: يا رسول الله! رأيتك جالساً والناس جلوس، قال: فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين)، فمن السنة ألا تقعد إذا دخلت بيت الله مباشرة، بل لابد أن تفرق بين المسجد وبين غيره، فتصلي ركعتين تحية المسجد، ثم تجلس بعد ذلك.
وتحية المسجد سنة على قول جماهير أهل العلم، وذهب البعض إلى أن تحية المسجد واجبة، واحتجوا على ذلك: (بأن النبي ﷺ كان يخطب الجمعة فدخل سليك الغطفاني والنبي ﷺ يخطب، فجلس الرجل، فأمره النبي ﷺ أن يقوم وأن يصلي ركعتين، وأن يتجوز فيهما)، قالوا: وسماع خطبة الجمعة واجب، فكون النبي ﷺ يأمره أن يقوم وأن يصلي ركعتين دليل على أنه سيترك الواجب، فليس من الممكن أن يترك الواجب لأجل المستحب على قولهم، فعلى ذلك يترك الواجب للواجب، فقام فصلى ركعتين تحية المسجد، فعلى ذلك تكون ركعتا تحية المسجد واجبتين، وهو قول البعض من الظاهرية، كـ داود بن علي، وأما ابن حزم فذهب إلى أنها سنة وليست فريضة، وهو الصواب.
ودليله ما جاء في حديث المعراج: قال الله : (هن خمس في العدد وهن خمسون في الأجر، أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي)، فالصلوات المفروضات خمس من عند الله ، وهن في الأجر خمسون.
ومن الأدلة: حديث الرجل الذي سأل النبي ﷺ : (هل علي غيرهن؟! قال: لا، إلا أن تتطوع)، فدل ذلك على أن غير الصلوات الخمس لا تكون فريضة إلا ما كانت الصلاة فيها فرض كفاية مثل: صلاة الجنازة، وأما غير الصلوات الخمس فليست بفريضة إلا أن يكون نذراً نذره الإنسان على نفسه.
وقد ذكر أهل العلم: أن تحية المسجد لو كانت واجبة لوجب على كل من دخل أن يصليها، ويلزم من ذلك عدم جواز دخول المسجد إلا على وضوء.
يقول القرطبي ﵀: ولا أعلم قائلاً بذلك.
وهذا الاستدلال صحيح، إذ لو كانت واجبة لما جاز لأحد أن يدخل المسجد إلا وهو متوضئ؛ لأنه يلزمه أن يصلي تحية المسجد، ولكن أهل العلم يقولون بجواز أن يكون متوضئاً أو غير متوضئ، فإن لم يكن متوضئاً جاز له أن يجلس، ولكن الأفضل فيه أن يكون على وضوء حتى يصلي ركعتين تحية المسجد.
стр. 703
حكم تعارض تحية المسجد مع الخطبة في الجمعة أو السلام على الناس وأيهما يقدم
وإذا كان الخطيب يخطب فليصل ركعتين وليتجوز فيهما، حتى يدرك الخطبة ولا يضيع على نفسه واجباً، فإن ضيع بعضها فلن يضيع الكثير، ويجب عليه ألا يطيل في تحية المسجد، فقد قال النبي ﷺ : (صل ركعتين وتجوز فيهما)، فأمر بالتجوز في ذلك.
وقال ﷺ في صلاة تحية المسجد هنا: (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين).
ولو أن الإنسان دخل المسجد فسمع شيئاً ينشغل به عن تحية المسجد كسماعه للأذان، فإنه يجوز له أن يصلي تحية المسجد ثم يدرك ترديد ما بقي من الأذان، والأفضل أن ينتظر حتى يردد الأذان مع المؤذن ثم يصلي على النبي ﷺ ويدعو، ثم بعد ذلك يصلي تحية المسجد؛ لما جاء عن النبي ﷺ في قوله: (إذا سمع أحدكم المؤذن فليقل مثلما يقول، ثم يصلي علي، ثم ليسأل الله لي الوسيلة، فإنها منزلة لا تنبغي إلا لعبد واحد وأرجو أن أكون أنا هو)، صلوات الله وسلامه عليه.
ولو أن الإنسان دخل المسجد فهل يبدأ بالسلام على الناس أم بتحية المسجد أولاً؟ الصواب فيها: هو قول النبي ﷺ : (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، فنهى عن الجلوس حتى يصلي ركعتين، فيجوز له أن يسلم على الناس إذا دخل لقول الله سبحانه: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور:٦١]، فإذا دخل الإنسان المسجد بدأ فسلم على الناس، ثم صلى ركعتي تحية المسجد، والتسليم لن يأخذ منه وقتاً، ولن يجلس ليسلم على الناس، والنهي في الأصل ليس عن التسليم وإنما النهي عن الجلوس فقط حتى يصلي ركعتين، ونحن نقول هذا الكلام لأن بعض إخواننا يسأل عن ذلك.
وأما تسمية هذه الصلاة: بتحية المسجد فلم يأت عن النبي ﷺ حديث فيه كلمة تحية المسجد، أو أنه سمى هذه الصلاة: تحية المسجد، ولكنه قال: (فليصل ركعتين)، فهذا ما ثبت عنه ﷺ ، لكن الفقهاء سموها: تحية المسجد، فالشاهد: أن من قال: إنه يمنع السلام على الناس حتى يبدأ بتحية المسجد فقد أخطأ، وقد قال الله : ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا﴾ [النور:٦١]، فجاء بالفاء المفيدة للترتيب والتعقيب مباشرة، فإذا وجدت المسلم أمامك فسلم، فقد أمر النبي ﷺ بالسلام على المسلمين، فإذا وجدت المسلم في طريقك أو في مسجدك أو في أي مكان فابدأه بالسلام، حتى إنه يشرع السلام إذا فرق بينك وبينه شيء من جدار أو شجرة أو نحوه، وتسلم عليه أيضاً إذا التقيتما بعد ذلك، ولا ينبغي لي أن أدخل المسجد والناس أمامي يقابلوني ثم لا أسلم على أحد حتى أصلي ركعتين وبعد ذلك أتوجه إلى الجميع بالسلام، فلم يقل ذلك النبي ﷺ ، ولم يقل ذلك أحد من أهل العلم، وإنما الصواب: أنه يسلم على من لقيه في المسجد أو في غيره، ثم يصلي تحية المسجد بعد ذلك.
وقد نبهنا قبل ذلك: على أنك إذا جئت والإمام يخطب ودخلت المسجد فلا بد عليك أن تصلي ركعتين ثم تجلس، ولا ينبغي أن تلقي السلام على أحد والخطيب يخطب، فالواجب عليك أن تستمع الخطبة فقط، وكلامنا هنا: هو في إلقاء السلام على الناس إذا لم يوجد ما يمنع من الكلام، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من قال لصاحبه: أنصت! والإمام يخطب فقد لغا).
وفي حديث آخر: (ومن لغا فلا جمعة له)، والإنسان إما أن يتكلم لحاجة أو لغير حاجة، كأن يقطع كلام الخطيب ويكلم الناس، أو يعطس الإنسان فيرفع صوته بالحمدلة، فيجيبه أحدهم بصوت مرتفع فيقول: يرحمك الله، فيرد عليه، فهذا كله لا ينبغي في أثناء الخطبة، لكن إذا عطست والخطيب يخطب فقل: الحمد لله في سرك، ولا ترفع بها صوتك، وإذا رفعت صوتك وقلت: الحمد لله، فلا ينبغي لأحد أن يشمتك إلا إذا سكت الخطيب، فيقول: يرحمك الله؛ حتى لا يكون هناك كلام في أثناء الخطبة، فإن من تكلم في أثنائها فقد لغا، ومن لغا فقد ضيع على نفسه صلاة الجمعة، لكن إذا كان الإنسان خارج المسجد فلا تحية عليه حينئذ، فلا توحد تحية للشارع مثلاً، فإذا جاء والخطيب يخطب وهو في الشارع، فليجلس في الشارع، لكن هل يجوز له أن يسلم على الناس ويرفع صوته مدِّعياً أنه في غير مسجد؟ لا؛ لأن للشارع حكم المسجد في السماع؛ لأنه يسمع الخطيب، فيلزمه أن يستمع للخطبة كما أمر النبي ﷺ بذلك.
стр. 704
تفسير قوله تعالى: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله)
стр. 705
جواز الوقف والوصل في قوله تعالى: (يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال)
قوله سبحانه: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور:٣٦] >قوله: (يُسَبِّحُ): أي: ينزه الله عن النقص ويقول: سبحان الله! ويسبح: أي: يصلي لله ، ولذلك سميت صلاة النافلة بالسبحة؛ لأن الله سبحانه يسبَّح فيها.
وقوله: (يُسَبِّحُ)، فيها قراءتان، قراءة الجمهور: (يُسَبِّحُ).
وقراءة ابن عامر وشعبة عن عاصم: (يُسَبَّحُ).
وإذا قرئ بقراءة ابن عامر وشعبة فالمستحسن أن يقف على رأس الآية فيقول: (يسبَّح له فيها بالغدو الآصال)، ثم يبدأ: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور:٣٧]، وهنا شيء محذوف يدل عليه ما بعده.
وقوله: (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ)، إما أنه عائد على الآية التي قبلها (فِي بُيُوتٍ)، فيكون المعنى: في بيوت رجال؛ لأن (رجال) هنا مبتدأ، و (في بيوت) الجار والمجرور في محل رفع خبر مقدم عليه.
أو هم رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله على الابتداء والخبر.
وعلى قراءة الجمهور: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا) بالفعل المبني للمعلوم، فإنه قوله: ﴿رِجَالٌ﴾ [النور:٣٧] يكون فاعلاً، وبالتالي فلا يجوز الفصل بين الفعل والفاعل، فعلى ذلك يصل بينهما فيقال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]، فيصل الفاعل مع فعله؛ حتى لا تنقطع الجملة.
следующие страницы →