Полный текст (3 275 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
تفسير قوله تعالى: (فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً)
ثم أخبر ﵎ عن عاجل آمرهم وآجله من الضحك القليل والبكاء الطويل المؤدية إليه أعمالهم السيئة التي من جملتها ما ذكر من الفرح، فقال : ((فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا))، أليسوا فرحين فليضحكوا؟ لكن هذا الضحك قليل، (فليضحكوا قليلاً)، هنا أمر بمعنى: التهديد، وليس للوجوب، ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة:٨٢]، أو هو أمر بمعنى الخبر، (فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً)، يعني: سوف تحصل لهم تلك الحالة: ضحك كثير مع بكاء طويل.
والحكمة من أنه أخرج حالهم الدنيوي والأخروي على صيغة الأمر؛ ليدل على تحتم وقوع المخبر به، فإن أمر الآمر المطاع مما لا يكاد أن يتخلف عنه المأمور به، فالله حينما يقول: اضحكوا قليلاً وابكوا كثيراً، إذا أمرهم الله بذلك، والله لا يتخلف أمره عن الانقياد له قهراً وقسراً؛ فهذا يعني بيان تحتم وقوع ذلك، وعدم تخلفه عن المأمور به.
فإن قيل: إنهم ذكروا أنه يعبر عن الأمر بالخبر للمبالغة في اقتضائه تحقق المأمور به، فالخبر آكد، فما باله عكس هذا؟ ف
الجواب
أنه لا منافاة بينهما؛ لأن لكل مقام مقالاً، والنكت لا تتزاحم، فإذا عبر عن الأمر بالخبر لإفادة أن المأمور لشدة امتثاله كأنه وقع منه ذلك، وتحقق منه قبل الأمر به كان أبلغ، وإذا عبر عن الخبر بالأمر لإفادة لزومه ووجوبه، فكأنه مأمور به، أفاد ذلك مبالغة من جهة أخرى.
وهنا جمع بين صيغتين: صيغة الماضي والمستقبل، فقال : ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة:٨٢]، جزاءً بما كانوا: ماضي، يكسبون: هذه صفة تفيد الاستمرار إلى المستقبل، الاستمرار التجددي ما داموا في الدنيا، يعني: ما داموا فيها فهم يكسبون هذه الأفعال.
قال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة:٨٢]: من الناس من كان لا يضحك، يعني: كان بعض السلف لا يضحك، اهتماماً بنفسه وخوفاً على فساد حاله في اعتقاده، يظن أنه مقصر في حق الله، ولشدة خوفه كان لا يستطيع أن يضحك، وإن كان عبداً صالحاً لكنه يخشى التقصير، قال ﷺ : (والله! لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى الصُّعُدات -أي الطرق- تجأرون إلى الله تعالى، لوددت أني كنت شجرة تعضد) أخرجه الترمذي.
وكان الحسن البصري ﵀ ممن قد غلب عليه الحزن فكان لا يضحك، وكان ابن سيرين يضحك ويحتج على الحسن ويقول: الله أضحك وأبكى، وكان الصحابة يضحكون، إلا أن الإكثار منه وملازمته حتى يغلب على صاحبه مذموم منهي عنه، وقد قال ﵊: (إياك وكثرة الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب).
أما البكاء من خوف الله وعذابه وشدة عقابه فمحمود، قال ﷺ : (ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول، حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح العيون، فلو أن سفناً أجريت فيها لجرت).
أخرجه ابن المبارك من حديث أنس وأخرجه ابن ماجة أيضاً.
وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه).
وقال أيضاً: (عينان لا تمسهما النار، وذكر منهما: وعين بكت من خشية الله)، فمن كثر بكاؤه خوفاً من الله تعالى وخشية منه، ضحك كثيراً في الآخرة؛ لأن المؤمنين يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٦ - ٢٧].
وقد قيل للحسن: ما نصنع يا أبا سعيد -بمجالسة أخوان يخوفوننا، حتى تكاد قلوبنا تتفطر؟! فقال: لئن تجالس قوماً يخوفونك حتى تدرك أمناً، خير لكن من أن تجالس قوماً يؤمنونك حتى تلحقك المخاوف.
ووصف الله أهل النار فقال: ﴿وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين:٣١]، وقال أيضاً: ﴿وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١١٠ - ١١١].
стр. 1297
تفسير قوله تعالى: (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم)
ولما جلى ما جلى من أمرهم، فرع عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ [التوبة:٨٣].
قوله تعالى: (فإن رجعك الله) يعني: إن ردك الله من غزوة تبوك إلى طائفة من المنافقين المتخلفين في المدينة، والمقصود المتخلفين بغير عذر، وإنما قال : (إلى طائفة منهم) ولم يقل: إلى كل من في المدينة؛ لأن منهم من كان معذوراً؛ لأن جميع من أقام في المدينة ما كانوا منافقين، بل كان منهم معذورون، ومنهم من لا عذر له ثم عفا عنه وتاب عليه كالثلاثة الذين خلفوا.
(فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ) أي: معك إلى غزوة أخرى بعد تبوك، دفعاً للعار السابق، هم لا يريدون وجه الله ولا أن يتوبوا، لكن يريدون دفع العار، وتحسين منظرهم أمام الناس.
(فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا) يعني: عاقبهم بألا تصحبهم أبداً، كما في سورة الفتح: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾ [الفتح:١٥].
(وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ): رضيتم بالقعود عني أول مرة، يعني: فخذلكم الله وسقطتم عن نظره، بل غضب عليكم وألزمكم العار (فاقعدوا مع الخالفين)، يعني: كونوا مع الخالفين من النساء والصبيان دائماً.
ومع أن هؤلاء الخالفين يشملون الإناث النساء لكنه غلب هنا المذكر فقال: (فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ) تغليباً للمذكر، وهذه الآية: (فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ) تدل على أن اصطحاب المخذل في الغزو لا يجوز، فلا يجوز في الغزو اصطحاب المخذل الذي يخذل الناس ويثبط هممهم.
(فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ) إذاً هناك تفسير للخالفين بأنهم النساء والصبيان والزمنى، أو المعنى: فاقعدوا مع الفاسدين، على أن الخوالف هم خساس الناس وأدنياؤهم، أحقر الناس وسفلتهم، فيقال: فلان خالفة أهل بيته، إذا كان دونهم أو فلان خالفة يعني: غير نجيب، إذا كان فاسداً في قومه، ومنه أيضاً: خلوف فم الصائم؛ لأن خلف فمه يعني: تغير ريحه، ومن قولهم: خلف اللبن أو خلُف اللبن بفتح اللام وضمها يعني: إذا فسد وحمض بطول المكث في السقاء، فالمقصود على هذا القول: (فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ) يعني: مع الفاسدين.
قوله تعالى: (فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا) إخبار في معنى النهي للمبالغة، وذكر القتال: (وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا) لأنه المقصود من الخروج، فلو اقتصر على أحدهما لكفى إسقاطاً لهم عن مقام الصحبة ومقام الجهاد، أو عن ديوان الغزاة وديوان المجاهدين، وإظهاراً لكراهة صحبتهم وعدم الحاجة إلى عدهم من الجند.
يقول أبو السعود: فكان محو أساميهم من دفتر المجاهدين.
وهذه عقوبة شديدة لهم وأي عقوبة! وقال: وتذكير اسم التفضيل المضاف إلى المؤنث هو الأكثر الدائر على الألسنة، يقصد قوله: (أول مرة)، فالصحيح في اللغة أن الأكثر الدائر على الألسنة: أن يذكر اسم التفضيل إذا أضيف إلى المؤنث، فإنك لا تكاد تسمع -بعد الاستقراء- قائلاً يقول: هي كبرى امرأة، أو يقول: هند كبرى النساء، لكن تقول: هي أكبرهن أو هي أكبر امرأة، ولا تكاد تسمع شخصاً يقول: هذه أولى مرة، لكن أكثر الاستعمال هو: أول مرة، فجاء قوله تعالى: (إنكم رضيتم بالقعود أول مرة) جرياً على الغالب في استعمال العرب.
وهذه الآية الكريمة: (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين) سبق أن نبهنا مراراً أن بعض الناس -بالذات في جماعة التبليغ- يحاكمون ألفاظ القرآن إلى ألفاظ محدثة فيحملون مثلاً الآيات التي فيها لفظ الخروج على الخروج المعهود الطارئ عندهم في جماعتهم، وقد يذمون من يتخلف عنهم بنفس هذه النصوص، فهذا بلا شك من الانحراف في تفسير كلام الله ، كما فسروا قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] بأنه الخروج بالكيفية التي يلتزمونها ولا يكادون يخرجون عنها!! وقوله هنا: (قل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً) قال الرازي: واعلم أن هذه الآية تدل على أن الرجل إذا ظهر له من بعض متعلقيه مكر وخداع وكيد -بعض متعلقيه: جيرانه أصدقائه زملائه أو غير ذلك- إذا ظهر له من بعض متعلقيه مكر وخداع وكيد، ورآه مشدداً فيه، مبالغاً في تقرير موجباته، فإنه يجب عليه أن يقطع العلاقة بينه وبينه، وأن يحترز من مصاحبته، فالشخص القريب منك كزميل أو جار، إذا تأكدت -لا على سوء الظن ولا من مرة أو مرتين أو من مجرد إساءة تحتمل- أنه يظهر منه المكر والكيد والخداع، ويشدد في ذلك ويبالغ إلى أقصى ما يستطيع في توصيل ما أمكنه من الأذى إليك، فمثل هذا ينبغي أن تقطع العلاقة بينك وبينه، وأن تحترز عن مصاحبته توقياً لشره، ويستفاد هذا من قوله تعالى: (قل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً).
стр. 1298
تفسير قوله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً)
قال ﵎: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤].
(ولا تصل على أحد منهم مات أبداً) لأن صلاة الجنازة شفاعة، ولا شفاعة في حق هؤلاء.
(ولا تقم على قبره) أي: لا تقف عليه للدفن أو للزيارة والدعاء.
وبعض المفسرين قال: (لا تقم على قبره) يعني: بالدعاء.
وبعضهم قال: (لا تقم على قبره) يعني: لا تقم بإصلاح مهمات قبره، من قولهم: قام فلان بأمر فلان، يعني: إذا كفاه أمره وتولاه، (ولا تقم على قبره) لا تتولى أمره، ولا تتولى إصلاح مهمات قبره.
وقال الشهاب: القبر مكان وضع الميت، ويكون بمعنى الدفن.
(إنهم كفروا بالله ورسوله) يعني: في أثناء ما كانوا أحياء كفروا في الباطن بالله ورسوله.
وقوله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً) جملة (مات أبداً) صفة؛ لأن الجملة بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال، فجملة (مات) هنا في موضع جر؛ لأنها صفة للنكرة، كأنه قيل: لا تصل على أحد منهم ميت.
(إنهم كفروا) يعني: في حالة الحياة كفروا في الباطن، لأن الكلام عن المنافقين: (إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) أي: خارجون عن الإيمان الظاهر الذي كانوا به في حكم المؤمنين.
روى الشيخان في سبب نزول الآية عن ابن عمر ﵄ قال: (لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله ﷺ ، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟! فقال رسول الله ﷺ : إنما خيرني الله فقال: ((اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)) [التوبة:٨٠]، وسأزيده على السبعين)، قال: إنه منافق! قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ ، فأنزل الله آية: (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا).
أما قوله: فسأله أن يعطيه قميصه يكفن به أباه، قيل: إن سر إجابته ﵊ في إعطائه قميصه الذي سأله إياه أن هذا من حسن خلق النبي ﵊؛ لأن الله قال له: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:١٠]، فلما سأله القميص أعطاه.
وقيل: لأن منع القميص لا يليق بأهل الكرم.
وقيل: إن الرسول ﵊ أكرمه لمكان ابنه، وكان من الصالحين.
وقيل: لعل الله أوحى إلى النبي أنه إن فعل ذلك أسلم نفر من المنافقين.
وقيل: لأن الرأفة والرحمة كانت غالبة عليه ﷺ .
لكن الراجح من ذلك كله هو ما ذكره القرطبي حيث قال: اختلف في إعطاء النبي ﷺ قميصه لـ عبد الله فقيل: إنما أعطاه؛ لأن عبد الله كان قد كسا العباس عم النبي ﷺ قميصاً يوم بدر، وذلك أن العباس لما أسر يوم بدر -على ما تقدم- وسلب ثوبه رآه النبي ﷺ كذلك فأشفق عليه، فطلب له قميصاً فما وجدوا له قميصاً عليه إلا قميص عبد الله لتقاربهما في طول القامة، فأراد النبي ﷺ بإعطاء القميص أن يرفع اليد عنه في الدنيا، أي: يرد له هذا الجميل حتى لا يلقاه في الآخرة وله عليه يد يكافؤه بها.
وقيل: إنما أعطاه القميص إكراماً لابنه وإسعافاً له في طلبته وتطييباً لقلبه، والأول أصح؛ لأن البخاري أخرجه عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: لما كان يوم بدر أتي بأسارى وأتي بـ العباس ولم يكن عليه ثوب، فطلب النبي ﷺ له قميصاً، فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه -يعني على مقاسه- فكساه النبي ﷺ إياه، فلذلك نزع النبي ﷺ قميصه الذي ألبسه.
وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: (إن قميصي لا يغني عنه من الله شيئاً، وإني لأرجو أن يسلم لفعلي هذا ألف رجل من قومي)، كذا في بعض الروايات: من قومي يعني: من منافقي العرب.
والصحيح أنه قال: (رجال من قومه).
ووقع في مغازي ابن إسحاق وفي بعض كتب التفسير: فأسلم وتاب لهذه الفِعلة من رسول الله ﷺ ألف رجل من الخزرج.
وقال الرازي: كان المنافقون لا يفارقون عبد الله بن أبي فلما رأوه يطلب هذا القميص ويرجو أن ينفعه أسلم منهم يومئذ ألف، والله تعالى أعلم.
وإنما قلنا: أسلم وتاب لهذه الفِعلة؛ لأن كلمة الفِعلة هي المرة الواحدة من العمل، لكن الفَعلة تطلق على الفَعلة المستنكرة، وشاهدها من القرآن ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩].
وقال الحافظ أبو نعيم: وقع في رواية في قول عمر: أتصلي عليه وقد نهاك الله عن الصلاة على المنافقين؟ ولم يبين محل النهي، فوقع بيانه في رواية أبي ضمرة عن العمري وهو أن مراده بالصلاة عليهم الاستغفار لهم، ولفظه: وقد نهاك الله أن تستغفر لهم يعني: في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى﴾ [التوبة:١١٣] وهذه الآية نزلت في مكة عند موت أبي طالب حينما قال له: (لأستغفرن لك ما لم أنه عنك)، وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة اتفاقاً، ووفاة عبد الله بن أبي في ذي القعدة سنة تسع بعد قدوم النبي ﷺ من تبوك.
وفي رواية الإمام أحمد فيس مسنده قال عمر: لما توفي عبد الله بن أبي دعي له رسول الله ﷺ للصلاة عليه فقام عليه، يعني: لأنه بنى على الظاهر من تلفظه بالإسلام، فلما وقف عليه يريد الصلاة عليه تحولت حتى قمت في صدره، يعني: أراد عمر أن يحول بينه وبين القبلة، فتحول حتى أتى إلى جهة صدر النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله! أعلى عدو الله عبد الله بن أبي القائل يوم كذا: كذا وكذا، يعدد أيامه؟! قال: ورسول الله صلى الله وسلم يبتسم، حتى إذا أكثرت عليه قال: (أخر عني يا عمر! إني خيرت فاخترت، قد قيل لي: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم)، لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت)، قال: ثم صلى عليه، ومشى معه، وقام على قبره حتى فرغ منه، قال: فعجبت من جرأتي على رسول الله ﷺ ، والله ورسوله أعلم! قال: والله ما كان إلا يسيراً حتى نزلت هاتان الآيتان: (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون)، فما صلى رسول الله ﷺ بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله .
ورواه البخاري والترمذي.
وروى الإمام أحمد عن جابر ﵁ قال: لما مات عبد الله بن أبي أتى ابنه النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إنك إن لم تأته لم نزل نعير به، أي: الناس سوف يعيروننا إلى الأبد بهذا.
وفي بعض الروايات: (إن لم تصل عليه يا رسول الله! لن يصلي عليه مسلم)، فأتاه النبي ﷺ فوجده قد أدخل في حفرته فقال: أفلا قبل أن تدخلوه، فأخرج من حفرته إلى آخره.
وهذه الآية الكريمة هي إحدى المواضع التي وافق فيها عمر الوحي الشريف، وهذا من مناقب أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه، أن الوحي نزل موافقاً لقوله في عدة مواضع: منها: أخذ الفداء عن أسارى بدر.
ومنها: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥].
ومنها: آية أمر النساء بالحجاب.
ومنها: آية تحريم الخمر.
ومنها: آية تحويل القبلة.
ومنها: هذه الآية الكريمة.
فهذه من مناقب أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه.
وقوله ﵎: (ولا تقم على قبره) ثبت أن الرسول ﵊ كان إذا دعي إلى جنازة سأل عنها، فإن أثني عليها خيراً قام فصلى عليها، وإن كان غير ذلك قال لأهلها: (شأنكم بها، ولم يصل عليها).
وقيل أيضاً: إنما منع ﷺ من الصلاة على أحدهم إذا مات؛ لأن صلاة الميت دعاء واستغفار واستشفاع له، والكافر ليس بأهل لذلك.
وقال السيوطي في قوله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم): في هذه الآية تحريم الصلاة على الكافر.
ويدخل في ذلك أيضاً: أن يذكر الكافر ويترحم عليه، فبعض الجهلة يذكر الكفار ويترحم عليهم، فهذا لا يجوز أبداً.
كذلك: لا يجوز الوقوف على قبره، وأما دفنه فجائز، ومفهومه وجوب الصلاة على المسلم ودفنه، وقد اختلفوا هل وجوب الصلاة على المسلم، ووجوب دفنه يؤخذ من هذه الآية أم لا؟ فالذين قالوا: يؤخذ استدلوا بالمفهوم، قالوا: لأنه علل المنع من الصلاة على الكفار لكفرهم، فقال: ((إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ))، فإذا زال الكفر وجبت الصلاة، ويكون نحو قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] يعني: الكفار، فدل على أن غير الكفار -وهم المؤمنون- يرون الله ع
стр. 1299
تفسير قوله تعالى: (ولا تعجبك أموالهم وأولادهم)
ثم بين ﵎ أن دوام غضبه عليهم لا ينافي إعطاءهم الأموال والأولاد؛ لأن الله يعطي الدين فقط من يحب، ويعطي الدنيا من أحب ومن لا يحب؛ لهوانها على الله ، فقال ﵎: ﴿وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:٨٥].
(لا تعجبك أموالهم وأولادهم)؛ لأن الله لم يرد الإنعام عليهم بها ليدل على رضاه عنهم، بل يريد الانتقام منهم.
(إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا) بالمشقة في تحصيلها، وبالمشقة في حفظها، وبالمشقة التي تلحقهم في الحزن عليها عند فراقها.
(وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) أي: فيموتون كافرين غافلين عن التدبر في العواقب، وقد تقدمت الآية في هذه السورة مع تغاير في ألفاظها.
قال الزمخشري: أعيد قوله: (ولا تعجبك) بأن تجدد النزول له شأنه في تقرير ما نزل له وتأكيده، وإرادة أن يكون على بال من المخاطب لا ينساه ولا يسهو عنه، وأن يعتقد أن العمل به مهم، يفتقر إلى فضل عناية به، لا سيما إذا تراخى ما بين النزولين، فأشبه الشيء الذي أهم صاحبه، فهو يرجع إليه في أثناء حديثه ويتخلص إليه، وإنما أعيد هذا المعنى لقوته فيما يجب أن يحذر منه.
стр. 1300
تفسير قوله تعالى: (وإذا أنزلت سورة فهم لا يفقهون)
قال ﵎: ﴿وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٨٦].
(وإذا أنزلت سورة): اختلفوا هل هذا عام في كل سورة أم المقصود به سورة خاصة؟ قال مقاتل: هي سورة براءة بالذات؛ لأنها التي ورد فيها الأمر بالإيمان والجهاد.
(وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله) يفهم من هذا أن المؤمنين أسرعوا إلى الإجابة إلى ذلك، فالمؤمنون يسارعون إلى الإجابة، أما المنافقون فإنهم يتعللون ويفتشون عن المعاذير.
(وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ) هذا الأمر: (آمنوا) يحتمل أن يكون موجهاً للمؤمنين والمنافقين، فهناك احتمالان: الاحتمال الأول: أن يكون هذا الأمر موجهاً للمؤمنين، وليس معنى الأمر بالإيمان مع كونهم مؤمنين أنه تحصيل حاصل، وإنما هو كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء:١٣٦]، فالمقصود استدامة الإيمان والثبات عليه، وكقوله: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
الاحتمال الثاني: أن يكون هذا الأمر موجهاً للمنافقين، وعليه فإن المقصود ابتداء الإيمان، آمنوا بالله واتركوا النفاق الذي أنتم فيه، فهنا ابتداء، وفي حق المؤمنين استدامة، أو أن الخطاب للمنافقين: (وإذا أنزلت سورة أن آمنوا) أيها المنافقون، وكأنه يقول لهم: افعلوا فعل من آمن، أو آمنوا بقلوبكم كما آمنتم بألسنتكم.
وقيل: قدم الأمر بالإيمان على الأمر بالجهاد؛ لأن الإقدام على الجهاد قبل الإيمان لا يفيد فائدة أصلاً، فالواجب عليكم أن تؤمنوا أولاً ثم تشتغلوا بالجهاد ثانياً.
قوله تعالى: (وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك) يعني: في التخلف (أولوا الطول) أولوا الغنى منهم (وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين) مع العاجزين عن الخروج.
стр. 1301
تفسير قوله تعالى: (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف)
قوله: ((رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ)): دلالة على دنائة همتهم وخفتها.
﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة:٨٧]، وهذا إنكار وذم للمتخلفين عن الجهاد الناكلين عنه مع وجود الطول -الذي هو الفضل والسعة- وإخبار بسوء طمعهم، إذ رضوا بالعار والقعود مع الخوالف لحفظ البيوت، والخوالف: هن النساء، وذلك لإيثارهم حب المال على حب الله، وأنه بسبب ذلك (طبع على قلوبهم) أي: ختم عليها (فهم لا يفقهون) أي: ما في حب الله والتقرب إليه بالجهاد من الفوز والسعادة، وما في التخلف من الشقاء والهلاك.
قال الزمخشري: يجوز أن يراد السورة بتمامها (وإذا أنزلت سورة) أو أن يراد بعضها في قوله: (وإذا أنزلت سورة) كما يقع القرآن والكتاب على كله أو بعضه.
وقيل: هي براءة؛ لأن فيها الأمر بالإيمان والجهاد.
وقيل: المراد كل سورة ذكر فيها الإيمان والجهاد، وهذا أولى وأفيد كما قال الشهاب؛ لأن استئذانهم عند نزول آية براءة عُلِمَ مما مر، وخص ذوي الطول بأنهم المذمومون وهم من لهم قدرة مالية ويعلم منهم القدرة البدنية أيضاً بالقياس.
(رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) جمع خالفة وهي: المرأة المتخلفة عن أعمال الرجال، والمراد ذمهم وإلحاقهم بالنساء، كما قيل: كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول وقال الآخر: إن لم أقاتل فألبسوني برقعاً وفَتَخاتٍ في اليدين أربعاً والخالفة: تكون بمعنى: من لا خير فيه، والتاء فيه للنقل للاسمية، والمقصود: من لا فائدة فيه للجهاد.
стр. 1302
تفسير قوله تعالى: (لكن الرسول والذين آمنوا معه)
ثم بين تعالى ما للمؤمنين من الثناء الحسن والمثوبة الحسنى ضد أولئك، فقال : ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التوبة:٨٨] يعني: إن تخلف هؤلاء المنافقون عن الجهاد وعن الغزو، فقد توجه إليه من هو خير منهم وأخلص نية واعتقاداً، (لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم) إلى آخره، وهذا من باب قوله ﵎: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام:٨٩]، أو من باب قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت:٣٨] إلى آخره.
((لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ)) يعني: في سبيل الله؛ لغلبة حب الله عليهم على حب الأموال والأنفس.
((وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ))، اختلف في قوله تعالى: (وأولئك لهم الخيرات) فمن نظر إلى قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن:٧٠] قال: إن الخيرات هنا جمع خيرة، وهن الحور العين يعني: النساء الحسان، ويقال: هي خَيْرة النساء، أصلها خيَّرة، فخفف مثل: هيِّنة وهَيْنة، أو هن الفاضلات من كل شيء، أو يكون معنى: (لهم الخيرات) هي غنائم الدنيا ومنافع الجهاد، وبعض المفسرين رجحوا أن قوله تعالى: (وأولئك لهم الخيرات) يعني: منافع الدارين جمع خير؛ قالوا: لأن اللفظ مطلق، فلا ينبغي تقييده بشيء واحد فقط، مثل الحور العين أو كذا، بل المقصود: الخيرات سواء في الدنيا أو الآخرة، فلهم جميع منافع الدارين من النصر والغنيمة في الدنيا، والجنة والكرامة في العقبى.
(وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أي: الفائزون بالمطلوب، وقد حكي عن ابن عباس أنه قال: إن الخير لا يعلم معناه إلا الله، فلا ينبغي تقييد الخير هنا، بل يطلق ولا يعلم معناه في الحقيقة إلا الله ؛ لأنه قال في حق أهل الجنة: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧].
ثم قال الله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:٨٩] يعني: الذي لا فوز وراءه.
ثم بين تعالى أحوال منافقي الأعراب إثر بيان منافقي أهل المدينة، فالآيات الماضية في حق منافقي المدينة، والآن يبدأ الكلام على منافقي الأعراب، فقال : ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٩٠].
стр. 1303
تفسير سورة التوبة [١٠١ - ١٠٦]
стр. 1304
تفسير قوله تعالى: (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق)
قال الله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:١٠١].
قوله تعالى: (وممن حولكم من الأعراب منافقون) يعني: حول المدينة.
قال ابن عباس: مزينة، وجهينة، وأسلم، وغفار، وأشجع، كان فيهم -بعد إسلامهم- منافقون.
وقال مقاتل: وكانت منازلهم حول المدينة؛ ولذلك قال تعالى: (وممن حولكم) أي: حول بلدتكم وهي المدينة، (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق) يعني: ومن أهل المدينة أيضاً يوجد فيها المنافقون، الذين مرنوا على النفاق، ومهروا فيه.
وقوله تعالى: (ممن حولكم من الأعراب منافقون) هذه جملة اسمية، والمبتدأ قوله تعالى: (منافقون)، فقوله تعالى: (مردوا على النفاق) أي: مرنوا ومهروا فيه.
ويقول القرطبي في معنى (مردوا): أي: أقاموا ولم يتوبوا، بل ثبتوا على النفاق.
وقال غيره: لجوا فيه وأبوا غيره، والمعنى متقارب، وأصل كلمة (مرد) من اللين والملامسة والتجرد، فكأنهم تجردوا للنفاق، ومنه رملة مرداء يعني: لا نبت فيها، وغصن أمرد يعني: لا ورق عليه، وفرس أمرد أي: لا شعر على ثنته وهي مؤخر الرسغ، وغلام أمرد بين المرد، يعني: لا لحية في وجهه، ولا يقال: جارية مرداء، وتمريد البناء تمليسه كي يكون مجرداً من أي نتوأت بل أملس، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ [النمل:٤٤] أي: أملس من قوارير، وتقول: مردت الغصن يعني: جردته من الورق، يقال: مرد يمرد مروداً ومرادة، فهذا أصل كلمة: (مردوا) مأخوذة من اللين والملامسة والتجرد، فكأن هؤلاء المنافقين تجردوا للنفاق.
وقوله تعالى: (لا تعلمهم نحن نعلمهم) يعني: لا تعلمهم أنت حتى نعلمك بهم، وفي قوله تعالى: (لا تعلمهم) دليل على مرانتهم عليه ومهارتهم فيه.
والمعنى أن هؤلاء المنافقين يخفون عليك، مع علو كعبك في الفطنة وصدق الفراسة؛ لفرض تألقهم وتطلعهم في مراعاة التقية والتحامي عن مواقع التهم، وكأن قوله تعالى: (مردوا على النفاق) توطئة وتمهيد لقوله تعالى: (لا تعلمهم)؛ لتقرير خفاء حالهم عنه ﷺ ، لما لهم من الخبرة في النفاق والضراوة به، وفي إظهار التقية، حتى إنك مع كياستك وفطنتك وصدق فراستك لا تستطيع أن تعلمهم حتى نوحي إليك بأخبارهم.
وقوله: (نحن نعلمهم) تقرير لما سبق من مهارتهم في النفاق، أي: لا يعلمهم إلا الله، ولا يطلع على سرهم غيره، لما هم عليه من شدة الاهتمام بإبطان الكفر وإظهار الإخلاص.
وهناك تفسير آخر لقوله: (لا تعلمهم) أي: لا تعلم عواقبهم، والأظهر ما قدمنا ذكره.
стр. 1305
عذاب المنافقين مرتين
قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:١٠١]: اختلفت أقوال المفسرين في تفسير هاتين المرتين: القول الأول: عذبهم مرتين: مرة بالآيات التي فضحتهم في هذه السورة، وكشفت نفاقهم، وهذا هو العذاب الأول، والمرة الثانية: إحراق مسجد الضرار، وهذا هو العذاب الثاني.
القول الثاني: المرة الأولى: فضح نفاقهم في الدنيا، والمرة الثانية: عذاب القبر؛ لقوله تعالى: (ثم يردون إلى عذاب عظيم) فالعذاب العظيم في الآخرة، فدل على وقوع العذاب مرتين قبل الآخرة.
القول الثالث: العذاب الأول: بأخذ الزكاة التي لا ينظرون إليها على أنها تطهرهم وتزكيهم، بل ينظرون إلى الزكاة على أنها مغرم، والعذاب الثاني: تعذيب أبدانهم بالطاعات وبالعبادات الفارغة عن الثواب، فهم يتعبون أجسادهم دون أن يثابوا كما يثاب المؤمنون.
وقال محمد بن إسحاق -وهو القول الرابع: هو فيما بلغني عنهم- ما هم فيه من أمر الإسلام، -أي: من عزة الإسلام-، وما يدخل عليهم من غير ذلك على غير حسبة، هذا هو العذاب الأول، والعذاب الثاني: عذابهم في القبور إذا صاروا إليها، ثم العذاب العظيم الذي يردون إليه عذاب الآخرة ويخلدون فيه.
قال أبو السعود: ولعل تكرير عذابهم لما فيهم من الكفر المشفوع بالنفاق؛ لأنهم في بواطنهم كفار، وضموا إلى الكفر بالباطن إظهار الإسلام في الظاهر، أو النفاق المؤكد بالتمرد فيه؛ لأنهم المنافقون، ثم إنهم مردوا على النفاق وخبروه.
ويجوز أن يكون المراد بالمرتين مجرد التكثير، وليست على الحقيقة، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك:٤]، فليس المقصود بالكرتين هنا العدد، ولكن المقصود تكرار البصر، يعني: كرة بعد أخرى، فكذلك (سنعذبهم مرتين) أي: نعذبهم مرة بعد أخرى، إشارة إلى التكرار، وكما في قوله تعالى: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة:١٢٦].
ويقول القاسمي رحمه الله تعالى: لا ينافي قوله تعالى: ﴿لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾، قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠]؛ لأن الله في سورة القتال بين أنه لو شاء لأرى ولأعلم النبي ﷺ بهؤلاء المنافقين، وكيف يعرفهم؟ قال: (فلعرفتهم بسيماهم) أي: تعرفهم بسيما وعلامات وأعراض تظهر عليهم، ومن ذلك أنك تعرفهم في لحن القول، القول الذي فيه لحن، وفيه تعريض، وتطاول على شرع الله .
والمنفي في قوله تعالى: (لا تعلمهم) أي: لا تعلمهم على سبيل التعيين، حتى نعلمك نحن بهم، فأنت لا تعلمهم من تلقاء نفسك؛ لأنهم مرنوا ومردوا على النفاق، وقد كان يعلم أن في بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقاً، ويراه صباحاً ومساءً، وشاهد هذا بالصحة ما رواه الإمام أحمد عن جبير بن مطعم ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! إنهم يزعمون أنه ليس لنا أجر ببكة، فقال: لتأتينكم أجوركم ولو كنتم في جحر ثعلب، وأصغى إليَّ رسول الله ﷺ برأسه، فقال: إن في أصحابي منافقين) أي: يرجفون ويتكلمون بما لا صحة له، وهذا لا ينطبق على أصحاب الرسول ﵇، ولكن يقصد به أولئك المندسين في الصحابة الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإيمان.
وروى ابن عساكر عن أبي الدرداء ﵁: (أن رجلاً يقال له حرملة أتى النبي ﷺ فقال: الإيمان هاهنا، وأشار بيده إلى لسانه، والنفاق هاهنا، وأشار بيده إلى قلبه، ولم يذكر الله إلا قليلاً، فقال رسول الله ﷺ : اللهم اجعل له لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وارزقه حبي وحب من يحبني، وصير أمره إلى خير، فقال: يا رسول الله! إنه كان لي أصحاب من المنافقين، وكنت رأساً فيهم، أفلا آتيك بهم؟ قال: من أتانا استغفرنا له، ومن أصر على دينه فالله أولى به، ولا تخرقن على أحد ستراً) ورواه الحاكم أيضاً.
وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في هذه الآية قال: ما بال أقوام يتكلفون علم الناس: فلان في الجنة وفلان في النار، فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدري، لعمري أنت بنصيبك أعلم منك بأحوال الناس، ولقد تكلفت شيئاً ما تكلفه الأنبياء قبلك! ويقصد ﵀: أن على الإنسان ألا يشتغل بمحاكمة الناس بقوله: فلان في الجنة وفلان في النار، وهذا الشخص الذي يحاكم الناس ويحكم لهم بمصائرهم في الآخرة، إذا سألته عن نفسه، قال: لا أدري، مع أنه أعلم بحاله من أحوال الناس، ولقد تكلف هذا الشخص شيئاً ما تكلفه الأنبياء قبله، قال نبي الله نوح ﵇: ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء:١١٢]، وقال نبي الله شعيب ﵇: ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [هود:٨٦]، وقال تعالى لنبيه ﷺ : ((لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)).
وقوله ﵎: ((وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ)) عطف على قوله تعالى: ((وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ)) فهو عطف مفرد على مفرد.
стр. 1306
تفسير قوله تعالى: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)
ولما بين الله تعالى حال المنافقين المتخلفين عن الجهاد، رغبة عنه وتكذيباً وشكاً، بين حال المذنبين الذين تأخروا عن الجهاد كسلاً وميلاً إلى الراحة، فقال : ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٠٢].
قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم) أي: أقروا بها وهي تخلفهم عن الغزو، وإيثار الدعة عليه، والرضا بجوار المنافقين، ولم يعتذروا عن تخلفهم بالمعاذير الكاذبة كغيرهم، فهذه ميزة هذا الفريق، أما المنافقون فقد استجنوا بالأيمان الكاذبة، وأتوا بالأعذار الواهية.
ثم قال: ((خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا)) خلطوا عملاً صالحاً: كالندم، وقيل: ما سبق قبل معصية التخلف من الأعمال الصالحة التي عملوها، (وآخر سيئاً) وهو التخلف عن الجهاد.
((عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)) أي: يقبل توبتهم (إن الله غفور رحيم) أي: يتجاوز عن التائب ويتفضل عليه.
وفي قوله تعالى: (خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً) قال ابن جرير: وضع الواو مكان الباء، يعني: أصلها (خلطوا عملاً صالحاً بآخر سيئاً)، كما تقول: خلطت الماء واللبن أي: خلطت الماء باللبن.
ففي هذه الآية الكريمة تنبيه على نفي القول بالمحابطة، فتعبير (خلطوا) معناه: أن العمل الصالح باقٍ كما هو، وأنه لم يحبَط بالعمل السيئ، وهذه بشارة للمؤمنين، وهي أن المؤمن إذا ارتكب معصية فإنها لا تحبط العمل الصالح الذي كان قبل، وهناك موضع آخر في القرآن له نفس هذه الدلالة وهو قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور:٢٢]، ومعلوم أن مسطح بن أثاثة الذي خاض في حديث الإفك كان من المهاجرين، فدلت الآية على أن ما تلبس به من الإفك -نتيجة خوضه في حادثة الإفك- لم يمح عنه صفة الهجرة، ولم يحبط ثواب هجرته، وهذا يدل على أن الكبائر لا تحبط الأعمال الصالحة المتقدمة.
أخرج ابن مردويه وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: غزا رسول الله ﷺ ، فتخلف أبو لبابة وخمسة معه، ثم إن أبا لبابة ورجلين معه تفكروا وندموا على أنهم تخلفوا وأيقنوا بالهلاك، فقالوا: نحن في الظلال والطمأنينة مع النساء، ورسول الله ﷺ والمؤمنون معه في الجهاد، والله لنوثقن أنفسنا بالسواري، فلا نطلقها حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقها، فربطوا أنفسهم في سواري المسجد -وكان هذا منهم تعبيراً عن التوبة والاعتذار- وبقي ثلاثة نفر لم يوثقوا أنفسهم، فرجع رسول الله ﷺ من غزوته، فرآهم في المسجد موثقين بالسواري، فقال: (من هؤلاء الموثقون بالسواري؟!) فقال رجل: هذا أبو لبابة وأصحاب له، تخلفوا فعاهدوا الله ألا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم، فقال: (لا أطلقهم حتى أؤمر بإطلاقهم)، فأنزل الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فلما نزلت أطلقهم وعذرهم، وبقي الثلاثة الذين لم يوثقوا أنفسهم، لم يذكروا بشيء، وهم الذين قال الله فيهم من بعد: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٦]، فجعل أناس يقولون: هلكوا لما نزلت هذه الآية وهي قوله تعالى: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، هلكوا إذ لم ينزل عذرهم، وفريق آخر كانوا يقولون: عسى الله أن يتوب عليهم، انتظروا وتريثوا عسى الله أن يتوب عليهم، حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة:١١٨] إلى آخره.
وأخرج ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نحوه وزاد: فجاء أبو لبابة وأصحابه بأموالهم حين أطلقوا فقالوا: يا رسول الله! هذه أموالنا، فتصدق بها عنا واستغفر لنا، فقال: (ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً)، فأنزل الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣].
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: هذه الآية وإن كانت نزلت في أناس معينين إلا أنها عامة في كل المذنبين الخاطئين المخلصين، وقد قال مجاهد: إنها نزلت في أبي لبابة لما قال لبني قريظة: إنه الذبح، وأشار بيده إلى حلقه، يعني: أن هذه الآية نزلت في أبي لبابة في موقف آخر، وهو حينما أشار إلى بني قريظة بالذبح لما شاوروه: هل ينزل على حكم سعد؟ فقال لهم: هكذا، وأشار إلى عنقه، يعني: لو نزلتم على حكم سعد فسيكون الذبح، فهذا أيضاً مما قيل في هذه الآية.
وروى البخاري في تفسير هذه الآية في كتاب التفسير عن سمرة بن جندب ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ لنا: أتاني الليلة آتيان، فابتعثاني، فانتهيا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فتلقانا رجال، شطر من خلفهم كأحسن ما أن ترى، وشطر كأقبح ما أن ترى، قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة، قالا لي: هذه جنة عدن، وذاك منزلك، ثم قالا: أما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح، فإنهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً تجاوز الله عنهم).
وفي هذه الآية الكريمة نوع من البديع يسمى الاحتباك، وهو مشهور؛ لأن المعنى: خلطوا عملاً صالحاً بسيئ، وآخر سيئاً بصالح.
قال الرازي: هاهنا
السؤال
وهو أن كلمة (عسى) شك، وهو في حق الله تعالى محال، وجوابه من وجوه، قال المفسرون: كلمة (عسى) من الله واجبة؛ لأن (عسى) من أفعال الترجي، فالله لا يصح هذا المعنى في حقه ، وهو الذي يحتمل الشك في الوقوع؛ ولذلك (عسى) من الله واجبة، فأي كلمة (عسى) في القرآن الكريم فهي من الله واجبة، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ [المائدة:٥٢]، وقد فعل ذلك، وتحقيق القول فيه: أن القرآن نزل على عرف الناس في الكلام، وصاحب السلطان العظيم إذا التمس المحتاج منه شيئاً، فإن صاحب السلطان لا يجيبه إلا على سبيل الترجي، بكلمة (عسى) أو (لعل)، لماذا؟ تنبيهاً لعظمة سلطانه، فليس لأحد من خدمه أو حشمه أن يلزمه شيئاً، فإذا فعل ما طلب منه فإنما يفعله على سبيل التفضل والإحسان، وهذا هو فائدة ذكر (عسى)، وهذا هو الوجه الأول.
الوجه الثاني: أن المقصود ما يجب أن يكون المكلف عليه من الطمع والإشفاق؛ بعيداً عن الاتكال والإهمال، وقال القاشاني: الاعتراف بالذنب هو إبقاء نور الاستعداد، ولين الشكيمة، وعدم رسوخ ملكة الذنب فيه؛ لأنه ملك الرجوع والتوبة، ودليل رؤية قبح الذنب التي لا تكون إلا بنور البصيرة من كلمة: (اعترفوا بذنوبهم)، أي: أن كلمة (اعترفوا) تدل على أن أحدهم نظر إلى ذنبه باعتباره فعلاً قبيحاً، واستقباح ما يفعله الإنسان لا يكون إلا بنور البصيرة، وانفتاح عين القلب، إذ لو ارتكمت الظلمة على قلبه ورسخت الرذيلة ما استقبحه، فكون الإنسان يستقبح المعصية فهذا يدل على بقاء نور البصيرة، ولذلك قال النبي ﷺ : (إذا سرتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن)، بخلاف من يزين له سوء العمل فيراه حسناً، فهل هذا يتوب؟! وهذا شأن المبتدع، المبتدع يزين له سوء عمله ويرى القبيح حسناً، وفي الحديث: (إن الله احتجز التوبة على كل صاحب بدعة).
فمتى ما اعترف الإنسان أن هذا الفعل الذي فعله ذنب، واستقبحه وندم عليه، فهذا يدل على أن في هذا الإنسان خيراً.
стр. 1307
تفسير قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم)
ثم أمر تعالى رسوله ﷺ أن يأخذ من أموالهم التي تقدموا بها إليه أن يتصدق بها عنهم؛ كفارة لذنوبهم، أخرج ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: جاء أبو لبابة وأصحابه بأموالهم حين أطلقوا، فقالوا: يا رسول الله! هذه أموالنا فتصدق بها عنا، واستغفر لنا، فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً، فأنزل الله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة:١٠٣].
(خذ من أموالهم) من هنا تبعيضية، يعني: خذ بعض أموالهم، وليس كل الأموال، قال المهايمي: لتصدق توبته، أي: هذا دليل على صدق التوبة، حينما تصدقوا بهذا المال، فهذه الصدقة تطهرهم، أي: عما تلطخوا به من أوضار التخلف، ومن أوضار حب المال الذي كان التخلف بسببه، فالذين تخلفوا كان سبب تخلفهم حب الدنيا وحب المال، فيكون التكفير عن هذا الذنب بإخراج شيء من هذا المال كفارة.
(وتزكيهم بها) أي: تصلحهم عن سائر الأخلاق الذميمة التي حصلت بسبب المال.
قال الزمخشري: التزكية مبالغة في التطهير وزيادة فيه.
فإما أن تكون التزكية بمعنى: أنها مبالغة في التطهير، وإما أن تكون بمعنى: أن الله يبارك لهم في أموالهم.
(وصل عليهم) أي: اعطف عليهم بالدعاء لهم وترحم، (إن صلاتك سكن لهم) أي: تسكن نفوسهم إليها، وتطمئن قلوبهم بها، ويثقون بأن الله قبل توبتهم.
وقال قتادة: السكن: هو الوقار، (إن صلاتك سكن لهم) يعني: وقار لهم.
القول الثاني: قال ابن عباس: رحمة لهم.
القول الثالث: (إن صلاتك سكن لهم) أي: طمأنينة لهم أن الله قد قبل منهم، فيطمئنون أنك ما صليت عليهم ودعوت لهم الله إلا وقد قبل منهم توبتهم وما أنفقوه.
وقيل: قربة لهم.
وقيل: تزكية لهم.
وقد روى الإمام أحمد عن حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا دعا للرجل -أي: دعوة صالحة- أصابته، وأصابت ولده، وولد ولده.
وفي رواية: (إن صلاة النبي ﷺ لتدرك الرجل، وولده، وولد ولده) يعني: تمتد بركتها إلى الأجيال الثلاثة، والجملة تعليل للأمر بالصلاة عليهم، يعني جملة: (إن صلاتك سكن لهم) هي علة للأمر بالصلاة، يعني: صل عليهم؛ لأن صلاتك سكن لهم، (والله سميع) أي: يسمع اعترافهم بذنوبهم ودعاءهم، (عليم) أي: بما في ضمائرهم من الندم والغم لما فرط منهم.
وإعراب (تطهرهم) على قراءة الرفع في قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) يمكن أن تكون جملة (تطهرهم) صفة لصدقة، ويمكن أن تكون حالاً من الضمير الموجود في قوله: (خذ).
وهناك قراءة أخرى بالجزم (خذ من أموالهم صدقة تطهرْهم) على اعتبار أنها واقعة في جواب الأمر، الذي هو (خذ)، والمعنى فيه شرط، أي: إن تأخذْ من أموالهم صدقة تطهرْهم كما في قول امرئ القيس: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل نبك: بدون الياء.
وتاء الخطاب في قوله: (تطهرهم) إما أن تعود على النبي ﷺ ، فيكون المعنى: أنت تطهرهم، وإما أن تعود على الصدقة، فيكون المعنى: صدقة تطهرهم.
قوله: (وتزكيهم بها) لم تقرأ إلا بإثبات الياء، وهي مرفوعة لأنها معطوفة على تطهرهم، أما على القراءة الأخرى (خذ من أموالهم صدقة تطهرْهم) قراءة الجزم، فتكون (وتزكيهم بها) خبر لمحذوف تقديره: وأنت تزكيهم بها، ولا يجوز أن تقرأ إلا بالرفع؛ اتباعاً للمصحف الشريف، وأما على قراءة الرفع فتزكيهم عطف على تطهرهم: حالاً أو صفة.
(إن صلاتك سكن لهم) قرئ بالتوحيد: صلاتك، وقرئ أيضاً بالجمع: (إن صلواتك سكن لهم) وهي قراءة أخرى، مراعاة لتعدد المدعو لهم؛ لأنه كان يدعو لأناس كثيرين ﵊.
وقال الشهاب: صلواتك جمع صلاة؛ لأنها اسم جنس، والتوحيد لذلك، يعني: إذا قلناها بالتوحيد: (إن صلاتك) فلأنها اسم جنس، أما إذا قلنا: (إن صلواتك) فجمع صلاة.
قيل: المأمور به في آية: (خذ من أموالهم صدقة) الزكاة، و (من) تبعيضية، وكانوا أرادوا التصدق بجميع مالهم، فأمره الله أن يأخذ بعض مالهم لتوبتهم؛ بخلاف المنافقين، فإن زكاتهم وصدقتهم لم تقبل منهم.
وقيل: هذه الصدقة المذكورة ليست هي الزكاة المفروضة، بل هم لما تابوا بذلوا جميع مالهم تطوعاً؛ كفارة للذنب الصادر منهم، فأمره الله تعالى بأخذ بعض أموالهم وهو الثلث، ولذلك تمسك الإمام مالك رحمه الله تعالى بحديث أبي لبابة وقال: إذا تصدق الرجل بجميع ماله أجزأه إخراج الثلث.
ونقل الرازي: أن أكثر الفقهاء على أن هذه الآية كلام مبتدأ، قصد به إيجاب أخذ الزكوات من الأغنياء، يعني: هذه الآية لم تنزل -في رأي الرازي نقلاً عن أكثر الفقهاء- في قصة أبي لبابة وصاحبيه، وإنما نزلت لتستأنف الحكم بإيجاب الزكاة على الأغنياء، إذ هي حجة أكثر الفقهاء على فرضية الزكاة.
والجواب عن ذلك: أن خصوص سبب الآية لا يمنع عموم لفظها، يعني لو قلنا: إنها نزلت في أبي لبابة وصاحبيه حينما أرادوا التكفير بالتصدق، فهذا لا يمنع عموم الحكم في غيرهم، وتشمل بالعموم إيجاب الزكاة.
стр. 1308
الرد على مانعي الزكاة فيما استدلوا به من هذه الآية
رد الصديق ﵁ على من تأول من بعض العرب هذه الآية: أن دفع الزكاة لا يكون إلا للرسول صلوات الله عليه وسلامه؛ لأنه المأمور بالأخذ، وبالصلاة على المتصدقين، فغيره لا يقوم مقامه، وأمر بقتالهم، فاهماً من هذه الآية العموم، وهو أن الزكاة ينبغي أن تؤدى لرسول الله أو من يخلفه بعد موته، فوافقه الصحابة وقاتلوهم، حتى أدوا الزكاة إلى الخليفة كما كانوا يُؤدونها إلى رسول الله ﷺ .
وهؤلاء المتأولون المرتدون، غاب عنهم أن الزكاة إنما أوجبها الله تعالى سداً لحاجة المعدم، وتفريجاً لكربة الغارم، وتحريراً لرقاب المستعبدين، وتيسيراً لأبناء السبيل، فاستل بذلك ضغائن أهل الفاقة على من فضلوا عليهم في الرزق، حتى لا يحصل حقد طبقي في المجتمع، ويحتد الفقراء على الأغنياء، فأشعر قلوب أولئك محبة هؤلاء، وأفاض الرحمة في نفوس هؤلاء على أولئك البائسين، فالإمام وولي الأمر لا خصوصية لذاته فيها؛ لأن وظيفته أن يجمع هذا المال من الأغنياء ثم يرده إلى الفقراء، فسواء فعل ذلك الرسول ﵇ في حياته أو نائبه بعد مماته ﵌، فالمقصود قد حصل.
يقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: وعلى القول الأول -يعني: أنها زكاة الفريضة- فهو خطاب للنبي ﷺ ، ويقتضي بظاهره اقتصاره عليه، فلا يأخذ الصدقة سواه، ويلزم على هذا سقوطها بسقوطه، وزوالها بموته، وبهذا تعلق مانعوا الزكاة على أبي بكر الصديق ﵁، وقالوا: إنه كان يعطينا عوضاً منها: التطهير، والتزكية، والصلاة علينا، وقد عدمناه من غيره، وهل دعاء غير الرسول ﵇ يكون كدعائه هو؟! فمن ثم نحن لا نعطي هذه الصدقات، ونظم في ذلك شاعرهم فقال: أطعنا رسول الله ما كان بيننا فيا عجباً ما بال ملك أبي بكر وإن الذي سألوكم فمنعتم كالتمر أو أحلى لديهم من التمر فنمنعهم ما دام فينا بقية كرام على الضراء في العسر واليسر وهذا صنف من القائمين على أبي بكر أمثلهم طريقة، وفي حقهم قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة.
وقال ابن العربي: أما قولهم: إن هذا خطاب للنبي ﷺ ، فلا يستحق به غيره، فهو كلام جاهل بالقرآن، غافل عن مآخذ الشريعة، متلاعب بالدين، فإن الخطاب في القرآن لم يرد باباً واحداً، ولكن اختلفت موارده على وجوه -يعني: خطاب القرآن على عدة أنواع، وليس على نوع واحد- فمنها خطاب توجه إلى جميع الأمة، كما في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة:٦]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣].
ومنها خطاب خص به، أي: خص به النبي ﷺ ، فلا يمكن أبداً أن يباح -في حال- لأي إنسان من المسلمين، كأن تهب امرأة نفسها لرجل فتصير زوجة له، وهذا لا يجوز إلا للنبي ﵇ بنص القرآن؛ لأن الله قال: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، يعني: هذا حكم خاص بك، لا يشركك فيه أحد من المؤمنين.
ومنها خطاب خص به لفظاً وشركه جميع الأمة معنىً وفعلاً، يعني: إن اللفظ نفسه يخاطب الرسول ﵇، لكن من حيث المعنى يشاركه فيه جميع الأمة، كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء:٧٨]، فهنا الخطاب للرسول ﵊، ولكنه خطاب له وللأمة معه.
كذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل:٩٨]، هل هذا خاص بالرسول ﵇؟ هذا الخطاب من حيث اللفظ هو للرسول، لكن من حيث المعنى تشاركه الأمة في حكمه.
ومنها قوله: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء:١٠٢] إلى آخره، في صلاة الخوف، خطاب له ﵊، ولكنه يعم كل من أراد أن يقيم صلاة الخوف، فيقيمها على تلك الصفة المذكورة.
ومن هذا القبيل قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) فلفظ الأمر متوجه للنبي ﷺ ، لكن الحكم والمعنى يسري على أمته.
وعلى هذا المعنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١]، وقوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق:١].
إذاً: هذا هو الرد على استدلال مانعي الزكاة الذين قالوا: نحن لا نبذل الزكاة لغير رسول الله ﵊ وأخذوا بظاهر هذه الآية الكريمة! قوله ﵎: (خذ من أموالهم صدقة): مطلق غير مقيد بشرط في المأخوذ والمأخوذ منه، ولا فيه تبيين مقدار المأخوذ منه، وإنما بيان ذلك في السنة والإجماع، وهذه من مواضع الإجمال في القرآن الكريم، ثم فسرتها السنة، كما هو حال كثير من الأحكام الشرعية: كالطهارة والصلاة والحج وغير ذلك، فهنا أتى الأمر مجملاً ثم فصلته السنة وبينت أنواع الزكاة، ومن الذي تؤخذ منه الزكاة؟ وما مصارف الزكاة؟ وغير ذلك مما هو معلوم.
стр. 1309
حكم الصلاة على غير الأنبياء استقلالاً
قوله تعالى: ((وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ)) استدل بها على ندب الدعاء للمتصدق، وأن الإمام يستحب له أن يدعو للشخص المتصدق، قال الشافعي رحمه الله تعالى: السنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق ويقول: آجرك الله فيما أعطيت، وجعله طهوراً، وبارك لك فيما أبقيت، وقال آخرون: يقول: (اللهم صلِّ على فلان)، ويدل عليه ما روي عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ -وكان من أصحاب الشجرة- أنه قال: (كان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقة قال: اللهم صلِّ عليهم، فأتاه أبي بصدقته، فقال: اللهم صلِّ على آل أبي أوفى) متفق عليه.
قال ابن كثير: وفي الحديث الآخر أن امرأة قالت: (يا رسول الله! صل علي وعلى زوجي، فقال: صلى الله عليك وعلى زوجك)، وبهذين الحديثين رد على من زعم أن المراد بصل عليهم: أي: إذا ماتوا، بل هذا الحديث يدل على أن موضع هذه الصلاة عند بذل الصدقات، ولذلك قال الفقهاء: يسن للإمام إذا أُعطي الصدقات أن يدعو لمن بذلها.
ودلت الآية -كالحديثين- على جواز الصلاة على غير الأنبياء استقلالاً، وهذه من المسائل المختلف فيها، فهل يجوز أن يقال في حق غير الأنبياء: فلان صلى الله عليه؟ يؤخذ من الآية: أنه يجوز ذلك، أما إذا جاءت على سبيل التبعية، فلا شيء فيها ولا خلاف، كما تقول: صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، فهنا صليت على الآل وعلى الصحب وعلى التابعين بإحسان، لكن ليس استقلالاً، بل على سبيل التبعية، تبعاً للصلاة على النبي ﷺ .
لكن
السؤال
هل يجوز استقلالاً أن تقول: اللهم صلِّ على فلان وهو من غير الأنبياء؟ قال الرازي: روى الكعبي في تفسيره أن علياً رضي الله تعالى عنه قال لـ عمر ﵁ وهو مسجى: عليك الصلاة والسلام، ومن الناس من أنكر ذلك.
ونقل عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لا تنبغي الصلاة من أحد على أحد، إلا في حق النبي ﷺ .
ثم قال الرازي: إن أصحابنا يمنعون من ذكر: صلوات الله عليه، وعليه الصلاة والسلام، إلا في حق الرسول ﷺ .
والشيعة يذكرونه في علي وأولاده، واحتجوا بأن نص القرآن دل على جوازه فيمن يؤدي الزكاة، فكيف يمنع في حق علي والحسن والحسين عليهم رضوان الله؟! قال: ورأيت بعضهم قال: أليس الرجل إذا قال: سلام عليكم يقال له: وعليكم السلام؟ فدل هذا على أن ذكر هذا اللفظ جائز في حق جمهور المسلمين، فالأولى بذلك آل البيت.
انتهى ما نقله الرازي.
ثم يعلق القاسمي -رحمه الله تعالى- قائلاً: إن المنع من ذلك -يعني: من الصلاة استقلالاً على غير الأنبياء- أدبي لا شرعي، وباب الآداب أوسع من باب المسائل الشرعية التي تنسب إلى الشرع، فباب الأدب يرجع إلى الكمالات النفسية، وأحياناً يرجع إلى الأعراف، ولا يطالب الإنسان في كل أدب أن يقيم الدليل الشرعي عليه، فباب الآداب يرجع فيه كثيراً إلى الأعراف.
ومثاله: إذا أتيت شخصاً وأنكرت عليه مضغ اللبان في الشارع وهو يمشي في الطريق، وكان ذلك مستهجناً في العرف، فلا يصح أن يطالبك بالدليل الشرعي؛ لأن هذه الآداب ترجع إلى أعراف الناس، ونحن ينبغي علينا أن نحترم العرف إلا إذا صادم دليلاً شرعياً.
فيقول القاسمي رحمه الله تعالى: إن المنع من ذلك، أدبي لا شرعي؛ لأنه صار في العرف دعاءً خاصاً به ﷺ ، وشعاراً له كالعلم للغلبة، فغيره لا يطلق عليه إلا تبعية له، ويقصد بالعرف هنا عرف العلماء، حيث صار هذا اللفظ لا يطلق إلا على النبي ﷺ استقلالاً، وعلى غيره بالتبعية، فهذا من الأعراف ومن الآداب اللفظية.
قال الرازي في سر كون صلاته ﷺ سكناً لهم: إن روح محمد ﵊ كانت روحاً قوية مشرقة صافية باهرة، فإذا دعا لهم وذكرهم بالخير فاضت آثار من قوته الروحانية على أرواحهم؛ فأشرقت بهذا السبب أرواحهم وصفت أسرارهم.
стр. 1310
تفسير قوله تعالى: (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده)
قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١٠٤] ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة: أي: أن التوبة لا تكون إلا لله ، والله وحده هو الذي يقبل التوبة، فلا يصل إلى ذلك ملك ولا نبي.
قوله: (عن عباده) يعني: من عبيده، تقول: أخذته منك وأخذته عنك، (ويأخذ الصدقات) يأخذ هنا بمعنى: يقبل، ومثله قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف:١٩٩] أي: اقبله.
((وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ))، يقول القاسمي: هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منهما يحط الذنوب ويمحصها ويمحقها، وإخبار بأن كل من تاب إليه تاب عليه، ومن تصدق تقبل منه.
والمقصود من الاستفهام في قوله: (ألم يعلموا): التقرير.
نقل ابن كثير عن الحافظ ابن عساكر عن حوشب قال: غزا الناس في زمن معاوية وعليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ﵁، فغل رجل من المسلمين مائة دينار رومية، قبل أن تقسم الغنيمة، فلما قفل الجيش -رجع- ندم وأتى الأمير، يريد أن يبرأ ذمته ويتوب ويعيد المائة دينار، فأبى الأمير أن يقبلها منه، وقال: قد تفرق الناس، فلن أقبلها منك حتى تأتي الله بها يوم القيامة! فجعل الرجل يأتي الصحابة فيقولون له مثل ذلك، فلما قدم دمشق ذهب إلى معاوية ليقبلها منه فأبى، فخرج من عنده وهو يبكي ويسترجع، فمر بـ عبد الله بن الشاعر فقال له: ما يبكيك؟ فذكر له أمره، فقال له: أومطيعي أنت؟ قال: نعم، قال: اذهب إلى معاوية فقل له: اقبل مني خمسك، فدفع إليه عشرين ديناراً، وانظر إلى الثمانين الباقية فتصدق بها عن ذلك الجيش، فإن الله يقبل التوبة عن عباده وهو أعلم بأسمائهم ومكانهم؛ وذلك لأن الخمس للإمام، وأما الباقي فللجيش، إلا أن الجيش قد تفرق، ولذلك قال: وانظر إلى الثمانين الباقية فتصدق بها عن ذلك الجيش؛ ففعل الرجل، فقال معاوية: لئن أكون أفتيت بهذا أحب إلي من كل شيء أملكه، لقد أحسن الرجل.
стр. 1311
تفسير قوله تعالى: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)
قال ﵎: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]، قوله: (وقل اعملوا) هذا الخطاب للذين تابوا، أو هو خطاب للجميع، لمن تاب ولمن لم يتب، لأن الجميع مأمور بالعمل.
(فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) يعني: باطلاعه إياهم على أعمالكم، فقل لأهل التوبة والتزكية والصلاح: لا تكتفوا بتلك التوبة وقبولها، بل اعملوا جميعاً ما تؤمرون به.
(فسيرى الله عملكم) يعني: فيزيدكم قرباً على قرب، وقوله: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم) نص بليغ جامع للترغيب والترهيب؛ وذلك لأن المعبود إذا كان لا يعلم أفعال العباد لم ينتفع العبد بفعله؛ لأنه لن يجازيه، لعدم علمه بما عمله العبد، ولهذا استعمل إبراهيم هذا الدليل في دحض ما كان عليه أبوه، فقال له: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢] أي: تتقرب للصنم وتعبده وتبذل له القرابين وتدعوه وتسأله وتستغيث به، وهو في غفلة عنك، حجر أصم لا يسمع ولا يعقل، (ولا يغني عنك شيئاً) لا يملك لك ضراً ولا نفعاً! فإذا كان لا يعرف عملك الذي عملته، فكيف يجازيك؟! وكيف يطلب من هذا المعبود الثواب؟! وكيف يرهب منه عقاب؟! فمن ثم نقول: إن هذا الجزء من الآية جامع للترغيب والترهيب، وجاءت صيغ أخرى تدل على استعمال هذه الصيغة للترهيب والتهديد، كقوله ﵎: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠].
ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، ومنه: (يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به).
كذلك هنا: ((وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ)) يعني: سيجازيكم الله عليه، وسيزيدكم قرباً على قرب، ويزيدكم رسوله صلوات، والمؤمنون يتبعونكم في الخير الذي فعلتموه، فيحصل لكم أجرهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء.
وقال أبو مسلم: إن المؤمنين شهداء الله يوم القيامة، كما قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]، والشهادة لا تصح إلا بعد الرؤية، فالمؤمنون يشهدون بما رأوا من أعمال لهذا الإنسان أو لذاك.
فبما أن المؤمنين شهداء الله يوم القيامة كما قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]، والشهادة لا تصح إلا بعد الرؤية؛ ذكر تعالى أن الرسول ﵊ والمؤمنين يرون أعمالهم، والمقصود: التنبيه على أنهم يشهدون يوم القيامة عند حضور الأولين والآخرين؛ لأنهم أهل الصدق والسداد والعفاف والرشاد.
ونقل عن مجاهد أن الآية وعيد للمخالفين أوامره؛ لأن أعمالهم ستعرض عليه ﵎ وعلى الرسول والمؤمنين، قال ابن كثير: وهذا كائن لا محالة يوم القيامة، قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق:٩]، وقال تعالى: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:١٠]، وقد يظهر الله تعالى ذلك للناس في الدنيا، كما روى الإمام أحمد عن أبي سعيد مرفوعاً: (لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة، لأخرج الله عمله للناس كائناً من كان).
وروي أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ، كما في مسند أحمد والطيالسي.
قوله: ((وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)) يعني: بالموت ((فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)) يعني: بالمجازاة عليه.
стр. 1312
تفسير قوله تعالى: (وآخرون مرجون لأمر الله)
قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١٠٦] الواو عطف على قوله تعالى: ((وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ))، فالمعنى: منهم منافقون ومنهم آخرون مرجون لأمر الله، ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ كلمة (إما) تستعمل لوقوع أحد الشيئين، والله ﵎ عالم بما يصير إليه أمرهم لكنه خاطب العباد بما يعلمون، فالمعنى: ليكن أمرهم، عندكم على الخوف والرجاء.
(وآخرون) يعني: من المتخلفين، (مرجون لأمر الله) يعني: أمرهم مؤخر انتظاراً لحكمه تعالى فيهم، لتردد حالهم بين أمرين: إما يعذبهم؛ لتخلفهم عن غزوة تبوك، وإما يتوب عليهم، أي: يتجاوز عنهم.
(والله عليم) أي: بأحوالهم، أو عليم بما يئول إليه حالهم.
(حكيم) أي: فيما يحكم عليهم.
وقرئ في السبع: (وآخرون مرجئون لأمر الله)، وقرئ: (مرجون)، كما قرئ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب:٥١]، أو (ترجئ من تشاء)، يقال: أرجأته وأرجيته كأعطيته.
وروي عن الحسن أنه عني بهذه الآية قوم من المنافقين، وكذا قال الأصم: إنهم منافقون أرجأهم الله، فلم يخبر عنهم ما علمه منهم، وحذرهم بهذه الآية إن لم يتوبوا أن ينزل فيهم قرآناً، فقال: (إما يعذبهم وإما يتوب عليهم).
وعن ابن عباس ومجاهد وغير واحد: أنهم الثلاثة الذين خلفوا، يعني: خلفوا عن التوبة، وهم: مرارة بن الربيع وكعب بن مالك وهلال بن أمية، قعدوا في غزوة تبوك في جملة من قعد؛ كسلاً وميلاً إلى الدعة وطيب الثمار والظلال، لا شكاً ونفاقاً، وسبق أن طائفة من المتخلفين عن الغزوة ربطوا أنفسهم بالسواري كما فعل أبو لبابة وأصحابه، وطائفة لم يفعلوا ذلك، وهم هؤلاء الثلاثة، ولم يبالغوا في الاعتذار، ولم يوثقوا أنفسهم، كما فعل أبو لبابة وأصحابه، فوقف رسول الله ﷺ أمرهم، ونهى الناس عن كلامهم ومخالطتهم، حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة:١١٨].
يقول القاسمي: فنزلت توبة أولئك قبل هؤلاء حتى نزلت الآية الآتية، وهي قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١١٧]، إلى قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة:١١٨].
قال في العناية: وإنما اشتد الغضب عليهم مع إخلاصهم والجهاد فرض كفاية؛ لما قيل: إنه كان على الأنصار خاصة فرض عين؛ لأنهم بايعوا النبي ﷺ عليه، ألا ترى قول راجزهم في الخندق: نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً فالأنصار كان الجهاد عليهم فرض عين إلى الأبد -على قولٍ-، وهؤلاء الثلاثة منهم، فكان تخلفهم كبيرة.
стр. 1313
تفسير سورة التوبة [١٠٧ - ١١٠]
стр. 1314
تفسير قوله تعالى: (والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً)
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة:١٠٧].
(والذين اتخذوا مسجداً ضراراً) عطف جملة على جملة، يعني: ومنهم الذين اتخذوا مسجداً ضراراً، (ضراراً) إعرابها: مفعول لأجله، وتفسير الآية يوضح إعرابها، فهم اتخذوا المسجد من أجل الضرار.
وقد ذكر الضرار في قوله ﷺ : لا ضرر ولا ضرار، (من ضار ضاره الله، ومن شاق شاق الله عليه).
قوله: (وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين) أي: يفرقون به جماعتهم؛ ليتخلف أقوام عن النبي ﷺ ، وهذا يدل على أن المقصد الأكبر والغرض الأظهر من وضع الجماعة تأليف القلوب، واجتماع الكلمة على الطاعة، وعقد الزمام، والحرمة بفعل الديانة، حتى يقع الأنس بالمخالطة، وتصفو القلوب من وضر الأحقاد.
ولذلك يقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى هنا في تفسيره: تفطن مالك ﵀ من هذه الآية فقال: لا تصلى جماعتان في مسجد واحد بإمامين، خلافاً لسائر العلماء.
يعني: العلماء الذين ذهبوا إلى منع تعدد الجماعة في المسجد الواحد الذي له إمام راتب فطنوا إلى هذا، وهو أن الجماعة شرعت من أجل ارتباط القلوب، والتحاب، والتعاطف بين المسلمين، وتكرر الجماعة يفتح الذريعة إلى الطعن في الإمام، وإلى تفرق القلوب، كما حصل من أهل البدع كأمثال أهل التكفير حينما كانوا يتعمدون التخلف عن الجماعة الأولى، ويقيمون جماعة ثانية؛ لأنهم يكفرون الإمام أو يفسقونه أو يطعنون فيه، فالعلماء سدوا هذا الباب، ومنعوا إقامة جماعة ثانية في المسجد الواحد، وهذا مذهب كثير من العلماء، وسبق أن تكلمنا بالتفصيل في هذه المسألة.
قال: وروي عن الشافعي المنع؛ حيث كان تشتيتاً للكلمة وإبطالاً لهذه الحكمة، وذريعة إلى أن نقول: من يريد الانفراد عن الجماعة كان له عذر، فيقيم جماعته، ويقدم إمامه، فيقع الخلاف ويبطل النظام، وخفي ذلك على بعض العلماء، قال ابن العربي: وهذا كان شأنه معهم، وهو أثبت قدماً منهم في الحكمة، وأعلم بمقاصد الشريعة.
((وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ)) (من قبل) يعني: من قبل بناء مسجد الضرار.
((وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى)) يعني: إلا الفعلة الحسنى، فالحسنى هنا صفة لمحذوف تقديره: إلا الفعلة أو الخصلة الحسنى، وهي الرفق بالمسلمين ذوي العلة والحاجة، هذه هي الحسنى التي زعموها؛ لأن مسجد الرسول ﵊ بعيد، وهناك ناس مرضى وذوو حاجة وعندهم علل، وحتى لا يشق عليهم نبني لهم هذا المسجد ليصلوا فيه ((وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)).
قوله تعالى: (والذين) أي: ومن المنافقين الذين (اتخذوا) أي: بنوا مسجداً، (ضراراً) أي: مضارة لأهل مسجد قباء، لأن الضرار ليس بالمسجد: بالحجارة والطوب والأرض، إنما الإضرار بأهل المسجد، (وكفراً) يعني: بالله ورسوله، أو تقوية للكفر الذي يضمرونه.
(وتفريقاً بين المؤمنين) أي: الذين كانوا يجتمعون بمسجد قباء اجتماعاً واحداً، يؤدون أجل الأعمال وهي الصلاة التي يقصد بها تقوية الإسلام بجمع قلوب أهله على الخيرات، ورفع الاختلاف من بينهم.
(وإرصاداً): إعداداً وترقباً وانتظاراً، (وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل) أي: من كفر بالله ورسوله من قبل، وهو أبو عامر الراهب الذي سماه رسول الله ﷺ فاسقاً، وسمي بـ أبي عامر الراهب؛ لأنه كان يتعبد ويلتمس العلم، فمات كافراً بقنسرين بدعوة النبي ﷺ .
وأبو عامر هذا الكافر خرج من ظهره مؤمن، وهو حنظلة الملقب بغسيل الملائكة، ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [يونس:٣١]، وكان حنظلة رضي الله تعالى عنه قد استأذن النبي ﷺ في قتل أبيه الخائن، فنهاه النبي ﷺ عن قتله، كما فعل عبد الله بن عبد الله بن أبي حينما استأذن النبي أن يقتل أباه، فقال له النبي ﷺ : (لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، ولكن بر أباك وأحسن صحبته)، وقد قتل عبد الله بن عبد الله بن أبي شهيداً في معركة اليمامة تحت قيادة خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه.
وحنظلة بنى بزوجته ليلة أحد، فكانت غزوة أحد صبيحة زفافه، ولما سمع داعي الجهاد لحق به على عجل، ولم يغتسل من الجنابة، وقتل في المعركة، فرأى النبي ﷺ الملائكة تغسله، فأمرهم أن يسألوا أهله ما شأنه؟ ما الخبر؟ لماذا هو بالذات تغسله الملائكة؟! وما كان أحد يعرف السر في ذلك، فسألوا زوجته وهي جميلة بنت أبي بن سلول وكانت عروساً عليه تلك الليلة، فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتف، فقال ﷺ : (كذلك غسلته الملائكة) ﵁.
وقد مر أبو عامر الخائن على ابنه حنظلة، وهو مضرج بدمائه بين الشهداء قتيلاً، فضربه برجله في صدره، وقال له: ذنبان أصبتهما، ولقد نهيتك عن مصرعك هذا، ولقد والله كنت وصولاً للرحم.
وأبو عامر هو الذي حلف ألا تقع معركة مع النبي ﵊ إلا وشارك فيها ضد رسول الله ﵊، وقد سماه النبي ﷺ : فاسقاً.
قوله: (وليحلفن) يعني: بعد ظهور نواياهم ومقاصدهم السيئة، وقلنا من قبل: إن من خصائص المنافقين: الاستجنان بالأيمان الكاذبة؛ ليصدوا عن سبيل الله، ويستروا عداءهم للدين، وقد جاء ذكر حلفهم في عدة مواضع، منها: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة:٦٢].
فهم بعدما تفتضح نواياهم وتظهر مقاصدهم السيئة يلوذون بالحلف.
قولهم: (إن أردنا إلا الحسنى) أي: ما أردنا ببناء المسجد إلا الخصلة الحسنى أو إلا الإرادة الحسنى، وهي: الصلاة وذكر الله، والتوسعة على المصلين، وقال بعضهم: (الحسنى) طاعة الله، وقيل: (الحسنى) الجنة، وقيل: (الحسنى) فعل التي هي أحسن من إقامة الدين والاجتماع للصلاة.
(والله يشهد إنهم لكاذبون) يعني: في حلفهم.
стр. 1315
تفسير قوله تعالى: (لا تقم فيه أبداً لمسجد أسس على التقوى)
قال الله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨] أي: لا تصل في مسجد الشقاق أبداً، في أي وقت من الأوقات، لكونه موضع غضب الله، ولذلك أمر بهدمه وإحراقه.
وأطلق هنا القائم على المصلي؛ لأن الصلاة أحياناً يعبر عنها ببعض أجزائها، كما تقول: صليت ركعة، وهل تقصد ركعة فقط، أم تقصد القيام والركوع والسجود والتشهد وغيره؟! (لا تقم فيه أبداً) يعني: لا تصل فيه أبداً، وفي الحديث: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً) يعني: من صلى.
قوله تعالى: ((لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ)) [التوبة:١٠٨] (لمسجد) اللام لام القسم، يعني: والله لمسجد، وقيل: هي لام الابتداء وهي تقتضي التأكيد، (لمسجد أسس على التقوى) أي: بنيت قواعده على طاعة الله وذكره، وقصد التحفظ من معاصي الله، بفعل الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، والمسجد الذي بناه المتقون على هذا الأساس هو مسجد قباء.
(من أول يوم) يعني: من أول يوم من أيام وجوده، (أحق أن تقوم فيه) يعني: أن تصلي فيه، (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) المقصود بالمطهرين: المبالغين في الطهارة الظاهرة والباطنة، الطهارة الظاهرة: بالماء، والباطنة: بالتوبة من الذنوب، والله يحب المطهرين المتصفين بالطهارتين.
قوله تعالى: (من أول يوم) معناها: منذ أول يوم، قال الزجاج: (من) في الزمان والأصل منذ ومذ، يعني: أن (من) إذا استعملت في الزمان يكون أصلها منذ، (من أول يوم) أي: منذ أو مذ أول يوم، وهو الأكثر في الاستعمال.
وجائز دخول (من) لأنها الأصل في ابتداء الغاية والتبعيض، ومثله قول زهير: لمن الديار بقنة الحجر أقوين من حجج ومن شهر الحجر: منازل ثمود، ناحية الشام، في وادي القرى.
والقنة: أعلى الجبل، أو هي الجبل الذي ليس بمنتشر، أقوين يعني: خلون وأقفرن، من حجج، أي: من سنوات، وفي القرآن: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:٢٧] يعني: ثمان سنوات، من شهر: أي: من شهور.
يقول القرطبي: أثنى الله في هذه الآية على من أحب الطهارة وآثر النظافة، وهي مروءة آدمية، ووظيفة شرعية.
وفي الترمذي عن عائشة رضوان الله عليها أنها قالت: مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم، وقال: حديث صحيح.
وثبت أن النبي ﷺ كان يحمل الماء معه في الاستنجاء، فكان يستعمل الحجارة تخفيفاً، والماء تطهيراً.
стр. 1316
تفسير قوله تعالى: (أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله)
ثم قال ﵎ إشارة إلى فضل مسجد التقوى -مسجد قباء- على مسجد الضرار: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٠٩].
قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي: بفتح الألف في الحرفين جميعاً ((أَفَمَنْ أَسَّسَ)) إلى قوله: ((خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ))، وبالتالي يفتح النون في: (أفمن أسس بنيانَه)، وفي الثانية: (أمن أسس بنيانَه) على أنهما في الحالتين مفعول به.
وقرأ نافع وابن عامر: (أفمن أُسس بنيانُه على تقوى من الله ورضوان خير أممن أُسس بنيانُه) بضم الألف في أسس، ورفع النون في بنيانه على أنها نائب فاعل.
قوله: (على شفا جرف هار فانهار به) أي: انهار به الجرف، أو أن الضمير في (به) يعود على من.
قوله تعالى: (أفمن أسس بنيانه)، يعني: المبني، والتأسيس: إحكام أسس البناء وهو أصله، فأسس البناء يعني: أصله.
(على تقوى من الله) أي: على مخافة من الله.
(ورضوان) أي: طلب رضوان منه.
(خير أمن أسس بنيانه على شفا): شفا الشيء يعني: حرفه وطرفه.
(جرف هار) جرف: بضم الراء وسكونها، والضم هو الأصل والإسكان تخفيف، كما في قوله: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ [يس:٥٥]، فـ (شغل) بالضم وهو الأصل وبالسكون تخفيفاً، كذلك الرسّل والرسْل.
(جرف) يعني: مهواة وهو ما يتجرف بالسيول من الأودية، (على شفا جرف هار) يعني: مشرف على السقوط، وقرأ ابن كثير وحمزة (هار) بالإمالة.
(فانهار به) أي: بالباني فسقط معه في نار جهنم، كقوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٩]، ((وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)).
стр. 1317
تفسير قوله تعالى: (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم)
قال الله تعالى: ﴿لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:١١٠] (لا يزال بنيانهم) يعني: مسجد الضرار، (الذي بنوا ريبة في قلوبهم) يعني: لا يزول وشمه عن قلوبهم ولا يضمحل أثره، هذا قول.
وهناك قول آخر في معنى: (ريبة في قلوبهم) أي: حسرة وندامة، فهم نادمون على بنائه؛ لأنه تهدم وفضحوا.
وقول ثالث: (ريبة في قلوبهم) يعني: لا يزال هدم بنيانهم حزازة وغيظاً في قلوبهم، فما يزال يشعل الغيظ والحقد والحزازة في قلوبهم.
(إلا أن تقطع قلوبهم) يعني: تقطع قلوبهم قطعاً وتتفرق أجزاءً حتى يموتوا، كما في قوله: ﴿لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٦]، والقصد: أنه ستبقى فيهم الحزازة والندم والحسرة والريبة والشك إلى أن تقطع قلوبهم قطعاً، وأما ما دامت قلوبهم سالمة مجتمعة فالريبة باقية فيهم متمكنة أو تقطع قلوبهم بعذاب النار، وقيل: معناه: إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم.
قوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ) أي: بنياتهم.
قوله: (حَكِيمٌ) أي: عندما أمر بهدم بنيانهم؛ حفظاً للمسلمين عن مقاصدهم الرديئة.
وفي قراءة يعقوب: (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلى أن تقطع قلوبهم) فجعله حرف جر على الغاية، والمعنى: لا يزالون في شك منه إلى أن يموتوا فيستيقنوا ويتبينوا.
стр. 1318
سبب نزول الآيات المتعلقة بمسجد الضرار
كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله ﷺ إليها رجل من الخزرج يقال له: أبو عامر الراهب، وكان قد تنصر في الجاهلية وقرأ علم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية، وله شرف كبير في الخزرج، فلما قدم رسول الله ﷺ مهاجراً إلى المدينة، واجتمع المسلمون عليه، وصار للإسلام كلمة عالية، وأظهرهم الله يوم بدر؛ شرق اللعين أبو عامر بريقه، وبرز بالعداوة، وخرج فاراً إلى كفار مكة يمالئهم على حرب النبي ﷺ ، فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب، وقدموا عام أحد، فكان من أمر المسلمين ما كان مما امتحنهم الله به، وكانت العاقبة للمتقين، وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته، فلما عرفوا كلامه قالوا: لا أنعم الله بك عيناً يا فاسق يا عدو الله، ونالوا منه وسبوه، وكان رسول الله ﷺ قد دعاه إلى الله قبل فراره، وقرأ عليه من القرآن، فأبى أن يسلم وتمرد، فدعا عليه رسول الله ﷺ أن يموت بعيداً طريداً، فنالته هذه الدعوة، وذلك أنه لما فرغ الناس من أحد، ورأى أمر الرسول ﷺ في ارتفاع وظهور، ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على رسول الله ﷺ ، فوعده ومناه وأقام عنده، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله ﷺ ويغلبه ويرده عما هو فيه، وكان أبو عامر أرسل لهم: أعدوا لي مكاناً إذا أتيتكم؛ لنجتمع فيه، ويكون مأوىً وملجأً لنا، بحيث منه تنطلق المحاربة للرسول ﵊، وليكون هذا المكان معقلاً ومرصداً له إذا قدم عليهم بعد ذلك، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء، فبنوه وأحكموه وفرغوا منه ورسول الله ﷺ يتجهز إلى تبوك، فأتوه فقالوا: (يا رسول الله! إنا قد بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال ﵊: إني على جناح سفر وحال شغل، ولو قدمنا إن شاء الله تعالى أتيناكم فصلينا لكم فيه) فلما نزل بذي أوان، موضع على ساعة من المدينة، أتاه خبر المسجد عن طريق الوحي، وأنه إنما بني للأغراض التي ذكرها الله في قوله : ((وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ)) فدعا ﷺ مالك بن الدخشم، ومعن بن عدي، أو أخاه عاصماً، فقال: (انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه، فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك لـ معن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل أهله فأخذ سعفاً من النخل فأشعل فيه ناراً ثم خرجا يشتدان، حتى دخلا المسجد وفيه أهله، فحرقاه وهدماه، وتفرقوا عنه) ونزل فيهم ما نزل.
وروي أن بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء أتوا عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته، فسألوه أن يأذن لـ مجمع بن جارية أن يؤمهم في مسجدهم، فقال: لا ونعمة عين، أليس هو إمام مسجد الضرار؟ فقال مجمع: يا أمير المؤمنين! لا تعجل عليّ، فوالله! لقد صليت فيه وأنا لا أعلم ما أضمروا عليه، ولو علمت ما صليت معهم فيه، وكنت غلاماً قارئاً للقرآن، وكانوا شيوخاً لا يقرءون، فصليت بهم ولا أحسب إلا أنهم يتقربون إلى الله، ولم أعلم ما في نفوسهم، فعذره عمر، فأجازه بالصلاة في مسجد قباء.
стр. 1319
حكم المساجد المبنية لغرض الضرار والصلاة فيها
دلت الآية على أن كل مسجد بني على ما بني عليه مسجد الضرار أنه لا حكم له ولا حرمة، ولا يصح الوقف عليه، وقد حرق الراضي بالله كثيراً من مساجد الباطنية والمشبهة والمجبرة.
وقال الزمخشري: قيل: كل مسجد بني مباهاة أو رياء وسمعة، أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله، أو بمال غير طيب؛ فهو لاحق بمسجد الضرار.
وعن شقيق أنه لم يدرك الصلاة، فقيل له: مسجد بني عامر لم يصلوا فيه بعد، فقال: لا أحب أن أصلي فيه، فإنه بني على ضرار، وكل مسجد بني على ضرار أو رياء أو سمعة فإن أصله ينتهي إلى المسجد الذي بني ضراراً.
وعن عطاء قال: لما فتح الله تعالى الأمصار على يد عمر ﵁ أمر المسلمين أن يبنوا المساجد، وألا يتخذوا في مدينة مسجدين يضار أحدهما صاحبه.
فبناء المسجد للإضرار بالمسجد الآخر من الضرار؛ لأن الأمر يصير فوضى، والآن الفوضى ليس فقط في المساجد، بل فوضى في كل شيء، فوضى في طباعة المصاحف، فكثرة نزول المصاحف بهذه الطريقة غير صحيح، لابد أن تكون هناك ضوابط لتوزيع المصاحف، حتى إن بعض محلات النصارى يبيعون فيها المصاحف، فيمكّن النصراني من مس المصحف وبيعه والاتجار به، فوضى عارمة، فموضوع المساجد فيها فوضى، تجد الآن في الشارع الواحد مسجداً وأمامه مسجد، وبين كل مسجد ومسجد مسجد! فوضى تكاد تقضي تماماً على حكمة تشريع صلاة الجماعة، حيث يتناحر الناس وتحصل بينهم الفتن، فمنذ أسابيع قليلة قام الخطيب على المنبر ليخطب الجمعة، وهناك مسجد آخر على بعد خطوات قليلة، وأهل المسجد سلطوا الميكروفون على هذا المسجد، فالإمام على المنبر لا يستطيع أن ينطق بكلمة واحدة، فاختصر الخطبة في أقل من ثلاث دقائق؛ لأنه ما استطاع أن يخطب من شدة الأذية والإضرار الذي حصل من تسليط مكبر الصوت بطريقة سيئة جداً، حتى أن الخطيب اضطر إلى اختصار الخطبة إلى أقصى ما تتخيلوا، ونزل صلى وما عرف حتى يصلي، فهذا من أقبح صور الضرار! نقول: ما دام المنطقة الواحدة فيها مسجد جامع فالناس يجتمعون فيه، أما أن يكون بهذه الفوضى التي تحصل الآن، فهذا قضاء على الحكمة من تشريع الجماعة، وفيه معنى من معاني الضرار كما ذكرنا.
يقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: قال علماؤنا: لا يجوز أن يبنى مسجد إلى جنب مسجد، ويجب هدمه والمنع من بنائه؛ لئلا ينصرف أهل المسجد الأول فيبقى شاغراً، إلا أن تكون المحلة كبيرة فلا يكفي أهلها مسجد واحد، فيبنى حينئذ.
وكذلك قالوا: لا ينبغي أن يبنى في المصر الواحد جامعان أو ثلاثة، ويجب منع الثاني، ومن صلى فيه الجمعة لم تجزه، فقد أحرق النبي ﷺ مسجد الضرار وهدمه.
وقال النقاش: يلزم من هذا ألا يصلى في كنيسة ونحوها؛ لأنها بنيت على شر.
قلت: هذا لا يلزم؛ لأن الكنيسة لم يقصد ببنائها الضرر بالغير، وإن كان أصل بنائها على شر، وإنما اتخذ النصارى الكنيسة واليهود البيعة موضعاً يتعبدون فيه بزعمهم، كالمسجد لنا فافترقا.
وقال علماؤنا رحمهم الله تعالى: وإذا كان المسجد الذي يتخذ للعبادة وحض الشرع على بنائه بقوله: (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة، بنى الله له بيتاً في الجنة) يهدم ويُزال إذا كان فيه ضرر لغيره، فما ظنك بسواه، بل هو أحرى أن يزال ويهدم حتى لا يدخل ضرر على الأقدم، وذلك كمن بنى فرناً أو رحىً أو حفر بئراً أو غير ذلك مما يدخل به الضرر على غيره.
وضابط هذا الباب: أن من أدخل على أخيه ضرراً بفعل ما كان له فعله في ماله، فأضر ذلك بجاره أو غير جاره نظر إلى ذلك الفعل، فإن كان تركه أكبر ضرراً من الضرر الداخل من الفعل قطع أكبر الضررين وأعظمهما حرمة في الأصول، مثال ذلك: رجل فتح كوة في منزله يطلع منها على دار أخيه، وفيها العيال والأهل، ومن شأن النساء في بيوتهن إلقاء بعض ثيابهن والانتشار في حوائجهن، ومعلوم أن الاطلاع على العورات محرم، وقد ورد النهي عنه، فلحرمة الاطلاع على العورات رأى العلماء أن يغلقوا على فاتح الباب والكوة ما فتح، مما له فيه منفعة وراحة وفي غلقه عليه ضرر؛ لكنهم قصدوا إلى قطع أعظم الضررين، إذ لم يكن بد من قطع أحدهما، وهذا الحكم في هذا الباب خلافاً للشافعي ومن قال بقوله، قال أصحاب الشافعي: لو حفر رجل في ملكه بئراً وحفر آخر في ملكه بئراً يسرق منها ماء البئر الأول جاز؛ لأن كل واحد منهما حفر في ملكه فلا يمنع من ذلك.
أورد القرطبي هذا الكلام منتقداً للشافعية.
ومثله عندهم: لو حفر إلى جنب بئر جاره كنيفاً يفسده عليه لم يكن له منعه؛ لأنه تصرف في ملكه، والقرآن والسنة يردان هذا القول وبالله التوفيق.
والقاعدة تقول: لا ضرر ولا ضرار، فلا يحفر الشخص بئراً في أرضه بحيث يغور بئر جاره فيضر به، أو يجعل في أرضه مكاناً لقضاء الحاجة فتتسرب النجاسة إلى بئر جاره وتفسد عليه ماء بئره، هذا كله مما يرده القرآن والسنة.
ومن هذا الباب وجه آخر من الضرر منع العلماء منه مثل: دخان الفرن، كأن يقوم شخص ببناء فرن تحت عمارة يخرج منه دخان يؤذي الساكنين، فهذا من الأذية، وكذلك غبار الأندر، وهو المكان الذي يداس فيه الحبوب.
ثم يقول: والدود المتولد من الزبل المبسوط في الرحاب، وما كان مثل هذا فإنه يقطع منه ما بان ضرره وخشي تماديه، وأما ما كان ساعة خفيفة مثل نفض الثياب والحصر عند الأبواب، فإن هذا مما لا غنى للناس عنه، وليس مما يستحق به شيء، فنفي الضرر في منع مثل هذا أعظم، فأكبر الصبر على ذلك مقدار ساعة شيء يسير، وللجار على جاره في أدب السنة أن يصبر على أذاه على ما يقدر، كما عليه ألا يؤذيه وأن يحسن إليه.
على أي الأحوال مراعاة الجار بالذات في موضوع الإضرار أمر مهم جداً يجب مراعاته، حتى القوانين الوضعية تحاول أن تحميه، لكن يبلغ الناس أحياناً في العناد مبلغاً عجيباً جداً، لقد سمعت عن حادثة وهي أن رجلاً بنى بيتاً عالياً بجوار فلة منخفضة، والسور مشترك بين الفلة وبين هذه العمارة، فصاحب العمارة قام وفتح نافذة تطل على هذه الفلة، فحصلت قضايا ومشاكل انتهت بأن قام صاحب الفلة بعمارة الدور الأخير ورد الجدار للخلف قليلاً، بحيث يعمل فيه (بلكونة) في هذا الجدار، وفتح فيها نافذة باتجاه صاحب العمارة، فصاحب العمارة عاند وقام ببناء سور للعمارة عالياً من الأرض إلى آخر دور؛ ليسد على جاره (البلكونة) الجديدة التي بناها، حتى يمنعه من أن ينتفع بهذه الفتحة!
стр. 1320
الفوائد المستخلصة من هدم مسجد الضرار
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في فوائد غزوة تبوك: ومنها: تحريق أمكنة المعصية التي يعصى الله ورسوله فيها وهدمها، كما حرق رسول الله ﷺ مسجد الضرار وأمر بهدمه، وهو مسجد يصلى فيه ويذكر اسم الله فيه؛ لكن لما كان بناؤه ضراراً وتفريقاً بين المؤمنين ومأوىً للمنافقين أمر بهدمه وتحريقه، وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام تعطيله.
معنى ذلك: أن الهدم والحرق والقتل وغيرها كل هذه من اختصاص الإمام وليست إلى آحاد الرعية.
ثم يقول: فواجب على الإمام تعطيله إما بهدم أو تحريق، وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع له، وإذا كان شأن مسجد الضرار فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أنداداً من دون الله أحق بذلك وأوجب، وكذلك محال المعاصي والفسوق كالحانات وبيوت الخمارين وأرباب المنكرات، وقد حرق عمر ﵁ قرية بكاملها يباع فيها الخمر، وحرق حانوت رويشد الثقفي وسماه فويسقاً، وأحرق قصر سعد عليه لما احتجب عن الرعية.
كذلك من قبل عمر همّ رسول الله ﷺ بتحريق بيوت تاركي حضور الجمعة والجماعة، وإنما منعه من فيها من النساء والذرية الذين لا تجب عليهم كما أخبر هو عن ذلك.
ثم قال: ومنها أن الوقف لا يصح على غير بر ولا قربة، كما لم يصح وقف هذا المسجد، وعلى هذا فيهدم المسجد إذا بني على قبر، كما ينبش الميت إذا دفن في المسجد، نص على ذلك الإمام أحمد وغيره، فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر منع منه وكان الحكم للسابق، فلو وضعا معاً لم يجز، ولا يصح هذا الوقف ولا يجوز، ولا تصح الصلاة في هذا المسجد؛ لنهي رسول الله ﷺ عن ذلك، ولعنه من اتخذ القبر مسجداً أو أوقد عليه سراجاً.
ثم قال ابن القيم: فهذا دين الإسلام الذي بعث به رسوله ونبيه ﷺ وغربته بين الناس كما ترى.
стр. 1321
فوائد مستنبطة من آيات مسجد الضرار
يقول القاسمي: قال بعض المفسرين اليمانيين: في الآيات دلالة على فضل المسجد الموصوف بهذه الصفة يعني: المؤسس على التقوى.
وفيها: أن نية القربة في عمارة المسجد شرط؛ لأن النية هي التي تميز الأفعال.
وفيها: أنه لا يجوز تكثير سواد الكفار؛ لأنه قال تعالى: ((لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا)) وأراد بالقيام الصلاة.
وقال ابن كثير: في الآية دليل على استحباب الصلاة في المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده لا شريك له، وعلى استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحين، والعباد العاملين المحافظين على إسباغ الوضوء، والتنزه عن ملابسة القاذورات.
وقد روى الإمام أحمد: (أن رسول الله ﷺ صلى بهم الصبح فقرأ الروم فأوهم -يعني: اختلطت عليه القراءة-، فلما انصرف قال: إنه يلبس علينا القرآن، إن أقواماً منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء) فدل هذا على أن إكمال الطهارة يسهل القيام في العبادة، ويعين على إتمامها وإكمالها والقيام بمشروعاتها.
وذهب أبو العالية والأعمش إلى أن المراد من الطهارة في الآية: الطهارة من الذنوب والتوبة منها والتطهر من الشرك.
قال الرازي: وهذا القول متعين؛ لأن التطهر من الذنوب والمعاصي هو المؤثر في القرب من الله تعالى، واستحقاق ثوابه ومدحه؛ ولأنه تعالى وصف أصحاب مسجد الضرار بمضارة المسلمين والكفر بالله والتفريق بين المسلمين، فوجب أن يكون هؤلاء بالضد من صفاتهم، وما ذاك إلا كونهم مبرئين عن الكفر والمعاصي.
يقول القاسمي: لا تسلم دعوى التعين، فإن اللفظ يتناول الطهارتين: الباطنة والظاهرة، بل الأقرب هنا هي الثانية؛ وذلك لما رواه أصحاب السنن والإمام أحمد وابن خزيمة: (أن النبي ﷺ قال لأهل قباء: قد أثنى الله عليكم في الطهور فماذا تصنعون؟ قالوا: نستنجي بالماء) وهذا يدل على أن الآية تشمل الطهارتين معاً.
ويقول القاسمي أيضاً: قال القاشاني: لما كان عالم الملك تحت قهر عالم الملكوت وتسخيره لزم أن يكون لنيات النفوس وهيئاتها تأثير فيما يباشرها من الأعمال، فكل ما فعل بنية صادقة لله تعالى عن هيئة نورانية، صحبته بركة ويمن وجمعية وصفاء، وكل ما فعل بنية فاسدة شيطانية عن هيئة مظلمة، صحبته تفرقة وكدورة ومحق وشؤم، ألا ترى الكعبة كيف شرفت وعظمت وجعلت مباركة لكونها مبنية على يدي نبي من أنبياء الله، بنيةٍ صادقة ونفس شريفة صافية عن كمال إخلاص لله تعالى، ونحن نشاهد أثر ذلك في أعمال الناس، ونجد أثر الصفاء والجمعية في بعض المواضع والبقاع والكدورة والتفرقة في بعضها، فما هو إلا لذلك، فلهذا قال تعالى: ((لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ)).
والعوام يعبرون عن هذا مثل هذه العبارات التي ذكرها القاشاني، يقول لك: المكان هذا ريحه طيب، أو له نفسٌ طيب.
وهذه تتفاوت من مكان إلى آخر، فإنك إذا دخلت مكاناً معيناً أو مسجداً معيناً تشعر فيه براحة وبخشوع وببركة، وقد تدخل مسجداً آخر قد لا تجد فيه نفس هذه الراحة، فما مرجع ذلك؟ مرجع ذلك إلى صفاء نية من أسس هذا المسجد، والقبول الذي يوضع لبعض هذه الأماكن هو ثمرة صفاء نيته، وأنه أراد به وجه الله ، لذلك تجد هذه الراحة النفسية في المساجد التي أسست على السنة وعلى التوحيد، فتجد فيها من الخشوع ومن البركة ما لا تحس أبداً فيما عداها من مساجد أهل البدع.
ثم يقول: ونحن نشاهد أثر ذلك في أعمال الناس، ونجد أثر الصفاء والجمعية في بعض المواضع والبقاع، والكدورة والتفرقة في بعضها، وما هو إلا لذلك، فلهذا قال تعالى: ((لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ)) لأن الهيئات الجسمانية مؤثرة في النفوس، كما أن الهيئات النفسانية مؤثرة في الأجسام، فإذا كان موضع القيام مبنياً على التقوى وصفاء النفس، تأثرت النفس باجتماع الهمة وصفاء الوقت وطيب الحال وذوق الوجدان، وإذا كان مبنياً على الرياء والضرار تأثرت بالكدورة والتفرقة والقبض، وفيه إشعار بأن زكاء نفس الباني وصدق نيته مؤثر في البناء، وأن تبرك المكان وكونه مبنياً على الخير يقتضي أن يكون فيه أهل الخير والصلاح ممن يناسب حاله حال بانيه، وأن محبة الله واجبة لأهل الطهارة؛ وذلك لقوله تعالى: ((وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ)).
стр. 1322
تفسير سورة التوبة [١١١ - ١٢٠]
стр. 1323
تفسير قوله تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم)
قال ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١] لما هدى الله تعالى المؤمنين إلى الإيمان، والأنفس مفتونة بمحبة الأموال والأنفس، استنزلهم لفرط عنايته بهم عن مقام محبة الأموال والأنفس بالتجارة الرابحة المربحة والمعاملة المرغوبة، بأن جعل الجنة ثمن أموالهم وأنفسهم، فعوض لهم خيراً مما أخذ منهم، فالآية ترغيب في الجهاد لبيان فضيلته إثر بيان حال المتخلفين عنه، وهذا التعبير دقيق من القاسمي رحمه الله تعالى، فقوله: إن الآية ترغيب في الجهاد لبيان فضيلته إثر بيان حال المتخلفين عنه، ولم يقل: إن الآية ترغيب في الاستشهاد؛ لأن الآية تضمن هذا الوعد العظيم من التضحية في سبيل الله بالروح وبالمال وكذلك بالمشاركة في الجهاد حتى ولو سلم المجاهد؛ لأنه قال: (فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) ولم يقل: فيقتلون فحسب، فدل على الترغيب في الجهاد بصفة عامة.
قال أبو السعود: ولقد بولغ في ذلك على وجه لا مزيد عليه، حيث عبر عن قبول الله تعالى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم التي بذلوها في سبيله ﵎، وإثابته إياهم لمقابلتها بالجنة، عبر عن هذه المعاملة بالشراء على طريقة الاستعارة التبعية، ثم جعل المبيع الذي هو العمدة والمقصد في العقد أنفس المؤمنين وأموالهم، والثمن الذي هو الوسيلة في الصفقة الجنة، ولم يجعل الأمر على العكس.
يعني: لم يقل: إن الله باع الجنة من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم؛ ليدل على أن المقصد في العقد هو الجنة، وما بذله المؤمنون في مقابلتها من الأنفس والأموال وسيلة إليها، إيذاناً بتعلق كمال العناية بهم وبأموالهم، ثم إنه لم يقل ﵎: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بالجنة، وإنما قال: (بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ)؛ مبالغة في تقرر وصول الثمن إليهم؛ لأنه لو قال: بالجنة وحسب يكون أضعف، لكن البلاغة كلها في قوله: (بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) بأن -توكيد- لهم الجنة، يعني الجنة لهم، ففيها تقرير أو مبالغة في تقرير وصول الثمن إليهم، واختصاصه بهم أيضاً، كأنه قيل: الجنة الثابتة لهم المختصة بهم؛ وذلك لأن الإنسان مهما ضحى فكل تضحية سيوجد ما هو أعلى منها، فإذا ضحى الإنسان بمال وبأعراض الدنيا فإنه سيضحي في سبيل الله بما هو أعلى ألا وهي نفسه التي بين جنبيه، فليس هناك ما هو أعلى من التضحية بالنفس، ولذلك قال الشاعر: الجود بالمال جود فيه مكرمة والجود بالنفس أقصى غاية الجود يعني: ليس بعد الجود بالنفس مرتبة، ولذلك كافأهم الله عليها بهذه الصفقة.
ويقول جعفر الصادق رحمه الله تعالى: أثامن بالنفس النفيسة ربها وليس لها في الخلق كلهم ثمن بها تشترى الجنات إن أنا بعتها بشيء سواها إن ذلكم غبن لئن ذهبت نفسي بدنيا أصبتها لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن أي: إذا أنفق الإنسان نفسه وروحه في سبيل الدنيا ستضيع الدنيا ويضيع الثمن عليه، لكن إذا خرج في سبيل الله وأذهب روحه في سبيل الله؛ سيبقى له هذا الثواب الجزيل العظيم.
ولا ترى ترغيباً في الجهاد بأحسن ولا أبلغ من هذه الآية؛ لأنه أبرزه في صورة عقد عقده وباشر العقد رب العزة ، أما ثمنه فهو ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولم يجعل المعقود عليه كونهم فقط شهداء، وإنما إذا كانوا قاتلين لإعلاء كلمته ونصر دينه، وجعل هذا العقد مسجلاً في الكتب السماوية، كما قال : ((وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ)) وناهيك به من صك.
ووعد الله حق، ولا أحد أوفى من وعده، فنسيئته أقوى من نقد غيره في الحال؛ لأنه وعد الله ، والله لا يخلف الميعاد.
وأشار إلى ما فيه من الربح والفوز العظيم وهو استعارة تمثيلية، صور جهاد المؤمنين وبذل أموالهم وأنفسهم فيه وإثابة الله لهم على ذلك الجنة بالبيع والشراء بقوله ﵎: (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) هذه إشارة إلى مكان التسليم، كل عقد له أركان: البائع، والمشتري، والمبيع (الصفقة)، وأيضاً المكان، فبعض العقود يشترط فيها تحديد المكان، مثل عقد السلم، فهو من العقود التي لا بد فيها من تحديد مكان التسليم، فالله في هذا العقد أشار إلى مكان التسليم وهو ساحة الجهاد في سبيل الله حينما قال: (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، وإنفاذ هذه الصفقة في المعركة، وإليه الإشارة بقوله ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري: (الجنة تحت ظلال السيوف).
ثم أمضاه بقوله: (وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) وفي هذا من البلاغة والنصائح المناسبة للمقام، فهم لم يلتفتوا إلى جعل اشترى وحده استعارة أو مجازاً عن الاستبدال، وإن ذكروه في غير هذا الموضع؛ لأن قوله تعالى: (إن الله اشترى) يقتضي أنه شراء وبيع، وقوله هنا: (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ) فهذا أيضاً يقتضي أنه شراء وبيع، وهذا لا يكون إلا بالتمثيل.
قوله: (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا) مصدر مؤكد لما يدل عليه كون الثمن مؤجلاً، لكن هو لا بد من حصوله؛ لأنه وعد من الله ، وذكر كونه في التوراة وما عطف عليها بقوله: (فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ) أيضاً تأكيد له، وإخبار بأنه منزل على الرسل في الكتب الكبار.
وفيها: أن مشروعية الجهاد ومثوبته ثابتة في شرع من قبلنا، وقد بقي في التوراة والإنجيل الموجودين على تحريفهما ما يشير إلى الجهاد والحث عليه، نقله عنهما من رد على الكتابيين الزاعمين أن الجهاد من خصائص الإسلام، فانظره في الكتب المتداولة في ذلك، ففي بعض نصوص التوراة وبعض نصوص الإنجيل -رغم التحريف الذي طرأ عليهما- إثبات شريعة الجهاد في رسالة موسى وعيسى عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، ويمكن أن يرجع إلى ذلك إلى الكتب المتداولة في دحض عقائد النصارى مثل كتاب (إظهار الحق) للشيخ رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي، ففي هذا الكتاب فصل مستقل في أن الجهاد ليس من خصائص الإسلام.
стр. 1324
تفسير قوله تعالى: (التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون)
لقد وصف الله تعالى المؤمنين الذين اشترى منهم أنفسهم وأموالهم فقال : ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١١٢] قوله: (التائبون) يعني: عن المعاصي، ورفعه على المدح، يعني: هم التائبون، كما دل عليه قراءة التائبين بالياء إلى قوله: (والحافظين) نصباً على المدح، أو جراً صفة للمؤمنين المذكورين في قوله: ((إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)) فإذا جرت تكون صفة للمؤمنين، أو نصباً على المدح، لكن هنا مرفوعة، فيجوز أن يكون مبتدأ وخبره ما بعده (التائبون العابدون) إلى آخره.
قوله: (التائبون) أي: من المعاصي حقيقة، الجامعون لهذه الصفات.
قوله: (العابدون) أي: الذين عبدوا الله وحده وأخلصوا له العبادة وحرصوا عليها.
قوله: (الحامدون) أي: الحامدون لله على نعمائه أو على ما نابهم من السراء والضراء.
قوله: (السائحون) يعني: الصائمون، أو الضاربون في الأرض تدبراً واعتباراً، وإن شاء الله سنذكر تفاصيل معنى كلمة السائحين.
قوله: (الراكعون الساجدون) يعني: المصلون؛ لأن الركوع والسجود من حالات الصلاة، أما ما عدا الركوع والسجود فقد تشتبه بأحوال غير الصلاة، فقد نرى إنساناً قائماً ولا نميز هل هو قائم يصلي أم قائم في غير صلاة، وكذلك القاعد، بخلاف الراكع والساجد فإنه لا يشتبه على من رآه أنه يصلي؛ لأن الركوع والسجود فيها أعلى درجات الخضوع والخشوع لله .
قوله: (الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله) يعني: في تحليله وتحريمه.
قوله: (وبشر المؤمنين) الموصوفين بالنعوت المذكورة، ووضع المؤمنين موضع ضميرهم، يعني: لم يقل: وبشرهم، وإنما قال: (وبشر المؤمنين) للتنبيه على أن ملاك الأمر هو الإيمان، وأن المؤمن الكامل من كان كذلك، ثم حذف المبشر به، فلم يقل: بشر المؤمنين بأن لهم كذا، وإنما قال: (وبشر المؤمنين)؛ لتعظيم المبشر به، أو لكونه معلوماً كما سيأتي في قوله في سورة الأحزاب: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٧].
стр. 1325
الأقوال في معنى قوله تعالى: (السائحون)
قوله ﵎: (السائحون) فيها أقوال كثيرة، منها ما يلي: (السائحون) يعني: الصائمون، وقد سمي الصائم سائحاً تشبيهاً بالسائح؛ لأن السائح لا زاد معه، والعرب تقول للفرس إذا كان قائماً لا علف بين يديه: صائم، ويقولون: خيل صائمة وخيل غير صائمة.
فالفرس الصائم هو الواقف القائم الذي ليس أمامه علف؛ وذلك لأن الفرس يأكل مرتين: مرة في الغدو، ومرة في العشي، فشبه به الآدمي لتسحره وصيامه، فقيل في الآدمي: صائم أو سائح؛ لأنه يأكل مرتين في حالة الصيام: مرة في الفطور ومرة في السحور، ومنه قوله ﵎: ﴿عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ﴾ [التحريم:٥] يعني: صائمات.
وقال ابن عيينة: إنما قيل للصائم: سائح؛ لأنه يترك اللذات كلها من المطعم والمشرب والمنكح.
قال أبو طالب: وبالسائحين لا يذوقون قطرة لربهم والذاكرات العوامل وقال الشاعر أيضاً: براً يصلي ليله ونهاره يظل كثير الذكر لله سائحاً يعني: صائماً، وأصل السياحة: الذهاب على وجه الأرض كما يسيح الماء، فالصائم مستمر على الطاعة فيما يتركه من الطعام وغيره، فهو بمنزلة السائح.
فهذا هو القول الأول في تفسير قوله تعالى: (السائحون) أي: بمعنى الصائمون.
وقيل: (السائحون) هم الغزاة والمجاهدون في سبيل الله، ويستدل له بالحديث الصحيح الذي رواه أبو داود عن النبي ﵌ أنه قال: (سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله).
القول الثالث: هم: طلاب العلم الذين يسافرون ويسيحون لطلب الحديث والعلم.
قول رابع: هم المهاجرون في سبيل الله.
القول الخامس: هم الجائلون بأفكارهم في ملكوته ، ويجولون بعقولهم وقلوبهم فيما خلق الله من العبر والعلامات الدالة على توحيده وتعظيمه، وفي الحديث: (إن لله ملائكة سياحين مشائين في الآفاق يبلغونني صلاة أمتي) أو كما قال ﵌، فالشاهد هنا قوله: (إن لله ملائكة سياحين) يعني: يتحركون وينتشرون في الطرقات.
يقول القاسمي: ما قدمناه من تفسير السائحين بالصائمين، قال الزجاج: هو قول أهل التفسير واللغة جميعاً.
وعن ابن عباس ﵄ قال: كل ما ذكر الله في القرآن من السياحة فهو الصيام.
وعن الحسن: (السائحون) الصائمون شهر رمضان.
وقال الشهاب: استعيرت السياحة للصوم؛ لأنه يعوق عن الشهوات، كما أن السياحة تمنع عنها في الأكثر.
ونقل الرازي عن أبي مسلم: أن السائحين هم السائرون في الأرض، وهو مأخوذ من السيح -أي: سيح الماء الجاري-، والمراد به من خرج مجاهداً مهاجراً.
إذاً: المعنى اللغوي للسياحة: هو السير في الأرض، مأخوذ من قوله تعالى في أول هذه السورة: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة:٢] أي: انتشروا في الأرض أربعة أشهر، وتقريره أنه تعالى حث المؤمنين في الآيات الأولى على الجهاد، ثم ذكر هذه الآية في بيان صفات المجاهدين، فينبغي أن يكونوا موصوفين بجميع هذه الصفات.
وروى مثله ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن أنه قال: هم المهاجرون.
وعن عكرمة: أنهم المنتقلون لطلب العلم.
قال ابن كثير: جاء ما يدل على أن السياحة الجهاد، فقد روى أبو داود من حديث أبي أمامة ﵁: (أن رجلاً قال: يا رسول الله! ائذن لي في السياحة، فقال النبي ﷺ : سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله) وهذا حديث حسن.
يقول القاسمي: لو أخذ هذا الحديث تفسيراً للآية، لالتقى مع كل ما روي عن السلف فيها؛ لأن الجهاد في سبيل الله كما يطلق على قتال المشركين يطلق على كل ما فيه مجاهدة للنفس في عبادته تعالى، فمجاهدة النفس تتم أساساً في الجهاد، لكن يطلق أيضاً بصفة أعم على الصوم والهجرة والجهاد.
جهاد للنفس في مفارقة الأوطان والأموال والأهلين، وكذلك الصيام فيه مجاهدة للنفس في ترك شهواتها، وكذلك السفر للتفقه في الدين فيه مجاهدة للنفس، وكذلك السفر للاعتبار والنظر في آثار الأمم المهلكة.
فهذا كله يتطلب مجاهدة للنفس، هذا إذا أردنا أن نوفق بين هذه الأقوال كلها، أما لو أريد باللفظ أصل حقيقته اللغوية، فإن أصل الحقيقة اللغوية للسياحة هي: الضرب في الأرض خاصة، وهذا الذي عبر عنه عكرمة بقوله: المنتقلون لطلب العلم.
وفي هذه الحالة يكون كافياً لو أخذنا بالأصل اللغوي.
إذاً: هناك مسلكان في تفسير (السائحون): الأول: تفسيرها في ضوء قوله: (سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله) بحيث يشمل الجهاد في سبيل الله (القتال) ويشمل كل ما فيه جهاد للنفس، سواء في الصيام أو في طلب العلم، أو في الانتقال لطلب العلم أو في الهجرة، أو بالسير في الأرض للتفكر في آيات الله ، هذا إذا أردنا التوفيق بين ما أثر عن السلف في تفسير (السائحون).
الثاني: تفسير كلمة السائحين بالأصل اللغوي لهذه الكلمة، كما تقول: ساح الماء أو السيل، يعني: انتشر ومشى على وجه الأرض، فيراد بها معنى خاصاً وهو السياحة، التي هي الضرب في الأرض، وهذا يشير إلى وصف عظيم وهو الحق في تأويل الآية الكريمة.
والقاسمي أورد هنا بحثاً لبعض المحققين كما وصفهم في تأييد هذا القول يقول: الكتاب الحكيم يأمر الإنسان كثيراً بأن يضحي بقسم وجزءٍ من حياته في السياحة والتسيار؛ لأجل اكتشاف الآثار؛ والوقوف على أخبار الأمم البائدة؛ ليكون ذلك مثال عظة واعتبار، يضرب على أدمغة الجامدين بيد من حديد.
وذلك في قوله تعالى: (السائحون) في هذه الآية، ولم يقع لفظ (السائحون) في القرآن الكريم إلا في هذا الموضع الفذ، فمع ذلك فقد اختلف في معناه أهل التفسير، فمنهم من قال: هم الصائمون، ومنهم من قال: هم السائرون، مأخوذ من السيح والانتشار وهو الجري على وجه الأرض والذهاب فيها، ويطلق السائح على معنىً يضاد الجامد، فالشيء السائح هو سائل مائع منتشر، بخلاف الجامد الذي لا يتحرك.
وألفاظ القرآن يجب حملها على ظواهرها وعلى معانيها الحقيقية ما لم يمنع مانع عقلي، ولا مانع هنا من إرادة الحقيقة، وعليه فيجب حمل لفظ (السائحون) على معناه الظاهر الحقيقي، وهو: السائرون الذاهبون في الديار؛ لأجل الوقوف على الآثار، توصلاً للعظة بها والاعتبار، ولغير ذلك من الفوائد التي عرفها التاريخ.
أما المعنى المجازي فإنه لا تجوز إرادته إلا عند قيام القرينة على منع المعنى الحقيقي، في حال أن الأمر هنا بالعكس، لكثرة القرائن التي تطالب بإرادة المعنى الحقيقي دون المجازي، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:١١]، وهذا أمر بالسياحة في الأرض للاعتبار.
стр. 1326
السياحة بين المفهوم الشرعي والمفهوم غير الشرعي
في مثل هذا البحث ينبغي أن ننسى تماماً القاذورات المرتبطة بكلمة السياحة؛ لأن هذه القاذورات المرتبطة بالسياحة طرأت نتيجة الفساد الذي عم وطم وظهر في البر والبحر والجو، لكن نحن الآن نتعامل مع معاني الوحي الشريف، ومعاني اللغة العربية الأصلية، بغض النظر عما صارت ترمز إليه كلمة السياحة الآن من الفساد والعفن.
نحن نتكلم عن السياحة التي هي عبادة، وهي الانطلاق في الأرض للتفكر في آيات الله، ومطالعة أيام الله ، وآثار الأمم الغابرة، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا﴾ [الأنعام:١١]، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الروم:٩]، وقوله ﵎: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [يوسف:١٠٩]، وقوله: ﴿فَسِيرُوا﴾ [آل عمران:١٣٧]، وقوله: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المزمل:٢٠]، وقول الله : ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:١٠٠] فهذه الآيات قرائن نيرة تدل بأن السيح معناه: السير، فإنها وإن تكن من مادة أخرى إلا أن معناها يلاقي معنى السيح، على أننا لا نعدم قرينة على ذلك من نفس المادة، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة:٢] أي: انتشروا في الأرض أو سيروا في الأرض، فكلمة: (سيحوا) هنا تفسر (السائحون) في الآية هذه.
أما من يقول: إن خير ما فسرت به الآية بالوارد فنقول: إن صرف هذا اللفظ عن ظاهره فيه تكسيل للأمة، وبه يحصل قصور همتها، وضعف نشاطها، ويحول بينها وبين سعادة الإحاطة بآثار الأمم البائدة، ورؤية عمران المسكونة، الأمر الذي هو الآن الضالة المنشودة عند الغربيين.
إذاً: كلمة السياحة ومعانيها الآن تحتاج إلى كثير من الاحتراز؛ لأنها لا تطبق بالصورة التي يريدها الشرع؛ لأن هناك من يعتقد أن أنظف سياحة هي ما يسمونه بالسياحة الدينية، والسياحة الدينية لا تقتصر على الحج ولا العمرة، وإن كان بهذا المعنى يصح أن توصف بأنها سياحة؛ لأنها انتشار في الأرض لإقامة فريضة أو عبادة، لكن السياحة الدينية عند هؤلاء المنحرفين هي إلى المقابر أو إلى أضرحة الأولياء ونحو هذه الأشياء! ومن السياحة التي يظن أنها مباحة شد الرحال إلى الأماكن التي نزلت فيها لعنة الله على القوم المعذبين، فأمثال هذه الأماكن لا ينبغي للإنسان أن يذهب إليها، وإذا مر بها كعابر سبيل فإما أن يبكي وإما أن يسرع ويجري، كما قال النبي ﵊: (لا تمروا بهؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين) فمن السنة أن الإنسان إذا مر في رحلته بشيء من هذه الأماكن كديار ثمود أو آثار الفراعنة المشركين الوثنيين فليسرع؛ لأن الرسول ﵊ علل ذلك بقوله: (لا تمروا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين؛ أن يصيبكم ما أصابهم) فهو أمر بالإسراع خشية أن يصيبنا ما أصابهم؛ لأن هذه الأماكن نزلت فيها لعنة الله، ونزل فيها غضب الله على من ناوأه وحاربه وعصاه وكفر به.
ومن علامات موت القلب أن الإنسان يمر بهذه الأماكن دون أن يبكي ودون أن يعتبر، فإذا حصل ذلك ولم يستحضر هذه المعاني ولم يسرع بمغادرة هذه الأماكن ففي هذه الحالة يخشى أن يعاقب بأن تصيبه نفس اللعنة التي أصابت هؤلاء المعذبين، وقد يكون هذا هو السر فيما يسمونه الآن: لعنة الفراعنة، فهي ليست لعنة الفراعنة، وإنما هي لعنة الله تصيب من يأتي إلى هذه الأماكن المشئومة.
فإذاً: الأماكن التي يعرف أنه نزل عذاب الله فيها، ينبغي إذا مر بها الإنسان مجتازاً أن يسرع ويبكي، والأصل ألا يأتي إلى هذه الأماكن أصلاً خشية أن يصيبه ما أصابهم.
فهذا هو التفسير الصحيح لما يسمى الآن: لعنة الفراعنة؛ لأن الفراعنة الآن أموات، ولعنة الله تصيب من يجاورهم في مساكنهم وفي ديارهم بشؤمهم لقوله ﵊ (أن يصيبكم ما أصابهم) والله تعالى أعلم، ولا يبعد أيضاً أن تكون بعض الأماكن التي فيها ظواهر غريبة هي أماكن نزول عذاب، فربما لأجل ذلك يهلك من اقترب منها، مثل مثلث برمودا وغيره، وهذا احتمال قائم والله تعالى أعلم.
стр. 1327
الآثار المترتبة على السياحة
قال الرازي: للسياحة أثر عظيم في تكميل النفس، لما يلقاه من أنواع من الضر والبؤس.
يعني: الإنسان إذا سافر يتمرن وتزيد خبرته بالحياة، فيلقى ضرراً وبؤساً، فلا بد من الصبر عليها، وقد يتعرف على علماء في تخصصات مختلفة فيستفيد من كل ما ليس عند الآخر، وقد يلقى الأكابر من الناس فيحقر نفسه في مقابلتهم، وقد يصل إلى المرادات الكثيرة فينتفع بها، وقد يسهل اختلاف أحوال الدنيا بسبب ما خلق الله تعالى في كل طرف من الأحوال الخاصة بهم، فتقوى معرفته.
وبالجملة فالسياحة لها آثار قوية في الدين، لكن يشترط أن تكون هذه السياحة بمعنى السير في الأرض للاعتبار وللعظة وللهجرة وللجهاد ولطلب العلم، وغير ذلك من أنواع الطاعات.
стр. 1328
وجه ذكر الركوع والسجود كناية عن الصلاة
قال القاضي: إنما جعل الله ذكر الركوع والسجود كناية عن الصلاة في قوله تعالى: (الراكعون الساجدون) ولم يقل: المصلين؛ لأن سائر أشكال المصلي موافق للعادة، وهو قيامه وقعوده، والذي يخرج عن العادة في ذلك هو الركوع والسجود، وبهما يتبين الفرق بين المصلي وغيره، ويمكن أن يقال: القيام أول مراتب التواضع لله تعالى، والركوع وسطها، والسجود غايتها، فخص الركوع والسجود بالذكر لدلالتهما على غاية التواضع والعبودية؛ تنبيهاً على أن المقصود من الصلاة نهاية الخضوع والتعظيم.
стр. 1329
وجه ذكر العطف مرتين في الآية
ذكروا في سر العطف في موضعين من هذه النعوت وجوهاً؛ لأنه قال: (التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف) وعطف بالواو حيث قال: (والناهون عن المنكر) ثم قال: (والحافظون لحدود الله) فما السر في وجود الواو في هذين الموضعين؟ أما قوله تعالى: (والناهون عن المنكر) فقالوا: سر العطف فيه: إما للدلالة على أنه بما عطف عليه في حكم خصلة واحدة وصفة واحدة؛ لأن بينهما تلازماً في الذهن والخارج، يعني: قوله : (الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر) فيه إشارة إلى أن هاتين الوظيفتين هما صفة واحدة أو فعل واحد، سواء كان في الذهن أو في الخارج؛ لأن الأمر بالمعروف يستلزم النهي عن المنكر، فإذا أمرت بالصلاة فأنت تنهى عن ترك الصلاة، وإذا نهيت عن ترك الصلاة فكأنك تأمر بالصلاة وهكذا، فلما كان بينهما من التلازم سواء كان في الذهن أو في الواقع الخارجي اعتبرا كأنهما خصلة واحدة وصفة واحدة؛ لأن فعل الأوامر يتضمن ترك النواهي، فكان بين كمال الاتصال والانقطاع المقتضي للعطف بخلاف ما قبلهما.
أما الموضع الثاني وهو قوله تعالى: (والحافظون لحدود الله) فقيل: سر العطف فيه الإيذان بأن التعداد قد تم بالسبعة؛ لأن العرب إذا وصلت إلى العدد السابع يكون هذا عدداً تاماً عندهم، وحينئذ يبدءون العدد الجديد بالواو، يقولون مثلاً: واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة، وثمانية تسعة عشرة وهكذا، فإذا فرغوا من السبعة يقولون: وثمانية، فهذه اسمها واو الثمانية، فهنا في نفس هذه الآية: ((التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ)) لأنها جاءت في الصفة الثامنة، ولذلك تسمى: واو الثمانية.
ونُظِرَ فيه بأن الدال على التمام لفظ سبعة، لاستعماله في التكثير لا معدودة، وهذا نفس ما قالوه في قوله ﵎: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف:٢٢] فقالوا: هذه واو الثمانية، وهذا المبحث فيه نقاش كثير، ومن العلماء من أبطل هذا الاستدلال، فيمكن مراجعته في كتاب ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) لـ ابن هشام.
وقيل: سر العطف التنبيه على أن ما قبله في تفصيل الفضائل: التائبون، العابدون، السائحون إلى آخره، وهذا مجملها، أجمل كل ما مضى في قوله: (والحافظون لحدود الله)؛ لأنه شامل لما قبله وغيره، ومثله يؤتى به معطوفاً نحو: زيد وعمرو وسائر قبيلتهما كرماء، فلمغايرته لما قبله بالإجمال والتفصيل والعموم والخصوص عطف عليه.
وقيل: المراد بحفظ الحدود ظاهرها يعني: إقامة الحدود كالقصاص على من استحقه، والصفات الأولى إلى قوله: (الآمرون بالمعروف) هي صفات محمودة لازمة للشخص في نفسه، لكن قوله: (والحافظون لحدود الله) هذه باعتبار غيره؛ لأن حفظ حدود الله: هي إقامتها على مستحقيها بالقصاص مثلاً، فلذا تغاير تعبير الصنفين، فترك العاطف في القسم الأول، وعطف في الثاني، ولما كان لا بد من اجتماع الأول في شيء واحد، ترك فيها العطف لشدة الاتصال بخلاف هذه، فإنه يجوز اختلاف فاعلها ومن تعلقت به.
стр. 1330
تفسير قوله تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا إن إبراهيم لأواه حليم)
قال : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٣ - ١١٤] لما بين تعالى في أول السورة وما بعدها أن البراءة من المشركين والمنافقين واجبة، بين سبحانه هنا ما يزيد ذلك تأكيداً، حيث نهى عن الاستغفار لهم بعد أن تبين شركهم وكفرهم؛ لأن ظهوره موجب لقطع الموالاة حتى مع الأقرباء؛ لأن قرابتهم وإن أفادتهم الشفقة بهم والرحمة بهم، فلا تفيدهم قبول الاستغفار؛ لأن نور الاستغفار لا ينفذ في هذه القلوب المعتمة، فلا يصلح أن يستغفر المؤمنون لهم؛ لأن الله لا يغفر أن يشرك به.
فمن ثم لا ينبغي أبداً ولا يتصور أن يقع الاستغفار من (النبي والذين آمنوا للمشركين)؛ لأن الاستغفار هو طلب المغفرة، وكيف يطلب من الله مغفرة ذنب قد قطع وأخبر أنه لا يغفره أبداً وذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]؟! فإذا كان الشرك ذنباً عظمياً لا يغفر، فليس من الإيمان أن يستغفر المؤمن لقريبه المشرك؛ لأن طلب المغفرة لهم في حكم المخالفة لوعد الله ووعيده، فالله توعد هؤلاء المشركين أنه لا يغفر لهم أبداً، فمن الأدب أن الإنسان إذا دعا الله لا يدعو بشيء قد فرغ منه القضاء.
مثلاً: إذا قلنا بالقول الصحيح في تفسير قوله ﵎: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١] ففي هذه الحالة ليس من الأدب في الدعاء أن تدعو بألا ترد على جهنم؛ لأن هذا سوء أدب مع الله ، حيث قد فرغ القضاء وتمت كلمة الله في هذا القسم: (إن منكم إلا واردها) أي: ما منكم من أحد إلا وسيرد النار، كل البشر سيدخلون النار ثم يخرجون منها، يخرج منها المؤمنون كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم:٧٢] ولم يقل: ونلقي؛ لأنهم يكونون موجودين، بل قال: ((وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا)) [مريم:٧٢] فليس من الأدب أن تدعو الله بشيء قد حكم هو بخلافه، فإذا كان الله حكم وقضى أنه لا يغفر أن يشرك به، فلا يجوز أن تسأل الله المغفرة لمشرك؛ فلذلك قال هنا: ((مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)) [التوبة:١١٣] فطلب المغفرة لهم في حكم المخالفة لوعد الله ووعيده.
стр. 1331
وجه استغفار إبراهيم لأبيه وحكم الاقتداء به في ذلك
ثم ذكر تعالى أن السبب في استغفار إبراهيم لأبيه أنه كان لأجل وعد تقدم منه له، ويكون المعنى: لا تتأسوا بإبراهيم حينما استغفر لأبيه كما في سورة مريم: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم:٤]، وقال في الآية الأخرى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة:٤]، ثم قال: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة:٤] فالشاهد أن قول إبراهيم لأبيه: (لأستغفرن لك) بناء على وعد كان وعده أبوه، وهو أنه سيوحد وسيؤمن؛ فلذلك صدر الاستغفار من إبراهيم ﵇، لكن لما تبين له أنه عدو لله مصر على الشرك تبرأ منه، فلا ينبغي لكم أن تتخذوا من استغفار إبراهيم لأبيه المشرك أسوة وقدوة؛ لأن هذا ليس موضع اقتداء؛ لأن أباه كان وعده بالإيمان فمن ثم استغفر له، لا أنه كان يواليه ويدعو الله بالمغفرة لمن علم أنه مشرك.
إذاً: ذكر الله أن السبب في استغفار إبراهيم لأبيه أنه لأجل وعد تقدم منه له، لقوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم:٤٧]، وقوله: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة:٤]، وأنه كان قبل أن يتحقق إصراره على الشرك.
قوله: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ) يعني: أنه مستقر وراض بالشرك ومصر عليه.
قوله: (تَبَرَّأَ مِنْهُ) أي: تبرأ من أبيه بالكلية فضلاً عن الاستغفار له، وبين تعالى الحامل لإبراهيم على الاستغفار لأبيه لما وعده بالإيمان أنه كان فرط ترحمه وصبره، ولذلك ختم الآية بقوله: (إِِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ)، فالسبب أنه كان حريصاً على أن يستغفر لأبيه لما وعده بالإيمان.
قوله: (إن إبراهيم لأواه) أي: كثير التأوه من فرط الرحمة ورقة القلب.
قوله: (حليم) أي صبور على ما يعترضه من الإيذاء؛ ولذلك حلم عن أبيه مع أن أباه توعده بقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم:٤٦]، واستغفر له بقوله: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم:٤٧]، وذلك قبل التبين، فليس لغيره أن يأتسي به في ذلك.
وفي الآية تأكيد لوجوب الاجتناب للاستغفار بعد التبين؛ لأنه ﵊ تبرأ من أبيه بعد التبين، وذلك مع كمال رقة القلب والحلم عند إبراهيم، فلابد أن يكون غيره أكثر منه اجتناباً وتبرؤاً.
وقد ساق المفسرون هاهنا روايات عديدة في سبب نزول الآية، ولما رآها بعضهم متنافية حاول الجمع بينها بتعدد نزول الآيات، ولا تنافي بين هذه الروايات؛ لأنه -كما نبهنا مراراً- إذا قيل في الآية: نزلت في كذا فقد يراد به أن حكم الآية يشمل ما وقع في هذه الحادثة وغيرها، أو يكون حكم الآية لا يشمل إلا هذه الحادثة وحدها لا أنها تعدت سبب نزولها.
стр. 1332
حكم الدعاء والاستغفار للعصاة والفساق من المسلمين
قال عطاء بن أبي رباح: ما كنت لأدع الصلاة على أحد من أهل القبلة، ولو كانت حبشية حبلى من الزنا؛ لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلا عن المشركين، ثم قرأ الآية، وهذا فقه جيد.
فقوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى) يفهم منها: أنه يستغفر ويصلى على أي إنسان من أهل التوحيد، حتى لو كان فاسقاً عاصياً، لكن هناك تفصيل، فالشخص الذي يقتدى به ينبغي أن يمسك عن الصلاة على العاصي والفاسق في الظاهر، فمثلاً: لا يصلي على قاتل نفسه الذي انتحر أو تارك الصلاة؛ زجراً لغيره، وحتى يتسامع الناس أن الشيخ الفلاني رفض أن يصلي على تارك الصلاة وعلى قاتل نفسه، قال العلماء: ويدعو له بالسر، ففي نفس الوقت يجمع بين مصلحة الدعاء له وبين مصلحة تنفير الآخرين من هذه المعصية، لكن عموم الناس يصلون على الفاسق أو العاصي؛ لأن الله لم يحجب الدعاء والاستغفار إلا عن المشركين فقط.
стр. 1333
حكم الاستدلال بالآية على أن التأوه في الصلاة لا يبطلها
قال بعض المفسرين اليمانيين: استدل بالآية على أن من تأوه في الصلاة لم تبطل.
أي: من قال: آه في الصلاة لا تبطل الصلاة، وهذا يحكى عن أبي جعفر أنه قال: من قال: آه أو آهِ لم تبطل صلاته؛ لأنه تعالى مدح إبراهيم ﵇ بذلك.
فهل هذا الاستدلال صحيح؟ أين الدليل في هذه الآية على أن ذلك كان يحصل منه أثناء ما كان يصلي؟ لا دليل، بل أئمة الإسلام يبطلون الصلاة بذلك؛ لأن كلمة (آه) مكونة من ثلاثة حروف، وهي كلمة أجنبية ليس فيها ذكر الله ، فلذلك تبطل الصلاة بأي شيء من كلام الناس، ولم يذكر تعالى أن تأوه إبراهيم كان في الصلاة.
стр. 1334
المعنى اللغوي لكلمة (أواه)
وقيل: (أواه) فعال للمبالغة من التأوه، وقياس فعله أن يكون ثلاثياً؛ لأن أمثلة المبالغة إنما يطرد أخذها من ثلاث، وهو: آه يأوه كقام يقوم، أوهاً، وأوَّهَ تأويهاً هذا اسم فعل مضارع بمعنى: أتضجر أو أتألم.
ولها لغات كثيرة أخرى أوصلها في التاج إلى اثنتين وعشرين لغة، منه: آه أو أواه أو أوه إلى غير ذلك، وكلها كلمات تقال عند الشكاية والتوجع والتحزن، مبنيات على ما لزم آخرها إلا آهاً فانتصابها لإجرائها مجرى المصادر، كأنه قيل: أتأفف تأففاً.
وهي تكون عند شدة الحزن أو التوجع وعند الشكاية، فقوله: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) هذه إشارة إلى رقة قلب إبراهيم ﵇.
ولا يصح للصوفية أن يستدلوا بالآية على صحة ما يزعمون من أن آهاً اسم من أسماء الله الحسنى، ويستدلون بهذه الآية: (إن إبراهيم لأواه).
فهم يزعمون إن إبراهيم ﵇ كان يتأوه ويقول: آه آه، ولذلك تجدهم في حلقات الغفلة التي يسمونها حلقات الذكر يقولون هذه الكلمة ويكررونها، إلى آخر بدعهم وضلالاتهم، وإن كنت أظن الآن أن الصوفية ليست منتشرة ذلك الانتشار الكبير الذي كان فيما مضى، خاصة في المدن؛ بسبب التوجه العلماني والبعد عن الدين لأهل المدن، لكن لعل في القرى ما يزال هناك آثار للصوفية وبدعها.
стр. 1335
تفسير قوله تعالى: (وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم)
قال ﵎: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٥] هذا من تتمة ما تقدم من تأكد مباينة المشركين والبراءة منهم وترك الاستغفار لهم؛ وذلك لأنهم حقت عليهم الكلمة، حيث قامت عليهم الحجة بإبلاغ الرسول ﷺ لهم ما يتقون، ودلالته إياهم على الصراط السوي، فضلوا عنه فأضلهم الله واستحقوا عقابه ﵎.
قوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا) يعني: هؤلاء القوم الذين حرمنا عليكم الاستغفار لهم ما كان الله ليضلهم إلا بعد أن أقام الحجة عليهم، حيث أتاهم الرسول ﷺ وبلغهم الحق وأقام عليهم الحجة ودعاهم إلى الهدى الذي يعصمهم من الضلال.
قوله: (بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ) يعني: بعد أن بين لهم الحق.
قوله: (حتى يبين لهم ما يتقون) أي: من الشرك ومن الكبائر والمعاصي.
يقول : ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] فقد بين الله لهم ما يتقون عن طريق الرسول ومع ذلك أبوا واستكبروا واستنكفوا وأصروا على الكفر، فمن ثم أضلهم الله بعد أن هداهم هداية البيان وليست هداية الانقياد للحق.
وكذلك قال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]، وقوله في سورة الرعد: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:٧]، وفي قصة الهجرة لما سأل الرجل أبا بكر عمن معه؟ قال: (هو هاد يهديني) يعني: ذلك الرسول ﵌، فهو ﵁ أراد أن يفر حتى لا يذكر له اسم النبي ﷺ فقال له: (هاد يهديني) يقصد يهديه إلى طريق الحق وإلى طريق الله .
قوله: (إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) تعليل لما سبق أي: أنه تعالى عليم بجميع الأشياء التي من جملتها حاجتهم إلى بيان قبح ما لا يستقل العقل بمعرفته، فبين لهم ذلك كما فعل هنا؛ لأن العقل لا يستقل بمعرفة القبائح والأمور التي يبغضها الله، فلا يعذب الله قوماً حتى تقام عليهم حجة الرسل، يقول : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]؛ لأن العقل لا يستقل ببيان الشرائع، فمن ثم لم يقل ﵎: وما كنا معذبين حتى نرزقهم عقولاً أو حتى نفطرهم على التوحيد، وإنما قال: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) فلابد أن تبلغهم الحجة االرسالية، فهؤلاء بلغتهم هذه الحجة الرسالية ومع ذلك أضلهم الله؛ لأنهم لم يستجيبوا لها.
следующие страницы →