← Тафсир

Тафсир · id 37041

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (3 275 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

تفسير قوله تعالى: (والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس:٢٥]، لما ذكر تعالى الدنيا وسرعة تقضيها رغب في الجنة ودعا إليها وسماها دار السلام، أي: دار السلامة من الآفات والنقائص، بينما الدنيا معرضة للآفات كما مر. فإذاً وصف الله سبحانه الدنيا بدار الآفات لأن الجنة تقابلها، فالله وصفها بأنها سليمة من الآفات، وذلك بقوله: ((وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ)) أي: التي ليس فيها آفات ولا نقائص ولا تكدير ولا تنغيص ولا مرض، ولا نصب، ولا شيخوخة، ولا عناء، ولا أذى، إنما هي كمال في كمال، وسالمة من كل الآفات والنقائص، ((وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)).

стр. 1367

تفسير سورة يونس [٢٦ - ٣٩]

стр. 1368

تفسير قوله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس:٢٥ - ٢٦]. ذكر الله الدنيا وسرعة زوالها رغب في الجنة ودعا إليها، وسماها دار السلام، أي: من الآفات والنقائص، فقال : ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس:٢٥]. ((اللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ)) أي: يدعو الخلق بتوحيده إلى جنته. ((وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)) أي: إلى دين قيم يرضاه وهو الإسلام. ((لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)). أي: للذين أحسنوا النظر فعرفوا الدنيا وشهواتها فأعرضوا عنها، وتوجهوا إلى الله تعالى فعبدوه كأنهم يرونه؛ كما قال النبي ﷺ لما سأله جبريل عن الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) فهذا هو معنى قوله: ((للذين أحسنوا)) أي: عبدوا الله كأنهم يرونه، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان، فكما أنهم أحسنوا جازاهم الله بالحسنى من جنس عملهم. والمقصود بالحسنى المثوبة، وهي الجنة، ثم هناك فضل وزيادة على هذه المثوبة كما قال : ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:١٧٣] وأعظم أنواع هذا الفضل النظر إلى وجهه الكريم، ولذا تواتر تفسيرها بالرؤية عن غير واحدٍ من الصحابة والتابعين ورفعها ابن جرير إلى النبي ﷺ عن أبي موسى وكعب بن عجرة وأبي ﵃ وكذا ابن أبي حاتم. وروى الإمام أحمد عن صهيب ﵁: (أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ((لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)) وقال: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى منادٍ: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل موازيننا، ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه ، فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم) وهكذا رواه مسلم أيضاً. ((وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ)) أي: ولا يغشاها غبرة سوداء من أثر حب الدنيا والشهوات. ((وَلا ذِلَّةٌ)) أي: ولا يوجد على وجوههم أثر الذل والهوان، وكسوف البال من أثر الالتفات إلى ما دون الله ﵎، وفي تعقيب الزيادة بهذه الجملة ((وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ)) مصداق لصحة تفسير الزيادة بالرؤية الكريمة؛ لأن فيها تنبيهاً على إكرام وجوههم بالنظر إلى الله تعالى. هذه الوجوه الذي كرمت وشرفت بالنظر إلى الله هي جديرة ألا ترهق بقتر البعد ولا ذلة الحجاب، عكس المحرومين المحجوبين، فإن وجوههم مرهقة بقتر الحجاب وذلة البعد. ((أُوْلَئِكَ)) أي: الذين أحسنوا ((أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)).

стр. 1369

تفسير قوله تعالى: (والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها ...) ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس:٢٧] الشرك والمعاصي. ((جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ)) أي: واق يقيهم العذاب. ((كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ)) أي: كأنما ألبست وجوههم. ((قِطَعًا)) أي: أجزاءً. ((مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا)) لشدة السواد والظلمة التي على وجوههم والعياذ بالله؛ بسبب الشرك والمعاصي، فكأنهم لبسوا ثوباً أسود غطوا وجوههم به، والقصد الإخبار بأبدع تشبيه عن سواد وجوههم. ((أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)).

стр. 1370

تفسير قوله تعالى: (ويوم نحشرهم جميعاً إن كنا عن عبادتكم لغافلين) لقد بين تعالى ما ينال المشركين يوم الحشر من التوبيخ والخزي فقال : ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس:٢٨]. ((وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا)) أي: نحشر المشركين ومعبوداتهم، الضمير في قوله: (نحشرهم) عائد على المشركين ومعبوداتهم التي عبدوها من دون الله؛ للمقاولة بينهم. ((ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا)) أي: أشركوا معبوديهم بالله. فهؤلاء في هذه الحالة وقد حشروا مع هذه الآلهة التي كانوا يعبدونها، يتوقعون أن تشفع لهم هذه الآلهة كما كانوا يؤملون من قبل، فيجمع الله العابدين والمعبودين من دونه في نفس الموقف فيقول الله لهم: ((مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ)) أي: الزموا مكانكم لا تبرحوا حتى تنظروا ما يفعل بكم. قال القاشاني: معناه: قفوا مع ما وقفوا معه في الموقف من قطع الوصل والأسباب التي هي سبب محبتهم وعبادتهم، وتبرؤ المعبود من العابد لانقطاع الأغراض الطبيعية التي توجب ذلك الوصل ((فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ)) أي: مع أنهم مجموعون في موقف واحد وفي صعيدٍ واحد، لكن فرق الله بينهم وقطع الوصل الذي كان بينهم، فلا يبقى من العابدين توقع شفاعة ولا من المعبودين إفادتها، ولو أمكنتهم فرضاً. ((وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ)) إذ لم تكن عبادتكم عن أمرنا، وإنما كنتم تعبدون الشيطان؛ لأنه هو الذي أمركم بهذه العبادة، فأنتم ما عبدتمونا نحن بل عبدتم الشيطان، كما يقول إبليس لهم في الخطبة التي يخطبها: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢]. فجميع الآلهة التي عبدت من دون الله كاللات والعزى وغيرهما يقولون: ((مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ)) أي: يتبرءون منهم. قال بعض المفسرين: إن هذه الأوثان جمادات وهي لا تنطق، فمن ثم ذهب بعضهم إلى أن هذا مجاز، وقال بعضهم: بل ينطقها الله الذي أنطق كل شيء، فتشافههم بذلك مكان الشفاعة التي كانوا يتوقعونها، وتحملهم مسئولية هذا الشرك. ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ [يونس:٢٩]. أي: الله يعلم أن ما أمرناكم بذلك، وما أردنا عبادتكم إيانا.

стр. 1371

تفسير قوله تعالى: (هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت) ﴿هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس:٣٠]. ((هُنَالِكَ)) في ذلك المقام المدهش حين قطع المواصلة، وإنكار الشركاء العبادة لهم ممن عبدهم. ((تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ)) تختبر وتذوق كل نفس ما أسلفت من العمل فتعاين أثره من قبيح وحسن، ورد وقبول، كما يختبر الرجل الشيء ليتعرف حاله، وهذا كقوله تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة:١٣]، وقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق:٩]. ((وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ)) الضمير يعود على الذين أشركوا، أي: هؤلاء المشركون ردوا إلى الله المتولي جزاءهم بالعدل والقسط. ((وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)) أي: ضاع عنهم ما افتروه من اختراعاتهم وأصول دينهم ومذهبهم، وتوهماتهم الكاذبة وأمانيهم الباطلة، فلم يبق له أثر فيهم. وفي هذه الآية توبيخ شديد للمشركين الذين عبدوا ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنهم شيئاً، ولم يأمرهم بذلك ولا رضي به ولا أراده، بل تبرأ منهم أحوج ما يكونون إلى المعونة منه. والمشركون أنواع وأقسام، وقد ذكرهم الله تعالى في كتابه وبين أحوالهم، ورد عليهم أتم رد.

стр. 1372

تفسير قوله تعالى: (قل من يرزقكم من السماء والأرض) لقد احتج على المشركين على وحدانيته باعترافهم بربوبيته وحده وذلك بقوله : ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس:٣١]. ألزمهم بإقرارهم بتوحيد الربوبية على وجوب توحيد العبادة والألوهية. ((قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)) بالإمطار والإنبات، ولا يكون ذلك إلا ممن له التصرف العام فيهما، فلا يمكن أن يصدر هذا الرزق إلا ممن يملك ما في السماوات وما في الأرض، وهو الله . ((أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ)) من يستطيع خلقهما وتسويتهما على الحد الذي هي عليه من الفطرة العجيبة؟! قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ [الملك:٢٣]. ((وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ)) يخرج النسمة من النطفة، أو الطير من البيضة، أو السنبلة من الحب. ((وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ)) كأن يخرج النطفة من الإنسان، والبيضة من الطائر. وقيل: المراد أن يخرج الرجل المؤمن من ظهر أب كافر، ويخرج الرجل الكافر من الأب الصالح، فالحياة هنا والموت باعتبار الإيمان والكفر. ((وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ)) أي: من يلي تدبير أمر العالم كله؟! وهذا تعميم بعد تخصيص أي: ما تقدم آنفاً وكل الأمور. ((فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ)) إذ لا مجال للمكابرة لشدة وضوحه. لم يقل ﵎: (قالوا الله)، لكن قال: (فسيقولون الله) فألزمهم بهذا الجواب؛ لأنهم لا يملكون إلا هذا الجواب، لشدة الوضوح في هذه الحقيقة. ولو قالوا بخلاف هذا الجواب فلن يكون هذا إلا عن مكابرة. ((فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ)) أي: بعد اعترافكم أنه لا يملك هذا كله إلا الله ؛ أفلا تتقون وتخافون من غضبه لعبادة غيره اتباعاً للهوى؟!

стр. 1373

تفسير قوله تعالى: (فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فإنى تصرفون) ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس:٣٢]. ((فَذَلِكُمُ)) إشارة إلى من هذه قدرته وإلى من هذه أفعاله . ((فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ)) أي: الثابت الدائم في وحدانيته ثباتاً لا ريب فيه لمن حقق النظر. ((فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ)) أي: لا توجد مرتبة متوسطة بين الحق والباطل، فمن تخطى الحق وقع في الضلال. فما بعد أحقية ربوبيته إلا بطلان ربوبية ما سواه وعبادة غيره انفراداً أو شركة. ((فَأَنَّى تُصْرَفُون)) عن الحق الذي هو التوحيد إلى الضلال الذي هو الشرك، وأنتم تعترفون بأنه الخالق لكل شيء؟!

стр. 1374

تفسير قوله تعالى: (كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا) ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:٣٣]. ((كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا)) أي: ثبت حكمه وقضاؤه على الذين تمردوا وخرجوا إلى الحد الأقصى في هذا الكفر. إعراب كلمة: ((أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)) بدل من قوله تعالى: ((كَلِمَةُ رَبِّكَ)) يعني: حق عليهم انتفاء الإيمان، وعلم الله منهم ذلك. أو أراد بقوله: ((كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ)) أنهم سوف يعذبون. وقد سبق من قبل أن ذكرنا: أن الأصل في تفسير مثل هذه المواضع: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣] أو: ((حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ)) أنها إشارة إلى قوله تعالى: ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩]. وكذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١]، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر:١٩]. قوله: ((عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا)) لم يقل: عليهم، فقد مر ذكرهم فيما قبل، لكن أظهر موضع الإضمار للإشعار بالعلية لهذا الوعيد من كونهم فسقوا. والفسق هنا هو التمرد في الكفر، فآل الكلام إلى أن كلمة العذاب حقت عليهم لتمردهم وكفرهم، ولأنهم لا يؤمنون، وهو تكرار.

стр. 1375

تفسير قوله تعالى: (قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده) لقد احتج أيضاً على أحقية التوحيد وبطلان الشرك، بما هو من خصائصه من بدء الخلق وإعادته، فقال : ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [يونس:٣٤]. ((قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)) أي: هل يوجد أحد من هذه الآلهة التي تشركون بها مع الله من يبدأ الخلق من النطفة، ويجعل فيه الروح ليتعرف إليه، ثم يحييه يوم القيامة ليجزيه بما أسلف في الأيام الخالية؟! وإنما نظمت الإعادة في سلك الاحتجاج مع عدم اعترافهم بها إيذاناً بظهور برهانها من الأدلة القائمة على الإعادة والبعث والنشور سمعاً وعقلاً، وأن إنكارها مكابرة وعناد لا يلتفت إليه. يعني: كنتم تقولون: إن الله هو الذي بدأ الخلق، فليس لكم عذر في أن تجحدوا أنه يعيد الخلق؛ لأن الذي يقدر على الإبداء قادر بطريق الأولى على أن يعيده. ثم أمر نبيه ﷺ بأن يبين لهم من يفعل ذلك بقوله: ((قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)) أي: كيف تصرفون إلى عبادة غيره ممن لا يقدر على ما لا يقدر عليه إلا الله .

стр. 1376

تفسير قوله تعالى: (قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق) ثم احتج عليهم أيضاً إفحاماً إثر إفحام بقوله : ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس:٣٥]. ((قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ)) أي: يهدي إلى الحق بوجه من الوجوه كبعثة الرسل، وإيتاء العقل، وتمكين النظر في آيات الكون، والتوفيق للتدبر، فالله هدى الخلق إلى الحق من وجوه عديدة، فهو الذي بعث الرسل ليهدوا ويوضحوا ويبينوا، وهو الذي أعطاهم العقل؛ كي يستعملوه في الاهتداء إلى التوحيد، وهو الذي بث لهم آياته في الآفاق وفي أنفسهم؛ كي يعملوا عقولهم ويتفكروا في هذه الآيات، ويستدلوا بها على توحيد الله ، وهو الذي وفقهم وخلق فيهم القدرة؛ كي يتدبروا في هذه الآيات ويصلوا إلى توحيده . فهل من شركائكم من عنده القدرة على الهداية إلى الحق كما فعل الله بهذه الوجوه وغيرها؟! ((قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ)) وهو الله : ((أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ)) أي: يعبد ويطاع. ((أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى)) أم من لا يهتدي إلا أن يهديه الله ، نزل منزلة من يعقل لإفحامهم، بمعنى: هل الله أحق أن يعبد ويطاع، أم هذه الأوثان التي لا يمكن لها أن تهتدي إلا أن يهديها الله؟! فكيف يتصور أن مثل هذه الآلهة تعبد من دون الله، وهي عاجزة عن هداية نفسها فضلاً عن معبوديها؟! وهي أحجار لا تسمع ولا تملك نفعاً ولا ضراً. وقيل معناه: أم من لا يهتدي من الأوثان إلى مكان فينتقل إليه إلا أن ينقل؛ لأنه لا يستطيع أن يتحرك حتى يأتي من يحركه وينقله، أو لا يهتدي ولا يصح منه الاهتداء إلا أن ينقله الله من حاله إلى أن يجعله حيواناً مكلفاً فيهديه. وإذا كان هذا شأن المخلوق الجماد الضعيف غير القادر، فالإنسان نفسه الذي أكمل من هذا الجماد. أما هذا الإله الصنم من الخشب أو الحجر فهو يحتاج إلى أن يترقى أولاً إلى مستوى من يعبده، أي: يترقى من كونه خشباً أو حجراً إلى أن يصبح كائناً حياً تنفخ فيه الروح، ثم يكون مكلفاً عاقلاً كبني آدم، ثم يخلق الله فيه إرادة الهداية، فإنه: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:١٧]. بهذه الكيفية يتضح لنا أن العابدين أفضل من الأنداد والأوثان المعبودة؛ لأنهم أحياء لهم أرواح ولهم عقول ولا يهتدون إلا أن يهديهم الله . وقد قرئ: ((أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى)) وقرئ ((أمن لا يَهدِي إلا أن يهدى)) والعرب تقول: يهدِّي بمعنى: يهتدي، يقال: هديته فهدي أي: اهتدى. (فما لكم) مبتدأ وخبر، والاستفهام للإنكار والتعجب. أي: أي شيء لكم باتخاذ هؤلاء العاجزين عن هداية أنفسهم فضلاً عن هداية غيرهم شركاء؟! ((كَيْفَ تَحْكُمُونَ)) مستأنف أي: كيف تحكمون بالباطل حيث تزعمون أنهم أنداد لله.

стр. 1377

تفسير قوله تعالى: (وما يتبع أكثرهم إلا ظناً) قال تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس:٣٦]. ((وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ)) أي: في اعتقادهم ألوهية الأصنام. ((إِلَّا ظَنًّا)) اعتقاداً غير مستند إلى برهان، بل لخيالات فارغة وأقيسةٍ فاسدة. والمراد بالأكثر هنا الجميع. ((إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ)) أي: من العلم والاعتقاد الحق ((شيئاً)) أي: من الإقناع. ((إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ)) وعيد على ما يفعلون من اتباع الظن وإعراضهم عن البرهان. يلفت الرازي ﵀ النظر إلى وجود ارتباط وثيق في القرآن الكريم بين آية الخلق وآية الهداية. يقول الرازي في هذه الآيات: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس:٣٤ - ٣٦]: اعلم أن الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أولاً، ثم بالهداية ثانياً عادة مطردة في القرآن، فحكى الله تعالى عن الخليل ﵇ أنه ذكر ذلك فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٨]. وحكى عن موسى ﵇ في سورة طه: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠]. وأمر محمداً ﷺ بذلك فقال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى:١ - ٣]. فذكر الخلق ثم الهداية، وهو في الحقيقة دليل شريف؛ لأن الإنسان له جسد وروح، فهاهنا أيضاً لما ذكر دليل الخلق في الآية الأولى، وهو قوله: (أمن يبدئ الخلق ثم يعيده) أتبعه بدليل الهداية في هذه الآية، والمقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨]. ((أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ)) أي: هذا الجسد، ثم بعد ذلك جعل لكم السمع والأبصار والأفئدة تعلمون بها ((لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) وهذا كان كالتصريح بأنه تعالى إنما خلق الجسد وإنما أعطى الحواس؛ لتكون آلة في اكتساب المعارف والعلوم. ثم يقول: فالأحوال الجسدية خفيفة متعلقة بالحواس، أما الأحوال الروحانية والمعارف الإلهية فإنها كمالات باقية أبد الآباد، مصونةٌ عن الفساد، فعلمنا أن الخلق تبع للهداية. والمقصود أن الأشرف والأعلى هو حصول الهداية؛ ولكن لاضطراب العقول وتشعب الأفكار، كانت الهداية وإدراك الحق بإعانته تعالى وحده، والهداية إما أن تكون عبارةً عن الدعوة إلى الحق، أو عن تحصيل معرفتها، وعلى كلٍ فقد بينا أنها أشرف المراتب وأعلى السعادات، وأنها ليست إلا منه ﵎، وهذه أدلة على توحيد الله أنه الذي خلق ثم هدى. أما الأصنام فإنها جمادات لا تأثير لها في الدعوة إلى الحق، ولا في الإرشاد إلى الصدق، فثبت أنه تعالى هو الموصل إلى جميع الخيرات في الدنيا والآخرة، والمرشد إلى كل الكمالات في النفس والجسد، وأن الأصنام لا تأثير لها في شيء من ذلك، وإذا كان كذلك كانت عبادتها جهلاً محضا وسفهاً. فهذا حاصل الكلام في هذا الاستدلال.

стр. 1378

تفسير قوله تعالى: (وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله) قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:٣٧]. ثم بين تعالى بعد ذلك أحقية هذا الوحي المنزل رجوعاً إلى ما افتتحت به السورة من صدق نبوة المنزل عليه ﷺ ، ودلائلها في آيات الله الكونية، والمنبئة عن عظيم قدرته، وجليل عنايته بهداية بريته، فقال : ((وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ)) إشارة إلى أن هذا شيء ممتنع لا يمكن أن يقع أبداً؛ لأنه كلام الله ، ولأنه معجزة تدل على صدق نبوة محمد ﵌، فكون من هو دون الله يقدر على هذه المعجزة ينفي كونها معجزة، ولذلك تحداهم الله كما سنرى عما قريب. في الحقيقة نحن تعودنا أن نتلو أمثال هذه الآيات الكريمات في موضوع التحدي بإعجاز القرآن الكريم، وقل من يعطي قضية إعجاز القرآن الاهتمام الذي ينبغي له. كلنا ولله الحمد نؤمن إيماناً عاماً بأن القرآن هو المعجزة الخالدة والعظمى للنبي ﵌، لكن قليل منا من يتفرغ ويعطي جهداً كما ينبغي لدراسة هذه القضية، فالمفروض أن كل واحد منا طلبة العلم يحفظ كل ما يدل على إعجاز القرآن كاسمه؛ حتى إذا كان أمام رجل كافر وطالبه بأن يقيم له الحجة على أن القرآن معجزة، استطاع ذلك، ورد على الشبهات بحيث لا يبقى أمام هذا الكافر إلا التسليم، أما إذا أصر على كفره فيكون مكابراً معانداً، لا عن شبهةٍ ولا عن قصور في إقامة الحجة عليه. فقضية إعجاز القرآن من القضايا المهمة التي ينبغي أن تدرك خاصة في قضايا العقيدة؛ لأن هذه أجلى وأعظم آية من آيات النبي ﷺ ، وهي المعجزة الكبرى لرسول الله ﷺ ، ولذلك قال ﵊ في الحديث الصحيح: (ما من الأنبياء نبي إلا وقد أوتي ما على مثله آمن البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله تعالى إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)؛ لأن المعجزة القرآنية معجزة علمية دائمة، وليست معجزة حسية ظهرت ثم لم يعاينها إلا من رآها، كشق البحر لموسى بالعصا، أو إحياء الموتى لعيسى ﵇، أو غير ذلك من المعجزات التي ظهرت في زمن معين ولم تدم، بل الحجة بالقرآن قائمة على كل مخلوق على ظهر الأرض إلى يوم القيامة، فهل من ينتسبون إلى العلم قد أتقنوا أدلة هذه المعجزة العظيمة؟ فيما طالب العلم! أنت مسئول عن أن تتقن كيف تدلل على إعجاز القرآن الكريم. والنظر في إعجاز القرآن الكريم يفتح باباً عظيماً من أبواب التأمل في كلام الله ، بحيث إذا وقف أمامك عنيد، قسيس، حاخام، يهودي، مشرك، وثني، مادي، أو ملحد، وقلت له: القرآن معجزة، فهو لن يكتفي أن تقول له: القرآن معجزة، ولابد أن تأتي بالأدلة على هذا الإعجاز. ((وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ)) أي: هذا القرآن أتى مصدقاً للتوراة والإنجيل والزبور في التوحيد، وفي صفة النبي ﷺ التي تضمنتها هذه الكتب. منصوب على أنه خبر كان، وقرئ بالرفع خبراً لمحذوف أي: هو تصديق الذي بين يديه. وبذلك يتعين كونه من الله تعالى؛ لأن القرآن الكريم إذا كان يصدق ما في الكتب السابقة فيتعين كونه نازلاً من عند الله ، والرسول ﵊ لم يقرأ هذه الكتب السابقة لأنه أمي، ولم يجالس أهلها، ومع ذلك فالكلام الذي جاء به خرج من نفس المشكاة التي خرج منها التوراة والإنجيل، فلذلك صدق بعض هذه الكتب بعضاً وهذا مطرد كما هو معلوم، فهذا ورقة بن نوفل لما قرأ عليه النبي ﷺ من سورة العلق قال: (هذا الناموس الذي أنزله الله على موسى) انظر كيف ربط بين القرآن وبين موسى ﵇. كذلك النجاشي لما قرأ عليه جعفر بن أبي طالب ﵁ سورة مريم قال: (إن هذا والذي جاء به موسى خرج من مشكاةٍ واحدة) أي: خرج من منبع واحد. ((وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ)) أي: وتبيين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٤] أي: حكم الله عليكم، وقد قال علي ﵁ في القرآن الكريم: فيه خبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وفصل ما بينكم. ((لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) أي: هذا الكتاب منتفٍ عنه الريب كائناً من رب العالمين. قال أبو السعود: ومساق الآية بعد المنع من اتباع الظن لبيان ما يجب اتباعه. وكما قلنا من قبل: من تأمل معاني التفسير لم يخطئ في حفظ الآيات، فانظر التسلسل الطبيعي للآيات السابقة مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس:٣٦]، فهذه الآية تمنع من اتباع الظن، ثم الآية التي بعدها تبين ما يجب اتباعه، فإذا كان الإنسان يذم باتباع الظن فإننا على الجهة الأخرى مأمورون باتباع الحق الذي لا ريب فيه، وهو القرآن الكريم، ولذلك جاء بعد قوله : ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:٣٦ - ٣٧].

стр. 1379

تفسير قوله تعالى: (أم يقولون افتراه قل فائتوا بسورة مثله) قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس:٣٨] هم لا يكتفون بالكفر بالقرآن الكريم بل يضيفون إلى ذلك ما هو أعظم وأفظع، حيث زعموا أن الرسول ﵊ افتراه، ولذلك أضرب عنها بحرف الإضراب، فـ (أم) هنا كما يقول جمهور المفسرون: هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة، ومعنى الإضراب: بل أيقولون افتراه؟! والهمزة للإنكار، أي: ما كان ينبغي أن يقولوا: إنه افتراه. وقيل: أيقرون به بعد ما بينا حقيقته أم يقولون افتراه، ((قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ)) أي إن كان الأمر كما تزعمون، فائتوا بسورةٍ مثله في البلاغة وحسن الصياغة وقوة المعنى، ليس هذا فحسب، بل قال لهم: ((وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) أي: ادعوا من استطعتم من خلقه للاستعانة به على الإتيان بمثله إن صدقتم في ادعائكم أني اختلقته، فإنه لا يقدر على ذلك أحد، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]. قال أبو السعود: وإخراجه سبحانه من حكم الدعاء للتنصيص على براءتهم منه تعالى؛ لأنهم ليسوا من الله في شيء وليس الله منهم في شيء؛ لأنهم في شق والإسلام والقرآن في شق آخر مباين، فالله بريء منهم كما أنهم بريئون منه ، فهم في جهة معادية ومضادة ومشاقة ومحادة لله ، بحيث ليس لهم أن يقولوا نحن سندعو الله، لذلك قال لهم: ((قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)).

стр. 1380

تفسير قوله تعالى: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله) قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:٣٩]. ((بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ)) إضراب وانتقال عن إظهار بطلان ما قالوا في حق القرآن العظيم، وذلك ببيان أنه كلام ناشئ عن جهلهم بشأنه الجليل، بحيث أبطل زعمهم أن القرآن العظيم مفترى من دون الله، وذلك بالتحدي: ((قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) في أنه مفترى، وفيه إشارة إلى أن الإنسان عدو ما يجهله، فهم عادوا القرآن الكريم؛ لأنهم يجهلون حقيقته، فلذلك ((بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ)). وهذه الآية تحتاج إلى تأمل كثير جداً، فإنها في غاية الروعة، فقوله: ((بَلْ كَذَّبُوا)) أي: فهم فعلوا أفظع مما مضى من قولهم: إن القرآن مفترى، وذلك أنهم كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، أي: أنهم ربوا على العصبية وعلى العناد، فإنهم يتوارثون ذلك جيلاً عن جيل في شأن الإسلام وفي شأن النبي ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ [الذاريات:٥٣] كأن كل جيل لا يندثر حتى يهمس في أذن الجيل القادم أن إذا دعيتم للإسلام فكذبوا به ولا تتبعوه. فشأن الكافر التردد في مثل هذه الأضاليل والأباطيل، كما جاء في سؤال الملكين للكافر في القبر عن النبي محمد ﷺ فيقولان له: (ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ها ها لا أدري! سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته)، ما حقق ولا تحرى ولا بحث عن الأدلة ولا ناقش، وإنما ردد ما يقوله غيره، في حين أنه كان في غاية الاهتمام بأمور الدنيا وشئونها وأحوالها، أما في هذا الأمر الخطير الجلل فإنه اكتفى بأنه يردد ما قيل له. يقول الزمخشري: ((بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ)) أي: سارعوا إلى التكذيب به، وفاجئوه في بديهة السماع قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره، وقبل أن يتدبروه ويقفوا على تأويله ومعانيه، وما فيه من الشواهد الدالة على كونه ليس مما يمكن أن يقدر عليه مخلوق، وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم. والقصص في الحقيقة كثيرة جداً في مصداق هذه الآيات الكريمات، ولذلك ذكرنا في بداية الكلام أن أكثر الكفار يكذبون بالقرآن؛ لأنهم لا يعلمون ما في القرآن، وهناك أناس غلظت قلوبهم وتحجرت، وعميت أبصارهم وبصائرهم، حتى لو اطلعوا على ما في القرآن فإنهم يصرون على الكفر والعناد، لكن الغالب أن من تصفح القرآن الكريم وتأمله وأحاط به علماً، أو ببعضه، فإن القرآن يهديه إلى الإسلام، لأنه قد انتفى عنه الوصف المذكور في هذه الآية: ((بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ)) فيشع من هذا القرآن أنوار تنير قلبه وتهديه إلى الإسلام، وأقرب قصة في ذلك قصة القسيس الكبير المعروف هنا في مصر إبراهيم خليل أحمد ﵀، فقد كان من أكبر القساوسة المنصرين، وكان له نشاط كبير جداً، وذات مرة في الصعيد كان ذاهباً إلى قاعة المؤتمر، وكان مكلفاً بأن يعد بحثاً ليطعن في القرآن الكريم، ويطعن في الإسلام من خلال القرآن الكريم، لكنه كلما اجتهد أن يهزم القرآن قهره القرآن وغلبه، إلى أن انتهى به الأمر أن يعلن إسلامه في النهاية، وقال الكلمة المشهورة: أردت أن أقهر القرآن فقهرني القرآن. فهو تعامل مع القرآن مباشرة وتأمله لا من خلال الكتب المسمومة. ثم يقول الزمخشري في معنى قوله: ((بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ)): وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم، وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم، كالناشئ على التقليد من الحشوية إذا أحس بكلمة لا توافق ما نشأ عليه وألفه، وإن كانت أضوأ من الشمس في ظهور الصحة وبيان الاستقامة، أنكرها في أول وهلة، واشمأز منها قبل أن يحس إدراكها بحاسة سمعه، من غير فكر في صحة أو فساد؛ لأنه لم يشعر قلبه إلا بصحة مذهبه وفساد ما عداه من المذاهب. في هذا إشارة إلى أن من واجب الأمة الإسلامية أن تنشر إعجاز القرآن وأن تناظر وتدعو بحقائق القرآن وبدعوة القرآن خاصة إلى التوحيد؛ لأن كثيراً من الناس نتيجة الجهل بالمنهج النبوي في الدعوة إلى الله يقول لك: كيف أناقش الكفار بالقرآن وهم لا يؤمنون بالقرآن؟ وهذا من المزالق الخطيرة في الدعوة، فالقرآن من أوله إلى آخره يخاطب المؤمنين ويخاطب أيضاً الكافرين: (يا أيها الناس) (يا أيها الكافرون)، فمن أنجع وسائل الاستدلال في الدعوة أن يستدل بالقرآن الكريم، فالقرآن ما نزل إلا ليناظر به المشركون وتقام عليهم به الحجة. والإعراض عن القرآن، والانشغال بالتوراة والإنجيل في المناظرة والاستدلال، مبدأ منحرف، فالذي ينبغي أن تكون إقامة الحجة على الكفار بالقرآن الكريم، فمن كان في قلبه شيء يسير من الفطرة فإنه يتأثر بسماع القرآن الكريم، وكم من كافر لا يفقه في اللغة العربية كلمة يهتز قلبه لسماع القرآن الكريم وهو يتلى ويرتل فيسلم؛ لأن القرآن له سلطان على القلوب غير مقصور على معانيه ولا بلاغته ولا أحكامه ولا جماله ولا أسلوبه الأخّاذ، ولذلك نجد إخواننا من الهند وبنجلاديش وباكستان تكثر منهم الرقة عند سماع القرآن، مع أنهم قد لا يفقهون كلمة واحدة من اللغة العربية، فيبكي الواحد منهم بكاءً شديداً إذا سمع القرآن الكريم؛ لأن القرآن له سلطان على القلوب، كيف وهو قد كان له أقوى سلطان على قلوب أعتى الكفرة وهم مشركو قريش، ومن ذلك ما ورد في سبب نزول أول سورة فصلت، أن النبي ﵇ تلا من أول سورة فصلت حتى إذا بلغ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣] وكان عنده عتبة بن ربيعة فوضع يده على فم النبي ﵊ حتى لا يكمل الآية من شدة تأثره وخوفه، والأدلة على هذا كثيرة جداً.

стр. 1381

تفسير سورة هود [١٣ - ٣٥]

стр. 1382

تفسير قوله تعالى: (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات) قال ﵎: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود:١٣ - ١٤]. قوله تعالى: ((أم يقولون افتراه)) هذه الهاء تعود إلى ما أوحي إليك، يعني: أم يقولون إن النبي ﵊ قد افترى هذا القرآن واختلقه. وفي (أم) وجهان: الأول: أنها منقطعة مقدرة ببل والهمزة والتقدير: بل أيقولون افتراه؟! وهذه الهمزة إنكارية. الثاني: أنها متصلة وليست منقطعة، والتقدير: أيكتفون بما أوحينا إليك أم يقولون افتراه؟! قل يا محمد في جواب هذا الزعم أنك افتريته: ((فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ))، أي: افعلوا أنتم هذا. ((وادعوا من استطعتم)) أي: ادعوا للاستعانة من استطعتم من الإنس والجن، وهذا في غاية التحدي. ((من دون الله)) أي: ادعوا كل من تستطيعون متجاوزين الله ﵎. ((إن كنتم صادقين)) أي: إن كنتم صادقين في أني افتريته، فأنتم عرب فصحاء مثلي، لا سيما وقد زاولتم أساليب النظم والنثر والخطب. ((فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ)) هذا تحد صارخ وواضح، كما كرر في أكثر من موضع في القرآن الكريم، قال ﵎ متحدياً لهؤلاء في أول سورة البقرة: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة:٢٤]. ((فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ)) أي: بما لا يعلمه غيره من نظم معجز للخلق، وإخبار بغيوب لا سبيل لهم إليها، فأنتم تعلمون أنه ما أنزل إلا بعلم الله. ((وَأَنْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ))، أي: واعلموا عند ذلك أن لا إله حق إلا الله، وأن توحيده واجب، وأن الإشراك به ظلم عظيم. ((فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) أي: هل أنتم مبايعون بالإسلام منقادون لتوحيد الله وتصديق رسوله ﷺ بعد هذه الحجة القاطعة، ولا شك ولا ريب أن هذه الحجة بالفعل قاطعة بصورة لا جدال ولا مراء فيها.

стр. 1383

من لطائف تحدي الكفار في الآيتين يقول القاسمي رحمه الله تعالى: في هاتين الآيتين لطائف: الأولى: قيل: تحدوا أولاً بعشر سور فقال هنا: ((قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ)) فلما عجزوا تحدوا بسورة فقال في سورة البقرة: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]، وذهب المبرد إلى أنه تحداهم أولاً بسورة ثم تحداهم بعشر سور. قوله في سورة البقرة: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) أي: من مثله في البلاغة والإعجاز والبيان وما اشتمل عليه من الإخبار عن المغيبات والأحكام وغيرها. وهي تسعة أشياء يتضمنها القرآن الكريم نظمها بعضهم بقوله: ألا إنما القرآن تسعة أحرف سأنبيكها في بيت شعر بلا ملل حلال حرام محكم متشابه بشير نذير قصة عظة مثل وقيل: إن التحدي بسورة وقع بعد إقامة البرهان على التوحيد وإبطال الشرك، فلما وقع تعنتهم واستهزاؤهم واقتراحهم آيات غير القرآن لزعمهم أنه مفترى، فيناسبه التكثير وهو التحدي بعشر سور، فلا يعسر الإتيان بكثير مثله، ألستم تقولون: إنه مفترى؟ إذاً ائتوا بعشر سور مثله مفتريات، فمن ثم ناسب أن يكون التحدي بعشر سور. اللطيفة الثانية: قوله بعد ذلك: ((فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) فإن ضمير (لكم) يعود على النبي ﷺ ، والجمع هنا للتعظيم كما في قول من قال: وإن شئت حرمت النساء سواكم. القول الثاني: يكون الضمير عائداً على النبي ﷺ وعلى المؤمنين؛ لأن المؤمنين هم تبع للنبي ﵊ في الأمر بالتحدي. وفيه تنبيه لطيف على أن حقهم ألا ينفكوا عنه ﷺ ، بل يكونوا معه لمعارضة المعارضين. إن التحاق المؤمنين والتصاقهم به ﷺ لا يكون فقط بالنصرة بالسيف وبالجهاد، وإنما يكون في الانتصار لدينه ولمعجزته التي هي القرآن، وذلك بدوام تحدي المشركين أن يأتوا بمثل هذا القرآن الكريم. وفي هذا أيضاً إرشاد إلى أن ذلك مما يفيد الرسوخ في الإيمان، والطمأنينة في الإيقان بأن القرآن من عند الله، وأنه معجزة النبي ﵌؛ ولذلك رتب عليه قوله : ((فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا)) فدل على أن التحدي والصمود بهذا التحدي يفيد زيادة العلم وزيادة اليقين. وقوله: ((فاعلموا أنما أنزل بعلم الله)) هذا العلم ليس مستأنفاً، لكنه ترسيخ للعلم الموجود في قلوبهم. القول الثالث: أن الخطاب هنا للمشركين بمعنى: فإن لم يستجب لكم من استعنتم به من دون الله، وهم المذكورون في قوله: ((وادعوا من استطعتم من دون الله))، من الجن والإنس، في افتراء قرآن مثل هذا القرآن أو عشر سور مثله. ((فإلم يستجيبوا)) أي: هؤلاء الذين دعوتموهم من الجن والإنس ((فاعلموا)) أي: فحقكم أن تعلموا حينئذ عجزكم وعجز هؤلاء الذين لم يستجيبوا لكم ولم يستطيعوا قبول التحدي، وحقكم أن تعلموا الآن أن القرآن أنزل فعلاً من عند الله، وأن الحجة قامت عليكم.

стр. 1384

تفسير قوله تعالى: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها) ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥]. لقد بين تعالى وعيد من آثر الحياة الدنيا على الآخرة وهم الكفار، فقال : ((مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ)). أي: أننا نوصل إليهم جزاء أعمالهم فيها من الصحة والرزق، وهذا من عدل الله أنه لا يضيع أجر من أحسن عملاً، حتى الكافر إذا أحسن وعمل عملاً صالحاً كبر الوالدين، وإغاثة الملهوف، وصدق الوعد، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، فإن الله لا يضيع أجره، بل يوفيه أجره في الحياة الدنيا، حتى يرد الآخرة وليس معه عمل ينفعه؛ لأنه لا ينتفع بعمل صالح في الآخرة عمله في الدنيا إلا إذا كان موحداً. وهذا هو الجواب عما يستغربه بعض الناس، حينما يرون الكافر في عافية وفي سعة من الرزق، وفي وفور من أمر الدنيا؛ يقول البعض: كيف يبتلى المؤمن ويكون فقيراً ومريضاً، في حين نرى الكافر يتمتع في الدنيا؟! نقول: جاء في الحديث: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)، فالكافر لا يثاب على الأعمال الحسنة التي يعملها في الدنيا إلا في الدنيا، أما في الآخرة فلا خلاق له عند الله . قوله: ((نوف إليهم أعمالهم فيها)) أي: في الدنيا فقط. ((وهم فيها)) أيضاً في الدنيا. ((لا يبخسون)) أي: جزاء أعمالهم في الدنيا، وهذا معلق بمشيئة الله كما قال في سورة الإسراء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨].

стр. 1385

تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار) ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٦]. قوله تعالى: ((وحبط ما صنعوا فيها)) أي: حبط في الآخرة ما صنعوه من الأعمال الصالحة، وعليه فالضمير (فيها) عائد على الآخرة. وجوز تعلق الظرف بصنعوا، يعني: وحبط ما صنعوا في الدنيا من قبل الآخرة. فإذاً تعود (الهاء) على التفسير الثاني على الدنيا كما عادت عليها في قوله: ((نوف إليهم أعمالهم فيها)) أي: في الدنيا. ((وباطل ما كانوا يعملون)) أي: كان عملهم في نفسه باطلاً؛ لأنه لم يعمل لغرض صحيح، ولم يستوف شروط العمل الصالح الذي ينفع صاحبه.

стр. 1386

شروط العمل الصالح المقبول شروط العمل الصالح الذي يقبل من العبد: الشرط الأول: الإيمان فلابد أن يكون فاعله مؤمناً كي ينفعه عمله في الآخرة، قال : ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء:١٩]، إذاً لابد من الإيمان. الشرط الثاني: الإخلاص، ألا يريد بالعمل الصالح إلا وجه الله . الشرط الثالث: الاقتداء ومتابعة النبي ﷺ ؛ لقوله ﵊: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). ونظير قوله تعالى: ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ)) هذه الآية: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:١٨]، لذلك احذر أيها المؤمن! إذا دعوت الله أن تطلب الدنيا فقط؛ لأنها إذا كانت ساعة إجابة وكان وقت قبول هذا الدعاء، فمن قصور النظر أن تطلب العاجلة وتغفل عن الآخرة التي فيها الفوز الحقيقي الدائم الذي لا ينقطع. فالإنسان يدعو بصلاح الدنيا، لكن يردف ذلك دائماً بصلاح الدين كما علمنا النبي ﵌، وكما في الدعاء الذي في سورة البقرة: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]، أما الكافر فلا يطلب إلا الدنيا، فإياك أن تتشبه به؛ لأنك إذا اهتممت بصلاح الدنيا وغفلت عن صلاح الدين فقد تندم بعد ذلك. فالإنسان يحضر قلبه في الدعاء، وكما يدعو بصلاح الدنيا فعليه أن يهتم بصلاح الآخرة: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨]، وحرصك على الدنيا لن يخرج عما يريده الله بك . ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء:١٨ - ٢٠]، وتأمل قوله تعالى: (فأولئك كان سعيهم مشكوراً) إن الذي يشكر لهم هو الله ، فأي شرف أعظم من أن الله هو الذي يشكر لك عملك. ودائماً أتذكر معنى هذه الآية الكريمة وأمثالها كلما قرأت في صفحات الوفيات أو في إعلانات الجرائد، وذلك عندما يعزي رئيس الجمهورية فلاناً أو فلاناً؛ فكم يفخر أقارب الميت إذا كان رئيس الجمهورية هو المعزي لهم؟! فما ظنك بالذي يشكر له الله عمله، فأي شرف أعظم من ذلك؟! والله هو غني عنك وعن عملك، بل أنت خلقت بنعمة الله من العدم، ووفقت للعمل الصالح الذي يشكرك الله عليه بقوة الله وإنعامه عليك، فلله الحمد أولاً وآخراً. ومن ذلك أيضاً قوله ﵎: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى:٢٠] لأنه ما أراد حرث الآخرة.

стр. 1387

تفسير قوله تعالى: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود:١٧]. لقد أشار تعالى في هذه الآية إلى صفة المؤمنين في مقابلة أولئك الذين قال فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٦]. ((أفمن كان على بينة من ربه)) أي: برهان نير، عظيم الشأن، أي: هو مسلم وثابت على الإسلام؛ لأنه يملك البينات والبراهين التي تثبته على هذا الدين. والبينة: هي العلم بالقرآن. وفسرت البينة أيضاً بالإسلام، أي: أفمن كان على الإسلام، سماه بينة لقوة ظهوره ووضوحه، إذ هو دين الفطرة قبل تدنيسها برجس الوثنية. قوله: ((ويتلوه شاهد منه)) الضمير في قوله: (منه) يعود على الرب ﵎، أي: ويتلوه شاهد من ربه، هذا التفسير الأول. التفسير الثاني في قوله: ((ويتلوه شاهد منه)) أي: يتبعه شاهد من القرآن نفسه، وهو إعجاز القرآن الكريم.

стр. 1388

علاقة ما مضى من الكتب السماوية بالقرآن قوله: ((ومن قبله كتاب موسى)) أي: ومن قبل القرآن كتاب موسى. وقد فسر العلماء ما مضى قبل القرآن الكريم من الكتب على قولين: الأول: (ومن قبله كتاب موسى) هو التوراة، أي: ويتلو تلك البينة من قبله كتاب موسى مقرراً لذلك. الثاني: ومن قبله كتاب موسى يشهد للقرآن أيضاً؛ ذلك لأن كتاب موسى تضمن ذكر القرآن وذكر صدق نبوة النبي ﵊. فهذا معناه: أن التوراة شاهدة للقرآن الكريم، بجانب ما يشهد له الإعجاز الذي فيه. ((ومن قبله كتاب موسى إماماً)) أي: مقتدى به في الدين ورحمة ونعمة عظيمة على المنزل إليهم، تهديهم وتعلمهم الشرائع ((أولئك يؤمنون به)) أي: من كانوا على بينة يؤمنون بالقرآن، فلهم الجنة. ((ومن يكفر به من الأحزاب)) يعني: أهل مكة ومن ضامهم من المتحزبين على رسول الله ﷺ . ((فالنار موعده فلا تك في مرية منه)) أي: لا تكن في شك من القرآن، أو: ولا تكن في شك من أن النار موعده. ((إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون)) أي: لا يؤمنون به؛ إما لقصور أنظارهم واختلال أفكارهم، وإما لعنادهم واستكبارهم.

стр. 1389

الفوائد المستنبطة من قوله تعالى: (أفمن كان على بينة) نذكر بعض الفوائد هنا: الأولى: (مَنْ) في قوله تعالى: ((أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ))، مبتدأ حذف خبره لإغناء الحال عن ذكره، وهذا سر حذف معادل الهمزة كثيراً، وتقديره: أفمن كان على بينة من ربه كأولئك الذين ذكرت أعمالهم وبيّن مصيرهم ومآلهم. وفي شرح الكشاف: أن التقدير: أمن كان يريد الحياة الدنيا كمن كان على بينة من ربه، أي: لا يعقبونهم في المنزلة أو يقاربونهم، والاستفهام للإنكار فيفيد أنه لا تقارب بينهم فضلاً عن التماثل، فلذلك صار أبلغ من نحو قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨]. الثانية: قرئ ((ومن قبله كتابُ موسى)) بالرفع، وقرئ: ((ومن قبله كتابَ موسى)) بالنصب عطفاً على الضمير المنصوب في يتلوه، أي: يتلو القرآن شاهد ممن كان على بينة من ربه ممن آمن من أهل الكتاب كـ عبد الله بن سلام، وشهادتهم على أنه حق لا مفترى، لما يجدونه مكتوباً عندهم. و ((يتلوه)) من التلاوة فتكون الآية كقوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف:١٠]. الثالثة: قوله: ((ومن الأحزاب)) الأحزاب جمع حزب، والحزب جماعة الناس، ويطلق الأحزاب على من تألبوا على حرب رسول الله ﷺ ، وكذا كل نبي قبله، فهو إطلاق شرعي، وعليه حمل الأكثر الآية؛ لكون السورة مكية، إلا أن اللفظ يتناول كل من شاكلهم من سائر الطوائف. وفي صحيح مسلم عن سعيد بن جبير عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي، أو نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار)، قال سعيد: كنت لا أسمع بحديث من النبي ﷺ على وجهه إلا وجدت مصداقه في القرآن، فبلغني هذا الحديث فجعلت أقول: أين مصداقه في كتاب الله؟ حتى وجدت هذه الآية: ((وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ)). فهذا يفيدنا أن المقصود بالأحزاب في الآية الملل كلها، وبالذات اليهود والنصارى؛ كما في نص الحديث المذكور. فإذاً كل من بلغته بعثة النبي ﷺ وسمع بالإسلام وسمع بالقرآن فما عليه إلا أن يؤمن به ﷺ وبما جاء به. وقبل ذلك عليه أن يجتهد في البحث عن الدين الحق، ليس هذا فحسب، بل يجب عليه أن يصيب الحق، فلا يعذر الشخص أن يقول: أنا اجتهدت وبذلت وسعي وتوصلت إلى أن الحق مثلاً في اليهودية أو النصرانية، فهذا لا يقبل منه وليس عذراً؛ لأن للحق أدلة وعلامات، فلا يمكن أبداً أن يلتبس الحق في أحقية دين الإسلام، وفي أن القرآن كلام الله، وأن الله لا يرضى إلا الإسلام ديناً، هذه حقيقة أوضح من الشمس. فتوحيد الله ، النبوات، الإيمان بالغيبيات، كل هذه الأشياء عليها من الأدلة ما لا يدع عذراً لكافر، لكنه الجهل أو العناد والجحود بعد المعرفة، فمن ثم يجب على كل كافر أن يجتهد في البحث عن الحق أولاً، وأن يصل إلى الحق ثانياً، فلا يعذر إذا قال: اجتهدت فوجدت الحق في غيره.

стр. 1390

تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً) قال ﵎: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]. مثال افتراء الكذب على الله : قول المشركين للملائكة إنهم بنات الله، أو قولهم في الأصنام إنهم شفعاء عند الله. ومعنى قوله: ((ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً)) أي: لا أحد أظلم ممن يكذب على الله . ((أولئك يعرضون على ربهم)) أي: يساقون إليه سوق العبيد المفترين على ملوكهم في ذل وفي هوان. ((ويقول الأشهاد)): أي: الذين يشهدون بالحق يوم القيامة من الملائكة والنبيين والجوارح: ((هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين)) هذا تهويل عظيم مما يحيط بهم حينئذ؛ لظلمهم بالكذب على الله. قيل: ولا يبعد أن تكون الآيات للدلالة على أن القرآن ليس بمفترى، فإن من يعلم حال من يفتري على الله كيف يرتكبه؟! يعني: إذا كان الرسول نفسه ﵊ هو الذي يتلو عليهم هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]: فلا يعقل إذاً أن يفتري هو على الله الكذب، ويدعي أن القرآن من عند الله وهو ليس من عند الله. وقد أدرك هرقل هذه الدلالة، فلما سأل أبا سفيان كي يمتحن صدق النبي ﵊ -والقصة في كتاب بدء الوحي في صحيح البخاري - قال له: (هل يكذب؟ فقال: لا يكذب فقال هرقل: فما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله)، هل يعقل أنه لا يكذب على الناس ثم يكذب على الله ؟! ومما يستدل به على صدق نبوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: اشتهار دينه وانتشاره في آفاق الأرض، ورفع ذكره بهذه الصورة التي لم تقع لأحد من البشر سواه ﵊ في كل أقطار الدنيا، وفي كل الأزمان من بعد بعثته، بل ومن قبل بعثته ﵊. فالله ما كان أبداً ليرفع شأن كاذب يكذب عليه بهذه الطريقة؛ لأن هذا فيه تلبيس للحق على الناس، فهذه من علامات صدق نبوته ﵌.

стр. 1391

تفسير قوله تعالى: (الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً) قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [هود:١٩]. ((الذين يصدون عن سبيل الله)) أي: عن دينه القويم. لم يذكر هنا المفعول به، والتقدير: الذين يصدون عن دين الله كلَّ من يقدرون على صده وعلى إبعاده عن طريق الله . ((ويبغونها عوجاً)) الهاء تعود على السبيل: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف:١٠٨]، فكلمة السبيل في هاتين الآيتين مؤنثة. ((ويبغونها عوجاً)) أي: يطلبونها معوجة بالكفر، يحرفون الناس عن الصراط المستقيم، ولا يرضون أن تكون مستقيمة. أو ((يبغونها عوجاً)) أي: يصفونها لهم بالاعوجاج، وينفرون الناس عن الإسلام بوصفه أنه دين معوج، دين التصوف، دين الإرهاب، دين التعصب والتشدد والتزمت إلى آخره، فينفرون عن دين الله بوصفه بصفة لا تليق به كالاعوجاج. ((وهم بالآخرة هم كافرون)) أي: هم يصدون أنفسهم عن الحق؛ لأنهم كافرون بالآخرة، ويصدون غيرهم أيضاً عن طريق محاربة الإسلام وتشويهه، ويدعون الناس إلى طرق معوجة تقودهم إلى النار والعياذ بالله.

стр. 1392

تفسير قوله تعالى: (أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض) قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود:٢٠]. ((أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض)) أي: لم يكونوا يعجزونه تعالى أن يعاقبهم في الدنيا، فالله إذا لم يعجل لهم العقوبة في الدنيا، فليس مرد ذلك إلى عجزه عنهم، وليس مرد ذلك إلى أنهم يفوتونه إن أراد معاقبتهم. ((وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ)) أي: ولم يحل دون عقابهم وجود أولياء يمنعونهم من عقاب الله، ويحمونهم من عذابه. ((يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ)) أي: هؤلاء يضاعف لهم العذاب. ((مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ)) أي: لتصاميهم عن الحق وبغضهم له. ((وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ)) لتعاميهم عن آيات الله وإعراضهم عنها غاية الإعراض، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠] هذا يدل على أن المقصود بالسمعِ السمعُ الذي ينتفع به في الوصول إلى الحق، كذلك البصر، أما مجرد حاسة السمع دون عقل ودون فهم، فهذه صفة العجماوات والبهائم، كما قال ﵎: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة:١٧١]، كالبقرة أو الجاموسة أو الحيوان إذا وقفت أمامه تتلو عليه قصيدة أو كتابة، فهو يسمع الحروف؛ لكن لا يفقه معنى الكلمات، فهذا هو حال الكافر. ولذلك إذا استحضرنا هذا المعنى فلا نستغرب إذا وجدنا الكافر في غاية من العتو والعناد والجحود، مع وضوح آيات الله ؛ لأن هناك حائلاً وضعه الله على قلبه، قال : ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، فهذا القفل نحن لا ندري كيفيته، وليس شرطاً أن يكون مثل الذي نضعه على الأبواب، لكن هو نوع من القفل الله أعلم بكيفيته وبشكله، وهذا القفل يوضع على القلب فلا يدخله الإيمان ولا يخرج منه الكفر والعياذ بالله، فهذه الحقيقة هي التي تمنعهم من قبول الحق. ومن أدلة قدرة الله وعظمته أن نجد من يكفر بالحق مع وضوحه، فهؤلاء يرون آيات الله لكن لا تنفذ إلى قلوبهم، فلذلك قال هنا: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود:٢٠]، وقال ﵎: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ﴾ [النحل:٨٨].

стр. 1393

تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين خسروا أنفسهم) قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [هود:٢١ - ٢٣]. ((أولئك الذين خسروا أنفسهم)) أي: خسروا سعادتها وراحتها. أو خسروا أنفسهم؛ لأنهم سلموها لعبادة الأوثان، ومنعوها من فعل ما خلقت له من عبادته تعالى، وهذا الخسران في النفس أعظم خسارة، كما قيل: إذا كان رأس المال عمرك فاحترز عليه من الإنفاق في غير واجب. ((وضل عنهم ما كانوا يفترون)) أي: غاب عنهم الآلهة وشفاعتها ولم تجزهم شيئاً. ((لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ)) أي: حقاً. أو: لا محالة أنهم في الآخرة هم أخسر الناس صفقة. ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ)) أي: خشعوا له وحده، ((أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)).

стр. 1394

تفسير قوله تعالى: (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع) قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود:٢٤]. ورد في الآيات السابقة ذكر الفريقين: المؤمنين والكفار، وصفة كل فريق، ومآل كل فريق، ثم قال ﵎: ((مثل الفريقين)) أي: الكفار والمؤمنين. ((كالأعمى والأصم)) هذا مثل للكافر. ((والبصير والسميع)) وهذا مثل للمؤمن. ((هل يستويان مثلاً)) أي: هل يستوي الأعمى والأصم مع البصير السميع حالاً وصفة. ((أفلا تذكرون)) يعني: بضرب الأمثال وبتدبر هذه الأمثال. لقد قص تعالى على نبيه ﷺ من أنباء الرسل السابقين ما يثبت به فؤاده، فالآيات الكريمات التي ستأتي في سورة هود، هي تثبيت من الله لقلب نبيه ﷺ ؛ وذلك بذكر قصص الأنبياء السابقين وأحوالهم مع أممهم، وأن معاناة الرسل من أممهم مثل ما يعانيه ﵊، والإخبار بسنته فيمن مضى من الأمم. إذاً هذا يدل على أن قصص الأنبياء وقصص الصالحين جند من جنود الله، ومن ثمرتها أنها تثبت قلوب المؤمنين، فمن أراد تثبيت الإيمان في قلبه، فليعمل عقله، وليتدبر في آيات الله ، في هذه القصص الحقيقية الواقعية، وخاصة أن الله وصفها بأنها أحسن القصص: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف:٣]، وذلك كي يتسلى ﵊ بما يشاهده من معاناة الرسل قبله من أممهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤].

стр. 1395

في قصص الأنبياء والصالحين تثبيت للصالحين قال : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود:٢٥]. ((ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه)) كانت قد امتلأت الأرض من شرك قوم نوح وشرورهم. ((إني لكم نذير مبين)) قرئ بالكسر: ((إني لكم)) أي: فقال: إني لكم نذير مبين. يعني: أرسلت إليكم لأبين لكم موجبات العذاب ووجه الخلاص منه، ((مبين)) اسم فاعل من أبان فهو مبين. إذاً ماذا أبان؟ أبان لهم ما يوجب حصول عذاب الله، وأبان لهم أيضاً كيف يتخلصون من هذا العذاب وينجون منه.

стр. 1396

تفسير قوله تعالى: (أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم) قال تعالى: ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود:٢٦]. ((أن لا تعبدوا)) الباء مقدرة هنا للتعدية، أي: بأن لا تعبدوا إلا الله. ((لا تعبدوا)) لا ناهية، أي: أرسلناه متلبساً بالنهي عن عبادة غير الله. ((إني أخاف عليكم)) أي: إن عبدتم غيره. ((عذاب يوم أليم)) أي: مؤلم في الدنيا والآخرة.

стр. 1397

تفسير قوله تعالى: (فقال الملأ الذين كفروا من قومه) قال تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود:٢٧]. ((فقال الملأ الذين كفروا من قومه)) الملأ المقصود بهم هنا السادة والكبراء والوجهاء. ((ما نراك إلا بشراً مثلنا)) أي: لست بملك ولكنك بشر، فكيف أوحي إليك من دوننا ونحن بشر مثلك؟! يستبعدون أن ينزل الوحي على من ليس بملك.

стр. 1398

نظرة الملأ للأنبياء وأتباعهم قال القاسمي: ((قال الملأ)) أي: الأشراف المليئون بأمور الدنيا القادرون عليها. وهذه هي المصيبة العظمى: أن بعض الناس يستمدون قوتهم لا من علمهم ولا من عقلهم ولا من بصيرتهم، بل يتوهم أحدهم أن قوته بالمنصب الذي هو فيه، أو بالمال الذي يملأ جيوبه، أو بمتاع الدنيا الذي يملكه، فهو يرى أن قيمته تتحدد على هذا الأساس، وعلى هذا الفهم المنحرف الضال القاصر، فإنه يعطي نفسه ما ليس من حقه، فهو مستعد أن يفتي في كل قضية، وإن يدلي بدلوه في أي مسألة، حتى لو كانت بعيدة عما يخصه ويعنيه. فعلى الإنسان أن يستمد قوته من إيمانه بالله، أما أن يستمد قوته ويتعامل مع الآخرين على أساس أن معه مالاً أو غير ذلك من أعراض الدنيا، فهذا لا وزن له ولا قيمة. يقول القاسمي: ((فقال الملأ)) الأشراف المليئون بأمور الدنيا، القادرون عليها، الذين حجبوا بعقلهم ومعقولهم عن الحق: ((ما نراك إلا بشراً مثلنا)) لأنهم كانوا ظاهريين، واقفين على حد العقل المشوب بالوهم، المتحير بالهوى، لا يرون لأحد طوراً وراء ما بلغوا إليه من العقل، غير مطلعين على مراتب الاستعدادات والكمالات، طوراً بعد طور، ورتبة فوق رتبة، إلى ما لا يعلمه إلا الله، لم يدركوا أن نوحاً ميزه الله بمرتبة أعلى من هذه المثلية التي يزعمون. صحيح هو مثلهم من أنه بشر من طين، أو خلق من ماء مهين كما خلق سائر البشر، لكن هناك شيء آخر فوق هذا الجسد البدني أو هذه الصورة الآدمية الظاهرة، فهناك مراتب كمالات في العقول والاستعدادات والمواهب التي يفيضها الله سبحانه على من يشاء من عباده، ويفضل بعضهم على بعض، هم لم يلتفتوا إلى ذلك، فمن ثم لم يشعروا بمقام النبوة ورفيع قدرها ومعناها. ((وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا)) انظر إلى الغطرسة! يظنون أن ما هم عليه من أحوال الدنيا هي مؤهلاتهم، فالواحد منهم يرى أن له أن يكفر بالأنبياء، وأن يحتقر من دونه في الدنيا وإن ارتفع عليه في الإيمان وفي الدين. وقولهم: ((أراذلنا)) أي: فقراؤنا الأدنون منا؛ إذ المرتبة الرفيعة عندهم بالمال والجاه ليس إلا، فبالتالي يحتقرون من لم يؤت هذه الأشياء، فلذلك قالوا: ((وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا)) أي: أحط الناس فقراً أو مالاً أو جاهاً في مجتمعنا. ((بادي الرأي)) كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]. وبادي الرأي أي: بديهة الرأي، يريدون أن يصفوا أتباع نوح ﵇ الذين آمنوا به أنهم ضعاف العقول، عاجزون عن كسب المعاش، أي: أما نحن أصحاب الفكر والنظر فلا نستسلم لك بسرعة، فهؤلاء انقادوا لك بادي الرأي، يعني: أول ما سمعوا دعوتك انقادوا إلى هذه الدعوة. فهم يعيبونهم بانقيادهم لنوح ﵇، يقولون: أما نحن أهل الفلسفة وأهل الروية وأهل العقول الراجحة فمثل هذه الدعوة لا نقبلها بسهولة، ولابد أن يكون الذي يدعونا للحق عنده المال والجاه، ولا يصاحب الفقراء ولا المساكين ولا الضعفاء، هذه هي القيم وهذه هي الموازين عند هؤلاء. وقولهم ((بادي الرأي)) هذا مما لا يذم، بل مما يمدح؛ لأنه انقياد الإنسان للحق إذا ظهر أنه حق واضح مثل الشمس، فما الذي يمنعهم أن ينقاد هؤلاء كما انقاد من بعدهم قوم موسى ﵇، فإن السحرة آمنوا بمجرد أن رأوا الآية. ويؤخذ من هذا أن المرء ينقاد للحق إذا ظهر، أي فلا تؤخر ولا تسوف ولا تؤجل الانقياد للحق، فهذا الذي يعيبونهم به هو من أعظم وأشرف مناقبهم حيث بادروا إلى الانقياد للحق. وعلى نفس طريقة الملأ القداماء سار الذين يحاربون الإسلام اليوم، ويحاربون الدعوة والدين فهم يجادلون بنفس المنطق ويفكرون بنفس الطريقة، تجدهم يقولون عن الملتزمين: هؤلاء جهلة! ويجتهدون في تصويرهم بنفس هذه الصورة، كما تعرفون وتلاحظون ذلك في التمثيليات والمسرحيات والأفلام التي خرجت في الصد عن سبيل الله ، مع أن الذي يخترع هذا الكلام كذاب، فهو يؤلف القصة من خياله بصورة تخدم هدفاً هو يريده، فلذلك يفتري ما شاء، والله له بالمرصاد. فهؤلاء يتصورون أن الإنسان العاقل الكيس الفطن هو الذي يستطيع أن يتجر ويكسب أموالاً كثيرة، ولا يفكرون إلا في الكمالات الدنيوية الحقيرة، وأما أتباع نوح ﵇ فإنهم أصحاب همم بعيدة، لا تقف عند كسب المعاش والأموال، بل عقول حائمة حول الارتفاع والارتقاء والتزكية والطهارة غير ملتفتة إلى ما يلتفت غيرهم إليه. قرأ أبو عمرو بالهمزة: ((بادئ الرأي)) والباقون بالياء. معنى (بادي الرأي) على القراءتين: أما الأول: (بادئ الرأي) فمعناه: أنه صدر من غير روية، وذلك أول وهلة. وأما الثاني: (بادي الرأي) فيحتمل أن أصله ما تقدم؛ لكن قلبت الياء عن الهمزة تخفيفاً، فيكون كالأول. ويحتمل أن الياء أصلية من بدا يبدو كعلا يعلو، والمعنى: ظاهر الرأي دون باطنه، ولو تؤمل لعرف باطنه، وهو في المعنى كالأول. وعلى القولين هو منصوب على الظرفية: (بادي الرأي) والعامل فيه: (نراك)، أو: (اتبعك).

стр. 1399

بطلان حجج الملأ من قوم نوح وسخافتها قال الناصر: زعم هؤلاء أن يحجوا نوحاً ومن اتبعه، من وجهين، أي أنهم يريدون أن يبطلوا دعوة نوح بالاستدلال بأحوال متبعيه من وجهين: أحدهما: أن المتبعين آراءه ليسوا قدوة ولا أسوة فقالوا: ((وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا)) أي: فقراؤنا وضعفاؤنا، فليسوا قدوة وليسوا أسوة كهؤلاء الملأ. الثاني: أنهم لم يترووا في اتباعه، ولا أمعنوا الفكر في صحة ما جاء به، وإنما بادروا إلى ذلك من غير فكر ولا روية. وغرض هؤلاء ألا تقوم عليهم حجة؛ لأن منهم من صدقه وآمن به. وكلا الوجهين يبرهنان على أن هؤلاء الملأ من قوم نوح ضعفاء العقول جهلة. إذاً الشريف هو الذي يتبع الحق، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، فأولى الناس بصفة الشرف والعلو والرفعة هم الذين ينقادون للحق، ولا يجادلون في الحق ولا يمارون فيه. أما عند هؤلاء فالشرف هو المنصب والمال والجاه، ولذلك قالوا: ((وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا)). أما الرد على الوجه الأول: فلا خفاء في أنه ليس بعار عن الحق رذالة من اتبعه، أي: كون الفقراء والضعفاء والمساكين ينقادون للحق، لا يحوله إلى باطل، بل أتباعه هم الأشراف ولو كانوا فقراء، والذين يأبونه -أي: الحق- هم الأدنون وهم الأراذل ولو كانوا أغنياء، وفي الغالب أنه لا يتبع الحق إلا ضعفة الخلق، كما يغلب على الكبراء مخالفتهم؛ لأن غالب الأغنياء والوجهاء يتكبرون؛ فيحجبهم ذلك عن الانقياد للحق والانتفاع به إلا من رحم الله . يقول ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:٢٣] أي: على ملة. ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]. ولذلك لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان عن دعوة النبي ﷺ وأتباعه قال له فيما قال (أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم، فقال هرقل: هم أتباع الرسل). هذا فيما يتعلق بالرد عن الوجه الأول. أما الجواب على الوجه الثاني: فإن المبادرة والإسراع لاعتناق الحق من أكمل الفضائل؛ لأن الحق إذا وضح فلا يبقى للرأي ولا للفكر مجال، ولابد لكل ذي فطنة من اتباعه، ولا يتردد في قبول الحق إلا غبي، ومن قدرته العقلية ضعيفة لا يستطيع أن يفهم الحق مع وضوحه، ولا أجلى مما يدعو إليه الرسل ﵈؛ فهم يأتون بلغة قومهم، ويأتون ببينة واضحة لا تلتبس على أحد، مهما كان مستواه العقلي أو الفكري. ((وما نرى لكم)) هذا الخطاب لنوح وأتباعه. ((من فضل)) أي: تقدم يؤهلكم للنبوة واستحقاق المتابعة؛ لأن الفضل محصور عندهم بالغنى والجاه. هذه هي طريقتهم في التفكير، فالله يبين لنا جهلهم وقصورهم من خلال كلامهم، ويبرز لنا الموانع التي حجبتهم عن الانقياد إلى الحق. قال الزمخشري: كان الأشرف عندهم من له جاه ومال، كما ترى أكثر المتسمين بالإسلام يعتقدون ذلك، ويبنون عليه إكرامهم وإهانتهم، ولقد ضل عنهم أن التقدم في الدنيا لا يقرب أحداً من الله، وإنما يبعده، ولا يرفعه بل يضعه، فضلاً أن يجعله سبباً في الاختيار للنبوة والتأهيل لها. ثم يقول الزمخشري -وما أحسنه من كلام-: على أن الأنبياء ﵈ بعثوا مرغبين في طلب الآخرة، مصغرين لشأن الدنيا وشأن من أخلد إليها. أي: أما هؤلاء فبالعكس، فهم يعظمون الدنيا هذا التعظيم ويقولون: ((وما نرى لكم علينا من فضل)) أي: ليس عندكم أرصدة وأموال مثل التي عندنا، فلماذا نتبعكم؟ هذه هي المقاييس الوضعية الحقيرة لديهم. بل هذه الدنيا التي يتباهون بها لا تبعد عن الله وتحط من شأن أهلها فحسب، بل من ضمن أهداف بعثة الرسل تصغير شأن هذه الدنيا وتحقيرها والتزهيد فيها، والترغيب في طلب الآخرة. فإذاً هما طريقان لا يلتقيان: سارت مشرقةً وسرت مغرباً شتان بين مشرق ومغرب ثم قال: فما أبعد حال الأنبياء ﵈ من الاتصاف بما يبعد من الله والتشرف بما هو ضعة عند الله! ((بل نظنكم كاذبين)) أي: فيما تدعونه من الإصلاح وترتب السعادة والنجاة عليه.

стр. 1400

تفسير قوله تعالى: (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي) ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود:٢٨]. ((قال يا قوم)) أي: قال نوح: يا قوم ((أرأيتم)) أرأيت: اسم فعل أمر بمعنى أخبرني، أي: أخبروني. ((إن كنت على بينة من ربي)) إن كنت على برهان. ((وآتاني رحمة)) أي: منَّ الله عليَّ بأمر اختصني به، وهو أن ((آتاني)) منه ((رحمة)) أي: هداية خاصة كشفية تكشف لي الحقائق. ((من عنده)) أي: أن هذه الرحمة من عند الله فوق طور العقل، بل هي من العلوم اللدنية ومقام النبوة، قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلمًا﴾ [الكهف:٦٥] أي: علمناه من عندنا علماً وهو مقام النبوة؛ لأن النبوة لا تكتسب، بل هي هبة من الله لا يستطيع الإنسان أن يجتهد في العبادة والذكر حتى يصل إليها، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨] فيصطفي الأنبياء ويختصهم دون من عاداهم بخاصية مقام النبوة وعلم النبوة. ((فعميت عليكم)) أي: لاحتجابكم بالظاهر عن الباطن، وبالخلقة عن الحقيقة. ((أنلزمكموها وأنتم لها كارهون)) أي: أنكرهكم على قبولها ونقصركم على الاقتداء بها وأنتم تكرهونها ولا تختارونها، مع أنه ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]؟ فالاستفهام هنا للإنكار أي: لا نقدر على أن نكرهكم على الإيمان، والذي في وسعنا هو دعوتكم إلى الله ، لا أن نضطركم إليها، فإن شئتم تلقيها فزكوا أنفسكم واتركوا إنكاركم. وفي طي جوابه ﵇ حث على تدبرها ورد عن الإعراض عنها بأسلوب فائق في غاية الجدارة؛ لأن هذا الأسلوب الذي يتكلم به نوح ﵇ فيه نوع من الاستفزاز الباطني؛ لأنه يصف ما آتاه الله بكونه بينة من ربه، تزكية للمنهج الذي هو عليه، فهو واثق من منهجه وعنده البرهان على صحته. إذاً مع أنكم محجوبون عن تدبرها فلا نملك أن نقصركم على اتباع الحق، في هذا الذي يدعوهم إليه نوح ﵇ إرشاد لهم إلى أن يزكوا أنفسهم، وأن يتخلوا عن المكابرة والإنكار والجحود والعناد، لينقادوا إلى هذا الحق. وقريب من هذا أن بعض الناس كتب بعض الأوراق لدعوة غير المسلمين إلى الإسلام، يريد أن يضع شعاراً ليستفز غير المسلم لكي يبدأ في تدبر آيات الله ويعمل العقل، فكتب بالإنجليزية ما ترجمته: نحن بهذا الجهد فقط نبذر بذرة الهداية، ولعل الله القدير يجعلها تترعرع في قلب من يستحقها. فهذا الأسلوب فيه نوع من الاستفزاز للمرء كي يعمل عقله في الوصول إلى هذا الحق.

стр. 1401

تفسير قوله تعالى: (ويا قوم لا أسألكم عليه مالاً) قال الله حكاية عن نوح ﵇: ﴿وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [هود:٢٩]. ((ويا قوم لا أسألكم عليه)) أي: على تبليغ التوحيد ((مالاً إن أجري إلا على الله)). قال القاسمي: قوله: ((ويا قوم لا يسألكم عليه مالاً)) أي: أنتم عندكم الغرض والغاية في كل أمر محصور في حصول المعاش، وأنا لا أطلب ذلك منكم، أنا لا أنازعكم في أموالكم ولا أطلب منكم مقابلاً، فتنبهوا لغرضي أي: لست ممن يتستر وراء الدين للحصول على مكاسب دنيوية أو أموال. ثم لما بين أن لا وجه لكراهة دعوته إذ لا تنقصهم من دنياهم شيئاً؛ وذلك بعد أن قال في الآية السابقة: ((أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ))، أنكر عليهم في هذه الآية وكأنه يقول لهم: لماذا تكرهون الحق؟ ولماذا أنتم لهذه البينة كارهون؟ هل أنا أطلب في مقابل تبليغكم هذا الحق مالاً، فلذلك تكرهون دعوتي؟! أنتم تزعمون أنكم عقلاء فتدبروا، أنا لا أريد منكم منفعة أو مالاً، فما المسوغ لكراهة الحق أو الدعوة، وهي لا تنقصكم من دنياكم شيئاً؟ فلم يبق إلا خسة أتباعه، ولا ترتفع -يعني: بزعمهم- إلا بطردهم، لكن رد عليهم نوح ﵇: ((وما أنا بطارد الذين آمنوا)) أي: لا أستطيع أن أطرد المؤمنين ولا أستجيب لهذا أبداً؛ لأنهم أهل القربة والمنزلة عند الله، كما قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٥٢] أي: من رزق. ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ * وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام:٥٢ - ٥٣] بلى ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:٥٤]. ((وما أنا بطارد الذين آمنوا))؛ لأن طردهم قد يفتنهم عن الإيمان، ويفتن غيرهم من الفقراء والضعفاء عن أن يدخلوا في الدين، ولا يفعل ذلك إلا عدو لله مناوئ لأوليائه. ((إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ))، فلا آمن أن يشتكوني إلى ربي إن أنا طردتهم، أو المعنى: إنهم يلاقون ربهم ويفوزون بقربه فكيف أطردهم؟! ((وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ)) أي: فتخافون بسبب جهلكم لحوق خستهم بكم لمشاركتكم إياهم في الإيمان، وهذا من جهلكم؛ لأن خستهم ليست مانعة من الإيمان، وماذا يضركم -أيها الأغنياء- إن أسلمتم كما أسلموا؟! فلا يستلزم من إيمانكم أن تشاركوهم في صفة الخسة أو في صفة الضعف. وقوله: ((تجهلون)) أي: لا تعرفون ما هي الموازين التي تقرب العبد من الله أو تبعده عنه؟! إنها موازين التقوى والعمل الصالح، وليس أعراض الدنيا؛ لكن بسبب أنكم تجهلون ما يصلح به المرء للقاء الله، ولا تعرفون الله ولا لقاءه؛ لذهاب عقولكم في الدنيا، فأنتم تسفهون وتؤذون المؤمنين وتسمونهم أراذل، أو تجهلون أنهم خير وأحسن منكم عند الله، وأنهم أكرم منكم على الله، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام:٥٣]؟ بلى. لقد أشار إلى أن طردهم يستوجب عقابه فقال: ((ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم)) أي: فإن طردتهم فمن يمنعني من انتقامه سبحانه ومن يدفعه عني؟! وفيه إعلام بأن الطرد ظلم موجب لحلول السخط قطعاً، وإنما لم يصرح به لأنه غني عن البيان، لا سيما وقد تقدم ما يلوح به من كرامتهم لإيمانهم بالله واليوم الآخر. ((أفلا تذكرون)) أي: أفلا تتعظون فتنزجروا عما تقولون؟! قال بعضهم: ثمرة ذلك وجوب تعظيم المؤمن. أي أن المؤمن ليست قيمته لا بماله ولا بشكله، ولا في أعراض الدنيا التي لديه أو في منصبه، إنما قيمته أنه مؤمن شهد شهادتي الحق، وانضم لحزب الإيمان، فهذا يعظم حرمته ويرفع شأنه، ويحرم الاستخفاف به، وإن كان فقيراً عادماً للجاه والمال متعلقاً بالحرف الوضيعة؛ لأنه تعالى حكى كلام نوح ووصفه للرؤساء لما طلبوا طرد من عدُّوه من الأراذل بالجهل. وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢].

стр. 1402

تفسير قوله تعالى: (ولا أقول لكم عندي خزائن الله) قال الله : ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [هود:٣١]. أي: أنا بشر مثلكم فضلت عليكم بالوحي وبالرسالة، ولا أدعي ما ليس لي، ولذلك: ((لا أقول لكم عندي خزائن الله)) أي: رزق الله وأمواله . ((ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك)) أي: أنا أدعي الفضل بالنبوة لا بالغنى وكثرة المال، ولا بالاطلاع على الغيب، ولا بالملكية، إنما فضلت عليكم بالنبوة، فلا تستنكروا علي عدم تفوقي عليكم في المال ولا بالأملاك ولا في أعراض الدنيا. ((ولا أقول للذين تزدري أعينكم)) أي: تحتقرونهم وهم الفقراء والمؤمنون ((لن يؤتيهم الله خيراً))، أي: في الدنيا والآخرة لهوانهم عليه كما تقولون أنتم، إذ الخير عندي هو ما عند الله لا المال. ((الله أعلم بما في أنفسهم)) أي: من الخير، وهو أعرف بقدرهم وخطرهم، وما يعلم أحد قدر خيرهم وعظمه إلا الله سبحانه. قال القاسمي: وحمل هذا على تفويض ما في أنفسهم من الإيمان إلى علم الله، إرشاداً إلى أن اللائق لكل أحد ألا يبت القول إلا فيما يعلمه يقيناً ويبني أموره على الشواهد الظاهرة، ولا يجازف فيما ليس فيه على بينة ظاهرة. يعني: على الإنسان أن يفوض الأمر إلى الله ، خاصة في التعامل مع الناس في الدنيا، والأحكام تجري على ما يظهرون، أما السرائر فتوكل إلى الله ، فلا يتقدم الإنسان بين يدي الله بتزكية من لا سبيل له إلى معرفة ما في قلبه، يقول ﵊: (إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم، إنما نأخذ بما ظهر)، ولذلك قال: (وحسابهم على الله) أي: أقبل منهم انقيادهم بالإسلام، ولكن حسابهم في الآخرة على الله . ((إني إذاً)) يعني: إني إذا قلت ذلك ((لمن الظالمين)) أي: لبخس حقهم وحط قدرهم، فإن الإيمان ظاهر منهم، فإذا ضموا إلى ذلك الإيمان القلبي فلهم جزاء الحسنى، فمن قطع لهم بعدم نيل الخير بعدما آمنوا كان ظالماً. وفيه تعريض بأنهم ظالمون في ازدرائهم والمعنى: إن أنا قلت فيهم ذلك سأكون من الظالمين، لكني لست من الظالمين كهيئتكم؛ لأنكم تزدرونهم وتحتقرونهم، فلا أفعل فعل الظالمين.

стр. 1403

تفسير قوله تعالى: (قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا) ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ * وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [هود:٣٢ - ٣٤]. ((قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا)) أي: أطلت الجدال أو أتيته بأنواعه. ((فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)) هذا من غبائهم ومن جهلهم، بدل أن يطلبوا الهداية إذا بهم يستعجلون حصول العذاب، وكان الأولى أن يقولوا: اللهم اهدنا إلى هذا الحق إن كان نوح من الصادقين، لكنهم قالوا: ((فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين)). ((قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ)) أي: هذا ليس موكولاً إليَّ، وإنما يتولاه الله الذي كفرتم به. ((وما أنتم بمعجزين)) لا بالهرب ولا بدفع العذاب إذا نزل بكم. ((وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ)) أي: أي شيء يجزيه إبلاغي ونصحي بدعوتكم إلى التوحيد والتحذير من العذاب، إن كان الله يريد إغواءكم ليدمركم. والإرادة هنا كونية قدرية. ((هُوَ رَبُّكُمْ)) أي: هو مالك أمركم. ((وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)) أي: بعد الموت فيجازيكم بأعمالكم.

стр. 1404

تفسير قوله تعالى: (أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي) قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ [هود:٣٥]. (أم يقولون افتراه) أي: بل أيقولون افترى نوح النصح، وهو ما ذكره بقوله: ﴿وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي﴾ [هود:٣٤] فهذا الكلام من تتمة نبأ نوح ﵇ وقومه، أو هو التفات من الكلام على نوح وقومه إلى الكلام على كفار مكة مع النبي ﷺ . فضمير الجمع في قوله: (يقولون) إما لقوم نوح وإما لكفار مكة، ويعنون افتراء محمد ﷺ نبأ نوح، وجيء به معترضاً في تضاعيف قصة نوح تحقيقاً له وتأكيداً لوقوعه، وتشويقاً للسامعين إلى استماعه، إذ بقي منه الأهم وهو نتيجته، (قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا برئ مما تجرمون).

стр. 1405

تفسير سورة هود [٣٦ - ٤٩]
следующие страницы →