← Тафсир

Тафсир · id 37041

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (3 275 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

تفسير قوله تعالى: (ويا قوم لا أسألكم عليه مالاً) قال الله حكاية عن نوح ﵇: ﴿وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [هود:٢٩]. ((ويا قوم لا أسألكم عليه)) أي: على تبليغ التوحيد ((مالاً إن أجري إلا على الله)). قال القاسمي: قوله: ((ويا قوم لا يسألكم عليه مالاً)) أي: أنتم عندكم الغرض والغاية في كل أمر محصور في حصول المعاش، وأنا لا أطلب ذلك منكم، أنا لا أنازعكم في أموالكم ولا أطلب منكم مقابلاً، فتنبهوا لغرضي أي: لست ممن يتستر وراء الدين للحصول على مكاسب دنيوية أو أموال. ثم لما بين أن لا وجه لكراهة دعوته إذ لا تنقصهم من دنياهم شيئاً؛ وذلك بعد أن قال في الآية السابقة: ((أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ))، أنكر عليهم في هذه الآية وكأنه يقول لهم: لماذا تكرهون الحق؟ ولماذا أنتم لهذه البينة كارهون؟ هل أنا أطلب في مقابل تبليغكم هذا الحق مالاً، فلذلك تكرهون دعوتي؟! أنتم تزعمون أنكم عقلاء فتدبروا، أنا لا أريد منكم منفعة أو مالاً، فما المسوغ لكراهة الحق أو الدعوة، وهي لا تنقصكم من دنياكم شيئاً؟ فلم يبق إلا خسة أتباعه، ولا ترتفع -يعني: بزعمهم- إلا بطردهم، لكن رد عليهم نوح ﵇: ((وما أنا بطارد الذين آمنوا)) أي: لا أستطيع أن أطرد المؤمنين ولا أستجيب لهذا أبداً؛ لأنهم أهل القربة والمنزلة عند الله، كما قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٥٢] أي: من رزق. ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ * وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام:٥٢ - ٥٣] بلى ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:٥٤]. ((وما أنا بطارد الذين آمنوا))؛ لأن طردهم قد يفتنهم عن الإيمان، ويفتن غيرهم من الفقراء والضعفاء عن أن يدخلوا في الدين، ولا يفعل ذلك إلا عدو لله مناوئ لأوليائه. ((إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ))، فلا آمن أن يشتكوني إلى ربي إن أنا طردتهم، أو المعنى: إنهم يلاقون ربهم ويفوزون بقربه فكيف أطردهم؟! ((وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ)) أي: فتخافون بسبب جهلكم لحوق خستهم بكم لمشاركتكم إياهم في الإيمان، وهذا من جهلكم؛ لأن خستهم ليست مانعة من الإيمان، وماذا يضركم -أيها الأغنياء- إن أسلمتم كما أسلموا؟! فلا يستلزم من إيمانكم أن تشاركوهم في صفة الخسة أو في صفة الضعف. وقوله: ((تجهلون)) أي: لا تعرفون ما هي الموازين التي تقرب العبد من الله أو تبعده عنه؟! إنها موازين التقوى والعمل الصالح، وليس أعراض الدنيا؛ لكن بسبب أنكم تجهلون ما يصلح به المرء للقاء الله، ولا تعرفون الله ولا لقاءه؛ لذهاب عقولكم في الدنيا، فأنتم تسفهون وتؤذون المؤمنين وتسمونهم أراذل، أو تجهلون أنهم خير وأحسن منكم عند الله، وأنهم أكرم منكم على الله، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام:٥٣]؟ بلى. لقد أشار إلى أن طردهم يستوجب عقابه فقال: ((ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم)) أي: فإن طردتهم فمن يمنعني من انتقامه سبحانه ومن يدفعه عني؟! وفيه إعلام بأن الطرد ظلم موجب لحلول السخط قطعاً، وإنما لم يصرح به لأنه غني عن البيان، لا سيما وقد تقدم ما يلوح به من كرامتهم لإيمانهم بالله واليوم الآخر. ((أفلا تذكرون)) أي: أفلا تتعظون فتنزجروا عما تقولون؟! قال بعضهم: ثمرة ذلك وجوب تعظيم المؤمن. أي أن المؤمن ليست قيمته لا بماله ولا بشكله، ولا في أعراض الدنيا التي لديه أو في منصبه، إنما قيمته أنه مؤمن شهد شهادتي الحق، وانضم لحزب الإيمان، فهذا يعظم حرمته ويرفع شأنه، ويحرم الاستخفاف به، وإن كان فقيراً عادماً للجاه والمال متعلقاً بالحرف الوضيعة؛ لأنه تعالى حكى كلام نوح ووصفه للرؤساء لما طلبوا طرد من عدُّوه من الأراذل بالجهل. وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢].

стр. 1402

تفسير قوله تعالى: (ولا أقول لكم عندي خزائن الله) قال الله : ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [هود:٣١]. أي: أنا بشر مثلكم فضلت عليكم بالوحي وبالرسالة، ولا أدعي ما ليس لي، ولذلك: ((لا أقول لكم عندي خزائن الله)) أي: رزق الله وأمواله . ((ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك)) أي: أنا أدعي الفضل بالنبوة لا بالغنى وكثرة المال، ولا بالاطلاع على الغيب، ولا بالملكية، إنما فضلت عليكم بالنبوة، فلا تستنكروا علي عدم تفوقي عليكم في المال ولا بالأملاك ولا في أعراض الدنيا. ((ولا أقول للذين تزدري أعينكم)) أي: تحتقرونهم وهم الفقراء والمؤمنون ((لن يؤتيهم الله خيراً))، أي: في الدنيا والآخرة لهوانهم عليه كما تقولون أنتم، إذ الخير عندي هو ما عند الله لا المال. ((الله أعلم بما في أنفسهم)) أي: من الخير، وهو أعرف بقدرهم وخطرهم، وما يعلم أحد قدر خيرهم وعظمه إلا الله سبحانه. قال القاسمي: وحمل هذا على تفويض ما في أنفسهم من الإيمان إلى علم الله، إرشاداً إلى أن اللائق لكل أحد ألا يبت القول إلا فيما يعلمه يقيناً ويبني أموره على الشواهد الظاهرة، ولا يجازف فيما ليس فيه على بينة ظاهرة. يعني: على الإنسان أن يفوض الأمر إلى الله ، خاصة في التعامل مع الناس في الدنيا، والأحكام تجري على ما يظهرون، أما السرائر فتوكل إلى الله ، فلا يتقدم الإنسان بين يدي الله بتزكية من لا سبيل له إلى معرفة ما في قلبه، يقول ﵊: (إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم، إنما نأخذ بما ظهر)، ولذلك قال: (وحسابهم على الله) أي: أقبل منهم انقيادهم بالإسلام، ولكن حسابهم في الآخرة على الله . ((إني إذاً)) يعني: إني إذا قلت ذلك ((لمن الظالمين)) أي: لبخس حقهم وحط قدرهم، فإن الإيمان ظاهر منهم، فإذا ضموا إلى ذلك الإيمان القلبي فلهم جزاء الحسنى، فمن قطع لهم بعدم نيل الخير بعدما آمنوا كان ظالماً. وفيه تعريض بأنهم ظالمون في ازدرائهم والمعنى: إن أنا قلت فيهم ذلك سأكون من الظالمين، لكني لست من الظالمين كهيئتكم؛ لأنكم تزدرونهم وتحتقرونهم، فلا أفعل فعل الظالمين.

стр. 1403

تفسير قوله تعالى: (قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا) ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ * وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [هود:٣٢ - ٣٤]. ((قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا)) أي: أطلت الجدال أو أتيته بأنواعه. ((فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)) هذا من غبائهم ومن جهلهم، بدل أن يطلبوا الهداية إذا بهم يستعجلون حصول العذاب، وكان الأولى أن يقولوا: اللهم اهدنا إلى هذا الحق إن كان نوح من الصادقين، لكنهم قالوا: ((فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين)). ((قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ)) أي: هذا ليس موكولاً إليَّ، وإنما يتولاه الله الذي كفرتم به. ((وما أنتم بمعجزين)) لا بالهرب ولا بدفع العذاب إذا نزل بكم. ((وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ)) أي: أي شيء يجزيه إبلاغي ونصحي بدعوتكم إلى التوحيد والتحذير من العذاب، إن كان الله يريد إغواءكم ليدمركم. والإرادة هنا كونية قدرية. ((هُوَ رَبُّكُمْ)) أي: هو مالك أمركم. ((وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)) أي: بعد الموت فيجازيكم بأعمالكم.

стр. 1404

تفسير قوله تعالى: (أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي) قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ [هود:٣٥]. (أم يقولون افتراه) أي: بل أيقولون افترى نوح النصح، وهو ما ذكره بقوله: ﴿وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي﴾ [هود:٣٤] فهذا الكلام من تتمة نبأ نوح ﵇ وقومه، أو هو التفات من الكلام على نوح وقومه إلى الكلام على كفار مكة مع النبي ﷺ . فضمير الجمع في قوله: (يقولون) إما لقوم نوح وإما لكفار مكة، ويعنون افتراء محمد ﷺ نبأ نوح، وجيء به معترضاً في تضاعيف قصة نوح تحقيقاً له وتأكيداً لوقوعه، وتشويقاً للسامعين إلى استماعه، إذ بقي منه الأهم وهو نتيجته، (قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا برئ مما تجرمون).

стр. 1405

تفسير سورة هود [٣٦ - ٤٩]

стр. 1406

تفسير قوله تعالى: (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور) يقول الله ﵎: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ * وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود:٣٦ - ٣٩]. ثم قال ﵎: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠]: ((حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا)) أي: حتى إذا جاء أمرنا بإهلاك قومه، وحتى هنا هي غاية لقوله ﵎: ((وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ))، أي: أنه كان مستمراً في صناعة الفلك، وما بينهما حال من الضمير فيه، يعني: ويصنع الفلك وحاله أنه كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه إلى آخره، (ويصنع الفلك) حتى إذا جاء أمرنا. و ((سَخِرُوا مِنْهُ)) جواب ((َكُلَّمَا)). ((وَفَارَ التَّنُّورُ)) أي: وجه الأرض أو كل مفجر ماء، أو محفل ماء الوادي، أو عين ماء معروفة، أو الكانون الذي يخبز فيه، أو تنوير الفجر، هذه أقوال حكاها اللغويون والمفسرون. بعض المفسرين زادوا على ما ذكره اللغويون والمفسرون: أن هذا كناية عن اشتداد الأمر، كما يقال: حمي الوطيس، والوطيس: هو التنور، وهو من فصيح الكلام وبليغه. يقول القاسمي: وعندي أنه أظهر الأوجه المذكورة وأرقها وأبدعها وأبلغها، وإن حاول الرازي رده. فـ القاسمي يختار أن قوله: (وفار التنور) كناية عن اشتداد الأمر؛ فكأنه قيل: واشتد الأمر وقوي انهمار الماء ونبوعه من الأرض. وهذا الإيجاز في قوله: (وفار التنور) في مجازه الرهيب قد بينته آيات آخر، والقرآن يفسر بعضه بعضاً، فمن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:١١ - ١٢]، فكل هذه المعاني التي فصلت في هاتين الآيتين في سورة القمر قد ركزت وأجملت في قوله تعالى: ((وَفَارَ التَّنُّورُ)). ومما يؤيده شموله لشدة الأمر من السماء والأرض، فهذا الشمول يطابق هذه الآيات: ((فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ)) من السماء ومن الأرض ((عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ)). أما قول من قال: إن معنى قوله تعالى: (وفار التنور) أي: وجه الأرض، أو المكان الذي ينفجر منه الماء، أو محفل ماء الوادي، أو عين ماء معروفة، أو الكانون الذي يخبز فيه، كل هذه الأقوال إنما تشير فقط إلى الأرض ولا تعم السماء بخلاف قولنا إنه كناية عن شدة الأمر من السماء والأرض. وجلي أن الأمر كان أعم، وأنه لم يقتصر على ما خرج من الأرض، وإنما التقى ماء السماء مع الماء الذي انفجر من الأرض. ((قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا)) أي: في السفينة. ((مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ)) أي: من كل صنف من البهائم والطيور وما يدب على وجه الأرض ((زَوْجَيْنِ اثنين)) ذكراً وأنثى. وقال أبو البقاء: (كل) فيها قراءتان: القراءة الأولى: ((قلنا احمل فيها من كلِّ زوجين اثنين))، بالإضافة فيكون فيها وجهان: الأول: أن المفعول هو (اثنين) على أساس أن (من كل زوجين) حال. الوجه الثاني: أن (من) زائدة، فالمفعول هو (كل)، فتكون كلمة (اثنين) توكيداً. القراءة الثانية: ((قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين)) بالتنوين، فزوجين هنا مفعول للفعل (احمل) و (اثنين) توكيد له، و (من) متعلقة باحمل أو هي حال. ((وَأَهْلَكَ)) أي: من يتصل بك من أقاربك الذين هم موافقون لك في الدين والإيمان، وفي السيرة والهدي. ((إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ)) أي: إلا من وجب عليه القول، والمقصود بالقول هو الإغراق بسبب ظلمه، كما قال تعالى: ((وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا)) فبين له أن ابنه كان من الذين ظلموا، فهو في الحقيقة ليس من أهله أي: ليس من أهل دينه. ((وَمَنْ آمَنَ)) أي: واحمل في السفينة من آمن معك، وإفراد الأهل منهم للاستثناء المذكور، وإيثار صيغة الإفراد في (آمن) محافظة على لفظ: (من) للإيذان بقلة المؤمنين، بدليل قوله بعدها مباشرة: ((وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ)).

стр. 1407

تفسير قوله تعالى: (وقال اركبوا فيها باسم الله مجراها ومرساها) قال تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود:٤١]. ((وقال اركبوا فيها)) أي: قال نوح ﵇ لمن معه من المؤمنين: اركبوا في السفينة. ((باسم الله مجراها ومرساها)) قال الزمخشري: ويجوز أن يكون كلاماً واحداً وكلامين، فالكلام الواحد أن يتصل باسم الله باركبوا حالاً من الواو بمعنى: اركبوا فيها مسمين الله، أو قائلين باسم الله وقت إجرائها ووقت إرسائها؛ إما لأن المجرى والمرسى للوقت، وإما لأنهما مصدران كالإجراء والإرساء، حذف منهما الوقت المضاف كقولهم: خفوق النجم ومقدم الحاج، ويجوز أن يراد مكانا الإجراء والإرساء، وانتصابهما بما في باسم الله من معنى الفعل، أو بما فيه من إرادة القول. ثم يقول: والكلامان أن يكون: ((باسم الله مجراها ومرساها)) جملة من مبتدأ وخبر مقتضبة أي: باسم الله إجراؤها وإرساؤها. يروى أنه كان إذا أراد أن تجري قال: باسم الله فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال: باسم الله فرست، ويجوز أن يقحم الاسم كقوله: ثم اسم السلام عليكما، كما قال الشاعر: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر ويراد بالله إجراؤها وإرساؤها، أي: بقدرة الله وبأمره ﵎. فإن قلت: ما معنى قولك: جملة مقتضبة؟ قلت: معناه: أن نوحاً ﵇ أمرهم بالركوب، ثم أخبرهم بأن مجراها ومرساها بذكر اسم الله أو بأمره وقدرته. ويحتمل أن تكون غير مقتضبة بأن تكون في موضع الحال من ضمير الفلك، كأنه قيل: اركبوا فيها مجراة ومرساة باسم الله. وأخذ بعض العلماء من الوجه الأول استحباب التسمية وذكره تعالى عند ابتداء الجري والإرساء، وعندنا ما يؤيد ذلك القول من القرآن الكريم في موضعين: في سورة المؤمنون، وفي سورة الزخرف. في سورة المؤمنون: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ [المؤمنون:٢٩]. وفي سورة الزخرف: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٢ - ١٤]. وجاءت السنة بالحث على ذلك والندب إليه أيضاً، لكن هناك فرق بين اللفظ الذي ورد في القرآن واللفظ الذي ورد في السنة، ففي القرآن: ﴿وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ [الزخرف:١٣] أما في السنة فقد جاء بصيغة: (الحمد لله الذي سخر لنا هذا). قوله : ((إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)): جملة مستأنفة بياناً لموجب الإنجاء من الغرق، يعني: أن الذي يوجب الإنجاء هو محض رحمة الله ، فلولا مغفرة الله ورحمته لغرقتم وهلكتم مثل قومكم. وقيل: إن قوله: ((إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)) تعليل لاركبوا؛ لما فيه من الإشارة إلى النجاة، فكأنه قيل: اركبوا لينجيكم الله.

стр. 1408

تفسير قوله تعالى: (وهي تجري بهم في موج كالجبال) قال تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود:٤٢]. ((وهي تجري بهم)) هذا متصل بكلام محذوف، يدل عليه قوله تعالى: ((اركبوا)) فيكون الكلام المقدر: فركبوا مسمين كما أمر نوح وهي تجري بهم. ((في موج كالجبال)): وذلك عندما تفتحت أبواب السماء بالماء، وتفجرت ينابيع الأرض، فتعاظمت المياه، وعلت أكناف الأرض، وارتفعت فوق الجبال الشامخة بخمسة عشر ذراعاً، وكان ما يرتفع من الماء عند اضطرابه من عظمة هذه الأمواج فإنك تراها في علوها مثل الجبال، يعني: انظر الأمواج حينما تغمر وجه الأرض وترتفع فوق أعالي رءوس الجبال الموجودة على ظاهر الأرض، ليس هذا فحسب بل الأمواج نفسها التي تكونت بعد ذلك كانت كالجبال في حد ذاتها! ((ونادى نوح ابنه وكان في معزل)) أي: في منحنىً عن أبيه: ((يا بني اركب معنا)) أي: ادخل في ديننا واصحبنا في السفينة الخاصة بالمؤمنين، وليس المقصود أن نوحاً ﵇ ينادي ابنه أن يركب في السفينة وهو ليس من المؤمنين، وإنما المقصود أن ائت بالسبب الذي ينجيك من الهلاك، بأن تدخل أولاً في ديننا ثم تركب معنا في هذه السفينة. ((ولا تكن مع الكافرين)) أي: لا تكن مع الهالكين، فدين الكفر هالك، والانعزال والانزواء إلى معسكر الكافرين أيضاً نهايته الهلكة. أو: ((ولا تكن مع الكافرين)) أي: في دينهم وفي عزلتهم.

стр. 1409

تفسير قوله تعالى: (قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء) ((قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ)) يعني: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء وبالتالي لن أغرق. ((قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ)) أي: لا مانع اليوم من أمر الله وبلاء الله، أي: الطوفان. ((إلا من رحم)) أي: إلا الذي يرحم، وهو الله ، لكن بدل أن يقول: إلا الله، ذكره بصفته وهي الرحمة. والمعنى: لا عاصم اليوم من أمر الله، إلا من ﵀ فهو المعصوم. قال الناصر: الاحتمالات الممكنة أربعة: لا عاصم إلا راحم وهو الله. أو: لا معصوم إلا مرحوم. أو: لا عاصم إلا مرحوم. أو: لا معصوم إلا راحم. أو: لا مكان عاصم إلا مكان مرحوم وهو السفينة. والمراد بالنفي التعريض بعدم عصمة الجبل؛ لأنه زعم أن الجبل يعصمه: ((قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ)) يعني: لا مكان عاصم إلا مكان مرحوم، والمكان المرحوم هو السفينة. ((وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ)) أي: صار حائلاً بين نوح وابنه. وقيل: بين ابنه والجبل لارتفاعه فوقه. على القول الأول يكون المعنى: أنه بينما نوح يخاطب ابنه ويرد عليه ابنه، إذا بالموج يحسم هذه المناقشة وهذا الحوار، فصار الموج حائلاً بين نوح وابنه. وعلى الثاني يكون المعنى: أنه حال الموج بين ابن نوح وبين الجبل الذي زعم أنه يعصمه من الماء؛ لأنه واقف على الجبل يرد على أبيه، فإذا بالموج الذي هو أعلى من الجبل يطيح به ويغرقه. ((فكان من المغرقين)) أي: مع كونه فوق الجبل فقد كان من الهالكين بالغرق. وفي الآية دلالة على هلاك سائر الكفرة على أبلغ وجه، فكان ذلك أمراً مقرر الوقوع غير مفتقر إلى البيان. يعني: إذا كان هذا مصير ابن نوح الذي صعد إلى أعلى جبل وظن أنه يعصمه من الماء، فكيف بمن كان في مكان دونه من سائر الكفرة؟! لذلك لم يتعرض القرآن لإهلاك سائر الكفرة؛ لأنه يفهم من كون ابن نوح هلك وأغرق مع أنه كان في أعلى جبل، وكان واثقاً من أنه سيعصمه من الماء، فمن الأولى أن من كان دونه قد أهلك، فلا يفتقر إلى البيان. ولا شك أن في إيراد (كان) دون (صار) مبالغة في كونه منهم، فلم يقل الله تعالى: وحال بينهما الموج فصار من المغرقين، لكنه قال: ((فكان من المغرقين)).

стр. 1410

تفسير قوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي) قال تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود:٤٤]. فيها إعلام بأنه لما غرق أهل الأرض ولم يبق ممن كفر بالله ديار استجابة لدعاء نوح ﵇، ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح:٢٦] أمر الله تعالى الأرض أن تبلع ماءها الذي نبع منها، واجتمع عليها، وأمر السماء أن تقلع عن المطر، فنضب الماء، وقضي أمر الله بإنجاء من نجا وإهلاك من هلك، ولما أخذت المياه تتناقص وتتراجع إلى الأرض شيئاً فشيئاً، وظهرت رءوس الجبال، استقرت السفينة على الجودي، وهو جبل بالجزيرة قرب الموصل. ((وقيل بعداً)): مصدر منصوب بمقدر، أي: وبعدوا بعداً، والعرب يقولون ذلك إذا أرادوا البعد البعيد من حيث الهلاك والموت ونحوه، ولذلك اختص بدعاء السوء. وبعداً له مثل: سحقاً أو جدعاً. ((للقوم الظالمين)) فاللام متعلقة بمحذوف، أو للبيان، أو متعلقة بقيل، أي: قيل لأجلهم هذا القول: بعداً للقوم الظالمين! لم يقل تعالى: وقيل بعداً لهم، أو بعداً للمغرقين وإنما قال: ((وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) للإشعار بأن علة الإهلاك هي الظلم الذي تلبسوا به، ولتذكر ما سبق من قوله: ((وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ)).

стр. 1411

جهات الإعجاز العلمي في قوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك) كما أشرنا من قبل أن إعجاز القرآن الكريم علم مستقل من علوم القرآن الكريم، وهو من العلوم المهمة التي نحن في أشد الحاجة إلى تدارسها، ولاشك أن كل آية من القرآن الكريم فيها إعجاز، وهذه الآية من الآيات التي فيها من مظاهر الإعجاز ما حير ألباب فطاحل البلاغة والبيان والبديع وسائر علوم الإعجاز. وقد ذكر القاسمي هنا فصلاً طويلاً نسبياً في هذا الموضوع، وسنمر عليه بدون تعليقات كثيرة. يقول القاسمي: (هذه الآية بلغت من أسرار الإعجاز غايتها، وحوت من بدائع الفرائد نهايتها، وقد اهتم علماء البيان بإيضاح تحب من لطائفها، ومن أوسعهم مجالاً في مضمار معارفها الإمام السكاكي فقد أطال وأطاب في كتابه المفتاح، وتلطف في البيان بألطف من نسيم الصباح، ونحن نورده بتمامه لنعطر الألباب بعرف مبتدئه ومسك ختامه، قال عليه الرحمة في بحث البلاغة والفصاحة، وتعريفها الأول: بأنها بلوغ المتكلم في تأدية المعاني حداً له اختصاص بتوفية خواص التراكيب حقها، وإيراد أنواع التشبيه والمجاز والكناية على وجهها، ثم تقديمه للفصاحة إلى ما يرجع إلى المعنى، وهو خلوص الكلام عن التعقيد، وإلى اللفظ وهو كونه عربياً أصلياً، جارياً على قوانين اللغة، أدور على ألسنة الفصحاء، وأكثر في الاستعمال. يقول: وإذ قد وقفت على البلاغة وعثرت على الفصاحة المعنوية واللفظية، فأنا أذكر على سبيل الأنموذج آية أكشف لك فيها عن وجوه البلاغة والفصاحتين ما عسى يسترها عنك، ثم إن ساعدك الذوق أدركت منها ما قد أدرك من تحدوا بها. يعني: أن من تحدوا بها من جهابذة اللغة والبلاغة والبيان والأدب وهم فحول قريش، قد رأوا بما عندهم من مفاهم البلاغة ومعرفتها ما أعجزهم عن أن يأتوا بمثل القرآن الكريم، فهذه المعاني أدركها هؤلاء لعلو شأوهم في الفصاحة وفي البلاغة، وعجزوا عن أن يأتوا بمثلها. يقول: وهي قوله علت كلمته: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود:٤٤]، والنظر في هذه الآية من أربعة جهات: من جهة علم البيان. ومن جهة علم المعاني، وهما مرجعا البلاغة. ومن جهة الفصاحة المعنوية. ومن جهة الفصاحة اللفظية.

стр. 1412

الجهة الأولى: علم البيان في قوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك) أما النظر فيها من جهة علم البيان، وهو النظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بها فنقول: إنه عز سلطانه لما أراد أن يبين معنى: أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض، وأن نقضي أمر نوح، وهو إنجاز ما كنا وعدنا من إغراق قومه فقضي، وأن نسوي السفينة على الجودي فاستوت، وأبقينا الظلمة غرقى، بنى الكلام على تشبيه المراد منه بالمأمور الذي لا يتأتى منه -لكمال هيبته- العصيان، وتشبيه تكوين المراد بالأمر الجازم النافذ في تكوين المقصود، تصويراً لاقتداره العظيم، وأن السماوات والأرض وهذه الأجرام العظام تابعة لإرادته، إيجاداً وعدماً، ولمشيئته تغييراً وتبديلاً كأنها عقلاء مميزون قد عرفوه حق معرفته. لا شك أنه لا ينبغي القول بأن القرآن فيه مجاز، لأنه لا مانع على الإطلاق أن الله يخلق في الأرض إدراكاً بحيث تخاطب، كما في هذا الموضع: ((وقيل يا أرض ابلعي ماءك)) ما المانع أن يخاطب الله الأرض فتمتثل حقيقة هذا الأمر؟! وكذلك قوله: ((ويا سماء أقلعي))، وقد قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]، ما الذي يمنع أن يكون القول حقيقياً، وأن تكون الإجابة منهما أيضاً حقيقية. يقول: كأنها عقلاء مميزون قد عرفوه حق معرفته، وأحاطوا علماً بوجوب الانقياد لأمره، والإذعان لحكمه، وتحتم بذل المجهود عليهم في تحصيل مراده، وتصور مزيد اقتداره، فعظمت مهابته في نفوسهم، وضربت سرادقها في أفنية ضمائرهم، فكما يلوح لهم إشارته، كان المشار إليه مقدماً، وكما يرد عليهم أمره كان المأمور به متمماً، لا تلقي لإشارته بغير الإمضاء والانقياد، ولا لأمره بغير الإذعان والامتثال. ثم بنى على تشبيهه هذا نظم الكلام فقال جل وعلا: (وقيل) على سبيل المجاز المرسل عن الإرادة الواقع بسببها قول القائل، وجعل قرينة المجاز الخطاب للجماد وهو (يا أرض!) (ويا سماء!). ثم قال كما ترى: (يا أرض!) (ويا سماء!) مخاطباً لهما على سبيل الاستعارة للشبه المذكور، ثم استعار لمرور الماء في الأرض البلع: (ابلعي ماءك) الذي هو إعمال الجاذبة في المطعوم للشبه بينهما، وهو الذهاب إلى مقر خفي، ثم استعار الماء للغذاء استعارة بالكناية تشبيهاً له بالغذاء؛ لتقوى الأرض بالماء في الإنبات للزروع والأشجار تقوي الآكل بالطعام، وجعل قرينة الاستعارة لفظة (ابلعي) لكونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء. ثم أمر على سبيل الاستعارة للشبه المقدم ذكره، وخاطب في الأمر ترشيحاً لاستعارة النداء. ثم قال: ((وقيل يا أرض ابلعي ماءك)) بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز، تشبيهاً لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك، يعني: كأن الأرض تملك هذا الماء. واختار ضمير الخطاب لأجل الترشيح، ثم اختار لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل فعله للشبه بينهما في عدم ما كان، ثم أمر على سبيل الاستعارة وخاطب في الأمر قائلاً: ((ويا سماء أقلعي)) بمثلما تقدم في ((ابلعي)) ثم قال: ((وغيض الماء)) فلم يصرح بمن غاض الماء. ((وقضي الأمر)): ولم يصرح أيضاً بمن قضي عليه الأمر، ومن سوى السفينة. ((وقيل بعداً)) كما لم يصرح بقائل: (يا أرض!) (ويا سماء!) في صدر الآية. سلك في كل واحد من ذلك سبيل الكناية، بمعنى: أن تلك الأمور العظام لا تتأتى إلا من ذي قدرة قهار لا يغالب، فلا مجال لذهاب الوهم إلى أن يكون غيره -جلت عظمته- قائلاً: (يا أرض!) (ويا سماء!). هذه حقيقة مقررة لا تحتاج لبيانها وتوضيحها؛ لأنه لا يتصور أن يقدر على هذه الأفعال إلا الله ، ولذلك قال: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود:٤٤]. فهو قهار لا يغالب، فلا مجال لذهاب الوهم أن يكون غيره -جلت عظمته- هو قائل: (يا أرض!) (ويا سماء!) ولا غائض مثلما غاض، ولا قاضي مثل ذلك الأمر الهائل، وأن تكون تسوية السفينة وإقرارها بتسوية غيره وإقراره، ثم ختم الكلام بالتعريض بالدعاء على قوم نوح بالهلاك: ((وقيل بعداً للقوم الظالمين)) تنبيهاً لسالكي مسلكهم في تكذيب الرسل ظلماً لأنفسهم، وإظهار لمكان السخط، ولجهة استحقاقهم إياه، وأن قيامة الطوفان وتلك الصورة الهائلة ما كانت إلا لظلمهم.

стр. 1413

الجهة الثانية: علم المعاني في قوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك) قال: أما النظر فيها من حيث علم المعاني، وهو النظر في فائدة كل كلمة منها، وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها، فذلك أنه اختير (يا) دون سائر أخواتها؛ لكونها أكثر في الاستعمال، وأنها دالة على بعد المنادى الذي يستدعيه مقام إظهار العظمة. المقام هنا مقام إظهار عظمة الله ، فيناسب أن تنادى الأرض والسماء بنداء البعيد: (يا أرض!) (ويا سماء!) فمقام العظمة يستدعي وجود البعد بين مرتبة الخالق الآمر والمخلوق الذي يؤمر هنا. قال: وأنها دالة على بعد المنادى الذي يستدعيه مقام إظهار العظمة وإبداء شأن العزة والجبروت، وهو تبعيد المنادى المؤذن بالتهاون به، ولم يقل: يا أرضي بالإضافة؛ لإبداء التهاون. يعني: لو أنه قال: يا أرضي ابلعي ماءك، فمثل هذه الإضافة يكون فيها تكريم للأرض وتشريف، لكنه قال: (يا أرض ابلعي ماءك) لإبداء التهاون، فترك هذه النسبة. ولم يقل: يا أيتها الأرض! لقصد الاختصار، مع الاحتراز عما في (أيتها) من تكلف التنبيه غير المناسب للمقام. واختير لفظ الأرض دون سائر أسمائها؛ لكونها أخف وأدوم، دون سائر أسمائها. أي: كالغبراء أو المقلة من أسماء الأرض؛ لكنه استعمل لفظة الأرض. واختير لفظ السماء بمثلما تقدم في الأرض. أي: لم يقل: الخضراء أو المظلة أو غير ذلك من أسماء السماء، مع قصد المطابقة؛ لأنها في مقابلة الأرض. واختير لفظ: (ابلعي) على ابتلعي؛ لكونه أقصر، ولمجيء خط التجانس بينه وبين (أقلعي). ((وقيل يا أرض ابلعي ماءك)) لما كان في الجمع من صورة الاستكثار المتأبي عنها مقام إظهار الكبرياء والجبروت، وهو الوجه في إفراد الأرض والسماء، وإنما لم يقل: ابلعي بدون المفعول؛ لئلا يستلزم تركه ما ليس بمراد من تعميم الابتلاع للجبال والتلال والبحار وساكنات الماء بأسرهن، نظراً إلى مقام ورود الأمر الذي هو مقام عظمة وكبرياء؛ لأنه ممكن أن الأرض تبتلع الجبال وتبتلع التلال وتبتلع البحار، لكن قال: ((وقيل يا أرض ابلعي ماءك)). ثم بيَّن المراد واختصر الكلام مع أقلعي: ((ويا سماء أقلعي)) ولا يحتاج هنا إلى أن يذكر أقلعي عن الماء؛ احترازاً عن الحشو المستغنى عنه. وهو الوجه في أن ((قيل يا أرض ابلعي ماءك)) فبلعت ((ويا سماء أقلعي)) فأقلعت. واختير غيض على غيّض المشدد لكونه أقصر. وقيل: ((وغيض الماء)) ولم يقل: وغيض ماء طوفان السماء. وقيل: ((وقضى الأمر)) دون أن يقال: أمر نوح، وهو إنجاز ما كان الله وعد نوحاً من إهلاك قومه؛ لقصد الاقتصار والاستغناء بحرف التعريف عن ذلك. وقيل: ((واستوت على الجودي)) ولم يقل: سويت على الجودي؛ بمعنى: أقرت على الجودي. وقيل: وغيض وقضي بالبناء للمفعول اعتباراً ببناء الفعل للفاعل مع السفينة، في قوله: ((وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ))، فلما جاء ذكر السفينة بني الفعل للمعلوم فناسب أن يقول هنا: ((واستوت)) ولم يقل: وسويت على الجودي جرياً على السياق الذي جرى من قبل وهو قوله: ((وهي تجري بهم في موج)) مع قصد الاختصار في اللفظ. ثم قال: ((وقيل بعداً للقوم)) ولم يقل: ليبعد القوم؛ طلباً للتأكيد مع الاختصار، وهو نزول (بعداً) وحده منزلة ليبعدوا بعداً، مع فائدة أخرى: وهي استعمال اللام مع بعداً الدال على معنى أن البعد لصيق بهم وحق له؛ لأنه لو قال: ليبعد القوم لما ظهرت اللام. ((الظالمين)) هنا أطلق الظلم ليتناول كل نوع حتى يدخل فيه ظلمهم أنفسهم، لزيادة التنبيه على فظاعة سوء اختيارهم في تكذيب الرسل. هذا من حيث النظر إلى تركيب الكلمة والألفاظ، وأما من حيث النظر إلى تركيب الجمل فذاك أنه قد قدم النداء على الأمر: ((وقيل يا أرض ابلعي ويا سماء أقلعي)) ولم يقل: ابلعي يا أرض! ولم يقل: أقلعي يا سماء! جرياً على مقتضى اللازم فيمن كان مأموراً حقيقة من تقديم التنبيه؛ ليمكن الأمر الوارد عقبه في نفس المنادى. ثم قدم أمر الأرض على أمر السماء: ((وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي))؛ لأن الطوفان ابتدأ من الأرض، وبنزولها منزلة الأصل، والأصل بالتقديم أولى. ثم أتبعهما قوله: ((وغيض الماء)) لاتصاله بقصة الماء، وغيض الماء النازل من السماء فغاض، ثم أتبعه ما هو مقصود من القصة وهو قوله: ((وقضي الأمر)) أي: بإنجاء نوح ومن معه في السفينة، ثم أتبعه حديث السفينة وهو قوله: ((واستوت على الجودي))، ثم ختمت القصة بما ختمت وهو التعريض الذي سبق بيانه. هذا كله نظر في الآية من جانبي البلاغة.

стр. 1414

الجهة الثالثة: الفصاحة المعنوية في قوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك) أما النظر فيها من جانب الفصاحة المعنوية: فهي كما ترى نظم للمعاني لطيف، وتأدية لها ملخصة مبينة، وفي أوجز وأقصر عبارة وأبلغها يقول : ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود:٤٤]، لا تعقيد يعكر الفكرة في طلب المراد، ولا التواء يشيك الطريق إلى المراد، بل إذا جربت نفسك عند اجتماعها وجدت ألفاظها تسابق معانيها ومعانيها تسابق ألفاظها، فما من لفظة في تركيب الآية ونظمها تسبق إلى أذنك إلا ومعناها أسبق إلى قلبك. وهذا من أعظم مظاهر الإعجاز في هذه الآية الكريمة، فكأن المعنى في مسابقة مع اللفظ حتى كاد المعنى يسبق إلى قلبك قبل أن يصل اللفظ إلى أذنك من شدة الوضوح وسلاسة التعبير.

стр. 1415

الجهة الرابعة: الفصاحة اللفظية في قوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك) أما النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية، فألفاظها على ما ترى عربية مستعملة، جارية على قوانين اللغة، سليمة من التنافر، بعيدة عن البشاعة، عذبة على العذبات، سلسة على الأسلات، كل منها كالماء في السلاسة، وكالعسل في الحلاوة، وكالنسيم في الرقة، ولله در شأن التنزيل لا يتأمل العالم آية من آياته إلا أدرك لطائف لا تسع الحصر. ولا تظنن هذه الآية الكريمة مقصورة على ما ذكرت من البلاغة والفصاحة، وإنما هذه مجرد إشارات، لكن من تمعن وتحرى سيجد ما هو أضعاف أضعاف هذه الفوائد، ولعل ما تركت أكثر مما ذكرت، لأن المقصود لم يكن إلا مجرد الإشارة بكيفية اجتناء ثمرات علمي المعاني والبيان، وأن لا علم في باب التفسير بعد علم الأصول أقرأ منهما عن المرء لمراد الله تعالى من كلامه، ولا أعون على تعاطي تأويل مشتبهاته، ولا أنفع في درك لطائف نكته وأسراره، ولا أكشف للقناع على وجه إعجازه، وهو الذي يوفي كلام رب العزة من البلاغة حقه، ويصون له في مظان التأويل ماءه ورونقه، ولكَم من آية من آيات القرآن تراها قد ضيمت حقها، واستلبت ماؤها ورونقها، إن وقعت إلى من ليسوا من أهل هذا العلم، فأخذوا بها في مآخذ مردودة، وحملوها على محامل غير مقصودة، وهم لا يدرون ولا يدرون أنهم لا يدرون، فتلك الآي من مآخذهم في عويل، ومن محاملهم على ويل طويل: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٤]. انتهى كلام السكاكي.

стр. 1416

ذكر من ألف ذكر شيئاً في إعجاز الآية الكريمة وقد تصدى أبو حيان أيضاً في تفسيره المسمى بالنهر للطائفها، وساق أحداً وعشرين نوعاً من البديع. وألف السيد محمد بن إسماعيل الأمير رسالة مستقلة في هذه الآية الكريمة سماها: النهر المورود في تفسير آية هود، وهي في استخراج أوجه الإعجاز والبلاغة في هذه الآية الكريمة، أورد تلك الأنواع البديعية أيضاً وهي: المناسبة، والمطابقة، والمجاز، والاستعارة، والإشارة، والتمثيل، والإرداف، والتعليل، وحسن التقسيم، والاحتراف، والإيضاح، والمساواة، وحسن النسق، والإيجاز، والتسهيم، والتهذيب، وحسن البيان، والتمكين، والتجنيس، والمقابلة، والذم، والوصف. إن هذا البحث يحتاج إلى تفصيل أكثر من هذا، لكن هذا أنموذج من الثمرات التي يقطفها العلماء من علم إعجاز القرآن الكريم، انظر كم من عناوين لبعض البحوث لا نعرف معناها مثل: التسهيم والاحتراف والإيضاح، وغير هذه من الاصطلاحات الفنية في علم البلاغة، ومن خبرها وسبر غورها فإنه يستطيع أن يتذوق حلاوة القرآن الكريم. فهذه إشارة وأنموذج لما يمكن أن يستنبط من الكنوز من كلام الله فإنه ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢]. فإذاً علم الإعجاز علم ضخم جداً وعلم عالي القدر، وهو من أشرف علوم القرآن الكريم. المؤلفات في إعجاز القرآن كثيرة جداً، لكن هذا بحر لا يتمكن من الغوص فيه إلا من كان خبيراً بهذا الغوص؛ حتى يستطيع أن يستخرج هذه اللآلئ.

стр. 1417

تفسير قوله تعالى: (ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي) قال تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود:٤٥]. ((ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي)) هذا إعلام بأن نوحاً حملته شفقة الأبوة وعاطفة الرحم والقرابة على طلب نجاته؛ لشدة تعلقه به واهتمامه بأمره، وقد راعى مع ذلك أدب الحضرة الإلهية وحسن السؤال فقال: ((وإن وعدك الحق)) ولم يقل: لا تخلف وعدك بإنجاء أهلي. وإنما قال نوح ذلك لفهمه من الأهل أن ابنه يدخل في أهله الذين وعدهم الله بالإنجاء، ففهم من الأهل ذوي القرابة الصورية والرحم النسبية، ولفرط التأسف على ابنه غفل عن أن ابنه مستثنى، وذلك لقوله ﵎: ((وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ))، ولم يتحقق أن ابنه هو الذي سبق عليه القول، فاستعطف ربه بالاسترحام وعرض بقوله: ((وأنت أحكم الحاكمين)) أي: أنك العادل والحكيم الذي لا يخلف وعده.

стр. 1418

تفسير قوله تعالى: (قال يا نوح إنه ليس من أهلك) ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦] أي: ليس من أهلك الموعود إنجاءهم بل هو من المستثنين لكفرهم. لا ينبغي أبداً أن يفهم من قوله: ((إنه ليس من أهلك)) أنه ليس من صلبك؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم:١٠]، أي: فخانتاهما في العقيدة وفي الإيمان، وليست الخيانة المعروفة بارتكاب الفاحشة؛ لأنه يستحيل أن امرأة نبي ترتكب الفاحشة، فبعض الناس قد يربط بين قوله: ((فخانتاهما)) وبين قوله: ((إنه ليس من أهلك)) فنقول: لا هو من أهله من حيث إنه من صلبك، لكن المقصود أنه من أهلك الذين استثنيتهم بقولي: ((وأهلك إلا من سبق عليه القول)). أو ((يا نوح إنه ليس من أهلك)) أي: هو ليس من أهلك أصلاً؛ لأن مدار الأهلية هو القرابة الدينية ولا علاقة بين المؤمن والكافر، وذلك لقوله: ((إنه عملٌ غير صالح)) أو ((إنه عَمِلَ غير صالح)) في هذه إشارة إلى أن القرابة الحقيقية هي القرابة في الدين وأخوة الدين. وكما هو معلوم لو أن رجلاً مؤمناً مات وترك مالاً كثيراً، ولم يترك من ورثته إلا ابناً له كافر، فبإجماع العلماء لا يرثه ابنه الكافر، وإنما يئول ماله إلى إخوانه المسلمين، فقدمت رابطة العقيدة على رابطة النسب، فكذلك قوله تعالى هنا: ((إنه ليس من أهلك)) أي: ليس من أهلك الذين هم على دينك وعقيدتك وقرابتك الدينية، ولا علاقة ولا موالاة بين المؤمن والكافر. قال القاشاني: أي أن أهلك في الحقيقة هو الذي بينك وبينه القرابة الدينية، واللحمة المعنوية، والاتصال الحقيقي لا الصوري، كما قال أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه: ألا وإن ولي محمد من أطاع الله وإن بعدت لحمته، ألا وإن عدو محمد ﷺ من عصى الله وإن قربت لحمته. يعني كما قال الشاعر: لقد رفع الإسلام سلمان فارسٍ وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب وسبب النجاة ليس إلا الصلاح، وهذا لم يكن صالحاً، وليس سبب النجاة قرابته منك بحسب القرابة اللحمية النسبية، فمن لا صلاح له لا نجاة له، وهذا سر إيثار كلمة ((غير صالح)) على عمل فاشل، أو عمل فاسد؛ لأن مناط النجاة إنما هو الصلاح. وقد قرأ يعقوب والكسائي: (إنه عَمِلَ غير صالح)، أي أن ابنك عمل عملاً غير صالح، والباقون قرءوها بلفظ المصدر بجعله نفس العمل مبالغة كما بينا. و (غير) على قراءة يعقوب والكسائي تكون مفعولاً به. قوله: ((فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)) أي: لا تلتمس مني ملتمساً لا تعلم أصواب هو أم غير صواب، حتى تقف على كنهه. قالوا: والنهي إنما هو عن سؤال ما لا حاجة إليه أصلاً، إما لأنه لا يهم، أو لأنه قامت القرائن على حاله كما هنا ((فلا تسألن ما ليس لك به علم)). أما إن كان السؤال من أجل الاسترشاد واستفادة العلم فهذا لا حرج فيه. قوله: ((إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)) أي: أنهاك أن تكون منهم بسؤالك إياي ما لم تعلم. وقد تنبه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عند ذلك التأديب الإلهي والعقاب الرباني وتعوذ بقوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:٤٧].

стр. 1419

تفسير قوله تعالى: (قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم) قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:٤٧] يعني: ما فرط مني، ((وَتَرْحَمْنِي)) أي: بالوقوف على ما تحب وترضى، ((أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ)) أي: الذين خسروا أنفسهم بالاحتجاب عن رحمتك. قال القاسمي: تنبيه: ظاهر التنزيل أن ابنه المذكور لصلبه، ويروى عن الحسن ومجاهد ومحمد بن جعفر الباقر أنه كان ابن امرأته أي أنه ربيبه، وأيده بعضهم بقراءة علي: (ونادى نوح ابنها) والله تعالى أعلم. لكن ظاهر القرآن أنه ابنه من صلبه، ولا دليل على هذا الذي رواه أو ذكره.

стр. 1420

تفسير قوله تعالى: (قيل يا نوح اهبط بسلام منا) لقد أخبر تعالى عما قال لنوح ﵇ بعد أن أرست السفينة على الجودي بقوله: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [هود:٤٨]. ذكر في إحدى الجرائد في أمريكا -وعندي صورة المقالة- أنه اكتشف هيكل أو جسم سفينة نوح ﵇ في منطقة فيها تسمى الجودي، وهناك بعض القنوات في التلفاز في أمريكا مختصة بالقضايا العلمية أو الظواهر الطبيعية، ومن ضمن هذه البرامج حلقة مخصوصة عن سفينة نوح ﵇، وقد أرسل لي أحد الإخوة شريطاً، لكني حتى الآن لم أتمكن من رؤيته؛ لأني أعرف أن الناس الذين عندهم (فيديو) غالبهم غير ملتزمين بالدين، فلا نحب أن نظهر لهم الاحتياج إليهم حتى نرى، لكن قرأت التعليق على هذا الشريط في الجريدة، وذكروا أنه اكتشفت سفينة نوح في هذا المكان. ((قيل يا نوح اهبط)) أي: أنزل من السفينة. ((بسلام منا)) أي: بسلامة منا. ((وبركات عليك وعلى أمم ممن معك)) أي: ممن معك في السفينة على دينك وطريقتك إلى آخر الزمان ((وأمم)) أي: ومنهم أمم ((سنمتعهم)) أي: في الحياة الدنيا لتعلقهم بها ((ثم يمسهم منا عذاب أليم)) أي: في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما. في الحقيقة أن من إعجاز القرآن الكريم تكرر حرف الميم فيها كثيراً، ومع ذلك لا يشعر القارئ بأي ثقل له على اللسان، مع أنه لو كان في غير القرآن لشعرت بثقل الحرف، لكن مع تكراره لا تكاد تشعر بهذا التكرار، هذا أيضاً مما أشار إليه بعض العلماء في إعجاز القرآن الكريم.

стр. 1421

كلام العلماء في الطوفان الذي وقع لقوم نوح ذهب العلماء في الطوفان مذاهب شتى، فالأكثرون على أنه عم الأرض بأسرها، ومن ذاهب إلى أنه لم يعم إلا الأرض المأهولة حينئذٍ بالبشر، ومن جانح إلى أنه لم يعمها كلها ولم يهلك البشر كلهم، ولكل فريق حجج يدعم بها مذهبه. خلاصة الكلام أن الحق ما عليه أهل الشرائع في أن نوحاً ﵇ لما أنجاه الله ومن معه بالسفينة نزل بهم فماتوا بعد ذلك ولم يعقبوا، وصار العاقب في أولاد نوح الثلاثة، ويؤيد هذا قول الله تعالى عن نوح: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات:٧٧]. يقول المقريزي في الخطط: هم ثمانون رجلاً سوى أولاده، فمات الثمانون وبقي أولاده الثلاثة ومنهم خرج الجنس البشري. وذلك باعتبار أن نوحاً هو أبو البشر الثاني. وقال ابن خلدون: اتفقوا على أن الطوفان الذي كان في زمن نوح وبدعوته ذهب بعمران الأرض أجمع؛ لما كان من خراب المعمور، وهلك الذين ركبوا معه في السفينة ولم يعقبوا، فصار أهل الأرض كلهم من نسله، وصار أباً ثانياً للخليقة، ولذلك قيل: إنه أبو البشرية الثاني بعد آدم ﵇. قال بعضهم في تقرير عموم الطوفان مبرهناً عليه: إن مياه الطوفان قد تركت آثاراً عجيبة في طبقات الأرض الظاهرة، فيشاهد في أماكن رواسب بحرية ممتزجة بالأصداف. الذين يدرسون الجيولوجيا يعرفون هذا جيداً، ففي بعض الأماكن من الأرض التي هي بعيدة تماماً عن البحار يجدون آثاراً بحرية، وحفريات من الكائنات البحرية، فهذا مما يؤيد عموم الطوفان للأرض كلها. يقول: وقد تركت آثاراً عجيبة في طبقات الأرض الظاهرة، فيشاهد في أماكن رواسب بحرية ممتزجة بالأصداف حتى في قمم الجبال، ويرى في السهول والمفاوز بقايا حيوانية ونباتية مختلطة بمواد بحرية، بعضها ظاهر على سطحها وبعضها مدفون على مقربة منها، واكتشف في الكهوف عظام حيوانية متخالفة الطباع، بعيدة الائتلاف، معها بقايا آلات صناعية وآثار بشرية، مما يثبت أن طوفاناً قادها إلى ذلك المكان وجمعها قسراً فأبادها، فتغلغلت بين طبقات الطين، فتحجرت وظلت شاهدة على ما كان بأمر الخالق ﵎. إن قائل هذا الكلام ليس باحثاً من علماء الجيولوجيا، وإنما هو ابن خلدون. واستظهر بعضهم أن الطوفان كان عاماً، إذ لم يكن العمران قائماً إلا لقوم نوح، فكان عاماً لهم وإن كان من جهة خاصاً بهم، إذ ليس ثم غيرهم. قال: هبط آدم إلى الأرض وهو ليس بأمة، لذا مرت عليه قرون ولَّدت أمماً، بل هو واحد تمضي عليه السنون، بل قرون، ونمو عشيرته لا يكون إلا كما يتقلص الظل قليلاً قليلاً، من آدم إلى نوح ثمانية أبناء، فإن كان ثمانية آباء يعطون من الذرية أضعافاً وآلافاً حتى يطئوا وجه الأرض بالأقدام وينشروا العمران في تلك الأيام، فتلك قضية من أعظم ما يذكره التاريخ أعجوبة للعالمين، أما تلك الجبال التي وجدت فوقها عظام الأسماك، فإن كانت مما وصل إليه الطوفان من المكان الخاص الذي سبق به البيان فلا برهان، وإن كان في غير ذلك المكان فإن لم يكن وضعها إنسان كما وجدها إنسان، كان نقل الجوارح والكواسر لتلك العظام إلى تلك الجبال مما يسوغه الإمكان. على أي الأحوال يقولون: الطوفان خاص وعام، خاص بمكان، عام لسائر المكان. يبدو أن القاسمي كان يريد التوسع في هذا البحث، يقولون: إنه ترك فراغاً قدره ثلاث صفحات وثلث صفحة في هذا الموضع، مما يشير أنه كان يريد التفصيل فيه، لكن يبدو أنه عاجلته المنية ﵀.

стр. 1422

تفسير قوله تعالى: (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك) يقول تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود:٤٩]. ((تلك)) إشارة إلى قصة نوح ﵇ ((من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا)) أي: من قبل هذا الإيحاء إليك، والإخبار بها، وفي ذكرهم تنبيه على أنه لم يتعلمها إذ لم يخالط غيرهم، ((ولا قومك)) أي مع كثرتهم لم يسمعوا بها. ((فاصبر)) أي: على تبليغ الرسالة وأذى قومك كما صبر نوح ﵇، وتوقع في العاقبة لك ولمن كذبك نحو ما قضي لنوح ولقومه، كذا في الكشاف. ((فاصبر إن العاقبة)) أي: في الدنيا بالنصر والظفر وفي الآخرة بالنعيم الأبدي، ((للمتقين)) أي: المتقين الشرك والمعاصي.

стр. 1423

تفسير سورة هود [٥٠ - ٨٣]

стр. 1424

تفسير قوله تعالى: (وإلى عاد أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله) قال الله ﵎: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ [هود:٥٠]. ((وإلى عاد أخاهم هوداً)) عطف على قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [هود:٢٥] أي: وأرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً. وأخاهم يعني: واحداً منهم، كما يقولون: يا أخا العرب! يريدون بذلك واحداً من العرب. وعاد هذه التي يذكرها الله هنا هي عاد الأولى، التي قال تعالى فيها: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى﴾ [النجم:٥٠]، وقال فيها أيضاً: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة:٨]؛ لأن عاداً عبارة عن شعبين، أو قبيلتين، أو أمتين: عاد الأولى، وعاد الآخرة أو عاد الثانية. أما الأولى: فهي التي أرسل إليها هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وهم من نسل إرم بن سام بن نوح، وقد سكنوا في جنوب الجزيرة العربية تقريباً في منطقة عمان وجنوب اليمن حتى صحراء الربع الخالي، وهي التي تسمى الأحقاف. أما عاد الثانية: فهم من نسل هود والمؤمنون الذين خرجوا معه من الأحقاف قبل هلاك قومهم، وسكنوا اليمن حتى غزاهم القحطانيون من العراق، وسيطروا على اليمن بعد أن أبادوا عاداً الثانية. فعاد الثانية أهلكت عن طريق القحطانيين لما غلبوهم وأبادوهم، ولذلك يقول ﵎: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى﴾ [النجم:٥٠] ولم يقل: (فما أبقى) لأنه أبقى من نسلهم من كان منهم عاداً الثانية، لكن في ثمود قال: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ [النجم:٥١] أي: وأهلك ثمود فما أبقى منهم أحداً بل استأصلهم. وعاد عند العرب رمز للقدم والأبدية، كما يقال: هذا الشيء قديم قدم عاد، فهي من العرب البائدة، هي أقدم قبائل العرب على الإطلاق. ويقال: هذا الشيء عادي، وليس ذلك نسبة إلى العادة ولكن نسبة إلى قوم عاد، والمعنى: أنه موغل في القدم. ويقال: العاديات ويعبر بها عن الآثار والأطلال، ولذلك تسمى المحلات التي تباع فيها التحف القديمة والنادرة العاديات. ومما يلاحظ أن لهجة أهل الصعيد تتميز عن لهجة أهل الوجه البحري بكلمة عاد، فأهل الصعيد حتى الآن يستعملون كلمة عاد بمعنى: أبداً، فلعل هذه الكلمة تميز بها أهل الصعيد؛ وذلك لأنه قدمت مع عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه قبائل عربية من اليمن، وهذه القبائل استقرت في الصعيد لتشابه المناخ بين الصعيد وبين اليمن، وموطن عاد كان في حضرموت وفي جنوب اليمن، وهؤلاء تواترت عندهم كلمة عاد حتى جاءت إلى صعيد مصر، فلعل هذا هو سبب بقاء كلمة عاد في لغة أهل الصعيد، والله أعلم. ((قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ)) أي وحده ((مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)). ((إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ)) أي: باعتقاد الأوثان شركاء وجعلهم شفعاء.

стр. 1425

تفسير قوله تعالى: (يا قوم لا أسألكم عليه أجراً) قال تعالى: ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [هود:٥١]. لماذا خاطب كل رسول قومه بقوله: ((يا قوم لا أسألكم عليه أجراً))؟ إزاحة للتهمة، وتمحيضاً للنصيحة، فإنها لا تنجع النصيحة ما دامت مشوبة بالمطامع والطموحات المادية، لذلك ينزه هود ﵇ نفسه عن هذه التهمة، فيقول: ((يا قوم لا أسألكم عليه أجراً إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون)) أي أفلا تفهمون وتعون إذ تردون نصيحة من لا يسألكم أجراً. أو (أفلا تعقلون): أي: أفلا تتدبرون الصواب من الخطأ.

стр. 1426

تفسير قوله تعالى: (ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود:٥٢]. ((ويا قوم استغفروا ربكم)) أي: من الوقوف مع الهوى بالشرك ((ثم توبوا إليه)) أي: من عبادة غيره بالتوجه إلى التوحيد. ((يرسل السماء عليكم مدراراً)) أي: كثير الدر، وقلنا: كثير الدر ولم نقل: كثيرة الدر مع أن السماء كلمة مؤنثة؛ لأن المقصود بالسماء المطر، فنظر إلى المعنى. و ((مدراراً)) منصوب على الحال من السماء، أو أن المراد بالسماء السحاب فذكر على المعنى، أو أنه مفعال للمبالغة، يستوي فيه المذكر والمؤنث كصبور، أو أن الهاء حذفت من مفعال، أو مفعال على طريق النسق. ((وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ)) أي: قوة مضمومة إلى قوتكم، أو قوة مع قوتكم، وإنما استمالهم إلى الإيمان ورغبهم فيه بكثرة المطر وزيادة القوة؛ لأن القوم كانوا أصحاب زروع وبساتين، كانوا شديدي الحرص على كثرة النسل وكثرة الأموال وكثرة الأولاد، حتى يتقووا بذلك على إثراء أموالهم وترهيب أعدائهم، فقد كانوا مثلاً في القوة، كما قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥]، واغتروا بقوتهم. قوله: ((ولا تتولوا)) أي: لا تعرضوا عما أدعوكم إليه ((مجرمين)) أي: مصرين على إجرامكم وآثامكم. قد حصل في بعض الاكتشافات الحديثة عن طريق التصوير من الفضاء أن اكتشفوا آثار مدينة إرم ذات العماد، كما نشر في بعض الجرائد الأجنبية، ونشر أيضاً هنا في جريدة الأهرام يوم عشرة شهر أربعة عام اثنين وتسعين تسعمائة وألف. قالوا: أعلن العلماء مؤخراً اكتشاف آثار عاصمة ملك عاد المعروفة باسم إرم، التي ورد ذكرها في القرآن الكريم منذ أكثر من أربعة عشر قرناً: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر:٧]، جاء ذلك عقب دراسات وأبحاث علمية قام بها علماء الفضاء والجيولوجيا والآثار والتاريخ، وأشارت إليها بعض الصحف العالمية ومن بينها مجلة التايم في فبراير الماضي ومجلة لوس أنجلوس تايم، وفي أحدث تقرير علمي عن هذا الاكتشاف تلقاه الدكتور زغلول راغب النجار أستاذ علوم الأرض يبين معالم هذا الاكتشاف يقولون فيه: إنه في عام أربعة وثمانين وتسعمائة وألف زود مكوك الفضاء (تشيلنجر) بأجهزة استشعار عن بعد، تستخدم موجات من الأشعة غير المرئية أمكنها تصوير العديد من مجاري الأنهار القديمة والطرق المدفونة بالرمال بدقة بالغة في مساحات شاسعة إلى آخره. والتفصيل حول هذا التقرير قد نشر فيه بعض الصور، لكنها ليست واضحة لدرجة كافية، لكن على أي الأحوال نسأل الله أن يزيد العباد يقيناً؛ لأن هذه المدينة مدفونة تماماً تحت الرمال، حيث عاقبها الله بعاصفة رملية غطت بلادهم تماماً رغم أنهم كانوا يقولون: ((من أشد منا قوة)). أما بالنسبة لمكان سفينة نوح فالتوراة تقول: إنها استقرت على جبل أرراك، أما القرآن فقد كان أكثر دقة حيث نص على أنها استقرت على جبل الجودي، وهو المكان الذي اكتشفت فيه بقاياها، والذي يبعد عشرين ميلاً عن جبل أرراك، الذي ذكر في التوراة، فهم يعترفون أن القرآن أكثر دقة من كتبهم.

стр. 1427

تفسير قوله تعالى: (قالوا يا هود ما جئتنا ببينة) ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود:٥٣]. قوله تعالى: ((قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ)) أي: ما جئتنا بحجة تدل على صحة دعواك. وذلك لقصور فهمهم وعمى بصيرتهم عن إدراك البرهان، وللغشاوات والأقفال التي على قلوبهم فلم يستطيعوا أن يفهموا هذه البينة، فأحياناً يكون العيب في عقل المستمع وليس في حجة المتكلم، وهذا حال منكري رسالات الأنبياء. ((وما نحن بتاركي آلهتنا)) أي: بتاركي عبادة آلهتنا. ((عن قولك)) هذا حال من ضمير تاركي أي: وما نحن بتاركي آلهتنا صادرين عن قولك. أو ((عن)) للتعليل كما في قوله: ﴿إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾ [التوبة:١١٤] أي: لأجلها. والقول بأنها حال أبلغ؛ لدلالته على كونه علة الفاعلية، وهذا كقولهم في الأعراف: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف:٧٠] انظر إلى الخبل الذي في عقولهم! ((وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ)) أي: مصدقين، والمقصود إقناط الرسل من إجابتهم.

стр. 1428

تفسير قوله تعالى: (إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء) قال : ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود:٥٤ - ٥٥]. ((إن نقول إلا اعتراك)) أي: مسّك، ((بعض آلهتنا بسوء)) أي: بجنون؛ لسبك إياها، وصدك عنها، وعداوتك لها، مكافأة لك منها على سوء فعلك بسوء الجزاء، فمن ثم تتكلم بكلام المجانين. انظر وقارن بين خطاب هود ﵇ وبين كلامهم هم، من الذي يفتقر إلى البينة؟ ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود:٥٣] أي: ايئس منا، ولا يكن عندك أي أمل في أن نستجيب لك. ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود:٥٤ - ٥٥]. يقول الزمخشري: دلت أجوبتهم المتقدمة على أنهم كانوا جفاة غلاظ الأكباد، لا يبالون بالبهت، ولا يلتفتون إلى النصح، ولا تلين شكيمتهم للرشد، وهذا الأخير دال على جهل مفرط وبله متناه حيث اعتقدوا في حجارة أنها تنتصر وتنتقم. زعموا واعتقدوا أن الحجارة تنتصر وتنتقم وتقوى على أن تصيب هوداً ﵇ بالجنون كما زعموا. قال الزمخشري: من أعظم الآيات أن يواجه بهذا الكلام رجل واحد أمة عطاشاً إلى إراقة دمه، يرمونه عن قوس واحدة. وذلك لثقته بربه وأنه يعصمه منهم، فلا تنشب فيه مخالبهم، ونحو ذلك قال نوح ﵇ لقومه: ((ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس:٧١]. هو يتحداهم أن يجمعوا كل من يستطيعون وشركاءهم، سواء الذين يعبدونهم من دون الله أو الذين يعبدونهم معه. ((ثم اقضوا إلي ولا تنظرون)) أكد براءته من آلهتهم وشركهم ووثق هذه البراءة بما جرت به عادة الناس من توثيقهم الأمور بشهادة الله، وشهادة العباد أي: حيث قال: ((قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا)): أنتم أيضاً: ((أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ)) * ((مِنْ دُونِهِ)). قال الرجل: الله شهيد على أني لا أفعل كذا ويقول لقومه: كونوا شهداء على أني لا أفعله. ولما جاهر بالبراءة مما يعبدون، أمرهم بالاحتشاد والتعاون في إيصال الكيد إليه ﵇، دون إمهال فقال: ((فَكِيدُونِي جَمِيعًا)) أي: أنتم وآلهتكم. ((ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ)) أي: إن صح ما لوحتم به من كون آلهتكم لها تأثير في الضر فكونوا معها فيه، وباشروه أعجل ما تفعلون دون إمهال. قال أبو السعود: فالفاء في قوله: ((فكيدوني جميعاً)) لتفريع الأمر على زعمهم في قدرة آلهتهم: يعني إن كانوا قادرين فكيدوني جميعاً، وعلى البراءة من كليهما، وهذا من أعظم المعجزات، فإنه ﵊ كان رجلاً فرداً بين الجم الغفير والجمع الكثير من عتاة عاد الغلاظ الشداد، وكانوا معروفين بأن أجسامهم كانت ضخمة جداً، وقد خاطبهم بما خاطبهم وحقَّرهم وآلهتهم، وهيجهم على مباشرة المضادة والمضارة، وحثهم على التصدي لأسباب المعازة والمعارة، فلم يقدروا على مباشرة شيء مما كلفوه، وظهر عجزهم عن ذلك ظهوراً بيناً، كيف لا وقد التجأ إلى ركن منيع رفيع، حيث قال: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦].

стр. 1429

تفسير قوله تعالى: (إني توكلت على الله ربي وربكم) ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦]. ((إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ)) أي: فلا تستطيعون أن تصلوا إلي بسوء؛ لتوكلي على الله. ((مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا)) أي: مالك لها قادر عليها يصرفها كيف يشاء. قال القاشاني: بيّن وجوب التوكل على الله وكونه حصناً حصيناً، أولاً: لأن ربوبيته شاملة لكل أحد: ((فإني توكلت على الله ربي وربكم))، أي: من يربي ويدبر أمر المربوب ويحفظه، ويقوم بأفعال الربوبية من التربية والتنمية والرعاية هو الله. إذا قلنا: الأم تربي ولدها، فيلزم من ذلك أنها تحفظه وترعاه وتحميه من كل سوء، فكذلك شأن الرب بل هو أولى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]، فمن يربي ويدبر أمر المربوب ويحفظه، فلا حاجة له إلى كلاءة غيره وحفظه، فهو يقول: إذا كان هو ربي فهو الذي يحفظني وحده، ولذلك أتوكل عليه وحده. ((مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا))، فكل ذي نفس تحت قهر الله وسلطانه، أسير تحت تصرفه ومملكته وقدرته، عاجز عن الفعل والقوة والتأثير في غيره، لا حراك به بنفسه كالميت، فلا حاجة إلى الاحتراز منه. والناصية هي منبت الشعر من مقدم الرأس، وقد تطلق على الشعر نفسه. تسمية للحال باسم المحل، يقال: نصوت الرجل يعني: أخذت بناصيته، ويقال: ناصيته بيده أي: هو منقاد لها، والأخذ بالناصية عبارة عن القدرة والتسلط. ((إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)): تعليل لما يدل عليه التوكل، من عدم قدرتهم على إضراره، أي: هو على طريق الحق والعدل في ملكه، فلا يسلطكم علي إذ لا يضيع عنده معتصم به ولا يفوته ظالم؛ لأنه تعالى مطلع على أمور العباد، مجاز لهم بالثواب والعقاب، كاف لمن اعتصم به كمن وقف على الجادة فحفظها ودفع ضرر السابلة بها، وهذا كقوه تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤]. والاقتصار على إضافة الرب إلى نفسه في قوله: ((إن ربي على صراط مستقيم)) ولم يقل في هذه المرة: إن ربي وربكم كما قال أولاً: ((إني توكلت على الله ربي وربكم)) هذا الاقتصار إما بطريق الاكتفاء لظهور المراد؛ لأنه واضح من السياق أنه يقصد ربي وربكم، أو للإشارة إلى أن اللطف والإعانة مخصوصة به دون هؤلاء القوم.

стр. 1430

تفسير قوله تعالى: (فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم) قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [هود:٥٧]. ((فإن تولوا)) أي: إن تتولوا، بحذف إحدى التاءين. ((فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم)) أي: قد قامت الحجة عليكم. ((وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ)): هذا استئناف بالوعيد لهم، بأن يهلكهم الله ويأتي بقوم آخرين يخلفونهم في ديارهم وأموالهم. ((وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا)) أي: لن تضروا الله بهذا التولي والإعراض عن دعوته شيئاً؛ لاستحالته عليه، بل تضرون أنفسكم، أو بذهابكم وهلاككم لا ينقص من ملكه شيء. ((إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ)) أي: رقيب مهيمن عليه، فلا تخفى عليه أعمالكم فيجازيكم بحسبها. أو ((إن ربي على كل شيء حفيظ)) أي: حافظ حاكم مستول على كل شيء، فلا يمكن أن يضره شيء.

стр. 1431

تفسير قوله تعالى: (ولما جاء أمرنا نجينا هوداً والذين آمنوا) قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود:٥٨]. ((ولما جاء أمرنا)) أي: عذابنا أو أمرنا بالعذاب، وهو الريح العقيم ((نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ)). وقد بين الله صفة إهلاكهم في غير ما آية منها قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة:٦ - ٨]. فإن قلت: ما معنى تكرار لفظ النجاة هنا في قوله تعالى: ((ولما جاء أمرنا نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ))؟ ف الجواب أن الأول هذا إخبار بأن نجاتهم برحمة الله وفضله، والثاني بيان لما نجوا منه وأنه أمر شديد عظيم غير سهل. إذاً فلا تكرار، فهو للامتنان عليهم وتحريض لهم على الإيمان. ((ولما جاء أمرنا نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة منا)) أي: من عذاب الدنيا. ((ونجيناهم من عذاب غليظ)) أي: من عذاب الآخرة، تعريضاً بأن المهلكين كما عذبوا في الدنيا فهم معذبون في الآخرة بالعذاب الغليظ، ويرجح الأول لملائمته لمقتضى المقام.

стр. 1432

تفسير قوله تعالى: (وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله) قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود:٥٩]: تأنيث اسم الإشارة باعتبار القبيلة ((تلك عاد)) أي: تلك قبيلة عاد، وصيغة البعد للتحقير، أو لتنزيلهم منزلة البعيد لعدمهم. أما إذا كانت الإشارة لمصارعهم، أي: تلك مصارع عاد فهي للبعيد المحسوس، لبعد الأماكن التي أهلكوا فيها، وديارهم باقية إلى الآن. قوله: ((جحدوا بآيات ربهم)) فالجحود هنا تعدى بالباء حملاً له على الكفر؛ لأنه المراد، أو بتضمينه معناه، فضمن (جحد) معنى (كفر) فلذلك عديت بالباء. كما أن (كفر) تجري مجرى (دحض) فتتعدى بنفسها، كما في الآية الآتية: ((ألا إن عاداً كفروا ربهم)). قال تعالى: ((جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ)) أي: كفروا بالله وأنكروا آياته التي في الأنفس والآفاق الدالة على وحدانيته. وجمع الرسل في قوله: ((وعصوا رسله)) مع أنه لم يرسل إليهم غير هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام؛ تفظيعاً لحالهم، وإظهاراً لشدة كفرهم وعنادهم، ولبيان أن عصيانهم له ﵊ عصيان لجميع الرسل السابقين واللاحقين؛ لاتفاق كلمتهم على التوحيد، كما قال تعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]؛ ولأن الكفر برسول واحد يعني الكفر بجميع المرسلين قال : ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٢٣] وفي آية أخرى، ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٤١]، مع أن المرسل إليهم رسول واحد؛ والإيمان بجميع الرسل شرط في صحة الإيمان، وقد ذكرنا مراراً أن حقائق الإيمان مرتبطة ومتلازمة بحيث لا ينفك بعضها عن بعض، فإذا اختل واحد منها اختل الإيمان كله، فمثلاً لو أن واحداً آمن بجميع الأنبياء ثم استثنى نبياً واحداً وكفر به، فهذا يهدم إيمانه بجميع الأنبياء، فيصدق عليه أنه كفر بجميع الرسل وجميع الأنبياء، فكذلك هنا قوله تعالى: ((جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله)). ((واتبعوا)) أي: أطاعوا في الشرك ((أمر كل جبار عنيد)) لا يستدل بدليل ولا يقبله من غيره، يريد بذلك رؤساءهم وكبراءهم ودعاتهم إلى تكذيب الرسل.

стр. 1433

تفسير قوله تعالى: (وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة) قال تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود:٦٠]. ((وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة)) أي: جعلت اللعنة تابعة لهم ولازمة لهم في الدارين. قال أبو السعود: والتعبير عن ذلك بالتبعية للمبالغة، ولم يقل: وجعلت عليهم اللعنة وإنما قال: ((وأتبعوا)) يعني: أنها لازمة لهم لصيقة بهم، أينما ذهبوا، فهي لا تفارقهم وإن ذهبوا كل مذهب، بل تدور معهم حيثما داروا، وذلك بسبب اتباعهم رؤساءهم جزاءً وفاقاً. وهذه إشارة إلى قاعدة: الجزاء من جنس العمل، لأنهم كما في الآية السابقة: ((وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ))، فلما اتبعوا رؤساءهم في الكفر كان جزاؤهم: ((وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ))، أي: هذا جزاء متابعتهم رؤساءهم في الكفر والعناد والتجبر، فعوقبوا من نفس الجنس بأن أتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة. ((أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ)) أي: إذ عبدوا غيره، وسبق أن أشرنا إلى أن كفروا هنا تعدت بنفسها بدون حرف الباء. ((أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ)) دعا عليهم بالهلاك أو باللعنة، وفيه من الإشعار بالسخط عليهم والمقت ما لا يخفى فظاعته. وتكرار حرف التنبيه (ألا) للمبالغة في تهويل حالهم والحث على الاعتبار بنبئهم. وقوله: ((ألا بعداً لعاد قوم هود)) هذا عطف بيان لعاد ((ألا إن عاداً كفروا ربهم ألا بعداً لعاد قوم هود)) الفائدة المزيدة هنا هي النسبة بذكر هود ﵇، وفيها إشارة إلى أنهم ما استحقوا هذه الهلكة إلا بإعراضهم عن دعوة نبيهم هود ﵇، ولذلك قال: ((ألا بعداً لعاد قوم هود)) كأنه قيل: عاد قوم هود الذي كذبوه ﵇. وهنا تناسب أيضاً بين أواخر الآيات؛ لأنه قال قبلها: ((وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ))، وقبل ذلك: ((حَفِيظٌ))، و ((غَلِيظٍ))، وغير ذلك مما هو على وزن فعيل المناسب لفعول في القواسم، وهنا ختمت الآية بقوله: ((أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ)).

стр. 1434

تفسير قوله تعالى: (وإلى ثمود أخاهم صالحاً) قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود:٦١]. ((وإلى ثمود)) عطف على ما سبق بيانه من قوله: ((وإلى عاد)) أي: وأرسلنا إلى ثمود وهي قبيلة من العرب ((أخاهم صالحاً)) أي: واحداً منهم. ((قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ)) أي: أن الله هو الذي خلقكم وكونكم من الأرض ولم يشركه غيره في خلقكم، فإنه خلق آدم من التراب. ((وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)) أي: عمركم فيها، أو جعلكم قادرين على عمارتها، كقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ [الأعراف:٧٤]. ((فَاسْتَغْفِرُوهُ)) أي: من الشرك. ((ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ)) بالتوحيد. ((إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ)) أي: قريب الرحمة لمن استغفره، مجيب الدعاء بالقبول.

стр. 1435

تفسير قوله تعالى: (قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً قبل هذا) قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود:٦٢]. ((قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً قبل هذا)) أي: قد كنت قبل أن تقول هذا الكلام الذي تقوله الآن رجلاً عاقلاً رشيداً، وكنا نؤمل أن ننتفع بعقلك وذكائك وحكمتك، وأن تكون مسترشداً في التدابير، نستبصر برأيك في الأمور، فلما نطقت بهذا الكلام انقطع رجاؤنا عنك وعلمنا أن لا خير فيك. انظر إلى عفن عقولهم، هو يقول لهم: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود:٦١] وهم يسفهونه، فلا يعجب المرء إذاً حينما يسمع من ملاحدة هذا الزمان نفس الأسلوب، فهم يتكلمون عن أهل الدين وأهل التوحيد ويصفونهم بأنهم متخلفون عقلياً، ويظهرون المتدين بصورة الإنسان المخبول أو المهووس أو المجنون أو الذي يخرف، أو الجاهل الذي لا يعي ولا يعقل ولا يفلسف الأمور، كما سبق من قول قوم نوح له: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود:٢٧] ويقولون: نحن المفكرون، نحن المثقفون، نحن المتنورون، أما أنتم فجماعات ظلامية. ولا حول ولا قوة إلا بالله! فالشاهد أننا لا نعجب؛ فهذه سنة الله تتكرر في كل زمان وفي كل مكان، نفس الأسلوب يتكلمون كأنهم على الحق الذي لا حق بعده، وكأن أهل التوحيد وأهل الطاعة وأهل الإسلام الذين يدعونهم إلى توحيد الله متطرفون مخبولون مهووسون، إلى آخر ما يهذون به ويفترون. فانظر هذه كانت ردود الكافرين على الأنبياء الذين هم أشرف الخلق عند الله ، فقد قالوا لنوح ﵇: ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ [القمر:٩]، وقال قوم هود ﵇ لهود: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود:٥٤]، ويقول قوم صالح لنبيهم: ((يا صالح قد كنت فينا مرجواً قبل هذا)) أي: ما الذي حصل في عقلك؟ قد كنا نؤمل أن ننتفع بهذا العقل، أما الآن فلا رجاء فيك! ((أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا)) أي: من الأوثان. ((وإننا لفي شك مما تدعونا إليه)) أي: من التوحيد. ((مريب)): موقع في الريبة وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة.

стр. 1436

تفسير قوله تعالى: (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي) قال تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ [هود:٦٣]. ((قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ)) أي: أخبروني ((إن كنت على بينة من ربي)) أي: حجة ظاهرة وبصيرة ليست من عند نفسي بل هي من ربي. ((وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً)) أي: هداية ونبوة. ((فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ)) أي: من ينجيني من عذاب الله إن عصيته بأن أجاريكم في أهوائكم، وإن أنا وافقتكم؟! ((فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ)) أي: ما تزيدونني باستتباعكم إياي وبطلبكم أن أتابعكم على ما أنتم عليه غير أن تجعلوني خاسراً بتعرضي لسخط الله.

стр. 1437

تفسير قوله تعالى: (ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية) قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود:٦٤]. ((وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ)) هذه الإضافة إضافة تشريف كما تقول: بيت الله، كلمة الله، روح الله، في عيسى ﵇، والإعلام بمباينتها لما يجانسها من حيث الخلقة والخلق. أي: أن هذه الناقة مغايرة لما تألفونه وتعرفونه من النوق. ((لَكُمْ آيَةً)) أي: معجزة دالة على صدق نبوتي، هم رأوا الناقة وقد خرجت من صخرة من الجبل، آية من آيات الله. ((فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ)) من فرط غضب الله عليكم لاجترائكم على الآية المنسوبة إليه.

стр. 1438

تفسير قوله تعالى: (فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام) ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود:٦٥]. لقد أخبر بأنهم لم يسمعوا قوله ولم يطيعوه بعد رؤية هذه الآية، فقال سبحانه: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود:٦٥]. ((فعقروها)) أي: قتلوها. ((فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب)) غير مردود. قال في الإكليل: استدل به في إمهال الخصم ونحوه ثلاثاً، وفيه دليل على أن للثلاثة نظراً في الشرع، ولهذا شرعت في الخيار ونحوه.

стр. 1439

تفسير قوله تعالى: (فلما جاء أمرنا نجينا صالحاً والذين آمنوا) قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود:٦٧]. ((فلما جاء أمرنا)) أي: عذابنا وهو الصيحة. ((نجينا صالحاً والذين معه برحمة)) أي: بسبب رحمة عظيمة، فالباء سببية. ((ومن خزي يومئذ)) وهو هلاكهم بالصيحة. ((إن ربك هو القوي العزيز)) أي: القادر على كل شيء والغالب عليه. ((وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ)) أي: من جهة السماء، فرجفوا رجفة الهلاك. ((فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ)) أي: هامدين موتى لا يتحركون، ولا يخفى ما فيه من الدلالة على شدة الأخذ وسرعته.

стр. 1440

تفسير قوله تعالى: (كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعداً لثمود) قال تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ [هود:٦٨]. ((كأن لم يغنوا فيها)) أي كأن لم يقيموا في مساكنهم. ((ألا إن ثمود كفروا ربهم)) أي: فأهلكهم. ((ألا بعداً لثمود)) أي: هلاكاً ولعنة لبعدهم. وآثار ثمود قوم صالح ما زالت حتى الآن باقية، وهي عبارة عن مجموعة كتل من سلاسل جبلية من الصخر منحوتة كالمعابد، ولكني ما رأيت فيها تماثيل، وهي منحوتة كالقصور في منتهى الفخامة والضخامة، وكانوا يجوفون الجبل من الداخل وتنحت فيه البيوت والسلالم والأبواب والدواليب، ويسافر براً على طريق تبوك يجدها، لأن هذه الطريق تؤدي إلى ديار ثمود، والعلماء في السعودية -جزاهم الله خيراً- يحرصون على عدم التركيز وإلقاء الضوء والاهتمام على مثل هذه الآثار. أما إذا كان الشخص عابر سبيل ومر بها فله ذلك، لكن يكون باكياً، ويسرع في السير حتى لا يحل به من العذاب ما حل بهؤلاء القوم، وهذه هي السنة عند المرور على مصارع الظالمين. فالمكان الذي نزلت فيه اللعنة لا ينبغي الذهاب إليه على سبيل الاسترواح والترفيه، لكن إذا مر عليها الإنسان فيمر معتبراً باكياً، ويسرع كي لا يصيبه ما أصابهم، وهذا الحكم عام لكل مكان نزلت فيه اللعنة، كأماكن الفراعنة، والأماكن التي نزل فيها العذاب، كبحيرة قارون وغيرها من الأماكن. أما ما جاء في الحديث: أن الرسول ﵊ مر على مقابر المشركين فليس في محل بحثنا، بل كلامنا يختص بالمكان الذي نزل فيه العذاب كديار ثمود مثلاً.
следующие страницы →