← Тафсир

Тафсир · id 37041

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (3 275 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

تفسير سورة التوبة [٦٠ - ٧٢]

стр. 1262

تفسير قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) قال الله ﵎: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٨ - ٥٩]. فأجابهم الله مبيناً أنهم لا يستحقون أن يعطوا من الزكاة أو من الصدقات، فقال ﵎: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ [التوبة:٦٠] يعني: إنما يستحق الصدقات: ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠]. لما ذكر تعالى لمزهم في الصدقات، أعقب ذلك ببيان أحقية ما فعله الرسول ﷺ من القسمة، ففي الآيتين السابقتين: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ) أي: يعيبك، (فِي الصَّدَقَاتِ) أي: في قسم الصدقات، فأعقب ذلك ببيان أحقية ما فعله النبي ﷺ من القسمة؛ لأنه في هذا القسم لم يتجاوز مصارفها المشروعة له، وهذا هو عين العدل، وذلك أنه تعالى شرع قسمها لهؤلاء ولم يكله إلى أحد غيره، ولم يأخذ ﷺ منها لنفسه شيئاً، فالذي تولى القسمة هو الله ، ولم يكن للنبي ﷺ في ذلك أي دور، وإنما بين مصارف الصدقات، وكان قاسماً موزعاً والله هو الذي أعطى، كما في الحديث المتفق عليه عن معاوية رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي)، فالعطاء من الله، وما على النبي ﷺ إلا أن يوزعها ويصرفها حيث أمره الله ﵎، فكذلك هنا الله الذي أعطى، والله هو الذي أمر بتوزيع المال على هذه المصارف، والنبي ﵌ هو الذي قسمها على هؤلاء، ولم يأخذ ﷺ منها لنفسه شيئاً، بل حرمت الصدقة على أهل بيته ﵌، ففيم اللمز لقاسمها صلوات الله وسلامه عليه؟! وروى أبو داود عن زياد بن الحارث ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فبايعته، فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له: (إن الله تعالى لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك). إذاً: هذه الآية الكريمة رد لمقالة أولئك اللمزة الذين كانوا يلمزونه ويعيبونه في قسمة الصدقات، ففيها رد لمقالة أولئك اللمزة وتوضيح لأطماعهم؛ ولبيان أنهم بمعزل عن الاستحقاق، وإعلام بمن إعطاؤهم عدل ومنعهم ظلم، وهم هؤلاء الأصناف الثمانية في هذه الآية الكريمة، فإعطاء هؤلاء عدل ومنع هؤلاء ظلم؛ لأنه منعهم من حقهم الذي شرع الله لهم.

стр. 1263

الفرق بين الفقير والمسكين (إنما الصدقات -محصورة- للفقراء)، الفقير هنا فعيل بمعنى: فاعل، فيقال: فقر يفقر من باب تعب يتعب إذا قل ماله، والمساكين جمع: مسكين، من: سكن سكوناً؛ لأن المسكين تسكن أو تذهب حركته لسكونه إلى الناس، وهو بفتح الميم في لغة بني أسد، (مَسكين)، وبكسرها عند غيرهم. وقال ابن السكيت: المسكين: الذي لا شيء له، والفقير: الذي له بلغة من العيشَ، وكذلك قال يونس، وجعل الفقير أحسن حالاً من المسكين، قال: وسألت أعرابياً: أفقير أنت؟ قال: لا، والله بل مسكين. وقال الأصمعي: المسكين أحسن حالاً من الفقير، وهذا هو القول الأقوى؛ لأن الله قال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف:٧٩]، فالآية تؤيد القول بأن المسكين هو الذي له مال لكنه لا يكفيه، يعني: له دخل لكنه لا يقوم باحتياجاته الأصلية. ((أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ)) يعني: كانت هذه السفينة لجملة من المساكين، وفي نفس الوقت يعملون في البحر، يعني: لهم دخل وإن كان لا يكفيهم. في حين قال ﵎ في حق الفقراء: (لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) يعني: لا يستطيعون ضرباً في الأرض، فهؤلاء ليس لهم دخل أصلاً ولا عمل. وقال ابن الأعرابي: المسكين هو: الفقير، وهو الذي لا شيء له، فجعلهما سواءً. وقال البدر القرافي: إذا اجتمعا افترقا: ثمرة ذلك تظهر فيما إذا مات رجل وأوصى للفقراء والمساكين، فهنا اجتمعا في الوصية فيفترقان في المعنى، بمعنى: أن يكون الفقير الذي لا شيء له أصلاً، والمسكين الذي له دخل ولكنه لا يكفيه، ففي هذه الحالة لا بد تنفيذاً لهذه الوصية من صرف الوصية للنوعين، لكن هذان اللفظان إذا افترقا اجتمعا، يعني: إذا اقتصر على أحدهما شملت المعنى العام لهما، كما إذا أوصى فقال: أوصي بهذا المال للفقراء فقط، ففي هذه الحالة يجوز الصرف للفقراء وللمساكين، أو قال: أوصي بهذا المال للمساكين، فإذا وردت مفردة، ففي هذه الحالة يجوز إعطاء الصنف الآخر الذي لم يذكر. وهذا الأمر ليس جديداً علينا، إذ هناك كثير من الألفاظ الذي تنطبق عليه هذه القاعدة: إذا افترقا اجتمعا، وإذا اجتمعا افترقا، مثل: الإسلام والإيمان. والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]، فهنا افترقا فيجتمعان من حيث المعنى، فتشمل الباطن والظاهر. لكن إذا افترقا مثل حديث جبريل: (ما الإسلام؟) (ما الإيمان؟) فانظر المغايرة هنا حينما اجتمعا في نص واحد. مثال ذلك أيضاً: البر والتقوى، وكذا: الله والرب، فيكون لفظ الجلالة الله قسيماً للرب، يعني: توجد مغايرة بينهما من حيث المعنى، كما في قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:١ - ٣]، فغاير بين الرب وبين الإله. وكذلك كما تقول في كلامك: رب العالمين! وإله المرسلين، ففي هذه الحالة أيضاً يكون هناك مغايرة. ومثال افتراقهما عندما يأتي الواحد منها منفرداً عن الآخر -لكنه في هذه الحالة يشمل الأمرين- قول الله : ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج:٤٠]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ [الأنعام:١٦٤]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠]، ومن هذه المواضع سؤال الإنسان في القبر: من ربك؟ فهنا تعني: من إلهك؟

стр. 1264

معنى قوله تعالى: (والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم) يقول المهايمي: ثم ذكر تعالى من يحتاج إليهم والمحتاجين إلى الصدقات، يعني: الزكاة تعطى للمحتاجين من المسلمين ولمن يحتاج إليهم المسلمون، فمن هؤلاء الذين يحتاج إليهم المسلمون: العاملون عليها، فلابد من وجود كادر من الموظفين يتولون جمع الزكاة ويتولون تصريفها ويسعون في تحصيلها، ومنهم: القابض، والوازن، والكيال، والكاتب، فهؤلاء يعطون أجورهم من الزكاة ((وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا)). ثم ذكر من يحتاج إليهم الإمام، فقال ﵎: ((وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ))، وهم قوم ضعفت نيتهم في الإسلام، فيحتاج الإمام إلى تأليف قلوبهم بالعطاء تقوية لإسلامهم؛ لئلا يسري ضعفهم إلى غيرهم، أو أشراف يترقب بإعطائهم إسلام نظرائهم. معنى قوله تعالى: ((وَفِي الرِّقَابِ)): ثم ذكر تعالى من يعان بها في دفع الرق؛ لقوله ﵎: ((وَفِي الرِّقَابِ)) يعني: للإعانة في فك وإعتاق الرقاب، فيعطى المكاتبون منها ما يستعينون به على أداء نجوم الكتابة، يعني: أقساط الكتابة، وإن كانوا كاسبين، يعني: حتى وإن كان هؤلاء المكاتبون يعملون ويتكسبون، لكن يعطون أيضاً من الزكاة ما يعينهم على التحرر من الرق وإن كانوا كاسبين، وهذا قول الشافعي والليث. أو (وفي الرقاب) يعني: وللصرف في عتق الرقاب، وذلك بأن يصرف من مال الزكاة في شراء رقاب ثم تعتق، وهذه صورة أخرى. إذاً: إما أن تفك رقاب المكاتبين كي يعتقوا، وإما أن يشترى من مال الزكاة أرقاء ثم يعتقون بعد ذلك، قال ابن عباس والحسن: لا بأس أن تعتق الرقبة من الزكاة، وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق، ولا يخفى أن الرقاب يعم الوجهين، وقد ورد في ثواب الإعتاق وفك الرقبة أحاديث كثيرة. معنى قوله تعالى: ((وَالْغَارِمِينَ)): ثم ذكر تعالى من تفك ذمته في الديون، فكما تفك الرقاب، هناك أيضاً من تفك ذمته؛ لأنها مقيدة بالدين، فقال : ((وَالْغَارِمِينَ))، وهم الذين ركبتهم الديون لأنفسهم في غير معصية ولم يجدوا وفاءً، أو لإصلاح ذات البين ولو أغنياء، فالغارم إما أن يستدين لمصلحة نفسه أو يستدين لمصلحة غيره حتى لو كان غنياً، فالذي يستدين لمصلحة نفسه يشترط فيه أن يكون ركبه الدين في غير معصية وفي غير إسراف، لا من يستدين للترف وللتنعم، ويقول: أنا غارم، ويؤخذ له من الزكاة! فلا تكون نفقته في سفه وترفه، وإنما في أمور أساسية يحتاجها، ولا يكون الدين ركبه في معصية، ولم يجد من ماله ما يوفي به هذه الديون، فالغارم يعطى أيضاً من الزكاة. أو لإصلاح ذات البين ولو أغنياء، كرجل تحمل مالاً في ذمته لإصلاح ذات البين، مثلاً: قبيلتان سوف تقتتلان بسبب المال، فهو يعطي من ماله من أجل أن يعصم دماء هؤلاء المقتتلين، ففي هذه الحالة هذا يعطى من الزكاة ولو كان غنياً ما دام أنه غرم لإصلاح ذات البين. نرى تساهلاً عند كثير من الناس، ويعز عليهم إخراج الزكاة نتيجة الشح الذي هو مركوز في النفس، فيحاول أن يخرج المال دائماً إلى أحد أقاربه، ويكون هذا الشخص مستديناً في أمور كمالية، مثلاً في تأثيث بيته بصورة فيها نوع من الترف، أو قريبته ستتزوج ويريد أن يساعد أهلها في الأثاث، وغالباً الأثاث يكون في كماليات، في حين مال الزكاة يحتاج إليه آخرون للقوت أو للعلاج، فينبغي عدم التساهل في هذا الأمر.

стр. 1265

(في سبيل الله وابن السبيل) ثم ذكر تعالى الإعانة على الجهاد بقوله ﵎: ((وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ))، فيصرف على المتطوعة في الجهاد؛ لأن المتطوعة لا مرتب لهم، فيعطى سهم (في سبيل الله) للمجاهدين المتطوعين، فيشترى لهم الكراع والسلاح. قال الرازي: لا يوجب قوله: (في سبيل الله) القصر على الغزاة، ولذا نقل القفال في تفسيره عن بعض الفقهاء جواز طرح الصدقات إلى جميع وجوه الخير: من تكفين الموتى، وبناء الحصون، وعمارة المساجد؛ لأن قوله: (وفي سبيل الله) عام في الكل، وهذا من الموضوعات المهمة جداً التي تحتاج إلى بحث مستقل؛ ولكن لأن خطتنا في التفسير الاختصار بقدر المستطاع فلن نتعرض له، وكثير من الناس الآن توسعوا في هذا المصرف، حتى إنهم يقولون: يجوز صرفها في طباعة الكتب وتوزيعها في المعسكرات الإسلامية، وفي الأنشطة، ويوجد أصل لهذه الأقوال، لكن هذا المذهب مرجوح، والراجح هو مذهب الجمهور: أن سهم (في سبيل الله) للمتطوعين في الجهاد؛ لأن هذا هو الأصل عند إطلاق في سبيل الله، ولا يمنع هذا لفظ: (في سبيل الله) أن يطلق على الحج وغير ذلك من العبادات؛ لأن إعطاء الفقراء مثلاً هو في سبيل الله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾. إذاً: تخصيص هذا المصرف بقوله: (وفي سبيل الله)، يقتضي تمييزه بنوع خاص، ففي سبيل الله عند إطلاقها تنصرف إلى الجهاد. معنى قوله تعالى: (وَاِبْنِ السَّبِيلِ)): ثم ذكر تعالى الإعانة لأبناء الطريق بقوله: ((وَاِبْنِ السَّبِيلِ))، فيعطى المجتاز في بلد ما يستعين به على بلوغه إلى بلده، يعني: يمكن أن رجلاً مسافراً يكون مليونيراً في بلده، لكنه فقد أمواله وصار في حالة فقر، فهذا ابن سبيل، ويأخذ من الزكاة حتى لو كان غنياً في بلده، ولا يعطى على سبيل الاستدانة، لكن هذا حقه أن يعطى من الزكاة، وابن السبيل: هو الذي انقطعت به السبيل، ولا يملك المال الذي يعود به إلى بلده، فهذا يعطى من مال الزكاة. ((فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ)) (فريضة) ناصبه مقدر، أي: فرض الله ذلك فريضة. ((وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)): (عليم) بأحوال الناس ومراتب استحقاقهم، (حكيم) لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة من الأمور الحسنة التي منها سوق الحقوق إلى مستحقيها.

стр. 1266

علاقة الآية بما قبلها فإن قلت: كيف وقعت هذه الآية في تضعيف ذكر المنافقين ومكايدهم؟ يعني: سياق الآيات السابقة كله في المنافقين: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ [التوبة:٤٩]، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ﴾ [التوبة:٥٨]، إلى آخره، فكيف وقعت هذه الآية: (إنما الصدقات) في سياق تضعيف ذكر المنافقين ومكايدهم؟ ف الجواب أنه دل لكون مصارف الصدقات خاصة بغيرهم، وأنهم ليسوا منهم، فذكر هذا في سياق بيان مكائد المنافقين وأحوالهم، فما قبلها: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا﴾ [التوبة:٥٨ - ٥٩]، ثم قال تعالى: (إنما الصدقات) أي: إن الذين يستحقون الصدقات ليسوا هؤلاء المنافقين الذين يلمزون، وإنما الذي يستحقها هم هؤلاء الأصناف الذين ذكرهم الله ﵎. وإذا كان اللمز موجهاً إلى قسم النبي ﷺ للصدقات، إلا أنه لا ينبغي أن يوجه إلى النبي ﵊ فإنه بريء من ذلك؛ لأن الله هو الذي تولى بنفسه هذا القسم، والرسول إنما هو قاسم والله هو المعطي، كما جاء في الحديث، فعلام اللمز، والنبي ﷺ لم يأخذ منها شيئاً لنفسه؟! فدلت هذه الآية على أنهم ليسوا من المستحقين حسماً لأطماعهم، وإشعاراً لحرمانهم منها، وأنهم بعداء عنها وعن مصارفها، فما لهم وما لها؟ وما سلطهم على التكلم فيها ولمز قاسمها صلوات الله عليه وسلامه؟

стр. 1267

تفسير قوله تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن) قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٦١]. (ومنهم) أي: من الذين يحلفون بالله من يفعل أشد من اللمز في قسم الصدقات؛ لأنهم يؤذون النبي ﵊، ولا شك أن أذية النبي ﷺ من أكبر الكبائر المهلكة، ويكفي في ذلك أن الله قرن أذيته بأذية رسوله وفصلها عن أذية المؤمنين في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [الأحزاب:٥٧]، ثم قال ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ [الأحزاب:٥٨]، ففصل بين أذيته وأذية المؤمنين، وقرن أذية الله بأذية الرسول ﵌. فقال هنا: (ومنهم الذين يؤذون النبي) كيف يؤذونه؟ يقولون: هو أذن، يعني: يسمع كل ما يقال له ويصدقه، يعنون أنه ليس بعيد الغور بل سريع الاغترار بكل ما يسمع! قال أبو السعود: وإنما قالوه؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه كان لا يواجههم بسوء ما صنعوه، ويصفح عنهم حلماً وكرماً، فحملوه على سلامة القلب وقالوا ما قالوا. قال اللغويون: الأذن: الرجل المستمع الذي يصدق كل ما يقال له، وصفوا به الواحد والجمع، يعني يقال: رجل أذن، ورجال أذن، وامرأة أذن، فلا يثنى ولا يجمع، وإنما سموه باسم العضو تهويلاً وتشنيعاً، فهو مجاز مرسل، فأطلق الجزء وأراد الكل، فأطلق الجزء على الكل مبالغة بجعل جملته -لفرط استماعه- آلة السماع، كما سمي الجاسوس عيناً لذلك، ونحو ذلك قول الشاعر: إذا ما بدت ليلى فكلي أعين وإن حدثوا عنها فكلي مسامع وجعله بعضهم من قبيل التشبيه بالأذن، في أنه ليس فيه وراء الاستماع تمييز حق عن باطل، وليس بشيء يعتد به، وقيل: إنه على تقدير مضاف، أذن يعني: ذو أذن، قال الشهاب: وهو مذهب لرونقه. ثم قال ﵎: (قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ)، أنتم تعيبونه ﷺ بوصفه بأنه أذن، نعم هو أذن ولكنه أذن خير لكم، وهذه من إضافة الموصوف إلى الصفة للمبالغة كما تقول: رجل صدق، مبالغة في الجود والصلاح، أو إضافته على معنى فيه: (قل أذن خير لكم) أي: هو أذن في الخير والحق، وفيما يجب سماعه وقبوله، وليس بأذن في غير ذلك، ودل عليه قراءة حمزة. (ورحمة) يعني: أذن خير ورحمة، بالجر عطفاً عليه، أي: هو أذن خير لكم ورحمة، لا يسمع غيرهما ولا يقبله. ثم فسر كونه (أذن خير) بقوله: ((قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ))، قال القاشاني: هو بيان لينه ﷺ وقابليته؛ لأن الإيمان لا يكون إلا مع سلامة القلب، ولطافة النفس ولينها. ((وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ)) أي: يصدق قولهم في الخيرات، ويسمع كلامهم فيها ويقبله. ((وَرَحْمَةٌ)) أي: وهو رحمة للذين آمنوا منكم، يعطف عليهم ويرق لهم، فينجيهم من العذاب بالتزكية والتعليم، ويصلح أمر معاشهم ومعادهم بالبر والصلة، وتعليم الأخلاق من الحلم والشفقة والأمر بالمعروف باتباعهم إياه فيها، ووضع الشرائع الموجبة لنظام أمرهم في الدارين، والتحريض على أبواب البر بالقول والفعل إلى غير ذلك. وقال غير القاشاني: هو رحمة للذين أظهروا الإيمان منكم معشر المنافقين، حيث يقبل منكم الظاهر لا تصديقاً لكم بل رفقاً بكم وترحماً عليكم، ولا يكشف أسراركم، ولا يفضحكم، ولا يفعل بكم ما يفعل بالمشركين، مراعاة لما رأى من الحكمة في الإبقاء عليكم. والمعنى: هو أذن خير يسمع آيات الله ودلائله فيصدقها، ويستمع للمؤمنين فيسلم لهم ما يقولون ويصدقهم، وهو تعريض بأن المنافقين أذن شر يسمعون آيات الله ولا يثقون بها، ويسمعون قول المؤمنين ولا يقبلونه، وأنه ﷺ لا يسمع أقوالهم إلا شفقة عليهم، لا أنه يقبلها لعدم تمييزه كما زعموا. ثم قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ)، بما نقل عنهم من قولهم: هو أذن، (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، بما يجترئون عليه من إيذاء النبي ﵌. ولا شك أن قوله تعالى: (والذين يؤذون رسول الله)، أورد ذكره بعنوان الرسالة مضافاً إلى الاسم الجليل: (والذين يؤذون رسول الله)، ولم يقل: الذين يؤذونه؛ لغاية التعظيم والتنبيه على أن أذيته راجعة إلى جناب الله ، وتوجب كمال السخط والغضب؛ لأنها أذية لله .

стр. 1268

تفسير قول الله: (يحلفون بالله لكم ليرضوكم) قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٦٢]. الخطاب هنا للمسلمين، وكان المنافقون يتكلمون بالمطاعن، أو يتخلفون عن الجهاد ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم، ويؤكدون معاذيرهم بالحلف ليعذروهم ويرضوا عنهم؛ إذ من شأن المنافقين الاستجنان بالأيمان الكاذبة كما قال الله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون:٢]، فيلجئون إلى الحلف ليكون وقاية لهم لحمل المؤمنين على تصديقهم، فقيل لهم: إن كنتم مؤمنين كما تزعمون فأحق من أرضيتم الله ورسوله بالطاعة. ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:٦٣]. (ألم يعلموا) أي: أولئك المنافقون، والاستفهام للتوبيخ على ما أقدموا عليه من المخالفة مع علمهم بسوء عاقبتها، وقرئ بالتاء على الالتفات: (ألم تعلموا)، فيكون الخطاب للمنافقين لزيادة التقريع والتوبيخ، أي: ألم يعلموا بما سمعوا من رسول الله ﷺ من فلول القوارع والإنذارات: (أنه من يحادد الله ورسوله) أي: من يخالف الله ورسوله، يقال: حاددته، أي: خالفته، والمحاددة: كالمجانبة والمعاداة والمخالفة، واشتقاقه من الحد بمعنى الجهة والجانب، كما أن المشاقة من الشق بمعنى جانب؛ فإن كل واحد من المتخالفين والمتعادين في جانب وشق غير ما عليه صاحبه، فمعنى: (يحادد الله) يعني: يصير في حد غير حد أولياء الله، فيخالف أولياء الله، ويخالف شرع الله؛ فيكون هو في حد ويأخذ جانباً مغايراً لجانب أولياء الله الذين هم المؤمنون، ويفترق عنهم ويأخذ حداً وجانباً غير جانبهم. وقيل: (المُحادة) أو (المَحادة) مأخوذة من الحديد، أي: السلاح. (ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ) أي: الذل والهوان الدائم.

стр. 1269

تفسير قوله: (يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة) قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:٦٤] أي: في شأنهم؛ لأن ما نزل في حقهم نازل عليهم، والرسول ﵊ هو الذي ينزل عليه الوحي، كما قال الله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٢]، فالله هو الذي نزل الوحي على النبي ﵌، فمعنى: (أن تنزل عليهم) أي: أن تنزل في شأنهم وحقهم ((سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ))، من الأسرار الخفية فضلاً عما كانوا يظهرونه فيما بينهم من أقاويل الكفر والنفاق. ((يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ))؛ لأن ألفاظهم منها ما يخفونه ومنها ما يظهرونه، فكانوا يظهرون في مجالسهم فيما بينهم كلاماً، ويخشون أيضاً أن ينزل من القرآن في شأنهم ما يفضح سرائرهم وما استكنوه في قلوبهم من الأسرار الخفية. (تنبئهم بما في قلوبهم) مع أنه معلوم لهم، وأن المحذور عندهم اطلاع المؤمنين على إسرارهم، لكن هل المقصود أنه يحدث لديهم علم جديد بما في قلوبهم؟ لا؛ لأنهم يعلمون ما في قلوبهم، لكن المقصود: تكشف فضائحهم وخفايا أسرارهم، ويفتضحون أمام المؤمنين، فهذه الآيات سوف تذيع ما كانوا يخفونه من الأسرار، فتنتشر بين الناس، فيسمعونها من أفواه الرجال مذاعة، فكأنها تخبرهم بها؛ لأن الآية إذا نزلت تنتشر وتشيع في الناس، ويتحدث الناس بها ويتلونها، فكأن الآية في هذه الحالة تخبرهم بما في قلوبهم، وكأنهم يعلمونها من جديد، ومع أنهم يعرفون ما في قلوبهم لكن سوف يأتيهم عن طريق القرآن ما يشيع في الناس، ثم يسمعونها متناقلة على أفواه الرجال. والمراد بالتنبئة: المبالغة في كون السورة مشتملة على أسرارهم، كأنها تعلم من أحوالهم الباطنة ما لا يعلمونه فتنبئهم بها، وكأنهم لا يعلمون، والقرآن سوف ينبئهم بما في قلوبهم، والمقصود بذلك المبالغة في علم الله بما في قلوبهم، وأن تنعي عليهم قبائحهم. وقيل: معنى (يحذر) ليحذر؛ كأن اللام مقدر لام أمر، يعني: ليحذر المنافقون، (أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم). وقيل: الضميران الأولان للمؤمنين، والثالث للمنافقين أي: يحذر المنافقون أن تنزل على المؤمنين سورة تنبئ المؤمنين بما في قلوب المنافقين، فإن قلت: المنافق كافر؛ فكيف يحذر نزول الوحي على الرسول ﷺ ؟ أجيب: بأن القوم وإن كانوا كافرين بدين الرسول ﷺ إلا أنهم شاهدوا أنه ﷺ كان يخبرهم بما يكتمونه، فلهذه التجربة وقع الحذر والخوف في قلوبهم، وليس هذا منهم من باب التصديق بأن الوحي من السماء، وإنما بناءً على التجربة السابقة بأن الرسول ﵇ يخبرهم بما يكتمونه، فخشوا تكرر هذا الذي خبروه وجربوه من النبي ﷺ . وقال الأصم: إنهم كانوا يعرفون كونه رسولاً صادقاً من عند الله، إلا أنهم كفروا به حسداً وعناداً. وتعقبه القاضي: بأنه يبعد في العالم بالله وبرسوله وصحة دينه أن يكون محاداً لهما. لكن الرازي قال: هو غير بعيد أي: لا يبعد أن يكون الإنسان يعرف أن الرسول حق، وأن القرآن حق، وأن الله حق، ومع ذلك يكفر حسداً وعناداً، كما وقع من اليهود وغيرهم؛ لأن الحسد إذا قوي في القلب صار بحيث ينازع في المحسوسات، إذا القلب استقر به مرض الحسد فهذا الحسد يطغى على بصيرته حتى إنه ينازع ويعاند في الأشياء المحسوسة ويكابر! قال أبو مسلم: هذا حذر أظهره المنافقون على وجه الاستهزاء، يعني قوله: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ المقصود: أن هؤلاء المنافقين يظهرون الحذر استهزاءً بالنبي ﵊، ويقولون: انظروا إلى هذا الذي سوف تنزل عليه سورة تنبئنا بما في قلوبنا، وكأن هذا الحذر صدر منهم على سبيل الاستهزاء والتهكم بالنبي ﷺ ، حين رأوا الرسول ﵊ يذكر كل شيء، ويدعي أنه عن طريق الوحي، وكان المنافقون يكذبون بذلك فيما بينهم، فأخبر الله رسوله بذلك، فأمره أن يعلمهم أنه يظهر سرهم الذي حذروا ظهوره، ويؤيد هذا التفسير قوله تعالى: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ يعني: أنتم تظهرون الحذر استهزاءً وتكذيباً، فاستهزئوا بالله وآياته ورسوله، أو: افعلوا الاستهزاء، وهذا الأمر ليس على ظاهره، وإنما هو أمر تهديد، كما في قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت:٤٠]، وكما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، لا كما يزعم المنحرفون الضالون المفترون على الله، والقائلون على كتابه بغير علم: أن الإسلام يقدس حرية الرأي، حتى إن القرآن قال: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، وساقوا الآية على أنها تبيح الكفر! وهذا إلحاد في آيات الله، فهل يتصور أن القرآن يبح الكفر؟! هل هذا أمر على سبيل الإباحة؟! هذا تهديد، فكذلك هنا: (قل استهزئوا) تهديد. (إن الله مخرج ما تحذرون) أي: مظهر بالوحي ما تحذرون خروجه من إنزال السورة، ومن مكايدكم ومخازيكم المستكنة في قلوبكم الفاضحة لكم، كقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٢٩ - ٣٠]، ولهذا قال قتادة: كانت تسمى هذه السورة الفاضحة، أي: فاضحة المنافقين.

стр. 1270

تفسير قوله تعالى: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب) قال ﵎: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥]. ولئن سألتهم عن إتيانهم بتلك القبائح المتضمنة للاستهزاء بما ذكر، (ليقولن): وهم في حالة الاعتذار: إنه لم يكن عن القلب حتى يكون نفاقاً وكفراً، بل هذا الكلام كنا نقوله بألسنتنا فقط، وكنا نخوض ونلعب، وليس له واقع حقيقي في قلوبنا، وأننا فعلاً فينا نفاق وكفر، بل (إنما كنا نخوض) ندخل هذا الكلام للترويح عن أنفسنا ونلعب. (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون) يعني: في ترويحكم ومزاحكم لم تجدوا كلاماً آخر غير كلام الله ! ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة:٦٦]. (لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) يعني: لا تشتغلوا باعتذاراتكم الكاذبة، فالنهي عن الاشتغال به وإدانته أصله واقع. (لا تعتذروا) يعني: لا تتمادوا في الاعتذار؛ لأن أصل الاعتذار وقع من قبل؛ لأنهم قالوا: (إنما كنا نخوض ونلعب)، وهذا اعتذار، فقوله تعالى: (لا تعتذروا) يعني: لا تتمادوا في الاعتذار، وتوقفوا ولا تشتغلوا بالاعتذار الكاذب، والنهي هو عن الاشتغال بالاعتذار وإدامته؛ لأن أصل الاعتذار وقع بالفعل. (قد كفرتم) أي: قد أظهرتم الكفر بإيذاء الرسول ﷺ والطعن فيه، واستهزائكم بمقالكم، (بعد إيمانكم) أي: بعد إظهاركم الإيمان، انتبهوا فإن إيمانكم ليس على حقيقته، يعني: هم لم يقعوا في حالة ردة هنا فقط، فهم منافقون، لكن قوله: (إيمانكم) باعتبار أنهم كانوا يظهرون الإيمان، فمعنى (لا تعتذروا قد كفرتم) يعني: قد أظهرتم الكفر، (بعد إيمانكم) الذي كنتم تظهرونه. (لا تعتذروا): لا تتمادوا وتشتغلوا بالاعتذار، ومواصلة الاعتذار، لماذا نفسرها بالمواصلة؟ لأن أصل الاعتذار وقع بقولهم: (إنما كنا نخوض ونلعب). (قد كفرتم)، قد أظهرتم الكفر؛ لأنهم بالفعل كانوا كافرين في الباطن، (بعد إيمانكم)، بعد إيمانكم الذي كنتم تظهرونه.

стр. 1271

كفر المستهزئ بآيات الله هذه الآية دليل واضح جداً على كفر المستهزئ بآيات الله ، والحقيقة أن هذا الاستهزاء له صور شتى خاصة في هذا الزمان، وأقبح أنواع الاستهزاء: حينما يصدر من مسلم أو من طالب علم، مثل استعمال آيات الله بصورة ليس فيها توقيف بل فيها شبه بهؤلاء المنافقين، ومن أمثلة ذلك: ما يفعله الفاسق المجرم حلاق السيدات حينما يعلق على المحل في الخارج قول الله: ﴿وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الحجر:١٦]، فهذا استهزاء بآيات الله ، فقد حرم الله التبرج وأمر النساء بإخفاء الزينة، وأنت تعاند الله ، وتفتح محلاً لفعل هذه الجرائم من تزيين النساء، ثم تستدل على ذلك بآيات أنزلت في الكواكب، أي استهزاء أكثر من هذا؟! أو خياط يعلق قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء:١٢]، فهذا من سوء الأدب مع القرآن الكريم وآياته، فيجب تغييرهم لمثل هذه المنكرات، فهذا كفر! وبعض الناس يجلسون فيأكلون في حفل أو شيء من هذا، فيقول أحدهم: من يحكي لنا قصة سيدنا يوسف؟ ويقصد بذلك أن يشغلهم عن الأكل، فكيف تستعمل قصص القرآن في هذا العبث وهذا اللعب؟ فالصور في الحقيقة موجودة وكثيرة، وليعلم الجميع أن الاستهزاء والتنطع ليس مما يعذر فيه بالجهل، لماذا؟ لأنه لا يجهل أحد وجوب تعظيم الله، ولا وجوب تعظيم الأنبياء والملائكة والقرآن الكريم وغير ذلك، لولا لطف الله وحلمه لخسف بنا؛ عندما يأتي شخص مثل هذا المخلوق الوقح الذي يدعى نصر أبو زيد ويكتب كتاباً فيه سب لله، وسب للرسول ﵊، وطعن في القرآن الكريم، وتكذيب بآيات الله، وهو غاية في الإلحاد، ثم بعد ذلك نجد إخوانه من الملاحدة والمنافقين الذين نعرفهم في لحن القول من العلمانيين، أعداء الدين وأعداء الله ورسوله، يقولون: أين حرية الرأي؟ أين حرية العقيدة؟ ويدندنون حول الطعن في شرع الله بهذه الطريقة للدفاع عن أمثال هؤلاء الخائنين، ويكونون خصماء لهذا الخائن وهذا الزنديق المجرم، رجل يطعن في القرآن، ثم يدافع عنه! إذاً: ما الفرق بينه وبين سلمان رشدي؟! ما الفرق بين كتاب هذا الكافر سلمان رشدي: (آيات شيطانية)، وبين هذا الذي يسمي كتابه بحثاً؟! ما الأمر إلا أن بعض المغمورين يريد الشهرة، حتى ولو على طريقة إبليس، يشتهر بجرائم إبليس، وبالطعن في شرائع الله وفي الوحي! فنقول لهم: ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة:٥٢]، فلولا لطف الله بنا لاندكت هذه الأرض من تحت أقدامنا، أيسب دين الله ويطعن في القرآن ثم يسمى هذا حرية فكر؟! هم لا يقولون: حرية فكر، هم يريدون حرية الكفر، وحرية الطعن في دين الله ، فما أحلم الله عن عباده! إذاً: هذا موضوع من الموضوعات التي تثور بين وقت وآخر، ويثيرها أعداء الله من اليهود والنصارى والغربيين للطعن في الإسلام، وهم لا يجرءون أحياناً على الطعن الصريح، لكن دائماً يحاولون أن يرسخوا في عقول الناس الخوف من تطبيق الشريعة الإسلامية، كما هو حاصل من حركة طالبان، الظاهر من أفعالهم أنها متوافقة مع الشرع في كثير من الأشياء، وظهرت الآن صيحة يريدون بها الطعن في الإسلام لكن بطريقة خفية، وذلك بإبراز أن الإسلام يظلم المرأة، وأمريكا منذ متى تعرف شيئاً اسمه حقوق الإنسان؟! أمريكا التي تستذل الأمم، وتسخر الشعوب، وتقهرها بقانون الغاب وبشريعة الغاب، ولا تتذكر ما تسميه بحقوق الإنسان إلا عندما تهدد مصالحها، أو لاستذلال الأمم. أين كانت حقوق الإنسان في البوسنة والهرسك؟ أين هم من المذابح الرهيبة التي لم يشهد التاريخ لها مثيل؟ أين حقوق الإنسان في العراق وفي غير ذلك من بقاع المسلمين؟ وكأننا لسنا من بني الإنسان، بل نحن طائفة أخرى من البشر، ومع ذلك يتشدقون -بهذا الشعار فقط- لتحقيق مآربهم ومصالحهم، الآن هم أشد الناس غيرة على حقوق المرأة التي يظلمها الأفغان كما يزعمون بما يشيعونه من إشاعات كاذبة، ورغم ما صدر من تصريح رسمي بتكذيب هذه الإشاعات، لكنهم مصرون على تناقلها في وكالات الأنباء، مصرون أنهم سوف يمنعون تعلم الفتيات، وسوف يمنعون المرأة من العمل، ثم يخفون الحقائق، ورغم ما صدر من تصحيح لهذه المعلومات، وأنها إشاعات كاذبة، لكن الذي نتوقعه فعلاً -وإن لم توجد الآن وسيلة صحيحة لمعرفة المعلومات- أنهم يضعون ضوابط لهذه الأشياء، من قال: إن المرأة تحرم من التعليم؟! هناك ضوابط مثل عدم وجود اختلاط، فلابد من وضع ضوابط للمجتمع. وحتى النساء الموجودات في وظائف غير مناسبة لهن من اختلاط بالرجال، أو فيها عمل محرم، تعاهدت حكومة طالبان بأنها ستصرف مرتبات لجميع النساء اللاتي سوف يقعدن عن العمل، بسبب عدم توافق عملهن مع الشرع! ومع ذلك لا يلتفتون لذكر هذه التوضيحات، وإنما اليوم أمريكا تقول: نحن لن نعترف بحكومة طالبان، حتى ننظر موقفهم من حقوق النساء، وهكذا كل بلد يفصلون لها على قدرها. موضوع الختان الذي يثور الكلام فيه بمناسبة أو بدون مناسبة، كلها ثغرات يخرج منها الملاحدة، كما يقول تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠]، هم يريدون أن يهتكوا ستر الهيبة لعلماء الإسلام، وهيبة نقد أحكام الشريعة، فباسم حقوق الإنسان، وباسم ظلم النساء يتكلمون في موضوع الختان والجرائم التي يذكرونها، مع أن الإسلام يحاربها أشد مما يحاربونها هم، لأن الختان الفرعوني المشهور والمعروف في السودان هو بلا شك جريمة وحشية، ولو كان هناك حكم إسلامي شرعي قائم لعزر الذين يمارسون هذا النوع من الختان بلا شك، وهذه قواعد بدهية. لماذا بعض الشيوخ يركبون الموجة مع أعداء الدين، ويأتي أحدهم ويقول: أنا خبير في الحديث، وأنا من أعلم الناس بالحديث، أتحداكم أن تأتوني بحديث في هذه المسألة! وهل أنت أول رجل في الأمة يعرف الحديث؟ احترم الحديث وأطلق لحيتك، هذا الذي يزعم أنه غيور على سنة الرسول ﵊، أما سمعت بأحاديث تأمر بإعفاء اللحية، الآن فقط تدندن وتغني في الزفة مع هؤلاء المنافقين والملاحدة! إن الأشياء التي يحاربها الإسلام يحاربها بأقوى مما يحاربونها هم، مثلاً التلوث في بعض العمليات الصغيرة، هذا خطأ تطبيقي يحصل في أي عملية جراحية من جاهل لا يعرف قواعد التعقيم والجراحة، حتى لو كان جرحاً بسيطاً جداً فسيلوثه ويؤذي المريض، فالإجراءات الوقائية في أي عملية جراحية موجودة في الشريعة، كذلك أخصائية أمراض النساء هي التي تحدد، هل هذه الفتاة تختن أم لا؟ لأنه أحياناً لا تختن، وأحياناً الطب نفسه -كما في المراجع الطبية- يحتم عملية الختان في بعض الأحوال، وإن كانت نادرة. الشاهد: حتى من الناحية الشرعية هم يتكلمون على قضية بعيدة تماماً عن الواقع، لكنها فرصة لكل من في قلبه غل وحقد على الإسلام أن ينفث ويفرز هذه السموم، كما قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠]، الأربعة عشر قرناً الماضية والمرأة تهزم، وهم الآن يريدون أن يحرروها؟ هم في الحقيقية لا يريدون تحرير المرأة، هم يخافون من مجتمع مثل مجتمع أفغانستان لو عاد إلى الشريعة الإسلامية، النساء حصل لهن صيانة داخل البيوت، ومع توفير التعليم بلا شك بوسائل متوافقة مع الشرع لا اختلاط فيها، ولا فحش ولا تبرج، فإذا كان المجتمع سيصير مجتمعاً نظيفاً، فبالتالي ستبور تجارة اليهود، ولن يستطيعوا استذلال مثل هذه الأمة بالشهوات؛ لأن معنى ذلك انتشار العفة، وضياع أقوى سلاح يستعملونه في تدمير المجتمعات الإسلامية وهو سلاح الشهوات، وستفوت عليهم أعلى وأهم مقاصدهم، فهذا هو السبب في الانزعاج، ليس خوفاً على المرأة، ولكن خوفاً من فوات المتاجرة بالمرأة، وستبور تجارتهم، ولن يسهل استذلال الشباب ولا استعبادهم كما يحصل الآن في مجتمعنا عن طريق هذه الأطباق، وعن طريق الفيديو والتلفزيون. هذا الفساد إذلال للشعوب، وما مؤتمر السكان عنا ببعيد، فقد كانت مقاصدهم مفضوحة تماماً، وأنهم يريدون إشاعة الفواحش بكل أنواعها بلا استثناء؛ من أجل أن يستعبد الشباب بالشهوات، ولا ينصرفوا إلى بناء الأسرة، حتى أنهم وضعوا تعريفاً جديداً للأسرة: أن الأسرة قد تتكون من رجل ورجل، أو امرأة وامرأة، والأصل ألا يتدخل في شئون خصائص المرأة، لماذا؟ تسهيلاً للفواحش والفتن بين الناس. فالشاهد: أن الطعن في الدين واللمز في أحكام الشريعة أحياناً يأتي بصورة ظاهرة، كما في حالة هذا الخبيث نصر أبو زيد خذله الله ، وجعله آية وعبرة لمن يعتبر؛ لأنه في بلاد الكفار حيث أسياده يرحبون به، ونحن نشكر للقاضي الذي اتخذ منه هذا الموقف الرائع، وهذا يدل أنه ما زال يوجد في الأمة خير، فهذا القاضي حكم بردته -والآن ينبغي أن تطلق منه امرأته-، ولا شك أن هذا موقف حميد منه، فنسأل الله أن يجزيه عن دينه خيراً. وقد يقتصر الطعن بتغليفه في صورة الدفاع عن المرأة، وأن الإسلام هو الذي ظلم المرأة! وهل حرر المرأة أحد إلا الإسلام؟ هؤلاء الجهلة في أوروبا إلى عهد قريب جداً مائة سنة أو أقل كان القانون الإنجليزي يبيح للرجل أن يبيع زوجته، وقدر لها سعر، وهذا كلام موجود وموثق عنهم في القرن السابع، وفي عهد الرسول ﵇ عقدوا مجمعاً يناقشون فيه هل المرأة إنسان لها روح أم ليس لها روح؟ المرأة الآن في الغرب تعيش عصر استعباد وذل وهوان، المرأة الأوروبية والأمريكية غاية أحلامها أن تظفر بشاب مسلم يتزوجها، هذه أمنية عندهم، والإخوة الذين خرجوا في الخارج يعرفون هذا؛ لأنها تعرف التكريم الحقيقي، التكريم لها بنتاً، وزوجة، وأماً، وأختاً، بل ما هذا الذي يتكلمون عنه إلا من باب التشويش على الإسلام عن طريق الأبواق الناعقة التي نسأل الله تعالى أن يحفظ عقول أبناء المسلمين منها! قوله ﵎ هنا: ((لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِ

стр. 1272

تفسير قول الله: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض) قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٦٧]. قوله: ((المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض)) أي: متشابهون في النفاق، والبعد عن الإيمان كتشابه أبعاض الشيء الواحد، والمراد: الاتحاد في الحقيقة والصفة، (فمن): اتصالية بعضهم من بعض. قال الزمخشري: أريد به نفي أن يكونوا من المؤمنين، (بعضهم من بعض)، يعني: ليسوا من الإيمان ولا من المؤمنين في شيء، والمراد أيضاً تكذيبهم في قولهم: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ [التوبة:٥٦]، فالله يقول هنا: ليسوا منكم، إنما (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض)، وهذا تقرير أيضاً لقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ [التوبة:٥٦]، ثم وصفهم بما يدل على مضادة حالهم لحال المؤمنين بقوله: (يأمرون بالمنكر) والمؤمنون يأمرون بالمعروف، والمنكر: كالكفر والمعاصي، وينهون عن المعروف: كالإيمان والطاعات (ويقبضون أيديهم) بخلاً بالمال والصدقات والإنفاق في سبيل الله، فإن قبض اليد كناية عن الشح والبخل، كما أن بسطها كناية عن الجود؛ لأن من يعطي ويمد يده بخلاف من يمنع. (نسوا الله فنسيهم) أي: أغفلوا ذكره وطاعته فتركهم من رحمته وفضله، ولم يوفقهم إلى التوبة، لأن النسيان بمعنى الترك، ومعاذ الله أن يظن النسيان في حق الله ، لكن نسيهم يعني: تركهم، فمعنى: (نسوا الله) يعني: فهم لا يذكرونه ولا يطيعونه؛ لأن الذكر له مستلزم لإطاعته، فجعل النسيان مجازاً عن الترك، وهو كناية عن ترك الطاعة، ونسيان الله منع لطفه وفضله عنهم. (إن المنافقين هم الفاسقون). والنسيان هنا لا يفسر بعدم الذكر، (نسوا الله) بمعنى: لم يذكروا الله ولم يطيعوه؛ لأن النسيان البشري لا يؤاخذ عليه، كما قال الله: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، لكن هنا يؤاخذ عليه؛ لأنه ورد في سياق ذمهم، وذكر أسباب هذا الذم، كما قال الله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩] يعني: غفلوا عن ذكره وأعرضوا عن طاعته . كما أن من أشد العقوبات التي يعاقب الله بها عبداً من عباده: أن ينسيه نفسه، أو أن ينساه الله، بمعنى: أنه يخذله ولا يوفقه إلى التوبة، فيتمادى في المعاصي، والكفر، ومحاربة الإسلام وهو في غاية السعادة، وهو فرح فخور بهذا! فهذه من أكبر العقوبات؛ لأن خطورتها تكمن في أنها عقوبة خفية؛ لأن العقوبات تتنوع، فمن العقوبات ما يكون ظاهراً، فالإنسان بعد أن يرتكب ذنباً معيناً يعاقب عليه فوراً، فمن رحمة الله به أنه يفيق ويعود إلى إصلاح حاله مع الله ، لكن أقبح العقوبات ما خفي ودق بحيث لا يحس صاحب الذنب أنه يعاقب، ويكون في غاية السعادة والفرح، ويقول: أنا أعيش حياتي بالطول وبالعرض، وهذه في حد ذاتها عقوبة من الله، حيث إن الله خذله، كان الرسول يقول في الدعاء: (ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً)؛ لأن الله إذا وكل الإنسان إلى نفسه طرفة عين فسدت عليه كل حياته، وإذا رفع الله عنه عنايته يخذله ويضيع، فهذا يكله الله لنفسه ولا يتولاه ولا يرعاه ولا يوفقه، بل يخذله ويثبطه ويلقي الغفلة على قلبه، وبالتالي إذا كان سعيداً وفرحاً ومشغولاً عن التوبة، فكيف سيتوب؟! ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [فاطر:٨]، وهذا حال الكفار ومن نهج منهجهم وسار على طريقتهم. ((نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ))، فهو يظن أنه ملك الأرض ومن عليها، ويغتر ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد:١٤]، وسعيد جداً بأنه متسلط على رقاب الناس؛ وأنه مجتهد في محاربة دين الله ، فهذا المسكين لا يدري أنه معاقب، كما قال الله : ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران:١٧٨]، فهذه عقوبة، فإذا كان الرسول ﵇ قال: (خيركم من طال عمره وحسن عمله)، فمفهومها: أن شركم من طال عمره وساء عمله، فإذاً طول العمر هنا يكون نقمة؛ لأنه بطول العمر يزداد في المعاصي، والخيرية هي لمن طال عمره لكن مع حسن عمله، فإذا كان طول العمر مما يجني على الإنسان المزيد من المعاصي، والإفراط، والمحاربة لدين الله، والصد عن سبيله، فهذا شؤم عليه، فإذاً هذا هو الاستدراج: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم:٤٤ - ٤٥]، وقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة:٥٢]، الدنيا ليست النهاية، بل هي عبارة عن مرحلة، ثم يرجع كل إلى الله ويؤاخذ بما كسب وبما فعل، فينبغي استحضار هذا الأمر كما بين النبي ﵌ ذلك في قوله: (إذا رأيت الله يعطي العبد على معاصيه وهو مقيم على المعاصي؛ فاعلم أنه استدراج، ثم تلا قوله تعالى: ((حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ)) [الأنعام:٤٤]). فإذاً: لا تنسى حكمة الله ، وإذا رأيت شخصاً بهذه الحالة استحضر أن هذه هي عين العقوبة من الله، فمن رأيته يفرح ويفخر لأنه يحارب الإسلام بكل صدق وإخلاص، ويريد أن يطفئ نور الله، ويستأصل شأفة الإسلام، ويصد عن سبيل الله ، ويخرب المساجد التي أمر الله بتعميرها، ويفرح بذلك؛ فنبشر هؤلاء بقوله تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم:٤٥]. فقوله هنا: (نسوا الله فنسيهم) يعني: نسوا الله فلم يذكروه ولم يطيعوه، فنسيهم الله بأن منعهم لطفه وفضله وخذلهم، ولم يوفقهم إلى الإيمان. (إن المنافقين هم الفاسقون) أي: الكاملون في الفسق، الذي هو التمرد في الكفر، والانسلاخ عن كل خير، وكفى المسلم زاجراً أن يلم بما يكسبه هذا الاسم الفاحش الذي وصف الله به المنافقين حين بالغ في ذمهم، وإذا كره رسول الله ﷺ للمسلم أن يقول: كسلت؛ لأن المنافقين وصفوا بالكسل بقوله: ﴿كُسَالَى﴾ [التوبة:٥٤]؛ فالفسق أشد من وصف الكسل.

стр. 1273

تفسير قوله تعالى: (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم) قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ [التوبة:٦٨] يعني: يكفيهم النار عقاباً وجزاءً، ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة:٦٨]، لا ينقطع، وأوصي نفسي وإياكم بالتأمل كثيراً إذا ذكرت كلمة: الخلود في القرآن الكريم، ولو أعمل الفكر فيها فسوف تتغير كثير من أولوياتك في الحياة، وقيمك ونظرتك للأشياء وإلى الناس وإلى كل شيء، الخلود يعني: العذاب الدائم في جهنم، وليس موازياً حتى لعمر الدنيا كلها من حين خلقت إلى أن تقوم الساعة، وهذا عذاب من أشد العذاب كما تعرفون من النصوص، وفي نفس الوقت لا أمل على الإطلاق في الموت، كل أمل هؤلاء الكفار أن يموتوا: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر:٣٦]، تأملوا كلمة خلود، وأعملوا عقولكم فيها كثيراً، فحينئذ تعطي الدنيا حجمها؛ لأن الإنسان لو عاش طول عمره يعاني من البلاء والمصائب، ويصبر على ذلك ابتغاء وجه الله ، ففي النهاية كما قال النبي ﵇: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)، سجن ينطلق فيه لحظة الإفراج ولحظة خروج روحه إلى السعادة الأبدية، لكنها جنة الكافر، فإذا خرج منها لاقته الأغلال والأصفاد في نار جهنم خالدين فيها، وكما قال تعالى هنا: (ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم) أي: لا ينقطع.

стр. 1274

تفسير قوله تعالى: (كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة) قوله تعالى: ((كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)) يعني: أنتم مثل الذين من قبلكم، أو أنتم فعلتم مثل ما فعل الذين من قبلكم ممن أنعم الله عليهم النعم ثم بعد ذلك عذبوا، والالتفات من الغيبة إلى الخطاب للتهديد: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾ [التوبة:٦٩]، في أنفسهم، ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا﴾ [التوبة:٦٩] أي: تفيدهم الأموال مزيد قوة ومنافع جمة. ﴿وَأَوْلادًا﴾ [التوبة:٦٩] أي: تفيدهم مزيد قوة لا تحصل بالمال ومنافع أخر، ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ [التوبة:٦٩] أي: انتفعوا بنصيبهم، ثم أعطاكم -أيها المنافقون- أقل مما أعطاهم ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة:٦٩] أي: دخلتم في الباطل كالخوض الذي خاضوه. ﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [التوبة:٦٩] أي: لم يستحقوا عليها ثواباً في الدارين، أما في الآخرة فظاهر، وأما في الدنيا فما لهم من الذل والهوان وغير ذلك. ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [التوبة:٦٩]، الذين خسروا الدارين. يقول النبي ﵌: (والذي نفسي بيده! لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، وباعاً بباع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! أهل الكتاب؟ قال: فمن؟!)، وفي رواية قال أبو هريرة: (اقرءوا إن شئتم: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [التوبة:٦٩]) إلى آخر هذه الآية الكريمة، وقال أبو هريرة: الخلاق: الدين. قالوا: (يا رسول الله! كما صنعت فارس والروم؟ قال: فهل الناس إلا هم؟!).

стр. 1275

تفسير قوله تعالى: (ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم) ثم وعظ تعالى المنافقين فقال: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [التوبة:٧٠] (ألم يأتهم) بطريق التواتر، وبالخبر المتواتر، حديث (الذين من قبلهم)، وهو إهلاكهم بعد تنعيمهم، لكفرهم بنعم الله عليهم، فأهلكهم الله بسبب الكفر. قوم نوح أنعم الله عليهم بنعم منها: تطويل أعمارهم، ثم أهلكوا بالطوفان. وعاد قوم هود ﵇ أنعم الله عليهم بنعم منها مزيد قوتهم، ثم أهلكوا بالريح. وثمود قوم صالح أنعم الله عليهم بنعم منها القصور، ثم أهلكوا بالرجفة. وقوم إبراهيم أهلكوا بالهدم. قال المهايمي: أنعم عليهم بنعم منها عظم الملك، ثم أهلك -أي: قوم إبراهيم ﵇ ملكهم نمرود بالبعوض الداخل في أنفه. وأصحاب مدين قوم شعيب أنعم الله عليهم بنعم منها التجارة، ثم أهلكهم بإفاضة النار عليهم. والمؤتفكات وهي: قرى قوم لوط، انكفأت بهم، أي: انقلبت فصار عاليها سافلها وأمطروا حجارة من سجين، كما قلبوا نظام الفطرة. ثم قال تعالى: ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ﴾ [التوبة:٧٠]، الإنسان حينما يتذكر مصائر هؤلاء الكفار الذين بدلوا نعم الله كفراً، فإن العبر لا تنقطع، نحن لو استعرضنا التاريخ كله لرأينا فعلاً أيام الله في الظالمين والجبابرة الذين كانوا أشد قوة من الحاليين، والإنسان لو حاول أن يحصد ذلك لوجد عبراً شتى، ومن هؤلاء الجبابرة الملك فاروق، وعبد الناصر، وشوشتكوا، ولنا الآن آية من آيات الله في هذا الملحد يلسن الذي يرقد الآن لا حس ولا حركة، نسأل الله أن يعجل بإهلاكه، فبعدما فعل المذابح للمسلمين في الشيشان وفي غيرها من الجمهوريات الإسلامية، وحارب دين الله في أفغانستان من قبل، انظر كيف أذله الله ! ها هو الآن هذا الطاغوت الحقير يرقد الآن بلا فائدة منه، ولا يستطيع أن يمارس أي شيء سوى الكلام بين وقت وآخر! وريجن الذي كان في قمة غروره، ابتلاه الله بالمرض المعروف بالزهيمر، وفقد الذاكرة تماماً! هذه من آيات الله، وهذا الجبار الذي كان يمتلئ غروراً، لما عوتب في حملته على لبنان في وقت من الأوقات قال: لا تنسوا أننا ما زلنا صليبيين! فها هو الآن ما زال حياً، لكن نسأل الله العافية من مثل هذه الحياة. هذا فعل الله في هؤلاء الطواغيت، يذلهم بعد أن عتوا في الأرض عتواً كبيراً، فعلى مستوى الأفراد، وعلى مستوى الأمم؛ يبدل الله من حال إلى حال، ودوام الحال من المحال. يقول تعالى: ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ﴾، هذا استئناف لبيان نبئهم، أي: جاءتهم بالآيات الدالة على رسالتهم ((فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ)) أي: بإهلاكه إياهم؛ لأنه أقام عليهم الحجة بإرسال الرسل وإزاحة العلل، فالفاء هنا للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام ويستدعيه النظام، يعني: أتتهم رسلهم بالبينات فكذبوهم، فأهلكهم الله تعالى، فما ظلمهم بذلك، ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [التوبة:٧٠] يعني: بالكفر والتكذيب، وترك شكره تعالى، وصرفهم نعمه إلى غير ما أعطاهم إياها لأجله؛ فاستحقوا ذلك العذاب.

стр. 1276

تفسير قوله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم من بعض) قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٧١]. هذا في مقابلة قوله في المنافقين: ((الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ))، قال هنا في المؤمنين: ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ))، فيقيمون الصلاة في مقابلة: ((نَسُوا اللَّهَ))؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤]، فالصلاة من أشرف ذكر الله ، فهم لا يزالون مستمرين في ذكر الله ، فهذا في مقابلة قوله: (نسوا الله) في ذكر صفات المنافقين. (ويؤتون الزكاة) في مقابلة قوله في المنافقين: (ويقبضون أيديهم). (ويطيعون الله ورسوله) أي: في كل أمر ونهي، وهو في مقابلة المنافقين؛ لكمال صدقهم وعدم خروجهم عن الطاعة. (أُوْلَئِكَ) أي: هؤلاء المؤمنون المتصفون بتلك الصفات (سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

стр. 1277

تفسير قوله تعالى: (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار) قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة:٧٢] أي: من تحت شجرها ومساكنها أنهار الخمر والماء والعسل واللبن. ((خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً)) أي: منازل حسنة تستطيبها النفوس، أو يطيب فيها العيش. ((فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ)) (عدن): يعني إقامة وثبات، ويقال: عدن علم لموضع معين في الجنة لآثار فيه. ولما كان (ومساكن) معطوف على جنات اختلفوا: هل العطف هنا يقتضي تغاير الذات أم أن الذات واحدة والصفات متغايرة؟ القول الأول: أن المتعاطفين إما أن يتغايرا للذات، يعني: معناها أن المؤمنين وعدوا بشيئين: الشيء الأول: جنات بمعنى البساتين. الشيء الثاني: (وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ)، فهذا غير هذا، والجنات هي البساتين، والمساكن الطيبة: مساكن في الجنة، فلكل أحد بساتين ومساكن. أو الجنات المقصود بها: غير عدن، وهي لعامة المؤمنين، يعني: جنات تجري من تحتها الأنهار هذه لعامة المؤمنين، ومساكن طيبة في جنات عدن هذه جنات خاصة بطبقة من المؤمنين، وعدن للنبيين. إذاً: الجنات للمؤمنين عموماً، وعدن خاصة بالنبيين والشهداء والصديقين، هذا على القول بأن الجنات متغايرة من حيث الذات. والاحتمال الآخر: أن يتحدا ذاتاً ويتغايرا صفة، فينزل التغير الثاني منزلة الأول ويعطف عليه، فكل منهما عام ولكن الأول باعتبار اشتماله على الأنهار والبساتين، يعني: جنات تجري من تحتها الأنهار، ونفس هذه الجنات فيها بجانب البساتين مساكن طيبة، باعتبار الدور والمنازل. يقول القاضي: فكأنه وصف الموعود أولاً بأنه من جنس ما هو أبهى الأماكن التي يعرفونها -التي هي الجنات الخضراء البساتين- لتميل إليه طباعهم أول ما يقرع أسماعهم، ثم وصفه بأنه محفوف بطيب العيش، معرى من شوائب الكدورات التي لا تخلو عن شيء منها أماكن الدنيا ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ [الزخرف:٧١]، ثم وصفه بأنه دار إقامة وثبات في جوار العليين. (في جنات عدن): دار إقامة، يعني هذا النعيم كله مع الإقامة وعدم التحول، كالاستقرار فيها والخلود لا يعتريهم فيها فناء ولا تغير. ثم وعدهم بما هو أكبر من ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ يعني: أكبر من كل هذا النعيم؛ ولأن النعيم الروحي الذي يفوز به أهل الجنة أعظم بكثير بلا شك من النعيم الحسي الذي يستمتعون به قال: (ورضوان من الله أكبر)، أي: من كل ما مضى. وأيضاً كذلك رؤية الله إذا كشفت لهم الحجب، فيرون الله ، ويتلاهون وينشغلون عن كل ما عدا ذلك من النعيم في الجنة، فهذا فيه رد على ما يشغب به الملاحدة من المستشرقين أو اليهود والنصارى حينما يطعنون في الإسلام بأنه يغري المؤمنين بالمتاع الحسي، وهذا من ظلمة عقولهم وفساد قلوبهم؛ لأن الإنسان جسد وروح، وليس جسداً أو روحاً فقط، الإنسان عبارة عن جسد وروح، والحياة في هذه الدنيا متعلقة بالجسد والروح، ثم حياة القبر متعلقة بالروح أكثر من الجسد، ثم حينما ترد الأرواح إلى أجسادها في الآخرة، ينعم الروح وينعم أيضاً الجسد، فالنعيم الحسي للجسد والنعيم الروحي للروح، ونعيم الروح أفضل وأكمل. أما هم فغاية ما عندهم في اليوم الآخر أن يقول لك: فلان دخل الملكوت، ما هذا الملكوت؟ وما صفاته؟ وما تفاصيل هذا النعيم؟ هذا مما لا خبر لديهم به، بل يعيبون المسلمين ويعيبون القرآن الكريم لذكر النعيم الحسي، وهذا من ظلمة قلوبهم كما ذكرنا. (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ)؛ لأن على هذا الرضوان يدور فوز كل خير وسعادة، وبه يناط نيل كل شرف وسيادة، ولعل عدم نظمه في سلك الوعد مع عزته في نفسه؛ لأنه متحقق في ضمن كل موعود؛ ولأنه مستمر في الدارين. قد يرد السؤال كيف أن رضوان الله أكبر من هذا النعيم في الجنة، ومع ذلك لم ينظم هنا في سلك وعده تعالى: ((وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ))، ثم استأنف فقال: (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ)، ولم يقل: ورضواناً، فلم يدخل في الوعد الرضوان، وإنما هذه فصلت عما قبلها، (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ)، يعني: ولهم رضوان من الله أكبر؟ ف الجواب لأن هذا الرضوان متحقق في ظل كل موعود؛ لأن دخولهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ودخولهم مساكن طيبة في جنات عدن خالدين فيها، كل هذا يستلزم رضا الله عنهم؛ لأنه لو لم يرض عنهم لما أسكنهم هذه الجنات، فالرضوان متحقق في كلا الوعدين السابقين. ثم رضوان الله هل يوجد فقط في الآخرة أم أنه مستمر في الدارين؟ إن الله يرضى عن عباده المؤمنين في الدنيا ويرضى عنهم في الآخرة، فمن ثم لم ينظم الرضوان في سلك الوعد الذي صدرت به الآية الكريمة. وإيثار رضوان الله على ما ذكر بقوله: (ورضوان من الله أكبر) إشارة إلى إفادة أن قدراً يسيراً منه خير من ذلك، انظر إلى التنكير: (رضوان من الله) يعني: لو أن الإنسان حظي بقدر قليل من رضوان الله؛ لكان هذا القدر أعظم من الجنات، وأعظم من المساكن الطيبة في جنات عدن، وهذا فيه إشارة إلى عظم رضوان الله . وقد روى الإمام مالك والشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير بين يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب! وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب! وأي شيء أفضل من ذلك؟! فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً). اللهم اجعلنا منهم! وروى المحاملي والبزار عن جابر رفعه: (إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله : هل تشتهون شيئاً فأزيدكم؟ قالوا: يا ربنا! ما هو خير مما أعطيتنا؟! قال: رضواني أكبر، ذلك هو الفوز العظيم) أي: لا ما يعده الناس فوزاً من حظوظ الدنيا، فالفوز العظيم هو الفوز بالآخرة، وليس ما يعده أهل الدنيا من الفوز بالمال أو بالجاه أو بأعراض الدنيا.

стр. 1278

تفسير سورة التوبة [٧٣ - ٨٠]

стр. 1279

تفسير قول الله تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين) قال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة:٧٣]. (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين)، قيل: مجاهدة المنافقين بالحجة لا بالسيف، يعني: جاهد الكفار بالسيف، وجاهد المنافقين بالحجة، مع أن ظاهر الآية يقتضي مقاتلتهم جميعاً بالسيف، مع أن المنافقين غير مظهرين للكفر، ونحن مأمورون بالظاهر، فبما أنهم لا يظهرون الكفر وإن كانوا كفاراً في الحقيقة، بل شر من الكفار؛ لأنهم في الدرك الأسفل من النار، ولكن مع أنهم يظهرون الإسلام فقد فسر الآية السلف بغير ظاهر الآية؛ لأن المنافقين يظهرون الإسلام، وأحكام الدنيا تجري على من يظهر الإسلام من الناس، فمن ثم فرق السلف في تفسير هذه الآية بين جهاد الكفار وجهاد المنافقين، وقالوا: جهاد الكفار بالسيف، وجهاد المنافقين بالحجة واللسان، كما قال ﵎: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٢] يعني: بالقرآن الكريم وبحججه؛ وذلك بناءً على أن معنى الجهاد هو: بذل الجهد في دفع ما لا يرضى، سواء كان هذا الدفع بالقتال أو بغيره، وهو إن كان حقيقة فظاهر وإلا حمل على عموم المجاز، فجهاد الكفار بالسيف وجهاد المنافقين بإلزامهم الحجج، وإزالة الشبه ونحوه، أو بإقامة الحدود عليهم إذا صدر منهم موجبها، كما روي عن الحسن في هذه الآية. إذاً: المنافقون يكون جهادهم بإقامة الحجج عليهم، ويتنوع هذا الجهاد إما بإقامة الحجة، وبإظهارها عليهم، أو بترك الرفق بهم، أو بالانتهار، أو بزجرهم ونهرهم، أو بإقامة الحدود عليهم إذا صدر منهم موجب هذه الحدود، وهذا روي عن الحسن في تفسير الآية. ورد على هذا التفسير، وهو: أن جاهد الكفار والمنافقين بإقامة الحدود: لا يلزم أن الإنسان إذا كان يفعل شيئاً يستوجب الحد أن يكون منافقاً، يعني لا تختص إقامة الحدود بالمنافقين لكن من عصاة المسلمين أيضاً من يأتي بموجبات إقامة الحد. فأجاب الفريق الذي قال بأن تفسير الآية هو إقامة الحدود عليهم بأن الحدود في زمنه ﷺ أكثر ما صدرت على المنافقين. قال ابن العربي رحمه الله تعالى: هذه دعوى لا برهان عليها، وليس العاصي بمنافق، إنما المنافق بما يكون في قلبه من النفاق كاملاً لا بما تتلبس به الجوارح ظاهراً، فالنفاق الأكبر يتعلق بكتمان الكفر في القلب، ولا يتعلق بالأفعال أو المعاصي التي يظهرها الإنسان، وأخبار المحدودين -الذين أقيم عليهم الحد- في زمن البعثة يشهد سياقها أنهم لم يكونوا منافقين. فإن قيل: إذا كان رسول الله ﷺ قد أمر بجهادهم وهو يعلم أعيانهم، فكيف تركهم بين ظهر أصحابه فلم يقتلهم مع أنهم شر من الكفار؟ ف الجواب أنه إنما أمر بقتال من أظهر بلسانه كلمة الكفر وأقام عليها، فأما من إذا اطلع على كفره أنكر وحلف، وقال: إني مسلم؛ فإنه أمر أن يأخذ بظاهر أمره، ولا يبحث عن سره. فالقتال هو قتال الكافر الذي يظهر كلمة الكفر، لكن إذا وجد شخص اطلع على أنه قد قال كلمة الكفر، ثم عند المواجهة ينكل عن ذلك، ويقول: ما فعلت، وما قلت، ويحلف الأيمان المغلظة كما هو شأن المنافقين، وأنكر أن يقع منه كفر، وقال: إني مسلم؛ فيعمل حينها بأمر النبي ﷺ ، وهو أن يقبل ظاهر أمره ولا يبحث عن سره، كما في الحديث: (إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أن أشق عن بطونهم) أو كما قال ﷺ . وقال ابن كثير: روي عن علي رضي الله تعالى عنه قال: (بعث رسول الله ﷺ بأربعة أسياف: سيف للمشركين، ودليله قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:٥] إلى آخره. وسيف للكفار أهل كتاب: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة:٢٩]، إلى آخره. وسيف للمنافقين وهو في هذه الآية: ((جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ)). وسيف للبغاة: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩]). وهذا الكلام إذا صح نسبته إلى علي رضي الله تعالى عنه فهو يقتضي أن يجاهد المنافقون بالسيوف إذا جاهروا بالنفاق، وهذا هو اختيار الإمام شيخ المفسرين ابن جرير رحمه الله تعالى. وفي الإكليل: استدل بالآيات من قال: بقتل المنافقين إذا أظهروا النفاق. قوله تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) يعني: شدد على كلا الفريقين بالقول والفعل. (ومأواهم جهنم) في الآخرة (وبئس المصير). قال بعض المفسرين في قوله: (واغلظ عليهم): إن الضمير (هم) يعود إلى الفريقين: الكفار والمنافقين. وقال مقاتل: بل يعود فقط إلى المنافقين. وقال ابن عباس في قوله ﵎: (واغلظ عليهم): يريد شدة الانتهار والزجر لهم، والنظر بالبغض والمقت. وقال ابن مسعود: لا تلق المنافقين إلا بوجه مكفهر. قال عطاء: نسخت هذه الآية كل شيء من العفو والصفح. إذاً: هذه الآية فيها: الزجر، والشدة، والغلظة على هؤلاء المنافقين بعد جهادهم بالحجة وبالبيان، بخلاف ما أمر الله به نبيه ﷺ في حق المؤمنين، فقال في حقهم: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٢١٥]، وقال أيضاً: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. وقال الزمخشري: (يا أيها النبي جاهد الكفار) بالسيف، (والمنافقين) باللسان، (واغلظ عليهم) في الجهادين جميعاً على الكفار إذا كنت تجاهدهم بالسيف، ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:١٢] ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة:١٢٣]، فهذا في الجهادين جميعاً، ولا تحابهم. ثم قال الزمخشري: وكل من وقف منه على فساد في العقيدة فهذا الحكم ثابت فيه؛ يجاهد بالحجة، وتستعمل معه الغلظة ما أمكن. يعني: كل من وقف منه على فساد في العقيدة فله من الغلظة والشدة والزجر ما يليق بفساده، إن كان كافراً فبما يليق بكفره، أو مبتدعاً فبما يليق ببدعته، ولا شك أن الزمخشري نفسه ممن نال حظاً من هذا الزجر والشدة للفساد المعروف في عقيدته، فهو معتزلي، وكم تطاول على أهل السنة والجماعة، فانتصف منه الناصر في الكشاف في الرد عليه كما هو معلوم. وعن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (اهجهم بالشعر -المؤمن يجاهد بنفسه وماله- والذي نفس محمد بيده! كأنما تنضحهم بالنبل)، وهذا نوع من الجهاد؛ بالقول أو بالكلام أو باللسان، إما بإقامة الحجة، وإما بالغلظة على المنافقين بالشعر أو غير ذلك من أساليب البيان. وكان النبي ﷺ يقول لـ حسان بن ثابت في حق المشركين: (اهجهم وروح القدس معك) يعني: يؤيدك ويثبتك، فهذا أيضاً بيان بأن من أنواع الجهاد الغلظة على المشركين، سواءً بالهجاء، أو بإقامة الحجة، أو بالإعراض عنهم، أو بالاكفهرار في وجوههم؛ فكل من ظهر منه نفاق ينبغي أن يعامل بهذه الطريقة. ونلاحظ أحياناً حينما يقوم بعض أهل العلم بالرد على ملاحدة هذا الزمان وزنادقته ومنافقيه من الصحفيين أو بعض الشيوخ الضالين، كهذا الضال المضل الذي يطعن في الصحابة ويكفرهم وهو أحد الشيوخ الضالين؛ فتحت له (روز اليوسف) أبوابها، ونشرت له حواراً في هذه الأفكار الضالة المضلة في التطاول على أبي بكر وعمر، وهي نفس أفكار الشيعة من إباحة نكاح المتعة وغير ذلك من الضلال المبين، ومع ذلك نجد بعض الناس كما فعلوا من قبل أيضاً مع نجيب محفوظ وغيره؛ نجده يقول: أستاذي الكبير نجيب محفوظ قال: كذا وكذا! وهذا لا ينبغي، ويتكلمون بطريقة فيها لين في غير موضع اللين، وتعظيم لإنسان كافر أو فاسق أو مبتدع أو منافق أو قل ما شئت، فمثل هذا يتنافى مع هذا الأدب الذي علمناه القرآن مع المنافقين: ((وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ))، فلا يقال في حق أمثال هؤلاء الصحفيين، أو الذين يسمونهم مفكرين: الأستاذ الكبير، ولا يذكر بنوع من الاحترام والتوقير، ونحو ذلك من الكلام المهذب الذي لا يليق بهؤلاء المعتدين المتطاولين على دين الله ، فينبغي ألا نقع في هذا الفخ، وألا نظهر أي نوع من الاحترام أو التقدير لمن شاق الله ورسوله ﷺ .

стр. 1280

تفسير قوله تعالى: (يحلفون بالله ما قالوا) قال الله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [التوبة:٧٤]. (يحلفون بالله ما قالوا) يعني: يحلفون بالله ما قالوا فيك شيئاً يسوءك، وينكرون الكلام الذي قالوه. (ولقد قالوا كلمة الكفر) اختلف العلماء في المقصود بكلمة الكفر: قيل: هي تكذيبهم بما وعد الله من الفتح. وقيل: هي قول الجلاس بن سويد -كما سيأتي-: إن كان ما جاء به محمد حقاً لنحن شر من الحمير. وقيل: هي قول عبد الله بن أبي: يا بني الأوس والخزرج! ألا تنصرون أخاكم، والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك. وقال أيضاً: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨]، فهذه هي كلمة الكفر. وقيل: هي سب النبي ﷺ والطعن في الإسلام. (وكفروا) يعني: أظهروا الكفر. (بعد إسلامهم) يعني: بعد أن أظهروا الإسلام، وهم لم يكونوا مسلمين، فهم كفار في الحقيقة، لكن أظهروا الكفر بعد أن كانوا يظهرون الإسلام. وقوله تعالى: (وكفروا بعد إسلامهم) متعلق بالظاهر في الحالين فقط، فهم قد أظهروا الكفر بعد أن أظهروا الإسلام، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [المنافقون:٣]، وفي هذا دليل قاطع على أن المنافق كافر.

стр. 1281

سبب نزول قول: (يحلفون بالله ما قالوا) قال قتادة: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي، وذلك لما اقتتل رجلان جهني وأنصاري، فعلا الجهني على الأنصاري -تشاجرا والجهني غلب الأنصاري وعلا عليه- فقال عبد الله بن أبي رأس المنافقين للأنصار: ألا تنصرون أخاكم؟ والله ما مثلنا ومثل محمد ﷺ إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، وقال: (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) فسعى بها رجل من المسلمين -هو زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه- إلى النبي ﷺ ؛ فأرسل إليه فسأله فجعل يحلف بالله ما قال، فأنزل الله فيه هذه الآية. إذاً: هذا دليل من قال: إن هذا هو المراد بكلمة الكفر في قوله: (ولقد قالوا كلمة الكفر). وروى الأموي في مغازيه عن ابن إسحاق أن الجلاس بن سويد بن الصامت وكان ممن تخلف من المنافقين، لما سمع ما ينزل فيهم قال: والله لئن كان هذا الرجل صادقاً فيما يقول لنحن شر من الحمير، فسمعها عمير بن سعد وكان في حجره -لأنه كان ابن امرأته- فقال: والله يا جلاس! إنك لأحب الناس إلي، وأحسنهم عندي بلاءً، وأعزهم علي أن يصله شيء تكرهه، ولقد قلت مقالة فإن ذكرتها لتفضحني، ولئن كتمتها لتهلكني، ولأحداهما أهون علي من الأخرى -يعني: هذا مما لا يسكت عليه- فمشى إلى رسول الله ﷺ فذكر له ما قال الجلاس، فلما بلغ ذلك الجلاس أتى رسول الله ﷺ فحلف بالله ما قال هذا، فأنزل الله فيه: ((يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ))، فوقفه رسول الله ﷺ عليها، وتلا عليه هذه الآية وسمع الجلاس قوله تعالى: ((فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)) إلى آخره، فزعموا أن الجلاس تاب فحسنت توبته، ونزع فأحسن النزوع. إذاً هناك قول: بأنها نزلت في حق عبد الله بن أبي، وقول: بأنها نزلت في حق الجلاس بن سويد بن الصامت، وهناك قول ثالث ولعله أرجح وأصح، وهو: أن هذا هو قول جميع المنافقين. إذاً: هذه الآية ليست في شخص بعينه وإنما تشمل هذين الرجلين، وتشمل غيرهما من المنافقين، وهذا هو قول الحسن البصري. وقال الإمام ابن العربي رحمه الله تعالى: وهو الصحيح؛ لعموم القول، ووجود المعنى فيه وفيهم. لو تأملتم الآية: (يحلفون بالله ما قالوا) جمع، (ولقد قالوا) جمع (كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا)، وهكذا تلاحظون صيغ الجمع كثيرة في هذه الآية، قال ابن العربي: لعموم القول ووجود المعنى في هؤلاء وفي غيرهم ممن فعل مثل فعلهم، وجملة ذلك اعتقادهم فيه أنه ليس بنبي ﵊. (ولقد قالوا كلمة الكفر)، كل هذه الأفعال إنما يجمعها شيء واحد، وهو: أنهم كفروا بالنبي ﵌. وقال القاضي: يبعد أن يكون المراد من الآية هذه الوقائع -يعني: أن يكون فقط المقصود بالآية وقائع معينة سواء واقعة عبد الله بن أبي أو غيره- وذلك لأن قوله تعالى: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر) إلى آخره، كلها صيغ الجموع، وحمل صيغ الجمع على الواحد خلاف الأصل، فإن قيل: قد يكون نزلت في واحد، لكن سمع هذا الكلام جملة من المنافقين فأقروه، فمن ثم نزلت، فيقال: إن هذا أيضاً خلاف الأصل، فهاتان الروايتان وغيرهما مما روي هنا كله مما يفيد تنوع مقالات وكلمات مفسرة لهم مما هو من هذا القبيل، وإن لم يمكن تعيين شيء منها في هذه الآية الكريمة.

стр. 1282

سبب نزول قوله: (وهموا بما لم ينالوا) قوله تعالى: (وهموا بما لم ينالوا) هموا أن يفعلوا شيئاً لم يمكنهم الله منه، قال ابن كثير: قيل: أنزلت في الجلاس بن سويد؛ وذلك أنه هم بقتل عمير ابن امرأته لما رفع كلمته المتقدمة إلى النبي ﷺ . وقد ورد أن نفراً من المنافقين هموا بالفتك بالنبي ﷺ وهو في غزوة تبوك في بعض تلك الليالي في حال السير، وكانوا بضعة عشر رجلاً، ففيهم نزلت هذه الآية. فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا يزيد قال: أخبرني الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبي الطفيل قال: (لما أقبل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أمر منادياً فنادى أن رسول الله ﷺ أخذ العقبة فلا يأخذها أحد). والعقبة هي ارتفاع كبير في الجبل، ويكون على حافة الهاوية، فنادى المنادي أن الرسول ﵇ مشى الآن في العقبة فلا يقرب أحد منها؛ لأنها ستكون ضيقة، وقد يؤدي الازدحام إلى خطر السقوط. فبينما رسول الله ﷺ يقود دابته من الأمام حذيفة ويسوق به من الخلف عمار؛ إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، فغشوا عماراً وهو يسوق برسول الله ﷺ ، وأقبل عمار رضي الله تعالى عنه يضرب وجوه الرواحل، ليطردهم عن النبي ﷺ . وفي بعض الروايات: أن حذيفة قال: إليكم إليكم يا أعداء الله! فهربوا، فقال رسول الله ﷺ : (قل لـ حذيفة: قد قد، حتى هبط رسول الله ﷺ ، فلما هبط رسول الله ﷺ نزل ورجع عمار فقال: يا عمار! هل عرفت القوم؟ فقال: قد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون، قال: هل تدري ما أرادوا؟ قال: الله ورسوله أعلم! قال: أرادوا أن ينفروا -يعني الناقة- برسول الله ﷺ فيطرحوه!) فساب عمار رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ فقال: ناشدتك بالله! كم كان أصحاب العقبة؟ قال: أربعة عشر رجلاً، فقال: إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر، قال: فعذر رسول الله ﷺ منهم ثلاثة، قالوا: والله ما سمعنا منادي رسول الله، وما علمنا ما أراد القوم، قال: أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. هذا ما قيل في قوله تعالى: ((وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا)) أي: بما لم يمكنهم تحقيقه من الفتك بالنبي ﷺ . (ما نقموا) يعني: ما أنكروا وما عابوا، (إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله) يعني: أعطاهم الله ورسوله من فضله، فعملوا بضد الواجب، فجعلوا موضع شكر النبي ﷺ وتفضله عليهم النقمة، ولا ذنب له إلا تفضله ﷺ عليهم! وقد سبق أن أشرنا إلى هذا في مثل قوله ﵎: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة:٨٢] أي: تجعلون شكر النعم والرزق الذي ساقه الله إليكم أنكم تكذبون رسل الله، وتكفرون بالله، فهل هذا الكفر والجحود يصلح في مقابلة إحسان الله إليكم؟! ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]، فهذا على حد قولهم: ما لي عندك ذنب إلا إني أحسنت إليك! فهذا ليس في الحقيقة ذنباً، ومنه قولهم في المثل المشهور: (اتق شر من أحسنت إليه)، وقد قيل للبجلي: أتجد في كتاب الله تعالى: اتق شر من أحسنت إليه؟ قال: نعم. ((وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ)). ومن هذا الباب أيضاً قول ابن قيس الرقيات: ما نقم الناس من أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبوا وأنهم سادة الملوك ولا تصلح إلا عليهم العرب فالشاهد هنا في قوله: ما نقم الناس من أمية إلا أنهم، أي: قبيلة أمية يحلمون ويصطبرون إن غضبوا، فهل هذا ينقم؟ هذا لا ينقم وهذا لا ينكر. ومنه أيضاً قول النابغة: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب يمدح قومه ويقول: لا شك أن فلول السيف كناية عن الشجاعة؛ لأن السيف يكون فيه خدش من شدة القتال والبأس، فهذا في الحقيقة ليس ذماً، وهذه مبالغة وتوكيد للمدح بما يشبه الذم، ظاهره الذم لكن يراد به المدح. ويقال: نقم من فلان الإحسان كعلم، إذا جعله مما يؤديه إلى كفر النعمة.

стр. 1283

دعوة الله المنافقين إلى التوبة دعا الله تعالى المنافقين إلى التوبة فقال : ((فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)). (فإن يتوبوا) أي: من الكفر والنفاق، وبعض المفسرين ذهب إلى أن المعنى: إن يأتوا طوعاً تائبين، والمقصود بهم أن هذا في حق الزنادقة، فالزنديق هو الذي يظهر الإيمان ويبطن الكفر. (فإن يتوبوا) إن أتوا بعدما فعلوه تائبين بأنفسهم فتقبل توبتهم، أما إن ادعوا -الزنادقة- التوبة بعد القدرة عليهم فلا تقبل، وللعلماء خلاف في هذه المسألة، فمن ثم فسروا قوله تعالى: (فإن يتوبوا) يعني: إن يأتوا تائبين طوعاً لأنفسهم، بخلاف ما إذا تابوا بعدما قدر عليهم. (فإن يتوبوا) من الكفر النفاق، (يك خيراً لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا) يعني: بالقتل والهم والغم، وقيل: بالعذاب الذي يلقونه عند معاينة الملائكة والاحتضار، وقيل: عذاب القبر، (والآخرة) أي: بالنار وغيرها. (وما لهم في الأرض من ولي) يشفع لهم في دفع العذاب، (ولا نصير) أي: معين فيدفعه عنهم بقوته، فلا يستطيع أن يشفع لهم، ولا هو نفسه يستطيع أن يدفع عنهم العذاب الذي يستحقونه. وقيل: المراد بقوله تعالى: (فإن يتوبوا يكن خيراً لهم) استعطاف قلوبهم بعدما صدرت عنهم الجناية العظيمة، وليس الأمر على ظاهره، ولا يؤخذ من ظاهر هذه الآية أنهم تابوا بالفعل، وليس في ظاهرها إلا أنهم إن تابوا فازوا بالخير، لكن لا يستدل بالآية على أنهم تابوا بالفعل.

стр. 1284

تفسير قوله تعالى: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن) ثم بين ﵎ بعض من نقم بإغناء الله تعالى إياه بما آتاه من فضله، وذكر أنموذجاً من هؤلاء المنافقين ممن أغناهم الله ﵎ بما آتاهم من فضله، ثم نكث في يمينه وتولى عن التوبة، فقال : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة:٧٥]. (ومنهم من عاهد الله) أي: حلف به، (لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين) يعني: لنعملن ما يعمل أهل الصلاح في أموالهم من صلة الرحم والإنفاق في وجوه الخير. (ولنكونن من الصالحين) يعني: نعطي كل ذي حق حقه. ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة:٧٦]. (فلما آتاهم من فضله) ما طلبوا من المال (بخلوا به) ولم يفوا بما عاهدوا، (وتولوا) من العهد وهم معرضون عن عهدهم.

стр. 1285

تفسير قوله تعالى: (فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم) قال الله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة:٧٧]. (فأعقبهم نفاقاً) إعرابها: مفعول ثاني، (فأعقبهم) أي: فجعل الله عاقبة فعلهم ذلك نفاقاً، وهناك تفسير آخر وإن كان مرجوحاً، فبعض المفسرين قالوا: فأعقبهم البخل نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه، (إلى يوم يلقونه) قالوا: يلقون بخلهم، على أن الهاء تعود إلى البخل، يعني: يلقون جزاء البخل. والراجح أن الهاء تعود إلى الله أي: فأعقبهم الله نفاقاً في قلوبهم إلى يوم لقاء الله في الآخرة. (بما أخلفوا الله ما وعدوه) من التصدق والصلاح، (وبما كانوا يكذبون) في العاقبة. لماذا قلنا: إن هذا تفسير غريب مرجوح؟ لأن البخل قد يحصل من كثير من الفساق، ولا يستلزم البخل وقوع النفاق في القلب، إذ قد يبخل الإنسان ولا يستلزم ذلك أن يعاقب بالنفاق في قلبه، ولا يحصل معه نفاق. كذلك قوله ﵎: (إلى يوم يلقونه) الظاهر أنها في حق الله ؛ لأنه هو الذي أعقبهم نفاقاً. قوله تعالى: ((أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ)) هذا توبيخ، ومعنى (وأن الله علام الغيوب) يعني: أنه سوف يجزيهم على ما فعلوا. (سرهم) أي: ما أسروه من النفاق والعزم على عدم إحداث ما وعدوه، (ونجواهم) أي: ما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن في الدين، (وأن الله علام الغيوب) أي: ما غاب عن العباد.

стр. 1286

عدم صحة قصة ثعلبة بن حاطب هنا قصة مشهورة ينسبونها إلى ثعلبة بن حاطب، وهي من القصص التي يعجب بها القصاص ويكثرون تردادها، وهي ما ينسب إلى ثعلبة بن حاطب أنه قال: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني مالاً، قال: (ويحك يا ثعلبة! قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه)، قال: والله لئن آتاني الله مالاً لأوتين كل ذي حق حقه، فدعا له فاتخذ غنماً؛ فنمت حتى ضاقت أزقة المدينة من كثرتها فتنحى بها، وكان يشهد الصلاة ثم يخرج إليها -يعني: في البداية كان يشهد صلاة الجماعة، ثم بعدما يصلي يخرج إلى الغنم- ثم نمت حتى تعذرت عليه مراعي المدينة، فتنحى بها فكان يشهد الجمعة فقط، ثم يخرج إليها، ثم نمت فتنحى بها فترك الجمعة والجماعات، ثم أنزل الله على رسوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣]، فاستعمل على الصدقات رجلين وكتب لهما كتاباً، فأتيا ثعلبة فأقرآه كتاب رسول الله ﷺ ، فقال: انطلقا إلى الناس، فإذا فرغتم فمرا بي، ففعلا فقال: ما هذه إلا أخت الجزية! فانطلقا، فأنزل الله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة:٧٥ - ٧٧]. وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه، وفيه: أنه جاء فيما بعد إلى النبي ﷺ بصدقته، فقال له: (إن الله منعني أن أقبل منك)، فجعل التراب على رأسه، فقال: (هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني)، فقبض رسول الله ﷺ ، فجاء بها إلى أبي بكر ﵁ فلم يقبلها، ثم إلى عمر وعثمان، ثم هلك في أيام عثمان. وهذه القصة ليست صحيحة بأي حال من الأحوال، بل سندها ضعيف جداً كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. قال الشهاب: مجيء ثعلبة وحثوه التراب ليس للتوبة من نفاقه، بل للعار من عدم قبول زكاته مع المسلمين. وهذا التعليل مبني على صحة هذه القصة، لكن هناك نقاش تفصيلي في عدم صحة هذه القصة، وهناك رسالة مستقلة صنفها بعض طلبة العلم في إبطال هذا الحديث، فينصح بمراجعتها، ومما يبطل به هذه القصة: أنها -تزعم- أنها نزلت في رجل بدري، والرسول ﵇ قال في أهل بدر: (وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ومعنى هذا: أن الله علم من أهل بدر أنهم كلما أحدث الواحد منهم ذنباً أحدث توبة، حتى يختم له بالتوبة ويغفر الله له. وقيل: إن هذا الصحابي قد استشهد في غزوة أحد، فهذه القصة لا تصح بحال، وإن كان ذلك سيحزن كثير من القصاصين الذين يولعون بذكرها!

стр. 1287

ضابط النفاق المراد في الآيات يؤخذ من هذه الآية: أن إخلاف الوعد والكذب من خصال النفاق، فيكون الوفاء والصدق من شعب الإيمان. وفيها المعاقبة على الذنب بما هو أشد منه، لقوله: (فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه). واستدل بها آخرون على أن مانع الزكاة يعاقب بترك أخذها منه، كما فعل بمن نزلت الآية فيه، وهذا يحتاج إلى دليل صحيح، والدليل ليس بصحيح كما ذكرنا. وقال الرازي: ظاهر الآية يدل على أن نقض العهد، وخلف الوعد؛ يورث النفاق، فيجب على المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه، فإذا عاهد الله في أمر فليجتهد في الوفاء به. ومذهب الحسن البصري في هذه الآية: أن هذا يوجب النفاق لا محالة، وتمسك فيه بهذه الآية الكريمة، فكان الحسن البصري يرى أن من نقض العهد وأخلف الوعد يصير بذلك منافقاً نفاقاً أكبر، وتمسك بهذه الآية، وتمسك أيضاً بقول النبي ﷺ : (ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان). لكن رد عليه بعض العلماء مثل الرازي في تفسيره. وقوله تعالى: (فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه) هذا دليل على أن الناس الذين نزلت فيهم هذه الآية يموتون على النفاق، والهاء تعود للفظ الجلالة، والمراد باليوم: يوم القيامة، وله نظائر كثيرة في التنزيل.

стр. 1288

رؤية الله يوم القيامة اللقاء إذا أضيف إلى الكفار كان مناسباً لحالهم، ولا يفسر هنا أنهم يرون الله ، بل اللقاء هنا بحسب من ينسب إليه، فإذا كان اللقاء في حق المؤمنين فله تفسير يليق بالمؤمنين، وإن كان في حق الكفار فهو بما يليق بحالهم. فاللقاء إذا أضيف إلى الكفار كان لقاءً مناسباً لحالهم من وقوفهم للحساب عنده ﵎؛ لأنهم ليسوا أهلاً لرؤية الله تقدس اسمه، وإذا أضيف إلى المؤمنين كما في قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب:٤٤]، فهذه لقيا مناسبة لمقامهم، وفيها رؤيته ﵎، وذلك لما أفصحت عنه آيات أخر من حال الفريقين، مما يتنزل مثل ذلك عليها. فمن وقف في بعض الآيات على لفظة واحدة، وأخذ يستنبط منها، ولم يراع ما استعملت فيه وأطلقت عليه، كان ذلك جموداً وتعصباً لا أخذاً بيد الحق، والمقصود بهذا الرد على الجبائي المعتزلي، وهو من رءوس المعتزلة، فـ الجبائي أفاض وأطال في تفسير قوله ﵎: (فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه) وقال: إن اللقاء في هذه الآية لا يفيد رؤيته ﵎، وللإجماع على أن الكفار لا يرونه ﵎، فكلمة اللقاء في حد ذاتها لا تفيد الرؤية، وهذا صحيح في حق الكفار، لكنه أراد تعميمها ليستدل بها على نفي رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة! فقال: كما أن لفظ اللقاء لا يفيد رؤية الله في حق الكفار، فهو لا يفيد أيضاً في قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب:٤٤]، فـ الرازي ناقشه بأن قال: صحيح هذه الآية لا تفيد رؤية الله في الآخرة، لكن رؤية الله في الآخرة بالنسبة للمؤمنين ثابتة من أدلة أخرى في القرآن والسنة. أما الجواب الذي ذكره القاسمي فهو أقوى وأمتن، فإنه قال: إن اللقاء يفسر في حق كل فريق بما يناسب حاله؛ ففي حق الكافر: يلقى الله لكنه يحجب عن الله؛ لأنه لا يستحق أن يرى الله، وليس أهلاً لذلك في الآخرة، أما في حق المؤمنين فلقاء الله يفسر في ضوء النصوص الأخرى التي أثبتت رؤية المؤمنين لربهم .

стр. 1289

تفسير قوله تعالى: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات) ثم بين ﵎ نوعاً آخر من مطاعن المنافقين ومساوئهم، وهو لمزهم المتصدقين، فقال : ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٧٩]. (الذي يلمزون) يعني: يعيبون، (المطوعين) أي: المتبرعين، (من المؤمنين في الصدقات) فيزعمون أنهم تصدقوا رياءً، (والذين لا يجدون) يعني: ويلمزون الذين لا يجدون (إلا جهدهم). ويفهم من هذا: أن المطوعين هم الذين أنفقوا نفقة كبيرة، وذلك للمغايرة بين المطوعين وبين الذين لا يجدون إلا جهدهم -كما سنبين ذلك إن شاء الله تعالى-، فهم يلمزون المتبرعين، وهؤلاء المتبرعون يأتون بمال كثير لأنهم أغنياء، فيقولون: هؤلاء ما تصدقوا إلا رياءً، فإذا أتى الذين لا يجدون إلا جهدهم وهم مؤمنون، وما يملكون شيئاً فتصدقوا بجهد المقل؛ يقولون: إن هذا أحوج لصدقته التي يتصدق بها. (والذين لا يجدون) يعني: ويلمزون الذين لا يجدون ما يتصدقون به إلا قليلاً، فيقولون عنهم: ماذا يفعل هذا الصاع من التمر أو نحو هذا؟! أو يقولون: إن الله غني عن مثل هذه الصدقة القليلة! (سخر الله منهم) أي: جازاهم على سخرهم بأن: (سخر الله منهم ولهم عذاب أليم).

стр. 1290

سبب نزول قوله تعالى: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين) روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي مسعود رضي الله تعالى عنه قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل أي: نحمل الحمل على ظهورنا والأشياء الثقال مقابل أجرة، ثم نأخذ هذه الأجرة حتى نتصدق بها في سبيل الله، لماذا؟ لأنه ربط هذا الفعل بنزول آية الصدقة، فحرصاً منهم على الصدقة رضي الله تعالى عنهم كانوا يفعلون ذلك! يقول أبو مسعود البدري: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مراء! وجاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا! فنزلت: ((الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ)). وروى الإمام أحمد عن أبي السليل عن رجل حدثه عن أبيه أو عمه: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (من يتصدق بصدقة أشهد له بها يوم القيامة؟)، فجاء رجل لم أر رجلاً أشد منه سواداً ولا أصغر منه، ولا أذم -يعني: من أشد الناس ذمامة- بناقة لم أر أحسن منها، فقال: يا رسول الله! دونك هذه الناقة، قال: فلمزه رجل فقال -والعياذ بالله-: هذا يتصدق بهذه! فوالله لهي خير منه! المنافق يقول: إن الناقة أفضل من هذا الرجل، فسمعها رسول الله ﷺ فقال: (كذبت! بل هو خير منك ومنها -ثلاث مرات- ثم قال: ويل لأصحابك إلا من قال بالمال هكذا وهكذا، وجمع بين كفيه عن يمينه وعن شماله)، يعني: إلا من وزع المال وأعطاه في سبيل الله ﵎. وقال ابن إسحاق: كان المطوعون من المؤمنين في الصدقات: عبد الرحمن بن عوف وعاصم بن عدي أخا بني عجلان؛ وذلك أن رسول الله ﷺ رغب في الصدقة وحض عليها، فقام عبد الرحمن بن عوف فتصدق بأربعة آلاف، وقام عاصم بن عدي وتصدق بمائة وسق من تمر، فلمزوهما وقالوا: ما هذا إلا رياء، وكان الذي تصدق بجهده أبا عقيل أخا بني أنيس أتى بصاع من تمر فأفرغها في الصدقة، فتضاحكوا به، وقالوا: إن الله لغني عن صاع أبي عقيل. هؤلاء المنافقين قالوا: إن هذا -بسبب فقره- أحوج إلى الصدقة، فكيف يتصدق بها؟! والجواب عن ذلك أن هذه من أخلاق المؤمنين، وهذه من موجبات الفضيلة؛ لأن الله امتدح المؤمنين بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]، فهو أحوج إلى هذه الصدقة من هذا الذي ينفقها فيه، لكنهم مؤمنون صادقون يتصفون بقوله ﵎: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)، وقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة:١٧٧] أي: حاجته إليه. وروى الحافظ البزار في مسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثاً، فجاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ فقال: يا رسول الله! عندي أربعة آلاف: ألفين أقرضهما لربي وألفين لعيالي، فقال رسول الله ﷺ : بارك الله لك فيما أعطيت، وبارك لك فيما أمسكت، وبات رجل من الأنصار فأصاب صاعين من تمر، فقال: يا رسول الله! أصبت صاعين من تمر: صاع أقرضه لربي وصاع لعيالي، قال: فلمزه المنافقون، وقالوا: ما أعطى الذي أعطى ابن عوف إلا رياءً، وقالوا: ألم يكن الله ورسوله غنيين عن صاع هذا؟! فأنزل الله الآية). وقوله ﷺ : (أريد أن أبعث بعثاً) أي: لغزو الروم، وذلك في غزوة تبوك؛ لأن هذه السورة في شأن غزوة تبوك.

стр. 1291

تنبيهات في إخراج الصدقات هاهنا بعض التنبيهات المهمة: أولاً: الصدقة أو إنفاق المال ابتغاء مرضاة الله ، إما أن يكون واجباً مفروضاً كالزكاة، وإما أن يكون نافلة، وهو المراد هنا، لقوله تعالى: (الذين يلمزون المطوعين)، وأصلها: المتطوعين، فهذا يدل على أن المقصود هنا صدقة النافلة أو التطوع. ثانياً: أن الآتي بالصدقة إما أن يكون غنياً وإما أن يكون فقيراً، فالغني لغناه يأتي بالصدقة الوفيرة الكثيرة كـ عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهما، والفقير يأتي بالصدقة القليلة ويأتي بجهد المقل، ولا تفاوت بين البابين في استحقاق الثواب، فمن حيث الثواب لا ينظر إلى قدر الصدقة؛ لأن المقصود من الأعمال الظاهرة النية، واعتبار حال الدواعي والفوارق، فقد يكون القليل الذي يأتي به الفقير أكثر موقعاً عند الله من الكثير الذي يأتي به الغني. ثالثاً: أن أولئك الجهال من المنافقين ما كان يتجاوز نظرهم عن ظواهر الأمور؛ لأن نظرهم قاصر فهم نظروا للكمية وللقدر، فالذي أتى بالكثير قالوا: هذا رياء، والذي أتى بالقليل قالوا: هذا أحوج إلى صدقته، فما كان يتجاوز نظرهم ظواهر الأمور، فعيروا ذلك الفقير الذي جاء بالصدقة القليلة على أساس أن هذه لا يرجى من ورائها ثواب لأنها قليلة، وهذا قد أبطله قول النبي ﵊: (سبق درهم مائة ألف درهم) يعني: رجل تصدق بدرهم سبق وحاز على أجر أفضل من أجر رجل تصدق بمائة ألف درهم! قالوا: يا رسول الله! كيف يسبق درهم مائة ألف؟! قال: (رجل كان له درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به، وآخر له مال كثير فأخذ من عرضه مائة ألف). فإذاً كما يقال: نية المؤمن أبلغ من عمله، فالإنسان يجازى على قدر همته، فهذا الرجل كل الثروة التي يملكها درهمان اثنان فقط، فماذا فعل؟ لا نقول تصدق: بدرهم، لا بل نقول: تصدق بنصف ما يملك، أما الرجل الآخر فله مال كثير، فأخذ من عرض هذه الأموال، فهو عمد إلى جانب من جوانب هذا المال فأخذه، فكان مائة ألف درهم، فبالنسبة للمال الذي يملكه هو دون النصف بكثير، لكن هذا همته أنه تصدق بنصف ماله، أما هذا فجزء يسير من عرض ماله. وهذا رجل لفقهه تصدق بنصف ماله، درهم له وأمسك درهماً لنفقته أو نفقة عياله، فإذاً الأجر على قدر حال المعطي لا على قدر المال المعطى، وعلى قدر الهمة، وحال المتصدقين، فصاحب الدرهم أعطى نصف ماله وهو في حالة لا يعطي فيها إلا أصحاب اليقين الأقوياء في الإيمان، حيث يضحي بنصف ماله، فيكون أجره على قدر همته، بخلاف الغني فإنه ما أعطى نصف ماله، ولا كان في حال لا يعطى فيها عادة؛ لأنه هنا غير محتاج، وإذا أعطى فإن هذا لا يؤثر في حاله بشيء. وهناك تفسير آخر لكنه مرجوح، وهو: تفسير الحديث بأن الفقير بدأ بالصدقة أولاً؛ فالغني اقتدى به في الصدقة، فبالتالي ينطبق عليه حديث: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها)، فيصبح للفقير مثل أجر الغني وزيادة عليه بدرهم، له أجر صدقة مائة ألف درهم ويزيد عليه درهم واحد، ولكن هذا بعيد؛ لأن ظاهر الحديث أن هذا حصل في وقت واحد من رجلين، لأنه قال: (سبق درهم مائة ألف)، والحديث رواه النسائي وابن خزيمة وصححاه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وقد سئل النبي ﷺ : (يا رسول الله! أي الصدقات أفضل؟ قال: جهد المقل، وابدأ بمن تعول)، وقال: (أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى)، أي: في حالة احتياج وخصاصة ومع ذلك تتصدق، لكن شرط صحة هذه الصدقة أن يبدأ بمن يعول، ولذلك قال: (جهد المقل، وابدأ بمن تعول)، وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة:٢١٩] يعني: ما زاد عن النفقة الواجبة.

стр. 1292

نموذج من اللمز المعاصر لمنافقي اليوم يقول السيوطي في الإكليل: في هذه الآيات تحريم اللمز والسخرية بالمؤمنين. هكذا جزاء من يلمز ويسخر من المؤمنين، وما أوفر حظ منافقي وزنادقة وملاحدة زماننا من هذا الوعيد في هذه الآيات الكريمة؛ لأنهم لا وظيفة لهم غير السخرية من المؤمنين، بل صار هذا من المقررات التي نحفظها وتتوارد على أسماعنا صباح مساء في جميع أجهزة الإعلام بلا استثناء من وصف الإسلام بالتطرف والإرهاب والرجعية والجمود والهوس، وغير ذلك من هذه الأوصاف التي تنضح بها آنيتهم. فلا شك أن هؤلاء لهم حظ من قول الله: ((الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ))، يأتون بامرأة منقبة ويقولون: إن المنقبات دميمات الخلقة، فهن يسترن قبح خلقتهن، أو يقولون: إن هذه تتحجب؛ لأن أسعار حلاق السيدات ارتفعت، أو أنهن لا يستطعن أن يواكبن زميلاتهن اللائي يلبسن الثياب الثمينة، هذا هو اللمز، ونفس صورته الحية، وكما هو شأن المنافقين دوماً، فنقول: هذا الشبل من هذا الأسد، فهي سنة لا تتغير ولا تتبدل كما قال ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٢٩]، الآن يضحكون علينا بالكاريكاتير وبالتمثيليات والمسرحيات والأغاني والمقالات وكل شيء، ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا﴾ [المطففين:٣٠ - ٣١] أي: رجعوا إلى البيوت ﴿انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٣١ - ٣٤]. فالمؤمنون يضحكون عليهم أخيراً ضحكاً يدوم ولا ينقطع، أما هم ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ [التوبة:٨٢]؛ لأن الضحك مهما طال في الدنيا فالدنيا قليلة، وسوف تفنى، ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة:٨٢] بكاءً لن ينقطع حينما يخلدون في نار جهنم. فيحرم أن يلمز الإنسان أو يسخر من المؤمن، خاصة إذا كانت السخرية بسبب الدين، فتراه لا يحقد عليه ولا ينقم عليه إلا بسبب تدينه؛ لأنه ملتح، أو لأنها محجبة، أو لأنه يقرأ القرآن، أو لأنه يحافظ على الصلوات، فكل هذا ينبع من النفاق. وقوله: (الذين يلمزون المطوعين) أصلها المتطوعين، أدغمت التاء في الطاء لقرب المخرج.

стр. 1293

تفسير قوله تعالى: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم) قال الله ﵎: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٨٠]. (استغفر لهم) أي: استغفر لهؤلاء المنافقين (أو لا تستغفر لهم) أي: فإنه في حقهم سواء، ثم بين استحالة المغفرة لهم وإن بولغ في الاستغفار، فقال : (إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك) يعني: عدم الغفران لهم، بسبب: (أنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين) يعني: الخارجين عن حدوده، فجملة قوله تعالى: (استغفر لهم) هي جملة إنشائية لفظاً لكنها خبرية معنىً مثل قوله: ﴿قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ [التوبة:٥٣]، والمقصود: سواء أنفقتم طوعاً أو كرهاً فلن يتقبل منكم. والمراد بقوله تعالى: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم) التسوية بين الاستغفار لهم وتركه في استحالة المغفرة، وتصويره بصورة الأمر للمبالغة في بيان استوائهما، كأنه ﷺ أمر بامتحان الحال؛ لأن الله يأمره بأن يمتحن، ويرى هل ثم نتيجة من الاستغفار أم لا؟ فيقول: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم) يعني: استغفر لهم أحياناً واترك الاستغفار تارة، سوف يظهر لك جلية الأمر من أن هذا لا تأثير له في مغفرة ذنوبهم، كما مر في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ [التوبة:٥٣]، وقد وردت بصيغة الخبر في سورة المنافقين في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ * سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون:٥ - ٦]. قال الزمخشري: السبعون جار مجرى المثل في كلامهم للتكثير، يعني: ليس المقصود حقيقة العدد لكن المقصود التكثير، وهذا جار في مجرى كلام العرب للتكثير، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: لأصبحن العاصي وابن العاصي سبعين ألفاً عاقدي النواصي فذكرها للمبالغة في حسم مادة الاستغفار لهم، وهذا من أساليب العرب في المبالغة لا للتحديد، وليس المقصود أن ما زاد على السبعين سوف يغير الحكم، لكن المقصود مهما أكثرت وبالغت في الإكثار، فلن يكون له تأثير في مغفرة ذنوبهم. وقال أبو السعود: شاع استعمال السبعة والسبعين والسبعمائة في مطلق التكثير؛ لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد، فكأنها العدد بأسره، وقيل: هي أكمل الأعداد لجمعها معانيها؛ ولأن الستة أول عدد تام لتعادل أجزائها الصحيحة، إذ نصفها ثلاثة، وثلثها اثنان، وثلثاها واحد، وجملتها ستة، وهي مع الواحد سبعة فكانت كاملة، إذ لا مرتبة بعد التمام إلا الكمال، ثم السبعون غاية الكمال؛ إذ الآحاد غايتها العشرات، والسبعمائة غاية الغاية. روى البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال لـ عمر بن الخطاب ﵁ لما أراد أن يصده عن الصلاة على عبد الله بن أبي: (إنما خيرني الله فقال: (استغفر لهم)، وسأزيده على السبعين)، فظاهر هذا أن (أو) للتخيير، وأن السبعين له حد يخالفه حكم ما وراءه، وفي الحقيقة أن هذا من الإشكال بمكان؛ لأن الرسول ﵇ أفصح العرب على الإطلاق، ولذا قال الزمخشري: كيف يكون هذا وهو أفصح العرب وأخبرهم بأساليب الكلام وتمثيلاته، ويفهم من هذا العدد كثرة الاستغفار؟ كيف وقد تلاه بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا﴾ [التوبة:٨٠] إلى آخره، فبين الصارف عن المغفرة لهم حتى قال: (قد رخص لي ربي فسأزيد على السبعين)؟! ثم أجاب الزمخشري بقوله: لم يخف عليه ذلك ﷺ ، ولكنه قال ذلك إظهاراً لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليهم، يعني: أن الرسول ﷺ أراد بذلك أن يبين أنه في غاية الرحمة لهذه الأمة التي بعث إليها، حتى لو كان الميت بمثل هذه الحال، كقول إبراهيم ﵇: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦]، وفي إظهار النبي ﷺ الرأفة والرحمة لطف لأمته، ودعاء لهم أن يرحم بعضهم بعضاً، يعني: إذا فعل هذا في حق هذا المنافق، فالأولى أن يفعل المؤمنون ذلك في حق بعضهم بعضاً من أهل الإسلام والإيمان. وقال القرطبي: وأما استغفاره للمنافق الذي خير فيه؛ فهو استغفار لساني لا ينفع، وغايته تطييب قلوب الأحياء من قرابات المستغفر له، والله تعالى أعلم. قال شراح كلام الزمخشري: يعني أنه وقع في خيال السامع أنه فهم العدد المخصوص دون التكثير، فجوز الإجابة بالزيادة قصداً إلى إظهار الرأفة والرحمة؛ أي: أن الرسول ﵇ كان يعلم أن السبعين ليست حداً، لكن المراد بها المبالغة في التكثير، لكنه جوز أن يكون هناك احتمال للإجابة إذا زاد على السبعين، فلذلك بين لهم التخيير قصداً إلى إظهار الرأفة والرحمة كما قال إبراهيم ﵇ في ذكر جزاء من عصاه ولم يمتثل أمره بترك عبادة الأصنام: (فإنك غفور رحيم)، دون أن يقول: شديد العقاب، فخيل أنه يرحمهم ويغفر لهم رأفة بهم، وحثاً على الاتباع. وفهم المعنى الحقيقي من لفظ اشتهر مجازه لا ينافي فصاحته ومعرفته باللسان، فإنه لا خطأ فيه ولا بعد إذ هو الأصل، ورجحه عنده شغفه بهدايتهم، ورأفته بهم، واستعطاف من عداهم، وذلك كقوله ﵎: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾ [البقرة:٦]، ومع ذلك هو مأمور أن ينذرهم، هذا في الإثبات. أما في النفي فكما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون:٦]، وقد قال النبي ﷺ : (إنه رخص لي)، ويحتمل أنه رخص له في ابن أبي بالذات لحكمة، وإن لم يترتب عليه فائدة القبول، وكما ذكرنا من قبل ربما أنه لتطييب خاطر ابنه وكان من الصالحين، وهو عبد الله بن عبد الله بن أبي، أو لتأليف قلوب المنافقين من أتباعه إلى الإسلام كما سيأتي. وقال الحافظ ابن حجر: روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: لما نزلت: ((اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)) قال النبي ﷺ : (لأزيدن على السبعين)، فأنزل الله تعالى: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم)، ثم قال: ويحتمل أن تكون الآيتان نزلتا في ذلك.

стр. 1294

تفسير سورة التوبة [٨١ - ٨٩]

стр. 1295

تفسير قوله تعالى: (فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله) يقول الله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة:٨١]. أشار الله تعالى إلى نوع آخر من مساوئ المنافقين، وهو جعلهم الحزن والكراهة مكان الفرح والرضا فقال سبحانه: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة:٨١]. (المخلفون) هم الذين استأذنوا رسول الله ﷺ من المنافقين، فأذن لهم في التخلف، أو: لأنه خلفهم في المدينة في غزوة تبوك، وسبب إيثار لفظ (المخلفون) على (المتخلفون)؛ لأن الله هو الذي خلفهم بأن ثبطهم، كما قال: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦]. وقيل: لأنه منع بعضهم من الخروج، فغلب الوصف على غيرهم، فصاروا المخلفين لا المتخلفين. أو: المراد (فرح المخلفون) يعني: الذين خلفهم كسلهم أو نفاقهم، أو: الذين أغراهم الشيطان بذلك وحملهم عليه. (بمقعدهم) يعني: بقعودهم، فمقعد على هذا مصدر متعلق بفرح، يعني: فرحوا بقعودهم عن غزوة تبوك، أو تكون اسم مكان، وهو في هذه الحالة المكان الذي قعدوا فيه وهو المدينة. وقوله: (خلاف رسول الله) يمكن أن تكون مفعولاً لأجله أو ظرفاً، أي: خلفه وبعد خروجه، حيث خرج هو ولم يخرجوا، فـ (خلاف) ظرف بمعنى خلف وبعد، يقال: فلان أقام خلاف الحي، يعني: بعدهم، ظعنوا ولم يظعن، ويؤيده قراءة من قرأ: (خلف رسول الله)، فالخطاب على أنه ظرف لمقعدهم، إذ لا فائدة لتقييد فرحهم بذلك. واستعمال خلاف بمعنى خلف؛ لأن جهة الخلف خلاف الأمام، ويجوز أن يكون الخلاف بمعنى المخالفة، فهو مصدر خالف؛ كالقتال ويعضده قراءة من قرأ: (خُلف رسول الله). (وكرهوا) يعني: بما في قلوبهم من مرض النفاق (أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله)، ولم يقل الله : وكرهوا أن يخرجوا إلى الغزو، ولكن قال: (وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله)، إيذاناً بأن الجهاد في سبيل الله مع كونه من أجل الرغائب وأشرف المطالب التي يجب أن يتنافس فيها المتنافسون، ومع ذلك هؤلاء قد كرهوه، كما فرحوا بأقبح القبائح الذي هو القعود خلاف رسول الله ﷺ ، يعني في الموضع الذي يستحق الندم والحزن والكراهية فرحوا، والموضع الذي ينبغي أن يفرح به المؤمن، وهو الخروج للجهاد بالمال والنفس في سبيل الله كرهوه! قال الزمخشري في قوله تعالى: (وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم): تعريض للمؤمنين، لكنه صرح فيما بعد بذلك حينما قال ﵎: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التوبة:٨٨]، إلى آخر الآية فمدحهم، قال: تعريض للمؤمنين وتحملهم المشاق العظام لوجه الله تعالى، وبما فعلوا من بذل أموالهم وأرواحهم في سبيل الله تعالى، وإيثارهم ذلك على الدعة والخفض، أي: الراحة والتنعم بالمآكل والمشارب، وكره ذلك المنافقون، وكيف لا يكرهونه وما فيهم ما في المؤمنين من باعث الإيمان وداعي الإيقان. والتعريض هنا ظاهر؛ لأن المراد كرهوه لا كالمؤمنين أحبوه، أو: لا كالمؤمنين الذين أحبوا الخروج والجهاد. (وقالوا لا تنفروا في الحر) إما أنهم قالوا ذلك لإخوانهم المنافقين أو للمؤمنين، فقالوا لإخوانهم: لا تنفروا إلى الجهاد في الحر، فإنه لا تستطاع شدته، وذلك أن الخروج في غزوة تبوك كان في شدة الحر، وعند طيب الظلال والثمار في المدينة، فحرصوا على أن يثبتوا إخوانهم المنافقين على التخلف، كيف نترك هذا الجو الجميل، والثمار التي قد آن قطافها، والظلال الوارفة، ونخرج في الحر إلى تبوك حيث المسافة البعيدة؟ ومن خرج في رحلة إلى هناك يعرف معنى الحر في تبوك! (وقالوا لا تنفروا في الحر)، تثبيتاً لهم على التخلف، وتواصياً فيما بينهم بالشر والفساد، أو أنهم قالوا: لا تنفروا في الحر للمؤمنين تثبيطاً لهم عن الجهاد، ونهياً عن المعروف، تماماً كما ينهى عن المعروف ويأمر بالمنكر بعض الضالين الذين يقولون للمحجبات: كيف تلبسن هذه الملابس في شدة الحر؟ فينبغي أن نمتثل نفس الجواب فنقول: (قل نار جهنم أشد حراً)؛ فهي تحتمل الحر الآن؛ لأن نار جهنم أشد حراً، كما احتمل الصحابة شدة الحر في تلك البلاد. وقالوا ذلك للمؤمنين تثبيطاً لهم عن الجهاد، ونهياً عن المعروف، وإظهاراً لبعض العلل الداعية لهم إلى ما فرحوا به من القعود حتى يظهروا العلة والعذر، وكأن الذي منعهم هو شدة الحر، فيتسترون وراء ذلك. فقد جمعوا ثلاث خصال من خصال الكفر والضلال: الفرح بالقعود، وكراهية الجهاد، ونهي الغير عن ذلك، أفاده أبو السعود. (قل) رداً عليهم وتجهيلاً لهم (نار جهنم) التي سوف تدخلونها بما فعلتم (أشد حراً) مما تحذرون من الحر المعهود، أي أن هذا الحر الشديد في الدنيا أهون من حر جهنم التي سوف تدخلونها، وهي (أشد حراً) مما تحذرون من الحر المعهود وتحذرون الناس منه، فما لكم لا تحذرونها وتعرضون أنفسكم لها بإيثار القعود على النفير؟! (لو كانوا يفقهون) اعتراض تذييلي من جهته ﵎ غير داخل تحت القول المأمور به مؤكد لمضمونه، وجواب (لو) إما مقدر: لو كانوا يفقهون أنها كذلك، أو: لو كانوا يفقهون أن مآلهم بسبب تخلفهم إليها لما فعلوا ما فعلوا، أو: لو كانوا يفقهون لتأثروا بهذا الإلزام. وإما أن يكون جواب (لو) غير منوي، على أن لو لمجرد التمني المنبئ عن امتناع تحقق مدخولها، يعني: لو كانوا من أهل الفطانة والفقه، كما في قوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:١٠١]. قال الزمخشري: قوله تعالى: (قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون) استجهال لهم. نعم، فإذا الإنسان يتصون من مشقة ساعة، نجد الإنسان في الحر الشديد قد يصل به الأمر أنه لا يخرج ولا يتحرك من تحت الظل تأذياً بشدة الحر، ونحن هنا في المدينة قليلاً ما نذوق الحر، لكن من سافر إلى غير هذه البلاد يعرف ما معنى شدة الحر ويعرف معنى هذا الذي أقوله، وأنا أسمع أن في بعض بلدان الخليج إذا انقطع التيار الكهربائي فإن النساء والصبيان داخل البيوت يصرخون بسبب توقف المكيفات، ويبكون من شدة الحر، مع أنهم في الظل، ولكن مع ذلك يحصل هذا الألم الشديد نتيجة شدة الرطوبة مع الحر! قال: فإذا الإنسان تصون من مشقة ساعة، أي: احترز من مشقة مشية في الحر لمدة ساعة، كما فعل الذين امتنعوا عن الخروج في سبيل الله خشية الحر، مع أن ذلك يؤدي بهم إلى المكث في نار جهنم، حيث لا مقارنة ولا نسبة بين العذابين، فمن تصون من مشقة ساعة؛ فوقع بسبب ذلك التصون في مشقة الأبد، كان أجهل من كل جاهل، يعني: لا يستطيع أن يستعمل عقله في الموازنة بين الأضرار، فلا شك أن القاعدة: أنه يدفع أقوى الضررين بارتكاب أخفهما. ثم ينشد الزمخشري هنا قول بعضهم: مسرة أحقاب تلقيت بعدها مساءة يوم أريها شبه الصاب فكيف بأن تلقى مسرة ساعة وراء تقضيها مساءة أحقاب يعني: إذا مرت بك أحقاب وأزمان طويلة، وعشت فيها في سرور وسعادة، ثم كدرت هذه السعادة وهذا السرور بمساءة يوم مر عليك بعد ذلك، فهذه المسرة الطويلة أريها يعني: عسلها، شبه الصاب، يعني: مثل الصاب، وهو نبات مر، أو هو الحنظل. (فكيف بأن تلقى مسرة ساعة وراء تقضيها مساءة أحقاب)، فكيف ترجح سرور ساعة، سوف يورثك الحسرة والمساءة لأحقاب؟ فكيف المقارنة بين عذاب قليل في الدنيا وسويعات قليلة في الحر وبين حر جهنم؟! فلا مقارنة على الإطلاق؛ لأن فيها الخلود الدائم الذي لا ينقطع. فهم كما قال القائل: كالمستجير من الرمضاء بالنار، ولذلك هذا الشخص الذي يقدم على الانتحار، ما أقل عقله! وهو من أجهل الجهال؛ لأنه إذا كان يبتلى في الدنيا ببعض البلاء ولا يستطيع أن يصبر عليه، فكيف يعجل بنفسه إلى النار التي لا مقارنة بين بلائها وبين هذا البلاء الذي كان يعانيه في الدنيا، لأنه لو عاش فالله سيخلف عليه إصلاحاً لحاله، ويمد له في الأجل كي يعمر عمره بالأعمال الصالحة، فهو أضر نفسه من حيث إنه قطع على نفسه الفرصة التي وهبه الله إياها، فقطع عمره بدل أن يستثمره في العمل الصالح، وفي نفس الوقت عجل نفسه إلى عذاب الله ، إلا أن يشاء الله ، فهذا كالمستجير من الرمضاء بالنار، يهرب من الرمضاء -الحر الشديد- أو الرمال الساخنة، فيلقي بنفسه في النار! فنحن نلاحظ في كثير من الحوادث مثل: الزلازل أو انهيار المنازل؛ أن الإنسان بسرعة جداً يقيس الأمر، فلو وجد حريق في بيت أو فندق، فنسمع أن من الناس من ألقى بنفسه من النافذة؛ لأنه لا يوجد وقت للترجيح، فيرجح بأن يلقي نفسه لكي يتكسر؛ لأنه أهون من أن يحترق بهذه النار التي تطارده، أما هذا فعلى العكس فيستجير من حر رمال ساخنة بأن يلقي نفسه في النار، وقال آخر: عمرك بالحمية أفنيته خوفاً من البارد والحار وكان أولى لك أن تتقي من المعاصي حذر النار يعني: نحن في البرد الشديد نستعمل المدفئات حتى تسخن الجو، وفي حالة الحر نأتي بالمراوح والمكيفات لكي تبرد الجو، فيقول: أفنيت عمرك في الاحتراز من الحر والبرد، (خوفاً من البارد والحار، وكان أولى لك أن تتقي من المعاصي حذر النار). وروى الإمام مالك والشيخان عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (نار بني آدم التي يوقدون بها جزء من سبعين جزءاً من نار جنهم). وروى الشيخان عن

стр. 1296

تفسير قوله تعالى: (فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً) ثم أخبر ﵎ عن عاجل آمرهم وآجله من الضحك القليل والبكاء الطويل المؤدية إليه أعمالهم السيئة التي من جملتها ما ذكر من الفرح، فقال : ((فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا))، أليسوا فرحين فليضحكوا؟ لكن هذا الضحك قليل، (فليضحكوا قليلاً)، هنا أمر بمعنى: التهديد، وليس للوجوب، ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة:٨٢]، أو هو أمر بمعنى الخبر، (فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً)، يعني: سوف تحصل لهم تلك الحالة: ضحك كثير مع بكاء طويل. والحكمة من أنه أخرج حالهم الدنيوي والأخروي على صيغة الأمر؛ ليدل على تحتم وقوع المخبر به، فإن أمر الآمر المطاع مما لا يكاد أن يتخلف عنه المأمور به، فالله حينما يقول: اضحكوا قليلاً وابكوا كثيراً، إذا أمرهم الله بذلك، والله لا يتخلف أمره عن الانقياد له قهراً وقسراً؛ فهذا يعني بيان تحتم وقوع ذلك، وعدم تخلفه عن المأمور به. فإن قيل: إنهم ذكروا أنه يعبر عن الأمر بالخبر للمبالغة في اقتضائه تحقق المأمور به، فالخبر آكد، فما باله عكس هذا؟ ف الجواب أنه لا منافاة بينهما؛ لأن لكل مقام مقالاً، والنكت لا تتزاحم، فإذا عبر عن الأمر بالخبر لإفادة أن المأمور لشدة امتثاله كأنه وقع منه ذلك، وتحقق منه قبل الأمر به كان أبلغ، وإذا عبر عن الخبر بالأمر لإفادة لزومه ووجوبه، فكأنه مأمور به، أفاد ذلك مبالغة من جهة أخرى. وهنا جمع بين صيغتين: صيغة الماضي والمستقبل، فقال : ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة:٨٢]، جزاءً بما كانوا: ماضي، يكسبون: هذه صفة تفيد الاستمرار إلى المستقبل، الاستمرار التجددي ما داموا في الدنيا، يعني: ما داموا فيها فهم يكسبون هذه الأفعال. قال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة:٨٢]: من الناس من كان لا يضحك، يعني: كان بعض السلف لا يضحك، اهتماماً بنفسه وخوفاً على فساد حاله في اعتقاده، يظن أنه مقصر في حق الله، ولشدة خوفه كان لا يستطيع أن يضحك، وإن كان عبداً صالحاً لكنه يخشى التقصير، قال ﷺ : (والله! لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى الصُّعُدات -أي الطرق- تجأرون إلى الله تعالى، لوددت أني كنت شجرة تعضد) أخرجه الترمذي. وكان الحسن البصري ﵀ ممن قد غلب عليه الحزن فكان لا يضحك، وكان ابن سيرين يضحك ويحتج على الحسن ويقول: الله أضحك وأبكى، وكان الصحابة يضحكون، إلا أن الإكثار منه وملازمته حتى يغلب على صاحبه مذموم منهي عنه، وقد قال ﵊: (إياك وكثرة الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب). أما البكاء من خوف الله وعذابه وشدة عقابه فمحمود، قال ﷺ : (ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول، حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح العيون، فلو أن سفناً أجريت فيها لجرت). أخرجه ابن المبارك من حديث أنس وأخرجه ابن ماجة أيضاً. وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه). وقال أيضاً: (عينان لا تمسهما النار، وذكر منهما: وعين بكت من خشية الله)، فمن كثر بكاؤه خوفاً من الله تعالى وخشية منه، ضحك كثيراً في الآخرة؛ لأن المؤمنين يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٦ - ٢٧]. وقد قيل للحسن: ما نصنع يا أبا سعيد -بمجالسة أخوان يخوفوننا، حتى تكاد قلوبنا تتفطر؟! فقال: لئن تجالس قوماً يخوفونك حتى تدرك أمناً، خير لكن من أن تجالس قوماً يؤمنونك حتى تلحقك المخاوف. ووصف الله أهل النار فقال: ﴿وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين:٣١]، وقال أيضاً: ﴿وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١١٠ - ١١١].

стр. 1297

تفسير قوله تعالى: (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم) ولما جلى ما جلى من أمرهم، فرع عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ [التوبة:٨٣]. قوله تعالى: (فإن رجعك الله) يعني: إن ردك الله من غزوة تبوك إلى طائفة من المنافقين المتخلفين في المدينة، والمقصود المتخلفين بغير عذر، وإنما قال : (إلى طائفة منهم) ولم يقل: إلى كل من في المدينة؛ لأن منهم من كان معذوراً؛ لأن جميع من أقام في المدينة ما كانوا منافقين، بل كان منهم معذورون، ومنهم من لا عذر له ثم عفا عنه وتاب عليه كالثلاثة الذين خلفوا. (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ) أي: معك إلى غزوة أخرى بعد تبوك، دفعاً للعار السابق، هم لا يريدون وجه الله ولا أن يتوبوا، لكن يريدون دفع العار، وتحسين منظرهم أمام الناس. (فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا) يعني: عاقبهم بألا تصحبهم أبداً، كما في سورة الفتح: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾ [الفتح:١٥]. (وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ): رضيتم بالقعود عني أول مرة، يعني: فخذلكم الله وسقطتم عن نظره، بل غضب عليكم وألزمكم العار (فاقعدوا مع الخالفين)، يعني: كونوا مع الخالفين من النساء والصبيان دائماً. ومع أن هؤلاء الخالفين يشملون الإناث النساء لكنه غلب هنا المذكر فقال: (فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ) تغليباً للمذكر، وهذه الآية: (فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ) تدل على أن اصطحاب المخذل في الغزو لا يجوز، فلا يجوز في الغزو اصطحاب المخذل الذي يخذل الناس ويثبط هممهم. (فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ) إذاً هناك تفسير للخالفين بأنهم النساء والصبيان والزمنى، أو المعنى: فاقعدوا مع الفاسدين، على أن الخوالف هم خساس الناس وأدنياؤهم، أحقر الناس وسفلتهم، فيقال: فلان خالفة أهل بيته، إذا كان دونهم أو فلان خالفة يعني: غير نجيب، إذا كان فاسداً في قومه، ومنه أيضاً: خلوف فم الصائم؛ لأن خلف فمه يعني: تغير ريحه، ومن قولهم: خلف اللبن أو خلُف اللبن بفتح اللام وضمها يعني: إذا فسد وحمض بطول المكث في السقاء، فالمقصود على هذا القول: (فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ) يعني: مع الفاسدين. قوله تعالى: (فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا) إخبار في معنى النهي للمبالغة، وذكر القتال: (وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا) لأنه المقصود من الخروج، فلو اقتصر على أحدهما لكفى إسقاطاً لهم عن مقام الصحبة ومقام الجهاد، أو عن ديوان الغزاة وديوان المجاهدين، وإظهاراً لكراهة صحبتهم وعدم الحاجة إلى عدهم من الجند. يقول أبو السعود: فكان محو أساميهم من دفتر المجاهدين. وهذه عقوبة شديدة لهم وأي عقوبة! وقال: وتذكير اسم التفضيل المضاف إلى المؤنث هو الأكثر الدائر على الألسنة، يقصد قوله: (أول مرة)، فالصحيح في اللغة أن الأكثر الدائر على الألسنة: أن يذكر اسم التفضيل إذا أضيف إلى المؤنث، فإنك لا تكاد تسمع -بعد الاستقراء- قائلاً يقول: هي كبرى امرأة، أو يقول: هند كبرى النساء، لكن تقول: هي أكبرهن أو هي أكبر امرأة، ولا تكاد تسمع شخصاً يقول: هذه أولى مرة، لكن أكثر الاستعمال هو: أول مرة، فجاء قوله تعالى: (إنكم رضيتم بالقعود أول مرة) جرياً على الغالب في استعمال العرب. وهذه الآية الكريمة: (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين) سبق أن نبهنا مراراً أن بعض الناس -بالذات في جماعة التبليغ- يحاكمون ألفاظ القرآن إلى ألفاظ محدثة فيحملون مثلاً الآيات التي فيها لفظ الخروج على الخروج المعهود الطارئ عندهم في جماعتهم، وقد يذمون من يتخلف عنهم بنفس هذه النصوص، فهذا بلا شك من الانحراف في تفسير كلام الله ، كما فسروا قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] بأنه الخروج بالكيفية التي يلتزمونها ولا يكادون يخرجون عنها!! وقوله هنا: (قل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً) قال الرازي: واعلم أن هذه الآية تدل على أن الرجل إذا ظهر له من بعض متعلقيه مكر وخداع وكيد -بعض متعلقيه: جيرانه أصدقائه زملائه أو غير ذلك- إذا ظهر له من بعض متعلقيه مكر وخداع وكيد، ورآه مشدداً فيه، مبالغاً في تقرير موجباته، فإنه يجب عليه أن يقطع العلاقة بينه وبينه، وأن يحترز من مصاحبته، فالشخص القريب منك كزميل أو جار، إذا تأكدت -لا على سوء الظن ولا من مرة أو مرتين أو من مجرد إساءة تحتمل- أنه يظهر منه المكر والكيد والخداع، ويشدد في ذلك ويبالغ إلى أقصى ما يستطيع في توصيل ما أمكنه من الأذى إليك، فمثل هذا ينبغي أن تقطع العلاقة بينك وبينه، وأن تحترز عن مصاحبته توقياً لشره، ويستفاد هذا من قوله تعالى: (قل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً).

стр. 1298

تفسير قوله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً) قال ﵎: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤]. (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً) لأن صلاة الجنازة شفاعة، ولا شفاعة في حق هؤلاء. (ولا تقم على قبره) أي: لا تقف عليه للدفن أو للزيارة والدعاء. وبعض المفسرين قال: (لا تقم على قبره) يعني: بالدعاء. وبعضهم قال: (لا تقم على قبره) يعني: لا تقم بإصلاح مهمات قبره، من قولهم: قام فلان بأمر فلان، يعني: إذا كفاه أمره وتولاه، (ولا تقم على قبره) لا تتولى أمره، ولا تتولى إصلاح مهمات قبره. وقال الشهاب: القبر مكان وضع الميت، ويكون بمعنى الدفن. (إنهم كفروا بالله ورسوله) يعني: في أثناء ما كانوا أحياء كفروا في الباطن بالله ورسوله. وقوله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً) جملة (مات أبداً) صفة؛ لأن الجملة بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال، فجملة (مات) هنا في موضع جر؛ لأنها صفة للنكرة، كأنه قيل: لا تصل على أحد منهم ميت. (إنهم كفروا) يعني: في حالة الحياة كفروا في الباطن، لأن الكلام عن المنافقين: (إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) أي: خارجون عن الإيمان الظاهر الذي كانوا به في حكم المؤمنين. روى الشيخان في سبب نزول الآية عن ابن عمر ﵄ قال: (لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله ﷺ ، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟! فقال رسول الله ﷺ : إنما خيرني الله فقال: ((اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)) [التوبة:٨٠]، وسأزيده على السبعين)، قال: إنه منافق! قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ ، فأنزل الله آية: (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا). أما قوله: فسأله أن يعطيه قميصه يكفن به أباه، قيل: إن سر إجابته ﵊ في إعطائه قميصه الذي سأله إياه أن هذا من حسن خلق النبي ﵊؛ لأن الله قال له: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:١٠]، فلما سأله القميص أعطاه. وقيل: لأن منع القميص لا يليق بأهل الكرم. وقيل: إن الرسول ﵊ أكرمه لمكان ابنه، وكان من الصالحين. وقيل: لعل الله أوحى إلى النبي أنه إن فعل ذلك أسلم نفر من المنافقين. وقيل: لأن الرأفة والرحمة كانت غالبة عليه ﷺ . لكن الراجح من ذلك كله هو ما ذكره القرطبي حيث قال: اختلف في إعطاء النبي ﷺ قميصه لـ عبد الله فقيل: إنما أعطاه؛ لأن عبد الله كان قد كسا العباس عم النبي ﷺ قميصاً يوم بدر، وذلك أن العباس لما أسر يوم بدر -على ما تقدم- وسلب ثوبه رآه النبي ﷺ كذلك فأشفق عليه، فطلب له قميصاً فما وجدوا له قميصاً عليه إلا قميص عبد الله لتقاربهما في طول القامة، فأراد النبي ﷺ بإعطاء القميص أن يرفع اليد عنه في الدنيا، أي: يرد له هذا الجميل حتى لا يلقاه في الآخرة وله عليه يد يكافؤه بها. وقيل: إنما أعطاه القميص إكراماً لابنه وإسعافاً له في طلبته وتطييباً لقلبه، والأول أصح؛ لأن البخاري أخرجه عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: لما كان يوم بدر أتي بأسارى وأتي بـ العباس ولم يكن عليه ثوب، فطلب النبي ﷺ له قميصاً، فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه -يعني على مقاسه- فكساه النبي ﷺ إياه، فلذلك نزع النبي ﷺ قميصه الذي ألبسه. وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: (إن قميصي لا يغني عنه من الله شيئاً، وإني لأرجو أن يسلم لفعلي هذا ألف رجل من قومي)، كذا في بعض الروايات: من قومي يعني: من منافقي العرب. والصحيح أنه قال: (رجال من قومه). ووقع في مغازي ابن إسحاق وفي بعض كتب التفسير: فأسلم وتاب لهذه الفِعلة من رسول الله ﷺ ألف رجل من الخزرج. وقال الرازي: كان المنافقون لا يفارقون عبد الله بن أبي فلما رأوه يطلب هذا القميص ويرجو أن ينفعه أسلم منهم يومئذ ألف، والله تعالى أعلم. وإنما قلنا: أسلم وتاب لهذه الفِعلة؛ لأن كلمة الفِعلة هي المرة الواحدة من العمل، لكن الفَعلة تطلق على الفَعلة المستنكرة، وشاهدها من القرآن ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩]. وقال الحافظ أبو نعيم: وقع في رواية في قول عمر: أتصلي عليه وقد نهاك الله عن الصلاة على المنافقين؟ ولم يبين محل النهي، فوقع بيانه في رواية أبي ضمرة عن العمري وهو أن مراده بالصلاة عليهم الاستغفار لهم، ولفظه: وقد نهاك الله أن تستغفر لهم يعني: في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى﴾ [التوبة:١١٣] وهذه الآية نزلت في مكة عند موت أبي طالب حينما قال له: (لأستغفرن لك ما لم أنه عنك)، وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة اتفاقاً، ووفاة عبد الله بن أبي في ذي القعدة سنة تسع بعد قدوم النبي ﷺ من تبوك. وفي رواية الإمام أحمد فيس مسنده قال عمر: لما توفي عبد الله بن أبي دعي له رسول الله ﷺ للصلاة عليه فقام عليه، يعني: لأنه بنى على الظاهر من تلفظه بالإسلام، فلما وقف عليه يريد الصلاة عليه تحولت حتى قمت في صدره، يعني: أراد عمر أن يحول بينه وبين القبلة، فتحول حتى أتى إلى جهة صدر النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله! أعلى عدو الله عبد الله بن أبي القائل يوم كذا: كذا وكذا، يعدد أيامه؟! قال: ورسول الله صلى الله وسلم يبتسم، حتى إذا أكثرت عليه قال: (أخر عني يا عمر! إني خيرت فاخترت، قد قيل لي: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم)، لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت)، قال: ثم صلى عليه، ومشى معه، وقام على قبره حتى فرغ منه، قال: فعجبت من جرأتي على رسول الله ﷺ ، والله ورسوله أعلم! قال: والله ما كان إلا يسيراً حتى نزلت هاتان الآيتان: (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون)، فما صلى رسول الله ﷺ بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله . ورواه البخاري والترمذي. وروى الإمام أحمد عن جابر ﵁ قال: لما مات عبد الله بن أبي أتى ابنه النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إنك إن لم تأته لم نزل نعير به، أي: الناس سوف يعيروننا إلى الأبد بهذا. وفي بعض الروايات: (إن لم تصل عليه يا رسول الله! لن يصلي عليه مسلم)، فأتاه النبي ﷺ فوجده قد أدخل في حفرته فقال: أفلا قبل أن تدخلوه، فأخرج من حفرته إلى آخره. وهذه الآية الكريمة هي إحدى المواضع التي وافق فيها عمر الوحي الشريف، وهذا من مناقب أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه، أن الوحي نزل موافقاً لقوله في عدة مواضع: منها: أخذ الفداء عن أسارى بدر. ومنها: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥]. ومنها: آية أمر النساء بالحجاب. ومنها: آية تحريم الخمر. ومنها: آية تحويل القبلة. ومنها: هذه الآية الكريمة. فهذه من مناقب أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه. وقوله ﵎: (ولا تقم على قبره) ثبت أن الرسول ﵊ كان إذا دعي إلى جنازة سأل عنها، فإن أثني عليها خيراً قام فصلى عليها، وإن كان غير ذلك قال لأهلها: (شأنكم بها، ولم يصل عليها). وقيل أيضاً: إنما منع ﷺ من الصلاة على أحدهم إذا مات؛ لأن صلاة الميت دعاء واستغفار واستشفاع له، والكافر ليس بأهل لذلك. وقال السيوطي في قوله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم): في هذه الآية تحريم الصلاة على الكافر. ويدخل في ذلك أيضاً: أن يذكر الكافر ويترحم عليه، فبعض الجهلة يذكر الكفار ويترحم عليهم، فهذا لا يجوز أبداً. كذلك: لا يجوز الوقوف على قبره، وأما دفنه فجائز، ومفهومه وجوب الصلاة على المسلم ودفنه، وقد اختلفوا هل وجوب الصلاة على المسلم، ووجوب دفنه يؤخذ من هذه الآية أم لا؟ فالذين قالوا: يؤخذ استدلوا بالمفهوم، قالوا: لأنه علل المنع من الصلاة على الكفار لكفرهم، فقال: ((إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ))، فإذا زال الكفر وجبت الصلاة، ويكون نحو قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] يعني: الكفار، فدل على أن غير الكفار -وهم المؤمنون- يرون الله ع

стр. 1299

تفسير قوله تعالى: (ولا تعجبك أموالهم وأولادهم) ثم بين ﵎ أن دوام غضبه عليهم لا ينافي إعطاءهم الأموال والأولاد؛ لأن الله يعطي الدين فقط من يحب، ويعطي الدنيا من أحب ومن لا يحب؛ لهوانها على الله ، فقال ﵎: ﴿وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:٨٥]. (لا تعجبك أموالهم وأولادهم)؛ لأن الله لم يرد الإنعام عليهم بها ليدل على رضاه عنهم، بل يريد الانتقام منهم. (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا) بالمشقة في تحصيلها، وبالمشقة في حفظها، وبالمشقة التي تلحقهم في الحزن عليها عند فراقها. (وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) أي: فيموتون كافرين غافلين عن التدبر في العواقب، وقد تقدمت الآية في هذه السورة مع تغاير في ألفاظها. قال الزمخشري: أعيد قوله: (ولا تعجبك) بأن تجدد النزول له شأنه في تقرير ما نزل له وتأكيده، وإرادة أن يكون على بال من المخاطب لا ينساه ولا يسهو عنه، وأن يعتقد أن العمل به مهم، يفتقر إلى فضل عناية به، لا سيما إذا تراخى ما بين النزولين، فأشبه الشيء الذي أهم صاحبه، فهو يرجع إليه في أثناء حديثه ويتخلص إليه، وإنما أعيد هذا المعنى لقوته فيما يجب أن يحذر منه.

стр. 1300

تفسير قوله تعالى: (وإذا أنزلت سورة فهم لا يفقهون) قال ﵎: ﴿وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٨٦]. (وإذا أنزلت سورة): اختلفوا هل هذا عام في كل سورة أم المقصود به سورة خاصة؟ قال مقاتل: هي سورة براءة بالذات؛ لأنها التي ورد فيها الأمر بالإيمان والجهاد. (وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله) يفهم من هذا أن المؤمنين أسرعوا إلى الإجابة إلى ذلك، فالمؤمنون يسارعون إلى الإجابة، أما المنافقون فإنهم يتعللون ويفتشون عن المعاذير. (وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ) هذا الأمر: (آمنوا) يحتمل أن يكون موجهاً للمؤمنين والمنافقين، فهناك احتمالان: الاحتمال الأول: أن يكون هذا الأمر موجهاً للمؤمنين، وليس معنى الأمر بالإيمان مع كونهم مؤمنين أنه تحصيل حاصل، وإنما هو كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء:١٣٦]، فالمقصود استدامة الإيمان والثبات عليه، وكقوله: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. الاحتمال الثاني: أن يكون هذا الأمر موجهاً للمنافقين، وعليه فإن المقصود ابتداء الإيمان، آمنوا بالله واتركوا النفاق الذي أنتم فيه، فهنا ابتداء، وفي حق المؤمنين استدامة، أو أن الخطاب للمنافقين: (وإذا أنزلت سورة أن آمنوا) أيها المنافقون، وكأنه يقول لهم: افعلوا فعل من آمن، أو آمنوا بقلوبكم كما آمنتم بألسنتكم. وقيل: قدم الأمر بالإيمان على الأمر بالجهاد؛ لأن الإقدام على الجهاد قبل الإيمان لا يفيد فائدة أصلاً، فالواجب عليكم أن تؤمنوا أولاً ثم تشتغلوا بالجهاد ثانياً. قوله تعالى: (وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك) يعني: في التخلف (أولوا الطول) أولوا الغنى منهم (وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين) مع العاجزين عن الخروج.
следующие страницы →