← Тафсир

Тафсир · id 37041

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (3 275 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

تفسير قوله تعالى: (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي) قال تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ [هود:٦٣]. ((قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ)) أي: أخبروني ((إن كنت على بينة من ربي)) أي: حجة ظاهرة وبصيرة ليست من عند نفسي بل هي من ربي. ((وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً)) أي: هداية ونبوة. ((فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ)) أي: من ينجيني من عذاب الله إن عصيته بأن أجاريكم في أهوائكم، وإن أنا وافقتكم؟! ((فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ)) أي: ما تزيدونني باستتباعكم إياي وبطلبكم أن أتابعكم على ما أنتم عليه غير أن تجعلوني خاسراً بتعرضي لسخط الله.

стр. 1437

تفسير قوله تعالى: (ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية) قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود:٦٤]. ((وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ)) هذه الإضافة إضافة تشريف كما تقول: بيت الله، كلمة الله، روح الله، في عيسى ﵇، والإعلام بمباينتها لما يجانسها من حيث الخلقة والخلق. أي: أن هذه الناقة مغايرة لما تألفونه وتعرفونه من النوق. ((لَكُمْ آيَةً)) أي: معجزة دالة على صدق نبوتي، هم رأوا الناقة وقد خرجت من صخرة من الجبل، آية من آيات الله. ((فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ)) من فرط غضب الله عليكم لاجترائكم على الآية المنسوبة إليه.

стр. 1438

تفسير قوله تعالى: (فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام) ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود:٦٥]. لقد أخبر بأنهم لم يسمعوا قوله ولم يطيعوه بعد رؤية هذه الآية، فقال سبحانه: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود:٦٥]. ((فعقروها)) أي: قتلوها. ((فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب)) غير مردود. قال في الإكليل: استدل به في إمهال الخصم ونحوه ثلاثاً، وفيه دليل على أن للثلاثة نظراً في الشرع، ولهذا شرعت في الخيار ونحوه.

стр. 1439

تفسير قوله تعالى: (فلما جاء أمرنا نجينا صالحاً والذين آمنوا) قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود:٦٧]. ((فلما جاء أمرنا)) أي: عذابنا وهو الصيحة. ((نجينا صالحاً والذين معه برحمة)) أي: بسبب رحمة عظيمة، فالباء سببية. ((ومن خزي يومئذ)) وهو هلاكهم بالصيحة. ((إن ربك هو القوي العزيز)) أي: القادر على كل شيء والغالب عليه. ((وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ)) أي: من جهة السماء، فرجفوا رجفة الهلاك. ((فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ)) أي: هامدين موتى لا يتحركون، ولا يخفى ما فيه من الدلالة على شدة الأخذ وسرعته.

стр. 1440

تفسير قوله تعالى: (كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعداً لثمود) قال تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ [هود:٦٨]. ((كأن لم يغنوا فيها)) أي كأن لم يقيموا في مساكنهم. ((ألا إن ثمود كفروا ربهم)) أي: فأهلكهم. ((ألا بعداً لثمود)) أي: هلاكاً ولعنة لبعدهم. وآثار ثمود قوم صالح ما زالت حتى الآن باقية، وهي عبارة عن مجموعة كتل من سلاسل جبلية من الصخر منحوتة كالمعابد، ولكني ما رأيت فيها تماثيل، وهي منحوتة كالقصور في منتهى الفخامة والضخامة، وكانوا يجوفون الجبل من الداخل وتنحت فيه البيوت والسلالم والأبواب والدواليب، ويسافر براً على طريق تبوك يجدها، لأن هذه الطريق تؤدي إلى ديار ثمود، والعلماء في السعودية -جزاهم الله خيراً- يحرصون على عدم التركيز وإلقاء الضوء والاهتمام على مثل هذه الآثار. أما إذا كان الشخص عابر سبيل ومر بها فله ذلك، لكن يكون باكياً، ويسرع في السير حتى لا يحل به من العذاب ما حل بهؤلاء القوم، وهذه هي السنة عند المرور على مصارع الظالمين. فالمكان الذي نزلت فيه اللعنة لا ينبغي الذهاب إليه على سبيل الاسترواح والترفيه، لكن إذا مر عليها الإنسان فيمر معتبراً باكياً، ويسرع كي لا يصيبه ما أصابهم، وهذا الحكم عام لكل مكان نزلت فيه اللعنة، كأماكن الفراعنة، والأماكن التي نزل فيها العذاب، كبحيرة قارون وغيرها من الأماكن. أما ما جاء في الحديث: أن الرسول ﵊ مر على مقابر المشركين فليس في محل بحثنا، بل كلامنا يختص بالمكان الذي نزل فيه العذاب كديار ثمود مثلاً.

стр. 1441

الكلام على التنقيب عن الآثار القديمة وأهدافه فالحمد لله أن السعوديين لا يهتمون بموضوع الآثار، بل بالعكس يحاولون عدم الاهتمام بها؛ لذلك لما جاءت بعض البعثات الأمريكية تلح على الحكومة السعودية أن تجري عملية حفر في منطقة الأحقاف بحثاً عن الأماكن الأثرية وهي مواطن عاد بعدما اكتشفوا مدينة إرم تباطئوا في ذلك؛ لأن كثيراً من محاولات الاستكشاف والبحث عن الآثار تهدف إلى إحياء التاريخ القديم وإلهاء الناس كما حصل مع علم المصريات القديمة، وذلك حتى يحاربوا به دعوة التوحيد، وقد وصل الأمر إلى حد أن تدرس في كتب التاريخ تفاصيل الشرك للأطفال: الإله كذا عمل كذا، والإله كذا تزوج الإلهة الفلانية، وإله القبط عمل كذا، وآمون وأخناتون إلخ، ويدرس هذا الشرك دون أن ينتقد فالضحايا هم الصغار. فلذلك يتفطن العلماء في بلاد الحرمين لذلك، فلا يحاولون أبداً تركيز الأضواء حتى على أتفه الأشياء، فمثلاً القلعة التي توجد خلف الحرم، (قلعة أجياد) لا يوجد أحد التفت إليها، ولو كانت في مكان آخر لسلطت عليها الأضواء واحتفلوا بها احتفالاً عظيماً. أمر آخر: أن البعثات الأمريكية واليهودية تأتي تحت أسماء مستترة بحجة التنقيب والكشف عن الآثار، وهم يبحثون عن المعادن المشعة لليورانيوم ونحوه كما فعلوا مع السودان، فهم بعد أن يحصلوا على هذه الأشياء يهربون بها. ولعل هذا هو السبب في عدم استجابة السعودية لطلب هذه البعثات للتحري عن آثار قوم هود أو إرم ذات العماد.

стр. 1442

تفسير قوله تعالى: (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى) ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود:٦٩]. لقد أشار تعالى إلى نبأ لوط وهلاك قومه، وهو النبأ الرابع من أنباء هذه السورة، بقوله سبحانه: ((وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ)). ((ولقد جاءت رسلنا)) أي: الملائكة الذين أرسلناهم لإهلاك قوم لوط. ((إبراهيم بالبشرى)) أي: بولد يولد له، وولد ولد بعده. ((فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ))، وهذا دليل على أن الذبيح هو إسماعيل وليس إسحاق؛ لأنه لو كان الذبيح هو إسحاق، فكيف تأتي البشرى تبشره بإسحاق وأنه سوف يكبر ويولد له، وفي نفس الوقت يؤمر بذبحه؟! فهذا مما يدل على أن الذبيح هو إسماعيل وليس إسحاق. ثم بين أنهم قدموا على التبشير ما يفيد سروراً؛ ليكون التبشير سروراً فوق سرور، حيث: ((قَالُوا سَلامًا))، أي: سلمنا عليك سلاماً. ((قَالَ سَلامٌ)) أي: عليكم سلام، أو سلام عليكم؛ إجابة لهم. وقوله: (سلامٌ) أحسن من قول: (سلاماً)؛ أي أنه حياهم بأحسن من تحيتهم التي ابتدءوه بها؛ وذلك لأن الرفع أدل على الثبوت والدوام من النصب. ثم أشار إلى إحسانه وضيافتهم بقوله: ((فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ)) أي: مشوي سمين يقطر منه الودك، لأنه قال هنا: ((حنيذ)) أي: مشوي، وقال في موضع آخر: ﴿بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦]. وأظهر الأقوال في (ما) أنها نافية، ((فما لبث أن جاء بعجل حنيذ)).

стр. 1443

تفسير قوله تعالى: (فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم) قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام:٧٧]. ((فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ)) أي: لا يمدون إليه أيديهم، لا يتناولون هذا الطعام. ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أي: أنكرهم. ((وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً)) أحس منهم خيفة لظنه أنهم بشر أرادوا به مكروهاً، الضيف في عادة القوم إذا أتى ليفتك بالإنسان أو بصاحب الدار فإنه لا يأكل من الطعام. ولما علموا منه الخوف بإخباره لهم كما في آية أخرى: ﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ [الحجر:٥٢] حينها ﴿قَالُوا لا تَوْجَلْ﴾ [الحجر:٥٣]. وهنا: ((قَالُوا لا تَخَفْ)) أي: أن عدم أكلنا ليس لأننا نهم بأن نفتك بك أو نريدك بسوء؛ ولكن لأننا ملائكة لا نأكل، ولم ننزل بالعذاب عليكم: ((إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)) يعني: لإهلاكهم.

стр. 1444

تفسير قوله تعالى: (وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق) قال تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١]. ((وامرأته قائمة فضحكت)) أي: ضحكت سروراً بزوال الخيفة، وذلك أنها سرت لما طمأنتهم الملائكة: و ﴿قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود:٧٠]. أو ضحكت سروراً بهلاك أهل الخبائث قوم لوط. ((فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب)) أي يولد لها. والاثنان يحتمل وقوعهما في البشارة، أو أنها حكاية عما بعد أن ولدا وسميا بذلك. وفي توجيه البشارة إليها هنا مع ورود البشارة إلى إبراهيم في آية أخرى كقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات:١٠١]، وقوله: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات:٢٨]، أن هذا إيذان بمشاركتها لإبراهيم في ذلك حين ورود البشرى، وإشارة إلى أن ذكر أحدهما فيه اكتفاء عن ذكر الآخر، وحيثما قال تعالى: ((فبشرناه بغلام حليم)) نقول في تفسيرها: فبشرناه وبشرناها بغلام حليم، لكن في الآيات التي ذكر فيها إبراهيم يكون المقام أمس بإبراهيم، أما في هذه الآية فالمقام أمس بامرأته. أو أنها خوطبت للتوصل إلى سوق نبئها في ذلك وخرق العادة فيه، وهنا كما ذكرنا أن السياق أمس بامرأته؛ لأنه افتتح الحوار بذكرها هنا: ((وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب)) تمهيداً لقولها: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود:٧٢ - ٧٣] إلى آخره.

стр. 1445

تفسير قوله تعالى: (قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً) قال تعالى: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود:٧٢]. ((قالت يا ويلتى!)) أي: يا عجبي! أصل يا ويلتى! الدعاء بالويل ونحوه عند الجزع والتفجع وشدة المكروه الذي يدهم النفس؛ لكن استعمل نفس التعبير بعد ذلك في التعجب، يا ويلتى بمعنى: يا عجبي. والألف في (يا ويلتى) بدل من ياء المتكلم (يا ويلتي) ولذلك أمالها أبو عمرو وعاصم في رواية، وبها قرأ الحسن: ((يا ويلتي)) وقيل: هي ألف الندبة ويوقف عليها بهاء السكت: يا ويلتاه. قوله: ((أألد وأنا عجوز)) أي: وأنا امرأة مسنة؟ والأفصح ترك الهاء في كلمة عجوز، فلا يقال: عجوزة، وقد سمع من بعض العرب (عجوزة)، لكن الأصل أنها لا تؤنث. ((وهذا بعلي)) أي: وهذا زوجي إبراهيم ﵇ ((شيخاً)). ((إن هذا لشيء عجيب)) أي: إن هذا التوالد من هرمين لشيء غريب لم تجر به العادة.

стр. 1446

تفسير قوله تعالى: (قالوا أتعجبين من أمر الله) ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود:٧٣] قوله: ((قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)) أي: أتستبعدين من شأنه وقدرته خلق الولد من الهرمين؟ يعني: أن أي امرأة في مثل سن امرأة إبراهيم ورجل في سن إبراهيم ﵇ قد طعنا في السن وبشرا بولد، ألا يحصل تعجب من هذا؟! نعم يحصل تعجب، لكن الملائكة أنكرت على امرأة إبراهيم أن تتعجب. يقول الزمخشري: إنما أنكرت عليها الملائكة تعجبها فقالوا: ((أتعجبين من أمر الله)) لأنها كانت في بيت الآيات، ومهبط المعجزات، والأمور الخارقة للعادات، فكان عليها أن تتوقر ولا يزدهيها ما يزدهي سائر النساء الناشئات في غير بيت النبوة، وأن تسبح الله وتمجده مكان التعجب، وإلى ذلك أشارت الملائكة صلوات الله عليهم في قولهم: ((رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ)) أرادوا أن هذه وأمثالها مما يكرمكم به رب العزة، ويخصكم بالإنعام به يا أهل بيت النبوة! فليست بمكان عجب. وقوله: ((رحمة الله وبركاته عليكم)) كلام مستأنف علل به إنكار التعجب، كأنه قيل: إياك والتعجب! إياك والتعجب فإن أمثال هذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله عليكم. أي: فالجملة خبرية، وجوز كونها دعاءً بأن يجعل الله عليهم الرحمة والبركة. ثم يقول: وأهل البيت نصب على النداء أو على الاختصاص؛ لأن أهل البيت مدح لهم، إذ المراد: أهل بيت خليل الرحمن. ((إِنَّهُ حَمِيدٌ)) أي: مستحق للمحامد، لما وهبه من جلائل النعم. ((مجيد)) أي: كريم واسع الإحسان، فلا يبعد أن يعطي الولد بعد الكبر. وهو تذييل بديع لبيان أن مقتضى حالها أن تحمد مستوجب الحمد وتمجده.

стр. 1447

تفسير قوله تعالى: (فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط) قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود:٧٤]. ((فلما ذهب عن إبراهيم الروع)) أي: خيفة إرادة المكروه منهم، والمعنى أنه لما اطمأن قلبه ذهب عنه الروع. ((وجاءته البشرى)) أي: جاءته البشرى بدل الروع. ((يجادلنا في قوم لوط)) أي: في هلاكهم استعطافاً لدفعه. روي أنه قال: أيهلك البار مع الأثيم؟ أتهلكونها وفيهم خمسون باراً؟ فقالوا: لا نهلكها وفيها خمسون، فقال: أو أربعون؟ فقالوا: ولا أربعون وهكذا إلى أن قال: أو عشرة؟ فيقولون له: لا نهلكها من أجل العشرة، إلا أنه ليس فيها عشرة من الأبرار، بل جميعهم منهمك في الفاحشة، ثم قال: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ [العنكبوت:٣٢]. ما موقع (يجادلنا) من الإعراب في قوله: ((فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ))؟ الجواب هو في الحقيقة جواب (لما)، لكن جيء به في صيغة المضارع على حكاية الحال، وأن (لما) كـ (لو) تقلب المضارع ماضياً، كما أن (إن) تقلب الماضي مستقبلاً، أو الجواب محذوف والمذكور دليله أو متعلق به.

стр. 1448

تفسير قوله تعالى: (إن إبراهيم لحليم أواه منيب) قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود:٧٥]. ((إن إبراهيم لحليم)) أي: غير عجول على الانتقام من المسيء، وهذا مناسب لما سبق في الآية: ((يجادلنا في قوم لوط)) أي: يجادل ويناقش كي يدفع العذاب عن قوم لوط، لأن فيهم لوطاً. ((أواه)) أي: كثير التأسف. ((منيب)) أي: راجع إلى الله في كل ما يحبه ويرضى، والمقصود بتعداد صفاته الجميلة المذكورة بيان الحامل على المجادلة، وهو رقة القلب وفرط الترحم.

стр. 1449

تفسير قوله تعالى: (يا إبراهيم أعرض عن هذا) قال تعالى: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود:٧٦]. ((يا إبراهيم!)) أي: قيل له: يا إبراهيم! ((أعرض عن هذا)) الجدال. ((إنه قد جاء أمر ربك)) أي: حكم الله بهلاكهم. ((وإنهم آتيهم عذاب غير مردود)) أي: لا يرده الجدال ولا الدعاء ولا غيرهما.

стр. 1450

ما يستفاد من قوله تعالى: (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى عذاب غير مردود) في الآيات ثمرات: منها أن حصول الولد المخصص بالفضل نعمة على الأب كما هي نعمة على هذا الولد. ومنها أن هلاك العاصي نعمة يبشر بها. وذلك لأن البشرى قد فسرت بولادة إسحاق كما في آخر الآية: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١]. وفسرت البشرى أيضاً بأنها تشمل هلاك قوم لوط، فبشر بإهلاك هؤلاء المجرمين. فإذاً هلاك العاصي نعمة، ولذلك جاء في الحديث أن الشخص إذا مات فإنه يقال: (مستريح أو مستراح منه)، فالمستراح منه هو: الظالم الفاسق الفاجر الذي يؤذي عباد الله ، فإنه إذا مات وإذا أهلك يستريح منه الآدميون حتى العجماوات والشجر والحجر. ومنها: استحباب نزول المبشر على من يريد أن يبشره؛ لأن الملائكة أرسلهم الله بذلك. ومنها: أنه يستحب للمبشر تلقي ذلك بالطاعة شكراً لله تعالى على ما بشر به؛ لأنهم قالوا لها: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود:٧٣] أي: كان أولى أن تجعلي مكان قولك: يا ويلتى! سبحان الله، أو تشتغلي بتحميد الله وتمجيده. وحكى الأصم: أنهم جاءوه في أرض يعمل فيها، فلما بشروه غرز مسحاته وصلى ركعتين. ومنها: أن السلام مشروع، وأنه ينبغي أن يكون الرد أفضل؛ لقول إبراهيم: (سلام) بالرفع كما تقدم تفسيره. ومنها: مشروعية الضيافة والمبادرة إليها، واستحباب مبادرة الضيف بالأكل منها. ومنها: استحباب خدمة الضيف ولو للمرأة؛ لقول مجاهد: ((وامرأته قائمة)) أي: في خدمة أضياف إبراهيم، قال في الوجيز: وكن لا يحتجبن كعادة العرب ونازلة البوادي، أو كانت عجوزاً، وخدمة الضيفان من مكارم الأخلاق. ومنها: جواز مراجعة المرأة الأجانب في القول وأن صوتها ليس بعورة. كذا في الإكليل. ومنها: أن امرأة الرجل من أهل بيته، فيكون أزواجه ﵊ من أهل بيته، وسيأتي ذلك أيضاً في آية: ((فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ))، لا كما يزعم الشيعة تخصيص أهل البيت بـ فاطمة وعلي والحسن والحسين ﵈.

стр. 1451

تفسير قوله تعالى: (ولما جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم) قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود:٧٧]. ((ولما جاءت رسلنا لوطاً)) أي: بعد منصرفهم من عند إبراهيم ﵊، وكان مقيماً بحبرون، وحبرون هي مدينة الخليل، وفي الإنجليزية تسمى باسم قريب من ذلك. ((سيء بهم)) أي: ساءه مجيئهم؛ لأنهم أتوه على صورة مرد حسان الوجوه؛ فخاف أن يقصدهم قومه لظنه أنهم بشر. ((وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا)) ضاق بالأمر ذرعه وذراعه أي: ضعفت طاقته ولم يجد من المكروه فيه مخلصاً. قال الجوهري: أصل الذرع بسط اليد، فكأنك تريد: مددت يدي إليه فلم تنله. وقيل: وجه التمثيل أن قصير الذراع لا ينال ما يناله طويل الذراع ولا يطيق طاقته، فضرب مثلاً للذي سقطت قوته دون بلوغ الأمر والاقتدار عليه. وقال الأزهري: الذرع يوضع موضع الطاقة، والأصل فيه أن البعير يذرع بيديه في سيره ذرعاً على قدر سعة خطوه، فإذا حمل عليه أكثر من طوقه ضاق ذرعاً من ذلك وضعف، ومد عنقه فجعل ضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع والطاقة. و ((ذرعاً)) تمييز محول عن فاعل، والأصل: ضاق ذرعي به. وشاهد الذراع قوله: وإن بات وحشاً ليلة لم يضق بها ذراعاً ولم يصبح لها وهو خاشع ((وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ)) أي: شديد.

стр. 1452

تفسير قوله تعالى: (وجاءه قومه يهرعون إليه) ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود:٧٨]. كيف لا يشتد عليه والشيء الذي كان يخافه قد حصل؟! وذلك كما في قوله تعالى: ((وجاءه قومه يُهرعون إليه)) أي: يسرعون كأنما يدفعون دفعاً، وقرئ مبنياً للفاعل: (يَهرعون إليه) ((ومن قبل)) أي: من قبل مجيئهم. ((كانوا يعملون السيئات)) أي: الفواحش، ويكثرون منها، فهم قد مرنوا عليها، وقل عندهم استقباحها، فلذلك جاءوا مسرعين مجاهرين لا يكفهم حياء، فالجملة (ومن قبل كانوا يعملون السيئات) معترضة لتأكيد ما قبلها. وقيل: إنها بيان لوجه ضيق صدره، أي: لما عرف لوط عادتهم في عمل الفواحش قبل ذلك. ثم قال لهم لوط: ((هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ)): أراد أن يقي أضيافه ببناته، وذلك غاية الكرم. أي: فتزوجوا هؤلاء البنات. أو ((هؤلاء بناتي)) باعتبار أن النبي يكون أباً لأتباعه فيقصد النساء عموماً. أو كان ذلك مبالغة في تواضعه لهم وإظهاراً لشدة امتعاضه مما أوردوا عليه، طمعاً في أن يستحيوا منه، ويرقوا له إذا سمعوا ذلك، فيتركوا ضيوفه. والظاهر أنه ﵇ كان واثقاً بأن قومه لا يؤثرونهن بوجه ما، يعني: مهما أطرى وأطنب وشوق ورغب، فكان إظهاره وقاية ضيفانه وفداءهم بهن، مع وثوقه المذكور وجزمه مبالغة في الاعتناء بحمايتهم، فهو بذل كل ما يستطيع من أجل حماية ضيفانه، مع أنه كان آيساً من أن يستجيبوا لنصيحته، لكنه قال ذلك قياماً بالواجب في مثل هذا الخطب الفادح الفاضح الذي يدوم عاره وشناره، من الدفاع عنهم بأقصى ما يمكن، لكي لا ينسب إلى قصور، وليعلم أن لا غاية وراء هذا لمن لا ركن له من عشيرة أو قبيلة، فهو ما ترك سبيلاً يحمي به ضيفانه إلا سلكه، ومنها: أنه حرضهم على الزواج ببناته وقاية لضيفانه. وقوله: ((هن أطهر لكم)) هذا من التشويق على مرأىً من ضيفانه ومسمع، وفيه ما فيه من زيادة الكرم والإكرام ورعاية الذمام. وبالجملة فهو ترغيب بمحال الوقوع باطناً، وإعذار لنزلائه ظاهراً، والله تعالى أعلم. أي: إذا نطق بهذا الكلام أمام نزلائه وضيفانه يكون قد أعذر نفسه أمامهم، وأنه لم يقصر في حمايتهم. وفي هذا إرشاد إلى التطهر بالطرق المسنونة وهي النكاح، وإشارة إلى تناهي وقاحة أولئك بما استأهلوا به أخذهم الآتي. ((فاتقوا الله)) أي: أن تعصوه بما هو أشد من الزنا خبثاً؛ لأن هناك داعية فطرية وطبيعية تدفع إلى الزنا، أما فعل فاحشة قوم لوط فهو أمر تنفر منه الفطرة، فهو أشد خبثاً من الزنا. ((ولا تخزون في ضيفي)) أي: ولا تهينوني وتفضحوني في شأنهم؛ فإنه إذا أهين ضيف الرجل أو جاره، فإن الخزي يصيب الرجل نفسه لأنه لم يحم ضيفانه، وذلك من عراقة الكرم وأصالة المروءة. (تخزون) مجزوم بحذف النون، وياء المتكلم محذوفة واكتفى عنها بالكسرة، وقرئ بإثباتها: ((ولا تخزوني في ضيفي)). ((أليس منكم رجل رشيد)) أي: فيرعوي عن القبيح ويهتدي إلى الصواب.

стр. 1453

تفسير قوله تعالى: (قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق) قال تعالى: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود:٧٩]. ((قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق)) أي: من حاجة، وقد صدروا كلامهم باللام المؤذنة بأن ما بعدها جواب القسم، كأنهم بالرد عليه قالوا: والله لقد علمت ما لنا في بناتك من حاجة! وفي هذا إشارة إلى ما ذكرناه من أنه كان واثقاً وعالماً بعدم رغبتهم فيهن، ويؤيد ذلك قولهم: ((وإنك لتعلم ما نريد)) استشهدوا بعلمه هو، وذلك لعلمه باطناً أنهم لن يستجيبوا لتمكن هذا الأمر القبيح في نفوسهم.

стр. 1454

تفسير قوله تعالى: (قال لو أن لي بكم قوةً أو آوي إلى ركن شديد) قال تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠]. ((قال لو أن لي بكم قوة)) أي: لو كنت أستطيع أن أدفعكم وأقاتلكم جميعاً ببدني، أو عندي أولاد كثيرون أستطيع أن أدفعكم بهم، ما كنت قصرت في دفعكم. ((أو آوي إلى ركن شديد)) أي: عشيرة كثيرة؛ لأنه كان غريباً عن قومه ﵇، فشبه القبيلة والعشيرة بركن الجبل في الشدة والمنعة. وتقدير الجواب لو أن لي بكم قوة بنفسي أو بولدي أو كان لي قبيلة عزيزة منيعة لفعلت بكم ما فعلت وصنعت ما صنعت، ولكففتكم عما تريدون. قال الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى في الملل: ظن بعض الفرق أن ما جاء في الحديث الصحيح الذي في البخاري من قوله ﷺ : (رحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد)، إنكار على لوط ﵇ بقوله: ((أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ))، ولا تخالف بين القولين بل كلاهما حق؛ لأن لوطاً ﵇ إنما أراد منعة عاجلة يمنع بها قومه مما هم عليه من الفواحش، من قرابة أو عشيرة أو أتباع مؤمنين، وما جهل قط لوط ﵇ أنه يأوي من ربه تعالى إلى آكد قوة وأشد ركن، ولا جناح على لوط ﵇ في طلب قوة من الناس؛ لأن الله قال: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١]. فهذا هو الذي طلبه لوط ﵇، فكونه يستغيث أو يستنجد ببشر فيما يقوى عليه البشر، لا حرج فيه شرعاً؛ لأن هذا من دفع الله الناس بعضهم ببعض. وقد طلب رسول الله ﷺ من الأنصار والمهاجرين منعه وحمايته حتى يبلغ كلام ربه تعالى: (من يؤويني؟ من ينصرني؟ حتى أبلغ رسالة ربي)، فكيف ينكر على لوط أمراً فعله هو ﷺ ؟ إذاً ليس المقصود من الحديث الإنكار على لوط ﵇، وإنما أخبر أن لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد من نصر الله له بالملائكة، ولم يكن لوط علم بذلك، أي: لم يكن قد شعر أن الملائكة في هذه اللحظة ما جاءت إلا لتنصره، وما جاءت إلا لتنتقم منهم بأمر الله. ثم يقول ابن حزم رحمه الله تعالى: ومن اعتقد أن لوطاً كان يعتقد أنه ليس له من الله ركن شديد فقد كفر، إذ نسب إلى نبي من الأنبياء هذا الكفر، وهذا أيضاً ظن سخيف، إذ من الممتنع أن يظن بربه -الذي أراه المعجزات وهو دائماً يدعو إليه- هذا الظن.

стр. 1455

تفسير قوله تعالى: (قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك) قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود:٨١]. ((قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ)) يعني: لن يصلوا إلى إضرارك بإضرارنا. ((فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ)) أي: بطائفة من آخره، وببقية سواد منه عند السحر، وهو وقت استغراقهم في النوم، فلا يمكنهم التعرض لك ولا لأهلك. قرئ: (فأسر) بالقطع و (فاسر) بالوصل. ((وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ)) أي: لا ينظر إلى ورائه، لئلا يلحقه أثر ما نزل عليهم، ((إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ)) أي: من العذاب، فإنها لما سمعت وجبة العذاب التفتت إلى الوراء فهلكت حينئذ، أما هو وسائر أهله فلم يلتفتوا؛ لأنهم نهوا عن الالتفات. قال في الإكليل: فيه أن المرأة والأولاد من الأهل؛ لأنه استثنى الزوجة من الأهل. فهذا دليل أيضاً أن امرأة الرجل من أهل بيته. ((إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ)) أي: موعدهم بالهلاك الصبح، والجملة جواب لاستعجال لوط واستبطائه العذاب. أي أن لوطاً استبطأ العذاب فقالوا: ((إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب))؟ بلى. أو ذكرت ليعجل في السير، فإن قرب الصباح داع إلى الإسراع في الإسراء؛ للتباعد عن موقع العذاب.

стр. 1456

تفسير قوله تعالى: (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها) قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود:٨٢]. ((فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا)) أي: عذابنا. ((جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا)) والجزاء من جنس العمل، فكما قلبوا الفطرة قلب الله عليهم دورهم ((جعلنا عاليها سافلها)) فقلبت تلك المدن بسكانها جميعاً. ((وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ)) أي: من طين متحجر كقوله: ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذاريات:٣٣]. ((مَنْضُودٍ)) أي: يرسل بعضه في إثر بعض متتابعاً مستمراً. قال المهايمي: اتصلت الحجارة بعضها ببعض؛ ليرجموا رجم الزناة، وذلك يناسب قسوتهم ورينهم الذي اتصل بقلوبهم.

стр. 1457

تفسير قوله تعالى: (مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد) ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣]. ((مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ)) أي: هذه الحجارة معلمة عند ربك. ((وَمَا هِيَ)) أي: تلك الحجارة. ((مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ)) أي: ليست من الظالمين بالشرك وغيره ببعيد؛ فإنهم بسبب ظلمهم مستحقون لها. وفيه وعيد شديد لأهل الظلم كافة. وقيل: الضمير في قوله: ((وما هي من الظالمين ببعيد)) للقرى، أي: هي قريبة من ظالمي مكة، يمرون بها في أسفارهم إلى الشام، وقد صار موضع تلك المدن بَحْرَ ماءٍ أجاج، لم يزل إلى يومنا هذا، ويعرف بالبحر الميت، والبحر الميت لا تعيش فيه أسماك ولا كائنات حية على الإطلاق من يومها، بل هو شديد الملوحة والنتن، فمياهه لا تغذي شيئاً من جنس الحيوان، وسمي أيضاً ببحيرة لوط، والأرض التي تليها قاحلة.

стр. 1458

تفسير سورة يوسف [١ - ١٨]

стр. 1459

تسمية السورة ومناسبتها لما قبلها سميت سورة يوسف بهذا لأن معظم ما ذكر في هذه السورة هو قصة يوسف ﵇. وتناسب آي القرآن هو علم من علوم القرآن، أي: أن هناك حكمة ووجوه مناسبة بين ترتيب سور المصحف الشريف، وبين ترتيب الآيات فيما بينها في السورة الواحدة. وفيما يتعلق بمناسبة هذه السورة لما قبلها، فإن السورة التي قبلها وهي سورة هود ختمت بقوله ﵎: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود:١٢٠] فجاء في هذه السورة نبأ من أنباء الرسل، بالإضافة إلى ما مضى. ففي سورة هود ذكر ﵎ ما لقي الأنبياء ﵈ من قومهم، أما في هذه السورة فقد ذكر ما لقي يوسف من إخوته؛ ليعلم ما قاساه الأنبياء من أذى الأجانب والأقارب معاً. فسورة هود ذكر فيها أنباء الرسل وما لاقوه من أذى الأجانب، أما سورة يوسف ففيها ذكر ما لقي يوسف ﵇ من أذى الأقارب وكيد إخوته له، فبين السورتين مناسبة تامة أكيدة، والمقصود بذلك تسلية النبي ﷺ ؛ بما لاقاه من أذى القريب والبعيد. ويكفي أن عمه أبا لهب كان يكيد له أشد الكيد حتى نزلت سورة في شأنه. فجاءت هذه السورة لمواساته ﵊ مما يلقاه من الأذى، وأنه ليس أول من لقي الأذى من الأقارب ومن الأباعد.

стр. 1460

معنى اسم يوسف وحقيقته اللغوية وتعريبه يوسُف اسم عبراني ينطق يوسِف، كذلك يونُس ينطقونها يونِس، فلما عرب هذا الاسم عدل عن يوسِف إلى يوسُف؛ لأن في يوسِف معنى الإيساف والأسف، ولو همزت الواو تقول: يؤسف، كذلك في يونس لما عربت قيل: يونُس ولم يقولوا يونِس؛ لأن فيه معنى الإيناس. فاجتنب في التعريب كسر السين؛ لما فيه من معنى المؤاسفة فصارت يوسُف، ومعناه: يزيد أو زيادة؛ وذلك لما روي أن أمه راحيل قعدت عن الحمل مدة، وكان لها ضرات يلدن فلحقها الحزن، ولما وهبها الله تعالى ولداً بعد سنين سمته يوسف، وقالت: يزيدني به ربي ولداً آخر بعد ما أنعم علي بيوسف.

стр. 1461

وقع سورة يوسف على اليهود وتأثيرها هذه السورة مكية اتفاقاً وآيها مائة وإحدى عشرة بلا خلاف، وقد روى البيهقي في الدلائل (أن طائفة من اليهود حين تلا رسول الله ﷺ عليهم هذه السورة أسلموا) لموافقتها ما عندهم. والسورة لا توافق ما عندهم فحسب، بل هي أوضح في بيان الأحداث، ولو حصلت مقارنة منصفة بين ما ذكر في التوراة وما في القرآن لتبين الفرق الشاسع بينهما، فهناك مواقف محورية حذفت من التوراة فهي غير موجودة، هذا بجانب فقد الترابط، بخلاف ما في القرآن من روعة الأسلوب القرآني وبلاغته، واستكمال المواقف والأحداث.

стр. 1462

تفسير قوله تعالى: (آلر تلك آيات الكتاب المبين) قال تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف:١]. تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور. ((تلك آيات الكتاب المبين)) الإشارة بتلك راجعة إلى آيات هذه السورة الكريمة، فكأنه قد قرأ هذه الآيات التي في سورة يوسف، ثم أشار إليها فقال: ((تلك آيات الكتاب المبين)) مع أنه لم يأت بعد ذكرُ هذه الآيات، فيكون قد نزَّل ما يأتي بعد منزلة الذي قد تقدم، والإشارة بلفظ (تلك) للبعد، وذلك لعظمتها وعلو مرتبتها، وأنها آيات عالية المقام. ((تلك آيات الكتاب المبين)) أي: أن المراد بالكتاب هو السورة؛ لأنه بمعنى المكتوب فيطلق عليها، أو المقصود القرآن كله؛ لأنه كما يطلق على كله يطلق على بعضه، فهذا يطلق عليه قرآن، وهذا يطلق عليه قرآن. ((المبين)) أي: الظاهر أمرها وإعجازها، إن جعل من باب (فعل) اللازم، أما إن جعل من المتعدي فالمفعول مقدر.

стр. 1463

تفسير قوله تعالى: (إنا أنزلناه قرآناً عربياً) قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف:٢]. ((إنا أنزلناه)) أي: الكتاب المنعوت السابق الإشارة إليه. ((قرآنا عربياً لعلكم تعقلون)) أي: لكي تفهموه وتحيطوا بمعانيه ولا يلتبس عليكم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت:٤٤] فمن ثم لا يجوز أن يطلق على تراجم معاني القرآن الكريم لفظ القرآن، كما فعله بعض المستشرقين الملاحدة أعداء الدين، وأيضاً بعض جهلة المسلمين الذين يصنعون تراجم لمعاني القرآن ويسمونها قرآناً، فلا يمكن أن يكون القرآن غير عربي، لذلك لابد أن يقولوا: معاني القرآن الكريم، وألا يقولوا: القرآن؛ لأن الله يقول: ((ولو جعلناه قرآناً أعجمياً)) أي: لو أن القرآن نزل بلغة أخرى غير العربية ((لقالوا لولا فصلت آياته)) لأن اللغات الأخرى غير العربية تعجز عن التعبير عن المعاني القرآنية، وهذا بين لمن قارن بين تراجم هذه المعاني، وبين القرآن الكريم. ((لعلكم تعقلون)) أي: لعلكم تتدبرون بعقولكم أن القصص الموجود في القرآن ومنه قصة يوسف ﵇ خاصة مع وروده بهذه الكيفية من شخص لم يتعلم القصص. إذا أضفنا إلى ذلك خصيصة أخرى من خصائص القصص القرآني، وهي التي عبر ﵎ عنها في وصف القرآن الكريم بأنه مهيمن على ما سبق من الكتب، فالقرآن يفصل في جميع القضايا التي تنازع فيها أهل الكتاب، فيأتي فاصلاً وحاكماً بينهم ومهيمناً على ما عندهم، فهو السلطان الأعلى على ما عندهم، وهذا لا يكون إلا من عند الله ﵎، ولا يكون إلا بواسطة الوحي. أو ((إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون)) أي: لعلكم تعقلون بإنزاله عربياً ما تضمن من المعاني والأسرار التي لا تتضمنها ولا تحتملها غيرها من اللغات؛ وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات وأثبتها وأوسعها، وأكثرها تأديةً للمعاني التي تقوم بالنفوذ. قال بعضهم: نزل أشرف الكتب (القرآن) بأشرف اللغات (اللغة العربية) على أشرف الرسل ﷺ ، بسفارة أشرف الملائكة (جبريل ﵇، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض (مكة)، وفي أشرف شهور السنة (رمضان) وفي أشرف ليلة من هذا الشهر الكريم وهي ليلة القدر، فكمل له الشرف من كل الوجوه. ويمكن أن يضاف إلى ذلك أنه نزل على أشرف أمة؛ لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠].

стр. 1464

تفسير قوله تعالى: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن) قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف:٣]. ((نحن نقص عليك أحسن القصص)) أي: أبدعه طريقة، وأعجبه أسلوباً، وأصدقه أخباراً، وأجمعه حكماً وعبراً. ((بما أوحينا إليك)) أي: بإيحائنا إليك هذا القرآن. ((وإن كنت من قبله لمن الغافلين)) أي: من الغافلين عنه، حتى إنه لم يكن القرآن الكريم من قبل يخطر ببالك، والتعبير عن عدم العلم بالغفلة؛ لإجلال شأن النبي ﷺ ، فهو لم يستعمل الكلمة التي تقوم مقام الغفلة، حتى لا يصف النبي بعدم العلم.

стр. 1465

تفسير قوله تعالى: (إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكباً) قال تعالى: ((إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ)) أي: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام. والظرف (إذ) بدل اشتمال من المفعول قبله. ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف:٤] نادى يوسف أباه بهذه الرؤيا؛ لأن يوسف ﵇ كان يحب أباه يعقوب ﵇، وكان يعتقد في أبيه أنه كامل في علمه، فقد كان نبياً من أنبياء الله، وأيضاً اجتمع إلى كمال علمه حلمه عليه وحبه له وشفقته عليه، بحيث لو كانت رؤياه تسوءه لأمكنه صرفها عنه، وهذا معلوم في عامة الناس. فلذلك تجد الابن دائماً ينظر إلى أبيه على أنه أكمل الناس وأنه أعلم الناس وأكرم الناس وأحسن الناس وهكذا، فلذلك ينظر إليه بصورة فيها اعتقاد علو الشأن بهذه الدرجة، فيوسف ﵇ لا شك أنه محق في ذلك الاعتقاد. قال القاشاني: قوله: ((إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين)) هذه من المنامات التي تحتاج إلى تعبير؛ لأن بعض المنامات تكون أضغاثاً لا تعبير لها ولا يتكلف لها تعبير، لكن هذه كانت واضحة أنها رؤيا حق. ((يا أبت)) أصله: يا أبي، فعوض عن الياء تاء التأنيث لتناسبهما في الزيادة، وكسرت تاء التأنيث لأن الياء مكسورة، فناسبها أن تكسر التاء التي هي عوض عنها، وقرئ بفتحها، (يا أبت) على حركة أصلها، أو لأن أصلها (يا أبتا) فحذفت الألف وبقيت الفتحة، وقرئ بالضم: (يا أبتُ)، إجراءً لها مجرى الأسماء المؤنثة بالتاء، من غير اعتبار التعويض. ((إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين)) هذا استئناف لبيان حالهم التي رآهم عليها. والتكرار في قوله أولاً: (رأيت)، ثم قوله: (رأيتهم) له فائدة، فهو استئناف من أجل بيان كيفية رؤيته هذه الأشياء التي رآها، وعلى هذا فلا تكرار، أو أنه كرر الفعل تأكيداً، وذلك لطول العهد كما في قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون:٣٥]. وإنما أجريت المرئيات المذكورة مجرى العقلاء في ضميرهم، وجمع صفتهم جمعاً مذكراً سالماً (ساجدين)؛ لأنه وصفها بفعل من أفعال العقلاء، وهو السجود. ولو صح كونها ناطقة فلا إشكال. قال القاشاني: ولم أر من تعرض لهيئة السجود. أي: كيف كان سجود الشمس والقمر، هل حركت جانبها الأعلى إلى الأسفل، أو ظهرت مستديرة أو مستطيلة؟! وهذا كله من التكلف، وإنما ينبغي أن يوكل علم ذلك إلى الله ، كما قال ﵎: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤].

стр. 1466

تفسير قوله تعالى: (قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك) قال تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف:٥]. ((قال يا بني)) صغره لصغر سنه، وللشفقة عليه، ولعذوبة المصغر، فإن الصغير كما يكون أحياناً للتحقير يكون أحياناً للتمليح، فهنا المقصود به التعبير عن عذوبة اللفظ المصغر. ((فيكيدوا لك كيداً)) أي: فيفعلوا لهلاكك تحيلاً عظيماً متلفاً لك. ((إن الشيطان للإنسان عدو مبين)) أي: ظاهر العداوة، فلا يألو جهداً في إغواء إخوتك وحملهم على ما لا خير فيه. قال القاشاني: هذا النهي من الإلهامات المجملة، فإنه قد يلوح صورة الغيب من المجردات الروحانية في الروح، ويصل أثره إلى القلب. يعني: أن الله ربما يكون أوقع في قلب يعقوب ﵇ ما يريده إخوته له، فيقع في النفس من ذلك خوف واحتراز إن كان مكروهاً، فهذا النوع من الإلهام يسمى: إنذارات، وإذا كان الإلهام مما يسر فيسمى بشارات. فخاف يعقوب ﵇ من وقوع ما سيقع قبل وقوعه، وهذا شيء مجرب، ويعبرون عن الإلهام أحياناً بالحاسة السادسة. وهذا يحصل كثيراً ونسمع كثيراً من هذا للأمهات بالذات، لأن قلوب الأمهات رقيقة، فنسمع قصصاً كثيرة عن أمهات قالت في نفس الوقت الذي حصل فيه حادث للابن في مكان بعيد: إني أشعر بقلبي أن حادثاً حدث لابني، وهذا من الإلهام الذي يلقيه الله في قلب الإنسان، فكذلك ربما يكون ما وقع ليعقوب ﵇ حينما قص عليه يوسف الرؤيا مثل هذا الخوف، فنهاه عن إخبارهم برؤياه؛ احترازاً واحتياطاً. ويجوز أن يكون احترازه من جهة دلالة الرؤيا على شرفه وكرامته، وأن قدره سيزيد على قدر إخوته، فخاف من حسدهم عليه عند شعورهم بذلك. وتعلمون أن من آداب الرؤيا: ألا تقص الرؤيا إلا على حبيب أو لبيب، كما أمر النبي ﷺ ؛ لأن الحبيب لا يحسد، أما إذا قصصت الرؤيا على عدوك المناوئ لك فقد يحمله الحسد على أن يتعمد الإساءة في تعبيرها بشر؛ لأنها تقع على ما تعبر به. أو (لبيب) أي: رجل عاقل له علم ودراية بالأصول وقواعد تفسير وتعبير الرؤى. قال السيوطي في الإكليل: قال الكياالهراسي: هذا يدل على جواز ترك إظهار النعمة لمن يخشى منه حسد ومكروه. قال ابن العربي: في حكم العادة أن الإخوة والقرابة يحسدون، أي: أن هذه الآية الكريمة فيها بيان لهذا الأمر الذي يقع عادةً بين الناس، وهو أن الإخوة والقرابة يتحاسدون، والسبب هو أن الحسد يكون أقوى إذا كان هناك قاسم مشترك أو وصف مشترك بين طرفين. مثلاً: اثنان مشتركان في علم، أو مشتركان في مهنة، أو مشتركان في قرابة من نفس النسق، فغالباً ما يقع الحسد بينهما. فلذلك يكثر الحسد في الأقارب إلا من عصم الله . ثم يقول ابن العربي: وفيه أن يعقوب عرف تأويل الرؤيا ولم يبال بذلك، فهذا فيه إشارة إلى قاعدة مقررة ينطق بها كل الناس: وهي أن الشخص الوحيد الذي يحب لك أن تكون أفضل منه هو أبوك، لذلك يعقوب ﵇ ما تأذى بذلك، بل فرح لعلو مقام ابنه يوسف ﵇ كما تنبئ عنه هذه الرؤيا فلم يتأثر بذلك، بل خشي من حسد إخوته له. أما الأخ فإنه لا يود ذلك لأخيه، بخلاف المؤمن فإنه لا يكره خيراً لأخيه؛ لأن المؤمن لا يؤمن حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه؛ لكن ربما يكون الكلام هنا فيما زاد على القدر المتساوي، وإلا فهذه درجة من الإيمان موجودة كما وجدت في المهاجرين والأنصار: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] فهناك نماذج في التقوى من البشر لكنها قليلة، فتجد من يحب لأخيه من الخير مثل ما يحب لنفسه. أما الأب فهو الذي يحب أن يكون ابنه أفضل منه وخيراً منه غالباً. قال الحاكم: هذا يدل على أنه يجب في بعض الأوقات إخفاء فضيلة؛ تحرزاً من الحسود إذا عرف منه ذلك.

стр. 1467

حكم كتم الحق عند خوف الفتنة يقول الحاكم: وهذا داخل في قولنا: إن الحسد إذا كان سبباً للقبيح قبح، يعني: تفريعاً على قاعدة: أن الوسائل لها حكم الغايات والمقاصد، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨] فسب آلهة الكفار حسنة؛ لكنه إذا أدى إلى قبيح وهو المقابلة بالمثل، فإنه يقبح. وفي هذا ما ذكر عن زين العابدين من قوله: إني لأكتم من علمي جواهره كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا لأن بعض العلم إذا ألقيته إلى غير أهله يسيء فهمه، فهناك من العلوم ما يكتم بحسب مستوى الشخص الذي تكلمه. فإذا فتحت عليه باب شبهة ربما أفسدت عليه دينه، وفي ذلك يقول ابن مسعود ﵁ (ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة). وهذا يعقوب صلوات الله عليه أمر يوسف ألا يقص رؤياه على إخوته، فلا معنى لزعم من يزعم أن العلم لا يحل كتمه، نقول: عليه أولاً أن ينظر إذا كان إظهار العلم مما يضر المخاطبين فإنه يكتم عنهم؛ لأن هناك من العلوم ما يحتاج إلى درجة معينة من الفهم، المقصود من هذا أن خوف شر الأشرار أمر معتبر شرعاً، وهو من الصوارف التي تجيز كتم الحق أحياناً. قال السيد المرتضى اليماني في كتابه (إيثار الحق على الخلق): مما زاد الحق غموضاً وخفاءً خوف العارفين -مع قلتهم- من علماء السوء وسلاطين الجور. إن هذا الاستبداد والظلم الحاصل من سلاطين الجور قد يكون عذراً لبعض الناس ألا يجهروا بالحق، مع جواز التقية عند ذلك بنص القرآن ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] أو قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران:٢٨] وإجماع أهل الإسلام أيضاً على جواز ذلك، وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحق، وما برح المحق عدواً لأكثر الخلق، وذكر من قبل في الاستدلال على التقية أنه تعالى أثنى على مؤمن آل فرعون، ووصفه بالإيمان، مع أنه كان يكتم إيمانه: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر:٢٨] وقد كان يكتم إيمانه تقية، وسميت به سورة غافر فهي تسمى أيضاً سورة المؤمن، أي مؤمن آل فرعون. وصح أمر عمار بالتقية وتقريره عليها حينما قال له النبي ﷺ : (إن عادوا فعد) ونزل فيه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] وقد صح عن أبي هريرة ﵁ أنه قال في ذلك العصر الأول (حفظت من رسول الله ﷺ وعائين، أما أحدهما: فبثثته لكم -أي: نشرته فيكم وأعلمتكم به- وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم) أي: من أمراء الجور والظلم إذا جهر بهذا العلم. ولذلك قال الغزالي في خطبة المقصد الأسنى: من جهل الحق جدير بأن يتعامى، لكن من أبصر الحق عسير عليه أن يتعامى. ومن ثم كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى يرى أن العالم ليس له أن يأخذ بالتقية؛ لأن العلماء العاملين الذين يعلمون الحق قلة، فإذا سكت العالم عن إظهار الحق الذي عنده مع جهل الناس؛ فمتى تقوم الحجة على هؤلاء الناس؟ والإمام أحمد أنكر أشد الإنكار على من اتقى القول في فتنة خلق القرآن، وصمد هو وقلة معه رحمه الله تعالى. ومن الشعر الذي قيل في علي بن المديني وهو إمام جليل رحمه الله تعالى: يا ابن المديني الذي عرضت له دنيا فجاب بدينه لينالها ماذا دعاك إلى انتحال مقالةٍ قد كنت تزعم كافراً من قالها فهذا من العتاب الذي يكون بين العلماء في قضية الصدع بالحق وعدم التقية، لكن أغلب العلماء يرون جواز التقية عند الإكراه.

стр. 1468

تفسير قوله تعالى: (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث) قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف:٦]. ((وكذلك يجتبيك ربك)) أي: كما اصطفاك بهذه الرؤيا العظيمة الشأن يصطفيك للنبوة والسيادة. ((ويعلمك من تأويل الأحاديث)) أي: تعبير المنامات، وإنما سمي التعبير تأويلاً لأنه جعل المرئي آيلاً إلى ما يذكره المعبر بصدد التعبير، والتعبير يكشف عما ستئول إليه هذه الرؤيا. والأحاديث اسم جمع للحديث سميت به الرؤيا؛ لأن الرؤيا إما حديث ملك، وإما حديث نفس، وإما حديث شيطان، فلذلك سماها الأحاديث. ((ويتم نعمته عليك)) أي: بما سيئول إليه أمرك فيما بعد. ((وعلى آل يعقوب)) وهم أهله من بنيه وحاشيتهم، أي: يبرز نعمته عليهم بك. ((إن ربك عليم)) بمن هو مستحق للاجتباء والاصطفاء ((حكيم)) في صنعه.

стр. 1469

أقوال المفسرين في كون الرؤيا سبباً في اصطفاء يوسف ﵇ قال أبو السعود: كأن يعقوب ﵇ أشار بقوله: ((ويعلمك من تأويل الأحاديث)) إلى ما سيقع من يوسف ﵇ من تعبيره لرؤيا صاحبي السجن، ورؤيا الملك، وكون ذلك ذريعة إلى ما يبلغه الله إليه من الرئاسة العظمى التي عبر عنها بإتمام النعمة، وإنما عرف يعقوب ﵇ ذلك منه من جهة الوحي؛ لأنه كان نبياً يوحى إليه، فعرف أن الله كما اصطفاه بأن يرى هذه الرؤيا سوف يصطفيه بإتمام النعمة عليه. سيكون إتمام النعمة عليه عن طريق علم التعبير، حتى إنه عبر رؤيا صاحبي السجن، الذي كان أحدهما سبباً فيما بعد لمعرفة شأنه في التعبير وأن يستدعى لتعبير رؤيا الملك، ورؤيا الملك كانت سبباً في إتمام نعمة الله عليه في الزيادة كما ذكرنا، وإنما عرف يعقوب ﵇ ذلك منه من جهة الوحي. أو أراد كون هذه الخصلة سبباً لظهور أمره ﵇ على الإطلاق، فيجوز حينئذ أن تكون معرفة يعقوب بطريق الوحي، وإما بطريق التفرس في يوسف ﵇، وعن طريق الاستدلال من الشواهد والدلائل والأمارات والمخايل، فإن الغلام النجيب يسهل جداً على من هو صاحب فراسة أن يتنبأ، أو يستكشف ما ينتظر من نبوغه فيما بعد، هذا أمر له نظائر هنا، فكأنه استدل ﵇ بأن من وفقه الله تعالى لمثل هذه الرؤيا لا بد من توفيقه لتعبيرها وتأويل أمثالها، وتمييز ما هو آفاقي منها مما هو أنفسي، كيف لا وهي تدل على كمال تمكن نفسه ﵇ في عالم المثال وقوة تصرفاتها فيه، فيكون أقبل لفيضان المعارف المتعلقة بذلك العالم، فمن كان عنده الشفافية حتى يرى مثل هذه الرؤيا فلا بد أن الله سيمن عليه بالوعي والبصيرة حتى يتمكن من تعبير هذه الرؤيا، إن هذا الشأن البديع لا بد أن يكون أنموذجاً لظهور أمر من اتصف به، ومداراً لجريان الأحكام، فإن لكل نبي من الأنبياء ﵈ معجزة تظهر بها آثاره وتجري أحكامه. وقد استدل بهذه الآية الكريمة في قوله تعالى: ((كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق)) على أن الجد يطلق عليه اسم الأب، فمن نسب رجلاً إلى جده وقال: يا ابن فلان، فلا يكون قذفاً.

стр. 1470

فوائد من تحذير يعقوب ليوسف من إظهار رؤياه لإخوته قال المهايمي: من فوائد هذا المقام: استحباب كتمان السر، أي: يؤخذ من هذه من هذا الموقف بين يوسف ﵇ وأبيه استحباب كتمان السر. وجواز التحذير من شخص بعينه، وقد صح عن الرسول ﵊ قال: (استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود). وجواز أيضاً مدح الشخص في وجهه إذا لم يضره، واعتبار الأخذ بالأسباب كما قال يعقوب لولده يوسف: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف:٥] فاعتبر الأخذ بالأسباب بأن نصح ابنه بكتمان هذه الرؤيا. ((فيكيدوا لك كيداً)) حتى إن السبب لم يدفع عن يوسف كيد إخوانه. فيعتبر السبب وإن لم يؤثر، وكذلك جواز تعبير رؤيا الصغير لأن الصغير قد يرى رؤيا حق. على أي الأحوال الإخبار عن هذه الرؤيا آية، وعما ترتب عليها آيات. ثم ذكر القاسمي بحثاً مطولاً نقلاً عن الإمام الراغب الأصفهاني في كتابه (الذريعة) عن الرؤيا، وكذلك عن ابن خلدون، فنتجاوز هذين البحثين إلى قوله: وذكر ابن خلدون ﵀ عند بحث علم تعبير الرؤيا: أن التعبير للرؤيا كان موجوداً عند السلف كما هو في الخلف، وأن يوسف الصديق صلوات الله عليه كان يعبر الرؤيا كما وقع في القرآن الكريم، وكذلك ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه كما في الحديث: (أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً). إذاً: المرئي منه ما يكون صريحاً لا يفتقر إلى تعبير، كأن تكون رؤيا جلية واضحة، ومنه ما يحتاج إلى معبر. وهذا علم له أصوله وله قواعده، فلا ينبغي للإنسان أن يتجاسر على تعبير الرؤيا؛ لأنها جزء من الوحي كما في الحديث: (هي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) فلذلك كان بعض المعبرين أو بعض العلماء يمتنع من التعبير ويقول: أتريد أن أكذب في الوحي. وقد كانت الرؤيا الصادقة من الإرهاصات التي تقدمت بعثة النبي ﷺ كما روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: (كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح).

стр. 1471

تفسير قوله تعالى: (لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين) قال ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف:٧]. ((لقد كان في يوسف وإخوته)) أي: في قصة وحديث يوسف وإخوته. ((آيات للسائلين)) أي: دلائل على قدرته تعالى وحكمته في كل شيء لمن سأل عن نبئهم، أو آيات على نبوته صلوات الله عليه لمن سأل عن نبئهم فأخبرهم بالصحة من غير تلق عن بشر؛ لأنه ﵊ لم يتلق عن بشر ولم يأخذ عن كتاب، فلم يبق إلا أن مصدره هو الوحي المعصوم من الله . (آيات للسائلين) أي: آيات معظمات لمن يسأل عن قصتهم ويعرفها. أولاً: تدل هذه الآيات على أن الاصطفاء المحض أمر مخصوص بمشيئة الله تعالى، كما قال : ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨] وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ [يوسف:٦] أي: يصطفيك، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ [آل عمران:٣٣] إلى آخره. أي: أن الاصطفاء لا يتعلق بسعي ساع ولا إرادة مريد، فهذا محض فضل من الله ، ليس أمراً مكتسباً. ثانياً: الآية الأخرى المشار إليها في قوله: ((آيات للسائلين)) تدل على أنه إذا قضى الله أن يصيب عبده بخير فلا يمكن لأحد أن يمنع عنه هذا الخير أو يدفعه، وهناك جملة كبيرة من الآيات في القرآن الكريم تدل على ذلك، وكذلك قول النبي ﷺ : (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، فإذاً من أراد الله به خيراً لا يمكن لأحد أن يدفع عنه هذا الخير، لا راد لقضائه ، ومن عصمه الله لم يمكن لأحد أن يرميه بسوء ولا أن يقصده بشر، فيقوى يقينهم وتوكلهم. فثمرة هذه القصة أن باستحضارها يقوى يقين المؤمنين وتوكلهم على الله ، والعلم بأن كيد الشيطان وإغواءه أمر لا يأمن منه أحد حتى الأنبياء، فيكونون منه على حذر. نعم الأنبياء معصومون من المعاصي، لكن الشيطان حريص على أن يكيدهم، من ذلك كيد الشيطان عن طريق التحريض لإخوة يوسف على أن يكيدوا يوسف ﵇. أي هذه الآيات تطلعهم من طريق الفهم -الذي هو الانتقال الذهني- على أحوالهم في البداية والنهاية وما بينهما، وكيفية سلوكهم إلى الله، فتثير شوقهم وإرادتهم، وتكحل بصيرتهم وتقوي عزيمتهم. أول السورة وهو غلام بريء يحكي لأبيه هذه القصة، ثم انظر في النهاية تجد العز والقدرة والتمكين: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ [يوسف:١٠١] إلى آخر الآية، مما يدل على أن العاقبة للمتقين.

стр. 1472

تفسير قوله تعالى: (إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة) قال تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف:٨]. ((إذ قالوا ليوسف وأخوه)) بنيامين، وهو شقيقه، وأمهما راحيل بنت ليان خال يعقوب ﵇. ((أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة)) بالنصب أي: والحال أننا جماعة أقوياء، فنحن أحق بالمحبة من صغيرين لا كفاية فيهما، لأننا رجال أشداء أقوياء نقضي حوائج أبينا وينتفع بنا. والعصبة والعصابة: الجماعة من الرجال، فإذاً: ذكر العصبة ليس لإفادة العدد فقط؛ بل للإشعار بالقوة، ليكون أنسب في الإنكار. ثم قالوا بعد ذلك: ((إن أبانا لفي ضلال مبين)) أي: في ذهاب عن طريق الصواب في هذه المسألة بالذات؛ لأنه فضل المفضول بزعمهم على الفاضل، وغاب عنهم أن يعقوب ﵇ ما كان في ضلال مبين وإنما رأى في يوسف ﵇ مخايل النجابة وعلامات السيادة التي سيئول إليها أمره فيما بعد، لاسيما بعد ما قص عليه تلك الرؤيا، فكانت دليلاً على أن الله يريد به خيراً، أما بنيامين فلكونه شقيقه ولكونه كان أصغرهم، ومن المعروف زيادة الميل لأصغر البنين.

стр. 1473

تفسير قوله تعالى: (اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً) قال تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف:٩]. ((اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً)) هذا من قولهم المحكي قبل، وإنما قالوا هذا لأن خبر المنام بلغهم، ويروى أنه قصه عليهم فتشاوروا في كيده، ولا نستطيع أن نجزم بأن يوسف ﵇ أخبرهم، فالله أعلم. وتنكير كلمة (أرضاً) وإخلاؤها من الوصف للإبهام، أي: اطرحوا يوسف في أرض مجهولة لا يعرفها الأب، ولا يمكن ليوسف أن يعرف طريق العودة إليه. ((يخل لكم وجه أبيكم)) هذا هو جواب الأمر كناية عن خلوص محبته لهم؛ لأنه يدل على إقباله عليهم بكليته، وعلى فراغه عن الشغل بيوسف فيشتغل بهم، لكن ما حصل هو العكس، فإن يعقوب ﵇ حزن أشد الحزن لغياب يوسف. ((وتكونوا من بعده قوماً صالحين)) أي: من بعد الفراغ من قتله أو طرحه. هذه حيلة الشيطان الدائمة، فهو إذا أراد أن يسوغ للإنسان المرور إلى منطقة محذورة، أو ارتكاب أي نوع من الشر أو التقصير أو المعاصي، فإنه يقول له: اعمل هذا الشيء هذه المرة، ثم إنك بعد ذلك ستتوب وستكون من الصالحين، فانظر كيف قال لإخوة يوسف: ((وتكونوا من بعده قوماً صالحين)) أي: تائبين إلى الله مما جنيتم، فيكون صلاحكم فداء عن معصية قتله أو طرحه. أو ((وتكونوا من بعده قوماً صالحين)) أي: ستصلح دنياكم وتصلح أموركم بعده لخلو وجه أبيكم. قال ابن إسحاق: لقد اجتمعوا على أمر عظيم من قطيعة الرحم، وعقوق الوالد، وقلة الرأفة بالصغير الذي لا ذنب له، وبالكبير الفاني ذي الحق والحرمة والفضل، وخطره عند الله مع حق الوالد على ولده ليفرقوا بينه وبين أبيه على كبر سنه ورقة عظمه، مع مكانه من الله، فيمن أحبه طفلاً صغيراً، وبين ابنه على ضعف قوته وصغر سنه وحاجته إلى لطف والده وسكونه إليه، يغفر الله لهم. والعجيب أنهم أجمعوا واجتمعوا على كل هذه الكبائر. قال ابن كثير: اعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف. وذلك لأنه لا يمكن للأنبياء أن يرتكبوا هذه الكبائر الموبقة، لأن الأنبياء معصومون من مثل هذا. ثم يقول: وظاهر هذا السياق يدل على خلاف ذلك، ومن الناس من يزعم أنه أوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر، ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل، ولم يذكروا سوى قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ﴾ [البقرة:١٣٦] وهذا فيه احتمال؛ لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم الأسباط، كما يقال للعرب قبائل، وللعجم شعوب: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾ [الحجرات:١٣]. فيذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل، فذكرهم إجمالاً؛ لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم، والله تعالى أعلم.

стр. 1474

تفسير قوله تعالى: (قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجبِّ) قال تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف:١٠]. ((قال قائل منهم)) أي: قالها قولة صريحة ورضي الباقون بهذا الاقتراح: ((لا تقتلوا يوسف)) لأن القتل من الكبائر التي يخاف معها سد باب الصلاح، فهم قالوا: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف:٩] وهذا قال لهم: إذاً القتل كبيرة موبقة ربما تسبب شؤمها في أن يسد عليكم باب الصلاح فيما بعد، وإنما أظهره في مكان الإضمار؛ استجلاباً لشفقتهم عليه، أو استعظاماً لقتله. ((وألقوه في غيابة الجب)) أي: في غوره، والجب: البئر التي لم تطو. ((يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ)) أي: يأخذه بعض الأقوام الذين يسيرون في الأرض فيتملكه، فلا يمكنه الرجوع إلى أبيه، فيحصل مطلوبكم بكونكم تتخلصون من يوسف ويخلو لكم وجه أبيكم من غير ارتكاب كبيرة يخاف معها سد باب الصلاح عليكم. ((إن كنتم فاعلين)) أي: إن كنتم عازمين مصرين على أن تفرقوا بينه وبين أبيه، وقد روي: أن القائل هو أخوهم الأكبر.

стр. 1475

تفسير قوله تعالى: (قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف لحافظون) لما تواطئوا على رأي أخيهم الأكبر واتفقوا على هذا المذهب جاءوا أباهم يعقوب فـ: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ [يوسف:١١]. ((قالوا)) أي: لأبيهم: ((يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون)) أي: لم تخافنا عليه ونحن نريد له الخير ونحبه ونشفق عليه؟ لقد لاحظوا أن أباهم كان محتاطاً ومحترزاً على حفظ يوسف ﵇ من إخوته، فأرادوا منه أن يتنازل عن هذا الاحتياط وهذا الاحتراز. وفيه دليل على أنه أحس منهم بما أوجب ألا يأمنهم عليه، فبالتالي أخذ يحتاط أكثر؛ كيلا يمسوه بسوء. ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف:١٢]. الرتع: هو الأكل والشرب، واللعب: هو السعي والنشاط، حيث يكون الخضرة والمياه والزروع، كأنهم يقولون: إن إلزامك يوسف وحرصك على أن يكون ملازماً لك في نفس المكان دون أن يخرج معنا ليرتع ويلعب ويسعى ويجري ويمرح في الخضرة والزروع والمياه، هذا يوجد لديه نوعاً من الملل، والملل سوف يضعف نشاطه على العبادة، واكتساب الكمالات. ((وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) هنا توكيد بأن وباللام.
следующие страницы →