Полный текст (3 275 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
وجه استغفار إبراهيم لأبيه وحكم الاقتداء به في ذلك
ثم ذكر تعالى أن السبب في استغفار إبراهيم لأبيه أنه كان لأجل وعد تقدم منه له، ويكون المعنى: لا تتأسوا بإبراهيم حينما استغفر لأبيه كما في سورة مريم: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم:٤]، وقال في الآية الأخرى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة:٤]، ثم قال: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة:٤] فالشاهد أن قول إبراهيم لأبيه: (لأستغفرن لك) بناء على وعد كان وعده أبوه، وهو أنه سيوحد وسيؤمن؛ فلذلك صدر الاستغفار من إبراهيم ﵇، لكن لما تبين له أنه عدو لله مصر على الشرك تبرأ منه، فلا ينبغي لكم أن تتخذوا من استغفار إبراهيم لأبيه المشرك أسوة وقدوة؛ لأن هذا ليس موضع اقتداء؛ لأن أباه كان وعده بالإيمان فمن ثم استغفر له، لا أنه كان يواليه ويدعو الله بالمغفرة لمن علم أنه مشرك.
إذاً: ذكر الله أن السبب في استغفار إبراهيم لأبيه أنه لأجل وعد تقدم منه له، لقوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم:٤٧]، وقوله: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة:٤]، وأنه كان قبل أن يتحقق إصراره على الشرك.
قوله: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ) يعني: أنه مستقر وراض بالشرك ومصر عليه.
قوله: (تَبَرَّأَ مِنْهُ) أي: تبرأ من أبيه بالكلية فضلاً عن الاستغفار له، وبين تعالى الحامل لإبراهيم على الاستغفار لأبيه لما وعده بالإيمان أنه كان فرط ترحمه وصبره، ولذلك ختم الآية بقوله: (إِِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ)، فالسبب أنه كان حريصاً على أن يستغفر لأبيه لما وعده بالإيمان.
قوله: (إن إبراهيم لأواه) أي: كثير التأوه من فرط الرحمة ورقة القلب.
قوله: (حليم) أي صبور على ما يعترضه من الإيذاء؛ ولذلك حلم عن أبيه مع أن أباه توعده بقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم:٤٦]، واستغفر له بقوله: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم:٤٧]، وذلك قبل التبين، فليس لغيره أن يأتسي به في ذلك.
وفي الآية تأكيد لوجوب الاجتناب للاستغفار بعد التبين؛ لأنه ﵊ تبرأ من أبيه بعد التبين، وذلك مع كمال رقة القلب والحلم عند إبراهيم، فلابد أن يكون غيره أكثر منه اجتناباً وتبرؤاً.
وقد ساق المفسرون هاهنا روايات عديدة في سبب نزول الآية، ولما رآها بعضهم متنافية حاول الجمع بينها بتعدد نزول الآيات، ولا تنافي بين هذه الروايات؛ لأنه -كما نبهنا مراراً- إذا قيل في الآية: نزلت في كذا فقد يراد به أن حكم الآية يشمل ما وقع في هذه الحادثة وغيرها، أو يكون حكم الآية لا يشمل إلا هذه الحادثة وحدها لا أنها تعدت سبب نزولها.
стр. 1332
حكم الدعاء والاستغفار للعصاة والفساق من المسلمين
قال عطاء بن أبي رباح: ما كنت لأدع الصلاة على أحد من أهل القبلة، ولو كانت حبشية حبلى من الزنا؛ لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلا عن المشركين، ثم قرأ الآية، وهذا فقه جيد.
فقوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى) يفهم منها: أنه يستغفر ويصلى على أي إنسان من أهل التوحيد، حتى لو كان فاسقاً عاصياً، لكن هناك تفصيل، فالشخص الذي يقتدى به ينبغي أن يمسك عن الصلاة على العاصي والفاسق في الظاهر، فمثلاً: لا يصلي على قاتل نفسه الذي انتحر أو تارك الصلاة؛ زجراً لغيره، وحتى يتسامع الناس أن الشيخ الفلاني رفض أن يصلي على تارك الصلاة وعلى قاتل نفسه، قال العلماء: ويدعو له بالسر، ففي نفس الوقت يجمع بين مصلحة الدعاء له وبين مصلحة تنفير الآخرين من هذه المعصية، لكن عموم الناس يصلون على الفاسق أو العاصي؛ لأن الله لم يحجب الدعاء والاستغفار إلا عن المشركين فقط.
стр. 1333
حكم الاستدلال بالآية على أن التأوه في الصلاة لا يبطلها
قال بعض المفسرين اليمانيين: استدل بالآية على أن من تأوه في الصلاة لم تبطل.
أي: من قال: آه في الصلاة لا تبطل الصلاة، وهذا يحكى عن أبي جعفر أنه قال: من قال: آه أو آهِ لم تبطل صلاته؛ لأنه تعالى مدح إبراهيم ﵇ بذلك.
فهل هذا الاستدلال صحيح؟ أين الدليل في هذه الآية على أن ذلك كان يحصل منه أثناء ما كان يصلي؟ لا دليل، بل أئمة الإسلام يبطلون الصلاة بذلك؛ لأن كلمة (آه) مكونة من ثلاثة حروف، وهي كلمة أجنبية ليس فيها ذكر الله ، فلذلك تبطل الصلاة بأي شيء من كلام الناس، ولم يذكر تعالى أن تأوه إبراهيم كان في الصلاة.
стр. 1334
المعنى اللغوي لكلمة (أواه)
وقيل: (أواه) فعال للمبالغة من التأوه، وقياس فعله أن يكون ثلاثياً؛ لأن أمثلة المبالغة إنما يطرد أخذها من ثلاث، وهو: آه يأوه كقام يقوم، أوهاً، وأوَّهَ تأويهاً هذا اسم فعل مضارع بمعنى: أتضجر أو أتألم.
ولها لغات كثيرة أخرى أوصلها في التاج إلى اثنتين وعشرين لغة، منه: آه أو أواه أو أوه إلى غير ذلك، وكلها كلمات تقال عند الشكاية والتوجع والتحزن، مبنيات على ما لزم آخرها إلا آهاً فانتصابها لإجرائها مجرى المصادر، كأنه قيل: أتأفف تأففاً.
وهي تكون عند شدة الحزن أو التوجع وعند الشكاية، فقوله: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) هذه إشارة إلى رقة قلب إبراهيم ﵇.
ولا يصح للصوفية أن يستدلوا بالآية على صحة ما يزعمون من أن آهاً اسم من أسماء الله الحسنى، ويستدلون بهذه الآية: (إن إبراهيم لأواه).
فهم يزعمون إن إبراهيم ﵇ كان يتأوه ويقول: آه آه، ولذلك تجدهم في حلقات الغفلة التي يسمونها حلقات الذكر يقولون هذه الكلمة ويكررونها، إلى آخر بدعهم وضلالاتهم، وإن كنت أظن الآن أن الصوفية ليست منتشرة ذلك الانتشار الكبير الذي كان فيما مضى، خاصة في المدن؛ بسبب التوجه العلماني والبعد عن الدين لأهل المدن، لكن لعل في القرى ما يزال هناك آثار للصوفية وبدعها.
стр. 1335
تفسير قوله تعالى: (وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم)
قال ﵎: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٥] هذا من تتمة ما تقدم من تأكد مباينة المشركين والبراءة منهم وترك الاستغفار لهم؛ وذلك لأنهم حقت عليهم الكلمة، حيث قامت عليهم الحجة بإبلاغ الرسول ﷺ لهم ما يتقون، ودلالته إياهم على الصراط السوي، فضلوا عنه فأضلهم الله واستحقوا عقابه ﵎.
قوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا) يعني: هؤلاء القوم الذين حرمنا عليكم الاستغفار لهم ما كان الله ليضلهم إلا بعد أن أقام الحجة عليهم، حيث أتاهم الرسول ﷺ وبلغهم الحق وأقام عليهم الحجة ودعاهم إلى الهدى الذي يعصمهم من الضلال.
قوله: (بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ) يعني: بعد أن بين لهم الحق.
قوله: (حتى يبين لهم ما يتقون) أي: من الشرك ومن الكبائر والمعاصي.
يقول : ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] فقد بين الله لهم ما يتقون عن طريق الرسول ومع ذلك أبوا واستكبروا واستنكفوا وأصروا على الكفر، فمن ثم أضلهم الله بعد أن هداهم هداية البيان وليست هداية الانقياد للحق.
وكذلك قال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]، وقوله في سورة الرعد: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:٧]، وفي قصة الهجرة لما سأل الرجل أبا بكر عمن معه؟ قال: (هو هاد يهديني) يعني: ذلك الرسول ﵌، فهو ﵁ أراد أن يفر حتى لا يذكر له اسم النبي ﷺ فقال له: (هاد يهديني) يقصد يهديه إلى طريق الحق وإلى طريق الله .
قوله: (إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) تعليل لما سبق أي: أنه تعالى عليم بجميع الأشياء التي من جملتها حاجتهم إلى بيان قبح ما لا يستقل العقل بمعرفته، فبين لهم ذلك كما فعل هنا؛ لأن العقل لا يستقل بمعرفة القبائح والأمور التي يبغضها الله، فلا يعذب الله قوماً حتى تقام عليهم حجة الرسل، يقول : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]؛ لأن العقل لا يستقل ببيان الشرائع، فمن ثم لم يقل ﵎: وما كنا معذبين حتى نرزقهم عقولاً أو حتى نفطرهم على التوحيد، وإنما قال: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) فلابد أن تبلغهم الحجة االرسالية، فهؤلاء بلغتهم هذه الحجة الرسالية ومع ذلك أضلهم الله؛ لأنهم لم يستجيبوا لها.
стр. 1336
تفسير قوله تعالى: (إن الله له ملك السموات والأرض يحيي ويميت)
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [التوبة:١١٦] هذا تقوية لما تقدم من التبرؤ منهم، وإرشاد للمؤمنين بأن يتكلوا على ربهم ولا يرهبوا من أولئك، فإنه إذا كان ناصرهم فلا يضرهم كيدهم، وتنبيه على لزوم امتثال أمره والانقياد لحكمه والتوجه إليه وحده، إذ لا يتأتى لهم ولاية ولا نصر إلا منه ﵎.
стр. 1337
تفسير قوله تعالى: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار)
قال : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١١٧].
اعلم أن الله تعالى لما بين فيما تقدم مراتب الناس في أيام غزوة تبوك مؤمنهم ومنافقهم، والمنفق فيها طوعاً أو كرهاً، والمرغب فيها أو عنها، والمتخلف نفاقاً أو كسلاً، وأنبأ عما لحق كلا الفريقين من الوعد والوعيد، وميز الصادقين من غيرهم، ختم بفرقة منهم كانوا قد تخلفوا للدعة والراحة، هذا الفريق بالذات مغاير لكل ما مضى؛ لأن هؤلاء تخلفوا بسبب حب الدعة والراحة ونفوراً من الحرب والمشقة، ثم ندموا فتابوا وأنابوا، وعلم الله صدق توبتهم فقبلها، ثم أنزل توبتهم في هذه الآية الكريمة، وصدرها بتوبته على رسوله وكبار صحبه جبراً لقلوبهم، فقال : (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ).
إذاً: النبي ﷺ والمهاجرون والأنصار جميعهم مقطوع بأن الله سبحانه رضي عن رسوله ورضي عن المهاجرين ورضي عن الأنصار، وأراد أن يطمئن هؤلاء المتخلفين من المؤمنين الصادقين بأنهم أدرجوا ضمن من يقطع برضا الله عنهم، تطميناً لهم وتهدئة لنفوسهم، وما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار، حتى النبي والمهاجرين والأنصار، كل على حسبه، وإبانة لفضل التوبة ومقدارها عند الله، وأنها صفة التوابين الأوابين، وهي من صفة الأنبياء، كما أن الله وصف بعض الأنبياء بأنهم من الصالحين، وهذا مدح لصفة الصلاح؛ حيث اتصف بها الأنبياء، كذلك هنا مدح لصفة التوبة حيث صدرت بتوبة النبي ﷺ : ((لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ)).
والوصف كما يكون لمدح الموصوف يكون لمدح الصفة، وهذا من لطائف البلاغة، كما قال حسان رضي الله تعالى عنه: ما إن مدحت محمداً بمقالتي لكن مدحت مقالتي بمحمد ﵊.
يعني: أنا لم أمدح رسول الله ﷺ بمقالتي، لكني مدحت مقالتي بمحمد ﵊.
ويقول شوقي: مدحت المالكين فزدت قدراً وحين مدحتك اجتزت السحاب قال الحاكم: ودلت الآية على فضل عثمان؛ لأنه جهز جيش العسرة بمال لم يبلغ غيره مبلغه.
وقد جمع الله تعالى بين ذكر نبيه وذكرهم ووصفهم باتباعه، فوجب القطع بموالاتهم.
قوله: (الذين اتبعوه في ساعة العسرة) يعني: في وقت العسرة، والساعة تستعمل في معنى الزمان المطلق كما تستعمل الغداة والعشية واليوم، وليس قدراً معيناً كما نقدره نحن الآن بواحد من أربعة وعشرين.
والعسرة هي حالهم في غزوة تبوك، ولذلك كانوا يسمونها: غزوة العسرة؛ لأنهم كانوا في عسرة، ولم يكن عندهم دواب تكفي للمجاهدين كي يركبوا عليها، بل كان يعتقب العشرة من الصحابة على بعير واحد؛ لقلة الظهر، وكانوا أيضاً في عسرة من الزاد، حتى إن التمرة الواحدة تشق نصفين لكل صحابي نصف تمرة، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم، يمصها هذا ثم يشرب عليها، ثم يمصها الآخر ثم يشرب عليها، وكانوا أيضاً في عسرة من الجدب والقحط والحر الشديد، وفي عسرة من الماء حتى بلغ العطش بأحدهم أن نحر بعيره فعصر فرثه فشربه، وجعل ما بقي على كبده.
ونقل الرازي عن أبي مسلم: أنه يجوز أن يكون المراد بساعة العسرة جميع الأحوال والأوقات الشديدة على الرسول ﷺ وعلى المؤمنين.
يعني: ليست فقط غزوة العسرة التي هي غزوة تبوك، وإنما أيضاً جميع الساعات الشديدة التي مرت بالنبي ﷺ وبالمؤمنين فيدخل فيها غزوة الخندق وغيرها، وقد ذكر تعالى بعضها في كتابه كقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب:١٠]، وقال أيضاً: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ [آل عمران:١٥٢]، إلى آخر الآية.
والمقصود هنا وصف المهاجرين والأنصار بأنهم اتبعوا الرسول ﵊ في الأوقات الشديدة والأحوال الصعبة، وذلك يفيد نهاية المدح والتعظيم.
يقول القاسمي: وهذا الاحتمال وإن كان مما يسعه اللفظ الكريم، إلا أنه يبعده عنه سياق الآية وسباقها القاصران على غزوة تبوك.
بل السورة كلها في غزوة تبوك، فيكون مناسباً أن تقصر ساعة العسرة على غزوة العسرة التي هي غزوة تبوك، ولم يتفق في غيرها عسر في الخروج واتباعه ﵊، بل وقع أحياناً في مصاف القتال، وقد اتفق علماء الأثر والسير على تسميتها: غزوة العسرة، وعلى تسمية الجيش الذي خرج فيها بأنه جيش العسرة.
قوله: (مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) يعني: عن الحق أو عن الثبات على الاتباع؛ لما نالهم من المشقة والشدة في سفرهم.
وفي تكرير التوبة عليهم بقوله: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إنه بهم رءوف رحيم) تأكيد ظاهر واعتناء بشأنها، هذا إذا كان الضمير راجعاً إلى من تقدم ذكر التوبة عنهم، أما إذا كان الضمير إلى الفريق الثاني فلا تكرار.
وقال بعضهم: ذكر التوبة أولاً قبل ذكر الذنب؛ تفضلاً منه وتطييباً لقلوبهم، ثم ذكر الذنب بعد ذلك وأردفه بذكر التوبة مرة أخرى؛ تعظيماً لشأنهم، وليعلموا أنه تعالى قد قبل توبتهم وعفا عنهم.
стр. 1338
تفسير قوله تعالى: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا إن الله هو التواب الرحيم)
قال تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١١٨]: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) يعني: وتاب أيضاً على الثلاثة الذين خلفوا، أي: تركوا وأخروا عن قبول التوبة في الحال، فهؤلاء الثلاثة بالذات أجل الفصل في شأنهم، وأجل الحكم بقبول توبتهم، (خلفوا) أي: تركوا وأجلوا وأخروا عن قبول التوبة في الحال، كما قبلت توبة أولئك المتخلفين المتقدم ذكرهم.
والثلاثة هم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وكلهم من الأنصار، لم يقبل النبي ﷺ توبتهم حتى نزل القرآن بتوبتهم.
(حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ) أي: مع أن الأرض واسعة لكنها صارت ضيقة جداً؛ من شدة الكرب والضيق على هؤلاء المخلفين، وهذا يمثل الحيرة في أمرهم، كأنهم لا يجدون فيها مكاناً يقرون فيه، كل هذه الأرض بما رحبت ضاقت عليهم، فكأنهم لا يجدون مكاناً واحداً يستقرون فيه ويطمئنون فيه، قلقاً وجزعاً مما هم فيه، إذ لم يمكنهم الذهاب لأحد؛ لأن النبي ﷺ منع من مجالستهم ومحادثتهم، وقاطعهم جميع المسلمين.
(وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ) يعني: ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم يعني: قلوبهم من فرط الوحشة والجفوة والغم، بحيث لا يسعها أنس ولا سرور؛ وذلك لأنهم لازموا بيوتهم وهُجِروا نحواً من خمسين ليلة، وفيه ترقٍّ من ضيق الأرض إلى ضيقهم في أنفسهم، وهو في غاية البلاغة، ترقى من الأدنى إلى الأعلى، فجعل ضيق الأرض مرحلة أعلى منها ضيق أنفسهم، فهذا بلا شك من أقوى مراتب البلاغة وأعلاها.
(وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ) (ظنوا) هنا بمعنى علموا، (أن لا ملجأ من الله) أي: لا مفر من غضب الله (إلا إليه) أي: إلى استغفاره.
(ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) أي: ليستقيموا على توبتهم ويستمروا عليها، أو ليعدوا من جملة التائبين، أو المعنى: قبل توبتهم ليتوبوا في المستقبل فقوله: (ليتوبوا) يعني: إما ليتوبوا بمعنى: ليستقيموا على التوبة ويستمروا عليها، وإما (ليتوبوا) بمعنى: ليصيروا أو ليعدوا من جملة التائبين، وإما (ليتوبوا) بمعنى فيما يستقبل، إذا علموا أنهم إذا تابوا إلى الله تاب عليهم، فإنهم في المستقبل سيتوبون إذا صدرت منهم هفوة، ولا يقنطون من كرمه : (إن الله هو التواب الرحيم).
стр. 1339
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)
قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩] أي: في إيمانهم ومعاهدتهم لله ولرسوله ﷺ على الطاعة، فهي مأخوذة من قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣] أو المقصود بالصادقين: الثلاثة المخلفين أي: كونوا مثلهم في صدقهم وخلوص نيتهم.
وقد اختلف المفسرون في المراد بقوله ﵎: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين): فقال بعضهم: إنهم النبي وأصحابه الذين ذكروا آنفاً في قوله: ((لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ)).
وقال بعضهم: المقصود بها: أبو بكر وعمر، وقد قرئت: (وكونوا مع الصادِقَين) يعني: أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما.
وقول آخر أن المقصود بها: الثلاثة الذين خلفوا؛ لأنهم إنما نجوا بالصدق.
وقول آخر أن المقصود بها: المهاجرين بالذات؛ لأن الله مدحهم في سورة الحشر فقال : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨]، ولذلك قالوا: إن أبا بكر رضي الله تعالى عنه احتج بهذه الآية يوم السقيفة فقال: يا معشر الأنصار! إن الله يقول في كتابه: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون) فقالت الأنصار: أنتم هم، يعني: المهاجرون، قال: فإن الله تعالى يقول: (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) فأمركم أن تكونوا معنا، ولم يأمرنا أن نكون معكم، فنحن الأمراء، وأنتم الوزراء.
وهناك قول آخر وهو: أن هذه الآية المقصود بها: أهل الكتاب: (يا أيها الذين آمنوا) بموسى وعيسى (اتقوا الله) في إيمانكم بمحمد ﷺ ، (وكونوا من الصادقين).
وهناك قول بأنها خطاب عام: (وكونوا مع الصادقين): عموماً، وتكون (مع): بمعنى (من)، (وكونوا مع الصادقين) يعني: كونوا من الصادقين.
стр. 1340
حديث كعب بن مالك في توبة الله على الثلاثة المخلفين
كنت أود أن نتجاوز ذكر الحديث الطويل حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، لكن الإنسان يضنُّ بأن يفوت هذا الحديث العظيم الذي فيه كثير من العبر والفوائد، فنجتهد إن شاء الله تعالى في تلاوته بقدر المستطاع بدون تعليقات كثيرة.
روى الإمام أحمد والشيخان حديث قصة كعب وصاحبيه مبسوطاً بما يوضح هذه الآية، قال الزهري: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه، وكان قائد كعب من بنيه -لأنه عمي فكان ابنه هذا هو قائده-، قال: سمعت كعباً يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك -وهذا الحديث قطعة أدبية في غاية من الروعة ومن البلاغة- يقول كعب رضي الله تعالى عنه: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزاة غزاها قط إلا في غزاة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر، ولم يُعاتَب أحد تخلف عنها، وإنما خرج رسول الله ﷺ يريد عِير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة.
وكان رسول الله ﷺ قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفاوز، واستقبل عدواً كثيراً، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، فأخبرهم وجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ -يعني: لم يكن هناك ديوان- قال كعب: فقلَّ رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى عليه، ما لم ينزل فيه وحي من الله ، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزاة حين طابت الثمار والظلال، وأنا إليها أصعر -يعني: أميل- فتجهز إليها رسول الله ﷺ والمؤمنون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض من جهازي شيئاً، فأقول لنفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله ﷺ غادياً والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئاً، وقلت: أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه، فغدوت بعد لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئاً، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فألحقهم، وليتني فعلت! ثم لم يقدر ذلك لي.
فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ يحزنني أني لا أرى إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق، أو رجلاً ممن عذره الله ، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: (ما فعل كعب بن مالك؟)، فقال رجل من بني سلمة: حبسه -يا رسول الله- برداه والنظر في عطفيه -يعني: اغتابه، وقال: احتبس عن الجهاد بالتأنق في برديه والنظر في عطفيه في المرآة، يعني: للتزين -فقال معاذ بن جبل: بئسما قلت! والله! يا رسول الله ما علمنا عنه إلا خيراً- وهكذا الإنسان إذا حضر مجلس اللحامين آكلي لحوم البشر الغيابين، يبادر بقوله: بئسما قلت، ويدفع عن أخيه بظهر الغيب - فسكت رسول الله ﷺ .
قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلاً -راجعاً من تبوك- حضرني بثي، وطفقت أتذكر الكذب -أي: حضر الحزن لما علم أن الرسول ﵊ راجع إلى المدينة من تبوك، وطفق يتذكر ماذا سيكون المخرج؟ فكان المخرج أمامه هو أن يكذب على النبي ﵊ وأقول: بم أخرج من سخطه غداً؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله ﷺ قد أظل قادماً، زاح عني الباطل، وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبداً، فأجمعت صدقه -أي: عزمت على أن أكون صادقاً- فأصبح رسول الله ﷺ داخلاً المدينة، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك، جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، فيقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم ويستغفر لهم، ويكل سرائرهم إلى الله تعالى، حتى جئت فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال لي: (تعال، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي: ما خلفك؟ ألم تكن قد اشتريت ظهراً؟) فقلت: يا رسول الله! إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيت جدلاً، ولكني والله لقد علمت، لئن حدثتك بحديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك بصدق تجد علي فيه -يعني: تحزن مني بسببه- إني لأرجو عقبى ذلك من الله ، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، قال: فقال رسول الله ﷺ : (أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك).
فقمت وقام إلي رجال من بني سلمة، واتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا، ولقد عجزت -يعني: ما قدرت- ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به المتخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك، قال: فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، قال: ثم قلت لهم: هل لقي معي هذا أحد؟ -المصيبة إذا عمت طابت، فتخف المصيبة إذا كانت على جماعة- قالوا: نعم، لقيه معك رجلان، قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت: فمن هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً لي فيهما أسوة، قال: فمضيت حين ذكروهما لي.
قال: ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف -نهى الصحابة أن يتكلم أحد مع هؤلاء الثلاثة دون الآخرين من المنافقين- فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف بالأسواق، فلا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأسلم -يسلم عليه- وأقول في نفسي: أحرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي -فانظر إلى المحبة المتبادلة بينه وبين الرسول ﵇، ومع ذلك الرسول أمسك عن كلامه- فإذا التفت نحوه أعرض عني ﷺ ، حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين، مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام- امتثالاً لأمر الرسول ﵊ فقلت له: يا أبا قتادة! أنشدك الله تعالى هل تعلم أني أحب الله ورسوله ﷺ ؟ قال: فسكت، قال: فعدت فناشدته -استحلفته- فسكت، فعدت له فناشدته فسكت، فقال: الله تعالى ورسوله أعلم، قال: ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا أنا بنبطي من أنباط الشام -الأنباط: هم الفلاحون والزارعون من العجم والروم- ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ قال: فطفق الناس يشيرون له إلي، حتى جاء فدفع إلي كتاباً من ملك غسان -يعني: أن جواسيس في المدينة نشروا الخبر حتى وصل لملك غسان، فملك غسان أراد أن يغريه بأن يعمل له لجوء سياسي- فدفع إلي كتاباً من ملك غسان وكنت كاتباً، فإذا فيه: أما بعد: فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، وإن الله لم يجعلك بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك، قال: فقلت حين قرأته: وهذه أيضاً من البلاء -هذه أيضاً فتنة وبلاء، فانظر كيف صدق مع هذه الفتنة- قال: فتيممت بها التنور فسجرته به -رماه في الفرن- حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا برسول رسول الله ﷺ يأتيني ويقول: يأمرك رسول الله ﷺ أن تعتزل امرأتك، قال: فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: بل اعتزلها ولا تقربها، قال: وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك، قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، تكوني عندهم حتى يقضي الله تعالى في هذا الأمر ما يشاء.
قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن هلالاً شيخ ضعيف ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: (لا، ولكن لا يقربك)، قالت: إنه والله ما به من حركة إلى شيء، فإنه والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا! فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه، قال: فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ ، وما أدري ما يقول فيها رسول الله ﷺ إذا استأذنته، وأنا رجل شاب! قال: فلبثنا عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا، قال: ثم صليت صلاة الصبح صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى عنا، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صارخاً أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته: أبشر يا كعب بن مالك! قال: فخررت ساجداً، وعرفت أن قد جاء الفرج من الله بالتوبة علينا، فآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى الفجر -أي: أعلن توبة الله عليهم- فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبش
стр. 1341
فوائد مستنبطة من قصة الثلاثة الذين خلفوا
قال بعض المفسرين: في الآيات دليل على جواز الشدة على من فعل الخطيئة وعلى قطع ما يلهي عن الطاعة.
يعني: هذه مسألة نسبية كما قال الحافظ ابن حجر.
ويؤخذ من هذا الحديث: أن القوي في دينه يؤاخذ بأشد مما يؤاخذ به الضعيف، فهؤلاء الثلاثة لقوة إيمانهم وشدة دينهم قوبلوا بهذه الشدة أيضاً: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين).
قال القاشاني في قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ)) أي: في جميع الرذائل بالاجتناب عنها، خاصة رذيلة الكذب، وذلك معنى قوله: ((وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)) اتقوا الله بتجنب الكذب، (وكونوا مع الصادقين) فإن الكذب أسوأ الرذائل وأقبحها لكونه ينافي المروءة، وقد قيل: لا مروءة لكذوب، إذ المراد من الكلام الذي يتميز به الإنسان عن سائر الحيوان: إخبار الغير عما لا يعلم، يعني: هذه حكمة الله حيث جعل الإنسان حيواناً ناطقاً بخلاف سائر الحيوانات فإنها لا تنطق، كي يستطيع الإنسان أن يخبر غيره عما لا يعلم، فإذا كان الخبر غير مطابق للواقع لم تحصل فائدة النطق، وحصل منه اعتقاد غير مطابق، وذلك من خواص الشيطنة، فالكاذب شيطان، وكما أن الكذب أقبح الرذائل فالصدق أحسن الفضائل، وأصل كل حسنة، ومادة كل خصلة محمودة، وملاك كل خير وسعادة، به يحصل كل كمال، فالصدق باب إلى كل أنواع الخير، وهو أساس الاستقامة.
وكل من أراد أن يصلح حاله مع الله ينبغي أن تترقى همته ويقتدي بـ كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه، حينما ذكر أن الله وفقه إلى الصدق، وأنه حمد الله على أن وفقه للصدق، يقول: (يا رسول الله! إنما نجاني الله بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقاً ما بقيت) فالمقصود أن المؤمن عالي الهمة إذا سمع مثل هذا يقول: وأنا منذ هذه اللحظة لن أحدث إلا صدقاً ما بقيت، هذا هو المقصود، فالإنسان كلما سمع بشيء من هذه الفضائل لا يستأسر لضعفه البشري الذي حصل فيما مضى، لكن ينشئ من اللحظة عزماً أن يفعل فعل أصحابها، فالإنسان ما دام فيه عرق ينبض ونفس يتردد ودم يسري وروح يجري في بدنه، فهناك أمل في أن يصبح من أعظم أولياء الله، فباب الولاية مفتوح، تستطيع أن تترقى إلى أعلى المقامات، ولن يمنعك مانع بإذن الله .
إذا أعجبتك خصال امرئ فكنه يكن منك ما يعجبك فليس لدى المجد والمكرمات إذا جئتها حاجب يحجبك إذا طرقت باب الأخلاق الحسنة لن تجد حاجباً يحجبك عن الدخول، بل ستدخل، لكن المشكلة أن الشيطان يثبط الإنسان، فكلما أراد أن يقوم يختم على قلبه ويقول: أمامك ليل طويل فاقعد في وادي المعاصي ونم، لكن الإنسان ينبغي أن تتحرك همته إذا سمع مثل هذه المعاهدات، هذا عهد مع الله: (إن من توبتي ألا أحدث إلا صدقاً ما بقيت)، إلى أن أموت، ومشكلة الكذب أن الإنسان ينظر إلى المصلحة التي ستترتب على الكذب، ويقول: لو لم أكذب ولو لم أعمل الشهادة المزورة سأحرم من العلاوة مثلاً، أو لا أمنح الإجازة! وهذا من باب الكذب، فتتصرف على أنها شيء عادي جداً، وبدون أدنى تحرج وبمنتهى البساطة يعمل الإنسان شهادات مزورة، ويزور بطاقات، ويزور وثائق، ويكذب في البيانات، فهو إذا صدق قد يخسر فعلاً بعض الأشياء، لكن ينبغي أن يحسن المقارنة بين مكاسب الصدق وأضرار الكذب، فأخبث أضرار الكذب -على الأقل- حتى على الإنسان الذي ليس عنده دين، أن الكاذب سيخسر نفسه، فيكون فاقداً لثقة النفس، فاقداً ثقة الناس به أيضاً، ثم إنه يكتب عند الله: كذاباً، يدعى عند الله الكذاب فلان بن فلان!! قال النبي ﷺ : (عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً).
فهل ترضى أن تكتب عند الله كذاباً في ديوان القائمة السوداء للكذابين، وإذا ذكرتك الملائكة تقول: الكذاب فلان؟! فينبغي للإنسان أن يتحرى الصدق حتى لو كلفه؛ لأنه قد يظن أنه يخسر، لكن بالصدق سوف يكسب، ومهما كانت الخسائر في الجانب الآخر، فيكفي أن من بركة الصدق أنه باب إلى كل أنواع الخير والطاعات، فالصدق يهدي إلى البر.
ولذلك كان بعض الشيوخ إذا أتاه شاب تائب وأراد أن يستقيم، ويسأله: ماذا أفعل كي أطيع الله؟ لا يكثر عليه من التكاليف، ولا يقول له: عليك بالصلاة والصيام وكذا وكذا، بل يقول له: عليك بالصدق فقط، أخذاً من هذا الحديث، (فإن الصدق يهدي إلى البر)، فإذا التزم بالصدق فكل حياته ستستقيم، ديناً ودنيا.
يقول: فأصله الصدق في عهد الله تعالى الذي هو نتيجة الوفاء بميثاق الفطرة أو نفسه، كما قال ﵎: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣] في عقد العزيمة ووعد الخليقة، كما قال في إسماعيل: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم:٥٤]، وإذا روعي في المواطن كلها، لو أن الإنسان في كل موقف حرص على الصدق حتى الخاطر والفكر والنية والقول والعمل؛ صدقت المنامات والواردات والأحوال والمقامات والمواهب والمشاهدات، كأنه أصل شجرة الكمال، وبذر ثمرة الأحوال.
ولما أوجب تعالى الكون مع الصادقين أشار تعالى إلى أن النفر مع رسول الله ﷺ واجب كفاية، فلا يجوز تخلف الجميع، ولا يلزم النفر للناس كافة، فقال : ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة:١٢٠].
стр. 1342
تفسير سورة يونس [١ - ٢٥]
стр. 1343
تفسير قوله تعالى: (الر تلك آيات الكتاب الحكيم)
نشرع بإذن الله تعالى في تفسير سورة يونس، وسميت باسم يونس ﵇؛ لأنها تضمنت قوله ﵎: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس:٩٨].
هذه السورة مكية واستثني منها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ [يونس:٩٤] إلى آخر الآيتين، وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس:٤٠] قيل: نزلت في اليهود.
وقيل: من أولها إلى رأس أربعين مكي، والباقي مدني، وآياتها مائة وتسع آيات.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس:١].
الكلام على الحروف المقطعة كالكلام في سوابقها من فواتح السور، وقد تقدم اختلاف العلماء وأولى الأقوال في ذلك أن يقال: الله أعلم بمراده من هذه الأحرف المقطعة.
أما الأقوال الأخرى فأقواها أنها جاءت على سبيل التحدي للعرب الفصحاء البلغاء أن يأتوا بمثل هذا القرآن المؤلف من نفس الحروف التي ينطقون بها، ولذلك غالباً ما ترد الإشارة إلى القرآن الكريم عقب هذه الآيات مباشرة ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس:١] ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة:١ - ٢] هذا في الغالب.
وقوله: ((تلك)) في اسم الإشارة معنى البعد للتنبيه على بعد منزلتها في الفخامة.
والمراد بالكتاب: إما جميع القرآن العظيم، حتى لو لم يكن قد نزل كل القرآن العظيم حينئذ، باعتبار تعينه وتحققه في علم الله تعالى؛ لأن القرآن العظيم بصورته الكاملة الشاملة متحقق في علم الله ، فالله يشير إلى هذا القرآن الذي يعلمه كله، وإن لم يكن البشر قد علموا كله حينئذ.
أو المقصود بالكتاب ما نزل منه حتى وقت مخاطبتهم بهذه الآية.
و ((الحكيم)) ذو الحكمة، وصف به لاشتماله على فنون الحكم الباهرة ونطقه بها، أو هو من باب وصف الكلام بصفة صاحبه، أو من باب الاستعارة المكنية المبنية على تشبيه الكتاب بالحكيم الناطق بالحكمة.
стр. 1344
تفسير قوله تعالى: (أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم)
﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس:٢].
هذا تعجب من تعجبهم، ولذلك هذا الاستفهام تعجبي ((أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا)).
((أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ)) هل هذا شيء يستحق أن يتعجبوا منه، بل هذا منهم أعجب! ((وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ)) الهمزة لإنكار تعجبهم، وللتعجيب من هذا الإنكار، وإنما أنكر ذلك لكون سنة الله جاريةً على هذا الأسلوب في الإيحاء إلى الرجال، كما قال في الآية الأخرى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٩] أي: لست أول رسول من البشر يرسل إليه من عند الله ، وإنما هذه سنة الله ، وقوله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧].
وإنما كان تعجبهم لبعدهم عن مقامه، وعدم مناسبة حالهم لحاله ومنافاة ما جاء به لما اعتقدوه.
((وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ)) (قدم صدق) أي: السبق باعتبار أن القدم هي آلة السبق.
فليس المقصود بالقدم هنا القدم الجارحة، وإنما المقصود السبق؛ لأن السبق لا يكون إلا عن طريق الأقدام، كما يطلقون اليد على النعمة، يقال: فلان له عندي أيادٍ كثيرة، أو: لولا يد لك عندي لم أجزك بها لرددت عليك، كما قال المشرك لـ أبي بكر رضي الله تعالى عنه في صلح الحديبية، وذلك لأن الإحسان غالباً ما يكون باليد، وكما تطلق العين على الجاسوس؛ لأنه يستعمل عينه للتجسس، كذلك الرأس تطلق على الرئيس.
ثم إن السبق مجاز عن الفضل والتقدم المعنوي إلى المنازل الرفيعة، هذا هو الاحتمال الأول.
وقيل: القدم بمعنى المقام كقوله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥].
بإطلاق الحال، وإرادة المحل، وإضافته إلى الصدق من إضافة الموصوف إلى الصفة فقال: (قدم صدق).
وفيه مبالغة لجعلها عين الصدق، وتنبيه على أنهم إنما نالوا ما نالوا بصدقهم ظاهراً وباطناً.
((قَالَ الْكَافِرُونَ)) أي: هؤلاء المتعجبون ((إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ)) كما هي قراءة حفص عن عاصم، على أن الإشارة إلى الرسول ﵌، أما إذا قرأناها (إن هذا لسحر مبين) أي: أن هذا القرآن سحر مبين.
وهذا دليل عجزهم وأنهم كانوا كاذبين في تسميته سحراً؛ وذلك لأن التعجب أولاً، ثم التكلم بما هو معلوم الانتفاء قطعاً حتى عند المعارض، هو دأب العاجز؛ لأنه ليس عنده أي حجة يواجه بها هذا الحق، فهو يتعجب!
стр. 1345
تفسير قوله تعالى: (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض)
قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس:٣] لقد بين تعالى بطلان تعجبهم السابق وما بنوا عليه، وحقق فيه أحقية ما تعجبوا منه وصحة ما أنكروه، بالتنبيه على بعض ما يدل عليه من شئون الخلق والتقدير، ولذلك فإن سورة يونس من السور المشتملة على آيات عظيمة من آيات التوحيد، سواء توحيد الربوبية، أو توحيد الألوهية، أو توحيد الأسماء والصفات، ونحن نعلم كما درسنا من قبل في كتاب "دعوة التوحيد" أن من أساليب القرآن الكريم في الدعوة إلى توحيد الألوهية الاستدلال بتوحيد الربوبية كمقدمة يبنى عليها توحيد الألوهية، فهذا يكثر في هذه السورة.
بعدما تعجب الله من عجبهم من إرسال الرسل من البشر بين ونبه على بعض ما يدل على توحيده من شئون الخلق والتقدير، وأرشدهم إلى معرفتها بأدنى تذكير، فقال : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس:٣].
قال البخاري في صحيحه في الرد على الجهمية: قال أبو العالية: ((اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)) أي: ارتفع وعلا على العرش.
وقال مجاهد: ((اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)) علا بلا تمثيل ولا تكييف، والعرش هو الجسم المحيط بجميع الكائنات وهو أعظم المخلوقات.
والأيام قيل: ستة أيام من أيام الدنيا.
وقيل: إن كل يوم من هذه الأيام كألف سنة؛ وذلك لقوله : ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧].
((يُدَبِّرُ الأَمْرَ)) أي: يقضي ويقدر على حسب مقتضى الحكمة أمر الخلق كله.
((مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ)) تقرير لعظمته وجلاله، ورد على من زعم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله .
((ذَلِكُمُ اللَّهُ)) إشارة إلى المعلوم بتلك العظمة، أي: ذلكم العظيم الموصوف بما وصف به.
((رَبُّكُمْ)) أي: الذي رباكم ونماكم ونشأكم وخلقكم لتعبدوه.
((فَاعْبُدُوهُ)) أي: وحدوه بالعبادة ولا تشركوا في عبادته أحداً.
((أَفَلا تَذَكَّرُون)) أي: تتفكرون أدنى تفكر، فينبهكم على أنه المستحق للربوبية والعبادة لا ما تعبدونه.
стр. 1346
تفسير قوله تعالى: (إليه مرجعكم جميعاً وعد الله حقاً)
قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ * هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٤ - ٥].
تأتي آيات توحيد الربوبية للاستدلال بها على توحيد الألوهية، وللإلزام بتوحيد الألوهية، فقوله: ((إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا)) أي: بالموت والنشور وأنكم لا ترجعون في العاقبة إلا إليه، فاستعدوا للقائه.
((وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا)) أي: صدقاً.
ثم علل وجوب المرجع إليه بقوله : ((إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ)) أي: من النطفة.
((ثُمَّ يُعِيدُهُ)) أي: بعد الموت.
((لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ)) أي: بعدله، أو بعدالتهم وقيامهم على العدل في أمورهم، أو بإيمانهم؛ لأن الإيمان هو العدل القويم كما أن الشرك هو الظلم العظيم، فالمؤمن عادل لأنه وضع الإيمان في محله، والمشرك ظالم لأنه وضع الأشياء في غير محلها، وهذا القول هو الأوجه لمقابلة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يونس:٤].
((شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ)) أي: من ماء حار قد تناهى حره.
((وَعَذَابٌ أَلِيمٌ)) أي: وجيع يخلص ألمه إلى قلوبهم.
((بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ)) أي: بسبب كفرهم.
стр. 1347
تفسير قوله تعالى: (هو الذي جعل الشمس ضياءً)
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٥].
نبه تعالى للاستدلال على توحيده في ربوبيته بآثار صنعه في النيرين، وهما الشمس والقمر، والاستدلال بما مر من إبداع السماوات والأرض، فقال : ((هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً)) [يونس:٥] (ضياءً) أي: للعاملين بالنهار.
((وَالْقَمَرَ نُورًا)) أي: بالليل، والضياء أقوى من النور.
((وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ)) إما أن الضمير هنا يعود على الشمس والقمر بتأويل كل واحد منهما، أي: قدر الشمس منازل وقدر القمر منازل، أو أن الضمير يعود فقط على أقرب مذكور وهو القمر.
وخص القمر دون الشمس بأنه قدر منازل، كما قال ﵎ في الآية الأخرى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩] لكون منازله معلومةً محسوسة، وتعلق أحكام الشريعة به، وكونه عمدةً في تواريخ العرب.
((لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ)) أي: حساب الشهور والأيام مما نيط به المصالح في المعاملات والتصرفات.
((مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ)) أي: بالحكمة البالغة.
((يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)) أي: يبين الآيات التكوينية أو التنزيلية؛ لأن الآيات إما تكوينية مبثوثة في السماوات والأرض، وإما آيات تنزيلية مما يأتي في الوحي الشريف.
فهو يبين الآيات التكوينية أو التنزيلية المنبهة على ذلك.
((لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)) الحكمة في إبداع الكائنات، فيستدلون بذلك على وحدانية مبدعها.
قال السيوطي: هذه الآية أصل في علم المواقيت والحساب، ومنازل القمر والتاريخ.
стр. 1348
تفسير قوله تعالى: (إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون)
لقد نبه للاستدلال على وحدانيته سبحانه أيضاً بقوله : ﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦].
((إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)) أي: في تعاقبهما، وكون كل منهما خلفةً للآخر.
((وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) أي: من الشمس والقمر والنجوم والشجر والدواب والجبال والبحار وغير ذلك.
((لَآيَاتٍ)) أي: لآيات عظيمةً دالةً على وحدانية مبدعها وكمال قدرته وحكمته.
ومعنى ((لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ)) أي: يتقون الله ويخافون العاقبة.
وخص المتقين؛ لأنهم المنتفعون بنتائج التدبر فيها، فإن الداعية إلى النظر والتدبر إنما هو تقواه تعالى، والحذر من العاقبة.
وفي هذه الآيات إشارة إلى أن الذي أوجد هذه الآيات الباهرة، وأودع فيها المنافع الظاهرة، وأبدع في كل كائن صنعه، وأحسن كل شيء خلقه، وميز الإنسان وعلمه البيان، يكون من رحمته وحكمته اصطفاء من يشاء لرسالته؛ ليبلغ عنه شرائع عامة، تحدد للناس سيرهم في تقويم نفوسهم، وكبح شهواتهم، وتعلمهم من الأعمال ما هو مناط سعادتهم وشقائهم في الآخرة.
стр. 1349
تفسير قوله تعالى: (إن الذين لا يرجون لقاءنا بما كانوا يكسبون)
قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس:٧ - ٨].
((إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا)) أي: أنهم يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور، فهم لا يرجون لقاء الله ولا يعتقدون البعث والنشور؛ لأنهم لا يتوقعون الجزاء على أعمالهم ((وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ)) أي: لا يتفكرون في آيات الله ((أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون)).
стр. 1350
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس:٩].
((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ)) الباء سببية، أي: بسبب إيمانهم.
لم يذكر الشيء الذي يهديهم إليه، والمقصود أنه يهديهم إلى مأواهم في الآخرة وهو الجنة، وإنما لم تذكر تعويلاً على ظهورها، وانسياق النفس إليها، لا سيما بملاحظة ما سبق من بيان مأوى الكفرة، ولذلك قال : ((يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ)) أي: إلى الجنة.
((تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)) أي: من تحت منازلهم أو بين أيديهم.
стр. 1351
تفسير قوله تعالى: (دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام)
قال تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:١٠].
((دَعْوَاهُمْ فِيهَا)) أي: دعاؤهم ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ)).
ومعنى قوله: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ)) أي: اللهم إنا نسبحك، كقول القانت: اللهم إياك نعبد، يقال: دعا يدعو دعاءً ودعوى، كما يقال: شكا يشكو شكايةً وشكوى، فإذاً دعواهم هنا تساوي الدعاء، ويجوز أن يراد بالدعاء العبادة، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم:٤٨] أي: وما تعبدون من دون الله.
((وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ)) أي: تحيتهم التي يحيي بها بعضهم بعضاً هي أنهم يسلم بعضهم على بعض.
أو أنها تحية الملائكة إياهم بالسلام، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤].
أو هي تحية الله لهم، كما في قوله تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨] والتحية التكرمة بالحالة الجلية، أصلها أحياك الله حياةً طيبة، والسلام: بمعنى السلامة من كل مكروه.
((وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ)) أي: وخاتمة دعائهم هو التحميد بقولهم: ((أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) يعني: أن أول دعائهم (سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام) وآخر دعائهم ((أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) فهم يختمون دعاءهم بحمد الله .
والمراد من الآيات أن دعاء أهل الجنة وعبادتهم هو قولهم: سبحانك اللهم وبحمدك كما في الحديث الصحيح، مع أنهم في دار ليست دار تكليف وليست بدار عبادة، لكنهم يلهمون التسبيح كما تلهمون النفس، فالذي ينام ليس هو الذي يتولى تنظيم تنفسه، وضربات قلبه، وخلجات عضلاته، فكذلك أهل الجنة ليسوا في دار تكليف، فلذلك هذا التسبيح يخرج منهم إلهاماً من الله .
في كثير من النصوص يقرن التسبيح بالتحميد، فإن قلت: سبحان الله وبحمده، أو سبحانك اللهم وبحمدك، فمعنى سبحانك: هو تنزيه الله سبحانه وتعالى عما لا يليق أن ينسب إليه.
أما الحمد فهو إثبات ما يليق من صفات الكمال والجمال والجلال.
وفي القرآن الكريم يربط التسبيح بالتحميد كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤] لكن الصيغة الغالبة هي سبحانك اللهم وبحمدك.
أي: أقول ذلك متلبساً بحمدك.
فهنا عدل عن هذه الصفة كما يقول القاسمي هنا.
والمراد من الآيات أن دعاء أهل الجنة وعبادتهم هو قولهم: سبحانك اللهم وبحمدك، وإيثار التعبير عن (وبحمدك) بقوله: ((وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) رعايةً للفواصل، واهتماماً بالحمد وما معه من النعوت الجليلة.
والآية تدل على سمو هذا الذكر؛ لأنه دعاء أهل الجنة، ولأنه ذكر الملائكة كما قالوا: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة:٣٠] ولذلك يفضل الإمام أحمد أن يقال بعد تكبيرة الإحرام في دعاء الاستفتاح: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)؛ لأن فيه ثناءً محضاً، وفيه الاشتغال بالثناء على الله ، وهو أفضل من الاشتغال بالسؤال، وفي كل خير.
قال الرازي: لما استسعد أهل الجنات بذكر سبحانك اللهم وبحمدك، وعاينوا ما فيه من السلامة عن الآفات والمخافات، علموا أن كل هذه الأحوال السنية والمقامات القدسية، إنما تيسرت بإحسان الحق وإفضاله وإنعامه، فلا جرم لم يشتغلوا إلا بالحمد والثناء، هذا هو دعاؤهم أوله: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ)) وآخره: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)).
стр. 1352
الحكمة من تأخير العذاب إلى يوم القيامة
لما بين ﵎ وعيده الشديد كما في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس:٧ - ٨] أتبعه بما دل على أن هذا الوعيد من حقه أن يتأخر عن الدنيا؛ لأنه إذا حصل لهم في الدنيا وعاينوه في الدنيا، فإن هذه المعاينة تكون مانعاً من بقاء التكليف.
والمعنى أن الله قادر على أن يكشف الحجب لجميع الخلق فيرون الجنة عياناً ويرون النار عياناً، ويرون الملائكة وغيرها من الغيبيات، ففي هذه الحالة ستنتقل الدنيا من كونها دار عمل إلى دار جزاء، ولم يبق للتكليف معنى؛ لأننا إذا عاينا هذه الآيات آمن الناس كلهم كما قص الله أن الكفار يوم القيامة يقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢] فهذا يقين اضطراري.
وكذلك إذا حصل أن كشفت الحجب ورأوا هذه الغيبيات فإنه لن يحصل تفاضل في الإيمان بين الناس؛ لأن الإيمان بالغيب هو أول صفة من صفات المتقين في القرآن الكريم.
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣].
وهذا الإيمان الاضطراري لا ينجي، وإنما ينجي المرء الإيمان الاختياري، فهذا فرعون آمن إيماناً اضطرارياً حينما عاين الموت، وقال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] فلم ينفعه ذلك؛ لأن العبرة بأن يؤمن الإنسان بالغيب في حالة الاختيار؛ لأنه يعمل عقله ويتفكر ويتدبر ويبذل جهداً، لكن إذا كشفت له الحجب فإنه سيؤمن إيماناً اضطرارياً.
ومن حكمته أنه حليم على هؤلاء الذين يحاربون دين الله ليل نهار في كل أطراف الأرض، فهم يعذبون المسلمين ويذبحونهم، ويبارزون الله بالمعاصي، ويعبدون الشيطان والأوثان والكواكب والبشر، فهؤلاء سوف يستوون جميعاً في الإيمان إذا كشفت لهم الحجب في الدنيا، وذلك يتنافى مع استمرار الابتلاء والامتحان بالتكليف في هذه الدار الدنيا.
стр. 1353
تفسير قوله تعالى: (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير)
لقد بين أنه لن يكون في الدنيا هذا العذاب الأليم وإنما يكون في الآخرة؛ لأنه إذا ظهر في الدنيا سوف يزول معنى التكليف، ولذلك قال ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [يونس:١١].
((وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ)) أي: الذين لا يرجون لقاءه تعالى لكفرهم، وهم المذكورون في قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا)) فلو يعجل الله لهذا الفريق من الناس الشر الذي كانوا يستعجلونه كما حكى الله عنهم بقوله: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢] لهلكوا.
((اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ)) أي: تعجيلاً لهم مثل استعجالهم الدعاء بالخير.
((لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ)) أي: لو أن الله استجاب لهم لهلكوا وماتوا.
((فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)) أي: في ضلالهم وشركهم يترددون.
فهؤلاء بدل أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه، لا.
إنما قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢] فمن رحمته بهم أنه لا يستجيب لهذه الدعوة؛ لأنه لو استجاب لهذه الدعوة لقضي إليهم أجلهم ولأهلكوا ولحرموا من فرصة الإمهال والاستعتاب لعلهم إذا امتد أمرهم أن يتوبوا.
((وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ)) فالتقدير: لو يعجل الله للناس الشر الذي يستعجلونه استعجالهم بالخير، وإنما حذف إيجازاً للعلم به، ويوافقه قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء:١١].
((وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ)) أي: يدعو بالشر ويستعجل حصول الشر تماماً كما يدعو بالخير ويستعجل حصول الخير، يذكر المفسرون في هذه الآية من سورة الإسراء أن الإنسان يدعو على ولده مثلاً ويستعجل حصول الكوارث والمصائب كأن يقول: ربنا يفعل بك كذا، ويقطع لسانك، ويقصم ظهرك إلى آخر هذه الدعوات المشئومة، حتى إن الأم تدعو على ولدها ألا يأتي عليه الصباح وهو حي، أو أنه إذا خرج لا يعود، فلو استجاب الله هذه الدعوة لفسدت أمور الناس، فمن رحمة الله أنه لا يستجيب، وقد يستجيب إذا وافقت ساعة إجابة كما ورد عن النبي ﷺ أنه نهى عن دعاء الإنسان على أولاده أو على ماله، فقد توافق ساعة إجابة فيندم.
стр. 1354
تفسير قوله تعالى: (وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه لننظر كيف تعملون)
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:١٢ - ١٤].
((وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا)) أي: لكشفه وإزالته.
وإعراب قوله: ((لِجَنْبِهِ)) حال، أي حال كونه مضطجعاً على جنبه.
((أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ)).
((فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ)) مضى على طريقته وسيرته الأولى، ((مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى)) كشف ((ضُرٍّ مَسَّهُ))، وفيقدر هنا المضاف وهو: كشف.
((كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) أي: من الإعراض عن الذكر واتباع الشهوات.
والآية سيقت احتجاجاً على المشركين بما جبلوا عليه كغيرهم من الالتجاء إليه تعالى عند الشدائد، علماً بأنه لا يكشفها إلا هو، ليطرحوا عبادة ما لا يضر ولا ينفع، وفي هذا تذكير لهم، أي: كم مر بكم من أزمة ومن كارثة فضل ما تدعون من دونه، ونسيتم كل ما تعبدونه من دون الله، وأخلصتم العبادة لله وحده، ثم إذا كشف الضر عنكم وتيقنتم أنه الإله الأحد الذي لا يعبد سواه، ولا يكشف الضر سواه، انقلبتم على أعقابكم.
وفيها نعي على سوء منقلبهم إثر كشف كرباتهم، وتحريم من مثل صنيعهم.
ولقد ذكرهم تعالى بعظيم قدرته مما وصل إليهم من نبأ الأقدمين ليتقوه وذلك بقوله سبحانه: ((وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا)) أي: ظلموا بالتكذيب والكفر ((وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ)) أي: فقرر عليهم الحجة من وجوه كثيرة.
((وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا)) أي: بتلك البينات ولا بغيرها، فجازاهم بالإهلاك المعروف فيهم ((كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ)).
((ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)) [يونس:١٤].
الخطاب هنا للذين بعث إليهم النبي ﷺ ، أي: استخلفناكم في الأرض بعد القرون التي أهلكناهم، ((لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)) من خير أو شر، فنعاملكم حسب عملكم.
стр. 1355
تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات)
قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس:١٥].
يخبر تعالى عن تعنت الكفار من مشركي قريش بحيث إذا قرأ عليهم النبي ﷺ كتاب الله وحججه الواضحة قالوا له: ((ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا)) أي: جئنا بغيره من نمط آخر ((أَوْ بَدِّلْهُ)) إلى وضع آخر، قال تعالى لنبيه ﷺ : ((قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي)) أي: ليس ذلك إلي، إنما أنا مبلغ عن الله تعالى.
ويلاحظ أن الجواب انصب على التبديل فقط، أي: أما هذا الذي تطلبونه فشيء مستحيل وغير ممكن على الإطلاق، وبالتالي لا ننشغل بالرد عليه؛ لأن طلبهم ((ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا)) لا يستأهل أن يلتفت إليه فأهمل هذا الطلب.
وهم في الحقيقة لا يسألون استرشاداً وطلباً للهداية، وإنما يسألون تعنتاً، فما دامت الحجة قد قامت عليهم والبراهين موجودة، لا يجيبهم الله إلى كل ما طلبوه؛ لأن طلب المزيد من الآيات والمزيد من الاقتراحات على الله وعلى الرسول ﷺ لا يزيدهم إلا عتواً ونفوراً، فاكتفى بالجواب عن التبديل، للإيذان باستحالة ما اقترحوه في قولهم: ((ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا)) فبطلانه من الظهور بحيث لا حاجة إلى بيانه.
إن التصدي لذلك من قبيل المجاراة مع السفهاء، والقرآن الكريم لا يجاريهم في كل ما يطلبونه، فهذا من باب الإعراض عن السفهاء، وعدم مجاراتهم في سفاهتهم؛ لأن مثل ذلك الاقتراح: ((ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا)) لا يمكن أن يصدر من إنسان عاقل، إنما يصدر من سفيه مغرق في السفاهة والضلال، ولأن ما يدل على استحالة الثاني يدل على استحالة الأول بطريق الأولى، فإذا كان التبديل غير ممكن للرسول ﵊ من تلقاء نفسه، فالإتيان بغيره أولى ألا يمكن، فما بالكم تطلبون بأن يأتي بقرآن آخر غير هذا القرآن؟ فهذا نفي للاحتمال الأول بطريق القياس الجلي أو بقياس الأولى، فهو جواب عن الأمرين بحسب المآل والحقيقة.
((إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي)) أي: بالتبديل والنسخ من عند نفسي، ((عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)).
قال الزمخشري: فإن قلت: فما كان غرضهم وهم أدهى الناس وأمكرهم في هذا الاقتراح؟ قلت: الكيد والمكر، أما اقتراح إبدال قرآن بقرآن ففيه أنه من عندك.
أي: هذا كلام خبيث يقصدون به: ما دام أنك فأنت الذي تأتي بقرآن ائت بقرآن، كما يقول المستشرقون والكفرة أعداء الإسلام: قال محمد في القرآن الكريم.
فهؤلاء يعتبرونها قضية تأليف.
ثم يقول الزمخشري: وأنك قادر على مثله، فأبدل مكانه آخر، وأما اقتراح التبديل والتغيير، فللطمع ولاختبار الحال، وأنه إن وجد منه تبديل، فإما أن يهلكه الله فينجوا منه، أو لا يهلكه فيسخروا منه، ويجعلوا التبديل حجة عليه وتصحيحاً لافترائه على الله.
стр. 1356
تفسير قوله تعالى: (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم)
لما بين بطلان ما اقترحوا الإتيان به واستحالته، أشار إلى تحقيق أحقية القرآن وكونه من عنده تعالى بقوله: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس:١٦].
((قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ)) قال الزمخشري: يعني: أن تلاوته ليست إلا بمشيئة الله وإحداثه أمراً عجيباً خارجاً عن العادات، وهو أن يخرج رجل أمي لم يتعلم، ولم يستمع، ولم يشاهد العلماء ساعةً من عمره، ولا نشأ في بلد فيه علماء فيقرأ عليكم كتاباً فصيحاً يقهر كل كلام فصيح، ويعلو على كل منثور ومنظوم، مشحوناً بعلوم من علوم الأصول والفروع، وأخبار مما كان وما يكون، ناطقاً بالغيوب التي لا يعلمها إلا الله، وقد بلغ بين ظهرانيكم أربعين سنة تطلعون على أحواله ولا يخفى عليكم شيء من أسراره ﵊، وما سمعتم منه حرفاً من ذلك ولا عرفه به أحد من أقرب الناس منه وألصقهم به.
((وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ)) أي: ولا أعلمكم به على لساني.
((فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ)) أي: من قبل نزول القرآن الكريم لا أتعاطى شيئاً مما يتعلق بنحوه، ولا كنت متواصفاً بعلم وبيان فتتهموني باختراعه.
((أَفَلا تَعْقِلُونَ)) أي: أفلا تتدبرون؟! ألا تعملون عقولكم وتتفكرون، فتعلموا أنه ليس إلا من عند الله لا من مثلي؟ ثم قال الزمخشري: وهذا جواب عما دسوه تحت قولهم: ((ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا)) من إضافة الافتراء إليه.
وتعبير الزمخشري تعبير دقيق.
ورأى أبو السعود أن الأنسب ببناء الجواب فيما سلف على مجرد امتناع صدور التغيير والتبديل عنه ﵊؛ لكونه معصية موجبة للعذاب العظيم ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام:١٥] واقتصار حاله ﵊ على اتباع الوحي؛ لأنه أجابهم بقوله: ((قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ)) أي: أنا متبع ولست مبتدعاً.
وامتناع الاستبداد بالرأي من غير تعرض هناك ولا هاهنا؛ لكون القرآن في نفسه أمراً خارجاً عن طوق البشر؛ لأن من وجوه الرد على هذا الطلب أن القرآن فوق طاقة البشر، ولم يتعرض أيضاً لكونه ﵊ غير قادر على الإتيان بمثله.
فالقرآن الكريم في هذه الآية يرد على هذا الافتراء منهم، وذلك بدعوتهم إلى إعمال عقولهم في التدبر بجانب هذه الاعتبارات التي ذكرناها، ليتدبروا في حاله، هل أنتم لا تعرفونه قبل النبوة؟ أنتم تعرفونه جيداً.
فهو يستشهد هنا على المطلوب بما يلائم ذلك من أحواله المستمرة في تلك المدة المتطاولة، من كمال نزاهته عما يوهم شائبة حضور الكذب والافتراء عنه في حق أحد كائناً من كان: ((فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ)) أي: عشت فيكم أربعين سنة أو أكثر من أربعين سنة، وما جربتم علي كذباً قط، حتى إنهم كانوا يسمونه: الصادق الأمين ﵊، والله ﵎ قال لهم أيضا: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٩] أي: فهو لم يظهر فيهم بين عشية وضحاها، بل هم يعرفون جيداً أنه أمي، وأنه في الفترة التي عاش بين ظهرانيهم لم يؤخذ عليه أبداً أي شائبة كذب أو افتراء في حق أي مخلوق من الناس كائناً من كان.
يقول تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس:١٧].
في هذه الآية تظليم الذي يفتري على الله الكذب، أو يقول: ((أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ))، أي: أن أقبح معصية في الوجود أن يكذب على الله، فإذا كان ﷺ يتنزه عن الكذب على الناس وأنتم تشهدون بصدقه، فهل يتصور عاقل أن شخصاً يترك الكذب على الناس ثم يكذب على الله ويدعي أنه رسول كذباً وافتراء؟! هذا لا يمكن أن يقع، ولذلك استدل هنا بسيرته السالفة فيهم: ((فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ)) تعرفون خلقي، وتعرفون نزاهتي عن الكذب، وقد لبثت فيما بين ظهرانيكم قبل الوحي لا أتعرض لأحد قط بتحكم ولا جدال، ولا أحوم حول مقال فيه شائبة شبهة فضلاً عما فيه كذب أو افتراء، ((أَفَلا تَعْقِلُونَ)) أن من هذا شأنه مستحيل أن يفتري على الله، فلا يعقل أن يفتري الرسول على الله شريعة يترتب عليها سلب الأموال وسفك الدماء وغير ذلك من عند نفسه، إنما الذي أتى به وحي مبين، تنزيل من رب العالمين لا شك في ذلك.
وهذا هو المعنى الذي اقتصر عليه ابن كثير، ثم استشهد بقول هرقل ملك الروم لـ أبي سفيان، حيث أوقف خلفه من كان مع أبي سفيان من تجار المشركين فقال هرقل لهم: إذا جربتم عليه أي كذب فنبهوني بأنه يكذب، فقال أبو سفيان: فوالله لولا الحياء من أن يؤثر علي الكذب لكذبت عليه.
فقال له هرقل: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال.
أي: من أنه رسول من عند الله؟ قال أبو سفيان فقلت: لا.
وكان أبو سفيان إذ ذاك رأس الكفرة وزعيم المشركين، ومع هذا اعترف بالحق، والفضل ما شهدت به الأعداء.
فقال له هرقل بعد ذلك: أعرف أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم ليكذب على الله.
فـ هرقل كبير النصارى وعظيمهم، ومع ذلك شهد بالحق، وكذلك أبو سفيان نفى عنه الكذب فكلاهما نزهاه عن الكذب والافتراء.
وقال جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة: بعث الله فينا رسولاً نعرف صدقه ونسبه وأمانته، وقد كانت مدة مقامه بين أظهرنا قبل النبوة أربعين سنة.
وعن ابن المسيب أنها كانت ثلاثاً وأربعين سنة، والصحيح المشهور الأول.
فمن أجل ذلك قال ﵎: ((قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ)).
стр. 1357
تفسير قوله تعالى: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً)
قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس:١٧].
((فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا)) أي: كيف أفعل ذلك وهو أقبح الظلم؟ وهذا استفهام إنكاري معناه الجحد، أي: لا أحد أظلم ممن تقول على الله تعالى وزعم أنه تعالى أرسله وأوحى إليه.
((أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ)) أي: كفر بآياته، كما فعل المشركون بتكذيبهم للقرآن وحملهم على أنه من جهته ﵊.
((إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ)) أي: لا ينجون من محذور ولا يظفرون بمطلوب.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام:٩٣].
وترتيب عدم الفلاح على من افترى الوحي وعد صادق بلا مرية، فإن مفتريه يبوء بالخزي والنكال، ولا يشتبه أمره على أحد بحال، فلا بد أن يفضحه الله وأن يهتك ستره ولا يروج كذبه على الناس، والأمثلة كثيرة جداً ابتداءً من مسيلمة الكذاب وسجاح وانتهاءً بمن ادعوا النبوة في العصر الحديث مثل أحمد القادياني.
ذكر أن عمرو بن العاص ﵁ وفد على مسيلمة الكذاب قبل أن يسلم عمرو، وكان صديقاً له في الجاهلية، فقال له مسيلمة: ويحك يا عمرو وماذا أنزل على صاحبكم في هذه المدة -يعني بذلك النبي ﷺ فقال: لقد سمعت أصحابه يقرءون سورةً عظيمةً قصيرة، فقال: وما هي؟ قال: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].
ففكر مسيلمة ساعة، ثم قال: وأنا قد أنزل علي مثله فقال: وما هو؟ قال: يا وبر يا وبر! إنما أنت أذنان وصدر! وسائرك حقر نقر! كيف ترى يا عمرو؟! فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك لكذاب.
فانظر كيف يفضحه الله ، كل من أراد أن يجاري القرآن الكريم، أو يأتي بمثل القرآن في زعمه لا بد أن يهتك ستره، ويأتي بالكلام المضحك كقوله: الفيل وما أدراك ما الفيل، ذو ذنب قصير وخرطوم طويل، إلى آخر هذا الكلام.
وهكذا تجدهم لا يستطيعون أن يتخلصوا من أسر القرآن، فلا يستطيعون الابتكار، بل يحاولون أن يحاكوا القرآن، وفي نفس الوقت يأتون بكلام يضحك العقلاء منهم، فهذه آية في أنه لا يمكن أبداً أن يفلح هؤلاء المجرمون.
ثم إن من أعظم أدلة صدق نبوة محمد ﷺ أن الله رفع من ذكره في الآفاق، ومكن لدينه في الأرض، واستخلف أمته على العالمين، وظهور الدين بهذه الصورة يعتبر عند العقلاء من أدلة صدق نبوته ﵊، فهذا عبد الله بن سلام كان أكبر علماء اليهود في المدينة، يقول: عبد الله بن سلام: (لما قدم رسول الله ﷺ المدينة مهاجراً انجفل الناس -أي: أسرع الناس- إليه فكنت فيمن انجفل إليه، فلما رأيته عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، قال: فكان أول ما سمعته يقول: أيها الناس! أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)، وفي ذلك يقول حسان ﵁: لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تأتيك بالخبر يعني: لو لم يؤيده الله بالآيات وبالمعجزات ﵊، كانت بديهته وشكله ومظهره يأتيك بالخبر أنه صادق.
стр. 1358
تفسير قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم)
قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨].
((وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ)) أي: الأوثان التي هي جماد لا تقدر على نفع ولا ضر، والمقصود أن المعبود من شأنه أن يقدر على النفع والضر، وهؤلاء يعبدون ما لا ينفعهم وما لا يضرهم، إذاً لا يستحقون العبادة.
((وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ)) أي: أتخبرونه بكونهم شفعاء عنده؟ وهو إنباء بما ليس بمعلوم لله، يعني: هل تخبرون الله بشيء هو لا يعلمه؟ إن هذا الشيء الذي تقولونه معدوم لا وجود له، فلذلك يقول تعالى هنا: ((قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ)).
الله لا يغيب عنه شيء، وهو عليم بكل شيء، وهو العالم المحيط بجميع المعلومات.
فإن قلت: كيف أنبئوا الله بذلك؟ قلت: هو تهكم بهم؛ لأنهم لم يقولوا: نحن نخبر الله بأن هؤلاء شفعاؤنا عند الله، أو نعلم الله بما لا يعلمه، لكن الأسلوب تهكم، أي: أنكم تفترون على الله، فمن أين لكم أن هؤلاء يشفعون لكم عند الله؟ أهو أخبركم بذلك أم عندكم علم ليس عند الله؟! فهو تهكم بهم وبما ادعوه من المحال الذي هو شفاعة الأصنام، وإعلام بأن الذي أنبئوا به باطل.
وقوله: ((قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ)) تأكيد لنفي هذا الزعم الذي يزعمونه، وهو غير موجود لا في السماوات ولا في الأرض، فإذاً هو شيء منتفٍ معدوم لا وجود له.
((سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)) أي: عن الشركاء الذين يشركونهم به، أو عن إشراكهم.
стр. 1359
تفسير قوله تعالى: (وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا)
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس:١٩].
ثم يشير إلى أن التوحيد والإسلام ملة قديمة كان عليها الناس أجمع فطرةً وتشريعاً، وذلك في قوله : ((وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً)) أي: حنفاء متفقين على ملة واحدة، وهي فطرة الإسلام والتوحيد التي فطر عليها كل أحد.
((فَاخْتَلَفُوا)) أي: باتباع الهوى وعبادة الأصنام، فالشرك وفروعه جهالات ابتدعها الغواة؛ صرفاً للناس عن وجهة التوحيد، ولذلك بعث الله الرسل بآياته وحججه البالغة؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة.
((وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ)) أي: بتأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة، وهذا هو تفسير هذه الكلمة حيثما وردت في القرآن، ومن ذلك قوله: ﴿حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣] وقوله: ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [يونس:٩٦] أو ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [غافر:٦] ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [فصلت:٤٥] أنها تكون يوم القيامة، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩] كما حقق ذلك العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في أضواء البيان.
((لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ)) أي: عاجلاً.
((فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)) بتمييز الحق من الباطل وبإبقاء المحق وإهلاك المبطل.
стр. 1360
تفسير قوله تعالى: (ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه)
قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس:٢٠].
((وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ))، إن الله لم يرسل رسولاً ولا نبياً إلا وجعل له معجزة وأدلة على صدق النبوة، وأيده بالبراهين على صدقه، لكنهم يقصدون: لولا أنزل عليه آية من الآيات التي نقترحها نحن تعنتاً وعناداً، وكانوا لا يعتدون بما أنزل عليه من الآيات العظام المتكاثرة التي لم ينزل على أحد من الأنبياء مثلها، وكفى بالقرآن وحده آيةً باقيةً على وجه الدهر بديعةً غريبةً.
وقال: ((فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ)) أي: أنه المختص بعلم الغيب المستأثر به لا علم لي ولا لأحد به، والله لا يستجيب لاقتراحاتهم في إنزال الآيات.
((فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ)) [يونس:٢٠] أي: فيما يقضيه الله تعالى في عاقبة تعنتكم، فإن العاقبة للمتقين، فانتظروا أنتم نزول عذاب الله بكم، وأنا أنتظر أن العاقبة للمتقين، وقد قال تعالى في آية أخرى ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء:٥٩] هذا هو المانع من إنزال الآيات.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس:٩٦ - ٩٧] فلا تزيدهم الآية أي نفع.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام:٧] وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر:١٤ - ١٥].
فمثل هؤلاء أقل من أن يجابوا لمقترحهم لفرط عنادهم، ولا يخفى أن القرآن الكريم لما قام به الدليل القاهر على صدق نبوته ﷺ لإعجازه، كان طلب آيات أخرى سواه مما لا حاجة له في إثبات صحة نبوته وتقرير رسالته، فمثلها يكون مفوضاً إلى مشيئة الله تعالى فترد إلى غيبه، وسواء أنزلت أم لا، فقد ثبتت نبوته ووضحت رسالته صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 1361
تفسير قوله تعالى: (وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء منهم)
أكد تعالى ما هم عليه من العناد واللجاج، مشيراً إلى أنهم لا يذعنون ولو أجيبوا لمقترحهم، بما يعهد منهم من عدولهم عنه تعالى بعد كشف الضر عنهم إلى الإشراك فقال : ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ [يونس:٢١].
فهذه عادتهم المضطربة أنهم يلجئون إليه عند الشدائد، ثم إذا كشف عنهم الضر عادوا لسيرتهم الأولى، فهذا أمر معتاد منهم.
وقوله: ((مَسَّتْهُمْ)) أي: خالطتهم حتى أحسوا بسوء آثارها فيهم.
((إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا)) أي: يتبين مكرهم ويظهر كامل شركهم، فهم في وقت الضراء في الإقبال عليه تعالى لكشفها كالمخادع الذي يظهر خلاف ما يبطن، ثم ينجلي أمره بعد، فيمكرون بآيات الله : ((قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا)) أي: أن عذابه أسرع وصولاً إليكم مما يأتي منكم في دفع الحق، وتسمية العقوبة بالمكر؛ لوقوعها في مقابلة مكرهم وجوداً أو ذكراً.
((إِنَّ رُسُلَنَا)) أي: الذين يحفظون أعمالكم.
((يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ)) أي: مكركم، وهو تحقيق للانتقام، مع أن ما دبروا في إخفائه غير خاف على الحفظة فضلاً عن العليم الخبير الذي لا يغيب عنه شيء من ذلك.
стр. 1362
تفسير قوله تعالى: (هو الذي يسيركم في البر والبحر)
ثم يبين تعالى نوعاً من أنواع مكرهم في آية إنجائهم من لجج البحر، فقال : ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس:٢٢].
((هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ)) أي: السفن.
((وَجَرَيْنَ بِهِمْ)) أي: جرت السفن بالذين فيها.
((بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ)) أي: لينة الهبوب.
((وَفَرِحُوا بِهَا)) لأمن الآفات.
((جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ)) أي: ذات شدة.
((وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ)) أي: أحاط بهم أسباب الهلاك، وهي شدة الموج والريح.
((دَعَوُا اللَّهَ)) للتخلص منها.
((مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)) أي: الدعاء؛ لأنهم حينئذ لا يدعون معه غيره.
((لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)) أي: العابدين لك شكراً على إنجائنا من هذه الهلكة.
стр. 1363
تفسير قوله تعالى: (فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق)
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:٢٣].
((فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)) أي: يفسدون في الأرض بغير الحق، ويسارعون إلى ما كانوا عليه من الشرك ونحوه.
والحقيقة أن الإنسان يعجب ممن يواقعون الشرك في زماننا ممن ينتسبون للإسلام، كم نسمع قصصاً وأساطير وخرافات أنه لما غرق مركب شخص قال: يا سيدي عبد القادر لو أنجيتني سأعمل كذا وكذا، فلما دعا السيد عبد القادر هذا أنجاه! ثم ينشر مثل هذه الأكاذيب والأساطير وتروج في الناس.
وتمر مثل هذه الشركيات ولا كأن هؤلاء ناس موحدون يشهدون أن لا إله إلا الله، بينما المشركون الوثنيون يخلصون الدعاء لله عند الشدة، أما هؤلاء فهم يشركون بالله في الشدة، فهذا مما حذا ببعض العلماء إلى أن يقول: إن مشركي الزمان الأول كانوا أفضل من مشركي زماننا، أي لأن هؤلاء حينما يقعون في الشدة يدعون الدسوقي والبدوي والحسين وغير هؤلاء.
كل بلد لها قصة وأساطير يتداولونها ويزينها الشيطان لهم؛ حتى يضلهم عن التوحيد.
يوجد في مسجد قبر لشخص اسمه سيدي العوام، وهو بحار يوناني غرق في المركب فقذفت به الأمواج على الشاطئ، وهو الآن يعبد من دون الله في مدينة مطروح، ومسجد العوام أكبر مسجد.
بعض الناس كما حكى بعض العلماء في كتبهم: أنه في المحكمة يأتي الشخص ويحلف كذباً يميناً غموساً باسم الله وبمنتهى السهولة، وإذا قيل له: احلف بالولي الفلاني يتلعثم ويقول الحق وينفي ما قاله من قبل.
الحقيقة هناك مظاهر من الشرك في غاية الخطورة.
((يَا أَيُّهَا النَّاسُ)) أي: الناسين نعمة الخلاص بالإخلاص، نسيتم نعمة النجاة التي حصلت لكم بسبب أنكم دعوتم الله وحده مخلصين له الدين، ونعمة استجابة الدعاء الذي زعمتموه.
((إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ)) هذا الفساد الذي اقترفتموه وباله عليكم ((مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)) فقط، ((ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)) أي: في الدنيا، وهو وعيد بأن الله سوف يجازيهم على هذا البغي.
стр. 1364
أقوال المفسرين في قوله تعالى: (إنما بغيكم على أنفسكم)
قال القاشاني معلقاً على عن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس:٢٣] البغي ضد العدل، فكأن العدل فضيلة شاملة لجميع الفضائل، وهيئة وحدانية لها فائضة من نور الوحدة على النفس، فالبغي لا يكون إلا عن غاية الانهماك في الرذائل، بحيث يستلزمها جميعاً، فصاحبها في غاية البعد عن الحق ونهاية الظلمة، كما قال ﵊: (الظلم ظلمات يوم القيامة) فلهذا قال: ((إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ)) أي: أن الجزاء من جنس العمل.
الإنسان إذا ظلم وبغى فهو في الحقيقة لا يظلم المظلوم، لكنه يظلم نفسه، ولذلك لما قال الحجاج لـ سعيد بن جبير: انظر يا سعيد! أي قتلةٍ تريد أن أقتلك بها! قال له: اختر لنفسك يا حجاج! فوالله ما تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها يوم القيامة.
وهذا في صحيح مسلم.
فهذا معنى ((إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ)) كما تدين تدان، كما تفعل بالناس يفعل بك.
إذاً: المقصود من قوله: ((إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ)) أن بغيكم يعود عليكم، لا على المظلوم وحده، والمظلوم يسعد ثم يشقى الظالم غاية الشقاء، ولذلك لما سئلت أسماء ذات النطاقين رضي الله تعالى عنها، حيث سألها الحجاج عن مصير ابنها الذي قتله وصلبه قالت: (أراك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك) أي: أفسدت عليه دنياه بالقتل، لكن هو أفسد عليك آخرتك بالوبال وبالعذاب الذي ستلقاه يوم القيامة.
فالمظلوم يسعد ويثاب، والله يستجيب دعوته، أما الظالم فإنه يشقى ببغيه وظلمه غاية الشقاء، وهو ليس إلا متاع الحياة الدنيا، إذ جميع الإفراطات والتفريطات المقابلة للعدالة تمتعات طبيعية ولذات حيوانية تنقضي بانقضاء الحياة الحسية التي مثلها في سرعة الزوال وقلة البقاء مثل تزين الأرض بزخرفها من ماء المطر، ثم فسادها ببعض الآفات السريعة قبل الانتفاع بنباتها.
((ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)) أي: سنجازيكم به مما يتبعه من الشقاوة الأبدية والعذاب الأليم الدائم، وفي الحديث (أسرع الخير ثواباً صلة الرحم، وأعجل الشر عقاباً البغي واليمين الفاجرة) لأن صاحبه تتراكم عليه حقوق الناس، فلا تحتمل عقوبته المهل الطويل الذي يحتمله حق الله تعالى.
يقول القاسمي: وسمعت بعض المشايخ يقول: قلما يبلغ الظالم والفاسق أوان الشيخوخة، فالله يعاجلهم بالأخذ؛ وذلك لمبارزتهم الله تعالى في هدم النظام المصروف عنايته تعالى إلى ضبطه، ومخالفتهم إياه في حكمته وعدله.
стр. 1365
تفسير قوله تعالى: (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء)
ثم يبين تعالى شأن الدنيا وقصر مدة التمتع بها، وقرب زمان الرجوع الموعود بقوله : ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس:٢٤].
((إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ)) أي: امتزج به لسريانه فيه.
فهذه الباء للمصاحبة، أو هي للسببية بمعنى: اختلط بسببه حتى خالط بعضه بعضاً، والأول أظهر، أي أن الذي اختلط به نبات الأرض وامتزج به هو الماء؛ لأنه يسري في داخل النبات.
((مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ)) من الزروع والثمار والكلأ والحشيش.
((حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا)) حسنها وبهجتها.
((وَازَّيَّنَتْ)) بأصناف النبات.
((وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا)) أي: متمكنون من تحصيل حبوبها وثمارها وحظها.
((أَتَاهَا أَمْرُنَا)) أي: عذابنا ((لَيْلًا أَوْ نَهَارًا)).
((فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا)) أي: كالمحصود من أصله الذي قطع من جذره ((كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ)) كأن لم تنبت قبيل ذلك الوقت القريب.
((كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ)) أي: بالأمثلة تقريباً.
((لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) أي: في معانيها.
стр. 1366
تفسير قوله تعالى: (والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)
﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس:٢٥]، لما ذكر تعالى الدنيا وسرعة تقضيها رغب في الجنة ودعا إليها وسماها دار السلام، أي: دار السلامة من الآفات والنقائص، بينما الدنيا معرضة للآفات كما مر.
فإذاً وصف الله سبحانه الدنيا بدار الآفات لأن الجنة تقابلها، فالله وصفها بأنها سليمة من الآفات، وذلك بقوله: ((وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ)) أي: التي ليس فيها آفات ولا نقائص ولا تكدير ولا تنغيص ولا مرض، ولا نصب، ولا شيخوخة، ولا عناء، ولا أذى، إنما هي كمال في كمال، وسالمة من كل الآفات والنقائص، ((وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)).
стр. 1367
تفسير سورة يونس [٢٦ - ٣٩]
стр. 1368
تفسير قوله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس:٢٥ - ٢٦].
ذكر الله الدنيا وسرعة زوالها رغب في الجنة ودعا إليها، وسماها دار السلام، أي: من الآفات والنقائص، فقال : ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس:٢٥].
((اللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ)) أي: يدعو الخلق بتوحيده إلى جنته.
((وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)) أي: إلى دين قيم يرضاه وهو الإسلام.
((لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)).
أي: للذين أحسنوا النظر فعرفوا الدنيا وشهواتها فأعرضوا عنها، وتوجهوا إلى الله تعالى فعبدوه كأنهم يرونه؛ كما قال النبي ﷺ لما سأله جبريل عن الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) فهذا هو معنى قوله: ((للذين أحسنوا)) أي: عبدوا الله كأنهم يرونه، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان، فكما أنهم أحسنوا جازاهم الله بالحسنى من جنس عملهم.
والمقصود بالحسنى المثوبة، وهي الجنة، ثم هناك فضل وزيادة على هذه المثوبة كما قال : ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:١٧٣] وأعظم أنواع هذا الفضل النظر إلى وجهه الكريم، ولذا تواتر تفسيرها بالرؤية عن غير واحدٍ من الصحابة والتابعين ورفعها ابن جرير إلى النبي ﷺ عن أبي موسى وكعب بن عجرة وأبي ﵃ وكذا ابن أبي حاتم.
وروى الإمام أحمد عن صهيب ﵁: (أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ((لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)) وقال: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى منادٍ: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل موازيننا، ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه ، فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم) وهكذا رواه مسلم أيضاً.
((وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ)) أي: ولا يغشاها غبرة سوداء من أثر حب الدنيا والشهوات.
((وَلا ذِلَّةٌ)) أي: ولا يوجد على وجوههم أثر الذل والهوان، وكسوف البال من أثر الالتفات إلى ما دون الله ﵎، وفي تعقيب الزيادة بهذه الجملة ((وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ)) مصداق لصحة تفسير الزيادة بالرؤية الكريمة؛ لأن فيها تنبيهاً على إكرام وجوههم بالنظر إلى الله تعالى.
هذه الوجوه الذي كرمت وشرفت بالنظر إلى الله هي جديرة ألا ترهق بقتر البعد ولا ذلة الحجاب، عكس المحرومين المحجوبين، فإن وجوههم مرهقة بقتر الحجاب وذلة البعد.
((أُوْلَئِكَ)) أي: الذين أحسنوا ((أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)).
стр. 1369
تفسير قوله تعالى: (والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها ...)
﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس:٢٧] الشرك والمعاصي.
((جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ)) أي: واق يقيهم العذاب.
((كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ)) أي: كأنما ألبست وجوههم.
((قِطَعًا)) أي: أجزاءً.
((مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا)) لشدة السواد والظلمة التي على وجوههم والعياذ بالله؛ بسبب الشرك والمعاصي، فكأنهم لبسوا ثوباً أسود غطوا وجوههم به، والقصد الإخبار بأبدع تشبيه عن سواد وجوههم.
((أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)).
стр. 1370
تفسير قوله تعالى: (ويوم نحشرهم جميعاً إن كنا عن عبادتكم لغافلين)
لقد بين تعالى ما ينال المشركين يوم الحشر من التوبيخ والخزي فقال : ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس:٢٨].
((وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا)) أي: نحشر المشركين ومعبوداتهم، الضمير في قوله: (نحشرهم) عائد على المشركين ومعبوداتهم التي عبدوها من دون الله؛ للمقاولة بينهم.
((ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا)) أي: أشركوا معبوديهم بالله.
فهؤلاء في هذه الحالة وقد حشروا مع هذه الآلهة التي كانوا يعبدونها، يتوقعون أن تشفع لهم هذه الآلهة كما كانوا يؤملون من قبل، فيجمع الله العابدين والمعبودين من دونه في نفس الموقف فيقول الله لهم: ((مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ)) أي: الزموا مكانكم لا تبرحوا حتى تنظروا ما يفعل بكم.
قال القاشاني: معناه: قفوا مع ما وقفوا معه في الموقف من قطع الوصل والأسباب التي هي سبب محبتهم وعبادتهم، وتبرؤ المعبود من العابد لانقطاع الأغراض الطبيعية التي توجب ذلك الوصل ((فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ)) أي: مع أنهم مجموعون في موقف واحد وفي صعيدٍ واحد، لكن فرق الله بينهم وقطع الوصل الذي كان بينهم، فلا يبقى من العابدين توقع شفاعة ولا من المعبودين إفادتها، ولو أمكنتهم فرضاً.
((وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ)) إذ لم تكن عبادتكم عن أمرنا، وإنما كنتم تعبدون الشيطان؛ لأنه هو الذي أمركم بهذه العبادة، فأنتم ما عبدتمونا نحن بل عبدتم الشيطان، كما يقول إبليس لهم في الخطبة التي يخطبها: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢].
فجميع الآلهة التي عبدت من دون الله كاللات والعزى وغيرهما يقولون: ((مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ)) أي: يتبرءون منهم.
قال بعض المفسرين: إن هذه الأوثان جمادات وهي لا تنطق، فمن ثم ذهب بعضهم إلى أن هذا مجاز، وقال بعضهم: بل ينطقها الله الذي أنطق كل شيء، فتشافههم بذلك مكان الشفاعة التي كانوا يتوقعونها، وتحملهم مسئولية هذا الشرك.
﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ [يونس:٢٩].
أي: الله يعلم أن ما أمرناكم بذلك، وما أردنا عبادتكم إيانا.
следующие страницы →