Полный текст (3 275 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
تفسير قوله تعالى: (لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين)
قال ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف:٧].
((لقد كان في يوسف وإخوته)) أي: في قصة وحديث يوسف وإخوته.
((آيات للسائلين)) أي: دلائل على قدرته تعالى وحكمته في كل شيء لمن سأل عن نبئهم، أو آيات على نبوته صلوات الله عليه لمن سأل عن نبئهم فأخبرهم بالصحة من غير تلق عن بشر؛ لأنه ﵊ لم يتلق عن بشر ولم يأخذ عن كتاب، فلم يبق إلا أن مصدره هو الوحي المعصوم من الله .
(آيات للسائلين) أي: آيات معظمات لمن يسأل عن قصتهم ويعرفها.
أولاً: تدل هذه الآيات على أن الاصطفاء المحض أمر مخصوص بمشيئة الله تعالى، كما قال : ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨] وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ [يوسف:٦] أي: يصطفيك، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ [آل عمران:٣٣] إلى آخره.
أي: أن الاصطفاء لا يتعلق بسعي ساع ولا إرادة مريد، فهذا محض فضل من الله ، ليس أمراً مكتسباً.
ثانياً: الآية الأخرى المشار إليها في قوله: ((آيات للسائلين)) تدل على أنه إذا قضى الله أن يصيب عبده بخير فلا يمكن لأحد أن يمنع عنه هذا الخير أو يدفعه، وهناك جملة كبيرة من الآيات في القرآن الكريم تدل على ذلك، وكذلك قول النبي ﷺ : (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، فإذاً من أراد الله به خيراً لا يمكن لأحد أن يدفع عنه هذا الخير، لا راد لقضائه ، ومن عصمه الله لم يمكن لأحد أن يرميه بسوء ولا أن يقصده بشر، فيقوى يقينهم وتوكلهم.
فثمرة هذه القصة أن باستحضارها يقوى يقين المؤمنين وتوكلهم على الله ، والعلم بأن كيد الشيطان وإغواءه أمر لا يأمن منه أحد حتى الأنبياء، فيكونون منه على حذر.
نعم الأنبياء معصومون من المعاصي، لكن الشيطان حريص على أن يكيدهم، من ذلك كيد الشيطان عن طريق التحريض لإخوة يوسف على أن يكيدوا يوسف ﵇.
أي هذه الآيات تطلعهم من طريق الفهم -الذي هو الانتقال الذهني- على أحوالهم في البداية والنهاية وما بينهما، وكيفية سلوكهم إلى الله، فتثير شوقهم وإرادتهم، وتكحل بصيرتهم وتقوي عزيمتهم.
أول السورة وهو غلام بريء يحكي لأبيه هذه القصة، ثم انظر في النهاية تجد العز والقدرة والتمكين: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ [يوسف:١٠١] إلى آخر الآية، مما يدل على أن العاقبة للمتقين.
стр. 1472
تفسير قوله تعالى: (إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة)
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف:٨].
((إذ قالوا ليوسف وأخوه)) بنيامين، وهو شقيقه، وأمهما راحيل بنت ليان خال يعقوب ﵇.
((أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة)) بالنصب أي: والحال أننا جماعة أقوياء، فنحن أحق بالمحبة من صغيرين لا كفاية فيهما، لأننا رجال أشداء أقوياء نقضي حوائج أبينا وينتفع بنا.
والعصبة والعصابة: الجماعة من الرجال، فإذاً: ذكر العصبة ليس لإفادة العدد فقط؛ بل للإشعار بالقوة، ليكون أنسب في الإنكار.
ثم قالوا بعد ذلك: ((إن أبانا لفي ضلال مبين)) أي: في ذهاب عن طريق الصواب في هذه المسألة بالذات؛ لأنه فضل المفضول بزعمهم على الفاضل، وغاب عنهم أن يعقوب ﵇ ما كان في ضلال مبين وإنما رأى في يوسف ﵇ مخايل النجابة وعلامات السيادة التي سيئول إليها أمره فيما بعد، لاسيما بعد ما قص عليه تلك الرؤيا، فكانت دليلاً على أن الله يريد به خيراً، أما بنيامين فلكونه شقيقه ولكونه كان أصغرهم، ومن المعروف زيادة الميل لأصغر البنين.
стр. 1473
تفسير قوله تعالى: (اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً)
قال تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف:٩].
((اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً)) هذا من قولهم المحكي قبل، وإنما قالوا هذا لأن خبر المنام بلغهم، ويروى أنه قصه عليهم فتشاوروا في كيده، ولا نستطيع أن نجزم بأن يوسف ﵇ أخبرهم، فالله أعلم.
وتنكير كلمة (أرضاً) وإخلاؤها من الوصف للإبهام، أي: اطرحوا يوسف في أرض مجهولة لا يعرفها الأب، ولا يمكن ليوسف أن يعرف طريق العودة إليه.
((يخل لكم وجه أبيكم)) هذا هو جواب الأمر كناية عن خلوص محبته لهم؛ لأنه يدل على إقباله عليهم بكليته، وعلى فراغه عن الشغل بيوسف فيشتغل بهم، لكن ما حصل هو العكس، فإن يعقوب ﵇ حزن أشد الحزن لغياب يوسف.
((وتكونوا من بعده قوماً صالحين)) أي: من بعد الفراغ من قتله أو طرحه.
هذه حيلة الشيطان الدائمة، فهو إذا أراد أن يسوغ للإنسان المرور إلى منطقة محذورة، أو ارتكاب أي نوع من الشر أو التقصير أو المعاصي، فإنه يقول له: اعمل هذا الشيء هذه المرة، ثم إنك بعد ذلك ستتوب وستكون من الصالحين، فانظر كيف قال لإخوة يوسف: ((وتكونوا من بعده قوماً صالحين)) أي: تائبين إلى الله مما جنيتم، فيكون صلاحكم فداء عن معصية قتله أو طرحه.
أو ((وتكونوا من بعده قوماً صالحين)) أي: ستصلح دنياكم وتصلح أموركم بعده لخلو وجه أبيكم.
قال ابن إسحاق: لقد اجتمعوا على أمر عظيم من قطيعة الرحم، وعقوق الوالد، وقلة الرأفة بالصغير الذي لا ذنب له، وبالكبير الفاني ذي الحق والحرمة والفضل، وخطره عند الله مع حق الوالد على ولده ليفرقوا بينه وبين أبيه على كبر سنه ورقة عظمه، مع مكانه من الله، فيمن أحبه طفلاً صغيراً، وبين ابنه على ضعف قوته وصغر سنه وحاجته إلى لطف والده وسكونه إليه، يغفر الله لهم.
والعجيب أنهم أجمعوا واجتمعوا على كل هذه الكبائر.
قال ابن كثير: اعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف.
وذلك لأنه لا يمكن للأنبياء أن يرتكبوا هذه الكبائر الموبقة، لأن الأنبياء معصومون من مثل هذا.
ثم يقول: وظاهر هذا السياق يدل على خلاف ذلك، ومن الناس من يزعم أنه أوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر، ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل، ولم يذكروا سوى قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ﴾ [البقرة:١٣٦] وهذا فيه احتمال؛ لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم الأسباط، كما يقال للعرب قبائل، وللعجم شعوب: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾ [الحجرات:١٣].
فيذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل، فذكرهم إجمالاً؛ لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم، والله تعالى أعلم.
стр. 1474
تفسير قوله تعالى: (قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجبِّ)
قال تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف:١٠].
((قال قائل منهم)) أي: قالها قولة صريحة ورضي الباقون بهذا الاقتراح: ((لا تقتلوا يوسف)) لأن القتل من الكبائر التي يخاف معها سد باب الصلاح، فهم قالوا: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف:٩] وهذا قال لهم: إذاً القتل كبيرة موبقة ربما تسبب شؤمها في أن يسد عليكم باب الصلاح فيما بعد، وإنما أظهره في مكان الإضمار؛ استجلاباً لشفقتهم عليه، أو استعظاماً لقتله.
((وألقوه في غيابة الجب)) أي: في غوره، والجب: البئر التي لم تطو.
((يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ)) أي: يأخذه بعض الأقوام الذين يسيرون في الأرض فيتملكه، فلا يمكنه الرجوع إلى أبيه، فيحصل مطلوبكم بكونكم تتخلصون من يوسف ويخلو لكم وجه أبيكم من غير ارتكاب كبيرة يخاف معها سد باب الصلاح عليكم.
((إن كنتم فاعلين)) أي: إن كنتم عازمين مصرين على أن تفرقوا بينه وبين أبيه، وقد روي: أن القائل هو أخوهم الأكبر.
стр. 1475
تفسير قوله تعالى: (قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف لحافظون)
لما تواطئوا على رأي أخيهم الأكبر واتفقوا على هذا المذهب جاءوا أباهم يعقوب فـ: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ [يوسف:١١].
((قالوا)) أي: لأبيهم: ((يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون)) أي: لم تخافنا عليه ونحن نريد له الخير ونحبه ونشفق عليه؟ لقد لاحظوا أن أباهم كان محتاطاً ومحترزاً على حفظ يوسف ﵇ من إخوته، فأرادوا منه أن يتنازل عن هذا الاحتياط وهذا الاحتراز.
وفيه دليل على أنه أحس منهم بما أوجب ألا يأمنهم عليه، فبالتالي أخذ يحتاط أكثر؛ كيلا يمسوه بسوء.
﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف:١٢].
الرتع: هو الأكل والشرب، واللعب: هو السعي والنشاط، حيث يكون الخضرة والمياه والزروع، كأنهم يقولون: إن إلزامك يوسف وحرصك على أن يكون ملازماً لك في نفس المكان دون أن يخرج معنا ليرتع ويلعب ويسعى ويجري ويمرح في الخضرة والزروع والمياه، هذا يوجد لديه نوعاً من الملل، والملل سوف يضعف نشاطه على العبادة، واكتساب الكمالات.
((وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) هنا توكيد بأن وباللام.
стр. 1476
تفسير قوله تعالى: (قال إني ليحزنني أن تذهبوا به لخاسرون)
قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ [يوسف:١٣].
أي: حتى لو كنتم تضمنون لي أنكم تحفظونه فحفظكم له إنما يحصل إذا كنتم دائمي النظر إليه، لكن لا يخلو الإنسان عن الغفلة، فأخاف غفلتكم عنه.
قال الزمخشري: اعتذر إليهم بشيئين: أحدهما: أن ذهابهم به ومفارقتهم إياه مما يحزنه؛ لأنه كان لا يصبر عنه ساعة.
الثاني: خوفه عليه من عدوة الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم ولعبهم، أو قلّ به اهتمامهم ولم تصدق بحفظه عنايتهم.
قال الناصر: وكان أشد الأمرين على قلبه خوف الذئب عليه، فهو يجزع لذلك، وأما حزنه لمفارقته ريثما يرتع ويلعب ويعود سالماً إليه عما قريب فأمر سهل.
إن الذي فهمه إخوة يوسف هو خوف أبيهم من الذئب؛ لذلك لم يشتغلوا إلا بتأمينه، فلم يناقشوه في جواب قول يعقوب: ((إني ليحزنني أن تذهبوا به) وإنما أجابوا عن أشق الأمرين على نفسه وهو خوفه من الذئب عليه فأجابوا ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [يوسف:١٤].
((ونحن عصبة)) أي: جماعة أقوياء يمكننا أن ننزعه من يد الذئب.
((إنا إذاً لخاسرون)) أي: هالكون ضعفاً وجبناً، أو عاجزون أو مستحقون لأن يدعى عليهم بالخسار والدمار.
стр. 1477
تفسير قوله تعالى: (فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب)
﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف:١٥].
قال تعالى: ((فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ)) أي: بعد مراجعة أبيهم في شأنه ((وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ)) هذا فيه تعظيم لما لنيتهم التي نووها وأجمعوا عليه؛ لأنهم قالوا لأبيهم: سنأخذه كي يتمتع ويرتع ويلعب ويلهو ويسرح ويمرح، فأغروه بالإكرام وهم لا يريدون ذلك، بل بيتوا سوءاً وشراً.
((وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)) (لتنبئنهم) هذه لام القسم، أي: أعلمناه بالإلقاء في روعه، أو بواسطة ملك، وهذا تبشير له بأنه سيتخلص مما هو فيه الآن، وسوف يحدثهم بما فعلوا به، وحصل ذلك حينما قال لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف:٨٩] * ﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ [يوسف:٩٠].
((وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا)) أي: أوحينا إليه بخبرهم.
((وهم لا يشعرون)) إما متعلق بأوحينا إليه، إيناساً له وإجابة للوحي، أو أنها حال من الهاء في قوله: ((لتنبئنهم)) أي: لتحدثنهم بذلك وهم لا يشعرون أنك يوسف لعلو شأنك كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [يوسف:٥٨].
ولأنهم تركوك ذليلاً في الجب كي تسير رقيقاً وعبداً ذليلاً، فلن يتخيلوا أنك أنت الوزير الصالح الذي يكلمهم من أعلى المقامات، وأعلى الشأن، فهذا هو المعنى لقوله: ((لتنبئنهم بهذا بأمرهم هذا وهم لا يشعرون)).
وروي أنهم نزعوا قميص يوسف الذي عليه وأخذوا يوسف وطرحوه في البئر، وكانت فارغة لا ماء بها، وجلسوا بعد يأكلون ويلهون إلى المساء.
قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ﴾ [يوسف:١٥] لم يذكر جواب (لما) فالجواب في الآية محذوف، أي فلما فعلوا ما فعلوا، وقيل: إن الجواب هو ((وأوحينا)) والواو زائدة.
стр. 1478
تفسير قوله تعالى: (وجاءوا أباهم عشاء يبكون)
قال تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ [يوسف:١٦].
هذا بيان لمكرهم بأبيهم، فهم جاءوا بطريق الاعتذار الموجب موته، كي يقطع الأمل وييأس من عودته، وتنقطع محبته عنه ولو بعد حين، فيرجع إليهم بالحب الكلي.
((وجاءوا أباهم عشاء)) أي: قدموا عشاء، واختاروا وقت الظلمة كي لا تكون وجوههم ظاهرة أمام أبيهم؛ لأنه ربما ظهرت علامات الكذب على وجوههم، فهم اختاروا وقت الظلمة حتى لا يحتشموا من أبيهم في اعتذارهم بالكذب؛ أيضاً لأن أباهم كان عنده فراسة فهم خشوا أنه إذا نظر إليهم أن يكتشف كذبهم لما يرى من الاضطراب في كلامهم ووجوههم، وأوهموا ببكائهم وتفجعهم عليه إفراط محبتهم له، فإذا كانت عندهم المحبة ليوسف فلاشك أن هذه المحبة تمنعهم من الجرأة على قتله، فأرادوا أن يبعدوا عنهم الشبهة بهذا.
стр. 1479
تفسير قوله تعالى: (قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا)
﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧].
لقد نادوا أباهم بعد مجيئهم إليه، وأضافوه إليهم ليرحمهم، ويترك غضبه عليهم الداعي إلى تكذيبهم: ((قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ)) أي: إنا ذهبنا في العدو والرمي بالنصل.
((وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا)) أي: ما يتمتع به من الشراب والأزواد وغيرهما ليحفظها ((فأكله الذئب))، أي: كما حذرت.
((وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ)) هذا تلطف عظيم في تقرير ما يحاولونه، أي: أنت تسيء الظن بنا، ولا تصدقنا في هذه الحالة ولو كنا صادقين، فكيف ونحن عندك غير مصدقين؟! أنت تتهمنا وغير واثق بقولنا.
стр. 1480
البكاء لا يدل على الصدق
يستفاد من الآيات أحكام منها: أن بكاء المرء لا يدل على صدقه، لاحتمال أن يكون تصنعاً، فالممثلون إذا أراد الواحد منهم أن يبكي يبكي، ويبكي الذين يشاهدونه من شدة البراعة في التمثيل بالبكاء والشكوى.
قال بعض السلف: إن الفاجر إذا كمل فجوره ملك عينيه، فإذا أراد أن يبكي بكى.
ليس شرطاً أن يستعمل المواد الموجودة مثل البصل وغيره حتى تذرف العين بالدموع.
إذاً: البكاء لا يدل على صدق الباكي، ويضربون المثل لذلك بدموع التماسيح.
بالمناسبة: لما ذهب أمير الكويت إلى أمريكا حين دخل الجيش العراقي الكويت فالرئيس الأمريكي بكى شفقةً على ما حصل للكويتيين، فقدرة الإنسان على أن يذرف الدموع لا تكون دليلاً على صدقه، ويسمونها كما تعلمون دموع التماسيح، حتى يتمكن من الفريسة كي يلتهمها.
قال بعض السلف: إن الشيطان إذا أراد أن يضل الناس ويخدعهم بالمبتدع ألقى عليه الخشوع والبكاء حتى يصطاده ويصطاد به، فالإنسان لا بد أن يكون حذراً، عالماً وعارفاً بالمقاييس والمعايير التي يحكم بها على الشخص، ليس البكاء من علامات الصدق، وليس شرطاً أن يكون الباكي صادقاً، وهذا هو المفهوم من قوله تعالى: ((وجاءوا أباهم عشاء يبكون)).
стр. 1481
أهمية الرياضة البدنية
((قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب)) من أحكام هذه الآية: مشروعية المسابقة، وفيه من الطب رياضة النفس والدواب، فالإنسان إذا سابق على الخيل فإن الخيل يحصل لها نوع من الرياضة وتحتاج إليها لتشتد عضلاتها، وإذا أهملت فسيحصل لها ضعف.
كذلك رياضة النفس وتمرين الأعضاء على التصرف، فالحقيقة أن جانب الرياضة من الجوانب المهمة التي قصر فيه المسلمون جداً إذا قورنوا بغيرهم من الأمم الكافرة، فهم اهتموا بجانب الرياضة وحافظوا على نعمة الصحة، بينما جهل المسلمون قيمة هذا الجانب انخداعاً بمثل قول الصوفية أحياناً: يا خادم الجسم كم تبقى لخدمته أتطلب الربح مما فيه خسران أقبل على النفس فاستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان هذا كلام قد يصح في جانب معين، لكن المسلم إذا أراد أن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر، أو يشترك في الجهاد فكيف يدافع؟! كان بعض الإخوة ممن كان عنده حماس عاطفي يذهب إلى أفغانستان، لكنه صار عبئاً على المجاهدين؛ لأنهم يصعدون الجبال الشاهقة وهو لا يستطيع، وكانوا يحملونه فوق ظهورهم! كنت أتكلم عن اهتمام الإسلام بالرياضة البدنية خاصة في مراحل نمو الجسم وبناء الجسم.
على الإنسان أن يدرك أهمية مرحلة الشباب ويهتم بصحته البدنية.
والرياضة إذا كانت بالشروط الشرعية فلا بأس بها، فالصحابة كانوا يهتمون بالرياضة البدنية، فقد كانوا يجيدون ركوب الخيل، ومعلوم الجهد العضلي الذي كان يبذل للتحكم في الخيل والفرس، فسلموا من أمراض كثيرة من آفات الجلوس الطويل على المقاعد أو على المكاتب، وهذا الرسول ﵊ تصارع مع ركانة فصرعه الرسول ﵊، ولما قال: (خير الصيام صيام داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً) ومع ذلك كان داود إذا قام للأعداء يصمد أمامهم ويغلبهم ولا يفر عند ملاقاتهم.
كذلك قوله: (بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه) فالشاهد: أنه لابد من الاهتمام بالرياضة البدنية والصحة البدنية؛ لأن هذا رصيد ينفع الإنسان في المستقبل إذا احتاج دفاعاً عن النفس، حتى في الصلاة قد يصل الإنسان به الضعف أن يتعب من السجود والركوع ولا يقوى على العبادة.
فإذاً الاهتمام بالبدن داخل في عموم قوله ﵊: (احرص على ما ينفعك) لأن الغالب في الدنيا أن الأحكام حسية.
ورأس مالك أيها الإنسان الصحة كما قال النبي ﵊: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ) فحافظ على صحتك ولا تتركها؛ لأنها من أعظم النعم، ومما يحفظ الصحة الاهتمام بالرياضة بالشروط المعروفة بحيث لا يذهب ليمارس الرياضة في أماكن الاختلاط مثلاً ولا أماكن الفساد، ولكن يجتهد في إيجاد مكان مع إخوانه الصالحين لممارسة الرياضة التي بها يحفظ صحته.
إذاً: من فوائد هذه القصة: مشروعية المسابقة، قال بعض اليمانيين: اللعب إن كان بين الصغار جاز بما لا مفسدة فيه، ولا تشبه بالفسقة، وأما بين الكبار فهو ثلاثة أقسام: الأول: أن يكون في معنى القمار فلا يجوز.
الثاني: ألا يكون في معناه وفيه استعانة وحث على القوة والجهاد كالمناضلة بالقسي والمسابقة على الخيل فذلك جائز مطلقاً، فكل رياضة أعانت على تقوية البدن أو على الرماية أو على الجهاد فهذا مما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠].
الثالث: ألا يكون فيه عوض كالمصارعة ونحوها، ففي ذلك قولان للشافعية: أرجح الأقوال أنه يجوز إن كان بغير عوض، أو بعوض يكون دفعه على سبيل الرضا؛ لأنه ﷺ صارع ركانة، وروي أن عائشة ﵂ قالت: (سابقت رسول الله ﷺ مرتين فسبقته في المرة الأولى، فلما بدنت سبقني، وقال: هذه بتلك) ﷺ .
وفي الحديث: (ليس من اللهو ثلاثة: ملاعبة الرجل أهله، وتأديبه فرسه، ورميه بقوسه) هذا ليس من اللهو وليس من الباطل؛ لأنه يستعان به على الجهاد في سبيل الله ﵎.
стр. 1482
تفسير قوله تعالى: (وجاءوا على قميصه بدم كذب)
قال تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨].
((وجاءوا على قميصه بدم كذب)) بيان لما تآمروا عليه من المكيدة، وهو أنهم أخذوا قميصه وغمسوه في دم معز كانوا ذبحوه.
((كذب)) هذا مصدر بتقدير المضاف أي: (وجاءوا على قميصه بدم) ذي كذب، أو أنه وصف به مبالغة.
(على) حرف جر، وهي ظرف لجاءوا، لأن كلمة (جاءوا) متضمنة معنى (افتروا).
((قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً)) أي: من تغييب يوسف وتفريقه عني.
والذي قوى يعقوب وحمله على اتهامهم أنهم ادعوا الوجه الخاص الذي خاف يعقوب ﵇ هلاكه بسببه أولاً.
لم يقولوا مثلاً غرق في الماء، أو حصل له كذا، وإنما قالوا: أكله الذئب.
استدل بعض الناس بهذا القول على أن البلاء موكل بالمنطق.
وكذلك استدلوا بقول يعقوب ﵇ في موضع آخر: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف:٦٦] فأحيط بهم.
إذاً: قواه على اتهامهم أنهم ادعو الوجه الخاص الذي خافه يعقوب ﵇ وهو أكل الذئب، فاتهمهم أن يكونوا تلقفوا العذر من قوله لهم: ((وأخاف أن يأكله الذئب)) وكثيراً ما تتفق الأعذار الباطلة مع قلق المخاطب المعتذر إليه، حتى كان بعض أمراء المؤمنين يلقنون السارق الإنكار، واستنبط من هذا الحكم بالأمارات والنظر إلى التهمة، حيث قال: (بل سولت لكم أنفسكم أمراً).
وفي الآية من الفوائد: أن الجاه يدعو إلى الحسد كالمال، وهو يمنع من المحبة الأصلية من القرابة ونحوها، بل يجعلون عداوتهم أشد من عدواة الأجانب، مع أن الأصل من القرابات أن تكون هناك محبة أصلية وهي صلة القرابة، لكن قد يصل العداء بين الأقرباء إلى أشده كما قال الشاعر: وظلم ذوي القربي أشد مرارة على النفس من وقع الحسام المهند وكذلك الحسد يدعو إلى المكر بالمحسود وبمن يراعيه، وأنه إنما يكون برؤية الماكر نفسه أكمل عقلاً من الممكور به؛ لأن إخوة يوسف ظنوا أنهم أفضل منه، وأن الحاسد إذا ادعى النصح والحفظ والمحبة وأظهره فعلاً لم يعتمد عليه، ولم يوثق بقوله.
ومن الفوائد أيضاً: أن الإذلال والإعزاز بيد الله لا الخلق، وأن من طلب مراده بمعصية الله بعد عنه، وأن الخوف من الخلق يورث البلاء، وأن الإنسان وإن كان نبياً يخلق أولاً على طبع البشرية، وأن اتباع الشهوات يورث الحزن الطويل، وأن القدر كائن، وأن الحذر لا يغني من القدر، انظر إلى الاحتياطات التي اتخذها يعقوب ﵇ لحماية يوسف، حتى لاحظ إخوته ذلك: ((فقالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف)) عرفوا أن هذه الاحتياطات تدل على صدق حرصه الشديد وحراسته ليوسف، لكن لما أتى القدر لم ينفع الحذر.
قيل للهدهد: كيف ترى الماء تحت الأرض ولا ترى الشبكة فوقها قال: إذا جاء القضاء عمي البصر.
((قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً)) التسويل: هو تزيين النفس للمرء ما يحرص عليه، وتصوير القبيح بصورة الحسن.
((فصبر جميل)) خبر أو مبتدأ لكونه موصوفاً، أي: فشأني صبر جميل، أو فصبر جميل أجمل، والصبر قوة للنفس على احتمال الآلام كالمصائب إذا عرضت، والجميل من الصبر هو ما لا شكوى فيه إلى الخلق، ولا جزع فيه رضاً بقضاء الله ووقوفاً مع مقتضى العبودية.
((والله المستعان على ما تصفون)) أي المطلوب منه العون على احتمال ما تصفون من هلاك يوسف.
هنا تقديرات واحتمالات: ((فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون)) الاحتمال الأول: كلمة (المستعان) تفيد الطلب، يعني: أطلب من الله أن يعينني على احتمال ما تصفون من هلاك يوسف.
الاحتمال الثاني: أن المعنى (والله المستعان على ما تصفون) أي: على إظهار حال ما تصفون هل هو صدق أم كذب؟! قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات:١٨٠] أي: من الكذب فكلمة (عما يصفون) يستدل بها على أن هناك كذباً، وهذا القول الثاني هو الأليق بما سيجيء من قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف:٨٣]؛ لأنه لو قلنا بالقول الأول أن المطلوب منه العون على احتمال ما تصفون من هلاك يوسف فإن معناه: أنه صدقهم فيما أخبروا به، لكن السياق والصيغة تشير إلى أنه لم يصدقهم، ولذلك قال: ((بل سولت لكم أنفسكم أمراً)) فهذا السياق يؤيد أن الراجح هو إظهار حال ما تصفون وكذبه، وأنه من تسويل أنفسكم، وكذا استعملتها عائشة ﵁ الله تعالى عنها في قصة الإفك قالت: (بل أقول كما قال العبد الصالح: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون)، يعني: على إظهار حال ما تصفون من الكذب.
وقوله: ((والله المستعان)) فيه اعتراف بأن التلبس بالصبر لا يكون إلا بمعونته ﵎.
قال الرازي: إن الدواعي النفسانية تدعوه إلى إظهار الجزع وهي دواع قوية، والدواعي الروحانية تدعوه إلى الصبر والرضا، فكأنهما في تحارب وتجاذب، فما لم تحصل إعانته ﵎ لم تحصل الغلبة، ولذلك قال: ((والله المستعان)) يعني: سأل الله أن يعينه على الصبر، فقوله: ((فصبر جميل)) يجري مجرى قوله: ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥]، وقوله: ((والله المستعان)) يجري مجرى قوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].
стр. 1483
تفسير سورة يوسف [١٩ - ٣٥]
стр. 1484
تفسير قوله تعالى: (وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه)
يقول الله ﵎: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [يوسف:١٩].
((وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم)) أي: الذي يرد الماء ويستقي لهم.
((فأدلى دلوه)) أي: أرسلها في الجب ليملأها، فتعلق بها يوسف للخروج، فلما رآه هذا الوارد قال: ((يا بشرى هذا غلام)) وقرئ ((يا بشراي هذا غلام))، بالإضافة والمنادى محذوف، أو نُزِّلت البشرى منزلة من ينادى فقيل: ((يا بشرى)) ويقال: إن هذه الكلمة تستعمل للتبشير من غير قصد إلى النداء.
((هذا غلام)) الغلام الطار الشارب، أي: الذي بدأ ينبت شاربه، أو هو من ولادته إلى أن يشب، والتنوين لكلمة (غلام) لتعظيم شأن هذا الغلام.
((وأسروه بضاعة)) أي: أخفوه متاعاً للتجارة.
فتكون (بضاعة) منصوبة على أنها حال.
وإذا كان معنى (أسروه) جعلوه فهي مفعول به، أي: جعلوه بضاعة.
ويصلح إعرابها مفعولاً لأجله، أي: لأجل أنهم أسروه بضاعةً.
والبضاعة من البضع وهو القطع، فهو قطعة وافرة من المال تقتنى للتجارة، لأنه نظر إليه على أنه سوف يجعله عبداً ليحصل به مالاً كثيراً في التجارة ((والله عليم بما يعملون)).
стр. 1485
تفسير قوله تعالى: (وشروه بثمن بخس دراهم معدودة)
﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف:٢٠] الضمير في (أسروه) وفي (وشروه) للسيارة، والمقصود أن أهل هذه القافلة هم الذين أسروه وأخفوه، وقد روي أنهم كانوا تجاراً من بلدة مدين، فلما أصعد واردهم يوسف وضموه إلى بضاعتهم باعوه لقافلة مرت بهم سائرة إلى مصر بعشرين درهماً، ثم أتوا بيوسف إلى مصر.
وإعراب دراهم بدل من (ثمن) مجرور بالفتحة؛ لأنه من صيغ منتهى الجموع فهو ممنوع من الصرف.
وقوله: (معدودة) كناية عن القلة؛ لأن الكثير يوزن عندهم، لكن القليل يعد، لذلك قال: ((دراهم معدودة)) أي: قليلة.
(وكانوا فيه).
أي: في يوسف ((من الزاهدين)) أي: الراغبين عنه ((وكانوا فيه)) دلالة على علو المقام كما في قوله تعالى: ﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ [الأحقاف:١٦].
стр. 1486
فوائد من قوله تعالى: (وشروه بثمن بخس)
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفرج قد يحصل من حيث لا يحتسب الإنسان ولا يتوقع؛ لأنه قد يرد الفرج من باب الكرب، فها هو يوسف ﵇ ما حصل له الفرج والتمكين والسيادة في الأرض والخير إلا بعد هذه المحنة التي مر بها، فكأن إخوته ألقوه في الجب ليهلكوه، والله أراد غير ذلك، أراد أن يكون إلقاؤه في الجب مفتاحاً لتحقق الرؤيا التي من أجلها حقدوا عليه وحسدوه وتآمروا على قتله أو إبعاده.
فهذه المحنة كانت في ظاهرها كربة وهي في الحقيقة سلام وفرج وتمكين في الأرض ليوسف ﵇.
ومعنى ((شروه)) باعوه، فالشراء والبيع يطلقان على بعضهما، فإذا كانت بمعنى اشتروه، فستكون القافلة الثانية التي من أهل مصر هم الذين اشتروه من تجار مدين، مع أن الرواية التي حكت أن تجار مدين باعوه أتت بصيغة التمريض (وروي)، فالله أعلم بصحة ذلك.
إذاً: الفرج قد يحصل من حيث لا يحتسب الإنسان، وأن من خرج لطلب شيء قد يجد ما لم يكن في خاطره، وأن الشيء الخطير قد يعرض فيه ما يهونه، وأن البشرى قد يعقبها الحزن، والعزة قد يعقبها الذلة وبالعكس.
стр. 1487
تفسير قوله تعالى: (وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه)
﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١].
يخبر تعالى عن لطفه بيوسف ﵇، إذ يسر له من اشتراه في مصر فاعتنى به، وأوصى أهله، وتوسم فيه الخير والصلاح.
وهذه من المواضع التي ورد فيها ذكر مصر علماً على البلد في القرآن الكريم.
ومعنى: ((أكرمي مثواه)) أي: اجعلي مقامه حسناً مرضياً، والمثوى: هو محل الثواء، وهو الإقامة.
وإكرام مثواه كناية عن إكرامه على أبلغ وجه وأتمه؛ لأن من أكرم المحل بإحسان الأسرة واتخاذ الفراش ونحوه فقد أكرم ضيفه بسائر ما يكرم به.
وروي: أن القافلة لما نزلت مصر اشتراه منهم رئيس الشرط عند ملك مصر، فأقام في بيت سيده والعناية الربانية تحفه والنجاح يحوطه، فكان يرى سيده أن كل ما يأتي به يمدحه الله تعالى على يديه، فنال حظوة لديه، لأن قدومه كان مباركاً بالنسبة لهذا الرجل الذي اشتراه من مصر والذي أقام عنده وهو العزيز، فكان يحصل له خير كثير منذ أن قدم يوسف ﵇ عنده، وأقامه قيماً على كل ما يملكه، وضاعف الله تعالى البركة في زرعه وماله وحوزته.
ثم يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ [يوسف:٢١] أي: كما جعلنا له مثوىً كريماً في منزل العزيز وقلبه، جعلنا له مكانةً رفيعةً في أرض مصر ووجاهةً في أهلها ومحبةً في قلوبهم؛ ليكون عاقبة ذلك تعليمه تأويل الرؤيا التي ستقع من الملك، وتفضي بيوسف إلى الرياسة العظمى، فلذلك أعقب الله ﵎ صدر هذه الآية مباشرة في نفس الآية بقوله : (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض) هذه إشارة إلى أنه بجانب المكانة التي كانت له في قلب العزيز وفي منزله وفي إكرام مثواه بجانب ذلك أعطاه الله سلطاناً؛ لأن العزيز جعل ليوسف الأمر في ماله وأحواله، وجعل له مكانةً رفيعةً في أرض مصر ووجاهةً في أهلها.
((والله غالب على أمره)) إذا كانت الهاء تعود إلى لفظ الجلالة فيكون التفسير أن الله لا ينازعه أحد فيما يريد.
أما إذا قلنا إن الهاء تعود ليوسف ﵇ فيكون التفسير أن الله لا يمنع عما يريد من أمر يوسف، فقد أريد به من الفتنة ما أريد غير مرة، فلم يكن إلا ما أراد الله له من العاقبة الحميدة، فقد أنجاه الله من كيد إخوانه حينما ألقوه في الجب أرادوا له الهلكة فأراد الله أن تكون له السيادة والرياسة والتمكين، كذلك هذه كأنها إشارة إلى المحن التي قد يقبل عليها يوسف فيما بعد، وذلك فيما يتعلق بامرأة العزيز، فالله كان أيضاً غالباً على أمره فمنعه من السوء، وكانت له العاقبة الحميدة، أيضاً بعد ذلك حينما ألقي في السجن وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ومع ذلك ألقي في السجن فكان له بعد ذلك العاقبة المحمودة، فهذا على أساس أن الهاء تعود إلى يوسف.
((والله غالب على أمره)) أي: على أمر يوسف، حيث إن يوسف أريد به من الفتنة ما أريد غير مرة، فلم يكن إلا ما أراد الله له من العاقبة الحميدة.
((وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)) أي: لا يعلمون أن الأمر كله بيد الله ، فيأتون ويذرون زعماً أن لهم شيئاً من الأمر، أو لا يعلمون لطائف صنعه وخفايا لطفه .
стр. 1488
تفسير قوله تعالى: (ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً)
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٢٢].
هذه الآية كالتي قبلها تخللت نظم القصة وأحداثها لمعنى بديع وهو البدار إلى الإعلام بنتائج صبر يوسف، وثمرات مجاهداته، وعجائب صنع الله تعالى في مراداته، إذ طوى له المنح في تلك المحن، فوصل إلى السيادة عن طريق العبودية التي حصلت له لما بيع.
((ولما بلغ أشده)) أي: زمان اشتداد جسمه وقوته، قال أبو عبيدة: العرب تقول: بلغ فلان أشده إذا انتهى منتهاه في شبابه وقوته قبل أن يأخذ في النقصان.
((آتيناه حكماً وعلماً)) الحكم إما أنه الحكمة، وهي العلم المؤيد بالعمل التي قال الله فيها: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة:٢٦٩]، أو أنه سلطان يحكم بين الناس به.
((وكذلك نجزي المحسنين)) قال الزمخشري: وفي قوله تعالى: ((وكذلك نجزي المحسنين)) تنبيه على أنه كان محسناً في عمله، متقياً في عنفوان أمره، وأن الله آتاه الحكم والعلم جزاءً على إحسانه، وعن الحسن قال: من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله.
стр. 1489
تفسير قوله تعالى: (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه)
﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف:٢٣] هذا رجوع إلى شرح ما جرى ليوسف في منزل العزيز، بعدما أمر امرأته بإكرام مثواه، بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [يوسف:٢١] ثم حصل تخلل لأحداث القصة بهذا الموضع: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٢١ - ٢٢] فعاد السياق ورجع إلى شرح ما جرى ليوسف ﵇ في منزل العزيز من مراودتها له وإيذائها له ﵇.
((وراودته)) أي: طلبت منه أن يواقعها.
وتعديته بعن (وراودته عن نفسه) لتضمينه معنى المخادعة، والعدول عن التصريح باسمها للمحافظة على السر والستر، وإيراد الموصول دون امرأة العزيز لتقرير المراودة، كان يمكن أن يقول: وراودته امرأة العزيز، لكن سيفوتنا في هذه الحالة بيان هذا المعنى الذي جاء في صيغة الموصول: ((وراودته التي هو في بيتها)) إشارة إلى أن عوامل الفتنة كانت كلها مجتمعة في حق يوسف ﵇ ومع ذلك ثبت؛ لأنها صاحبة البيت وهي البادئة والمحتالة والمخادعة والحريصة على ذلك، فإيراد الموصول (التي) دون امرأة العزيز جاء لتقرير المراودة حتى نعلم أنه قد وقعت هذه المراودة، فإن كونه في بيتها مما يدعو إلى ذلك.
قيل لامرأةٍ: ما حملك على ما لا خير فيه؟ قالت: قرب الوساد، وطول السواد.
وفيها إظهار كمال نزاهته ﵇ كما سيأتي؛ لأن هذه الآية تثبت أنها هي التي فعلت ذلك، وأنه لم يكن من ناحيته شيء، فصيغة الموصول هنا أفادت كل هذه الفوائد.
((وقالت هيت لك)) قرئت (هيت) كجير، وكحيث، وبكسر الهاء، وبهمزة ساكنة بعدها (هئت لك).
إذاً فيها خمس قراءات (هَيت لك) (هِيت لك)، (هَيتُ) (هئْت)، (هيئت)، وهي في هذه اللغات كلها اسم فعل بمعنى: تعال، واللام لتبيين المفعول.
ونقل عن الفراء: أنها لغة لأهل حوران سقطت إلى مكة فتكلموا بها.
قال ابن الأبياري: هذا وفاق بين لغة قريش وأهل حوران، كما اتفقت لغة العرب والروم في القسطاس ونحوه.
((قال معاذ الله)) منصوب على المصدر أي: أعوذ بالله مما تدعينني إليه، لكونه زناً وخيانة فيما اؤتمنت عليه، وضراً لمن توقع النفع، وإساءة إلى المحسن.
((قال معاذ الله)) قال أبو السعود: وهذا اجتناب منه على أتم الوجوه، وإشارة إلى التعليل بأنه منكر هائل يجب أن يعاذ بالله تعالى للخلاص منه، وما ذاك إلا لأنه ﵇ قد شاهده بما أراه الله تعالى من البرهان النير على ما هو عليه في حد ذاته من غاية القبح ونهاية السوء، وهذه هي الشفافية والإيمان والإخلاص لله ، كما وصفه الله تعالى بأنه كان من المخلصين، فأداه هذا إلى أن رأى الفحش في صورته الحقيقية القبيحة، التي تبلغ أقصى غايات السوء والقبح والشناعة، فلذلك قال: ((معاذ الله)).
فكلمة ((معاذ الله)) تكشف عن أنه رأى القبيح قبيحا، ً وأنه لم يزين في عينه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
والإنسان قد يرى الأشياء على غير ما هي عليه، ولذلك كان من الدعاء المأثور -أعتقد أنه ينسب إلى الصديق رضي الله تعالى عنه-: (اللهم أرني الحق حقاً وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلاً وارزقني اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علي فأتبع الهوى) أو كما قال ﵁، إذاً: قد يرى الإنسان الحق باطلاً أو الباطل حقاً، أما من وفقه الله فإنه يرى الأشياء على ما هي عليه، وهذا هو الذي حصل من يوسف ﵇، فإنه رأى القبيح قبيحاً في صورته التي يستحقها من القبح، فلذلك نفر منه وبعد منه غاية البعد ونفر غاية النفور كما هو واضح في السياق، فهو لم يتردد في ذلك على الإطلاق.
وهذا خلاف من يخذله الله فيستحقر القبائح، كم ترى من شخص قد يهنئ الآخر؛ لأنه أحضر جهاز الدش في البيت، ولو فقه وعرف ضرره لعزاه في هذه المصيبة التي ليس بعدها مصيبة.
فالله ينكس قلوب هؤلاء الناس ويرون القبيح حسناً والحسن قبيحاً، كما ترون في كافة وسائل الإعلام من التشنيع على أهل الطاعة، ومن التنفير عن سبيل الله بالألفاظ المنفرة، والأوصاف المخالفة للحقيقة، وفي نفس الوقت يرون القبيح حسناً.
((قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي)) تعليل للامتناع ببعض الأسباب الخارجية.
قوله: ((معاذ الله)) فيه إشارةً إلى التقوى التي في قلبه، فهو يرى هذا الفعل معصية لله قبيحاً، ولا يعينه على النجاة منها إلا الله، ولذلك تعوذ بالله.
ثم إن يوسف ﵇ ذكر لها بعض الأسباب التي تكون مقنعة لها فتكف عنه شرها فقال: ((إنه ربي أحسن مثواي)) فهنا علل امتناعه بأسباب خارجية مما عسى أن يكون مؤثراً عندها وداعياً لها إلى اعتباره، بعد التنبيه على سببه الذاتي الذي تكاد تقبله لما سولته لها نفسها.
والضمير في قوله: (إنه) للشأن، وفائدة تصدير الجملة به إشارة إلى ضخامة مضمون هذه الجملة، مع ما فيه من زيادة تقريره في الذهن؛ فإن الضمير لا يفهم منه من أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر، فيبقى الذهن مترقباً لما يعقبه.
هذه فائدة استعمال ضمير الشأن، فكأنه قيل: إن الشأن الخطير هو أن ربي -أي: سيدي العزيز صاحب هذا البيت- قد أحسن مثواي، وأحسن تعهدي، حيث أمرك بإكرامي، فكيف أقابل إحسانه إلي بالخيانة في حرمه؟! وفيه إرشاد لها بطريقة في غاية اللطف إلى رعاية حق العزيز، إذا كان من هو في مقام عبده أو خادمه راعياً حرمته بهذه الطريقة، فأولى بها وهي زوجته أن ترعى حرمته، فكأنه يقول لها: وقد أحسن مثواك أنت أيضا، ً فعليك أن تؤدي حق هذا الزوج ولا تخونيه.
وقيل: الضمير لله ، (إنه ربي) أي: الله ، فكيف أعصي الله بارتكاب تلك الفاحشة؟! على أساس أن ربي خبر إن و (أحسن مثواي) خبر ثان، أو: (أحسن مثواي) هو الخبر و (ربي) بدل من الضمير.
وفيه تحذير لها من عقاب الله ، أي: أن الله أحسن مثواي فكيف أعصيه؟! فأشار لها أيضاً أن تتقي الله ولا تفعل ما يغضبه سبحانه، وعلى التقديرين ففي الاقتصار على ذكر هذه الحالة من غير تعرض للامتناع عما دعته إليه إيذان بأن هذه المرتبة من البيان كافية في الدلالة على استحالته، وكونه مما لا يدخل تحت الوقوع أصلاً، فهو لم يواجهها بقوله: ما هذا الذي تطلبينه، أو إن هذا لا يمكن أن يقع، أو إنني أمتنع من هذا.
ثم أضاف تعليلاً آخر للامتناع فقال: ((إنه لا يفلح الظالمون)) عقب التعليل الأول.
والفلاح هو الظفر، أو البقاء في الخير، ومعنى (أفلح): دخل فيه كأصبح وأخواتها.
والمراد بالظالمين كل من ظلم كائناً من كان، فيدخل في ذلك المقابلون للإحسان بالإساءة، والعصاة لأمر الله تعالى كالزناة؛ لأنهم ظالمون لأنفسهم، وظالمون للمزني بأهله.
стр. 1490
ثمرات قوله تعالى: (وراودته التي هو في بيتها)
وقال بعض اليمانيين: ثمرات هذه الآية ثلاث: الأولى: أن الواجب عند الدعاء إلى المعصية الاستعاذة بالله من ذلك ليعصمه منها، كأن يقول إذا دعي إلى أي معصية: معاذ الله، أو أعوذ بالله، أي: ألتجئ وأتحصن بالله أن يحميني من هذا.
ويدخل فيه دعاء الشيطان إلى المعصية الشيطان، وكذلك دعاء شياطين الإنس، أو دعاء هوى النفس الأمارة بالسوء.
الثانية: أن السيد والمالك يسمى رباً، لكن لا يطلق عليه الرب مطلقاً؛ لأن إطلاق هذه التسمية لا تكون إلا في حق الله ، أما في حق غيره فتكون مضافة، لذلك أتى بها يوسف ﵇ مضافةً: (إنه ربي).
الثالثة: أنه يجوز ترك القبيح لقبحه، ورعايةً لحق غيره، وأيضاً خشية العار أو الفقر أو الخوف أو نحو ذلك، ولا يقال: التشريك غير مفيد في كونه تاركاً للقبيح وأنه لا يثاب، بمعنى: أن الإنسان إذا انتهى من القبيح يمكن أن يشرك في النية بجانب الخوف من الله ، نية الامتناع خشية العار، أو الخوف من مقابلة الإساءة بالإحسان ورعاية حق الغير، أو غير ذلك من ذكر العواقب التي تكون نتيجة هذه الفعلة.
وتدل الآية القرآنية أيضاً على لزوم حسن المكافأة بالجميل: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] فكما أحسن هذا الرجل إلى يوسف ﵇ فعليه أن يقابل إحسانه إليه بإحسان مثله، وأن من قابل الإحسان بالإساءة فإنه يكون ظالماً؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام:٢١].
стр. 1491
تفسير قوله تعالى: (ولقد همت به وهم بها)
ثم يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤].
الهم يكون بمعنى القصد والإرادة، ويكون فوق الإرادة ودون العزم، إذا أريد به اجتماع النفس على الأمر والإجماع عليه، وبالعزم القصد إلى إمضائه، فهو -أي: الهم- أول العزيمة، أما أعلاه فهو الهمة.
إذاً: الهم همان: هم ثابت معه عزم وعقل ورضاً، مثل: الهم الذي يدفع صاحبه إلى المشي إلى الحانة ليشرب الخمر ووجدها مغلقة، فهذا عنده الهم وعنده العزيمة، وكذلك الذي يهم أن يقاتل أخاه المسلم، كما جاء في الحديث: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: هذا القاتل فما ذنب المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)، فالمقتول فشل في المبارزة فقتل قبل أن يقدر على قتل أخيه، وإلا فهو قد هم وحرص على هذه المعصية، فيؤاخذ بهذا الهم.
أما الهم الثاني فهو الهم الذي هو خاطر أو حديث نفس يخطر للإنسان ولا يوجد عقبه شيء حسي أو في الأعيان، فروى الشيخان وأهل السنن عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل).
فمعنى قوله تعالى: ((ولقد همت به)) أي: همت بمخالطته وعزمت عليها عزماً جازماً، ليس كالخاطر العابر، بل هو همٌّ مؤثر وهو العزم والتصميم، لا يلويها عنه صارف بعد ما باشرت مبادئه من المراودة وتغليق الأبواب، ودعته إلى الإسراع إليها بقولها: ((هيت لك)) مما اضطره إلى الهرب إلى الباب، هذا الهم منها.
ولذلك يحسن الحقيقة الوقف هنا عند قوله: ((ولقد همت به)) ثم البدء بقوله: ((وهم بها لولا أن رأى برهان ربه)) لمعنى سوف نبينه إن شاء الله.
أي: لولا رؤيته برهان ربه لهمّ بها كما همت به لتوافر الدواعي، فكل دواعي الفتنة موجودة فقد كان في عنفوان شبابه عزباً مملوكاً، وهي التي ابتدأت وألحت على هذا الشيء، ثم إنها تملك الرغبة والرهبة، فقد هددت بسجنه وغير ذلك.
فهذه الآية تنزه يوسف أن يكون قد هم؛ لأن "لولا" حرف امتناع لوجود، فامتنع الهم لوجود برهان ربه، مثل قولك: لولا الماء لعطشنا، فامتنع العطش بسبب وجود الماء، وقولك: لولا الهواء لاختنقت، فامتنع الاختناق نتيجة وجود الهواء، وكذلك يقول الشخص: قاربت الإثم لولا أن الله عصمك، فهل معنى ذلك أنه قارف الإثم؟ لا؛ فبسبب وجود عصمة الله لم يقارف الإثم.
قال أبو حيان: ونظيره: قاربت الإثم لولا أن الله عصمك، ولا نقول: إن جواب "لولا" يتقدم عليها، وإن لم يقم دليل على امتناعه، بل صريح أدوات الشرط العاملة مختلف فيها، حيث ذهب الكوفيون وأعلام البصريين إلى جواز تقدمه، بل نقول: هو محذوف لدلالة ما قبله عليه؛ لأن المحذوف في الشرط يقدر من جنس ما قبله، فالآية حينئذ ناطقة بأنه لم يهم أصلاً.
وقيل: جواب "لولا": لغشيها ونحوه، فلو قلنا: إن التقدير: ((ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه)) أي: لغشيها، أو لأجابها، فحينئذ يكون معنى الهم أنه مجرد خطور الشيء بالبال، أو أنه الميل الفطري الطبيعي كالصائم في الصيف يرى الماء البارد فتحمله نفسه على الميل إليه وطلب شربه، ولكن يمنعه دينه عنه، وكالمرأة الفائقة حسناً وجمالاً تتهيأ للشاب النامي القوي، فتقع بين الشهوة والعفة وبين النفس والعقل مجاذبة ومنازعة، فداعي الدين هو الذي يمنع من ذلك، فالهم هنا عبارة عن جواذب الطبيعة، ورؤية البرهان جواذب الحكمة، وهذا لا يدل على حصول الذنب، بل كلما كانت هذه الحال أشد كانت القوة على لوازم العبودية أكمل.
وكذا قال أبو السعود: إن همه بها بمعنى ميله إليها بمقتضى الطبيعة البشرية ميلاً جبلّياً، لا يكاد يدخل تحت التكليف، لا أنه قصدها قصداً اختيارياً، ألا ترى إلى ما سبق من استعصامه المنبئ عن كمال كراهيته له ونفرته عنه، وحكمه بعدم إفلاح الظالمين.
فلا شك أن العبارة في الموقف السابق ليوسف ﵇ وهو الوارد في قوله: ((قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون)) يدل على كمال نفوره واستقباحه لهذا الفعل، هل هو إلا تسجيل باستحالة صدور الهم منه ﵇ تسجيلاً محكماً؟! وإنما عبر عنه بالهم لمجرد وقوعه في صحبة همها في الذكر بطريق المشاكلة، فحصل نوع من المزاوجة مثل قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٥٤] لا لشبه بينها كما قيل، لكنه نوع من المشاكلة للاستصحاب بين اقتران اللفظين معاً في لفظ واحد أو في وقت واحد، لكن أشير إلى تباينهما حيث لم يردا في قالب واحد من التعبير بأن قيل: ولقد هم بالمخالطة أي: لم يقل : ولقد (هما) معاً، أو لم يقل: ولقد هم كل منهما بالآخر، ولكن حصلت هذه المباينة إشارة إلى افتراقهما، ولقد همت به هماً كما ذكرنا بالمخالطة، أما هو فهم بها هماً جبلّياً غير اختياري.
فجاءت الصيغة بهذه الطريقة إشارةً إلى تباين نوعي الهم، وأنهما ليسا من باب واحد.
يقول: وصدر الأول -يعني: ابتدأ بهمها أولاً- بما يقرر وجوده من التوكيد القسمي ((ولقد همت به)) ليثبت وجود هذا الهم منها، وعقب الثاني بما يعفو أثره وبما يمحو أثره، ((وهم بها لولا أن رأى برهان ربه)) إشارة إلى تباين الهم كما ذكرنا.
((برهان ربه)) أي: حجة ربه الباهرة الدالة على كمال قبح الزنا وسوء سبيله، إنه نور من ربه جعله يرى القبيح قبيحاً وينفر منه غاية النفور، والمراد برؤيته له كمال إيقانه به ومشاهدته له مشاهدةً وصلت به إلى مرتبة عين اليقين، وهي أعلى مراتب العلم على الإطلاق، وكأنه ﵇ قد شاهد الزنا بموجب ذلك البرهان النير على ما هو عليه في حد ذاته، أقبح ما يكون وأوجب ما يجب أن يحذر منه، ولذلك فعل ما فعل من الاستعصام والحكم بعدم إفلاح من يرتكبه.
وجواب لولا محذوف يدل عليه الكلام، أي لولا مشاهدة برهان ربه بشأن الزنا لجرى على موجب ميله الجبلي، ولكن حيث كان مشاهداً له من قبل، استمر على ما هو عليه من قضية البرهان، وفائدة هذه الشرطية بيان أن امتناعه ﵇ لم يكن لعدم مساعدة من جهة الطبيعة بل لمحض العفة والنزاهة.
فاتضح أن لا تشويش في هذه الآية على عصمة يوسف ﵇، كنبي من أنبياء الله ﵈، فإن الأنبياء ليسوا بمعصومين من حديث النفس وخواطر الشهوة الجبلية، ولكنهم معصومون من طاعتها والانقياد إليها، ولو لم توجد عندهم دواع جبلية لكانوا ملائكة أو عالماً آخر، ولما كانوا مأجورين على ترك المناهي لكونهم مقهورين على تركها، كالعنين لا يؤجر ولا يثاب على ترك الزنا؛ لأن الأجر لا يكون إلا على عمل، والترك بغير داعيةٍ ليس عملاً، وأما الترك مع الداعية فهو كف النفس عما تتشوق إليه، فهو عمل نفسي، فهو يترك هذا الشيء نتيجة مجاهدة يثاب عليها، بخلاف من تركه وليس عنده داع إليه، فالدعاة بعثوا بتزكية الناس منها؛ لئلا يكونوا قدوةً سيئة مفسدين للأخلاق والآداب، وحجةً للسفهاء على انتهاك حرمات الشرائع، وليس معناها أنهم آلهة منزهون عن جميع ما يقتضيه الطبع البشري.
هذا وقد ألصق هنا بعض المفسرين الولعين بسرد الروايات ما تلقفوه من أهل الكتاب من تلك الأقاصيص المختلقة على يوسف ﵇ في همه، يقول القاسمي: فإني أنزه تأليفي عن نقلها بردها.
وقال العلامة أبو السعود: وكلها خرافات وأباطيل تمجها الآذان وتردها العقول والأذهان، ويل لمن لاكها ولفقها أو سمعها وصدقها.
وسبقه الزمخشري فأجاد الكلام في ردها، فلينظر فإنه مما يسر الواقف عليه.
((كذلك لنصرف عنه السوء)) أي: المنكر والفجور والمكروه.
((والفحشاء)) هي ما نتاهى قبحه ووصل في القبح إلى أقصى درجاته.
يقول أبو السعود في قوله تعالى: ((كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء)): آية بينة، وحجةٌ قاطعة على أنه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لم يقع منه همٌ بالمعصية ولا توجه إليها قط، وإلا لو كان توجه إليها لقيل: كذلك لنصرفه عن السوء والفحشاء، وإنما توجه إليه ذلك من خارج، فصرفه الله تعالى بما فيه من موجبات العفة والعصمة فتأمل.
((إنه من عبادنا المخلصين)) قرئ بكسر اللام، بمعنى الذين أخلصوا دينهم لله، وقرئ بالفتح كما في قراءة عاصم، أي: الذين أخلصهم الله لطاعته، فمعنى القراءة الثانية أن الله عصمه وحفظه وأخلصه لطاعته.
قال الشهاب: قيل: إن كل من له دخل في هذه القصة شهد ببراءة يوسف ﵇ القاطعة، أولاً: شهد الله له بالبراءة كما في هذه الآية: ((كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء)) أي: أنه لم يقترب منه السوء والفحشاء، وهذا في غاية التنزيه له ﵇ والسبب: ((إنه من عبادنا المخلصين)) أي: الذين أخلصناهم لطاعتنا بأن عصمناهم، أما شهادة يوسف لنفسه فقد شهد بعفته فقال: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف:٢٦]، أما هو فلم يقع منه أدنى مراودة ﵇.
وكذلك امرأة العزيز نفسها شهدت بما ينزه يوسف قالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف:٣٢] وسيدها أيضاً نزه يوسف وبرأه بقوله: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٢٩]، وإبليس نفسه شهد ببراءة يوسف ﵇ حينما قال: ﴿َلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر:٣٩ - ٤٠].
فإذاً: لا سبيل لإبليس على عباد الله المخلصين ومنهم يوسف؛ لأن الله قال: ((كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين)).
ثم يقول الشهاب: فتضمن إخبار إبليس بأنه لم يغوه، ومع هذا لم يبرئه أهل القصص حينما جمعوا ركام المرويات الإسرائيلية والمخترعة والمختلقة، ولقد سماهم القا
стр. 1492
تفسير قوله تعالى: (واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وهو من الصادقين)
﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف:٢٥ - ٢٧].
((واستبقا الباب)) هذا متصل بقوله ﵎: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ [يوسف:٢٤] فقوله تعالى: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) اعتراف جيء به بين المعطوفين تقريراً لنزاهته، فقوله: (واستبقا الباب) أي: قصد كل منهما سبق الآخر إلى الباب، فيوسف ﵇ بادر وسابقها إلى الباب ليخرج ويهرب من هذا الموقف، وهي سبقت أيضاً إلى الباب لتمنعه من الخروج ووحد الباب هنا مع جمعه أولاً، بقوله: (وغلقت الأبواب) لأن المراد به الباب الذي يؤدي إلى الخارج، أما الأبواب الأخرى فهي داخلية تؤدي إلى هذا الباب الخارجي.
فيوسف ﵇ لم يكن همه فقط أن يخرج من الباب الداخلي، لكن أن يخرج من الباب الذي يكون منه الخلاص من هذه الفتنة.
((وقدت قميصه من دبر)) أي: اجتذبته من خلفه، فانقد قميصه أي: انشق.
((وألفيا سيدها لدى الباب)) أي صادفا بعلها ثمةً قادماً.
((قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن أو عذاب أليم)) تبرئة لساحتها وإغراءً عليه وتحريضاً.
﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [يوسف:٢٦].
لأن قده من قبل أمارة الدفع عن نفسها به، أو تعثره في مقادم قميصه بسبب إقباله عليها.
﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف:٢٧] لأن قده من دبره أمارة إدباره عنها بسبب أنها تبعته واجتذبت ثوبه إليها فقدته، ومن اللطائف ما قيل: إن هذا الشاهد أراد أن يكون هو الفاضح لها، ووثق بأن انقطاع قميصه إنما كان من دبر فنصبه أمارة لصدقه وكذبها.
وبدأ بذكر القد من القبل؛ لأنه على علم بأنه لم ينقد من قبل، حتى ينفي عن نفسه التهمة في الشهادة وقصد الفضيحة، مع أنه كان يعلم أنه قد من دبر، لكنه أراد أن يأتي بعلامة يحكم بها في هذه المسألة، ومن ثم قدم أمارة صدقها على أمارة صدقه في الذكر، إزاحةً للتهمة ووثوقاً بأن الأمارة الثانية هي الواقعة فلا يضره تأخيرها، وهذه اللطيفة بعينها هي التي راعاها مؤمن آل فرعون في قوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر:٢٨].
فحتى يزيح التهمة عن نفسه، ويظهر أنه مخلص لقومه ويريد بهم الخير؛ تأليفاً لقلوبهم على الإسلام أو على الدين، يقول لهم: (إن يك كاذباً فعليه كذبه) هو أتى بصفة الكذب ولم يأت بصفة الصدق؛ لكون ذلك يعني أقرب إلى هواهم، مع أنه لن يضر موسى ﵇ أن يوصف بأنه كاذب؛ لأنه مجرد احتمال، وهو صادق قطعاً.
هذا نوع من التنزل في الحوار الذي لا يضر في الحق شيئاً، وكما في سورة سبأ: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤].
ومن هذا النحو تأخير يوسف ﵇ لكشف وعاء أخيه الآتي ذكره في قوله: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ [يوسف:٧٦] فإزاحةً للتهمة بدأ بأوعيتهم أولاً قبل وعاء أخيه؛ كي لا يظهر أنه متعمد إخراجه؛ لأنه لو بدأ به، لفطنوا أنه هو الذي أمر بوضع السقاية فيه.
والقاسمي هنا قد أحسن إحساناً عظيماً في تفسيره حينما تجاهل تماماً الكلام الطويل الذي لا دليل عليه.
فمن هو الشاهد في قوله تعالى: (وشهد شاهد من أهلها)؟! إنه ليس غريباً، ولذا تكون شهادته أوقع وأبلغ، حتى إنها جرت مجرى الأمثال، فحينما تأتي مثلاً بعدو من أعداء الإسلام يشهد بشهادة حق فتقول: ((شهد شاهد من أهلها)).
стр. 1493
تفسير قوله تعالى: (فلما رأى قميصه قد من دبر)
﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف:٢٨] الكيد هو الحيلة والمكر، وإنما استعظم كيدهن لأنه ألصق وأعلق في القلب، وأشد تأثيراً في النفس، ولهن فيه نيقةٌ ورفق، وبذلك يغلبن الرجال: يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله أركانا أي: مع الضعف الذي في المرأة لكنها تقوى بهذا الكيد وهذا المكر على أن تغلب أقوى الرجال.
يحتج بالآية من يرى الحكم بالأمارات والعلامات فيما لا تحضره البينات، كاللقطة والسرقة والوديعة ومعاقد الحيطان والسقوف وشبهها.
стр. 1494
تفسير قوله تعالى: (يوسف أعرض عن هذا)
قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٢٩] ((يوسف أعرض عن هذا)) نودي بحذف حرف النداء؛ لقربه وكمال تفطنه للحديث، والمعنى أعرض عن هذا الأمر واكتمه ولا تحدث به.
((واستغفري لذنبك)) أي: الذي وقع منك من إرادة السوء بهذا الشاب، وقذفه بما هو بريء منه.
((إنك كنت من الخاطئين)) أي: من جملة القوم المتعمدين للذنب يقال: خَطِئ إذا أذنب متعمداً، وأخطأ إذا فعله من غير تعمد، ولذلك ينبغي للشخص الذي يتكلم في خلافات العلماء ألا يقول: وهذا القول خاطئ، لكن يقول: إن هذا القائل مخطئ نسبة إلى الخطأ وليس إلى الخطيئة، فليلتفت لهذا؛ لأن هذا التعبير يستعمل كثيراً على ألسنة الكثير من طلبة العلم، يقول: هذا المذهب خاطئ.
وهذا القول خطأ؛ لأن الخاطئ هو الشخص الذي يتعمد الوزر والإثم، أما الخطأ نتيجة الاجتهاد مثلاً فيقال فيه: خطأ ويقال لصاحبه: مخطئ، وليس خاطئاً، إلا إذا تعمد، ولهذا يقال: أصاب الخطأ، وأخطأ الصواب، وأصاب الصواب.
(إنك كنت من الخاطئين) وإيثار جمع السالم تغليباً للذكور على الإناث؛ لأن الخاطئين فيهم رجال وإناث فغلب التذكير كما هو معلوم، ودل هذا على أن العزيز كان رجلاً حليماً إذ اكتفى من مؤاخذتها بهذا المقدار، قال ابن كثير: أو أنه عذرها؛ لأنها رأت ما لا صبر لها عنه.
ويقال: إنه كان قليل الغيرة.
قال الشهاب: وهذا لطف من الله تعالى بيوسف ﵇.
وقال أبو حيان كلاماً مؤذياً جداً سامحه الله يقول: إنه مقتضى تربة مصر.
والكثير من الناس للأسف الشديد ينزعون منزعاً غير مرضي، فبعض الناس يفيضون في هذا الكلام حتى قال بعضهم: ولذلك ترى الأسود لا تعيش في أرض مصر؛ لأن عندها غيرة، فلا شك أن هذا الكلام من العدوان، خاصة بعد أن شرف الله مصر بالإسلام، ما ينبغي أبداً أن يقال هذا الكلام، فنقرأ أحياناً في بعض الكتب أشياء مزرية، فهذا كتاب أظن اسمه (مرآة النساء فيما حسن منهن وساء)، كان يقول على سبيل الجزم والقطع: إن الرجال في مصر طبعهم غريب جداً في انقيادهم للنساء، حتى إنه لا يوجد في مصر رجل إلا ويخاطب امرأته بقوله: يا سيدتي.
فهذا بلا شك من العدوان، هل أحد يعرف هذا؟! فيحلو لبعض الناس سوء الظن بأهل مصر، وأن أهل مصر ليس عندهم غيرة، وأنا سمعت بنفسي شيئاً من هذا في بعض البلاد، فقد كنت في أبها وكان هناك حفل لتحفيظ القرآن، وكان الأمير خالد الفيصل حاضراً ذلك الحفل في المسجد الكبير هناك، وقام أحد المحاضرين من المشايخ الفضلاء -لا داعي لذكر اسمه- فتكلم عما يفعله العصاة والفساق من أهل بلادهم، فيقول: ويفعلون كذا وكذا ويذهبون إلى مصر! وكأن الذهاب إلى مصر سبة، والسبب في هذا الفسقة والفجرة من أهل الفن الممثلين والملاحدة والفساق والفجار، فالناس تنظر أن هذه هي مصر، وأن أهل مصر لا يعرفون الشرف ولا العرض ولا الغيرة ولا الكرامة، لكن منذ أن أعزنا الله بالإسلام ولله الحمد نحن نفخر بإسلامنا لا بشيءٍ آخر، ولكن ليس من الحكمة أبداً أن الإنسان إذا كان يخاطب قوماً ويتكلم باسم الإسلام، خاصة إذا كان عالماً أو مصنفاً أن يدق هذا الوتر في قلوب الناس؛ لأنه يجرح كثيراً.
نستحضر قصة الإفك كيف أن سعد بن معاذ لما قام وهو رئيس الأوس وقال للرسول ﵊: (إن كان من قومي الأوس فأنا امتثل فيه رأيك، وإن كان من إخواننا الخزرج فمرنا فيه لنقتلنه، فغضب رئيس الخزرج وقال: لا تقتله ولا تستطيع أن تقتله وكان الرسول ﷺ جالساً على المنبر، وكادت أن تحصل فتنة عظيمة بينهم) انظر إلى العصبية القبلية أو الوطنية.
إذاً: من يتكلم باسم الإسلام ينبغي ألا يقترب من موضوع العصبية والقبلية والطائفية، للأسف الشديد هناك أمور كثيراً ما تحصل تجد الواحد يقول: هذا من الصعيد وفلان هذا بحراوي، وللأسف ترانا نجري مع الناس الجهلة في هذه النعرة الجاهلية، وحتى على مستوى المحافظات تجد لكل محافظة صفة معينة قبيحة ظلماً وعدواناً.
فلا ينبغي أن نسترسل مع هذه المسالك؛ لأنه لا يليق أبداً بمن أعزه الله بالإسلام أن يحصل منه مثل هذا الكلام، فكل من كان مثلنا في الإسلام فهو أخونا سواء من أهل بلدنا، أو من أهل محافظتنا، أو من أهل مصرنا، أو من أي بلد إسلامي، أما التعميم فبلا شك أنه ظلم فادح، والرسول ﷺ قال: (لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء)، فهذا فيه مراعاة لشعور الناس، انظروا كيف وصلت إلى هذا الحد، حتى الميت لو كان يستحق السب لا تسبه رعايةً لحرمة قريبه الحي! حتى ولو كان هذا كافراً أو فاسقاً، فلا تؤذوا الأحياء، فكيف بالمسلمين؟! وقال أبو حيان: إنه مقتضى تربة مصر بتحلي أهلها بهذه الصفة التي يزعمون.
ثم يقول القاسمي: وقد تقرر للمحققين أن الاختلاف في أحوال العمران في الخصب والجدب وأقاليمه في الحرارة والبرودة وتوابعها له أثر في أخلاق البشر وأبدانهم.
انظر المقدمة الرابعة والخامسة من مقدمة ابن خلدون، وعفا الله عن الجميع!
стр. 1495
تفسير قوله تعالى: (وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه)
ذكر تعالى أن خبر يوسف وامرأة العزيز شاع في المدينة وهي مصر فقال : ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف:٣٠].
((وقال نسوة في المدينة)) أي: بعد أن انتشرت الشائعات، فمثل هذه الحوادث تشيع وتنتشر من قبل النساء، أما يوسف فلا يمكن أن يكون قد أذاع هذا، بل يوسف يتنزه عن أن يكون هو مصدر هذه الشائعات ﵇.
((امرأة العزيز)) العزيز هو الأمير، مأخوذ من العز وهو الشدة والقهر، وقد غلب على أمير مصر والإسكندرية، الحقيقة هنا مناسبة لأن نعلق تعليقاً عابراً بالنسبة لاستعمال كلمة (العزيز) في القرآن، نقدم لها بالتعريف بعمالقة مصر الذين يسمون بالهكسوس، وهم العمالقة الذين كانوا يسكنون في جنوب فلسطين ومنطقة العقبة وجزء من سيناء المصرية، وكان يطلق عليهم الشاة أو ملوك الرعاة، وهم أبناء عم عمالقة العراق الذين كونوا دولة بابل الأولى، وأبناء عم عادٍ وثمود.
اندفعت الهكسوس الهمجية ودهمت في فترة من فترات الضعف السياسي في مصر حدود مصر الشرقية، مكتسحةً أمامها كل شيءٍ في مصر، ومما ساعدهم على ذلك كثرتهم العددية وقوتهم العسكرية، واستخدام الخيول والعجلات الحربية، والخناجر والسيوف البرونزية -لأن سيوف المصريين كانت من النحاس- والأقواس المركبة البعيدة المدى، وهذه الأسلحة لم يعرفها المصريون، فأخضعوا الدلتا وجعلوا شرق مصر وشمال الدلتا في محافظة كفر الشيخ الحالية من أهم عواصمهم ومراكزهم الهامة في مصر، ثم واصل الهكسوس زحفهم جنوباً فاحتلوا عاصمة مصر التي بالقرب من البدرشين في محافظة الجيزة الآن، ثم سيطروا على شمال الصعيد حتى منطقة القوصية بالقرب من أسيوط، وتحصن المصريون في طيبة التي هي الأقصر حالياً في جنوب الصعيد.
فالهكسوس كانوا يقتحمون البلاد من جهة الشمال، ومملكة الكوز في بلاد النوبة، مملكة قوية كانت تضم جنوب وشمال السودان وأجزاء من الحبشة، وأساءوا معاملة المصريين واستذلوهم وأجبروهم على دفع الجزية، وظلوا يحكمون مصر أو معظم مصر مدة مائة وخمسين سنة من (١٧٢٠ ق م) إلى (١٥٧٠ ق م).
خلاصة الكلام أن الهكسوس أصلهم عمالقة فلسطين، وأصل الهكسوس من العرب.
فملوك الهكسوس الذي حكموا مصر غير ملوك الفراعنة.
الشيخ عبد الرحمن يوسف العبسي يذكر في كتاب له اسمه: (إرم ذات العماد) يقول: إن يوسف ﵇ نزل مصر وعاش فيها في زمن حكم ملوك الهكسوس، لذلك نجد أن القرآن الكريم حينما يتحدث عن حكام مصر في عهد سيدنا يوسف ﵇ ينعتهم بألقاب عربية؛ لأنهم عرب مثل: لقب السيد، ولقب: العزيز وهي ألقاب عربية، ونحن نعرف أن الهكسوس عماليق من العرب البائدة، ومن أمثلة ذلك قال الله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف:٢٥] وقوله : ﴿امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا﴾ [يوسف:٣٠].
أما حينما نجح المصريون في طرد الهكسوس من مصر وسيطر المصريون مرةً أخرى على مقاليد البلاد، وبدأ عصر جديد هو عصر المجد الحربي الذي ضم كبار الملوك المصريين مثل: خوفو ورمسيس وهو نفس العصر الذي أرسل فيه سيدنا موسى إلى مصر، فنجد القرآن الكريم يذكر حكام مصر بلقب المصريين القديم فرعون، وهو اللقب المصري لكل ملوك مصر ومعناه: البيت العالي، يقول الله تعالى لموسى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤].
لاشك أن الإشارة إلى ملوك الهكسوس بالألقاب العربية، وملوك الفراعنة بلقب الفرعون أن هذا من معجزات القرآن الكريم ودقة تعبيراته، فهذا إشارة إلى أن هذا العزيز لم يكن من الفراعنة؛ لأن هذا حصل في زمن الهكسوس.
((قد شغفها حباً)) أي: خرق حبه شغاف قلبها حتى وصل إلى الفؤاد، والشغاف كالسحاب حجاب القلب.
((إنا لنراها في ضلال مبين)) أي: في خطأ عن طريق الرشد والصواب، وإقحام الرؤية للإشعار بأن حكمهن بضلالها صادر عن رؤية وعلم، مع التلويح إلى تنزههن عن مثل ما فعلته هي، كعادة المغتاب، فالمغتاب يكون قصده من الغيبة رفع نفسه بتنقيص الآخرين، فعندما يقول: فلان ليس عنده ورع معناه: أنه يقصد أنني أنا الذي عندي ورع، وكأن يقول: فلان مثلاً بخيل، وهو لا يقصد فقط ذمه وإنما يريد أن يصف نفسه بالكرم وهكذا، وقوله عنهن: ((إنا لنراها في ضلالٍ مبين)) فيه توكيد بإن واللام.
стр. 1496
تفسير قوله تعالى: (فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن)
﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف:٣١].
((فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ)) أي: باغتيابهن وسوء قالتهن، استعير المكر للغيبة لشبهها له في الإخفاء، أو المكر على حقيقته.
فهو أطلق على الغيبة المكر؛ لأن الخفاء مشترك بين اللفظين، أو المقصود المكر على حسب التآمر والكيد والتخطيط، كأنها فهمت أن مكرهن ليس لأجل الغيرة، وإنما هو التآمر وكأنهن تعمدن ذلك كي تريهن يوسف ﵇ ((فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن)) تدعوهن للضيافة مكراً بهن.
((وَأَعْتَدَتْ)) أي: أحضرت وهيأت ((لهن متكئاً)) أي: ما يتكئن عليه من الوسائد.
((وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا)) أي: ليعالجن بها ما يأكلن من الفواكه ونحوها.
((قالت)) ليوسف ﵇: ((أخرج عليهن)) أي: ابرز إليهن.
قال الزمخشري: قصدت بتلك الهيئة وهي قعودهن متكئات والسكاكين في أيديهن أن يدهشن ويبهتن عند رؤيته، ويشغلن عن نفوسهن فتقع أيديهن على أيديهن فيقطعنها؛ لأن المتكئ إذا بهت لشيء وقعت يده على يده ولا يبعد أن تقصد الجمع بين المكر به وبهن، فتضع الخناجر في أيديهن ليقطعن أيديهن فتبكتهن بالحجة، وقد كان ذلك كما قال تعالى: ((فلما رأينه أكبرنه)) أي: أعظمنه وهبن حسنه الفائق.
((وقطعن أيديهن)) أي: جرحنها، كما تقول: كنت أقطع اللحم فقطعت يدي، تريد جرحتها.
((وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ)) (حاش) أصلها (حاشا) بشين وألف، وحذفت ألفها تخفيفاً، وبها قرأ أبو عمرو.
((وقلن حاش لله)) أي: تنزيهاً له عن صفات النقص والعجز، وتعجباً من قدرة الله على مثل ذلك الصنع البديع، وإنما نفين عنه البشرية لغرابة جماله، وأثبتن له الملكية على نهج القصر وأسلوبه بناءً على ما ركز في الطباع أن لا أحسن من الملك في الصورة، كما ركز فيها ألا أقبح من الشيطان، ولذلك يشبه كل متناهٍ في الحسن بالملك، وكل متناهٍ في القبح بالشيطان.
стр. 1497
تفسير قوله تعالى: (قالت فذلكن الذي لمتنني فيه)
﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف:٣٢].
((قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ)) أي: في الافتتان به.
((وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ)) أي: امتنع طالباً للعصمة مستزيداً منها، فهو طلب من الله العصمة وتمادى في ذلك، وثبت على موقفه.
قال الزمخشري: الاستعصام بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد، كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها، ونحوه: استمسك واستوسع الفتق واستجمع الرأي واستفحل الخطب، وهذا بيان لما كان من يوسف ﵇ لا مزيد عليه، وبرهان لا شيء أنور منه على أنه بريء مما أضاف إليه أهل الحشو مما فسروا به الهم والبرهان.
((وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ)) أي: ليعاقبن بالسجن والحبس.
((وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ)).
أي: الأذلاء المهانين.
قوله: (ليسجنن) (وليكوناً) النون في الأولى ثقيلة، والثانية مخففة وهي نون التوكيد.
стр. 1498
تفسير قوله تعالى: (قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه)
لما سمع يوسف ﵇ تهديدها: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣].
((قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه)) من الفاحشة، لأن مشقة دخول هذا السجن قليلة يعقبها راحات أبدية.
ثم فزع إلى الله تعالى في طلب العصمة بقوله: ((وإلا تصرف عني كيدهن)) أي: ما أردن مني.
((أصب إليهن)) أي: أمل إلى إجابتهن بمقتضى البشرية.
((وأكن من الجاهلين)) أي: بسبب ارتكاب ما يدعونني إليه من القبيح.
قال أبو السعود: هذا فزع منه ﵇ إلى ألطاف الله تعالى، جرياً على أدب الأنبياء والصالحين في قصر نيل الخيرات والنجاة من الشرور على جناب الله ، وسلب القوى عن أنفسهم، ومبالغة في استدعاء لطفه في صرف كيدهن بإظهار أن لا طاقة له بالمدافعة، كقول المستغيث: أدركني وإلا هلكت، لا أنه يطلب الإجبار والإلجاء إلى العصمة والعفة، وفي نفسه داعية تدعوه إلى هواهن.
قال القاشاني: وذلك الدعاء هو صورة افتقار القلب الواجب عليه أدباً.
يجب أن يكون القلب دائماً متصلاً بهذا الافتقار إلى عصمة الله ، وأنه لا حول له ولا قوة إلا بالله، فهذا من كمال توحيد يوسف لربه : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].
стр. 1499
تفسير قوله تعالى: (فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن)
﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف:٣٤].
((فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ)) أي: أجاب دعاءه.
((فصرف عنه كيدهن)) أي: أيده بالتأييد القدسي فصرفه إلى جناب القدس ودفع عنه بذلك كيدهن.
((إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) أي: إنه هو السميع لدعاء المتضرعين إليه، العليم بما يصلحهم.
стр. 1500
تفسير قوله تعالى: (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين)
﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف:٣٥].
((ثم بدا لهم)) أي: ظهر للعزيز وأهله.
((من بعد ما رأوا الآيات)) أي: الشواهد على براءته ﵇.
((ليسجننه حتى حين)) أي: إلى مدةٍ يرون رأيهم فيها.
стр. 1501
تفسير سورة يوسف [٥١ - ٨٢]
стр. 1502
تفسير قوله تعالى: (قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه)
يقول الله ﵎: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ * قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف:٥٠ - ٥١].
((قال ما خطبكن إذا راودتن يوسف عن نفسه)) استئناف مبني على السؤال، كأنه قيل: فماذا كان بعد قول يوسف ﵇ للملك أو لرسول الملك ((ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم))؟ فجاء الجواب قال الملك: ((ما خطبكن)) أي: ما شأنكن ((إذا راودتن يوسف)) يوم الضيافة، يعني: هل وجدتن منه ميلاً إليكن؟ ((قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء)) أي: من قبيح، لقد بالغن في نفي السوء عنه، وهو أبلغ ما يكون في تنزيه يوسف ﵇ عن أي قبيح؛ لأن كلمة (سوء) نكرة في سياق النفي فهي تعم، ويكون العموم قطعياً إذا أضيفت إليه كلمة ((ما علمنا عليه من سوء)) أيضاً من المبالغة في تنزيهه عن ذلك.
قالت امرأة العزيز: ((الآن حصحص الحق)) أي: ثبت واستقر وظهر بعد خفائه ((أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين)) أي: إنه لمن الصادقين في قوله: هي راودتني عن نفسي.
قال الزمخشري: ولا مزيد على شهادتهن له بالبراءة والنزاهة، واعترافهن على أنفسهن بأنه لم يتعلق بشيء مما قرفنه به؛ لأنهن خصومه وإذا اعترف الخصم بأن صاحبه على الحق وهو على الباطل لم يبق لأحد مقال.
وكما يقال: والفضل ما شهدت به الأعداء.
стр. 1503
تفسير قوله تعالى: (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب)
﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف:٥٢].
تقول امرأة العزيز: ذلك الذي اعترفت به على نفسي؛ ليعلم أني لم أخنه بالغيب؛ لأن يوسف في هذه اللحظة لم يكن حاضراً، وإنما تم استدعاء النسوة ثم قال لهن الملك: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف:٥١]؟ هل وجدتن منه ميلاً إليكن؟ ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ [يوسف:٥١].
فإذا كان هذا الحوار في غياب يوسف ﵇ لم يكن الملك قد أحضره بعد، فتقول امرأة العزيز: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف:٥١] ((ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب)) أي: ليعلم يوسف أني لم أكذب عليه في حال الغيبة، وجئت بالصحيح والصدق فيما سئلت عنه، أو ليعلم زوجي العزيز أني لم أخنه بالغيب في نفس الأمر، ولا وقع المحذور الأكبر الذي هو الفاحشة، وإنما راودت هذا الشاب مراودة فامتنع، فاعترفت ليعلم أني بريئة.
((وأن الله لا يهدي كيد الخائنين)) أي: لا يرضاه ولا يسدده.
стр. 1504
تفسير قوله تعالى: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء)
﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف:٥٣].
أي: وما أبرئ نفسي مع ذلك، فإن النفس تتحدث وتتمنى ولهذا راودته، أو ما أبرئ نفسي من الخيانة فإني قد خنت يوسف لما رميته بالذنب، وذلك لما قالت لزوجها: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف:٢٥] وأودعته السجن ظلماً وعدواناً، فهي تريد أن تعتذر مما كان منها، أن كل نفس لأمارة بالسوء إلا نفساً رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف ﵇.
يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: وهذا القول الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام.
وهناك قول آخر: أن القائل: ((ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين)) هو يوسف؛ لكن القول الأرجح والأليق بالسياق هو نسبة ذلك إلى امرأة العزيز.
ثم يقول: وقد حكاه -أي هذا القول- الماوردي في تفسيره، وانتدب لنصره الإمام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى فأفرده بتصنيف على حدة.
ويشير القاسمي هنا إلى أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أفرد هذه الآية بالتصنيف؛ للانتصار للقول بأن قائل ذلك هو امرأة العزيز.
ثم يقول: وقد قيل إن ذلك من كلام يوسف يقول: ((ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب)) وهذا القول هو الذي لم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم سواه، وهو القول بأن هذا من كلام يوسف ﵇، والمعنى: أنه حينما جاءه رسول الملك ليخرجه من السجن، أبى يوسف أن يخرج حتى تظهر براءته، فكان ما حصل منه من التثبت والتريث والتأني سببه لتعلم براءته، حيث يقول: ليعلم العزيز أني لم أخنه بظهر الغيب في أهله، أو ليعلم الله أني لم أخنه؛ لأن المعصية خيانة، ثم أكد أمانته بقوله: ((وأن الله لا يهدي كيد الخائنين)) وأنه لو كان خائناً لما هدى الله أمره وسدده وأحسن عاقبته، وفيه تعريض بامرأة العزيز في خيانتها أمانته، وبالعزيز في خيانة أمانة الله تعالى حين ساعدها بعد ظهور الآيات على حبسه؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف:٣٥] فتآمر العزيز وامرأته على أن يسجنا يوسف ﵇ رغم ظهور الآيات الدالة على براءته.
ثم أراد يوسف ﵇ أن يتواضع لله ويهضم نفسه؛ لئلا يكون لها مزكياً، وبحالها في الأمانة معجباً ومفتخراً، وليبين أن ما فيه من الأمانة ليس قائماً من نفسه، وإنما هو بتوفيق الله ولطفه وعصمته، فقال: ((وما أبرئ نفسي)) أي: لا أنزهها من الزلل ولا أشهد لها بالبراءة بالكلية ولا أزكيها؛ فإن النفس البشرية تأمر بالسوء وتحمل عليه بما فيها من الشهوات، إلا ما رحم الله من النفوس التي يعصمها من الوقوع في المساوئ.
هذا خلاصة ما قرروه على أنه من كلام يوسف، وأشهر من قال بذلك كما ذكرنا من المفسرين ابن أبي حاتم، وابن جرير الطبري.
قال ابن كثير: والقول الأول أقوى وأظهر؛ لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك، ولم يكن يوسف ﵇ عندهم بل بعد ذلك أحضره الملك، والله تعالى أعلم.
قوله : ((ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب)) ما إعراب بالغيب؟ هي جار ومجرور حال من الفاعل أو من المفعول، أي: حال كوني غائبة عنه، أو وهو غائب عني خفي عن عيني.
أو (بالغيب) ظرف أي: بمكان الغيب وهو الخفاء والاستتار وراء الأبواب.
((وأن الله لا يهدي كيد الخائنين)) أي: لا يهديهم بسبب كيدهم، أوقعت الهداية المنفية على الكيد، وهي واقعة عليهم تجوزاً للمبالغة، لأنه إذا لم يهد السبب علم منه عدم هداية مسببه بطريق الأولى، وقيل: المعنى لا يهديهم في كيدهم كقوله تعالى: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة:٣٠] أي: في قولهم، وقيل: هداية الكيد مجاز عن تنفيذه وتسديده.
قال في الإكليل: إذا كان يوسف ﵇ هو القائل: ((وما أبرئ نفسي)) فلا شك أن هذه الآية دليل أصلي على التواضع، وكسر النفس وهضمها، ومن هذا الباب قول النبي ﷺ (لو كنت مكان يوسف لأجبت الداعي) فهذا من تواضعه ﷺ ، وإلا فإن رسول الله ﵇ أولى بكل فضيلة من كل من عداه من الأنبياء والمرسلين.
قال الزمخشري: لقد لفقت المبطلة روايات مصنوعة -ثم ساقها ثم قال-: وذلك لتهالكهم على بهت الله ورسله.
وفعلاً مما يؤذي جداً أننا إذا راجعنا كتب التفسير في مثل هذا الموضع، نجد الملفقة والمتكلفين والمتنطعين والقصاصين قد زادوا وأعادوا في تلفيق القصص التي لا مستند لها في هذه المواقف كما ذكروا هنا: أن يوسف ﵇ لما قال: ((ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين)) فقال له جبريل: أين ذهب همك بها؟ فرد وقال: ((وما أبرئ نفسي)).
وكل هذا من التلفيق ومن العدوان على مقام أنبياء الله ورسله المعصومين، حتى الآن كل من له تعلق بهذه القصة يقطع بنزاهة يوسف ﵇، حتى إبليس نفسه نزه يوسف ﵇ حينما قال ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر:٤٠] فاستثنى المخلصين، والله وصف يوسف بأنه من المخلصين بقوله: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] أي: من الذين لن يجد الشيطان إليهم سبيلاً، وامرأة العزيز نزهته والنسوة نزهنه، والشاهد الذي شهد نزهه، ومع ذلك لم ينزهه هؤلاء القصاصون الملفقون؛ فينبغي أن يحذر من مثل هذه الروايات الملفقة المصنوعة.
قال الناصر ولقد صدق في التوقيع على نقلة هذه الزيادات بالبهت، وذلك دأب المبطلة من كل طائفة، ويحق الله الحق بكلماته ويبطل الباطل.
стр. 1505
قوة عفة يوسف ﵇ وحفظ الله له
يقول القاسمي رحمه الله تعالى: رأيت لـ ابن القيم في الجواب الكافي في صبر يوسف وعفته مع الدواعي من وجوه.
وهذا بلا شك من أعظم نماذج العفة وحبس النفس عما حرم الله ، فقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ونختم الجواب بفصل متعلق بعشق الصور وما فيه من المفاسد العاجلة والآجلة، وإن كانت أضعاف ما يذكره ذاكر، فإنه يفسد القلب بالذات، وإذا فسد فسدت الإرادات والأقوال والأعمال، وفسد ثغر التوحيد.
والله إنما حكى هذا المرض عن طائفتين من الناس: وهم اللوطية والنساء، فأخبر عن عشق امرأة العزيز ليوسف وما راودته وكادته به، وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف بصبره وعفته وتقواه، مع أن الذي ابتلي به أمر لا يصبر عليه إلا من صبَّره الله عليه، فإن مواقعة الفعل بحسب قوة الداعي وزوال المانع، وكان الداعي ها هنا في غاية القوة وذلك من وجوه: أحدها: ما ركبه الله في طبع الرجل من ميله إلى المرأة، كما يميل العطشان إلى الماء، والجائع إلى الطعام، حتى إن كثيراً من الناس يصبر عن الطعام والشراب ولا يصبر عن النساء، وهذا لا يذم إذا صادف حلالاً بل يحمد كما في كتاب (الزهد) للإمام أحمد من حديث أنس عن النبي ﷺ أنه قال: (حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن).
الثاني: أن يوسف ﵇ كان شاباً، وشهوة الشباب وحدته أقوى.
الثالث: أنه كان عزباً ليس له زوجة ولا سرية تكسر ثورة الشهوة.
الرابع: أنه كان في بلاد غربة يتأتى للغريب فيها من قضاء الوطر ما لا يتأتى له في وطنه وبين أهله ومعارفه.
الخامس: أن المرأة كانت ذات منصب وجمال، بحيث إن كل واحد من هذين الأمرين يدعو إلى مواقعتها.
السادس: أنها غير ممتنعة ولا أبية؛ فإن كثيراً من الناس يزيل رغبته في المرأة إباؤها وامتناعها؛ لما يجد في نفسه من ذل الخضوع والسؤال لها، وكثير من الناس يزيده الإباء والامتناع إرادة وحباً، كما قال الشاعر: وزادني كلفاً في الحب أن منعت أحب شيء إلى الإنسان ما منعا فطباع الناس مختلفة في ذلك.
السابع: أنها طلبت وأرادت وراودت وبذلت الجهد؛ فكفته مؤنة الطلب وذل الرغبة إليها، بل كانت هي الراغبة الذليلة، وهو العزيز المرغوب إليه.
الثامن: أنه في دارها وتحت سلطانها وقهرها؛ بحيث يخشى إن لم يطاوعها من أذاها له؛ فاجتمع داعي الرغبة والرهبة.
التاسع: أنه لا يخشى أن تنم هي عليه ولا أحد من جهتها، فإنها هي الطالبة والراغبة، وقد غلقت الأبواب وغيبت الرقباء.
العاشر: أنه كان مملوكاً لها في الدار، بحيث يدخل ويخرج ويحضر معها ولا ينكر عليه، وكان الأُنس سابقاً على الطلب، وهو من أقوى الدواعي، كما قيل لامرأة شريفة من أشراف العرب ما حملك على الزنا؟ قالت: قرب الوساد وطول السواد، تعني: قرب وساد الرجل من وسادتي وطول السواد بيننا.
الحادي عشر: أنها استعانت عليه بأئمة المكر والاحتيال، فأرته إياهن وشكت حالها إليهن لتستعين بهن عليه، فاستعان هو بالله عليهن، فقال: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣].
الثاني عشر: أنها توعدته بالسجن والصغار، وهذا نوع إكراه، إذ هو تهديد من يغلب على الظن وقوع ما هدد به، فيجتمع داعي الشهوة، وداعي السلامة من ضيق السجن والصغار.
الثالث عشر: أن الزوج لم يظهر من الغيرة والنخوة ما يفرق به بينهما، ويبعد كلاً منهما عن صاحبه، بل كان غاية ما خاطبهما به أن قال ليوسف: ((أعرض عن هذا)) وللمرأة: ((استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين)) وشدة الغيرة للرجل من أقوى الموانع.
وهذا لم يظهر منه غيرة.
ومع هذه الدواعي آثر مرضاة الله وخوفه، وحمله حبه لله على أن اختار السجن على الزنا: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف:٣٣] وعلم أنه لا يطيق صرف ذلك عن نفسه، وأن ربه تعالى إن لم يعصمه ويصرف عنه كيدهن صبا إليهن بطبعه، وكان من الجاهلين، وهذا من كمال معرفته بربه وبنفسه.
وفي هذه القصة من العبر والفوائد والحكم ما يزيد على ألف فائدة.
انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى.
стр. 1506
تفسير قوله تعالى: .
(وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي)
أشار تعالى إلى ما امتن به على يوسف من رفع قدره بصبره، وإعلاء منزلته برحمته فقال : ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف:٥٤].
هذه الحادثة مع الملك لا مع العزيز، وكان العزيز وزير الملك، والملك كان أعلى من العزيز.
((وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي)) أي: أخصها به دون العزيز، جرياً على عادة الملوك من الاستئثار بالنفيس العزيز، قال ذلك لما تحقق براءته مما نسب إليه، فعلم كرم نفسه وسعة علمه فقال: ((ائتوني به أستخلصه لنفسي)) أي: أجعله من خاصتي دون العزيز.
((فلما كلمه)) أي: فلما أتوا به وخاطبه الملك وعرفه وشاهد فضله وحكمته وبراءته.
وجوز أن يكون الفاعل في قوله: ((فلما كلمه)) يوسف ﵇.
((قال إنك اليوم لدينا مكين)) أي: ذو مكانة عالية ومنزلة، ((أمين)) أي: مؤتمن على كل شيء.
روي أن يوسف ﵇ لما حضر الملك وعبر له رؤياه ابتهج بحديثه هو وخاصته، وقال الملك لهم: هل نجد مثله رجلاً مهبطاً للإمداد الرباني؟ فقال ليوسف: بعد أن عرفك الله هذا فلا يكون حكيم مثلك، وأنت على بيتي، وإلى كلمتك تنقاد رعيتي، ولا أكون أعظم منك إلا بعرشي، وقد أقمتك على جميع أرض مصر، ونزع خاتمه من يده ووضعه في أصبعه، وألبسه ثياب بز، وجعل طوقاً في عنقه، وأركبه مركبته، وأمر أن يطاف به في شوارع مصر وينادى أمامه بالخضوع له، وقال له: لا يمضي أمر ولا ينفذ شأن في مصر إلا برأيك ومشورتك، وسماه: مخلص العالم، وزوجه بنت أحد العظماء لديه، وكان يوسف وقتئذ ابن ثلاثين سنة، والله تعالى أعلم.
قال بعضهم: إن من أمعن النظر في قصة يوسف ﵇ علم يقيناً أن التقي الأمين لا يضيع الله سعيه، بل يحسن عاقبته ويعلي منزلته في الدنيا والآخرة، وأن المعتصم بالصبر لا يخشى خلفان الدهر وتجاربه، ولا يخاف صروفه ونوائبه، فإن الله يعضده وينجح مسعاه، ويخلد ذكره العاطر على ممر الأدهار، فإن يوسف ﵇ لما لم يخش للنوائب وعيداً، ولا للتجارب تهديداً، ولم يخف للسجن ظلماً وشراً، ولا للتنكيل به ألماً وضراً، بل ألقى توكله على الرب، وصبر إزاء تلك البلية ثابت القلب، نال بطهارته وتقواه تاج الفخر، ولسان الصدق طول أيام الدهر.
يعني: يكفي أن قصة يوسف ﵇ تتلى إلى أن تقوم الساعة، فهي عبرة لكل معتبر، ومثل أعلى للبشرية في هذا الموقف بالذات، فلا شك من هذا كله أنه ﴿مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠] وأن فضيلته لم يعف جميل ذكراها مرور الأيام، ولم يعبث بنضارتها كرور الأعوام، بل ادخرت لنا مثالاً نقتفي أثره عند طروء التجارب، وملاذاً نعوذ به في المحن والمصائب، ومقتدىً نتدرب به على التثبت في مواقف العثار، وننهج منهاجه في التقوى وطيب الإزار، فننال في الدنيا سمة المجد، ونفوز في الآخرة بدار الخلد.
стр. 1507
تفسير قوله تعالى: (قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم)
قال حاكياً عن يوسف ﵇ ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥].
أي: قال يوسف للملك: اجعلني على خزائن الأرض، أي: خزائن أرضك، أي: جميع الغلات، لما يستقبلونه من السنين التي أخبرهم بشأنها، فيتصرف لهم على الوجه الأرشد والأصلح، ثم بين اقتداره في ذلك فقال: ((إني حفيظ عليم)) أي: أمين أحفظ ما تستحفظني، عالم بوجوه التصرف فيه.
ومن أروع ما يستدل به هنا على معنى قوله ﵊: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) فنلاحظ يوسف ﵇ ما أثنى على نفسه بحسن الصورة مع أن الله أعطاه شطر الحسن كما وصفه النبي ﷺ ، والنسوة قلن: ((إن هذا إلا ملك كريم)) ومع ذلك ما قال: إني أوتيت شطر الحسن، ولم يتفاخر بانتسابه إلى الآباء والأجداد مع أنه هو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم جميعاً وعلى نبينا الصلاة والسلام، فانظر إلى ما وصف به نفسه فقال: ((إني حفيظ عليم)).
قال الزمخشري: وصف نفسه بالأمانة والكفاية اللتين هما طلبة الملوك ممن يولونه.
وكذلك موسى ﵇ وصفته ابنة الرجل الصالح بقولها: ((إن خير من استأجرت القوي الأمين)) ولذلك كان عمر ﵁ يقول: (أشكو إلى الله جلد الفاجر وعجز الثقة) أي: أشكو إلى الله من ثقة وأمين وعنده خوف من الله وورع وتقوى، لكنه قاصر ليس عنده الكفاءة في العمل، بينما نجد شخصاً فاجراً عنده القوة على هذا العمل، لكنه ليس أميناً، وأفضل الأحوال أن تجتمع الصفتان معاً كما قال تعالى: ﴿أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ [ص:٤٥] جمع بين الأمانة وبين القوة.
ثم يقول الزمخشري: وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء حكم الله تعالى، وإقامة الحق وبسط العدل، والتمكن مما لأجله تبعث الأنبياء إلى العباد، ولعلمه أن أحداً غيره لا يقوم مقامه في ذلك، فطلب التولية ابتغاء وجه الله لا لحب الملك والدنيا.
لا شك أن الأنبياء منزهون عن السعي وراء الدنيا، فلا يمكن أن يكون يوسف ﵇ طلب الملك من باب حب الدنيا حاشاه ﵊، وإنما أراد يوسف ﵇ أن ينفع هؤلاء الناس، وأن يصل ويتمكن مما لأجله تبعث الأنبياء إلى العباد، وقد رأى أنه لا يقوم غيره مقامه.
ثم يقول: فإن قلت: كيف جاز أن يتولى عملاً من يد كافر، ويكون تبعاً له وتحت أمره وطاعته؟ قلت: روى مجاهد أنه كان قد أسلم.
وعن قتادة هو دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان عملاً من يد سلطان جائر، وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة البغاة ويرونه، وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر الله ودفع الظلم إلا بتمكين الملك الكافر أو الفاسق فله أن يستظهر به.
وقيل: كان الملك يصدر عن رأيه، ولا يعترض عليه في كل ما رأى، فكان في حكم التابع له والمطيع.
وهذه الآية أصل في طلب الولاية كالقضاء ونحوه.
كان الوضع شبيهاً بوضع ملكة انكلترا تملك ولا تحكم -كما قال له هنا: لا أتميز عليك إلا بالعرش الملك- لكن الحكم الفعلي لرئيس الوزراء، فيبدو أن هذه الصورة التي كانت بين يوسف ﵇ وبين هذا الملك.
وهذه الآية كما هي أصل في طلب الولاية كالقضاء ونحوه لمن وثق من نفسه بالقيام بحقوقه، وجواز التولية عن الكافر والظالم، فهي أصل في جواز مدح الإنسان نفسه لمصلحة، وفي أن المتولي أمراً شرطه أن يكون عالماً به خبيراً ذا فطنة.
قال أبو السعود: وإنما لم يذكر إجابة الملك إلى ما سأله ﵇ من جعله على خزائن الأرض بعدما قال له الملك: ((إنك اليوم لدينا مكين أمين)) ((قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم)) ثم جاءت الآية مباشرة ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ﴾ [يوسف:٢١] إلى آخره ولم تحك الآيات الكريمة ما رد عليه الملك ولم يقل: وثقت أو قبلت ذلك إلا إيذاناً بأن ذلك أمر لا مرد له، وهو غني عن التصريح، لا سيما بعد تقديم ما يندرج تحته من أحكام السلطنة بحذافيرها من قوله: ((إنك اليوم لدينا مكين أمين))، وللتنبيه على أن كل ذلك من فعل الله ، وإنما الملك آلة وسبب في ذلك.
قال ابن كثير: خزائن الأرض هي الأهرام التي يجمع فيها الغلات يقول القاسمي: ولم أر الآن مستنده في كون الأهرام كانت مجمع الغلات، ولم أقف عليه في كلام غيره، والأهرام بفتح الهمزة جمع هرم بفتحتين، وهي مبان مربعة الدوائر مخروطية الشكل، بقي منها الآن ثلاثة في الجيزة، بعيدة عن القاهرة أميال معدودة، من غرائب الدنيا.
ثم يقول: دعيت لرؤياها أيام رحلتي للديار المصرية عام واحد وعشرين وثلاثمائة وألف من الهجرة، وقد استقر رأي المتأخرين في تحقيق شأنها على أنها كانت مدافن لملوكهم، ففي كتاب (الأثر الجليل لقدماء وادي النيل): جميع الأهرام ليست إلا مقابر ملوكية، آثر أصحابها أن يتميزوا بها بعد موتهم عن سائر الناس، كما تميزوا عنهم مدة حياتهم، وتوخوا أن يبقى ذكرهم بسببها على تطاول الدهور وتراخي العصور.
يعني: كما تعلمون كان المصريون القدماء يعبدون الملوك، والملوك كانوا يسخرون الشعب تسخيراً قبيحاً جداً كما هو محفوظ.
وهذا الكلام الذي يذكره القاسمي أو ينقله عن كتاب (الأثر الجليل) هو لم يذكر بالضبط تاريخ طباعة الكتاب، لكن إذا كان من أيام ألف وثلاثمائة وواحد وعشرين فقد طبع من مدة بعيدة، ولا نجزم هل كان هذا الكلام قبل اكتشاف حجر رشيد، أم بعد اكتشاف حجر رشيد؟ لأن حجر رشيد هو الذي فتح باب الشر علينا، حينما أعان على ترجمة اللغة الهيروغليفية، وبالتالي لم ينفتح علينا مجرد اكتشاف آثار قدماء المصريين ومعرفة لغتهم، وإنما انفتح باب التكلم عليهم بإعجاب وبفخر وباعتزاز، مع كونهم من الوثنيين، فهذه خطة استعمارية خبيثة، كما تعرفون لو راجعتم التاريخ بداية الاكتشاف أعتقد كان هناك شخص يهودي اسمه روتشل تقريباً أراد أن يمول عملية اكتشاف الآثار المصرية مقابل الترويج للتاريخ الفرعوني القديم، بحيث يزاحم العقيدة الإسلامية والمفاهيم الإسلامية في أيامها، القصة معروفة تجدونها في كتاب (الإنتاجات الوطنية في الأدب المعاصر) للدكتور محمد حسين ﵀.
والآن كل بلد يكتشف فيها آثار قديمة يتوقع شراً بسبب الاكتشافات لتلك الأيام الماضية.
في البحرين أيضاً حصلت اكتشافات كلها تدور حول الشركيات والوثنيات وكل هذه الأشياء من أجل أن ينفخوا في هذه الروح؛ لإيجاد البديل عن العقيدة الإسلامية، فيفخر الناس بالانتماء إليه ويعتزون بهذا الذي يسمى بتراث الآباء والأجداد، فالله المستعان.
أجمع مؤرخو هذا العصر على أن الهرم الأكبر قبر للملك خوفو، والثاني للملك خفرع والثالث للملك منقرع وجميعهم من العائلة المنفيسية، ولا عبرة بقول من زعم أنها معابد أو مراصد للكواكب أو مدرسة للمعارف الكهنوتية أو غير ذلك.
стр. 1508
تفسير قوله تعالى: (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض وكانوا يتقون)
قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٥٦].
الأرض هي أرض مصر.
((يَتَبَوَّأُ مِنْهَا)) أي: ينزل من بلادها ((حَيْثُ يَشَاءُ)) وذلك أنه ﵇ لما ولاه الملك النظر على خزائن مصر تجول في قطرها، وطاف في قراها والأمر أمره والإشارة إشارته، عناية منه تعالى ورحمة، كما قال: ((نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)) أي: الذين أحسنوا عملاً.
كل هذا برحمة الله جزاء على الإحسان الذي رعاه يوسف ﵇؛ لأن يوسف ﵇ عبد الله كأنه يراه، وكما ذكرنا من قبل أن الإحسان هو الغاية من خلق البشر، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:٢] قال: أحسن ولم يقل أكثر، فإذا أردنا معنى الإحسان نرجع إلى حديث جبريل: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) فهذا هو الذي فعله يوسف ﵇: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠].
فهذه قاعدة: لا يمكن أن يحسن الإنسان العمل ويملك نفسه ابتغاء وجه الله ، ثم بعد ذلك يضيعه الله أو يهدر عمله ويضيع ثوابه.
стр. 1509
تفسير قوله تعالى: (ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا)
﴿وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف:٥٧].
أي: ثواب الآخرة خير للمؤمنين المتقين من ثواب الدنيا، وفي هذا إشارة إلى أن المطلب الأعلى هو ثواب الآخرة، وأن ما يدخر لهؤلاء هو أعظم وأجل مما يخولون به في الدنيا من التمكين في الأرض والجاه والثروة والملك.
إذاً: انظر كيف حظي يوسف ﵇ بشرف الدنيا وشرف الآخرة وعز الدنيا وعز الآخرة؛ وذلك مقابل أن ضبط نفسه وخاف ربه في هذه اللحظات العصيبة التي مرت به.
стр. 1510
تفسير قوله تعالى: (وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه)
﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [يوسف:٥٨].
هذه إشارة إلى ما وقع من مصداق رؤيا يوسف ﵇، وذلك أن الأرض أخصبت سبع سنين، وأخرجت من بركاتها ما يعادل الرمل كثرة، فجمع يوسف غلالها، وجعل في كل مدينة غلال ما حولها من الحقول، ولما مضت هذه السبع المخصبة، دخلت السنون المجدبة، فعم القحط مصر والشام ونواحيهما، فأخذ الناس من سائر البلاد في المسير إلى مصر ليمتاروا منها لأنفسهم وعيالهم، لما علموا وجود القوت فيها، وكان من جملة من سار للميرة إخوة يوسف ﵇ عن أمر أبيهم يعقوب ﵇ لتناول القحط بلادهم فلسطين، فركبوا عشرة نفر، واحتبس يعقوب عنده ابنه بنيامين شقيق يوسف؛ خشية أن يلحقه سوء، وكان أحب ولده إليه بعد يوسف، فلما هبطوا مصر دخلوا على يوسف ﵇ ولم يعرفوه؛ لطول العهد ومفارقته إياهم في سن الحداثة، وعدم استشعارهم في أنفسهم أن يصير إلى ما صار إليه، ثم إنه يبعد جداً أن يتخيلوا أن أخاهم الذي ألقوه في الجب يمكن أن يكون هو الملك الفعلي والحاكم في أرض مصر، فلذلك قال تعالى: ((وهم له منكرون)) وقد تخلصوا منه بأن باعوه رقيقاً يلتقطه بعض السيارة، فكيف يقفز إلى أذهانهم أن يكون قد وصل إلى هذا العز الذي وصل إليه والجاه؟! وفي نفس الوقت كان شكله قد تغير عما كان عليه زمن الصبا والحداثة.
أما هو فعرفهم، روي: (أنهم لما دخلوا عليه سجدوا له بوجوههم إلى الأرض تحية له، فشرع يخاطبهم متنكراً لهم وقال: من أين قدمتم؟ قالوا: من أرض كنعان -يعني: فلسطين- لنبتاع طعاماً، فقال لهم: لعلكم جواسيس، قالوا: معاذ الله! ما جئنا إلا للميرة؛ لأن الجهد أصابنا، ونحن إخوة بنو أب واحد، قال: كم أنتم؟ قالوا: كنا اثني عشر هلك منا واحد، قال: فكم أنتم هاهنا؟ قالوا: عشرة، قال: فأين الأخ الحادي عشر؟ قالوا: هو عند أبيه يتسلى به عن ابنه الصغير الذي هلك، قال: لا بد من امتحان صدق كلامكم، فليبق واحد منكم عندي رهينة، ولتذهب بقيتكم فتأخذ ميرة لمجاعة أهلكم، وائتوا بأخيكم الصغير إلي ليتحقق صدقكم، ثم أخذ شمعون واحتبسه عنده، وأذن للبقية، وأمر أن يعطوا زاداً للطريق)، وهذا ما أشير إليه بقوله ﵎: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ [يوسف:٥٩].
((وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ)) بفتح الجيم وقرئ وبكسرها، أي: أوقر ركائبهم بالطعام والميرة، فيها كناية عن وفرة ما أعطاهم إياه من الطعام والميرة أي التمويل.
((أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ)) أي: أتمه، ((وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ)) أي: خير المضيفين، وقوله ذلك تحريض لهم على الإتيان به لا امتنان.
следующие страницы →