Полный текст (3 275 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
كتاب الله مستقيم لا عوج فيه
قال الشنقيطي: وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ((وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا))، أي: لم يجعل في القرآن عوجاً -و (له) هنا بمعنى (فيه) - أي: لا اعوجاج فيه البتة، لا من جهة الألفاظ، ولا من جهة المعاني، أخباره كلها صدق، وأحكامه عدل؛ سالم من جميع العيوب في ألفاظه ومعانيه وأخباره وأحكامه، لأن قوله: (عوجاً) نكرة في سياق النفي، فهي تعم نفي جميع أنواع العوج.
فلا يمكن أن يحصل في القرآن أي نوع من العوج أو الاضطراب، بخلاف ما يفعله البشر، فالإنسان مهما كانت ملكاته الأدبية أو العلمية فلابد أن تجد خللاً في الكتاب، كما قال : ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فالذي يبدأ بتأليف كتاب يكون نفسه طويلاً وفي الآخر يبدأ يضعف، بل الأسلوب في بعض المواضع يكون أضعف منه في مواضع أخرى، ولابد أن يأخذ على كل كتاب أي نقص، ما عدا كتاب الله ، ولهذا عجز الكافر مع شدة عداوتهم له وحرصهم على إباطاله عن أن يمسكوا أي عيب أو عوج في القرآن، بل انطلقت ألسنتهم بعبارات الانبهار بإعجاز القرآن الكريم.
بخلاف ما تجرأ به أحد الملاحدة في هذا الزمان وهو طه حسين حينما كان أستاذاً في كلية الآداب، وأراد عدو الله أن يحطم قدسية القرآن الكريم، فكان يطالب طلبة الكلية بأن يتعاملوا مع القرآن كأي كتاب آخر عند النقد، فهذا من زندقته وكفره بكتاب الله ، وهذا معروف من تاريخه الأسود في عداوة الإسلام وعداوة اللغة العربية.
فهذه الآية كانت تكفي في إحباط ضلالته وزندقته: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف:١].
فكيف يوضع كلام الله على مائدة النقد والفحص والعياذ بالله؟! قال: وما ذكره جل وعلا هنا من أنه لا اعوجاج فيه بينه في مواضع أخرى كثيرة، كقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر:٢٧ - ٢٨].
وقال : ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥]، فقوله: (صدقاً) أي: في الأخبار، قوله: (عدلاً) أي: في الأحكام، وكقوله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، والآيات في ذلك كثيرة جداً.
وقوله : (قيماً)، أي: مستقيماً لا ميل فيه ولا زيغ، وهذا بينه أيضاً قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة:١ - ٣]، يعني: لا اعوجاج فيها.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩]، وقال : ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:٣٧].
وقال : ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف:١١١]، وقال : ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢]، وقال : ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١]، وقال: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢].
وهذا الذي فسرنا به قوله تعالى: (قيماً) هو قول الجمهور، وهو الظاهر، وعليه فهو تأكيد في المعنى لقوله: (ولم يجعل له عوجاً)، لكن هذا فيه نفي العوج وإثبات القيمية؛ لأن الشيء قد يكون مستقيماً في الظاهر وهو لا يخلو من اعوجاج في حقيقة الأمر، ولذا جمع تعالى بين نفي العوج وإثبات الاستقامة.
وفي قوله: (قيماً) وجهان آخران من التفسير: الأول: أنه قيم على ما قبله من الكتب السماوية ومهيمناً عليها، وعلى هذا التفسير فالآية تكون كقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤٨]، ولأجل هيمنته على ما قبله من الكتب قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل:٧٦]، وقال: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:٩٣]، وقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ) [المائدة:١٥]، فهذه بعض مظاهر الهيمنة والتصحيح والقيمية.
الوجه الثاني: أنه قيم بمصالح الخلق الدينية والدنيوية، قال القاسمي: وصف القرآن بأنه مكمل للخلق بعد وصفه بأنه كامل في نفسه بأل العهدية في قوله: (الذي أنزل على عبده الكتاب)، أي: الكامل في نفسه، (قيماً) يعني: الذي يعالج عوج الناس ويزيل العوج الذي في الخلق، ويحقق لهم مصالحهم الدينية والدنيوية.
стр. 1542
إنذار الكفرة وتخويفهم وبشارة المؤمنين
قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: وقوله في هذه الآية الكريمة: (لينذر بأساً شديداً) هذه اللام متعلقة بقوله تعالى: (أنزل)، يعني: (أنزل على عبده الكتاب لينذر).
وقيل: هي متعلقة بقوله: (قيماً)، والأول هو الظاهر، أما الإنذار فهو الإعلام المقترن بتخويف وتهديد، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذار، والإنذار يتعدى إلى مفعولين، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل:١٤]؛ لأن المفعول الأول هو ضمير: (كم).
وفي أول هذه السورة الكريمة كرر تعالى الإنذار، فحذف في الموضع الأول مفعول الإنذار الأول، وحذف في الثاني المفعول الثاني، فكان المذكور دليلاً على المحذوف في الموضعين، وتقدير المفعول الأول: لينذر الذين كفروا بأساً شديداً، وتقدير المفعول الثاني المحذوف في الموضع الثاني: وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً بأساً شديداً.
وقد أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى أن القرآن العظيم تخويف وتهديد للكافرين، وبشارة للمؤمنين المتقين؛ إذ قال في تخويف الكفرة به: ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ وقال: ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾.
وفي بشارة المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً بينه قوله جل وعلا: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم:٩٧]، وفي قوله: ﴿آلمص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١ - ٢].
أما البأس الشديد الذي أنذرهم الله إياه فهو العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، والبشارة الخبر بما يسر، لكن العرب قد تطلق البشارة على الخبر بما يسوء أحياناً، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الجاثية:٨] ومنه قول الشاعر: وبشرتني يا سعد أن أحبتي جفوني وقالوا الود موعده الحشر يعني: أخبرتني بما يسوءني وأن أحبتي جفوني.
وقول الآخر: يبشرني الغراب ببين أهلي فقلت له ثكلتك من بشير إذاً: إطلاق البشارة على الإخبار بما يسوء أسلوب من أساليب اللغة العربية، وهذا عند الشنقيطي مجاز مرسل، وهو من أساليب اللغة العربية، ويسميه البلاغيون استعارة عنادية، ويقسمونها إلى تهكمية وتلميحية كما هو معروف في محله، والشنقيطي كان من فطاحل البلاغة، وقد تتلمذ عليه الشيخ ابن باز في البلاغة.
стр. 1543
شروط العمل الصالح
هناك بعض الشروط التي لابد منها في العمل لكي يكون صالحاً: الشرط الأول: أن يكون مطابقاً لما جاء به النبي ﷺ ، فيعبد الله بما شرع ولا يعبده بالبدعة، ولابد أن تتقرب إلى الله بما شرعه على لسان رسوله ﷺ ؛ فكل عمل مخالف لما جاء به صلوات الله وسلامه عليه فليس بصالح بل هو باطل، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، وقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨]، وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، إلى آخر الآية، فلابد من شرط المتابعة.
الشرط الثاني: أن يكون العامل مخلصاً في عمله بالله فيما بينه وبين الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:١١ - ١٥].
الشرط الثالث: أن يكون العمل مبنياً على أساس الإيمان والعقيدة الصحيحة؛ لأن العمل كالسقف والعقيدة كالأساس، وإذا لم توجد العقيدة انهار السقف، كالروح في البدن إذا خرجت منه أصبحت لا قيمة لك ولا للجوارح الموجودة، فالعمل بدون إيمان، كما قال ﵎: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النحل:٩٧] فقيده بالإيمان.
فالعمل الصالح لا يكون مقبولاً ونافعاً في الآخرة إلا بأن يكون مؤسساً على العقيدة الصحيحة، أما الكافر فمهما عمل من الأعمال الخيرية أو الحسنة فإنه لا يثاب عليها في الآخرة على الإطلاق، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، تحبط كل أعمالهم في الآخرة، وقد يثابون في الدنيا إذا شاء الله ذلك؛ لأنها جنة الكافر، فيثاب الكافر بالعافية وبكثرة الولد والرزق وغير ذلك من أنواع التخفيف عن هذا الكافر في الدنيا فقط؛ لأنه المكان الوحيد الذي يمكن أن يثاب فيه، أما في الآخرة فلا يمكن أن ينفعه أي عمل بدون إيمان.
فقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧]، مفهومه: أن من لم يكن مؤمناً لا ينفعه عمله، وصرح به في قوله ﵎: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩] وقوله : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ) [إبراهيم:١٨]، إلى غير ذلك من الآيات الكريمات.
стр. 1544
بشرى المؤمنين بالحسنى
قال : ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الكهف:٢]، يعني: وليبشرهم بأن لهم أجراً حسناً، والأجر هو جزاء العمل، وجزاء عملهم المعبر عنه هنا بالأجر هو الجنة.
ولهذا قال: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف:٣] فلذلك صح تفسير الأجر الحسن بأنه الجنة؛ لأنهم ماكثون فيه أبداً.
أما وجه الصدق لهذا الأجر فالقرآن الكريم مليئ بالآيات التي توضح وصف كونه أجراً حسناً؛ كقوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ * عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ [الواقعة:١٣ - ١٦]، كل هذا وصف الجنة، وشرح لكلمة (حسناً)، وقال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧].
﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾، أي: خالدين فيه بلا انقطاع، كما في قوله ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨]، أي: غير مقطوع، وقال : ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف:١٠٨]، الدنيا مهما كان فيها من قصور أو جنات لابد أن يصيب صاحبها الملل، لذا تجده يرغب دائماً في التغيير، حتى أن صاحب البساتين يفزع إلى الصحراء، ويسعد جداً بتغيير الجو كما يقولون، أو العكس.
أما الجنة فلا يمكن أبداً أن يتطرق أي ملل إلى أهلها كما قال الله: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف:١٠٨]، وقال ﵎: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص:٥٤]، يعني: ما له من انقطاع ولا انتهاء، وقال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦]، وقال أيضاً: ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٧].
стр. 1545
تفسير قوله تعالى: (وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً)
قال الله تعالى: ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [الكهف:٤].
أي: ينذرهم ﴿بَأْسًا شَدِيدًا﴾ من عنده، وهذا من عطف الخاص على العام: لأن قوله: ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ [الكهف:٣] شامل لكل الكفار سواء الذين قالوا اتخذ الله ولداً، أو غيرهم من الكفار.
وقد تقرر في فن المعاني أن عطف الخاص على العام يكون إذا امتاز الخاص عن سائر أفراد العام بصفات حسنة أو قبيحة، تنزيلاً للتغاير في الصفات منزلة التغاير في الذوات، ومثاله في الممتاز عن سائر أفراد العام بصفات حسنة قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة:٩٧ - ٩٨]، فهنا صفة حسنة ثم خص جبريل وميكائيل بالذكر مع أنهم من الملائكة، فهذا ما يسمى بالإطناب المقبول، فهو إطناب لكنه إطناب مقبول؛ لأنه جعل هذا النوع الخاص المذكور بصفات معينة كذاه أخرى اقتضت العطف، وكأنهما خارجان عن الملائكة.
ومن هذا أيضاً قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) [الأحزاب:٧]، خص هؤلاء بالذكر مع أنهم من النبيين، لأنهم أولو العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام.
ومن الممتاز بصفات قبيحة ما جاء في الآية التي نحن بصددها: (لينذر بأساً شديداً من لدنه)، قلنا في التفسير: لينذر الذين كفروا بأساً شديداً من لدنه، ومن هؤلاء الذين كفروا (الذين قالوا اتخذ الله ولداً)؛ لكن خصهم بالذكر هنا لامتيازهم في كفرهم بأنه من أشنع وأقبح أنواع الكفر؛ لأنه شتم لله بأن نسبوا إليه الولد؛ فإن الذين قالوا: اتخذ الله ولداً.
امتازوا عن غيرهم بفرية شنعاء، ولذا ساغ عطفهم على اللفظ الشامل لهم ولغيرهم.
والآيات الدالة على عظم فريتهم كثيرة جداً، كقوله هنا: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف:٥]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم:٨٨ - ٩٢]، لكن الله بمشيئته هو الذي يمسكها عن ذلك، وهذا القول يبلغ من شناعته أن السماوات تكاد من شدة الغيظ والانفعال والغضب والقشعريرة تكاد تشقق وتفطر، ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم:٩٠ - ٩٢].
وقال ﵎: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء:٤٠].
والآيات مثل هذا كثيرة معلومة، وقد قدمنا أن القرآن بين أن الذين نسبوا الولد لله سبحانه تعالى ثلاثة أصناف من الناس: اليهود والنصارى، إذ قال : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ) [التوبة:٣٠] إلى آخره، والصنف الثالث مشركو العرب، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل:٥٧]، يعني الملائكة في زعمهم.
стр. 1546
تفسير قوله تعالى: (ما لهم به من علم)
قال الله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ﴾ [الكهف:٥].
لماذا تعرض هنا لنفي العلم عن آبائهم؟ لأن آباءهم هم قدوتهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]، يعني: أن ما نسبوه له جل وعلا من اتخاذ الولد لا علم لهم به؛ لأنه مستحيل، والآية تدل دلالة واضحة على أن نفي الفعل لا يدل على إمكانه.
ومن الآيات الدالة على ذلك، قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة:٥٧]؛ لأن ظلمهم لربنا وحصول العلم لهم باتخاذه الولد كل ذلك مستحيل عقلاً، ولا يدل على إمكانه، ومن هذا القبيل: قول المنطقيين: (السالبة لا تقتضي وجود الموضوع)، وهذا كلام منطقي لا يخصنا الآن.
ما نفاه عنهم وعن آبائهم من العلم باتخاذه الولد عن ذلك علواً كبيراً بينه في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام:١٠٠]، وقوله في آبائهم: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٧٠]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله هنا : ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف:٥]، يعني: أن ما قالوه بأفواههم من أن الله اتخذ ولداً.
أمر كبير عظيم كما دلت الآيات على عظمه، كقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء:٤٠]، وقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم:٩٠ - ٩١].
وكما قلنا: كلمة (تخرج من أفواههم) تفيد استعظام افترائهم على إخراجها من أفواههم؛ لأن المعنى: كبر خروجها، أي عظمت بشاعته وقباحته بمجرد التفوه به، فما بالك باعتقادهم له، وفي الحديث قيل للنبي ﵊: (إن أحدنا ليجد في نفسه ما أن يكون حممة أحب إليه من أن ينطق به)، يعني: أن يحترق حتى يكون فحمة سوداء أهون عليه من أن ينطق به بلسانه لكنه يجد في نفسه هذه الوساوس، فقال: (أوقد وجدتموه؟ ذلك صريح الإيمان، أو قال: الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة).
فالإنسان قد لا يقوى على النطق بهذه الوساوس، وقد ترد له بعض هذه الخواطر لكن من شدة استعظامها لا يمكنه النطق بها، فاجتراء المشركين على النطق بهذه الأشياء يدل على شناعة الفعل الذي أتوا به، فلذلك أتى بكلمة: (تخرج من أفواههم)، أي: كيف طاوعتهم أنفسهم أن يتفوهوا بهذه الكلمة فضلاً أن يعتقدوها؟ وقال بعض علماء العربية: إن قوله: (كبرت كلمة): معناه التعجب، فهو بمعنى: ما أكبرها كلمة! أو: أكبر بها كلمة! فهو أسلوب تعجب؛ لأن فَعُل بالضم تصاغ لإنشاء الذم والمدح، فتكون من باب نعم وبئس، ومنه قوله تعالى: (كبرت كلمة) كما هنا.
وإليه إشار ابن مالك في الخلاصة بقوله: واجعل كبئس ساء واجعل فعلا من ذي ثلاثة كنعم مرسلا إذا تقرر ذلك ففاعل كبر، ضمير محذوف، و (كلمة): نكرة مميزة للضمير المحذوف على حد قوله في الخلاصة: ويرفعان مضمراً يفسره مميز كنعم قوم معشره والمخصوص بالذم محذوف، والتقدير: كبرت هي كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة التي فاهوا بها، فالمخصوص بالذم تلك المقالة التي فاهوا بها، وهي قولهم: (اتخذ الله ولداً).
وأعرب بعضهم (كلمة): بأنها حال، أي: كبرت نيتهم في حال كونها كلمة خارجة من أفواههم، وهذا مذهب ضعيف! والصحيح أنها تمييز.
وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (تخرج من أفواههم): أي: ليس لها مستند سوى قولهم، ولا دليل لهم عليها إلا كذبهم وافتراؤهم، ولذا قال: (إن يقولون إلا كذباً).
وهذا المعنى له شواهد من القرآن كقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٦٧] ونحو ذلك من الآيات.
(إن يقولون إلا كذباً) الكذب هو مخالفة الخبر للواقع على أصح الأقوال.
(قالوا اتخذ الله ولدا): فعل وفاعل ومفعول، وكل هذه العبارة تذكرنا بقول ابن مالك: (وكلمة بها كلام قد يؤم)، يعني: قد تطلق الكلمة ويقصد بها مجموعة من الكلمات، كما تقول: قرأت كلمة لبيد، يعني: قصيدة لبيد، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ) [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]، ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون:١٠٠] أي: كل هذه أطلق عليها كلمة، فإذاً: قد يطلق على مجموعة من الكلمات لفظ كلمة، وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلأن جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩]، كل هذا أطلق عليه أيضاً كلمة.
قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (ولم يجعل له عوجا) -بكسر العين- في المعاني، أي يكون نفي العوج في المعاني، أما العوج في الشيء الحسي فهو ما كان منتصباً، تقول: هذا الحائط ليس فيه عوج بفتح العين.
وقرأ هذا الحرف حفص عن عاصم في الوصل (عوجا)، بالسكت على الألف المنزلة من التنوين، وهي سكتة يسيرة من غير تنفس إشعاراً بأن (قيماً) ليس متصلاً (بعوجا) في المعنى، بل للإشارة إلى أنه منصوب بفعل مقدر، أي: جعله قيماً، على أن الجار الأول منفي أما (قيماً) فهو مثبت فجاءت السكتة من أجل أن تفصل بين المنفي والمثبت، ونحن نريد في المعنى أن نثبت الاستقامة والقيمية، فلذلك جاءت هذه السكتة لتشير إلى أن (قيماً) منصوب بفعل مقدر، يعني: جعله قيماً.
(ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات): قرأ الجمهور بضم الياء وفتح الباء الموحدة، وكسر الشين المشددة، وقرأ حمزة والكسائي (يَبْشر) بفتح الياء وسكون الباء الموحدة.
стр. 1547
وجوب إنذار الكفرة بالقرآن
في قوله ﵎: ﴿قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ [الكهف:٢]، وقوله تعالى: ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [الكهف:٤] تنبيه إلى حقيقة مهمة جداً، وهي أنه ينبغي إنذار الكفار بالقرآن الكريم، وللأسف الشديد هناك فلسفة لا أدري ما مصدرها بالضبط، إذ بعض الناس المقصرين أو القاصرين يقول لك: لماذا تنذره بالقرآن وهو لم يؤمن بالقرآن؟ فيعطل بهذا أقوى أسلحة الإسلام في مجابهة الكافرين وإقامة الحجة عليهم.
فالقرآن هو أقوى مصادر إقامة الحجج، عقلية ونقلية وغيرها، فعجباً لمن يقول: الكافر نكلمه بأي لغة أخرى ما عدا الاستدلال بالقرآن الكريم وأحاديث النبي ﵊، بل نقول: ليس المطلوب أن يهتدي، بل المطلوب أن تبلغه هذه الحجة، كما قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩]، يعني: لأنذركم به يا معشر قريش الذين تعيشون معي وتسمعون مني مباشرة.
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢]، أي بالقرآن.
(لأنذركم به) أي: بهذا القرآن، (ومن بلغ)، يعني: ولأنذر أيضاً من بلغه القرآن ممن هم على وجه الأرض إلى قيام الساعة، فإذاً: نحن خلفاء النبي ﷺ ونوابه في هذه الأمة المحمدية، ومسئوليتها أن تقوم برسالة البلاغ؛ لأنها شاهدة على الأمم، قال تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣].
فهذا الكلام مفاده تعطيل الاحتجاج بالقرآن الكريم؛ بحجة أنهم لا يؤمنون به، بينما القرآن الكريم له سلطان على القلوب لا يوصف، كان يحدثنا أخ إنجليزي قبل أسبوع أو أكثر وكان ممن يصلي معنا صلاة القيام، وكان يقول لي: أنا أصلي مع الإخوة في المسجد فتنتابني القشعريرة والعظمة، وأشعر بسلطان قوي على قلبي؛ يقول: لكن كانوا حينما يدعون في القنوت لا أشعر بنفس التأثر مع أني لا أفهم معاني القرآن! يسمع القرآن فيشعر بسلطان القرآن على قلبه، أما عند الدعاء فلا يشعر بذلك لأنه ليس بقرآن حتى وإن كان الناس من حوله يبكون في الصلاة.
القرآن له سلطان على القلوب بلا شك، حتى على من سمع القرآن وهو لا يفهم معناه؛ لأنه كلام الله ، وإذا كانت الجبال تخشع: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) [الحشر:٢١]، فكيف بالقلب الحي؟! فإذاً قوة معاني القرآن وقوة ألفاظه هما من إعجاز القرآن الكريم.
وبلا شك أن هذه كلها عوامل مهمة جداً في إقامة الحجة على الناس وإنذارهم، فينبغي أن نتفطن لهذا الكلام ونلغي هذا المفهوم الذي يقول: كافر لم يسلم، ولم يؤمن بالقرآن، كيف تجادله بالقرآن؟
стр. 1548
تفسير قوله تعالى: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم)
قال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦].
قوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾، أي: مهلك نفسك، ﴿عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾، أي: بهذا القرآن، (أسفاً) أي: للتأسف على توليهم وإعراضهم عنه، والأسف: فرط الحزن والغضب.
و (لعل) للترجي وهو الطمع في الوقوع أو الإشفاق منه، يقول القاسمي: (لعل) هنا استعارة.
أي: وصلت إلى حالة يتوقع منك الناس ذلك، فمن شدة شفقته على الكافرين المعرضين عن القرآن الكريم، والذين سوف يهلكون بالنار إن استمروا على هذا الكفر، وصل إلى حالة يتوقع المشركون أنه سيموت غماً وأسفاً وحزناً وأسى.
إذاً (لعل) تكون للترجي؛ لكن ليست هنا للترجي، بل للطمع في الوقوع أو الإشفاق منه، أي: وصلت إلى حالة يتوقع منك الناس أنك مهلك نفسك بسبب هذا الحزن لما يشاهد من تأسفك على عدم إيمانهم، وفي النظم الكريم استعارة تمثيلية بتسجيل حاله معهم وقد تولوا وهو آسف من عدم هدايتهم بحال من فارقته أحبته فهم بقتل نفسه، أو كاد يهلك وجداً عليهم وتحسراً على آثارهم.
فكل ذلك كما قال القاسمي: إن الشفقة على خلق الله والرحمة عليهم من لوازم محبة الله ونتائجه، ولما كان ﷺ حبيب الله، ومن لوازم محبوبيته محبته لله لقوله تعالى ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، وكلما كانت محبته للحق أقوى كان شفقته ورحمته على خلقه أكثر؛ لكون الشفقة عليهم ضمن محبته لله، وأشد تعطفه عليهم، فإنهم كأولاده وأقاربه بل كأعضائه وجوارحه في الشهود الحقيقي، فلذلك بالغ في التأسف عليهم حتى كاد يهلك نفسه ﵊، فهو لا يسألهم أجراً ولا يريد منهم جزاء ولا شكوراً، إنما يريد لهم السعادة والنجاة، ويشفق عليهم من عذاب الله، كما صرح ﷺ الذي بعثه الله رحمة للعالمين، فقال في الحديث المتفق عليه: (إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيه، فأخذ يذبهن بيده وهن يتقحمن فيها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي).
هذا تصوير لحاله ﷺ مع الخلق، فهو من شدة الشفقة والرحمة لهؤلاء الخلق يشفق عليهم من العذاب فمن هلك يهلك رغماً عنه، وهو يحاول أن ينقذه بقدر الاستطاعة ﷺ ، فشبه حاله بحال رجل أوقد ناراً في الظلام، والفراشة ليس لها عقل فإذا رأت ضوءاً في الظلمة، ظنته كوة تنفذ إلى الضياء في الخارج، مثل أي نافذة في غرفة مظلمة تنفذ إلى نور الشمس في الخارج، فتريد أن تخرج إلى الضياء فتنجذب إليه، فإذا نفذت ظنت أنها قد بعدت عن هذه الفتحة، فتعود من جديد لهذا الضوء، فإذا بها تطالها النيران وتحرقها، فهذا الرجل من شدة شفقته على هذا الفراش الذي ليس عنده عقل، جعل يذبهن بيده؛ فيشبه النبي ﵊ نفسه مع هذه الأمة -أمة الدعوة- أنه واقف على شفير جهنم، وهم يندفعون إليها بأقصى قوتهم، ويلقوا أنفسهم في النار وهو مشفق عليهم من هذا المصير، فجعل يذبهم ويدفعهم بيده، ليمسك بهم بأي طريق، ولو عشوائية.
(وأنا آخذ بحجزكم عن النار)، الحجزة: موضع الخصر وفيها مركز ثقل الإنسان، فهو يحاول أن يمسكهم لأجل أن ينقذهم من النار، لكنهم يقاومونه ويلقون بأنفسهم في النار، فهذه صورته ﵊ التي وصلت إلى حد أنه يكاد يهلك من شدة الحزن والشفقة عليهم أن يهلكوا في النار؛ فهل توجد رحمة بالبشرية أعظم من هذه الرحمة؟ لا توجد على الإطلاق، ولذلك فإن عدو البشرية كلها هو الذي يشوه الإسلام أو يصد الناس عنه، لأنه يحرمهم من أعظم حق من حقوق الإنسان.
هؤلاء الضالون الكفرة: أمريكا ومن معها يتعلقون بشماعة حقوق الإنسان لاستذلال الأمم وقهرها، لكنهم أفلسوا تماماً، فأعظم حق من حقوق الإنسان أن لا يحال بينه وبين السعادة الأبدية وأن ينقذ من الموت، ومن الخلود فيها، والحياة في النار عذاب أليم بشع شنيع بلا نهاية، قال النبي ﵊ عن هذه النار: (ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم)، يعني: نار الآخرة أقوى من النار التي في الدنيا سبعين مرة، هل الإنسان يطيق حمل كوب من الشاي؟ لن يستطيع الإنسان، هل سيقرب بدنه إلى النار بواحد على سبعين، فما بالك بهذا العذاب الرهيب الذي وصفه الله ، وهذا كلام حقيقي وسيقع قطعاً، فالنار موجودة الآن وتنتظر سكانها والعياذ بالله.
فالشاهد أن الموضوع خطير، والدعوة الإسلامية ما هي إلا إنقاذ للبشرية، وكما أنزل الله القرآن، وأرسل الرسول وجاهد الصحابة لحمل هذا النور إلى العالمين، فيحاول هؤلاء الكفار أن يطفئوا نور الله بكل الأساليب القذرة، تارة بتسليط خبيث مصر سلمان رشدي، وتارة بالتشنيع على الإسلام ليل نهار، والإعلام الآن في العالم كله معه، ليس له شغل غير التشنيع على الإسلام والغمز واللمز، وتسليط وكلائهم ونوابهم من العلمانيين والصحفيين الفجرة بالطعن في الدين ليل نهار، كل هؤلاء يتآمرون على البشرية، وهم يضيعون أعظم حق من حقوق الإنسان وهو -على الأقل- أن يطلع على الإسلام في صورته الصحيحة، لكنهم يشوهون لأنهم (يبغونها عوجا) يصورون (سبيل الله) على أنها طريقة معوجة.
هذا كله جريمة في حق البشرية كلها؛ لأنه وضع حواجز دون إنقاذ الناس من النار، ودون الفوز بسعادة الدنيا وسعادة الآخرة، فهل هناك حق للإنسان أعظم من هذا؟ هؤلاء هم الذين يضيعون حق الإنسان.
فانظر إلى رحمة النبي ﷺ بهؤلاء القوم مع كفرهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٤ - ٧٥]، لا يخفف عنهم أبداً، وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧]، أعظم أمنية أن يموتوا حتى يتوقف العذاب، ولكن انظر إلى
الجواب
﴿ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٧ - ٧٨].
فإذاً المصير خطير جداً، الدنيا أيام وتنقضي مهما طال العمر، ثم يكون الإنسان إما إلى الجنة في سعادة أبدية، وإما في شقاء أبدي لا يتوقف، فلو قلنا حضارة فرعون لها سبعة آلاف سنة إلى الآن، وقال تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا) [غافر:٤٥ - ٤٦]، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] فمعناه أنه منذ سبعة آلاف سنة وهو يعرض غدواً وعشياً على النار، وكم عاش، وكم كان عمره؟ مائة سنة، مائتين سنة، فالعذاب أطول بكثير، ثم انظر إلى الخلود؛ لأنه كان ينوي الكفر إلى الأبد، ولذلك عاقبه الله بعذاب مؤبد بلا نهاية، فالأمر جد خطير، ولذلك أوصي نفسي وإخواني بأن يتأملوا قليلاً في قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن:٢٣] سواء كانت في حق أهل الجنة أو في حق أهل النار؟ فالأمر في غاية الخطورة، ولو أن الإنسان تفكر فيه لما أكل ولا شرب ولا نام ولا هناه عيش.
قوله : (فلعلك باخع نفسك على آثارهم).
يقول الشنقيطي: اعلم أولاً أن لفظة (لعل) تكون للترجي في المحبوب، وللإشفاق في المحذور، واستظهر أبو حيان في البحر المحيط: أن لعل في قوله تعالى: (فلعلك باخع نفسك)، للإشفاق عليه ﷺ أن يبخع نفسه لعدم إيمانهم به.
يعني كأن ربنا يقول له: أنت تهلك نفسك شفقة عليهم، فليست (لعل) للشك، وإنما هي مقدرة بالاستفهام الذي يعنى به التقرير، فالمعنى: هل أنت قاتل نفسك؟ لا ينبغي أن يطول أسفك على إعراضهم فإن من حكمنا عليه بالشقوة لا تجدي عليه الحسرة.
وقال بعضهم: إن (لعل) في الآية للنهي، وممن قال به العسكري، وعلى هذا فالمعنى: لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم، وقيل: هي في الآية للاستفهام المضمن معنى الإنكار.
يقول الشنقيطي: وأظهر هذه الأقوال عندي في معنى (لعل): أن المراد بها في الآية النهي على الحزن عليه.
يقول: إن إطلاق (لعل) مضمنة معنى النهي في مثل هذه الآية أسلوب عربي يدل عليه سياق الكلام، ومن الأدلة على أن المراد بها النهي عن ذلك: كثرة ورود النهي صريحاً عن ذلك، كقوله تعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨])، ويقوي هذا المنحى وجود النهي عن أن يقتل نفسه حسرة عليهم في آية أخرى، وخير ما يفسر به القرآن القرآن، وقال تعالى: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل:٧٠]، وقال تعالى: ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٦٨] إلى غير ذلك من الآيات.
والباخع: المهلك، أي: مهلك نفسك من شدة الأسف على عدم إيمانهم، ومنه قول ذي الرمة: ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه بشيء نحته عن يديه المقادر أي: الذي سيهلك الحزن نفسه.
وقوله: (على آثارهم) قال القرطبي: الآثار جمع أثر.
ويقال: إثر، فالمعنى: على أثر توليهم وإعراضهم عنك.
وقال أبو حيان في البحر: ومعنى (على آثارهم) من بعدهم، أي: بعد يأسك من إيمانهم، أو بعد موتهم على الكفر، يقال: مات فلان أثر فلان.
أي: بعده، أو: (لعلك باخع نفسك على آثارهم)، يعني: أنت تحزن عليهم بعد ما ماتوا على الكفر، ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٦٨] فهم لا يستحقون ذلك.
قال الزمخشري: شبهه وإياهم حينما تولوا عنه ولم يؤمنوا به وما دا
стр. 1549
تفسير سورة الكهف [٣٢ - ٥٩]
стр. 1550
تفسير قوله تعالى: (واضرب لهم مثلاً رجلين)
يقول ﵎: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ [الكهف:٣٢].
стр. 1551
مجمل تفسير الآيات المتعلقة بقصة الرجلين
((وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا))، أي: مثلاً للمؤمن والكافر، ((رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ))، وهي أعز ما يؤثره أولئك في تأزير كرومهم بالأشجار، وأعز شيء عند هؤلاء الناس أن تكون الجنات من الأعناب ثم تحاط بالنخل.
((وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا))، أي: بين الجنتين أو بين النخيل والأعناب.
((زَرْعًا))، يعني: فحصد منهما الفواكه والأقوات؛ لأن النخيل والأعناب فواكه، أما الزرع فهو القوت، فحصد لهما الفواكه والأقوات فكانتا منشأ الثروة والجاه.
((كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا))، أي: آتت ثمرتها كلها كاملة، ((وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا)) ولم تنقص منه شيئاً، ((وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا))، يعني: فجرنا فيما بين هاتين الجنتين نهراً -بفتح الهاء- يسقي الأشجار والزروع، ويزيد في بهجة مرآهما تتميماً لحسنهما.
((وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ)) كان لصاحب الجنتين أنواع من المال غير الجنتين، مأخوذ من ثمر ماله إذا كثر، وقوله هنا: (وكان له ثمر)، لا يراد به الثمر الذي هو ثمر الفواكه متى وجبت، فإن هذا مما سبق ذكره، لكن المقصود أنواع من المال غير هاتين الجنتين مشتق من (ثمر ماله) إذا كثر.
((فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ)) أي: وهو يراجعه الكلام تعييراً له بالفقر فخراً عليه بالمال وبما أوتي من الجاه، ((أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا)) أي: أنصاراً وحشماً.
((وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ))، يعني: اصطحب صاحبه هذا الذي كان يعايره بالفقر وأنه أكثر منه مالاً وأنصاراً وحشماً، وأخذ يطوف به في هاتين الجنتين، ويفاخره بما فيهما، كما يدل عليه السياق.
وإفراد الجنة هنا مع أن له جنتين كما نص لأمور: الأمر الأول: إما لعدم تعلق الغرض بتعددها، فقوله تعالى: ((وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ)) هذا سياق في تعداد نعم الله عليه أنهما جنتان وليس جنة واحدة.
الأمر الثاني: لاتصال الجنتين ببعضهما بحيث صارتا كأنهما جنة واحدة.
الأمر الثالث: لأن الدخول يكون في واحدة ثم في التي تليها.
الأمر الرابع: قيل الإضافة تأتي بمعنى اللام، فالمراد بها العموم والاستغراق، أي: دخل كل ما هو جنة له يتمتع بها، فيفيد ما أفادته التثنية مع زيادة، وهي الإشارة إلى أنه لا جنة غير هذه.
стр. 1552
أثر الكبر والعجب في سلب نعم الله
قوله: ((وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ))، أي: بما يوجب سلب النعمة وهو الكفر والعجب؛ لأنه تلبس بهاتين القبيحتين، كفره بالله ثم الغرور والكبر والعجب، أو ((وهو ظالم لنفسه)) ظلمه لها إما بمعنى تنقيصها وطلبها بتعريض نعمته للزوال ونفسه للهلاك.
فهو يسيء إلى نفسه وينقصها ويضرها؛ لأنه يأخذ بالأسباب التي تستلزم زوال هذه النعمة وهلاك نفسه، أو (الظلم) بمعنى: وضع الشيء في غير موضعه؛ لأن مقتضى ما شاهده التواضع لله الذي رزقه هذه النعم لا العجب بها وظنها لا تبيد أبداً، والكفر بإنكار البعث كما يفيد قوله: ((قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ))، أي: تهلك وتفنى، ((هذه)) أي: الجنة، ((أبداً)) لاعتقاده أبدية الدهر، وألا كون سوى ما تقع عليه مشاعره، فلا يؤمن بالغيب، وإنما يعتقد أن الحياة الدنيا باقية إلى ما لا نهاية، ولذلك أردف قوله: ((مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا)) بقوله: ((وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً))، فهذا دليل كفره وتكذيبه بالغيب.
((وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً))، أي: كائنة آتية، ((وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا)) إقساماً منه على أنه حتى وإن رد إلى ربه يوم القيامة -على التسليم بوقوعه- فكما أكرمني الله في الدنيا فلابد أن يكرمني في الآخرة، فهو يقول لصاحبه: حتى لو كان كلامك صحيحاً وأننا سنبعث وننشر ونرد إلى الله، لأجدن في الآخرة خيراً من جنتي هذه في الدنيا؛ تمنياً على الله، وادعاء لكرامته عليه، ومكانته عنده، وأنه ما أولاه الجنتين إلا باستحقاقه واستئهاله، وأن معه هذا الاستحقاق أينما توجه، وكما استحق ذلك في الدنيا فلابد أن يملك هذه الأهلية وهذا الاستحقاق للإكرام في الآخرة.
وهذا بلاك شك من ضعف عقله، كما قال ﵎ ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر:١٥] كما قال هذا، ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ﴾ [الفجر:١٦]: امتحنه ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر:١٦]، وليس الأمر كما تظنون، فليس كل من أعطيه وأكرمه أكون قد أكرمته بالفعل، وليس كل من امتحنته وابتليته أكون قد أهنته؛ لكن أبتلي هذا بالنعم لأنظر أيشكر أم يكفر؟ وأبتلي هذا بالنقم لأنظر أيصبر أم يجزع؟ فهذه ألوان متعددة من العبودية لله ، فهذا ظن أنه نال هذه الأشياء عن جدارة، وأن له أهلية واستحقاقاً لنعمة الله دنيا وأخرى.
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت:٥٠]، ومثل هذا من يسيطر عليه تصور كيف أن أمريكا والأمريكان وأهل الغرب الآن في تقلبهم في البلاد واغترارهم بالدنيا وزخرفها، وتعاليهم في البنيان، واهتمامهم بزخرفة الدنيا، كما قال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ [يونس:٢٤]، فأصبحوا في حالة اغترار يفوق الوصف بما هم عليه من التقلب في البلاد، ومن إملاء الله لهم، ومن ابتلائهم بالنعم وهم يزدادون في العتو والكفران.
وقول الله عن الكافر أيضاً: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم:٧٧ - ٧٨].
وقوله: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف:٣٦]، أي: مرجعاً وعاقبة، فكفر بالقول بقدم العالم، ((ما أظن أن تبيد هذه أبداً))، كذلك كان ينفي حشر الأجساد، ((وما أظن الساعة قائمة)) وهذا أيضاً كفر، واعتقد عكس الجزاء لما قال: ((لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا)) والقول بقدم العالم ينفي اختيار الصانع وإرادته، وبإنكار حشر الأجساد ينفي قدرته على الإعادة، وكأنه ينسب إلى الله سبحانه أنه غير قادر على البعث والنشور، والقول بعكس الجزاء ينفي الحكمة الإلهية، ومع ذلك فهو ينتظر أن يثاب على الكفر بما هو الأحسن والحسنى وبما هو أفضل وأعظم، فهذا بلا شك أيضاً ينافي حكمة الله لأن الجزاء من جنس العمل، فكيف يكفر بالله بهذه الصورة وينتظر أن يثاب على كفره في الآخرة؟! فهذا عكس الجزاء، وهو ينافي الحكمة الإلهية.
стр. 1553
تفسير قوله تعالى: (قال له صاحبه فلن تستطيع له طلباً)
يقول ﵎: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ [الكهف:٣٧ - ٤١].
((قال له صاحبه)) الذي عيره بالفقر، وقال له وهو يعيره بما يستحق أن يعير به، فهو يعيره بالفقر وهذا لا يد له فيه، والفقر ليس مما يعير به لأن المال غاد ورائح، فرد عليه وعيره بالكفر، فقال: ((أكفرت بالذي خلقك من تراب)).
وقوله: ((وهو يحاوره)) أي: يراجعه كلام التعيير على الفقر وفي سياق الإنكار عليه في هذا المسلك: ((أكفرت بالذي خلقك من تراب)) فجعل التراب نباتاً، ثم جعله غذاء يتولد منه النطفة، (ثم سواك رجلاً)، أي: كملك وعدلك فكنت إنساناً ذكراً بالغاً مبلغ الرجال.
قال أبو السعود: والتعبير عنه تعالى بالموصول للإشعار بعلية ما في حيز الصلة لإنكار الكفر.
يعني: لم يقل تعالى: (قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالله)، بل آثر النص الكريم استعمال لفظ (الذي)؛ لأن (الذي) ستأتي بعده صفة من صفات الله ، وفعل مهم له تعلق أساسي بهذا الموضوع، يشعر بعلية ما في حيز الصفة لإنكار الكفر، يعني: إنما أنكر عليك الكفر لأنك كفرت بالله وقد خلقك من تراب، ثم من نطفة، ثم سواك رجلاً، والتلويح بدليل البعث الذي وافق به قوله عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [الحج:٥] إلى آخره، فهو يريد في هذا السياق استعمال الاسم الموصول بدل لفظ الجلالة الصريح لإنكار الكفر عليه.
ثانياً: للتلويح بدليل البعث والنشور؛ لأن الله إذا كان هو الذي خلقنا من تراب فإنه أقدر على أن يبعثنا بعد أن نموت ونصير تراباً، كما قد صرح به تعالى في قوله: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ))، وكما قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ) [البقرة:٢٨].
قال ابن كثير: أي: كيف تجحدون ربكم، ودلالته عليكم ظاهرة جلية، كل أحد يعلمها من نفسه؛ فإنه ما من أحد من المخلوقات إلا ويعلم أنه كان معدوماً ثم وجد، وليس وجوده من نفسه، ولا مستنداً إلى شيء من المخلوقات؛ لأنه بمثابته.
أي: كيف يستند وجوده إلى موجود مثله؟! وهو مثله عاجز عن أن يفعل ذلك.
قال: فعلم إسناد إيجاده إلى خالقه، وهو الله الذي لا إله إلا هو خالق كل شيء، ولهذا قال المؤمن: ((لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا))، أي: لكن أنا لا أقول بمقالتك، بل أعترف لله بالوحدانية والربوبية، ((ولا أشرك بربي أحداً)) أي: بل هو الله المعبود وحده لا شريك له من العلويات والسفليات، لا أحد من والسماوات ولا من الأرضين.
وقرأ ابن عامر (لكنا) بإثبات الألف وصلاً ووقفاً، وقرأ حفص بحذفها وصلاً وبإثباتها وقفاً، فالوقف أصله لكن أنا، فحذفت الهمزة ثم أدغمت النون في مثلها فصار (لكن) ثم ألحق ألف إجراء للوصل مجرى الوقف، لأن الوقف على (أنا) بالألف، ولأن الألف تدل على أن الأصل (لكن أنا) وبغيرها يلزم اللبس بينها وبين (لكنَّ) المشددة.
قال الزمخشري: ونحوه قول القائل: وترمينني بالطرف أي أنت مذنب وتقلينني لكن إياك لا أقلي أي: أنا لا أقليك، والقلى هو الهجر، ومنه قول الآخر: ولو كنت ضبياً عرفت قرابتي ولكنّ زنجي عظيم المشافر يعني: ولكن أنا زندي عظيم المكاسر.
стр. 1554
تفسير قوله تعالى: (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله)
يقول تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف:٣٩].
((ولولا)) يعني: هلا قلت عند دخولها هذا الذكر: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
قال الزمخشري: يجوز أن تكون (ما) موصولة، يعني: الأمر ما شاء الله، أو: شرطية منصوبة بالموضع، والجزاء محذوف، بمعنى: أي شيء شاء الله كان، والمعنى: هلا قلت عند دخولها والنظر إلى ما رزقك الله منها: الأمر ما شاء الله؛ اعترافاً بأنها وكل خير فيها إنما حصل بمشيئة الله وفضله، وأن أمرها بيده إن شاء تركها عامرة، وإن شاء خربها، وقلت أيضاً بجانب ما شاء الله: لا قوة إلا بالله؛ إقراراً بأن ما قويت به على عمارتها وتسديد أمرها إنما هو بمعونته وتأييده، فالله هو من يعمر هاتين الجنتين ويدبر أمرهما لا بحولي وفضلي، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وإنما تم ذلك بمعونته وتأييده.
إذاً: لا يقوى أحد في بدنه ولا ملك يده إلا بالله تعالى، والقصد من الجملتين: التبرؤ من الحول والقوة، وإسناد ما أوتيت إلى مشيئة الله وقوته وحده.
ثم أشار له صاحبه بأن تعييره إياه بالفقر لا يبعد أن ينعكس عليه، يعني: أنت تعيرني بالفقر وأنت لا تأمن أن يعاقبك الله بفقر أشد منه؛ فإن الأمر كله لله ، فقال له: ((إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا))، يعني: إن اغتررت بأن رأيتني أقل منك مالاً وولداً فعيرتني بالفقر، ((فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ))، في الدنيا ((وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا))، يعني: مقداراً قدره الله وحسبه، وهو الحكم بتدميرها من صواعق وآفات علوية، ((فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا))، أي: تراباً أملس لا تثبت فيها قدم لملاستها.
((أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا))، أو يهلكها لا بآفات عليا كالحسبان، وإنما يهلكها بآفة من جهة الأرض بأن يصبح ماؤها غائراً في الأرض، ((فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا)) أي: حيلة تدركه بها بالحفر أو بغيره.
وقوله تعالى: (إن ترن)، وقوله: (أن يؤتين) رسم بدون ياء؛ لأنها من ياءات الزوائد، وأما في النطق فبعضهم يثبتها وبعضهم يحذفها، وهذا يبين لنا أن القرآن يؤخذ بالمشافهة؛ لأنه في الحالتين تكتب في المصحف بدون ياء، لكن من حيث القراءة فهناك قراءة بإثبات الياء وأخرى بحذف الياء.
стр. 1555
تفسير قوله تعالى: (وأحيط بثمره وما كان منتصراً)
﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا﴾ [الكهف:٤٢ - ٤٣].
((وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ))، أي: بإهلاكه فلم يبق له فيها ثمرة، وأصله من أحاط به العدو؛ لأنه إذا أحاط به فقد ملكه واستولى عليه، ثم استعمل في كل إهلاك، ومنها قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف:٦٦]، ومثله قوله: أتى عليه: إذا أهلكه، وأصلها: أتى عليه العدو إذا جاءه مستعلياً عليه.
وشبه إهلاك جنتين بما فيهما بإهلاك قوم بجيش عدو أحاط بهم وأوقع بهم بحيث لم ينج منهم أحد.
((فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا))، أي: فعير هو نفسه أكثر من تعييره صاحبه وتعيير صاحبه إياه، فعاد بالحسرة والتلوم والتندم، ومن شدة حسرته ظل يقلب كفيه على ما أنفق فيها.
قال الزمخشري: تقليب الكفين كناية عن الندم والتحسر، لأن النادم يقلب كفيه ظهراً لبطن، كما كني عن ذلك بعضّ الكف، وكذلك سقوط اليد ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف:١٤٩]، ولأنه في معنى الندم عدي بتعديته بعلى، أي: ((فأصبح يقلب كفيه)) ندماً ((على ما أنفق فيها))، كأنه قيل: أصبح يندم على ما أنفق فيها وفي عمارتها، فيكون ظرفاً لغواً ويجوز كونه ظرفاً مستقراً.
والمقصود أنه كان متحسراً، والتحسر هو الحزن، وهو أخص من الندم؛ لأنه الغم على ما فات.
((وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا)) أي: ساقطة عليها، والعروش: جمع عرش وهو ما يبنى ليوضع عليه شيء، فإذا سقط سقط ما عليه، يعني: أن كرومها المعروشة سقطت عن الأرض، وسقطت ومن فوقها كروم العنب بحيث قاربت أن تصير -صعيداً زلقاً- تراباً أملس.
((وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا))، يعني: من الأوثان، وذلك أنه تذكر موعظة أخيه؛ فعلم أنه أتي من جهة شركه وطغيانه، فتمنى لو لم يكن مشركاً حتى لا يهلك الله بستانه.
((وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ))، لم تكن له منعة وقوم، ((يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ)) أي: يقدرون على نصرته من دون الله كما افتخر بهم واستعز على صاحبه، كان يقول: أنا ذو الحسب والنسب، وأنا صاحب الحشم والخدم، ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف:٣٤] فما نفعه أحد من هؤلاء النفر، ولم تعد له فئة بعد ما كان يبطر ينصرونه من دون الله ((وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا)) يعني: ما كان ممتنعاً بنفسه وقوته عن انتقام الله .
стр. 1556
تفسير قوله تعالى: (هنالك الولاية لله الحق)
﴿هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف:٤٤] ((هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا))، أي: في ذلك المقام وتلك الحال التي وقع فيها الإهلاك هنالك ((الولاية)) أي: النصرة ((لله)) وحده لا يقدر عليها أحد غيره، فالجملة مقررة ومؤكدة لقوله: ((ولم تكن لهم فئة ينصرونه)) بمعنى: أن الولاية لله ينصر بها أولياءه المؤمنين على المشركين، كما نصر على الكافر صاحبه المؤمن، وصدق قوله: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الكهف:٤٠]، ويعضده قوله تعالى: ((هو خير ثواباً وخير عقباً))، أي: لأوليائه، فلا ينقص لمؤمن درجة لدناءته في الدنيا، ولا يترك لكافر عقوبة لشرفه، بل يعاقبه بذنبه ويظهر فضل المؤمن عليه.
وقرئت ((الولاية)) بكسر الواو، بمعنى السلطان والملك، أما (الولاية) بفتح الواو النصرة، فعلى الأولى يكون المعنى: هنالك السلطان له والملك فلا يغلب ولا يمتنع منه، وعلى الثانية: أنه في مثل تلك الحال الشديدة يتولى الله ويؤمن به كل مضطر؛ لأن هذا الرجل قال: ((يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا))، ففي هذه الحالة تاب وعاد إلى الله ، فهذه كلمة ألجئ إليها فقالها لما اضطر إليها بعد مجهود، فقالها جزعاً مما دهاه من شؤم كفره، ولولا ذلك لم يقلها، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر:٨٤]، وكقوله إخباراً عن فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩٠ - ٩١].
أو أن قوله تعالى (هنالك الولاية) إشارة إلى الآخرة، أي: في تلك الدار تكون الولاية لله تعالى، كقوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦]، ويناسبه قوله: ((هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا))، و (هنالك) على الأوجه المتقدمة يكون خبراً متقدماً، والولاية: مبتدأ مؤخراً، والوقف على (منتصراً).
((هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ)) قرئت (الحق) بالرفع صفة للولاية، وبالنصب على المصدر المؤكد لمضمون الجملة المذكور والعامل مقدر، وبالجر كما هي قراءة حفص عن عاصم صفة للفظ الجلالة.
((هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا)) قرأ بسكون القاف وضمها وهما: العاقبة.
стр. 1557
تفسير قوله تعالى: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا)
قال : ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف:٤٥].
((واضرب لهم مثل الحياة الدنيا)) أي: اذكر لهم ما يشبه هذه الدنيا في زخرفها وسرعة زوالها.
((كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض)) أي: فالتف بسببه وتكاثف حتى خالط بعضه بعضاً، فشب وحسن وعلاه الزهر والنور ((فأصبح هشيماً)) بعدما كان في حالة الزهو أصبح جافاً يابساً مكسوراً، ((تذروه الرياح)) تفرقه وتنفثه ذات اليمين وذات الشمال كأن لم يكن، وهكذا حال الدنيا وحال مجرميها؛ فإن ما نالهم من شرف الحياة كالذي حصل في النبات من شرف النمو ثم يزولون زوال النبات، ((وكان الله على كل شيء مقتدراً)) أي: على كل من الإنشاء والإفناء كامل القدرة.
ولما كان هذا المثل للحياة الدنيا من أبهى المثل وأبدعها ضرب كثيراً في التنزيل، كقوله تعالى في سورة يونس: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ) [يونس:٢٤]، وقال تعالى أيضاً في سورة الزمر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ) [الزمر:٢١]، وفي الحديد: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد:٢٠] إلى آخر الآية.
стр. 1558
تفسير قوله تعالى: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا)
ثم بين تعالى شأن ما كانوا يفتخرون به من محسنات الدنيا، فقال: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف:٤٦].
((المال والبنون زينة الحياة الدنيا)) وذلك لإعانتها فيها ووجود الشرف بهما، ثم أشار أنهما ليسا من أسباب الشرف الأخروي؛ إذ لا يحتاج فيها إليهما في الآخرة، أما في الدنيا فهما ترف وزينة، لأن المال والبنين يعاونان صاحبهما، لكن هذا ليس من أسباب الشرف الأخروي، فقال : ((والباقيات الصالحات)) أي: المال والبنون لا يبقيان وهما زينة الحياة الدنيا ومصيرهما مصير الحياة الدنيا الذي بينه في الآية السابقة، لكن الباقيات الصالحات خير منهما، ((عند ربك ثواباً وخير أملاً)) أي: الأعمال التي تبقى ثمراتها الأخروية من الاعتقادات والأخلاق والعبادات الكاملات خير عند ربك من المال والبنين في الجزاء والفائدة، وخير مما يتعلق بهما من الأمل؛ فإن ما ينال بالمال والولد أو البنين من الآمال والإنجازات في الدنيا غايتها أنها تكون إلى زوال، أما ما ينال من الآمال في الأعمال الصالحات فإنه باق، يقول: وما ينال بالباقيات الصالحات من منازل القرب الرباني والنعيم الأبدي لا يزول ولا يحول.
وقدم المال على البنين لعراقته فيما نيط به من الزينة والإمداد، يعني: المال عنصر عريق وعنصر أساسي بما يربط به من الزينة والإمداد، ولكون الحاجة إليه ماسة؛ ولأن المال زينة ولو بدون بنين، وقد يوجد رجل عنده بنون بدون مال فلا يكون زينة، ولكن إذا كان المال قد يكون زينة لصاحبه ولو لم يكن هناك بنون، ولذلك قدم ذكر المال على البنين.
وأفردت الزينة، مع أنها مسندة إلى الاثنين لأنها مصدر في الأصل أطلق على المفعول مبالغة، وإضافتها إلى الحياة اختصاصية؛ لأن زينتها مختصة بها.
وقال: ((الباقيات الصالحات)) ولم يقل: (الأعمال التي تبقى)، وكأن الأمر مفروغ منه، وللإيذان بأن بقاءها أمر محقق لا حاجة إلى بيانه، بل لفظ: ((الباقيات)) اسم لها لا وصف، ولذلك لم يذكر الموصوف، وإنما يحتاج إلى التعرض لخيريتها.
وقال: ((والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً))، فكرر (خير) للإشعار باختلاف حيثيتين.
أي: الخيرية والمبالغة مع زيادة.
ووقع في كلام السلف تفسير الباقيات الصالحات: بالصلوات والأعمال الحسنة والصدقات والصوم والجهاد والعتق وقول: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)، أي: الكلام الطيب، وبغيرهما مما روي مرفوعاً وموقوفاً، والمرفوع من ذلك كله لم يخرج في الصحيحين، وكله على طريق التمثيل، واللفظ الكريم يتناولها لكونها من أفراده.
يعني: لا تعارض بين العموم التي ذكرناه في تفسير الباقيات الصالحات وبين الخصوص الوارد في بعض الأحاديث على أنه من أفرادها، كما يقول النبي ﵊: (من قال: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات ومعقبات ومجنبات من الجانبين، وهن الباقيات الصالحات)، أو كما قال ﷺ .
стр. 1559
تفسير قوله تعالى: (ويوم نسير الجبال ولا يظلم ربك أحداً)
﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٧ - ٤٩].
أشار تعالى إلى تحذير المشركين من أهوال القيامة التي هي الوعد الحق، والفيصل الصدق بقوله سبحانه: ((وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا)).
((ويوم نسير الجبال)) أي: اذكر يوم نقلعها من أماكنها ونسيرها في الجو أو نيسر أجزاءها بعد أن نجعلها هباءً منثوراً، كما ينبئ عنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ) [النمل:٨٨].
((وترى الأرض بارزة)) لبروز ما تحت الجبال، أي: ظهورها بنفسها وبروز ما عداها بزوال الجبال والكهوف حتى تبدو للعيان سطحاً مستوياً لا بناء ولا شجر ولا معلم ولا ما سوى ذلك.
((وحشرناهم)) أي: جمعناهم إلى موقف الحساب.
((فلم نغادر منهم أحداً)) يعني: لم نترك منهم أحداً، لا صغيراً ولا كبيراً، كما قال: ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة:٤٩ - ٥٠]، وقال : ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود:١٠٣].
((وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا))، أي: مصطفين مترتبين في المواقف لا يزحم بعضهم بعضاً كل في رتبته، وقال أبو السعود (صفاً)، أي: لا متفرقين ولا مختلطين، فلا تعرض فيه لوحدة الصف وتعدده، وإنما المقصود غير متفرقين ولا مختلطين.
قال الزمخشري: شبهت حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان مصطفين ظاهرين، يرى جماعتهم كما يرى كل واحد، لا يحجب أحد أحداً.
((لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ))، يعني: بلا مال ولا بنين وخلفتكم وراءكم هذه الزينة، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾ [الأنعام:٩٤]، أي تركتم ما أعطيناكم وراء ظهوركم.
أو: لقد بعثناكم وجئنا بكم كما خلقناكم وأنشأناكم في أول مرة، والكلام فيه تقريع للمنكرين للمعاد، وتوبيخ لهم على رءوس الأشهاد، بل زعمتم بإنكاركم البعث: ((أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا)) أي: وقتاً لإنجاز ما وعدناكم من البعث والنشور والحساب والجزاء.
(وبل) للخروج من قصة إلى أخرى، فالإضراب انتقالي لا إبطالي، والإضراب الإبطالي لإضراب ما بعدها عما قبلها، فيكون فيه إبطال ما قبلها، تقول: جاء محمد بل علي، أما الانتقالي فيستعمل للخروج من قصة إلى أخرى وهو المذكور هنا، ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف:٤٨].
((وَوُضِعَ الْكِتَابُ))، أي: صحائف الأعمال بين يدي الله بحضرة الخلائق.
((فترى المجرمين مشفقين)) خائفين أن يفتضحوا ((مما فيه)) أي: من أعمالهم السيئة المسطرة.
((وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا))، يعني: يا هلكتنا وحسرتنا على ما فرطنا في أعمالنا.
قال القاشاني: يدعون الهلكة التي هلكوا بها من أثر العقيدة الفاسدة والأعمال السيئة.
((مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها)) أي: أي شأن حصل لهذا الكتاب؛ فلا يترك ذنباً صغيراً ولا كبيراً إلا ضبطه وحفظه؟ والاستفهام مجاز عن التعجب في إحصائه كل المعاصي وعده مقاديرها وأوصافها، وعدم تسامحه في شيء منها.
يقول البقاعي رحمه الله تعالى: (إن لام الجر رسمت مفصولة) هذا من علم تدوين المصحف الشريف، والطريقة التي حفظ بها القرآن سواء من حيث حفظه بالسطور أو بالصدور آية من آيات الله سبحانه، ولا يعقلها إلا العالمون.
يقول البقاعي رحمه الله تعالى: وهذه إشارة إلى أنه لشدة الكرب يقفون على بعض الكلم، ويقطعون الكلمة من شدة الخوف والفزع، وهذا من لطائفه رحمه الله تعالى.
وهذه اللطيفة لها نظائر كثيرة في القرآن، وضبط رسم المصحف له كثير من الحكم كما وقفنا عليه في هذا الموطن.
((مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا))، كل شيء فعله الإنسان سوف يجده مدوناً حتى فتاته في الطين، وسوف يسأل عن هذا: لم فعلت ذلك؟ قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران:٣٠]، وقال : ﴿يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة:١٣].
((وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا))، فالله منزه عن الظلم، ولا يقع منه ظلم أبداً، فلن يكتب على الإنسان شيئاً لم يعمله، ولن يزيد في عقابه الذي يستحقه.
стр. 1560
تفسير قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم)
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:٥٠].
ثم أشار تعالى إلى أن الكفر والعصيان مصدره طاعة الشيطان وإيثاره على الرحمن، والشيطان أعدى الأعداء وأفسق الفساق، فلا يتولاه إلا من سفه نفسه، وحاد عن جادة الصواب، فقال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:٥٠].
((كان من الجن)) العتاة المردة الشياطين.
((ففسق عن أمر ربه)) خرج عن طاعته.
((أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو)) أي: فتستبدلونهم بي؛ فتطيعونهم بدل طاعتي وهم لكم عدو يبغون بكم الغوائل، ويوردونكم المهالك.
وهذا تقريع وتوبيخ لمن آثر اتباعه وطاعته، ولهذا قال تعالى: ((بئس للظالمين بدلاً)) أي: بئس للظالمين الواضعين شيئاً في غير موضعه؛ لأن العدو ينبغي أن يتخذ عدواً، أما أن تتخذ العدو ولياً، وتجافي وتعادي الولي الحقيقي الذي هو الله ، فـ (بئس للظالمين بدلاً)، يعني: بئس البدل من الله إبليس لمن استبدله فأطاعه بدل طاعته.
قال ابن كثير: وهذا المقام كقوله بعد ذكر القيامة وأهوالها ومصير كل من الفريقين السعداء والأشقياء في سورة يس: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ * أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ [يس:٥٩ - ٦٠].
كذلك هنا في الآية السابقة بعدما بين الله حال الناس حينما يرون أعمالهم: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الكهف:٤٩ - ٥٠]، إلى قوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:٥٠].
في سورة يس قال : ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ * سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ * وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٥ - ٥٩]، ثم قال: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٠ - ٦٢].
стр. 1561
تفسير قوله تعالى: (ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض)
قال : ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف:٥١].
استئناف مسوق لبيان عدم استحقاق إبليس وذريته للاتخاذ المذكور في أنفسهم بعد بيان الصوارف عن ذلك من خباثة عنصره وأصله والفسق والعداوة.
يعني: أن الله في هذه الآية يستأنف كلاماً يبين فيه أن إبليس وذريته لا يستحقون أن نتخذهم أولياء، ففي الآية السابقة: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ﴾ [الكهف:٥٠]، ثم يبين حيثيات ذلك، فيقول تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ﴾ [الكهف:٥١]، فقد بين أولاً الصوارف عن اتخاذ الشيطان ولياً، وهي: خباثة عنصره وأصله، والفسق والعداوة، ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:٥٠]، فهذه الصوارف بين فيها أنهم لا يستحقون الولاية، وينبغي أن ننصرف عن طاعتهم لأجل هذه الصوارف التي ذكر.
وقوله: ((مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا)) يعني: أين كان إبليس وذريته الذين تطيعونهم في معصيتي وتوالونهم من دوني يوم خلقت السماوات والأرض؟! بل أين هم يوم خلقتهم؟! هل أعانني أحد منهم حتى يستحق أن يكون شريكاً لي في الطاعة والانقياد؟! يعني: هؤلاء مخلوقون مربوبون مقهورون لا يستحقون أن تطيعوهم في معصيتي، ولا أن تتخذوهم أولياء من دوني، ولا أن تعبدوهم من دوني؛ لأن هؤلاء كانوا عدماً ثم خلقتهم، فلم أحتج إلى معاونتهم، وليسوا شركاء لي في خلقي.
يقول رحمه الله تعالى: أي: ما أحضرت إبليس وذريته خلق السماوات والأرض حين خلقتها، ((ولا خلق أنفسهم)) أي: وما أشهدت بعضهم أيضاً خلق بعض منهم، ونفي الإشهاد كناية عن نفي الاعتضاد بهم والاستعانة على خلق ما ذكر، وهذا أبلغ.
((ما أشهدتهم)) المقصود بها: أنني لم أحتج إلى مساعدتهم ولم يعضدوني، لأني غني عن خلقي، وتأمل أيضاً قوله: ((ولا خلق أنفسهم)) إشارة إلى أنهم مخلوقات، فكيف تعبدون المخلوق وتذرون الخالق؟! فمن لم يشهد فأنى يستعان به، وأنى يصح جعله شريكاً؟! فهل يتصور أن الغائب عند خلق السماوات والأرض يمكن أن يستعان به؟! ثم إذا كان غائباً ولم يستعن به فأنى يصح جعله شريكاً لله؟! لا يصح أن يكون شريكاً لله .
ولذلك قال : ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف:٥١]، أي: وما كنت متخذهم أعواناً لخلق ما ذكر، بل تفردت بخلق جميع ذلك بغير معين ولا ظهير، أي: وإذا لم يكونوا عضداً في الخلق فما لكم تتخذونهم شركاء في العبادة؟! واستحقاق العبادة من توابع الخالقية، يعني: الذي يستحق العبادة هو الذي يكون قد خلق، والاشتراك فيها يستلزم الاشتراك فيها، والخالقية منفية عن غيره تعالى، فينتفي لازمها وهو استحقاق عبادة ذلك الغير وهم المضلون، فلا يكونون أرباباً، وإنما وضع المضلين موضع الضمير ذماً لهم وتسجيلاً عليهم بالإضلال، وتأكيداً لما سبق من الإنكار في اتخاذهم أولياء، أي أنه قال: ((مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا))، ولم يقل: وما كنت متخذهم عضداً؛ لأن استعمال الصفة الظاهرة مكان الضمير فيه إبراز صفة الضلال، وإذا كانوا مضلين ففي هذه الحالة أيضاً لا يستحقون ذلك الاتخاذ كما أشار.
ونحو هذه الآية قوله : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣].
стр. 1562
تفسير قوله تعالى: (ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم)
يقول ﵎: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف:٥٢].
((ويوم يقول)) الحق ﵎، ((نادوا شركائي الذين زعمتم)) في دار الدنيا أنهم شركاء؛ لينقذوكم مما أنتم فيه، ويقال لهم ذلك على رءوس الأشهاد تقريعاً وتوبيخاً لهم.
((فدعوهم)) نادوا هذه الآلهة، فمنهم من ينادي اللات، ومنهم من ينادي العزى؛ كل ينادي الإله الذي عبده من دون الله، أي: نادوهم طالبين منهم الإعانة لبقاء اعتقاد شركهم، يعني: أنهم ما زالوا على الشرك.
((فلم يستجيبوا لهم)) أي: فلم يعينوهم؛ لعجزهم عن الجواب فضلاً عن الإعانة.
وفي إيراده مع ظهوره تهكم بهم، يعني أن الله قال هنا: ((فدعوهم فلم يستجيبوا لهم)) وهذا أمر ظاهر أنهم إذا دعوهم في ذلك اليوم فلن يستجيبوا لهم ولن ينفعوهم وإنما أبرزه وأظهره في الآية تهكماً بهم، وإيذاناً بأنهم في الحماقة بحيث لا يفهمونه إلا بالتصريح به.
((وجعلنا بينهم)) أي: بين الكفار وآلهتهم، ((موبقاً)) أي: مهلكاً يشتركون فيه جميعاً وهو النار، أو: عداوة هي في الشدة نفس الهلاك، فعبر عن العداوة بالهلاك، كقول عمر ﵁: لا يكن حبك كلفاً ولا بغضك تلفاً، أي: إذا أحببت فلا تبالغ في المحبة، وتتعلق بمن تحب، ثم إذا انقلبت على الجانب الآخر تكون مبالغاً أيضاً في العداوة، حتى إنها تتفق في التلف والفساد بينكما.
وعلاقة قول عمر بتفسير: ((موبقا)) أن التفسير الثاني لها يعني: مهلكاً يشتركون فيه وهو النار.
كما كان هؤلاء يحبون آلهتهم في الدنيا ويكلفون ويتعلقون بهم، لكن في الآخرة حينما يبغضونهم يبغضونهم بغضاً مهلكا، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم:٨١ - ٨٢]، أي: أعداء لهم، كما قال ﵎ في سورة العنكبوت: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت:٢٥]، بالروح والدم نفديك يا فلان، ويكتبون له لوحة تأييد بالدم -ولعله دم المرضى والمساكين- ثم يوم القيامة: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت:٢٥]، يقول تعالى: ((وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)) * ((كَلَّا)) فالذين تبحثون في جنابهم عن العز سوف ينقلبون عليكم، وسيتبرءون منكم يوم القيامة، ((وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا)).
قال ابن كثير: وأما إن جعل الضمير في قوله تعالى ((بينهم)) عائداً إلى المؤمنين والكافرين، كما قال عبد الله بن عمرو ﵄: إنه يفرق بين أهل الهدى والضلالة به.
يعني يحتمل أن قوله تعالى: ((وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا)) يعني: بين الكافرين وبين آلهتهم.
هذا قول.
وقول آخر: فصلنا المؤمنين عن الكافرين وميزناهم، كما قال تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩] أي: انفصلوا لا تختلطوا بالمؤمنين، فهذا تفسير آخر، فهو كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم:١٤]، وقال : ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم:٤٣]، وقال: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَينَهُم﴾ [يونس:٢٨] أي: فصلناهم، وقال تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس:٣٠].
стр. 1563
تفسير قوله تعالى: (ورأى المجرمون النار أكثر شيء جدلاً)
يقول ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٣ - ٥٤].
((ورأى المجرمون النار)) أي: جهنم المحيطة بأنواع الهلاك، ووضع المبهم مقام المضمر تصريحاً بإجرامهم وذماً لهم بذلك.
أي: فتكلم على هؤلاء الكافرين فلم يقل: (ورأوا النار) وإنما قال: ((ورأى المجرمون النار)) فإظهار وإبراز كلمة (المجرمون) فيه تصريح بالصفة التي يعرف أنهم يستحقون بسببها هذا المصير.
((فظنوا أنهم مواقعوها)) أي أيقنوا بأنهم واقعون فيها.
((ولم يجدوا عنها مصرفاً)) أي: معدلاً ينصرفون إليه، إشارة إلى ما يعاجلهم من الهم والحزن؛ فإن توقع العذاب والخوف منه قبل وقوعه عذاب مقدر وحاضر غير مؤجل، ومجرد توقع العذاب لا شك أنه في حد ذاته عذاب، وإذا كان الرسول ﵊ قال للرجل الذي أراد أن يذبح شاة فقعد يسن السكين أمام أختها: (أتريد أن تميتها موتتين)، فكيف بالبشر؟ فهذا الانتظار وهذا العناء في حد ذاته عذاب معجل.
ثم يقول : ((وَلَقَدْ صَرَّفْنَا))، أي: "نوعنا في هذا القرآن: الجامع للمهمات وأنواع السعادات لمصلحة الناس ومنفعتهم ((من كل مثل)) يركز على مراقي السعادات ومهاوي الضلالات لينذروا به.
((وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا))، أي: مجادلة ومخاصمة ومعارضة للحق بالباطل.
стр. 1564
تفسير قوله تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا وجعلنا لمهلكهم موعداً)
ثم يقول تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا * وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا * وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا * وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف:٥٥ - ٥٩].
((وما منع الناس)) أي: أهل مكة الذين حكيت أباطيلهم وكل من شاكلهم.
((أن يؤمنوا)) أي: من أن يؤمنوا بالله تعالى ويتركوا الشرك.
((إذ جاءهم الهدى)) القرآن والحق الواضح النير، ((ويستغفروا ربهم)) عن المعاصي السالفة.
((إلا أن تأتيهم سنة الأولين)) يعني: إلا أنهم كانوا يطلبون إتيان سنة الأولين، أو انتظار إتيان سنة الأولين وهي عذاب الاستئصال.
((أو يأتيهم العذاب قبلاً)) أي: يرونه عياناً ومواجهة، وهو عذاب الآخرة أو أعم، والقبل بضمتين بمعنى العيان كما في قراءة (قِبَلاً) أو (قُبُلاً)، جمع قبيل بمعنى: أنواعاً مختلفة، وقرأ بفتحتين ((أو يأتيهم العذاب قَبَلًا)) أي: مستقبلاً.
((وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين)) أي: وما نرسلهم قبل إنزال العذاب إلا لتبشير من آمن بالزلفى والكرامة، وإنذار من كفر بأن تأتيه سنة من مضى.
((ويجادل الذين كفروا بالباطل)) يجادلون ويقترحون آيات، ((ليدحضوا به الحق)) أي: ليزيلوا بالجدال الحق الثابت عن مقره، وليس ذلك بحاصل لهم.
وأصل الإدحاض: إزلاق القدم وإزالتها عن موطئها، فاستعير من زلل القدم المحسوس لإزالة الحق المعقول.
قال الشهاب: ولك أن تقول: فيه تشبيه كلامهم بالوحل المستكره، وأنشد لنفسه: أتانا بوحل لإنكاره ليزلق أقدام هذي الحجج فكأن كلامهم وجدالهم مثل الوحل يضعوه أمام الحق حتى يزيلوه عن مكانه، لكن الحق ثابت مستقر لا يؤثر فيه ذلك.
((وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا)).
(ما) إما مصدرية، يعني: واتخذوا آياتي وإنذاري إياهم هزواً، أو (ما) موصولة، يعني: واتخذوا الذي أنذروا به من العقاب هزوا، أي: استهزاءاً وسخرية، وهو أشد التكذيب، حيث وصف بالمصدر مبالغة.
ثم يقول تعالى: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا))، كناية عن عدم تدبرها والاستعاض بها بأبلغ أسلوب.
((ونسي ما قدمت يداه)) أي: ما عمله من الكفر والمعاصي، وصرف ما أنعم به عليه إلى غير ما خلقت له، فلم يتفكر في عاقبة ذلك.
((إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ))، أي: جعلنا عليها حجباً وأغطية كثيرة كراهة أن يفقهوه، أي: يقفوا على كنه ما خلقت النعم من أجله.
((وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا)) أي: وجعلنا فيها ثقلاً يمنعهم من استماعه، والجملة تعريض بإعراضهم ونسيانهم.
يعني: فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه لأنا ((إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا))، فالجملة تعريض بأن إعراضهم ونسيانهم مطبوعان على قلوبهم، وذلك لإيثارهم الضلال على الهدى، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥].
((وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا))، أي: فما يكون منهم اهتداء البتة.
وقوله: ((وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا))، والآيات في هذا المعنى كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:٤٥]، وقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد:٦].
((وربك الغفور ذو الرحمة)) ربك: مبتدأ، والغفور: خبره، وقدم الوصف بالمغفرة على الرحمة لأنه أهم بحسب الحال، والمقام مقام بيان تأخير العقوبة عنهم بعد استحقاقهم له كما يعرب عنه قوله: ((لو يؤاخذهم بما كسبوا)) والموعد المذكور هو بدر، أو الفتح المشار إليه في كثير من الآيات، أو يوم القيامة، والكل لاحق بهم، يعني أن الله لم يعجل لهم العذاب، ((بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلاً)) محيصاً أو مفراً أو ملجأ أو منجى.
قوله: ((وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا)).
((وتلك القرى)) قرى عاد وثمود وأضرابهم، ((أهلكناهم لما ظلموا)) بالكفر والطغيان.
((وجعلنا لمهلكهم موعداً)) وقتاً معيناً لا محيد لهم عنه، وهذا استشهاد على ما فعل بقريش من تعيين الموعد ليتنبهوا لذلك ولا يغتروا بتأخر العذاب، أي: إن تأخر عنكم العذاب فلا تستعجلوا فهناك موعد لابد أنه آتيكم.
стр. 1565
تفسير سورة الكهف [٦٠ - ٦٤]
стр. 1566
تفسير قوله تعالى: (وإذ قال موسى لفتاه من سفرنا هذا نصباً)
قال الله ﵎: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف:٦٠ - ٦٢].
بعدما قال ﵎: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف:٥٧]، أشار إلى نبأ موسى مع الخضر ﵉، ذلك النبأ الذي تضمن من الفوائد والحكم وأعلام النبوة ما لا يخفى على متبصر كما ستقف على شذرات من ذلك، وسنلاحظ كيف أن الإنسان إذا فقه معنى الآيات، والتفت إلى النصائح والنكت البلاغية الموجودة في عبارات القرآن الكريم، فهذا مما يعينه على الحفظ، كما سنضرب أمثلة لذلك.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف:٦٠].
أي: اذكر وقت قول موسى لفتاه: ((لا أبرح))، أي: لا أزال أسير، ((حتى أبلغ مجمع البحرين))، أي: المكان الذي فيه ملتقى البحرين فألقى فيه الخضر، أو: أسير زماناً طويلاً إن لم أجده ثمة فأتيقن فوات المطلوب، (حتى أبلغ مجمع البحرين)، لماذا؟ لأن هذا هو المكان الذي وعده الله أن يلتقي فيه بالخضر، ويناسب هنا أن نذكر سبب هذه القصة؛ لأنه يعيننا على فهمها.
стр. 1567
ذكر حديث قصة الخضر وموسى
روى البخاري في باب حديث الخضر مع موسى ﵉ بسنده عن سعيد بن جبير قال: قلت لـ ابن عباس: (إن نوفاً البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل، فقال ابن عباس: كذب عدو الله)، وهذا من التغليظ في الفتوى، وليس المقصود أنه عدو لله فعلاً، ولكن هذا اجتهاد منه وهو مخطئ فيه بلا شك، لكن هذا من التغليظ والتشديد على من يتجاسر عن القول بغير علم.
ثم قال ابن عباس: حدثني أبي بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: إن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك.
قال موسى: يا رب فكيف لي به؟) انظر إلى همة موسى لما سمع أن هناك من هو أعلم منه ولو في مجمع البحرين؛ حرص على أن يلتقي به كي يتعلم منه، فقال: (وربما قال سفيان: أي رب وكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتاً فتجعله في مكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثمّ، وربما قال: فهو ثمة، فأخذ الحوت فجعله في مكتل، ثم انطلق، وانطلق معه فتاه يوشع بن نون)، وهذا تلميذ موسى ﵇، ولكن أطلق عليه (فتاه) إشارة إلى أن المتعلم كالعبد بين يدي العالم، والعالم كأنه سيد له، فعبر عنه بالفتى التي يعبر بها عن العبد إشارة إلى موقع التلميذ من شيخه وأستاذه.
(حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر، فاتخذ سبيله في البحر سرباً، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق)، (مثل الطاق) يعني: الماء كأنه تجمد وأمسك عن الجري، وصار على الحوت مثل نفق مائي داخل البحر نفسه يجري فيه الحوت، وما عدا ذلك أمسك الله جري الماء عنه فأصبح الجزء الذي فيه الماء هو عبارة عن نفق مائي يجري فيه هذا الحوت.
يقول: (فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا يمشيان بقية ليلتهما ويومهما حتى إذا كان من الغد قال لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً.
قال: ولم يجد موسى النصب حتى جاوزا المكان الذي أمره الله به)، يعني: موسى ﵇ في هذا السفر السعيد الطويل لم يشعر بالنصب ولم يجد تعباً؛ لأن الله يقوي ويمد بعون ومدد من عنده من خرج في طلب العلم أو ابتغاء مرضاته، كما أن الشهيد لا يجد من الجرح الذي يجرحه إلا مثل ما يجد من القرصة، فلم يشعر موسى بالتعب إلا من بعد أن جاوز المكان الذي أمر به، وهو هذه الصخرة التي فقد عندها الحوت دون أن يشعر.
(فقال له فتاه: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة، فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره، واتخذ سبيله في البحر عجباً، فكان للحوت سرباً ولموسى وفتاه عجباً، فقال موسى: ذلك ما كنا نبغي، فارتدا على آثارهما قصصاً، قال: رجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى ثوباً -مغطى بثوب- فسلم عليه موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام، قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم) هذا هو الشاهد على أن موسى صاحب الخضر هو موسى بني إسرائيل وليس ثمة موسى آخر كما زعم نوف البكالي.
قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل! قال: نعم.
أتيتك لتعلمني مما علمت رشداً، قال: إنك لن تستطيع معي صبراً، يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمك الله لا أعلمه إلى قوله: فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم السفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول -بغير أجرة- وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة أو نقرتين، فقال له الخضر: ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، إذ أخذ الفأس فنزع لوحاً فجأة، قال: فلم يرجع موسى إلا وقد قلع لوحاً بالقدوم، فقال له موسى: ما صنعت؟ قوم حملونا بغير نول، عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها، لقد جئت شيئاً إمراً، قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً، قال: لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً، فكانت الأولى من موسى نسياناً، فلما خرجا من البحر مرا بغلام يلعب مع الصبيان، فأخذ الخضر برأسه فخلعه بيده هكذا -فأومأ سفيان بأطراف أصابعه كأنه يقطف شيئاً- فقال له موسى: قتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً، قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً، قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً، فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه -قال: مائلاً، وأومأ بيده هكذا، وأشار سفيان كأنه يمسح شيئاً إلى فوق، فلم أسمع سفيان يذكر مائلاً إلا مرة- قال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا، عمدت إلى حائطهم، لو شئت لاتخذت عليه أجراً، قال: هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً، قال النبي ﷺ : وددنا لو أن موسى كان صبر فقص الله علينا من خبرهما، قال سفيان: قال النبي ﷺ : ليرحم الله موسى لو كان صبر يقص علينا من أمرهما)، وقرأ ابن عباس: (أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً)، (وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين)، ثم قال لي سفيان: سمعت منه مرتين وحفظته منه، فهذه القراءة قراءة تفسيرية، قيل لـ سفيان: حفظته قبل أن تسمعه من عمرو أو تحفظته من إنسان، قال: ممن أتحفظه؟! ورواه أحد عن عمرو غيري، سمعت منه مرتين أو ثلاثاً وحفظته منه.
وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (إنما سمي الخضر -بكسر الضاد- لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء)، هذا فيما يتعلق بالحديث الوارد في هذه القصة.
стр. 1568
تفسير مفردات قوله تعالى: (وإذ قال موسى لفتاه)
((وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ لا أزال أسير وأمشي إلى أن أبلغ المكان الذي وعدني الله، ((أو أمضي حقباً)) يعني: إما أن أذهب إلى ملتقى البحرين فأجد فيه الخضر، أو أظل أسير زماناً طويلاً إن لم أجده ثمة، فأتيقن فوات المطلوب.
قال المهايمي: ((وإذا قال موسى)) أي: اذكر للذين ((إن تدعهم للهدى فلن يهتدوا إذاً أبداً)) لتكبرهم عليك: أنكم لستم بأعلم من موسى ولا أرشد منه، ولست أقل من الخضر في الهداية بل أعظم؛ لأنها هداية في الظاهر والباطن، وهداية الخضر إنما هي في الباطن، ولا تحتاجون في تحصيله إلى تحمل المشاق كما احتاج إليه موسى.
(وإذ قال موسى لفتاه) والفتى: الشاب، كما في قوله: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء:٦٠] شاباً، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الكهف:١٣] يعني: شباباً.
قال الشهاب: العرب تسمي الخادم فتى؛ لأن الغالب هو استخدام من هو في سن الفتوة، وكان يوشع خادم موسى ﵇، ومحباً له، وذا غيرة على كرامته، ولذلك اختصه موسى رفيقاً له وخادماً, وصار خليفة من بعده على بني إسرائيل، وفتح الله تعالى بيت المقدس عليه ونصره على الجبارين.
((فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا))، أي: مجمع البحرين، ((نَسِيَا حُوتَهُمَا))، أي: خبر حوتهما وتفقد أمره، وكانا تزوداه وأخذا الحوت في المكتل، ولما بلغا مجمع البحرين لم يطمئنا على أن الحوت معهما ونسيا هذا الحوت، ((فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ)) أي: طريقه في البحر، ((سرباً)) أي: مثل السرب في الأرض، وهو المسلك، معجزة جعلت علامة للمطلوب.
((فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا)).
((فلما جاوزا)) يعني: مجمع بينهما، أي: جاوزا مجمع البحرين، وهو المكان الذي نسيا فيه الحوت، ((قال لفتاه آتنا غدائنا)) أي: ما نتغدى به، ((لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً)) تعباً ومشقة، وبينت السنة أن هذا النصب لم يلقه موسى وفتاه حتى جاوزا مجمع البحرين، ((قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ))، أي: فإني نسيت خبر الحوت.
وإسناد النسيان إليهما: إما بمعنى نسيان طلبه والذهول عن تفقده لعدم الحاجة إليه، وإما للتغليب بناء على أن الناسي إنما كان يوشع وحده، (نسيا حوتهما)، يعني: نسيا خبر حوتهما وتفقد أمره، وعلى قول آخر: أن النسيان هنا هو من يوشع بن نون؛ لأنه قال: (فإني نسيت الحوت)، نسب النسيان إلى نفسه، فإذاً: (نسيا) بالمثنى تغليباً -كما سنبين إن شاء الله تعالى- بناء على أن الناسي إنما كان يوشع وحده؛ فإنه نسي أن يخبر موسى بشأنه العجيب، فيكون كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٢٢]، وإنما يخرج اللؤلؤ والمرجان من البحر المالح، ومع ذلك يمكن إطلاق أن اللؤلؤ والمرجان يخرجان من مجموع البحرين المالح والعذب تغليباً، وإن كان يخرج من أحدهما فيصدق عليه أنه يخرج منهما، كقوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠]، فالرسل من مجموع الإنس والجن وإن كانت الرسل لا تكون إلا من الإنس.
((وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ)) يعني: أن أذكره لك، وتعرب (أن أذكره) على أنها بدل من الهاء، يعني: وما أنساني ذكره إلا الشيطان، وقرأ حفص بضم الهاء من غير صلة وصلاً، والباقون بكسرها، ((واتخذ سبيله في البحر عجباً)) أي: أمراً عجيباً إذ صار الماء عليه سرباً.
((قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ))، قال موسى: ((ذلك)) أي المكان الذي اتخذ فيه سبيله سرباً ((ما كنا نبغ)) أي: نطلب فيه الخبر؛ لأنه أمارة المطلوب، وقرئ في السبع بإثبات الياء بعد الغين وصلاً لا وقفاً؛ وبإثباتها في الحالين، وبحذفها كذلك.
((فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا))، أي: رجعا ماشيين على آثار أقدامها يتبعانها، ((قصصاً)) أي: اتباعاً لئلا يفوتهما الموضع ثانياً.
стр. 1569
تفسير الشنقيطي لقوله تعالى: (فلما بلغا مجمع بينهما)
يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى في قوله: ((فلما بلغا مجمعا بينهما نسيا حوتهما)): ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن موسى وفتاه نسيا حوتهما لما بلغا مجمع البحرين، ولكنه تعالى أوضح أن النسيان واقع من فتى موسى؛ لأنه هو الذي كان تحت يده الحوت، وهو الذي نسيه، وإنما أسند النسيان إليهما؛ لأن إطلاق المجموع مراداً بعضه أسلوب عربي كثير في القرآن وفي كلام العرب، وقد أوضحنا أن من أظهر أدلته قراءة حمزة والكسائي (فإن قَتَلُوكم فاقتلوهم).
فلو قتلونا كلنا لم يبق منا أحد فيقتلهم؛ لكن المقصود: فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر.
قال: والدليل على أن النسيان إنما وقع من فتى موسى دون موسى قوله تعالى عنهما: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف:٦٢ - ٦٣]؛ لأن قول موسى: ((آتنا غداءنا)) يعني به الحوت، فهو يظن أن فتاه لم ينسه.
كما قاله غير واحد، وقد صرح فتاه بأنه نسيه بقوله: ((فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره)).
وفي قوله : ((وما أنسانيه إلا الشيطان)) دليل على أن النسيان من الشيطان كما دلت عليه آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف:٤٢]، وبقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨]، وقال تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة:١٩].
وفتى موسى هو يوشع بن نون، والضمير في قوله تعالى: ((مجمع بينهما)) عائد إلى البحرين المذكورين في قوله تعالى: ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الكهف:٦٠]، والمجمع: اسم مكان على القياس، أي: مكان اجتماعهما.
والعلماء مختلفون في تعيين البحرين المذكورين، فذهب أكثرهم إلى أنهما بحر فارس مما يلي المشرق، وبحر الروم مما يلي المغرب.
وقال محمد بن كعب القرظي: ((مجمع البحرين)) عند طنجة في أقصى بلاد المغرب.
يعني: في المكان الذي يلتقي فيه البحر الأبيض بالمحيط الأطلنطي عند مضيق جبل طارق.
وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي قال: هما الكر والرأس حيث يصبان في البحر، وقال ابن عطية: مجمع البحرين ذراع في أرض فارس من جهة أذربيجان، يخرج من البحر المحيط من شماله إلى جنوبه، وطرفيه مما يلي بر الشام.
وقيل: هما بحر الأردن والقلزم.
وعن ابن المبارك قال: قال بعضهم: بحر أرمينية، وعن أبي بن كعب قال: بإفريقيا، إلى غير ذلك من الأقوال، ومعلوم أن تعيين البحرين من النوع الذي قدمنا أنه لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، وليس في معرفته فائدة، فالبحث عنه تعب لا طائل تحته، وليس عليه دليل يجب الرجوع إليه.
وزعم بعض الملاحدة الكفرة المعاصرين: أن موسى لم يسافر إلى مجمع البحرين، بدعوى أنه لم يعرف ذلك في تأريخه، لأن الجغرافيا في هذا الوقت لم تكن معروفة، وهذا زعم في غاية الكذب والبطلان، ويكفي في القطع بذلك أنه مناقض لقوله تعالى: ((فلما بلغا مجمع بينهما)) مع التصريح بأنه سفر فيه مشقة وتعب، وذلك لا يكون إلا في بعيد السفر، ولذا قال تعالى عن موسى: ((لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً)) ومعلوم أن ما ناقض القرآن فهو باطل؛ لأن نقيض الحق باطل بإجماع العقلاء، لاستحالة صدق النقيضين معاً.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ((وما أنسانيه إلا الشيطان)) قرأه عامة القراء ما عدا حفص ((أنسانيه إلا الشيطان)) وقرأه حفص عن عاصم ((أنسانيه)) بضم الهاء.
стр. 1570
تفسير قوله تعالى: (فوجدا عبداً من عبادنا)
قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف:٦٥].
أي: فأتيا الموضع المنسي فيه الحوت، ((فوجدا عبداً من عبادنا)) التنكير للتفخيم، والإضافة فيه للتشريف.
والجمهور على أنه الخضر، وسنتكلم على جملة من نبئه بعد تمام قصته -إن شاء الله- ((آتيناه رحمة من عندنا)) أي: آتيناه رحمة لدنية اختصصناه بها، ((وعلمناه من لدنا علماً)) أي: علماً جليلاً آثرناه، وهو علم لدني يكون بتأييد رباني.
قال الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: هذا العبد المذكور في هذه الآية الكريمة هو الخضر ﵇ بإجماع العلماء، ودلالة النصوص الصحيحة من كلام النبي ﷺ على ذلك، وهذه الرحمة والعلم اللدني اللذان ذكر الله امتنانه عليه بهما لم يبن هنا، هل هما رحمة النبوة وعلمه أو رحمة الولاية وعلمها؟ والعلماء مختلفون في الخضر هل هو نبي، أو رسول، أو ولي؟ كما قال الراجز: واختلفت في خضر أهل العقول قيل نبي أو ولي أو رسول وقيل: مَلَك أو مَلِك -فالكلمة غير مضبوطة- ولكن يفهم من بعض الآيات أنه هذه الرحمة المذكورة هنا رحمة نبوة.
الشنقيطي رحمه الله تعالى يرجح أن الخضر كان نبياً، وعليه فالعلم اللدني هنا المقصود به الوحي الذي يوحيه الله إلى الأنبياء، مع العلم أن الاستدلال بها على ذلك فيه مناقشات معروفة عند العلماء.
يقول: اعلم أولاً أن الرحمة تكرر إطلاقها على النبوة في القرآن الكريم.
والمنهج الصحيح في التفسير هو تفسير القرآن بالقرآن أولاً، فنتحرى ونبحث عن مادة رحم أو رحمة في القرآن، فنجد أنها استعملت كثيراً في القرآن بمعنى النبوة.
يقول ﵀: اعلم أولاً أن الرحمة تكرر إطلاقها على النبوة في القرآن، وكذلك العلم المؤتى من الله تكرر إطلاقه فيه على علم الوحي؛ فمن إطلاق الرحمة على النبوة: قوله تعالى في سورة الزخرف: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف:٣١ - ٣٢]-يريد بذلك النبوة، يعني: هل هم يقسمون رحمة ربك النبوة- أي: نبوته حتى يتحكموا في إنزال القرآن على رجل عظيم من القريتين، وقوله تعالى في سورة الدخان: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الدخان:٤ - ٦]، وقوله تعالى في آخر القصص: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص:٨٦].
ومن إطلاق إيتاء العلم على النبوة قوله وتعالى: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٣] وقال أيضاً: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف:٦٨].
يعني: لما أوحينا إليه، وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤] أي: وحياً.
فإذاً الرحمة هنا النبوة، والعلم هو علم النبوة والوحي.
قال: ومعلوم أن الرحمة وإيتاء العلم اللدني أعم من كون ذلك عن طريق النبوة وغيرها، والاستدلال بالأعم على الأخص فيه أن وجود الأعم لا يستلزم وجود الأخص كما هو معروف، ومن أظهر الأدلة في أن الرحمة والعلم اللدني اللذين امتن الله بهما على عبده الخضر عن طريق النبوة والوحي قوله تعالى عنه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢]، أي: وإنما فعلته عن أمر الله جل وعلا، وأمر الله إنما يتحقق عن طريق الوحي؛ إذ لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه إلا الوحي من الله جل وعلا، ولاسيما قتل الأنفس البريئة في ظاهر الأمر، وتعييب سفن الناس بخرقها؛ لأن العدوان على أنفس الناس وأموالهم لا يصح إلا عن طريق الوحي من الله تعالى، وقد حصر تعالى طرق الإنذار بالوحي، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء:٤٥].
فإن قيل: قد يكون ذلك عن طريق الإلهام؟ ف
الجواب
أن المقرر في الأصول أن الإلهام من الأولياء لا يجوز الاستدلال به على شيء لعدم العصمة، وعدم الدليل على الاستدلال به، بل ولوجود الدليل على عدم جواز الاستدلال به.
الإلهام الذي يحصل للأولياء عند علماء الأصول مقرر أنه لا يجوز الاستدلال به، لا يوجد شيء اسمه ألهمت كذا وكذا، فيحكم ويدعي أن الله أحل أو شرع أو حرم على أساس الإلهام؛ لأن الإلهام ليس دليلاً شرعياً؛ لأن الولي ليس بمعصوم، وأيضاً لا يوجد دليل على صحة الاستدلال بالإلهام، بل يوجد الدليل على عدم جواز الاستدلال به.
ثم يقول ﵀: وما يزعمه بعض المتصوفة من جواز العمل بالإلهام في حق الملهم دون غيره.
يعني أن بعض الصوفية يقول: الملهم يجوز له الاستدلال بالإلهام في حق نفسه لا في حق غيره من الناس.
حتى هذه الدعوى لا تسلم له، وفي الحديث: (إنه قد كان في من قبلكم محدثون، وإن يكن منهم أحد فهو عمر ﵁، فهل عمر في يوم من الأيام جاء في أي قضية خلافية بينه وبين الصحابة استدل بأنه محدث أو بأنه ملهم؟ ما استدل بذلك أبداً.
стр. 1571
الرد على المتصوفة الذين يجعلون الإلهام حجة
يقول: وما يزعمه بعض المتصوفة من جواز العمل بالإلهام في حق الملهم دون غيره، وما يزعمه بعض الجبرية أيضاً من الاحتجاج بالإلهام في حق الملهم وغيره؛ جاعلين الإلهام كالوحي المسموع، مستدلين بظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، وبخبر: (اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله)، كله باطل لا يعول عليه لعدم اعتضاده بدليل، وغير المعصوم لا ثقة بخواطره، لأنه لا يأمن دسيسة الشيطان، وقد ضمنت الهداية في اتباع الشرائع، ولم تضمن في اتباع الخواطر والإلهامات.
قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٣٨].
وقال تعالى في آخر سورة طه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣]، وقوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً﴾ [طه:١٢٤]، وقال ﵊: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي)، ولم يذكر الإلهام.
إذاً: غير المعصوم لا ثقة بخواطره؛ لأنه لا يأمن دسيسة الشيطان؛ لأنه غير معصوم، وقد ضمنت الهداية في اتباع الشرائع ولم تضمن في اتباع الخواطر والإلهامات، حتى أن بعض الضلال يزعم أنه يحكم على صحة الأحاديث بأن يعرضها على قلبه -بأحدث طريقة في تصحيح الأحاديث- كما كان يزعم الفرماوي الضال المضل، كان يعرض الحديث عليه، فيعرضه على قلبه حتى سموه وقتها، ألباني -بهمز العامية- يعني: قلباني، يصحح الحديث بالقلب المريض، فيعرض عليه الحديث ويقول: هذا قاله الرسول أم لم يقله؟ ثم يأتي بعض الضلال خاصة من الدجاجلة الذي دخلوا في موضوع الشعوذة والغلو في موضوع الجن، فكان بعضهم يزعم أن معه قرين النبي ﵊، وهو أيضاً يعرض عليه الأحاديث، يأتي بحديث ويقول له: هل الرسول قاله فعلاً وهل كنت حاضراً وقتها؟ فيأتيه الخبر من هذا القرين المزعوم، فهذا كله عبث، وهذا كله ضلال مبين، فلماذا كان السفر وجهاد علماء الحديث؟ ولو هذا باباً صحيحاً لتلقي العلم منه، ولما سافر العلماء واغتربوا ورحلوا في طلب العلم، وسهروا الليالي وألفوا الكتب.
يقول: وقد ضمنت الهداية في اتباع الشرع ولم تضمن في اتباع الخواطر والإلهامات، والإلهام في الاصطلاح: إيقاع شيء في القلب يثلج له الصدر من غير استدلال بوحي، ولا نظر في حجة عقلية، يختص الله به من يشاء من خلقه، أما ما يلهمه الأنبياء مما يلقيه الله في قلوبهم فليس كإلهام غيرهم؛ لأنهم معصومون بخلاف غيرهم، قال في مراقي السعود في كتاب الاستدلال: وينبذ الإلهام بالعراء أعني به إلهام الأولياء وقد رآه بعض من تصوفا وعصمة النبي توجب اقتفا وينبذ الإلهام بالعراء، يعني: ارم موضوع إلهام الصوفية بالعراء، ولا تلتفت إليه.
أعني به إلهام الأوليا: ليس بحجة شرعية.
وقد رآه بعض من تصوفا: زعموا أنه حجة شرعية.
وعصمة النبي توجب اقتفا، يريد أن يفرق بين إلهام الأنبياء وإلهام الأولياء، فإلهام الأولياء ليس فيه أي حجة، وإلهام الأنبياء هو الحجة؛ لأن عصمته توجب اقتفاء آثاره، وقبول الإلهام الذي يلهمه الله ، فإلهام الأنبياء من الله صورة من صور الوحي، كما في قوله ﵊: (وإن روح القدس نفث في روعي: أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها) إلى آخر الحديث.
قال: وبالجملة: فلا يخفى على من له إلمام بمعرفة دين الإسلام أنه لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه وما يتقرب إليه به من فعل وترك إلا عن طريق الوحي، فمن ادعى أنه غني في الوصول إلى ما يرضي ربه عن الرسل وما جاءوا به ولو في مسألة واحدة فلا شك في زندقته، وعلماء المالكية يقولون: يقتل فوراً ولا يستتاب.
فمن ادعى أنه غني في الوصول إلى ما يرضي ربه عن الرسل وما جاءوا به ولو في مسألة واحدة فلا شك في زندقته، والآيات والأحاديث الدالة على هذا لا تحصى، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، ولم يقل: حتى نلقي في القلوب إلهاماً، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء:١٦٥]، فلو كان الوحي الذي يوحيه الله إلى الرسل غير كاف لبقي في الناس حجة في غير الرسل عن طريق إلهام الأولياء، لكن جعل الحجة فقط للرسل.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه:١٣٤]، والآيات والأحاديث في مثل هذا كثيرة جداً، وقد بينا طرفاً من ذلك في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥].
وبذلك تعلم أن ما يدعيه كثير من الجهلة المدعين للتصوف من أن لهم ولأشياخهم طريقاً باطنة توافق الحق عند الله ولو كانت مخالفة لظاهر الشرع، كمخالفة ما فعله الخضر لظاهر العلم الذي عند موسى؛ زندقة.
هذا الكلام يقوله بعض الصوفية الجهلة ويزعمون أن لهم ولأشياخهم طريقاً باطنة، فيقولون: أنتم طريقكم الكتاب والسنة والأمور الظاهرة، ونحن لنا طريق باطني، يقولون: مثل حال الخضر مع موسى، كما أن الخضر كانت له شريعة وموسى كانت له شريعة ولا أحد يعترض على الآخر، وهم يزعمون أن الخضر كان ولياً ولم يكن نبياً.
وبالذات موضوع الخضر كان مرتعاً خصباً للاختراع والابتداع، وافتراء الأكاذيب.
نكرر هذه العبارة لأهميتها، يقول: وبذلك تعلم أن ما يدعيه كثير من الجهلة المدعين للتصوف من أن لهم ولأشياخهم طريقاً باطناً توافق الحق عند الله ولو كانت مخالفة لظاهر الشرع، كمخالفة ما فعله الخضر لظاهر العلم الذي عند موسى؛ زندقة، وذريعة إلى الانحلال بالكلية من دين الإسلام؛ بدعوى أن الحق في أمور باطنة تخالف ظاهره، وهذا ما يلهج به كثير من جهلة الصوفية.
قال القرطبي ﵀ في تفسيره ما نصه: قال شيخنا الإمام أبو العباس: ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق لا تلزم منه هذه الأحكام الشرعية، فقالوا: هذه الأحكام الشرعية العامة إنما يحكم بها على الأنبياء والعامة، وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص، بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم، ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم.
قالوا: وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوها عن الأغيار؛ فتتجلى لهم العلوم الإلهية، والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون أحكام الجزئيات فيشتغلون بها عن أحكام الشرائع الكليات.
يقول: قال شيخنا ﵁: وهذا القول زندقة وكفر يقتل قائله ولا يستتاب كما هو مذهب مالك ومن وافقه، وقد بينا أقوال العلماء في ذلك وأدلتهم وما يوضحه الدليل في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب في سورة آل عمران.
ثم يقول: وما يستدل به بعض الجهلة ممن يدعي التصوف على اعتبار الإلهام من ظواهر بعض النصوص كحديث: (استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك)، لا دليل فيه البتة على اعتبار الإلهام؛ لأنه لم يقل أحد ممن يعتد به: إن المفتي الذي تتلقى الأحكام الشرعية من قبله القلب.
بل معنى الحديث: استفت قلبك في موضع الشبهات.
فمعنى الحديث التحذير من الشبه، وإلا لو جعل كل واحد قلبه المفتي الخاص به لوقعت فوضى لا حدود لها، فهذا يشرب الخمر ويستفتي قلبه وقلبه مريض، فلا يكون هناك ضابط وتضيع معالم الشريعة تماماً، المقصود: بـ (استفت قلبك): أن هذا حين تشتبه عليك الأمور كما سيبين الشيخ رحمه الله تعالى.
قال: فمعنى الحديث: التحذير من الشبه؛ لأن الحرام بين، والحلال بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كل الناس؛ فقد يفتيك المفتي بحلية شيء، وأنت تعلم من طريق أخرى أنه يحتمل أن يكون حراماً، وذلك بالاستناد إلى الشرع، فإن قلب المؤمن لا يطمئن لما فيه الشبهة.
يعني: كرجل ليس عنده علم كثير، لكنه يرى عامة علماء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وفي القديم والحديث وفي السلف والخلف يحرمون الربا، ويجرمون آكل الربا، ثم يأتي واحد شاذ لا خبرة له في الفقه أصلاً يقول: إن الربا حلال؛ ليس تخصصه الفقه، فيفتي باستباحة الربا، فهذا مما ينبغي أن يستفتي الإنسان فيه قلبه ولا يستند فيه إلى مثل هذا المفتي؛ لأنه ضل في هذه الفتوى بلا شك؛ لأن الرسول ﷺ قال: (استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك)، حتى لوجدت من يفتيك بحلية شيء أنت تعلم من جهة أخرى أنه محرم فاستفت قلبك واتبع ما يدلك عليه قلبك من السير في القافلة العظمى من علماء الإسلام دون من شذ وتعدى حدود الله.
يقول: فقد يفتيك المفتي بحلية شيء وأنت تعلم من طريق أخرى أنه يحتمل أن يكون حراماً وذلك باستناد من الشرع؛ فإن قلب المؤمن لا يطمئن لما فيه الشبهة، ولقول النبي ﷺ : (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، وقوله ﷺ : (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس)، رواه مسلم من حديث النواس بن سمعان ﵁، وحديث واسطة بن معبد ﵁ المشار إليه قال: (أتيت رسول الله ﷺ ، قال: جئت تسأل عن البر؟ قلت: نعم.
قال: استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الطرف، وإن أفتاك الناس وأفتوك)، قال النووي في رياض الصالحين: حديث حسن، ورواه أحمد والدارمي في مسنديهما.
ولا شك أن المراد ب
стр. 1572
تفسير سورة الكهف [٦٥ - ٨٢]
стр. 1573
تفسير قوله تعالى: (قال له موسى هل أتبعك حتى أحدث لك منه ذكراً)
﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف:٦٦ - ٧٠].
((هَلْ أَتَّبِعُكَ)) أي: أصحبك، ((عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا)) أي: مما علمت من عند ربك، ((رشداً))، أي: علماً ذا هدى وإصابة خير.
قال القاضي: وقد رأى في ذلك غاية التواضع والأدب، لم يقل له: (علمني)، وإنما قال: (هل أتبعك) فاستجهل نفسه، ووصف نفسه بعدم العلم، فأظهر الفقر والحاجة إلى ما عنده من العلم، واستأذن أن يكون تابعاً له، وسأل منه أن يرشده وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله عليك.
وهكذا ينبغي أن يكون سؤال المتعلم من العالم.
وفي قوله: ((مما علمت)) تذكير له بنعمة الله عليه أي: كما علمك الله عليك أن تعلم طالب العالم.
((قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا))، نكر (صبراً) لبيان أنه لن تستطيع معي صبراً بوجه من الوجوه، ثم علل معتذراً بأنه لن يستطيع أن يصبر، قال: ((وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا))، أي: إن صحبتني سترى مني أموراً ظواهرها مناكير وبواطنها لم يحط بها خبرك.
قال: ((سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا))، أي: لا أخالفك في شيء.
قال الزمخشري: رجا موسى ﵇ لحرصه على العلم وازدياده أن يستطيع معه صبراً بعد إفصاح الخضر عن حقيقة الأمر، فوعده بالصبر معلقاً بمشيئة الله علماً منه بشدة الأمر وصعوبته، وأن الحمية التي تأخذ المصلح عند مشاهدة الفساد شيء لا يطاق، هذا مع علمه أن النبي المعصوم الذي أمره الله بالمسافرة إليه واتباعه واقتباسه العلم بريء من أن يباشر ما فيه غميزة في الدين، وأنه لابد لما يستمج ظاهره من باطن حسن جميل، فكيف إذا لم يعلم؟ قال بعض المفسرين في تفسير فاتحة القرآن عند قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]: إن الإنسان إذا كان في الجماعة أي: إذا أدخل نفسه في زمرة الجماعة كان بركة عليه، ولذلك صبر إسماعيل لأبيه وقال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]، أما موسى فقال: ((ستجدني إن شاء الله صابراً)) وهذه لفتة عارضة.
وإنما قال: (إن شاء) لما يعلم من صعوبة الأمر، وصعوبة أن يرى منكراً ثم يصبر عن إنكاره.
((قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا)).
شرط المرافقة الموافقة، أي: لا تفاتحني بالسؤال عن شيء أنكرته مني، ولن تعلم وجه صحته حتى أبدأ أنا ببيانه، وهذا من آداب المتعلم مع العالم، والمستمع مع المسمع، فلا يبادر الإنكار حتى يتبين سبب هذا القول أو الفعل.
стр. 1574
تفسير قوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها)
((فَانطَلَقَا))، على ساحل البحر يطلبان سفينة، ((حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا))، أي: شيئاً عظيماً من إتلاف السفينة: قتل الجماعة من غير نفع، وكفران نعمة الحمل بغير نول، فكيف تتسبب في إهلاكهم وإغراق أهلها، بغير ذنب، وهل هذا جزاء أنهم حملونا بغير أجرة؟! ((قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا))، ذكره الخضر بما تقدم من الشرط، ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف:٧٠] يعني: هذا الصنيع وأنا أتعمده، وسبق أن اشترطت عليك أن لا تعترض على شيء حتى أحدث لك منه ذكراً، وهو من الأمور الذي اتفقت معك على أن لا تنكر علي فيها؛ لأنك لم تحط بها خبراً؛ إذ لها سر لا تعلمه أنت، ((قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ))، أي: قال موسى: لا تؤاخذني بما نسيت من الشرط، فإن المؤاخذة به تفضي إلى العسر، وسيكون هذا أمراً عسيراً علي، والمراد: التماس عدم المؤاخذة لقيام المانع وهو النسيان: ((وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا))، أي: لا تحمل علي من أمري في تحصيل الأمر منك عسراً؛ لأنه يلجئني إلى تركه، فلا تعسر علي متابعتك بل يسرها علي بالإغضاء وترك المناقشة.
((فانطلقا)) بعد أن نزلا من السفينة إلى الساحل، ((حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ))، يعني: نفساً ستقتل، بل هل نفس زكية طاهرة من موجبات القتل؛ لأنه لم يقتل غيره، فكيف تقتله؟ ((لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا)) أي: شيئاً منكراً، أو أنكر من الأول، فالأول كان خرقاً يمكن تداركه بالسد، أما القتل فلا سبيل إلى تداركه.
((قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)) تأكيد في التذكار، ونكتة زيادة (لك) كما قال الزمخشري: زيادة المكافحة بالعتاب على رفض الوصية، والوسم بقلة الصبر عند الكرة الثانية.
أي: كما لو أتى إنساناً ما نهيته عنه فلمته وعنفته، ثم أتى به مرة أخرى فإنك تزيد في عتابك، قال: وهذا موضع تدق عن العثور عليه مبادرة النظر).
يعني من قرأ قراءة سريعة دون تأمل لا يلتفت لمثل هذا المعنى، لكن من تأمل القرآن وبلاغته أدرك هذا في المرة الأولى.
قال موسى: ((قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي))، أي: وجدت من جهتي عذراً؛ إذ أعذرت إلي مرة بعد مرة فخالفتك ثلاث مرات بمقتضى الاستعجال.
((فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ)) اختلف في تسميتها، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: الخلاف فيها كالخلاف في مجمع البحرين، ولا يوثق بشيء منه، يعني: لا يهمنا اسم القرية، والمقصود أخذ العبرة.
((اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا)) أي: امتنعوا من أن يطعموا الطعام الذي هو حق ضيافتهما عليهم، وقرئ: (فأبوا أن يُضِيْفُوهما) من الإضافة، يقال: ضافه إذا نزل به، وأضافه وضيَّفه: أنزله ليطعمه في منزله على وجه الإكرام.
((فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ))، أي: ينهدم.
تقول: انقض الطائر إذا أسرع سقوطه، يقول هنا: والإرادة مستعارة للمداناة والمشاركة لما فيهما من الميل، استعارة تصريحية أو مكنية أو تخيلية، أو هي مجاز مرسل بعلاقة السبب، إذ الإرادة سبب لقرب الوقوع.
وقد أكثر الزمخشري من الشواهد على مثل هذا المجاز.
((فأقامه))، أي: عمره وأصلحه، ((قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا))، أي: لو طلبت على عملك جعلاً حتى تنتفع به، ففيه لوم على ترك الأجرة مع مسيس الحاجة إليها، أي: هؤلاء الناس ضيعوا حقنا في الضيافة، فكيف تصلح لهم هذا الجدار وتقيمه وتضيع الأجر ((قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ)) هذا إشارة إلى الفراق الموعود، بقوله: ((إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني))، أو إشارة إلى الاعتراض الثالث، أو هذا الوقت الحاضر فراق بيني وبينك.
((سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا)) يعني: عاقبة أو مآل مالم تصبر على ظاهره؛ لأن التأويل يطلق أحياناً على العاقبة والمآل.
وتأويل هذا الذي لم يستطع عليه صبراً هو خلاص السفينة من اليد العادية، وخلاص أبوي الغلام من شره مع الفوز بالبديل الأحسن، واستخراج الكنز لليتيمين.
قال أبو السعود: وفي جعل صلة الموصول عدم استطاعة موسى ﵇ الصبر، دون أن يقول: بتأويل ما فعلت، أو: بتأويل ما رأيت ونحوهما، نوع تعريض به ﵇ وعتابه.
ثم أخذ الخضر في تفسير ما أشكل أمره على موسى، وما كان أنكره ظاهراً، وقد أظهر الله الخضر ﵇ على باطنه.
стр. 1575
إثبات إرادة حقيقية للجدار
قوله: ((فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه)).
يقول الشنقيطي ﵀: هذه الآية الكريمة من أكبر الأدلة التي يستدل بها القائلون بالمجاز في القرآن، زاعمين أن إرادة الجدار الانقضاض لا يمكن أن تكون حقيقة وإنما هي مجاز، وقد دلت آيات من كتاب الله على أنه لا مانع من كون إرادة الجدار حقيقة؛ لأن الله تعالى يعلم للجمادات إيرادات وأفعالاً وأقوالاً لا يدركها الخلق، كما صرح تعالى بأنه يعلم من ذلك ما لا يعلمه خلقه في قوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]، فصرح بأننا لا نفقه تسبيحهم وتسبيحهم واقع عن إرادة لهم يعلمها الله ونحن لا نعلمها، وأمثلة ذلك كثيرة في القرآن والسنة.
يقول: فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٤]، فتصريحه تعالى بأن بعض الحجارة يهبط من خشية الله دليل واضح في ذلك؛ لأن تلك الخشية بإدراك يعلمه الله ونحن لا نعلمه، فقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ) [الأحزاب:٧٢]، فتصريحه جل وعلا بأن السماء والأرض والجبال أبت وأشفقت دليل على أن ذلك واقع بإرادة وإدراك يعلمه هو جل وعلا ونحن لا نعلمه.
ومن الأحاديث على ذلك: ما ثبت في صحيح مسلم: أن النبي ﷺ قال: (إني لأعرف حجراً كان يسلم علي بمكة) وما ثبت في صحيح البخاري من حنين الجذع الذي كان يخطب عليه ﷺ جزعاً لفراقه)، وكان هذا بمحضر من جميع الصحابة الذين حضروا في صلاة الجمعة، فكلهم رأى هذا الموقف في اليوم الذي اتخذ له فيه المنبر فمر على الجذع ولم يستند إليه كما كان يستند أثناء الخطبة عليه، فصعد المنبر فإذا الجذع يبكي كبكاء الصبي ويحن إلى النبي ﵊، حتى نزل ﵊ من على المنبر وضم الجذع إليه وأخذ يمسح عليه ويهدئه حتى سكت وله خنين كخنين الطفل إذا كان يبكي وينضم إلى صدر أمه، وكأنما نفسه ستطير، فالجذع وهو جماد حن إلى النبي ﵊ وجزع من فراقه.
إذاً: فالله قادر على أن يخلق إرادة في مثل هذه الجمادات.
قال: فتسليم ذلك الحجر، وحنين ذلك الجذع كلاهما بإرادة وإدراك يعلمه الله ونحن لا نعلمه، كما صرح بمثله في قوله: ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤].
وزعم من لا علم عنده أن هذه الأمور لا حقيقة لها، وإنما هي ضرب أمثال، وهذا زعم باطل؛ لأن نصوص الكتاب والسنة لا يجوز صرفها عن معناها الواضح المتبادر إلا بدليل يجب الرجوع إليه، وأمثال هذا كثيرة جداً، وبذلك تعلم أنه لا مانع من إبقاء إرادة الجدار على حقيقتها؛ لأن العقل لا يحيل مثل هذا.
((يريد أن ينقض فأقامه)) جدار خلق الله فيه إرادة بحيث يريد أن ينقض، ولا إشكال في ذلك، ولا مانع من إبقاء إرادة الجدار على حقيقتها، لإمكان أن يكون الله علم منه إرادة الانقضاض وإن لم يعلم خلقه تلك الإرادة، وهذا واضح جداً كما ترى، مع أن من الأساليب العربية إطلاق الإرادة على المقاربة والميل إلى الشيء، كما في قول الشاعر: يريد الرمح صدر أبي براء ويعدل عن دماء بني عقيل وكقول راعي نمير: في مهمه قلقت به هامتها قلق النفوس إذا أردن نضولا يعني: إذا قاربنه، وقول آخر: إن دهراً يلف شملي بجمل لزمان يهم بالإحسان يعني: لزمان يقع الإحسان فيه.
وقد بينا في رسالتنا المسماة: (منع جواز المجاز في المنزل للتعجب والإعجاز) أن جميع الآيات التي يزعمون أنها مجاز، أن ذلك لا يتعين بشيء منها، وبينا أدلة ذلك، والعلم عند الله تعالى.
стр. 1576
تفسير قوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ما لم تسطع عليه صبراً)
يقول ﵎ على لسان الخضر ﵇: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا * ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٩ - ٨٢].
((أما السفينة)) التي خرقتها، ((فكانت لمساكين يعملون في البحر)) أي: لفقراء يحترفون العمل في البحر لنقل الناس من ساحل إلى آخر، ((فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً))، أي: إنما خرقتها لأعيبها؛ لأنهم كانوا يمرون بها على ملك من الظلمة يأخذ كل سفينة جيدة غصباً، فأردت أن أعيبها لأرده عنها بعيبها؛ لأنه إذا كان فيها هذا العيب لن يأخذها، لكن إذا كانت السفينة صالحة -كما قال ابن عباس - فإنهم يأخذونها غصباً وظلماً وعدواناً.
يقول الشنقيطي: ظاهر هذه الآية الكريمة أن ذلك الملك يأخذ كل سفينة صحيحة كانت أو معيبة، ولكنه يفهم من آية أخرى أنه لا يأخذ المعيبة وهي قوله: ((فأردت أن أعيبها))، أي: لئلا يأخذها هذا الملك، وذلك هو الحكمة في خرقه لها المذكور في قوله: ((حتى إذا ركبا في السفينة خرقها)) ثم بين أن قصده بخرقها سلامتها لأهلها من أخذ ذلك الملك الغاصب؛ لأن عيبها يزهده فيها.
ولأجل ما ذكرنا كانت هذه الآية الكريمة مثالاً عند علماء العربية لحذف النعت، أي: وكان وارءهم ملك يأخذ كل سفينة صحيحة غير معيبة، بدليل ما ذكرنا، كما سبق في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الإسراء:٥٨]، واسم ذلك الملك: هدد بن بدر، وقوله: (وراءهم)، أي: أمامهم، كما تقدم في سورة إبراهيم ﵇، في قول الله: ((مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ)) [إبراهيم:١٦] يعني: من أمامه.
((وأما الغلام)) الذي قتلته، ((فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا))، لو تركناه حياً، ((أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا))، أي: أن ينزل بهما طغيانه وكفره، ويلحقه بهما لكونه طبع على ذلك، فيخشى أن يعديهما بدائه؛ إذ الكفر ينتقل منه إليهما فيفتنهما عن دينهما، ((فَأَرَدْنَا)) بقتله، ((أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً))، أي: طهارة عن الكفر والطغيان، وهذا يشير إلى أن الإيمان تطهير وتزكية، ((خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا)) أي: رحمة بأبويه وبراً.
﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف:٨٢].
قوله: ((فأراد ربك أن يبلغا أشدهما))، أي: قوتهما في العقل وكمال الرأي، ((ويستخرجا كنزها))، ليتصرفا فيه، ((رحمة من ربك)) أي: تفضلاً به عليهما، ورحمة: مفعول له، أو مصدر مؤكد (لأراد)، فإن إرادة الخير رحمة.
((وَمَا فَعَلْتُهُ))، ما فعلت ما رأيت مني، ((عَنْ أَمْرِي))، أي: عن اجتهادي ورأيي، وإنما فعلته بأمر الله تعالى، ((ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا)) من الأمور التي رأيتها، أي مآله وعاقبته.
قال أبو السعود: ((ذلك)) إشارة إلى العواقب المنظومة في سلك البيان، وما فيه من معنى البعد، للإيذان ببعد درجتها في الفخامة، و ((تسطع)) مخفف بحذف التاء.
стр. 1577
فوائد من قصة موسى مع الخضر
يذكر القاسمي رحمه الله تعالى بعض الفوائد من هذه القصة، يقول: تنبيهات فيما اشتمل عليه هذا النبأ من الأحكام والنقائض والفوائد السامية.
стр. 1578
فوائد مرتبة حسب سير القصة
الأول: قال السيوطي في الإكليل: في هذه الآية أنه لا بأس بالاستخدام واتخاذ الرفيق والخادم في السفر، واستخدام الرحلة في طلب العلم، واستزادة العالم من العلم، واتخاذ الزاد للسفر، وأنه لا ينافي التوكل وشدة النسيان ونحوه من الأمور المكروهة إلى الشيطان مجازاً وتأدباً عن نسبتهما إلى الله تعالى، وتواضع المتعلم لمن يتعلم منه ولو كان دونه في المرتبة، واعتذار العالم إلى من يريد الأخذ عنه في عدم تعليمه مما لا يحتمله طبعه، وتقديم المشيئة في الأمر، واشتراط المسموع على السامع، وأنه يلزم الوفاء بالشروط، وأن النسيان غير مؤاخذ به، وأن للثناء اعتباراً في التكرار ونحوه، وأنه لا بأس بطلب الغريب الطعام والضيافة، وأن صنع الجميل لا يترك ولو مع اللئام، وجواز أخذ الأجر على الأعمال، وأن المسكين لا يخرج عن المسكنة لكونه له سفينة أو آلة يكتسب بها شيئاً لا يكفيه، وأن الغصب حرام، وأنه يجوز إتلاف مال الغير أو تعييبه لوقاية ما فيه كمال المودع واليتيم، وإذا تعارض مفسدتان ارتكب الأخف، وأن الولد يحفظ بصلاح أبيه، وأن أعظم ثقة التأمين على الأولاد هي تقوى الله : ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء:٩]، ليست الأموال ولا الضياع ولا الثروات وإنما تقوى الله ، وأنه تجب عمارة ما يخاف منه الخراب، ويحرم إهمالها إلى أن تخرب، وأنه يجوز دفن المال في الأرض.
وقال البيضاوي: الفائدة من هذه القصة أن لا يعجب المرأ بعلمه، ولا يبادر إلى إنكار مالم يستحمله، فلعل به سراً لا يعرفه، وأن يداوم على التعلم ويتذلل للمتعلم، ويراعي الأدب في المقال، وأن ينبه المجرم على جرمه ويعفو عنه حتى يحقق إصراره ثم يهاجر عنه.
انتهى.
ومن فوائد الآية كما في فتح الباري: استخدام الحرص على لقاء العلماء، وتجشم المشاق في ذلك، وإطلاق الفتى على التابع، واستخدام الحر، وطواعية الخادم لمخدومه، وعذر الناسي، وجواز الإخبار بالتعب، ويلحق به الألم من مرض ونحوه، ومحل ذلك إذا كان ذلك على غير سخط من المقدور.
ومنها: أن المتوجه إلى ربه يعان فلا يسرع إليه النصب، وفيها جواز طلب القوت وطلب الضيافة، وقيام العذر بالمرة الواحدة، وقيام الحجة بالمرة الثانية، وفيها: حسن الأدب مع الله، وألا يضاف إليه ما يستهجن لفظه وإن كان الكل بتقديره وخلقه.
стр. 1579
عدم نسبة الشر إلى الله
لو تأملت في قوله أولاً: ((فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا))، وجدت أنه لم ينسب العيب إلى الله، لكن نسبه إلى نفسه وإن كان عن أمر الله تأدباً مع الله.
وعندما يذكر قتل الغلام قال ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف:٨١].
وفي الحالة الثالثة قال: ((فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا))، فنسب الإرادة إلى الله ، لأنها في خير محض، والنكتة أنه لا ينسب الشر إلى الله ، كما في حديث القنوت في دعاء النبي ﵊: (والشر ليس إليك)، فليس في أفعال الله شر على الإطلاق، بل كل أفعاله خير محض، وإنما الشر أمر نسبي إضافي، قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:١ - ٢]، فأضاف الشر إلى المخلوقين، لكن لا يضاف إلى الله ، ولذلك نظائر، كما في قول أيوب ﵇: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص:٤١]، وقول إبراهيم ﵇: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٧٧] * ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٨]، فنسب الخلق والهداية إلى الله، ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء:٧٩ - ٨١]، فلم ينسب المرض إلى الله مع أن الله خالق كل شيء.
لكن تأدباً نسب المرض إلى نفسه لأنه شر.
وقال تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ﴾ [الفاتحة:٧]، فنسب النعمة إلى الله، ثم في الغضب والضلال قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] ولذلك قلنا: إن الغالب أن في تفسير (الذين أوتوا الكتاب) أو (الذين أورثوا الكتاب): أنها إذا وردت للمجهول فالسياق سياق ذم.
أما إذا نسبت إلى الله فالسياق سياق مدح: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] وقال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر:٣٢]، وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى:١٤].
وفي سورة الجن قال: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ) [الجن:١٠]، ثم قال: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠]، ففي الشر استعمل صيغة المجهول، أما في الخير والرشاد فقد نسبه إلى الله .
وفيها حسن الأدب مع الله، وألا يضاف إليه ما يستهجن لفظه وإن كان الكل من تقديره وخلقه، لقول الخضر عن السفينة: ((فأردت أن أعيبها))، وعن الجدار: ((فأراد ربك))، ومثل هذا قوله ﷺ : (والخير بيديك والشر ليس إليك)، يعني: ليس في أفعالك شر أبداً.
стр. 1580
فوائد بلاغية ولغوية
من فوائد هذه القصة: إطلاق لفظ القرية على المدينة: لقوله: ((أَهْلَ قَرْيَةٍ))، ثم قال بعد ذلك: ((لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ)) فدل على أن المدينة يطلق عليها قرية، وورد في الحديث أن موسى ﵇ لم يقل: (لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً)، إلا بعد أن جاوز الموضع الذي حدده الله تعالى له، فلعل الحكمة أن يتيقظ موسى ﵇ لمنة الله تعالى على المسافر في طاعة الله في التيسير عليه وحمل الأعباء عنه، وتلك سنة الله الجارية في حق من صحت له نية في عبادة من العبادات أن ييسرها ويحمل عنه مؤنتها، ويتكفل به ما دام على تلك الحالة.
وموضع الإيقاظ أنه وجد بين حالة سفره للموعد وحالة مجاوزة هذا الموعد بوناً بيناً والله تعالى أعلم.
يعني: أن موسى لم يشعر بالتعب إلا بعد أن جاوز المكان الذي حدده الله له، وهو الصخرة أو مجمع البحرين، وكأن الله ينبهه: أنك ما دمت مسافراً في طلب العلم فأنا أُذهب عنك النصب والمشقة وأيسر عليك الأمر، فلما جاوز ذلك الموضع حصل له النصب ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف:٦٢].
وإن كان موسى ﵇ متيقظاً لذلك، فالمطلوب إيقاظ غيره من أمته، بل من أمة محمد ﷺ إذا قص عليهم القصة، وما أورد الله تعالى قصص أنبيائه إلا ليشمر الخلق لتدبرها واقتباس أنوارها ومنافعها عاجلاً وآجلاً، والله أعلم.
ثم قال الناصر ﵀ في الانتصاف: ومما يدل على أن موسى ﵇ إنما حمله على المبادرة بالإنكار الحمية للحق.
أي أن موسى ما أنكر إلا غيرة على الحق على ظاهر شريعته، ثم إنه حين خرق السفينة قال: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ [الكهف:٧١]، فنسي نفسه واشتغل بغيره في الحالة التي يقول فيها كل أحد: نفسي نفسي، لا يلوي على مال ولا ولد، فتلك حالة غرق.
فالشاهد: أن موسى ﵇ ما قال: نفسي نفسي! وإنما كان همه الناس من حوله ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف:٧١] ولم يقل: (لتغرقنا)، فسبحان من جبل أنبياءه وأصفياءه على نصح الخلق والشفقة عليهم والرأفة عليهم، صلوات الله عليهم أجمعين وسلامه.
ثم قال عليه الرحمة على قول الزمخشري: (فإن قلت: (فأردت أن أعيبها)، كان من المفروض من حيث سياق المعنى أن يقول: (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً فأردت أن أعيبها) فلماذا قدم فعل الغصب رغم أن النتيجة حقها أن تؤخر عن السبب؟ قلت: النية به التأخير، وإنما قدم للعناية، ولأن خوف الغصب ليس السبب وحده، ولكن مع كونها للمساكين، فكان بمنزلة قولك: زيد ظني مقيم).
قال الناصر: كأنه جعل السبب في إعابتها كونها للمساكين، ثم بين مناسبة هذا السبب للمسبب بذكر عادة الملك في غصب السفن، وهذا هو حدّ الترتيب في التعليل، أن يركب الحكم على السبب، ثم يوضح المناسبة فيما بعد، فلا يحتاج إلى جعله مقدماً والنية تأخيره، والله أعلم.
ثم قال: ولقد تأملت من فصاحة هذه الآية والمخالفة بينها في الأسلوب عجباً؛ ألا تراه في الأولى أسند الفعل إلى ضميره خاصة بقوله: ((فأردت أن أعيبها)) وأسنده في الثانية إلى ضمير الجماعة والمعظم نفسه فقال: ((فأردنا أن يبدلهما ربهما))، وقال: ((فخشينا أن يرهقهما)) ولعل إسناد الأول إلى نفسه خاصة من باب الأدب مع الله تعالى؛ لأن المراد: ثم عبت، فتأدب بأن نسب الإعابة إلى نفسه، وأما إسناد الثاني إلى الضمير المذكور (فأردنا) (فخشينا) فالظاهر أنه من باب قول خواص الملك: أمرنا بكذا، وإنما يعنون أمر الملك.
ويدل على ذلك قوله في الثالثة: ((فأراد ربك أن يبلغا أشدهما)) فانظر كيف تغايرت هذه الأساليب ولم تأت على نمط واحد مكرر يمجها السمع وينبو عنها، ثم انطوت هذه المخالفة على رعاية الأسرار المذكورة، فسبحان اللطيف الخبير! فإذا الثالثة قال الخفاجي في إعادة (أهل)، يعني قوله: ((استطعما أهلها))، بعدما قال: ((أتيا أهل قرية)) مع أن السياق كان يقتضي أن يقال: (حتى إذا أتيا أهل قرية فاستطعماهم فأبوا أن يضيفوهما)، ونظم الصلاح الصفدي سائلاً الإمام السبكي عن هذا المعنى، فقال: رأيت كتاب الله أعظم معجز لأفضل من يهدى به الثقلان ومن جملة الإعجاز كون اختصاصه بإيجاز ألفاظ ونصح معان ولكنني في الكهف أبصرت آية بها الفكر في طول الزمان عناني وما هي إلا (استطعما أهلها) فقد نرى (استطعماهم) مثله ببيان فما الحكمة الغراء في وضع ظاهر مكان ضمير إن ذاك لشان يعني أنه عدل عن الظاهر بإعادة لفظ (أهل) ولم يقل (استطعماها) أو (استطعماهم) فلابد له من وجه.
وقد أجابوا بأجوبة مطولة نظماً ونثراً، والذي تحرر فيه: أنه ذكر الأهل أولاً ولم يحذف إيجازاً سواء قدر أو تجوز في القرية، كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢]؛ لأن الإتيان ينسب للمكان كما تقول: أتيت عرفة، ولمن في المكان تقول: أتيت بغداد، فلولم يذكر كان فيه التباس مخل، فليس ما هنا نظير تلك الآية، لامتناع سؤال نفس القرية، فلا يستعمل استعمالها.
يعني لم يقل كما قال في سورة يوسف: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢]؛ لأنه ظاهر جداً أن المقصود أهل القرية.
وأما الأهل الثاني (استطعما أهلها) فأعيد لأنه غير الأول، وليست كل معرفة أعيدت عيناً كما بينوا؛ لأن المراد به بعضهم إذ سؤالهم فرداً فرداً مستبعد، فلولم يذكر فهم غير المراد، وأما لو قيل: (استطعماهم) فظاهر، وأما لو قال (استطعماها)؛ فإن النسبة إلى المحل تفيد الاستيعاب.
следующие страницы →