← Тафсир

Тафсир · id 37041

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (3 275 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

تفسير قوله تعالى: . (وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي) أشار تعالى إلى ما امتن به على يوسف من رفع قدره بصبره، وإعلاء منزلته برحمته فقال : ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف:٥٤]. هذه الحادثة مع الملك لا مع العزيز، وكان العزيز وزير الملك، والملك كان أعلى من العزيز. ((وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي)) أي: أخصها به دون العزيز، جرياً على عادة الملوك من الاستئثار بالنفيس العزيز، قال ذلك لما تحقق براءته مما نسب إليه، فعلم كرم نفسه وسعة علمه فقال: ((ائتوني به أستخلصه لنفسي)) أي: أجعله من خاصتي دون العزيز. ((فلما كلمه)) أي: فلما أتوا به وخاطبه الملك وعرفه وشاهد فضله وحكمته وبراءته. وجوز أن يكون الفاعل في قوله: ((فلما كلمه)) يوسف ﵇. ((قال إنك اليوم لدينا مكين)) أي: ذو مكانة عالية ومنزلة، ((أمين)) أي: مؤتمن على كل شيء. روي أن يوسف ﵇ لما حضر الملك وعبر له رؤياه ابتهج بحديثه هو وخاصته، وقال الملك لهم: هل نجد مثله رجلاً مهبطاً للإمداد الرباني؟ فقال ليوسف: بعد أن عرفك الله هذا فلا يكون حكيم مثلك، وأنت على بيتي، وإلى كلمتك تنقاد رعيتي، ولا أكون أعظم منك إلا بعرشي، وقد أقمتك على جميع أرض مصر، ونزع خاتمه من يده ووضعه في أصبعه، وألبسه ثياب بز، وجعل طوقاً في عنقه، وأركبه مركبته، وأمر أن يطاف به في شوارع مصر وينادى أمامه بالخضوع له، وقال له: لا يمضي أمر ولا ينفذ شأن في مصر إلا برأيك ومشورتك، وسماه: مخلص العالم، وزوجه بنت أحد العظماء لديه، وكان يوسف وقتئذ ابن ثلاثين سنة، والله تعالى أعلم. قال بعضهم: إن من أمعن النظر في قصة يوسف ﵇ علم يقيناً أن التقي الأمين لا يضيع الله سعيه، بل يحسن عاقبته ويعلي منزلته في الدنيا والآخرة، وأن المعتصم بالصبر لا يخشى خلفان الدهر وتجاربه، ولا يخاف صروفه ونوائبه، فإن الله يعضده وينجح مسعاه، ويخلد ذكره العاطر على ممر الأدهار، فإن يوسف ﵇ لما لم يخش للنوائب وعيداً، ولا للتجارب تهديداً، ولم يخف للسجن ظلماً وشراً، ولا للتنكيل به ألماً وضراً، بل ألقى توكله على الرب، وصبر إزاء تلك البلية ثابت القلب، نال بطهارته وتقواه تاج الفخر، ولسان الصدق طول أيام الدهر. يعني: يكفي أن قصة يوسف ﵇ تتلى إلى أن تقوم الساعة، فهي عبرة لكل معتبر، ومثل أعلى للبشرية في هذا الموقف بالذات، فلا شك من هذا كله أنه ﴿مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠] وأن فضيلته لم يعف جميل ذكراها مرور الأيام، ولم يعبث بنضارتها كرور الأعوام، بل ادخرت لنا مثالاً نقتفي أثره عند طروء التجارب، وملاذاً نعوذ به في المحن والمصائب، ومقتدىً نتدرب به على التثبت في مواقف العثار، وننهج منهاجه في التقوى وطيب الإزار، فننال في الدنيا سمة المجد، ونفوز في الآخرة بدار الخلد.

стр. 1507

تفسير قوله تعالى: (قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) قال حاكياً عن يوسف ﵇ ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥]. أي: قال يوسف للملك: اجعلني على خزائن الأرض، أي: خزائن أرضك، أي: جميع الغلات، لما يستقبلونه من السنين التي أخبرهم بشأنها، فيتصرف لهم على الوجه الأرشد والأصلح، ثم بين اقتداره في ذلك فقال: ((إني حفيظ عليم)) أي: أمين أحفظ ما تستحفظني، عالم بوجوه التصرف فيه. ومن أروع ما يستدل به هنا على معنى قوله ﵊: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) فنلاحظ يوسف ﵇ ما أثنى على نفسه بحسن الصورة مع أن الله أعطاه شطر الحسن كما وصفه النبي ﷺ ، والنسوة قلن: ((إن هذا إلا ملك كريم)) ومع ذلك ما قال: إني أوتيت شطر الحسن، ولم يتفاخر بانتسابه إلى الآباء والأجداد مع أنه هو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم جميعاً وعلى نبينا الصلاة والسلام، فانظر إلى ما وصف به نفسه فقال: ((إني حفيظ عليم)). قال الزمخشري: وصف نفسه بالأمانة والكفاية اللتين هما طلبة الملوك ممن يولونه. وكذلك موسى ﵇ وصفته ابنة الرجل الصالح بقولها: ((إن خير من استأجرت القوي الأمين)) ولذلك كان عمر ﵁ يقول: (أشكو إلى الله جلد الفاجر وعجز الثقة) أي: أشكو إلى الله من ثقة وأمين وعنده خوف من الله وورع وتقوى، لكنه قاصر ليس عنده الكفاءة في العمل، بينما نجد شخصاً فاجراً عنده القوة على هذا العمل، لكنه ليس أميناً، وأفضل الأحوال أن تجتمع الصفتان معاً كما قال تعالى: ﴿أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ [ص:٤٥] جمع بين الأمانة وبين القوة. ثم يقول الزمخشري: وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء حكم الله تعالى، وإقامة الحق وبسط العدل، والتمكن مما لأجله تبعث الأنبياء إلى العباد، ولعلمه أن أحداً غيره لا يقوم مقامه في ذلك، فطلب التولية ابتغاء وجه الله لا لحب الملك والدنيا. لا شك أن الأنبياء منزهون عن السعي وراء الدنيا، فلا يمكن أن يكون يوسف ﵇ طلب الملك من باب حب الدنيا حاشاه ﵊، وإنما أراد يوسف ﵇ أن ينفع هؤلاء الناس، وأن يصل ويتمكن مما لأجله تبعث الأنبياء إلى العباد، وقد رأى أنه لا يقوم غيره مقامه. ثم يقول: فإن قلت: كيف جاز أن يتولى عملاً من يد كافر، ويكون تبعاً له وتحت أمره وطاعته؟ قلت: روى مجاهد أنه كان قد أسلم. وعن قتادة هو دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان عملاً من يد سلطان جائر، وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة البغاة ويرونه، وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر الله ودفع الظلم إلا بتمكين الملك الكافر أو الفاسق فله أن يستظهر به. وقيل: كان الملك يصدر عن رأيه، ولا يعترض عليه في كل ما رأى، فكان في حكم التابع له والمطيع. وهذه الآية أصل في طلب الولاية كالقضاء ونحوه. كان الوضع شبيهاً بوضع ملكة انكلترا تملك ولا تحكم -كما قال له هنا: لا أتميز عليك إلا بالعرش الملك- لكن الحكم الفعلي لرئيس الوزراء، فيبدو أن هذه الصورة التي كانت بين يوسف ﵇ وبين هذا الملك. وهذه الآية كما هي أصل في طلب الولاية كالقضاء ونحوه لمن وثق من نفسه بالقيام بحقوقه، وجواز التولية عن الكافر والظالم، فهي أصل في جواز مدح الإنسان نفسه لمصلحة، وفي أن المتولي أمراً شرطه أن يكون عالماً به خبيراً ذا فطنة. قال أبو السعود: وإنما لم يذكر إجابة الملك إلى ما سأله ﵇ من جعله على خزائن الأرض بعدما قال له الملك: ((إنك اليوم لدينا مكين أمين)) ((قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم)) ثم جاءت الآية مباشرة ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ﴾ [يوسف:٢١] إلى آخره ولم تحك الآيات الكريمة ما رد عليه الملك ولم يقل: وثقت أو قبلت ذلك إلا إيذاناً بأن ذلك أمر لا مرد له، وهو غني عن التصريح، لا سيما بعد تقديم ما يندرج تحته من أحكام السلطنة بحذافيرها من قوله: ((إنك اليوم لدينا مكين أمين))، وللتنبيه على أن كل ذلك من فعل الله ، وإنما الملك آلة وسبب في ذلك. قال ابن كثير: خزائن الأرض هي الأهرام التي يجمع فيها الغلات يقول القاسمي: ولم أر الآن مستنده في كون الأهرام كانت مجمع الغلات، ولم أقف عليه في كلام غيره، والأهرام بفتح الهمزة جمع هرم بفتحتين، وهي مبان مربعة الدوائر مخروطية الشكل، بقي منها الآن ثلاثة في الجيزة، بعيدة عن القاهرة أميال معدودة، من غرائب الدنيا. ثم يقول: دعيت لرؤياها أيام رحلتي للديار المصرية عام واحد وعشرين وثلاثمائة وألف من الهجرة، وقد استقر رأي المتأخرين في تحقيق شأنها على أنها كانت مدافن لملوكهم، ففي كتاب (الأثر الجليل لقدماء وادي النيل): جميع الأهرام ليست إلا مقابر ملوكية، آثر أصحابها أن يتميزوا بها بعد موتهم عن سائر الناس، كما تميزوا عنهم مدة حياتهم، وتوخوا أن يبقى ذكرهم بسببها على تطاول الدهور وتراخي العصور. يعني: كما تعلمون كان المصريون القدماء يعبدون الملوك، والملوك كانوا يسخرون الشعب تسخيراً قبيحاً جداً كما هو محفوظ. وهذا الكلام الذي يذكره القاسمي أو ينقله عن كتاب (الأثر الجليل) هو لم يذكر بالضبط تاريخ طباعة الكتاب، لكن إذا كان من أيام ألف وثلاثمائة وواحد وعشرين فقد طبع من مدة بعيدة، ولا نجزم هل كان هذا الكلام قبل اكتشاف حجر رشيد، أم بعد اكتشاف حجر رشيد؟ لأن حجر رشيد هو الذي فتح باب الشر علينا، حينما أعان على ترجمة اللغة الهيروغليفية، وبالتالي لم ينفتح علينا مجرد اكتشاف آثار قدماء المصريين ومعرفة لغتهم، وإنما انفتح باب التكلم عليهم بإعجاب وبفخر وباعتزاز، مع كونهم من الوثنيين، فهذه خطة استعمارية خبيثة، كما تعرفون لو راجعتم التاريخ بداية الاكتشاف أعتقد كان هناك شخص يهودي اسمه روتشل تقريباً أراد أن يمول عملية اكتشاف الآثار المصرية مقابل الترويج للتاريخ الفرعوني القديم، بحيث يزاحم العقيدة الإسلامية والمفاهيم الإسلامية في أيامها، القصة معروفة تجدونها في كتاب (الإنتاجات الوطنية في الأدب المعاصر) للدكتور محمد حسين ﵀. والآن كل بلد يكتشف فيها آثار قديمة يتوقع شراً بسبب الاكتشافات لتلك الأيام الماضية. في البحرين أيضاً حصلت اكتشافات كلها تدور حول الشركيات والوثنيات وكل هذه الأشياء من أجل أن ينفخوا في هذه الروح؛ لإيجاد البديل عن العقيدة الإسلامية، فيفخر الناس بالانتماء إليه ويعتزون بهذا الذي يسمى بتراث الآباء والأجداد، فالله المستعان. أجمع مؤرخو هذا العصر على أن الهرم الأكبر قبر للملك خوفو، والثاني للملك خفرع والثالث للملك منقرع وجميعهم من العائلة المنفيسية، ولا عبرة بقول من زعم أنها معابد أو مراصد للكواكب أو مدرسة للمعارف الكهنوتية أو غير ذلك.

стр. 1508

تفسير قوله تعالى: (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض وكانوا يتقون) قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٥٦]. الأرض هي أرض مصر. ((يَتَبَوَّأُ مِنْهَا)) أي: ينزل من بلادها ((حَيْثُ يَشَاءُ)) وذلك أنه ﵇ لما ولاه الملك النظر على خزائن مصر تجول في قطرها، وطاف في قراها والأمر أمره والإشارة إشارته، عناية منه تعالى ورحمة، كما قال: ((نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)) أي: الذين أحسنوا عملاً. كل هذا برحمة الله جزاء على الإحسان الذي رعاه يوسف ﵇؛ لأن يوسف ﵇ عبد الله كأنه يراه، وكما ذكرنا من قبل أن الإحسان هو الغاية من خلق البشر، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:٢] قال: أحسن ولم يقل أكثر، فإذا أردنا معنى الإحسان نرجع إلى حديث جبريل: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) فهذا هو الذي فعله يوسف ﵇: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]. فهذه قاعدة: لا يمكن أن يحسن الإنسان العمل ويملك نفسه ابتغاء وجه الله ، ثم بعد ذلك يضيعه الله أو يهدر عمله ويضيع ثوابه.

стр. 1509

تفسير قوله تعالى: (ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا) ﴿وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف:٥٧]. أي: ثواب الآخرة خير للمؤمنين المتقين من ثواب الدنيا، وفي هذا إشارة إلى أن المطلب الأعلى هو ثواب الآخرة، وأن ما يدخر لهؤلاء هو أعظم وأجل مما يخولون به في الدنيا من التمكين في الأرض والجاه والثروة والملك. إذاً: انظر كيف حظي يوسف ﵇ بشرف الدنيا وشرف الآخرة وعز الدنيا وعز الآخرة؛ وذلك مقابل أن ضبط نفسه وخاف ربه في هذه اللحظات العصيبة التي مرت به.

стр. 1510

تفسير قوله تعالى: (وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه) ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [يوسف:٥٨]. هذه إشارة إلى ما وقع من مصداق رؤيا يوسف ﵇، وذلك أن الأرض أخصبت سبع سنين، وأخرجت من بركاتها ما يعادل الرمل كثرة، فجمع يوسف غلالها، وجعل في كل مدينة غلال ما حولها من الحقول، ولما مضت هذه السبع المخصبة، دخلت السنون المجدبة، فعم القحط مصر والشام ونواحيهما، فأخذ الناس من سائر البلاد في المسير إلى مصر ليمتاروا منها لأنفسهم وعيالهم، لما علموا وجود القوت فيها، وكان من جملة من سار للميرة إخوة يوسف ﵇ عن أمر أبيهم يعقوب ﵇ لتناول القحط بلادهم فلسطين، فركبوا عشرة نفر، واحتبس يعقوب عنده ابنه بنيامين شقيق يوسف؛ خشية أن يلحقه سوء، وكان أحب ولده إليه بعد يوسف، فلما هبطوا مصر دخلوا على يوسف ﵇ ولم يعرفوه؛ لطول العهد ومفارقته إياهم في سن الحداثة، وعدم استشعارهم في أنفسهم أن يصير إلى ما صار إليه، ثم إنه يبعد جداً أن يتخيلوا أن أخاهم الذي ألقوه في الجب يمكن أن يكون هو الملك الفعلي والحاكم في أرض مصر، فلذلك قال تعالى: ((وهم له منكرون)) وقد تخلصوا منه بأن باعوه رقيقاً يلتقطه بعض السيارة، فكيف يقفز إلى أذهانهم أن يكون قد وصل إلى هذا العز الذي وصل إليه والجاه؟! وفي نفس الوقت كان شكله قد تغير عما كان عليه زمن الصبا والحداثة. أما هو فعرفهم، روي: (أنهم لما دخلوا عليه سجدوا له بوجوههم إلى الأرض تحية له، فشرع يخاطبهم متنكراً لهم وقال: من أين قدمتم؟ قالوا: من أرض كنعان -يعني: فلسطين- لنبتاع طعاماً، فقال لهم: لعلكم جواسيس، قالوا: معاذ الله! ما جئنا إلا للميرة؛ لأن الجهد أصابنا، ونحن إخوة بنو أب واحد، قال: كم أنتم؟ قالوا: كنا اثني عشر هلك منا واحد، قال: فكم أنتم هاهنا؟ قالوا: عشرة، قال: فأين الأخ الحادي عشر؟ قالوا: هو عند أبيه يتسلى به عن ابنه الصغير الذي هلك، قال: لا بد من امتحان صدق كلامكم، فليبق واحد منكم عندي رهينة، ولتذهب بقيتكم فتأخذ ميرة لمجاعة أهلكم، وائتوا بأخيكم الصغير إلي ليتحقق صدقكم، ثم أخذ شمعون واحتبسه عنده، وأذن للبقية، وأمر أن يعطوا زاداً للطريق)، وهذا ما أشير إليه بقوله ﵎: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ [يوسف:٥٩]. ((وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ)) بفتح الجيم وقرئ وبكسرها، أي: أوقر ركائبهم بالطعام والميرة، فيها كناية عن وفرة ما أعطاهم إياه من الطعام والميرة أي التمويل. ((أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ)) أي: أتمه، ((وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ)) أي: خير المضيفين، وقوله ذلك تحريض لهم على الإتيان به لا امتنان.

стр. 1511

تفسير قوله تعالى: (فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون) ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلا تَقْرَبُونِ * قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ [يوسف:٦٠ - ٦١]. ((فلا كيل لكم عندي)) أي: لو جئتم مرة ثانية لا كيل لكم عندي. ((ولا تقربون)) أي: ولا تقربوني بدخول بلادي مرة ثانية، وحذفت الياء تخفيفاً. والنون في قوله: (ولا تقربون) هي نون الوقاية. ((قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ)) أي: سنحتال في انتزاعه من يد أبيه ونجتهد في ذلك، وفيه تنبيه على عزة المطلب وصعوبة مناله. ((وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ)) أي: ذلك من المراودة أو الإتيان به، فيكون ترقياً إلى الوعد بتحصيله بعد المراودة.

стр. 1512

تفسير قوله تعالى: (وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم) ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يوسف:٦٢]. ((وقال لفتيانه)) أي: لخدامه الكيالين ((اجعلوا بضاعتهم في رحالهم)) يعني ببضاعتهم ما شروا به الطعام إما الذهب أو الفضة وروي أنها كانت فضة، أي: اجعلوها في أمتعتهم من حيث لا يشعرون. ((لعلهم يعرفونها)) أي: لكي يعرفوها. ((إذا انقلبوا إلى أهلهم)) أي: وفتحوا أوعيتهم. ((لعلهم يرجعون)) أي: حسبما أمرتهم به، فإن التفضل عليهم بإعطاء البدلين من أقوى الدواعي إلى الرجوع، كل هذا تحريض لهم على أن يرجعوا، وهذا من الإحسان والإكرام، حيث أعطاهم هذه الميرة وأعطاهم أيضاً الثمن الذي بذلوه وهو الفضة. وفي تفسير آخر لقوله: ((لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون)) أي: أن يتحرجوا إذا وجدوا المال فيحرصون على أن يعيدوه إلى صاحبه، ولكن قد يدفع هذا التأويل قولهم فيما بعد: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ [يوسف:٦٥] فهموا من ذلك أنها ردت إليهم تفضلاً، ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ [يوسف:٦٥].

стр. 1513

تفسير قوله تعالى: (فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل) ﴿فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف:٦٣]. ((فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ)) أي: أنذرنا بمنعه بعد هذا إن لم نأت بأخينا فيما يستقبل. ((فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ)) أي: نرفع المانع من الكيل، ونكتل من الطعام ما نحتاج إليه، وقرئ: ((فأرسل معنا أخانا يكتل)) أي: يكتل أخونا لنفسه مع اكتيالنا. ((وإنا له لحافظون)) أي: من أن يناله مكروه. ((وإنا له لحافظون)) هذه نفس العبارة التي قالوها في حق يوسف ﵇، فلذلك أثاروا شجون يعقوب ﵇ وذكروه بما مضى من قولهم في حق يوسف: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف:١٢] فقال: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤]. ((قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل)) أي: هل أقدر أن آخذ عليكم العهد والميثاق أكثر مما أخذت عليكم في يوسف، فقد قلتم: ((وإنا له لحافظون)) ثم خنتم بضمانكم، فما يؤمنني من مثل ذلك؟ فلا أثق بكم ولا بحفظكم وإنما أفوض الأمر إلى الله ((فالله خير حافظاً)) أي: خير منكم ومن كل أحد هناك قراءة أخرى: ((فالله خير حِفظاً)) وهذا فيه إيماء إلى أنه مستعد أن يرسله؛ لأنه قال: ((فالله خير حافظاً)) أو ((فالله خير حفظاً)). ((وهو أرحم الراحمين)) أي: أرحم من والديه وإخوته.

стр. 1514

تفسير قوله تعالى: (ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم) ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ [يوسف:٦٥]. أي: وجدوا ثمن طعامهم في متاعهم، روي أن أحدهم فتح متاعه ليأخذ علفاً لدابته فرأى فضته في فم متاعه فقال لإخوته: قد ردت دراهمي وهاهي في متاعي، ثم لما وصلوا أرض كنعان وأخذوا يفرغون أوعيتهم وجد كل واحد منهم صرة دراهمه في وعائه، فاستطارت قلوبهم ودهشوا، وحمدوا عناية الله بهم. ((قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي)) أي: ماذا نبتغي وراء ذلك؟ فلا مزيد على ما فعل، فقد أكرمنا وأحسن مثوانا بإنزالنا عنده ورد الثمن علينا، والمقصود من هذه العبارة استنزال أبيهم عن رأيه كي يأذن لهم في استصحاب أخيهم. أو من البغي بمعنى: لا نبغي في القول ولا نكذب في هذه القصة التي حكيناها لك من إحسانه الداعي إلى امتثال أمره في إحضار أخينا، أو: ما نبغي ولا ننطق إلا بالصواب فيما نشير به عليك من تجهيزنا مع أخينا. وقرئ على الخطاب: ((يا أبانا ما تبغي)) أي: أي شيء تطلب غير هذا الدليل على صدقنا. ((هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا)) جملة مستأنفة موضحة لما دل عليه الإنكار من بلوغ اللطف غايته، كأنهم قالوا: كيف لا وهذه بضاعتنا ردت إلينا تفضلاً من حيث لا ندري؟! ((وَنَمِيرُ أَهْلَنَا)) هذا معطوف على مقدر مفهوم أي: هذه بضاعتنا ردت إلينا فنستظهر بها ونمير أهلنا إذا رجعنا إلى الملك، أي: نأتيهم بطعام، ومنه: ما عنده خير ولا مير. ((وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ)) أي: باستصحابه ((ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ)) أي: سهل على هذا الملك المحسن لسخائه، فلا يضايقنا فيه، أو المعنى: ((ذلك كيل يسير)) أي: قصير المدة، فليس سبيل مثله أن تطول مدته بسبب الحبس والتأخير، أو المعنى: ذلك الذي يكال لنا دون أخينا شيء يسير قليل، فابعث أخانا معنا حتى نتسع ونتكثر بمكيله، وقال ابن كثير: هذا من تمام الكلام وتحسينه أي: أن هذا يسير في مقابلة أخذ أخيهم ما يعدل هذا.

стр. 1515

تفسير قوله تعالى: (قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً من الله) ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف:٦٦]. قال لهم أبوهم: ((لن أرسله معكم)) أي: لن أكتفي بقولكم هذا الذي تقولونه، ولا بد أن أستوثق بأن تؤتون عهداً ويميناً من الله ((لَتَأْتُنَّنِي بِهِ)) أي: لتردنه عليّ ((إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ)) أي: أن تغلبوا كلكم فلا تقدروا على تخليصه، وأصله من أحاط به العدو وسد عليه مسالك النجاة ودنا هلاكه. ((فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ)) أي: شهيد رقيب، والقصد حثهم على ميثاقهم لتخويفهم من نقضه بمجازاته ﵎. قال ابن إسحاق: وإنما فعل ذلك لأنه لم يجد بداً من بعثهم لأجل الميرة التي لا غنى لهم عنها. هنا لطيفة: قال الناصر: ولقد صدقت هذه القصة المثل السائر: البلاء موكل بالمنطق، فإن يعقوب ﵇ قال أولاً في حق يوسف: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف:١٣] فابتلي من ناحية هذا القول. وقال هاهنا ثانياً: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف:٦٦] أي: تغلبوا عليه، فابتلي أيضاً بذلك وأحيط بهم وغلبوا عليه.

стр. 1516

تفسير قوله تعالى: (وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد) ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف:٦٧]. ((وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة)) أي: لئلا يستلفت دخولهم من باب واحد أنظار من يقف عليه من الجند فيريب بهم؛ لأن دخول قوم على شكل واحد وزي متحد على بلد هم غرباء عنه مما يلفت نظر كل راصد، هذا من التلطف المشار إليه في قوله تعالى: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:١٩] التلطف والحذر ينبغي أن يكون سمة للمؤمن، وكانت المدن وقتئذ مبوبة لا ينفذ إليها إلا من أبوابها، وكانت جميع المدن تقريباً تحصن بالأسوار، مثلاً: الإسكندرية كانت مسورة بالسور الذي لا تزال آثاره موجودة في الشلالات، هذا السور الذي بناه عمرو بن العاص ﵁. فكل مدينة كانت مسورة بسور يحميها ولا ينفذ إليها إلا من باب المدينة، وعلى كل باب حرس، وليس دخول الفرد كدخول الجمع في التنبه وإتباع البصر. وقيل: نهاهم لئلا تصيبهم العين إذا دخلوا كوكبة واحدة. قوله: ((وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ)) أي: لا أدفع عنكم شيئاً مما قضي عليكم؛ فإن الحذر لا يمنع القدر. ولم يرد به ﵇ إلغاء الحذر بالمرة، كيف وقد قال : ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] وقال: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء:٧١] بل أراد بيان أن ما وصاهم به ليس مما يستوجب المراد لا محالة، بل هو تدبير في الجملة، وإنما التأثير وترتيب المنفعة عليه من العزيز القدير، وأن ذلك ليس بمدافعة للقدر، بل هو استعانة بالله تعالى وهروب منه إليه. ((إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ)) أي: لا يشاركه أحد ولا يمانعه شيء. ((عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)).

стр. 1517

تفسير قوله تعالى: (ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم) ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٦٨]. ((وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ)) أي: من الأبواب المتفرقة: ((مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ)) أي: ما كان ذلك الدخول يغني عنهم ((مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا)) أي: أبداها. ((وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ)) أي: علم جليل لتعليمنا إياه بالوحي ونصب الأدلة حيث لم يعتقد أن الحذر يدفع القدر وأن التدبير له حظ من التأثير، يعني: الإنسان له أن يأخذ بالأسباب، لكن لا يتعلق بالأسباب وإنما يتعلق بمسبب الأسباب وهو الله ، ولقد مدحه الله بهذا المسلك رغم أنه قال لهم: ((يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة)) -أي: خذوا بالأسباب-؛ إلا أنه استدرك فقال: ((وما أغني عنكم من الله من شيء)). ((وإنه لذو علم لما علمناه)) هنا توكيد بإن وباللام، ونكر أيضاً العلم، وعلل بالتعليم بقوله: ((لما علمناه)) والتعليم مسند إلى ذات الله ، ففي ذلك من الدلالة على علو شأن يعقوب ﵇ وعلو مرتبة علمه وفخامته ما لا يخفى، أفاده أبو السعود. ((وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)) أي: فيظنون الأسباب مؤثرات.

стр. 1518

المسلمون أولى بالأنبياء نحن نتكلم عن يعقوب ﵇ وعن يوسف وعن جميع أنبياء الله بمنتهى الفخر والاعتزاز؛ لأنهم على ملتنا وعلى ديننا الإسلام، ففي الحقيقة نحن أولى بيعقوب وبيوسف من اليهود، فاليهود قد يحلو لهم الاستدلال أحياناً بآيات من القرآن على إثبات أن فلسطين كانت لهم، ويذكرون قصة سليمان وداود وموسى ويعقوب ويوسف عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، بل حتى الأهرامات هذه فهي بلا شك آية؛ لما ظهر فيها من القوة العلمية والعملية بالنسبة للناحية المدنية؛ لأن في هندسة الأهرام من الأسرار العلمية العميقة ما يجدون لها تعليلاً، ويكفي التحنيط فهم حتى الآن لم يعرفوا كيف تم تحنيط قدماء المصريين، فقدماء المصريين بلا شك كانوا على درجة عالية جداً فيما يسمى بالحضارة والتقدم العلمي في زمنهم، حتى وصل الأمر إلى أن بعض الناس قالوا: إنه لا يمكن أن يكونوا قد قدروا على ذلك إلا بالاستعانة بالجن، فاليهود الآن يشيعون أن الذي نفذ هذه الأهرامات وصممها هو مهندس يهودي؛ كي يثبتوا لهم حقاً في كل مكان، كما تعرفون أسلوب اليهود لعنهم الله. وكذلك بالنسبة للنصارى فهم يدعون محبة عيسى ويؤلهونه، وعيسى سيلعنهم يوم القيامة، وحينما ينزل عيسى في آخر الزمان سوف يقتلهم ولن يقبل منهم إلا الإسلام، ولا تقبل حينئذ الجزية لا منهم ولا من غيرهم، فهم بين خيارين: إما أن يسلموا، وإما أن يقتلوا، ولذلك قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء:١٥٩] وعيسى ما مات، إنما سيموت بعدما ينزل في آخر الزمان، فنحن أولى بعيسى منهم.

стр. 1519

الحرب بين المسلمين واليهود نحن الآن في حرب مع اليهود لعنهم الله، فلو بعث موسى أو عيسى أو سليمان أو يوسف أو أي نبي من أنبياء الله فإنه سيكون مع المسلمين إذا رفعوا راية لا إله إلا الله، فالرسول لا يمكن أن يقاتل تحت راية جاهلية أو وطنية أو قومية أو غير ذلك، لكن هذه الحرب قطعاً ستكون حرباً إسلامية، كما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء:٥] حتى إن الحجر نفسه والشجر يقول: يا مسلم! يا عبد الله! ولم يصفه بأي صفة أخرى، فلم يقل له: يا مصري، يا سوري، يا شامي، يا سعودي! بل يقول: يا مسلم! يا عبد الله! فهؤلاء فقط هم الذين يستطيعون أن يذلوا اليهود ويردوهم إلى حجمهم الحقيقي، أما النماذج التي يراها اليهود الآن فلا شك أن من حق اليهود أن يفتخروا ويتكبروا ويتجبروا؛ لأنهم يجدون كائنات مثل الصراصير تتعامل معهم، لا عزة ولا كرامة ولا أنفة ولا إخلاص لبلادهم ولا شيء من هذا، فهل يلام اليهود على ما يفعلون بالمسلمين؟ ما الذي يمنعهم من التمرد والتنمر؟! لا يردعهم إلا الإسلام، ولذلك يخافون جداً من أن تصطبغ الحرب مع اليهود بصبغة دينية. فهذا كاسترو لما نصح السفير اليهودي في كوبا قال له: أحذركم أن تصطبغ الحركات الفدائية بصبغة إسلامية أو صبغة دينية. لماذا؟ لأن هذا هو الشيء الوحيد الذي يضر اليهود، وهم يعرفون هذه الدروس جيداً ويحفظونها، ولذلك كل همهم إطفاء نور الإسلام خوفاً وهلعاً من عودة الروح الإسلامية في القتال مع اليهود لعنهم الله، فالحديث بلا شك ذو شجون، لكن أهم ما في الأمر أنهم الآن يريدون أن يهدموا المسجد الأقصى لإعادة بناء الهيكل الذي بناه سليمان كما يزعمون. من الإله الذي كان يعبده سليمان؟ هو الله ، ما الدين الذي كان عليه سليمان؟ هو الإسلام ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٤٢] فسليمان كان على الإسلام، وموسى كان داعياً إلى الإسلام، ويوسف كان داعياً إلى الإسلام وهكذا، فإذاً لو بعث أنبياء الله وقامت حرب إسلامية بين المسلمين وبين أعداء الله اليهود فسينضم هؤلاء الأنبياء إلى المسلمين، وهذه حقيقة لا ينبغي أن تغيب، ولذلك إذا انتزع العنصر العقائدي من قضية فلسطين سوف يسهل جداً على اليهود أن يقنعوا من يسمونهم بالعرب بعدالة قضيتهم. إذاً العنصر العقائدي هو روح القضية، إنه وطن إسلامي دخل فيه حكم الإسلام فلا يجوز أن يمنح هبة لأحفاد القردة والخنازير، إذا انتزعت هذه القضية ما أسهل أن يقنعنا اليهود ويسكتوننا، كما كانوا يفعلون قديماً فيما يسمى بمجلس الأمن، كان السفير اليهودي في مجلس الأمن يأتي بالقرآن الكريم ويخرج لهم الآيات التي تثبت أن لهم حقاً في فلسطين، صحيح من الناحية التاريخية المحضة إذا انتزعنا العنصر العقائدي سنقول: نعم ها هم إخوة يوسف جاءوا من أرض كنعان: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة:٢١] لكن كتبها لهم على أنهم مسلمون، وكذلك جاء الدين الإسلامي الذي نسخ كل ما سبقه من الشرائع، فلذلك لو بعث موسى كما قال الرسول عليه الصلاة السلام: (والذي نفسي بيده لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني، ثم تلا قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا)) [آل عمران:٨١]) أي: أن كل نبي من الأنبياء حينما يبعثه الله لابد أن يأخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وأنت حي لتؤمنن به ولتنصرنه، فيقر بذلك.

стр. 1520

حياة الخضر وقوله عليه الصلاة السلام: (لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني) من الأدلة على أن الخضر ليس بحي وأنه قد مات ﵇، إذ لو كان حياً لما وسعه إلا أن يأتي وينصر الرسول ﵇ ويبايعه على الإسلام. وقال الرسول ﷺ في قصة بدر: (اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض)، فدل على أن الخضر لم يكن موجوداً، إذ لو كان موجوداً لكان متعيناً عليه أن يأتي إلى النبي ﵌.

стр. 1521

اليهود يشتمون الأنبياء اليهود يشتمون الأنبياء، كسليمان وداود وغيرهما ﵉، فهم يصفونهم بالكلام القبيح الماجن، وينسبون إليهم شرب الخمر وفعل الفواحش، وأن سليمان أشرك بالله قبل أن يموت إلى آخر هذا الكلام الكفري. فهم الذين يؤذون الأنبياء، إذاً من أولى بالأنبياء؟ نحن أولى بالأنبياء، سليمان معنا، ويوسف معنا، وداود معنا، وموسى نفسه ﵊ معنا تماماً، كما نقول للنصارى في حق عيسى، وكما نقول للشيعة في حق أهل البيت وفي حق علي رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

стр. 1522

الحرب بين المسلمين ويهود إسرائيل إذاً القضية الفلسطينية قضية عقائدية، حين نجد هؤلاء الممسوخين من أمثال عرفات وغيره ممن يذلون أنفسهم يوماً بعد يوم ولا يرجعون بطائل، واليهود يمعنون في إذلالهم فزادوهم رهقاً؛ لأن عنصر العقيدة ألغي من القضية. لن تعود فلسطين إلا بالإسلام، هذا لا شك فيه على الإطلاق، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:١٠] وكما قلنا من قبل مراراً: الأمة المسلمة قد آتاها الله أشرف كتاب، وبعث منها أشرف رسول، بأشرف لغة، في أشرف بقاع الأرض وهي مكة، في أشرف شهور السنة وهو رمضان، وفي أشرف ليلة منه وهي ليلة القدر؛ لقد اجتمع لها الشرف من كل وجه، فالعزة في التمسك بالقرآن، فإذا فقدنا مصدر العزة فسنعود إلى الوضع الأصلي الذي كنا عليه، وهو وضع تأثير البيئة: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) كما قال عمر ﵁: (إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بهذا الإسلام، فمهما نبتغي العزة في غيره أذلنا الله). (مهما) جملة شرطية، المعنى: أن الذي يؤتيه الله النعمة ويكفر بها لا يكون كمن لم يؤتها حتى وإن كفر، ولذلك قال الله للحواريون لما طالبوا بالمائدة: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:١١٥] فلذلك هذه الأمة إذا قطعت صلتها بالإسلام ستعود إلى التخلف والذل والهوان؛ لأن هذا هو وضعها الأصلي، وما رفع عنها الذل والهوان إلا بالإسلام، فإذا تخلت عن الإسلام تعود في ذيل الأمم. فـ هتلر كان يعتبر اليهود أخس أجناس البشرية، بسبب الغدر والخسة والنذالة وقتلهم الأنبياء، ومع ذلك فأقدام اليهود الآن على رءوس من ينتسبون زوراً وكذباً للإسلام، فسيكون التفاضل بيننا وبينهم في العقيدة، فإذا نحن تخلينا عن العقيدة فلا شك أنهم سيتفوقون علينا في الدنيا. الحوادث التي حصلت في الأيام الأخيرة، مثل فضيحة نتنياهو تنظر الناس لها على أن الموضوع كان تلقائياً، لا. فاليهود يحاولون أن يلقنوا العالم كله درساً، بحيث يظهرون أنفسهم بأنهم الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، فبالتالي تستحق عطف الغرب بدل هؤلاء العرب الهمج، فاليهود يلفتون أنظار العالم كله وذلك بإبراز العدل عندهم، في حين يظهرون الغش والتزوير الموجود عند العرب بواسطة خبراء في هذا الجانب، فهي عملية تلميع لصورة اليهود لعنهم الله، ثم يأتي بعض ممن ينتسبون إلينا من الصحفيين العرب ويشيدون بالديمقراطية في إسرائيل، وكان من ضمن هذه العبارات: ليس عيباً أن نأخذ الدرس من إسرائيل ولكن العيب ألا نفهمه. فالشاهد أن كل هذا محاولة تلميع صورتهم، وبالتالي تقبيح صورة من ينتسبون إلى الإسلام، وفي الحقيقة الإسلام مظلوم من الفريقين، لأننا لم نمثل الإسلام التمثيل الصحيح بل تخلينا عنه، وبسبب تخلينا عنه وصلنا إلى هذا الذل وهذا الهوان، وإلا لو كان عند الملك حسين ذرة من كرامة لما قبل المدعو بيجن، وهو يقول: نحن دائماً نتعاون مع بعض، فإذا تعاونت العبقرية اليهودية مع المال العربي أنتجت جنة في الأرض. معنى ذلك: أن العرب ليس لهم قيمة إلا بالمال وبالبترول، وليس عندهم عقلية ولا عبقرية ولا إبداع. واليهود من قبل شبهوا العرب بأنهم عبارة عن حيوان من ذوات الأربع يقف على أرض من ذهب، هذه صورة العرب عندهم، أي: أن كل قيمتهم في الأرض التي يقفون عليها، ولذلك الأمريكان أيام حرب الخليج قالوا -والعياذ بالله ونستغفر الله من حكاية هذا الكلام! -: نحن توجهنا لنصحح خطأ الرب -أستغفر الله- إنه أعطى هذه الأمة ما لا تستحقه من الثروات، ومن البترول بالذات. فالشاهد من هذا أننا في كفة غير متعادلة، فاليهود دولة عقيدية اسمها إسرائيل، نسبة إلى نبي الله إسرائيل ﵇ وهو يعقوب، ليس في إسرائيل دستور، وإنما دستور إسرائيل هو التوراة المحرفة، المناهج التعليمية كلها مصطبغة بصبغة دينية، أنا لا أدري ما سر أن الجماعات الدينية اليهودية في فلسطين المغتصبة لا يسمون المتطرفين؟! لماذا نحن نختص بلفظ التطرف؟ فكل يهودي متطرف سواء كان شيوعياً أو يسارياً أو يمينياً؛ لأن التطرف هو الانحراف عن الإسلام بفهم أهل السنة والجماعة، سواء داخل دائرة الإسلام أم خارجها. فنعود إلى موضوعنا، قال الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى في الملل: كان أمر يعقوب ﵇ بدخولهم من أبواب متفرقة إشفاقاً عليهم، إما من إصابة العين، وإما من تعرض عدو أو مستريب بإجماعهم أو ببعض ما يخوفه عليهم، وهو ﵇ معترف أن فعله ذلك وأمره إياهم بما أمرهم به من ذلك لا يغني عنهم من الله شيئاً يريده بهم، ولكن لما كان طبيعة البشر جارية في يعقوب ﵇ وفي سائر الأنبياء ﵈ كما قال تعالى حاكياً عن الرسل أنهم قالوا: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [إبراهيم:١١] حمله ذلك على بعض النظر المخفف لحاجة النفس ونزعها وتوقها إلى سلامة من تحب، وإن كان ذلك لا يغني شيئاً، كما كان ﵇ يحب الفأل الحسن. قال السيوطي في الإكليل: في هذه الآية أن العين حق كما ثبت ذلك في الحديث، وأن الحذر لا يرد القدر، ومع ذلك لا بد من ملاحظة الأسباب. وقال بعض اليمانيين: لهذه الجملة ثمرات: وهي استحباب البعد عن مضار العباد والحذر منها، فأما فعل الله تعالى فلا يغني الحذر عنه، ثم ناقش القاسمي رحمه الله تعالى بالتفصيل قضية الحسد وتأثير العين وأنه حق في بحث واف شاف كاف ورد على المنكرين لذلك. فنحن نتجاوزه مع أهميته وروعته اختصاراً، فمن يحتاجه يراجعه في تفسير هذه الآية.

стр. 1523

تفسير قوله تعالى: (ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه لسارقون) قال تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يوسف:٦٩]. يخبر سبحانه بأن إخوة يوسف لما قدموا عليه ضم إليه أخاه بنيامين إما على الطعام أو في المنزل، وأعلمه بأنه أخوه وقال له: ((لا تبتئس)) قيل في بعض الروايات: إنهم لما دخلوا كان عددهم عشرة، وجلسوا اثنين اثنين على الطعام أو عند المنام، وبقي هو وحده وجلس يبكي استيحاشاً، فانضم إليه يوسف، والله تعالى أعلم. فالله أعلم على أي الأحوال ضم إليه أخاه بنيامين إما على الطعام أو في المنزل، وأعلمه بأنه أخوه وقال له: ((لا تبتئس)) أي: لا تحزن ((بما كانوا يعملون)) بنا فيما مضى، فإن الله تعالى قد أحسن إلينا وجمعنا بخير. وقد روي أنهم لما قدموا عليه ووقفوا بين يديه رأى أخاه بنيامين معهم، فأمر بإنزالهم في بيته وحلولهم في كرامته وضيافته، وحضورهم معه في غدائه، ثم دخل عليهم فقاموا وسجدوا له، وسألهم عن سلامة أبيهم، ورفع طرفه إلى أخيه فأدناه وآواه إليه وآنسه بحديثه كما ذكر في الآية، ثم أراد يوسف أن يحتال على بقاء أخيه عنده، فتواطأ مع فتيانه إذا جهزوا إخوته أن يضعوا سقايته في رحل أخيه، كما بينه تعالى بقوله: ((فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ)) أي: من الطعام، ((جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ)) وهي جام فضة يشرب به يوسف وضعه في ميرة أخيه. وقد روي: أن يوسف لما جهزهم وارتحلوا أمهلهم حتى انطلقوا وبعدوا قليلاً عن المدينة، ثم أمر أن يسعى في أثرهم ويؤذنوا بما فقد، كما أشار إليه تعالى بقوله: ((ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ)) أي: بعدما انفصلوا عن المدينة، ((أذن مؤذن)) أي: نادى مؤذن، ويقال: آذن أي: أعلم. وأذّن أكثر الإعلام، ومنه المؤذن لكثرة ذلك منه فهو يكثر الإعلام بدخول وقت الصلاة، والمؤذن عموماً هو المنادي. ((ثم أذن مؤذن أيتها العير)) العير: هي الإبل التي عليها الأحمال؛ لأنها تذهب وتجيء، وهو اسم جمع للإبل لا واحد له، والمقصود يا أصحاب العير، وقيل: هي قافلة الحمير، ثم كثر حتى قيل لكل قافلة: عير.

стр. 1524

تفسير قوله تعالى: (قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون وأنابه زعيم) ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ [يوسف:٧١ - ٧٢] الصواع هو السقاية، وهو إناء من فضة. لو كان الإناء من فضة فيكون مباحاً في شرعه ﵇، فيكون شرع من قبلنا مخالفاً لشرعنا، فليس لأحد أن يحتج به على جواز الشرب في آنية الفضة، بل على المسلم أن يخاف الله ويتقيه وأن يتخلص من أواني الفضة كالشوك والملاعق وغيرها من الأواني التي تستخدم في أثاث البيت، لأنها حرام، ولا فرق بين الرجال والنساء في استعمال الفضة والذهب كأوانٍ، فهو محرم على الرجال والنساء جميعاً ما عدا الحلية منهما للنساء فجائز. أما سجودهم لأخيهم فهو سجود انحناء وتحية، وهذا كان في شرعهم جائزاً. قال في الإكليل: في الآية دليل على جواز الحيلة في التوصل إلى المباح، وما فيه الغبطة والصلاح واستخراج الحقوق. قال ابن العربي: وفي إطلاقه السرقة عليهم وليسوا بسارقين جواز دفع الضرر بضرر أقل منه. ((ولمن جاء به حمل بعير)) هذا أصل في الجعالة. ((وأنا به زعيم)) هذا أصل في الضمان والكفالة.

стр. 1525

تفسير قوله تعالى: (قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين) لما اتهمهم المؤذن ومن معه من الفتيان: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ [يوسف:٧٣] أي: ما جئنا للسرقة، أو لمطلق الفساد، وإنما جئنا للميرة. ((وما كنا سارقين)) أي: ليس من شأننا أن نوصف بالسرقة. وإنما استشهدوا بعلمهم على براءتهم لما تيقنوه من حالهم في كرتي مجيئهم، بمعنى: أنكم ما جربتم علينا سرقة، وأنتم تعرفوننا جيداً.

стр. 1526

تفسير قوله تعالى: (قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين) ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ﴾ [يوسف:٧٤]. ((قالوا فما جزاؤه)) أي: ما جزاء السارق؟ كيف تعاقبونه في شريعتكم؟ ولأنهم متأكدون وواثقون من أنهم برآء وأن ليس فيهم سارق ((قالوا جزاؤه)) أي: في شريعتنا ((من وجد في رحله فهو جزاؤه)) أي: أن جزاء سرقته أخذ من وجد المتاع في رحله رقيقاً لمن سرق منهم. ((كذلك نجزي الظالمين)) أي: في شريعة يعقوب ﵇. ((فهو جزاؤه)) تقرير لذلك الحكم وإلزامه به لا غير، بحيث لا يوجد جزاء آخر نعاقبه غير الرق، ويجوز أن تكون ((جزاؤه)) مبتدءاً والجملة الشرطية خبره، على إقامة الظاهر مقام المضمر، والأصل جزاؤه من وجد في رحله فهو هو ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [يوسف:٧٥] أي: بالسرقة، تأكيد إثر تأكيد وبيان لقبح السرقة.

стр. 1527

تفسير قوله تعالى: (فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه) ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦]. ((فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ)) أي: أن فتى يوسف ﵇ بدأ بأوعية إخوة يوسف لأبيه ومن معهم ((قبل وعاء أخيه)) بنيامين؛ نفياً للتهمة، وسبق التنبيه على نظائر ذلك. ((ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ)) أي: السقاية. ((كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ)) أي: دبرنا بتحصيل غرضه. ((مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ)) أي: في شرع الملك وقانونه، والجملة استئناف وتعليل لذلك الكيل وصنعه، أي: ما صح له أن يأخذ أخاه في قضاء الملك، فدبر تعالى ما حكم به إخوة يوسف على السارق، لإيصال يوسف إلى أربه رحمة منه وفضلاً، وفيه إعلام بأن يوسف ما كان يتجاوز قانون الملك، وإلا لاستبد بما شاء، وهذا من وفور فطنته وكمال حكمته، ويستدل به على جواز تسمية القوانين الكفر ديناً، والآيات في ذلك كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] هنا أطلق على الكفر ديناً. ((إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)) أي: أن ذلك الأمر كان بمشيئة الله وتدبيره، وكان إلهاماً من الله ليوسف وإخوته حتى جرى الأمر وفق المراد. ((نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ)) أي: بالعلم كما رفعنا يوسف، وفي إيراد صيغة الاستقبال إشعار بأن ذلك سنة إلهية مستمرة غير مختصة بهذه المادة. ((وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ)) أي: من أولئك المرفوعين. ((عليم)) أي: فوقه أرفع درجة منه.

стр. 1528

تفسير قوله تعالى: (قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:٧٧]. عادوا من جديد لظلم يوسف وأخيه، قالوا: إن هذا فعل كما فعل أخ له من قبل، يعنون بذلك يوسف نفسه ﵇، سبحان الله! انظر إلى المشاعر السوداء، فإلى هذه اللحظة ما زال الحقد على يوسف والظلم والجور بالنسبة لأخيه بنيامين موجوداً، قالوا: إن يفعل فهذا شأنه هو وأخوه، وهذه أخلاقهما. ((فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا)) أي: شر منزلة حيث سرقتم أخاكم يوسف من أبيكم، ثم طفقتم تفترون على البريء، فيوسف هو المسروق وليس هو السارق، وأنتم بأنفسكم الذين سرقتموه. والعبارة التي أسرها يوسف في نفسه أنه: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:٧٧] أي: من أمر يوسف، هذا على أحد التفسيرين. أو قول آخر: أنه أسر ما قالوه في نفسه ثم استأنف فقال: ((أنتم شر مكاناً والله أعلم بما تصفون)).

стр. 1529

تفسير قوله تعالى: (قالوا يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً) ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٧٨]. لما تعين أخذ بنيامين وإبقاؤه عند يوسف بمقتضى فتواهم، طفقوا يظهرون عطفهم عليه، وذلك بأن له أباً شيخاً كبيراً يحبه حباً شديداً يتسلى به عن أخيه المفقود، فخذ أحدنا بدله رقيقاً عندك. قال بعضهم: الفقه من هذه الجملة أن للكبير حقاً أن يتوسل به، كما توسلوا بكبر يعقوب؛ مراعاة لشأن الكبير وسن الكبير واحترام الكبير، فتوسلوا هم بهذا الحق كما في قوله : ((إن له أباً شيخاً كبيراً فخذ أحدنا مكانه)) وقد ورد في الاستسقاء إخراج الشيوخ؛ لأنهم قد شابوا في الإسلام وفي التوحيد وفي الطاعة. وما عزم عليه إخوة يوسف من إنقاذ أخيهم من العبودية المقضي عليه بها كان بلا شك عملاً صالحاً منهم، وهو مما يدل على أنهم هذه المرة أحسن طوية ووفاء مع أخيهم بنيامين، حتى إن أحدهم كان مستعداً أن يكون رقيقاً من أجل إنقاذ أخيه، ومما يدل على أنهم كانوا صادقين حينما أعطوا العهود لأبيهم على أن يحفظوه، فما عزموا عليه يعرب أيضاً عن أمانة وصدق وبر، وشدة تمسك بموثق أبيهم، وذلك محافظة على رضاه وإكرامه، وهكذا فليتمسك البار بمرضاة أبويه. ((إنا نراك من المحسنين)) أي: إنا نراك من المحسنين إلينا، فأتمم إحسانك بأن تأخذ أحدنا مكانه، أو ((من المحسنين)) أي: من المتعاونين بالإحسان فليكن هذا منه، وكما تلاحظون أن سلوك يوسف وخلقه ينبئ عن تمكن صفة الإحسان منه، فهؤلاء رفقاؤه في السجن قالوا عنه: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٣٦] وهذا شأن المسلم تظهر عليه سيما الصلاح والإحسان وتقوى الله حيث كان، فهنا نفس العبارة قالها إخوة يوسف ليوسف: ((إنا نراك من المحسنين)).

стр. 1530

تفسير قوله تعالى: (قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده) ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف:٧٩]. أي: لا يؤاخذ أحد بجرم غيره. قال بعضهم: إلا ما ورد في العقل -أي: الدية- فهذه قضية أخرى، وهي ترجع إلى قاعدة: أن الغرم بالغنم. مثال قضية العقل: لو أن إنساناً قَتَلَ بحيث استوجب ولي القتيل الدية، ففي هذه الحالة لا يدفع الدية القاتل وحده، وإنما تدفعها العاقلة، وهم أقاربه العصبة من الذكور، كما أنه إذا مات فهذه العاقلة ترثه وهذا غنم في مقابل العزم.

стр. 1531

تفسير قوله تعالى: (فلما استيئسوا منه خلصوا نجياً) ﴿فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف:٨٠]. الذي عنده تذوق بلاغي وإحساس باللغة العربية وروعتها عند تلاوة القرآن الكريم يقف كثيراً عند هذا التركيب الفذ في هذه الآية وغيرها، حتى إن أعرابياًَ عندما سمع هذه الآية قال: أشهد أن هذا لا يقوله بشر، أي: يستحيل أن تصدر هذه العبارة من بشر، لقوة البلاغة فيها. لو شرحت هذه الكلمات المعدودة لشرحت في صفحات كثيرة؛ لما فيها من التعبير النفيس البليغ. ((فلما استيئسوا منه خلصوا نجياً)) أي: يئسوا من يوسف وإجابته لهم أشد اليأس كما دل عليه السين والتاء فإنهما يدلان على شدة المبالغة في اليأس، وبيان أنهم لم يبق عندهم أي أمل في أن يستجيب لهم يوسف ﵇. قال أبو السعود: وإنما حصلت لهم هذه المرتبة من اليأس لما شاهدوه من عوذه بالله حيث قال لهم: ((معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذاً لظالمون)) فقابلهم بهذا الرد الحاسم الدال على كون ذلك عنده في أقصى مراتب الكراهة، وأنه مما يجب أن يحترز عنه ويعاذ بالله ، وحيث سماه ظلماً بقوله: ((إنا إذاً لظالمون)). ((خلصوا)) أي: اعتزلوا وانفردوا عن الناس خالصين لا يخالطهم سواهم. ((نجياً)) حال من فاعل خلصوا أي: اعتزلوا في هذه الحالة مناجين، وإنما أفردت الحال وصاحبها جمع؛ لأن النجي فعيل بمعنى مفاعل، كالعشير والخليط بمعنى المعاشر والمخالط كقوله: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢] أي: مناجياً، وهذا في الاستعمال يفرد مطلقاً، يقال: هم خليطك وعشيرك أي: مخالطوك ومعاشروك. وإما لأنه صفة على فعيل بمنزلة صديق فوحد لأنه بزنة المصادر كالصهيل والوحيد والزميل. وإما لأنه مصدر بمعنى التناجي، أطلق على المتناجين مبالغة. أو لتأويله بالمشتق والمصدر ولو بحسب الأصل يشمل القليل والكثير، وتنزيل المصدر منزلة الأوصاف أبلغ في المعنى. ولذا قال الزمخشري: (نجياً) ذي نجوى، أو فوجاً نجياً، أي: مناجياً لمناجاة بعضهم بعضاً، وأحسن منه أنهم تمحضوا تناجياً لاستجماعهم لذلك، وإفاضتهم فيه بجد واهتمام، كأنهم في أنفسهم صورة التناجي وحقيقته، وكأن تناجيهم في تدبير أمرهم على أي صفة يذهبون، وماذا يقولون لأبيهم في شأن أخيهم؟! كقوم تعايوا بما دهمهم من الخطب فاحتاجوا إلى التشاور. والقاضي عياض له كتاب الشفا، وهو من الكتب المهمة جداً جداً، فعلى الإنسان في بداية التزامه أن يمر بكتاب الشفا؛ لأن الشفا شفاء حقيقة كما وصفه مؤلفه القاضي عياض، وهو أيضاً من الكتب المباركة جداً والتي لها أعظم التأثير في قلب المؤمن، وبالذات فيما يتعلق بمحبة الرسول ﷺ وحيوية هذه الحياة في قلبه، فكتاب القاضي عياض اسمه (الشفا في التعريف بحقوق المصطفى ﷺ فهو من الكتب التي ينبغي أن تعطى اهتماماً خاصاً لأي أخ ملتزم، مثل: رياض الصالحين، ومثل: الأذكار للنووي، وقد ذكر القاضي عياض في كتاب الشفا في بحث إعجاز القرآن: أن أعرابياً سمع رجلاً يقرأ: ((فلما استيئسوا منه خلصوا نجياً)) فقال: أشهد أن مخلوقاً لا يقدر على مثل هذا الكلام! وقال الثعالبي في كتاب (الإيجاز والإعجاز) في الباب الأول: من أراد أن يعرف جوامع الكلم، ويتنبه لفضل الاختصار، ويحيط ببلاغة الإيماء، فليتدبر القرآن وليتأمل علوه على سائر الكلام، ثم قال: فمن ذلك قوله عز ذكره في إخوة يوسف: ((فلما استيئسوا منه خلصوا نجياً)) وهذه صفة اعتزالهم جميع الناس، وتقليبهم الآراء ظهراً لبطن، وأخذهم في تزوير ما يلقون به أباهم عند عودهم إليه، وما يوردون عليه من ذكر الحادث، فتضمنت تلك الكلمات القصيرة معاني القصة الطويلة. ((قَالَ كَبِيرُهُمْ)) في السن وهو روبيل: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٠] أي: عهداً وثيقاً في رد أخيكم، وإنما جعله منه تعالى لكون الحلف كان باسمه الكريم. ((وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ)) أي: قبل هذا تعلمون أنكم قصرتم في شأن يوسف ﵇، و (ما) مزيدة، و (من) متعلق بالفعل بعده، والجملة حالية، أو: (ما) مصدرية في موضع رفع بالابتداء و ((من قبل ما فرطتم في يوسف))، أو في موضع نصب عطفاً على مفعول ((ألم تعلموا))، وإما موصولة ومحله الرفع أو النصب على الوجهين، بمعنى ومن قبل هذا ما فرطتموه أي: قدمتموه في حق يوسف من الخيانة، ولم تحفظوا عهد أبيكم بعدما قلتم: ((وإنا له لناصحون)) ((وإنا له لحافظون)). ((فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ)) أي: لن أفارق أرض مصر. ((حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي)) أي: بالرجوع والانصراف إليه. ((أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي)) أي: بالخروج من مصر، أو بخلاص أخي بسبب من الأسباب. ((وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ))، لأنه لا يحكم إلا بالحق والعدل.

стр. 1532

تفسير قوله تعالى: (ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق) ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ * وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [يوسف:٨١ - ٨٢]. لقد أمر كبيرهم أن يرجعوا ويخبروا أباهم بما جرى بقوله: ((ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ)) أي: نسب إلى سرقة صواع الملك ((وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا)) أي: ما شهدنا عليه بالسرقة إلا بما تيقناه من إخراج الصواع من رحله ولا شيء أبين من هذا. ((وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ)) استنبط بعضهم من هذا عدم جواز الشهادة على الكتابة بلا علم وتذكر، وكذا من سمع كلام شخص من وراء حجاب فهو كعدم العلم به، فهذا مما يستأنس به في مواقع الخلاف. ((وما كنا للغيب حافظين)) أي: وما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الموثق. ((وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا)) هي مصر أي: أرسل إلى أهلها فسلهم عن كنه القصة. ((وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا)) أي جئنا معها، وكانوا قوماً من كنعان. ((وَإِنَّا لَصَادِقُونَ)) أي: فيما أخبرناك.

стр. 1533

تفسير سورة الكهف [١ - ٦]

стр. 1534

بين يدي السورة في هذه السورة أّمن الله تعالى أولياءه من أعدائهم، وزادهم الإغناء الكلي عن الأشياء، وذلك لما آمنوا به ، وفيها أيضاً بعض الكرامات العجيبة التي هي ثمرة من ثمرات الإيمان، وهذا كله من أعظم مقاصد القرآن، فهو يبين لهم ثمرة الإيمان، وعواقب أهل الإيمان، وكيف أن الله يكرم أهل الإيمان. وهي سورة مكية، وقيل: أولها إلى قوله: (جرزاً)، وقوله: (واصبر نفسك)، وقوله: (إن الذين آمنوا): إنها مكية كلها، وآيها مائة وعشرة، وقد روي في فضلها أحاديث كثيرة ساقها الحافظ ابن كثير وغيره. ومن أشهر وظائف سورة الكهف: استحباب تلاوتها يوم الجمعة، وقد صح في ذلك بعض الأحاديث، ومن ذلك قوله ﷺ : (من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق)، وفي حديث آخر: (من قرأ سور ة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور إلى الجمعة التي تليها). ومعلوم أيضاً فضائل أول عشر آيات من سورة الكهف، فهي عصمة من فتنة المسيح الدجال. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ [الكهف:١].

стр. 1535

تفسير قوله تعالى: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) . قال تعالى ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ))، يقول القاسمي رحمه الله تعالى: قدمنا أن كثيراً ما تفتتح السور وتختم بالحمد؛ إشارة إلى أنه هو المحمود على كل حال، والمحمود أولاً وآخراً، كما قال : ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ﴾ [القصص:٧٠]، وتعليماً للعباد أدب افتتاح كل أمر ذي بال واختتامه بحمد الله، والثناء عليه ﵎ بنعمه العظمى، ومننه الكبرى. وفي إنشار إنزال التنزيل من بين سائر نعوته العالية تنبيه على أنه أعظم نعمائه ، فالحمد لله: إشارة إلى حمد الله، والثناء عليه، والشكر له بمقابل نعمه ، فالحمد يكون لله على نعمه العظمى، ومننه الكبرى، فاختص هنا في أول هذه السورة الحمد على نعمة هي أعظم نعمة على الإطلاق، وهي إنزال الوحي. يقول: وفي إنشار إنزال التنزيل بقوله: (الذي أنزل على عبده الكتاب) من بين سائر نعوته العالية: تنبيه على أنه -أي: القرآن- أعظم نعمائه، فإنه الهادي إلى ما فيه كمال العباد، والداعي إلى ما به ينتظم صلاح المعاش والمعاد، ولا شيء في معناه يماثله.

стр. 1536

مقامات وصف النبي ﷺ بالعبودية في القرآن وفي ذكر الرسول ﷺ بعنوان العبودية تنبيه على عظمة المنَّزل والمنزَّل عليه، فذكره ﷺ بصفة العبودية من أعظم ما يمدح به النبي ﵌؛ لإمعانه في التذلل والخضوع والتواضع والعبودية لربه تبارك لله تعالى، فمن تواضع لله رفعه، فالنبي ﵇ أشد الخلق وأعظمهم تحقيقاً للعبودية لله ؛ فلذلك رفعه الله على سائر الأنبياء والمرسلين، قال: في ذكره بعنوان العبودية تنبيه على عظمة المنزل والمنزل عليه، كما تدل عليه الإضافة الاختصاصية، كما تقدم في سورة الإسراء، وقد تقدم في عدة مواضع من القرآن الكريم أن الله وصفه بالعبودية في أعلى المقامات، وهنا أيضاً وصفه بالعبودية في أشرف الأشياء وهي: أنه أنزل عليه الكتاب، وهذا أمر معروف في القرآن الكريم، كما في قوله ﵎: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١]، وهذا في مقام الإسراء، وهو آية عظمى من آيات الله ، وقد صفه الله فيه بالعبودية، وفي مقام الدعوة أيضاً: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩]، أي: تزاحمت عليه الجن طبقة فوق طبقة، وفي مقام التحدي: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]، وفي هذا كله أن شأن الرسول أن يكون عبداً للمرسِل، فما دام أنه قد أرسل من قبل الله فهو عبد له، لا كما زعمت النصارى في حق عيسى ﵇.

стр. 1537

كمال القرآن وسلامته من العوج لقد حُلَّى الكتاب في قوله: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ)) بأل العهدية، والمقصود بالكتاب هنا القرآن الكريم، فالمقصود به: الكتاب الكامل الغني عن الوصف بالكمال المعروف بذلك من بين الكتب، الحقيق باختصاص اسم الكتاب به، وهو عبارة عن جميع القرآن المنزل حينئذٍ. ثم أخر الكتاب على الجار والمجرور فقال: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) ولم يقل: (الذي أنزل الكتاب على عبده)، مع أن حقه التقديم عليه؛ ليتصل به قوله : (ولم يجعل له عوجا)، ولو قال: (الحمد لله الذي أنزل الكتاب على عبده ولم يجعل له عوجا) لم يكن الكلام متصلاً في شأن الكتاب؛ لأن هذا الكتاب هو الذي لم يجعل الله له عوجاً. ومعنى: (لم يجعل له عوجا) أي: ليس فيه اختلال في نظمه، ولا تنافٍ في معانيه، أو زيغ أو انحراف عن الدعوة إلى الحق، بل إن القرآن هو الدستور الذي يعالج ويزيل العوج؛ لذا فقد جعله فقد جعله الله : ﴿قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف:٢ - ٣]. ومعنى: (قيماً)، أي: قيماً بمصالح العباد، وما لابد لهم منه من الشرائع، فهذا وصف له بأنه مكمل لهم بعد وصفه بأنه كامل في نفسه: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً). قوله: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب)، ولم يقل: (الكتاب الكامل)، من أل العهد؛ لأن أل في الكتاب هنا للعهد، وكأنه لا يوجد كتاب غيره باعتباره أكمل الكتب على الإطلاق، واختصاص هذا القرآن الكريم بالكتاب كأنه لا كتاب غيره، ثم قال: (ولم يجعل له عوجا)؛ فنفى عنه العوج، وأثبت له ضد ذلك، وهو أنه يقوم بالناس، ويصلح حالهم، ويعالج عوجهم، فقال: (قيماً لينذر بأساً شديداً من لدنه)، يقول: (فهو وصف له بأنه مكمَّل لهم بعد وصفه بأنه كامل في نفسه)، أو قيماً على الكتب السالفة مهيمناً عليها، أو قيماً متناهياً في الاستقامة والاعتدال، فيكون ذلك تأكيداً لما دل عليه من نفي العوج، مع إفادة كون ذلك من صفاته الذاتية اللازمة له حسبما تنبئ عنه الصيغة. وانتصبت كلمة (قيماً) بمضمر تقديره: جعله، وهناك قول آخر -وإن كان الأظهر ما ذكرناه- وهو: أن (قيماً) متعلقة بالقرآن الكريم. وقلنا: إن الحكمة في تقديم الجار والمجرور على الكتاب ليتصل الكلام؛ لأن (قيماً) ستكون استمراراً لوصف القرآن الكريم، فهذا الوجه الأول، وهو الأظهر. وأما الوجه الثاني: فقد ذهب القاسمي إلى أن الضمير في قوله: (ولم يجعل له عوجا)، وما بعده إنما يعود إلى كلمة (عبده)، وهو النبي ﵊، والمعنى: لم يجعل لعبده زيغاً ولا ميلاً، وجعله ﷺ قيماً مستقيماً كما أمر في قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢]، أو قيماً ﵊ بأمر العباد وهدايتهم؛ إذ التكميل يترتب على الكمال؛ لأنه ﷺ لما فرغ من تقويم نفسه وتزكيتها أقيمت نفوس أمته مقام نفسه، فأمر بتقويمها وتزكيتها، ولهذا المعنى سمي إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: أمة، وهذه القيمية -أي: القيام بهداية الله- داخلة في الاستقامة المأمور هو بها، والأظهر هو الوجه الأول، وأن الكلام إنما هو في شأن القرآن الكريم.

стр. 1538

نذارة القرآن وبشارته قال الله: ﴿قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ [الكهف:٢]، أي: لينذر من خالفه ولم يؤمن به عذاباً شديداً عاجلاً وآجلاً، والبأس هو القهر والعذاب، وخصصه بقوله تعالى: (من لدنه)، إشارة إلى زيادة هوله، وأنه من عند الله ، ولذلك عظمه بالتنكير، ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الكهف:٢]، أي: بهذا القرآن الكريم. وقال القاسمي: (ويبشر المؤمنين)، أي: الموحدين؛ لكونهم في مقابلة المشركين الذين قالوا: اتخذ الله ولداً، (الذين يعملون الصالحات)، أي: الخيرات والفضائل، (أن لهم)، أي: بأن لهم بمقابلة إيمانهم وأعمالهم المذكورة، (أجراً حسناً)، وهو: الجنة، ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف:٣]. قوله: ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) [الكهف:٤] وهؤلاء أصناف، أي: أن الذين قالوا: (اتخذ الله ولداً)، ليسوا النصارى فقط، ولكن ذلك يشمل أيضاً مشركي العرب؛ لأنهم قالوا: (الملائكة بنات الله) وخصهم بالذكر وكرر الإنذار متعلقاً بهم استعظاماً لكفرهم. (وينذر)؛ لأنه قال قبل ذلك: (لينذر بأساً شديداً من لدنه) وهذا عام، ثم خص نوعاً من هذا الكفر لفظاعته وشناعته، وهو زعم الولد لله . (وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً)، أي: من المشركين الذين قالوا: إن الملائكة بنات الله، أو من النصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله، فخصهم بالذكر وكرر الإنذار متعلقاً بهم استعظاماً لكفرهم، وترك إجراء الموصول على الموصوف كما فعل في قوله تعالى: (ويبشر المؤمنين)، للإيذان بكفاية ذات حيز الصلة في الكفر على أقبح الوجوه. أي: أنه هنا قال: (وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً)، في حين أنه قال في وصف المؤمنين: (ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات)، ولم يقل: (ويبشر الذين يعملون الصالحات)، فاستغنى في الكلام عن الكفار بذكرهم بلفظ الموصول (الذين)، ولم يقل: (الذين كفروا)؛ لأن هذا من أعظم وأشنع وأقبح أنواع الكفر. قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ﴾ [الكهف:٥] الهاء في قوله: (به) تعود إلى الولد، أي: ما لهم بهذا الولد المزعوم علم، أو ما لهم علم باتخاذ الله الولد، ولم يقم على هذا دليل، بل إن هذا القول لا يصدر إلّا عن جهل مفرط، وتوهُّم كاذب، وتقليد للآباء، لا عن علم ويقين، ويؤيده قوله تعالى: (كبرت كلمة تخرج من أفواههم).

стр. 1539

استعظام نسبة الولد لله جل وعلا قوله: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف:٥] هذا أسلوب تعجب، أي: ما أكبرها كلمة (تخرج من أفواههم)، وذلك لأن الولد لله مستحيل، ولا معنى لنسبة الولد إلى الله ، فهذا علم يقيني يشهد أن الوجود الواجدي أحدي الذات -الوجود الواجدي: من مصطلحات المتكلمين، ومعناه واجب الوجود، وهو الله فهو أحدي الذات لا يماثله الوجود الممكن، والولد مماثل لوالده في النوع، والله لا مثل له، ولا مكافئ له في القوة، قال الله : ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]. وإعراب قوله: (كبرت كلمة تخرج من أفواههم)، إعرابها: صفة لكذب، في محل نصب صفة للكذب؛ لأن الجمل بعد النكرات صفة، فقوله تعالى: (كبرت كلمة تخرج من أفواههم)، تفيد استعظام اجترائهم على إخراجها من أفواههم، وهذا شيء عظيم جداً؛ لأن الكلمة تخرج من أفواههم، كيف ساغ للشعوب أن تنطق بهذه الكلمة؟ والمعنى: كبر خروجها من أفواههم- أي: عظمت بشاعته وقباحته بمجرد التفوه- فما بالك باعتقاده، لمجرد أن الفم ينطق بهذه الكلمة وهي الزعم بأن لله ولداً هذه من أقبح وأشنع ما يرتكب، فكيف باعتقاد ذلك في قلوبهم؟ قوله: (إن يقولون إلا كذباً)، أي: إن يقولون إلا خوضاً لا يكاد يدخل تحت إمكان الصدق أصلاً، وذلك لتطابق الدليل القطعي والوجدان الروحي على استحالة أن يكون لله ولد.

стр. 1540

تفسير مطلع سورة الكهف من أضواء البيان أما العلامة الشنقيطي فقد فصل في مقدمة الجزء الرابع من تفسير أضواء البيان في الكلام على هذه الآية، فيقول بعد ما ذكر الآيات التي فسرناها: علم الله جل وعلا عباده في أول هذه السورة الكريمة أن يحمدوه على أعظم نعمة أنعمها عليهم، وهي إنزاله على نبينا ﷺ هذا القرآن العظيم، الذي لا اعوجاج فيه، بل هو في تمام الاستقامة؛ أخرجهم به من الظلمات إلى النور، وبين لهم فيه العقائد والحلال والحرام، وأسباب دخول الجنة والنار، وحذرهم فيه من كل ما يضرهم، وحضهم فيه على كل ما ينفعهم، فهو النعمة العظمى على الخلق، ولذا علمهم ربهم كيف يحمدونه على هذه النعمة الكبرى، بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ الآية. وما أشار له هنا من عظيم الإنعام والامتنان على خلقه بإنزال هذا القرآن العظيم منذراً من لم يعمل به، ومبشراً من عمل به، ذكره جل وعلا في مواضع كثيرة كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء:١٧٤ - ١٧٥]. وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت:٥١]. وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل:٧٦ - ٧٧]، وقوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢]. وقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت:٤٤]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٦ - ١٠٧]. وقوله: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص:٨٦] الآية. وقوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر:٣٢]. وهو تصريح منه جل وعلا بأن إيراث هذا الكتاب فضل كبير.

стр. 1541

كتاب الله مستقيم لا عوج فيه قال الشنقيطي: وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ((وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا))، أي: لم يجعل في القرآن عوجاً -و (له) هنا بمعنى (فيه) - أي: لا اعوجاج فيه البتة، لا من جهة الألفاظ، ولا من جهة المعاني، أخباره كلها صدق، وأحكامه عدل؛ سالم من جميع العيوب في ألفاظه ومعانيه وأخباره وأحكامه، لأن قوله: (عوجاً) نكرة في سياق النفي، فهي تعم نفي جميع أنواع العوج. فلا يمكن أن يحصل في القرآن أي نوع من العوج أو الاضطراب، بخلاف ما يفعله البشر، فالإنسان مهما كانت ملكاته الأدبية أو العلمية فلابد أن تجد خللاً في الكتاب، كما قال : ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فالذي يبدأ بتأليف كتاب يكون نفسه طويلاً وفي الآخر يبدأ يضعف، بل الأسلوب في بعض المواضع يكون أضعف منه في مواضع أخرى، ولابد أن يأخذ على كل كتاب أي نقص، ما عدا كتاب الله ، ولهذا عجز الكافر مع شدة عداوتهم له وحرصهم على إباطاله عن أن يمسكوا أي عيب أو عوج في القرآن، بل انطلقت ألسنتهم بعبارات الانبهار بإعجاز القرآن الكريم. بخلاف ما تجرأ به أحد الملاحدة في هذا الزمان وهو طه حسين حينما كان أستاذاً في كلية الآداب، وأراد عدو الله أن يحطم قدسية القرآن الكريم، فكان يطالب طلبة الكلية بأن يتعاملوا مع القرآن كأي كتاب آخر عند النقد، فهذا من زندقته وكفره بكتاب الله ، وهذا معروف من تاريخه الأسود في عداوة الإسلام وعداوة اللغة العربية. فهذه الآية كانت تكفي في إحباط ضلالته وزندقته: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف:١]. فكيف يوضع كلام الله على مائدة النقد والفحص والعياذ بالله؟! قال: وما ذكره جل وعلا هنا من أنه لا اعوجاج فيه بينه في مواضع أخرى كثيرة، كقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر:٢٧ - ٢٨]. وقال : ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥]، فقوله: (صدقاً) أي: في الأخبار، قوله: (عدلاً) أي: في الأحكام، وكقوله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، والآيات في ذلك كثيرة جداً. وقوله : (قيماً)، أي: مستقيماً لا ميل فيه ولا زيغ، وهذا بينه أيضاً قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة:١ - ٣]، يعني: لا اعوجاج فيها. وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩]، وقال : ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:٣٧]. وقال : ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف:١١١]، وقال : ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢]، وقال : ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١]، وقال: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢]. وهذا الذي فسرنا به قوله تعالى: (قيماً) هو قول الجمهور، وهو الظاهر، وعليه فهو تأكيد في المعنى لقوله: (ولم يجعل له عوجاً)، لكن هذا فيه نفي العوج وإثبات القيمية؛ لأن الشيء قد يكون مستقيماً في الظاهر وهو لا يخلو من اعوجاج في حقيقة الأمر، ولذا جمع تعالى بين نفي العوج وإثبات الاستقامة. وفي قوله: (قيماً) وجهان آخران من التفسير: الأول: أنه قيم على ما قبله من الكتب السماوية ومهيمناً عليها، وعلى هذا التفسير فالآية تكون كقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤٨]، ولأجل هيمنته على ما قبله من الكتب قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل:٧٦]، وقال: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:٩٣]، وقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ) [المائدة:١٥]، فهذه بعض مظاهر الهيمنة والتصحيح والقيمية. الوجه الثاني: أنه قيم بمصالح الخلق الدينية والدنيوية، قال القاسمي: وصف القرآن بأنه مكمل للخلق بعد وصفه بأنه كامل في نفسه بأل العهدية في قوله: (الذي أنزل على عبده الكتاب)، أي: الكامل في نفسه، (قيماً) يعني: الذي يعالج عوج الناس ويزيل العوج الذي في الخلق، ويحقق لهم مصالحهم الدينية والدنيوية.

стр. 1542

إنذار الكفرة وتخويفهم وبشارة المؤمنين قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: وقوله في هذه الآية الكريمة: (لينذر بأساً شديداً) هذه اللام متعلقة بقوله تعالى: (أنزل)، يعني: (أنزل على عبده الكتاب لينذر). وقيل: هي متعلقة بقوله: (قيماً)، والأول هو الظاهر، أما الإنذار فهو الإعلام المقترن بتخويف وتهديد، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذار، والإنذار يتعدى إلى مفعولين، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل:١٤]؛ لأن المفعول الأول هو ضمير: (كم). وفي أول هذه السورة الكريمة كرر تعالى الإنذار، فحذف في الموضع الأول مفعول الإنذار الأول، وحذف في الثاني المفعول الثاني، فكان المذكور دليلاً على المحذوف في الموضعين، وتقدير المفعول الأول: لينذر الذين كفروا بأساً شديداً، وتقدير المفعول الثاني المحذوف في الموضع الثاني: وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً بأساً شديداً. وقد أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى أن القرآن العظيم تخويف وتهديد للكافرين، وبشارة للمؤمنين المتقين؛ إذ قال في تخويف الكفرة به: ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ وقال: ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾. وفي بشارة المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً بينه قوله جل وعلا: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم:٩٧]، وفي قوله: ﴿آلمص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١ - ٢]. أما البأس الشديد الذي أنذرهم الله إياه فهو العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، والبشارة الخبر بما يسر، لكن العرب قد تطلق البشارة على الخبر بما يسوء أحياناً، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الجاثية:٨] ومنه قول الشاعر: وبشرتني يا سعد أن أحبتي جفوني وقالوا الود موعده الحشر يعني: أخبرتني بما يسوءني وأن أحبتي جفوني. وقول الآخر: يبشرني الغراب ببين أهلي فقلت له ثكلتك من بشير إذاً: إطلاق البشارة على الإخبار بما يسوء أسلوب من أساليب اللغة العربية، وهذا عند الشنقيطي مجاز مرسل، وهو من أساليب اللغة العربية، ويسميه البلاغيون استعارة عنادية، ويقسمونها إلى تهكمية وتلميحية كما هو معروف في محله، والشنقيطي كان من فطاحل البلاغة، وقد تتلمذ عليه الشيخ ابن باز في البلاغة.

стр. 1543

شروط العمل الصالح هناك بعض الشروط التي لابد منها في العمل لكي يكون صالحاً: الشرط الأول: أن يكون مطابقاً لما جاء به النبي ﷺ ، فيعبد الله بما شرع ولا يعبده بالبدعة، ولابد أن تتقرب إلى الله بما شرعه على لسان رسوله ﷺ ؛ فكل عمل مخالف لما جاء به صلوات الله وسلامه عليه فليس بصالح بل هو باطل، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، وقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨]، وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، إلى آخر الآية، فلابد من شرط المتابعة. الشرط الثاني: أن يكون العامل مخلصاً في عمله بالله فيما بينه وبين الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:١١ - ١٥]. الشرط الثالث: أن يكون العمل مبنياً على أساس الإيمان والعقيدة الصحيحة؛ لأن العمل كالسقف والعقيدة كالأساس، وإذا لم توجد العقيدة انهار السقف، كالروح في البدن إذا خرجت منه أصبحت لا قيمة لك ولا للجوارح الموجودة، فالعمل بدون إيمان، كما قال ﵎: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النحل:٩٧] فقيده بالإيمان. فالعمل الصالح لا يكون مقبولاً ونافعاً في الآخرة إلا بأن يكون مؤسساً على العقيدة الصحيحة، أما الكافر فمهما عمل من الأعمال الخيرية أو الحسنة فإنه لا يثاب عليها في الآخرة على الإطلاق، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، تحبط كل أعمالهم في الآخرة، وقد يثابون في الدنيا إذا شاء الله ذلك؛ لأنها جنة الكافر، فيثاب الكافر بالعافية وبكثرة الولد والرزق وغير ذلك من أنواع التخفيف عن هذا الكافر في الدنيا فقط؛ لأنه المكان الوحيد الذي يمكن أن يثاب فيه، أما في الآخرة فلا يمكن أن ينفعه أي عمل بدون إيمان. فقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧]، مفهومه: أن من لم يكن مؤمناً لا ينفعه عمله، وصرح به في قوله ﵎: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩] وقوله : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ) [إبراهيم:١٨]، إلى غير ذلك من الآيات الكريمات.

стр. 1544

بشرى المؤمنين بالحسنى قال : ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الكهف:٢]، يعني: وليبشرهم بأن لهم أجراً حسناً، والأجر هو جزاء العمل، وجزاء عملهم المعبر عنه هنا بالأجر هو الجنة. ولهذا قال: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف:٣] فلذلك صح تفسير الأجر الحسن بأنه الجنة؛ لأنهم ماكثون فيه أبداً. أما وجه الصدق لهذا الأجر فالقرآن الكريم مليئ بالآيات التي توضح وصف كونه أجراً حسناً؛ كقوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ * عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ [الواقعة:١٣ - ١٦]، كل هذا وصف الجنة، وشرح لكلمة (حسناً)، وقال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]. ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾، أي: خالدين فيه بلا انقطاع، كما في قوله ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨]، أي: غير مقطوع، وقال : ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف:١٠٨]، الدنيا مهما كان فيها من قصور أو جنات لابد أن يصيب صاحبها الملل، لذا تجده يرغب دائماً في التغيير، حتى أن صاحب البساتين يفزع إلى الصحراء، ويسعد جداً بتغيير الجو كما يقولون، أو العكس. أما الجنة فلا يمكن أبداً أن يتطرق أي ملل إلى أهلها كما قال الله: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف:١٠٨]، وقال ﵎: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص:٥٤]، يعني: ما له من انقطاع ولا انتهاء، وقال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦]، وقال أيضاً: ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٧].

стр. 1545

تفسير قوله تعالى: (وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً) قال الله تعالى: ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [الكهف:٤]. أي: ينذرهم ﴿بَأْسًا شَدِيدًا﴾ من عنده، وهذا من عطف الخاص على العام: لأن قوله: ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ [الكهف:٣] شامل لكل الكفار سواء الذين قالوا اتخذ الله ولداً، أو غيرهم من الكفار. وقد تقرر في فن المعاني أن عطف الخاص على العام يكون إذا امتاز الخاص عن سائر أفراد العام بصفات حسنة أو قبيحة، تنزيلاً للتغاير في الصفات منزلة التغاير في الذوات، ومثاله في الممتاز عن سائر أفراد العام بصفات حسنة قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة:٩٧ - ٩٨]، فهنا صفة حسنة ثم خص جبريل وميكائيل بالذكر مع أنهم من الملائكة، فهذا ما يسمى بالإطناب المقبول، فهو إطناب لكنه إطناب مقبول؛ لأنه جعل هذا النوع الخاص المذكور بصفات معينة كذاه أخرى اقتضت العطف، وكأنهما خارجان عن الملائكة. ومن هذا أيضاً قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) [الأحزاب:٧]، خص هؤلاء بالذكر مع أنهم من النبيين، لأنهم أولو العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام. ومن الممتاز بصفات قبيحة ما جاء في الآية التي نحن بصددها: (لينذر بأساً شديداً من لدنه)، قلنا في التفسير: لينذر الذين كفروا بأساً شديداً من لدنه، ومن هؤلاء الذين كفروا (الذين قالوا اتخذ الله ولداً)؛ لكن خصهم بالذكر هنا لامتيازهم في كفرهم بأنه من أشنع وأقبح أنواع الكفر؛ لأنه شتم لله بأن نسبوا إليه الولد؛ فإن الذين قالوا: اتخذ الله ولداً. امتازوا عن غيرهم بفرية شنعاء، ولذا ساغ عطفهم على اللفظ الشامل لهم ولغيرهم. والآيات الدالة على عظم فريتهم كثيرة جداً، كقوله هنا: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف:٥]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم:٨٨ - ٩٢]، لكن الله بمشيئته هو الذي يمسكها عن ذلك، وهذا القول يبلغ من شناعته أن السماوات تكاد من شدة الغيظ والانفعال والغضب والقشعريرة تكاد تشقق وتفطر، ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم:٩٠ - ٩٢]. وقال ﵎: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء:٤٠]. والآيات مثل هذا كثيرة معلومة، وقد قدمنا أن القرآن بين أن الذين نسبوا الولد لله سبحانه تعالى ثلاثة أصناف من الناس: اليهود والنصارى، إذ قال : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ) [التوبة:٣٠] إلى آخره، والصنف الثالث مشركو العرب، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل:٥٧]، يعني الملائكة في زعمهم.
следующие страницы →