← Тафсир

Тафсир · id 37041

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (3 275 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

تفسير قوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ما لم تسطع عليه صبراً) يقول ﵎ على لسان الخضر ﵇: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا * ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٩ - ٨٢]. ((أما السفينة)) التي خرقتها، ((فكانت لمساكين يعملون في البحر)) أي: لفقراء يحترفون العمل في البحر لنقل الناس من ساحل إلى آخر، ((فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً))، أي: إنما خرقتها لأعيبها؛ لأنهم كانوا يمرون بها على ملك من الظلمة يأخذ كل سفينة جيدة غصباً، فأردت أن أعيبها لأرده عنها بعيبها؛ لأنه إذا كان فيها هذا العيب لن يأخذها، لكن إذا كانت السفينة صالحة -كما قال ابن عباس - فإنهم يأخذونها غصباً وظلماً وعدواناً. يقول الشنقيطي: ظاهر هذه الآية الكريمة أن ذلك الملك يأخذ كل سفينة صحيحة كانت أو معيبة، ولكنه يفهم من آية أخرى أنه لا يأخذ المعيبة وهي قوله: ((فأردت أن أعيبها))، أي: لئلا يأخذها هذا الملك، وذلك هو الحكمة في خرقه لها المذكور في قوله: ((حتى إذا ركبا في السفينة خرقها)) ثم بين أن قصده بخرقها سلامتها لأهلها من أخذ ذلك الملك الغاصب؛ لأن عيبها يزهده فيها. ولأجل ما ذكرنا كانت هذه الآية الكريمة مثالاً عند علماء العربية لحذف النعت، أي: وكان وارءهم ملك يأخذ كل سفينة صحيحة غير معيبة، بدليل ما ذكرنا، كما سبق في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الإسراء:٥٨]، واسم ذلك الملك: هدد بن بدر، وقوله: (وراءهم)، أي: أمامهم، كما تقدم في سورة إبراهيم ﵇، في قول الله: ((مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ)) [إبراهيم:١٦] يعني: من أمامه. ((وأما الغلام)) الذي قتلته، ((فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا))، لو تركناه حياً، ((أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا))، أي: أن ينزل بهما طغيانه وكفره، ويلحقه بهما لكونه طبع على ذلك، فيخشى أن يعديهما بدائه؛ إذ الكفر ينتقل منه إليهما فيفتنهما عن دينهما، ((فَأَرَدْنَا)) بقتله، ((أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً))، أي: طهارة عن الكفر والطغيان، وهذا يشير إلى أن الإيمان تطهير وتزكية، ((خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا)) أي: رحمة بأبويه وبراً. ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف:٨٢]. قوله: ((فأراد ربك أن يبلغا أشدهما))، أي: قوتهما في العقل وكمال الرأي، ((ويستخرجا كنزها))، ليتصرفا فيه، ((رحمة من ربك)) أي: تفضلاً به عليهما، ورحمة: مفعول له، أو مصدر مؤكد (لأراد)، فإن إرادة الخير رحمة. ((وَمَا فَعَلْتُهُ))، ما فعلت ما رأيت مني، ((عَنْ أَمْرِي))، أي: عن اجتهادي ورأيي، وإنما فعلته بأمر الله تعالى، ((ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا)) من الأمور التي رأيتها، أي مآله وعاقبته. قال أبو السعود: ((ذلك)) إشارة إلى العواقب المنظومة في سلك البيان، وما فيه من معنى البعد، للإيذان ببعد درجتها في الفخامة، و ((تسطع)) مخفف بحذف التاء.

стр. 1577

فوائد من قصة موسى مع الخضر يذكر القاسمي رحمه الله تعالى بعض الفوائد من هذه القصة، يقول: تنبيهات فيما اشتمل عليه هذا النبأ من الأحكام والنقائض والفوائد السامية.

стр. 1578

فوائد مرتبة حسب سير القصة الأول: قال السيوطي في الإكليل: في هذه الآية أنه لا بأس بالاستخدام واتخاذ الرفيق والخادم في السفر، واستخدام الرحلة في طلب العلم، واستزادة العالم من العلم، واتخاذ الزاد للسفر، وأنه لا ينافي التوكل وشدة النسيان ونحوه من الأمور المكروهة إلى الشيطان مجازاً وتأدباً عن نسبتهما إلى الله تعالى، وتواضع المتعلم لمن يتعلم منه ولو كان دونه في المرتبة، واعتذار العالم إلى من يريد الأخذ عنه في عدم تعليمه مما لا يحتمله طبعه، وتقديم المشيئة في الأمر، واشتراط المسموع على السامع، وأنه يلزم الوفاء بالشروط، وأن النسيان غير مؤاخذ به، وأن للثناء اعتباراً في التكرار ونحوه، وأنه لا بأس بطلب الغريب الطعام والضيافة، وأن صنع الجميل لا يترك ولو مع اللئام، وجواز أخذ الأجر على الأعمال، وأن المسكين لا يخرج عن المسكنة لكونه له سفينة أو آلة يكتسب بها شيئاً لا يكفيه، وأن الغصب حرام، وأنه يجوز إتلاف مال الغير أو تعييبه لوقاية ما فيه كمال المودع واليتيم، وإذا تعارض مفسدتان ارتكب الأخف، وأن الولد يحفظ بصلاح أبيه، وأن أعظم ثقة التأمين على الأولاد هي تقوى الله : ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء:٩]، ليست الأموال ولا الضياع ولا الثروات وإنما تقوى الله ، وأنه تجب عمارة ما يخاف منه الخراب، ويحرم إهمالها إلى أن تخرب، وأنه يجوز دفن المال في الأرض. وقال البيضاوي: الفائدة من هذه القصة أن لا يعجب المرأ بعلمه، ولا يبادر إلى إنكار مالم يستحمله، فلعل به سراً لا يعرفه، وأن يداوم على التعلم ويتذلل للمتعلم، ويراعي الأدب في المقال، وأن ينبه المجرم على جرمه ويعفو عنه حتى يحقق إصراره ثم يهاجر عنه. انتهى. ومن فوائد الآية كما في فتح الباري: استخدام الحرص على لقاء العلماء، وتجشم المشاق في ذلك، وإطلاق الفتى على التابع، واستخدام الحر، وطواعية الخادم لمخدومه، وعذر الناسي، وجواز الإخبار بالتعب، ويلحق به الألم من مرض ونحوه، ومحل ذلك إذا كان ذلك على غير سخط من المقدور. ومنها: أن المتوجه إلى ربه يعان فلا يسرع إليه النصب، وفيها جواز طلب القوت وطلب الضيافة، وقيام العذر بالمرة الواحدة، وقيام الحجة بالمرة الثانية، وفيها: حسن الأدب مع الله، وألا يضاف إليه ما يستهجن لفظه وإن كان الكل بتقديره وخلقه.

стр. 1579

عدم نسبة الشر إلى الله لو تأملت في قوله أولاً: ((فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا))، وجدت أنه لم ينسب العيب إلى الله، لكن نسبه إلى نفسه وإن كان عن أمر الله تأدباً مع الله. وعندما يذكر قتل الغلام قال ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف:٨١]. وفي الحالة الثالثة قال: ((فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا))، فنسب الإرادة إلى الله ، لأنها في خير محض، والنكتة أنه لا ينسب الشر إلى الله ، كما في حديث القنوت في دعاء النبي ﵊: (والشر ليس إليك)، فليس في أفعال الله شر على الإطلاق، بل كل أفعاله خير محض، وإنما الشر أمر نسبي إضافي، قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:١ - ٢]، فأضاف الشر إلى المخلوقين، لكن لا يضاف إلى الله ، ولذلك نظائر، كما في قول أيوب ﵇: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص:٤١]، وقول إبراهيم ﵇: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٧٧] * ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٨]، فنسب الخلق والهداية إلى الله، ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء:٧٩ - ٨١]، فلم ينسب المرض إلى الله مع أن الله خالق كل شيء. لكن تأدباً نسب المرض إلى نفسه لأنه شر. وقال تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ﴾ [الفاتحة:٧]، فنسب النعمة إلى الله، ثم في الغضب والضلال قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] ولذلك قلنا: إن الغالب أن في تفسير (الذين أوتوا الكتاب) أو (الذين أورثوا الكتاب): أنها إذا وردت للمجهول فالسياق سياق ذم. أما إذا نسبت إلى الله فالسياق سياق مدح: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] وقال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر:٣٢]، وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى:١٤]. وفي سورة الجن قال: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ) [الجن:١٠]، ثم قال: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠]، ففي الشر استعمل صيغة المجهول، أما في الخير والرشاد فقد نسبه إلى الله . وفيها حسن الأدب مع الله، وألا يضاف إليه ما يستهجن لفظه وإن كان الكل من تقديره وخلقه، لقول الخضر عن السفينة: ((فأردت أن أعيبها))، وعن الجدار: ((فأراد ربك))، ومثل هذا قوله ﷺ : (والخير بيديك والشر ليس إليك)، يعني: ليس في أفعالك شر أبداً.

стр. 1580

فوائد بلاغية ولغوية من فوائد هذه القصة: إطلاق لفظ القرية على المدينة: لقوله: ((أَهْلَ قَرْيَةٍ))، ثم قال بعد ذلك: ((لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ)) فدل على أن المدينة يطلق عليها قرية، وورد في الحديث أن موسى ﵇ لم يقل: (لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً)، إلا بعد أن جاوز الموضع الذي حدده الله تعالى له، فلعل الحكمة أن يتيقظ موسى ﵇ لمنة الله تعالى على المسافر في طاعة الله في التيسير عليه وحمل الأعباء عنه، وتلك سنة الله الجارية في حق من صحت له نية في عبادة من العبادات أن ييسرها ويحمل عنه مؤنتها، ويتكفل به ما دام على تلك الحالة. وموضع الإيقاظ أنه وجد بين حالة سفره للموعد وحالة مجاوزة هذا الموعد بوناً بيناً والله تعالى أعلم. يعني: أن موسى لم يشعر بالتعب إلا بعد أن جاوز المكان الذي حدده الله له، وهو الصخرة أو مجمع البحرين، وكأن الله ينبهه: أنك ما دمت مسافراً في طلب العلم فأنا أُذهب عنك النصب والمشقة وأيسر عليك الأمر، فلما جاوز ذلك الموضع حصل له النصب ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف:٦٢]. وإن كان موسى ﵇ متيقظاً لذلك، فالمطلوب إيقاظ غيره من أمته، بل من أمة محمد ﷺ إذا قص عليهم القصة، وما أورد الله تعالى قصص أنبيائه إلا ليشمر الخلق لتدبرها واقتباس أنوارها ومنافعها عاجلاً وآجلاً، والله أعلم. ثم قال الناصر ﵀ في الانتصاف: ومما يدل على أن موسى ﵇ إنما حمله على المبادرة بالإنكار الحمية للحق. أي أن موسى ما أنكر إلا غيرة على الحق على ظاهر شريعته، ثم إنه حين خرق السفينة قال: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ [الكهف:٧١]، فنسي نفسه واشتغل بغيره في الحالة التي يقول فيها كل أحد: نفسي نفسي، لا يلوي على مال ولا ولد، فتلك حالة غرق. فالشاهد: أن موسى ﵇ ما قال: نفسي نفسي! وإنما كان همه الناس من حوله ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف:٧١] ولم يقل: (لتغرقنا)، فسبحان من جبل أنبياءه وأصفياءه على نصح الخلق والشفقة عليهم والرأفة عليهم، صلوات الله عليهم أجمعين وسلامه. ثم قال عليه الرحمة على قول الزمخشري: (فإن قلت: (فأردت أن أعيبها)، كان من المفروض من حيث سياق المعنى أن يقول: (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً فأردت أن أعيبها) فلماذا قدم فعل الغصب رغم أن النتيجة حقها أن تؤخر عن السبب؟ قلت: النية به التأخير، وإنما قدم للعناية، ولأن خوف الغصب ليس السبب وحده، ولكن مع كونها للمساكين، فكان بمنزلة قولك: زيد ظني مقيم). قال الناصر: كأنه جعل السبب في إعابتها كونها للمساكين، ثم بين مناسبة هذا السبب للمسبب بذكر عادة الملك في غصب السفن، وهذا هو حدّ الترتيب في التعليل، أن يركب الحكم على السبب، ثم يوضح المناسبة فيما بعد، فلا يحتاج إلى جعله مقدماً والنية تأخيره، والله أعلم. ثم قال: ولقد تأملت من فصاحة هذه الآية والمخالفة بينها في الأسلوب عجباً؛ ألا تراه في الأولى أسند الفعل إلى ضميره خاصة بقوله: ((فأردت أن أعيبها)) وأسنده في الثانية إلى ضمير الجماعة والمعظم نفسه فقال: ((فأردنا أن يبدلهما ربهما))، وقال: ((فخشينا أن يرهقهما)) ولعل إسناد الأول إلى نفسه خاصة من باب الأدب مع الله تعالى؛ لأن المراد: ثم عبت، فتأدب بأن نسب الإعابة إلى نفسه، وأما إسناد الثاني إلى الضمير المذكور (فأردنا) (فخشينا) فالظاهر أنه من باب قول خواص الملك: أمرنا بكذا، وإنما يعنون أمر الملك. ويدل على ذلك قوله في الثالثة: ((فأراد ربك أن يبلغا أشدهما)) فانظر كيف تغايرت هذه الأساليب ولم تأت على نمط واحد مكرر يمجها السمع وينبو عنها، ثم انطوت هذه المخالفة على رعاية الأسرار المذكورة، فسبحان اللطيف الخبير! فإذا الثالثة قال الخفاجي في إعادة (أهل)، يعني قوله: ((استطعما أهلها))، بعدما قال: ((أتيا أهل قرية)) مع أن السياق كان يقتضي أن يقال: (حتى إذا أتيا أهل قرية فاستطعماهم فأبوا أن يضيفوهما)، ونظم الصلاح الصفدي سائلاً الإمام السبكي عن هذا المعنى، فقال: رأيت كتاب الله أعظم معجز لأفضل من يهدى به الثقلان ومن جملة الإعجاز كون اختصاصه بإيجاز ألفاظ ونصح معان ولكنني في الكهف أبصرت آية بها الفكر في طول الزمان عناني وما هي إلا (استطعما أهلها) فقد نرى (استطعماهم) مثله ببيان فما الحكمة الغراء في وضع ظاهر مكان ضمير إن ذاك لشان يعني أنه عدل عن الظاهر بإعادة لفظ (أهل) ولم يقل (استطعماها) أو (استطعماهم) فلابد له من وجه. وقد أجابوا بأجوبة مطولة نظماً ونثراً، والذي تحرر فيه: أنه ذكر الأهل أولاً ولم يحذف إيجازاً سواء قدر أو تجوز في القرية، كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢]؛ لأن الإتيان ينسب للمكان كما تقول: أتيت عرفة، ولمن في المكان تقول: أتيت بغداد، فلولم يذكر كان فيه التباس مخل، فليس ما هنا نظير تلك الآية، لامتناع سؤال نفس القرية، فلا يستعمل استعمالها. يعني لم يقل كما قال في سورة يوسف: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢]؛ لأنه ظاهر جداً أن المقصود أهل القرية. وأما الأهل الثاني (استطعما أهلها) فأعيد لأنه غير الأول، وليست كل معرفة أعيدت عيناً كما بينوا؛ لأن المراد به بعضهم إذ سؤالهم فرداً فرداً مستبعد، فلولم يذكر فهم غير المراد، وأما لو قيل: (استطعماهم) فظاهر، وأما لو قال (استطعماها)؛ فإن النسبة إلى المحل تفيد الاستيعاب.

стр. 1581

خصوصية الخضر في أفعاله ومن فوائد هذه القصة ما قاله القاسمي رحمه الله تعالى: قال الإمام السبكي رحمه الله تعالى: ما فعله الخضر ﵊ من قتل الغلام لكونه طبع كافراً مخصوص به -هذا من خصائص الخضر- لأنه أوحي إليه أن يعمل بالباطن خلاف الظاهر الموافق للحكمة، فلا إشكال فيه). يعني: الأمر من حيث ما يظهر لنا لا شك أنه يستنكر كما فعل موسى ﵇ لما أنكرها، أما الخضر فقد خصه الله أن يعمل بالباطن لا بالظاهر في هذه الأمور، فلا إشكال في هذه القصص. قال: وإن علم من الشريعة أنه لا يجوز قتل صغير لاسيما بين أبوين مؤمنين، ولو فرضنا أن الله أطلع بعض أوليائه كما أطلع الخضر ﵇ لم يجز له فعل ذلك، وما فعله الخضر كان بعلم الله وبأمر الله، قال تعالى: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾. وما ورد عن ابن عباس ﵄: لما كتب إليه نجدة الحروري الخارجي: كيف قتل الخضر الغلام، وقد نهى النبي ﷺ عن قتل الولدان، فكتب إليه: إن كنت علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتل؛ فإنما قصد به ابن عباس المحاجة والإحالة على ما لم يمكن قطعاً لطمعه في الاحتجاج بقصة الخضر ﵊، وليس مقصوده أنه إن حصل ذلك يجوز؛ لأنه لا تقتضيه الشريعة، وكيف يقتل بسبب لم يحصل؟ كيف والمولود لا يوصف بكفر حقيقي ولا إيمان حقيقي، وقصة الخضر تحمل على أنه كان شرعاً مستقلاً به وهو نبي، وليس في شريعة موسى أيضاً؛ ولذلك أنكره. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: وأما من استدل به على جواز دفع أغلظ الشرين بأخفهما فصحيح، لكن فيما لا يعارض منصوص الشرع، فلا يسوغ الإقدام على قتل النفس ممن يتوقع منه أن يقتل أنفساً كثيرة قبل أن يتعاطى شيئاً من ذلك، وإنما فعل الخضر ذلك بإطلاع الله تعالى عليه. إذاً: هذا الحكم مخصوص بالخضر ﵇. وقال ابن بطال: قول الخضر: وأما الغلام فكان كافراً؛ فهو باعتبار ما يئول إليه أمره لو عاش حتى يبلغ، واستحباب مثل هذا القتل لا يعلمه إلا الله، ولله أن يحكم في خلقه بما يشاء قبل البلوغ وبعده. يقول القاسمي: مفاد الآية: أن إنكار موسى لقتل الغلام لكونه جناية بغير موجب، ولذا قال بغير نهي: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف:٧٤]؛ لأنه لم يفعل ما يستوجب ذلك، لا لكونه صغيراً لم يبلغ الحلم؛ لأن الآية لا تفيده، وقد يكون كبيراً. يعني: أن كلمة الغلام يجوز أن تطلق على من كان كبيراً، وليس كما يتبادر إلى أذهاننا أنها تطلق على صغير السن، فمن حيث اللغة قد يطلق الغلام على الكبير، قال: فقد قال اللغويون: الغلام: الطار الشارب أو من حين يولد إلى أن يتم، والكهل أيضاً قد يطلق عليه غلاماً، ومن الأخير قول موسى في قصة الإسراء عن النبي ﷺ : (أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل من قومه الجنة) إلى آخر الحديث، (فوصف النبي ﵇ بوصف الغلام، وعند البخاري: (وجد غلماناً يلعبون فأخذ غلاماً فذبحه)، قال موسى: (أقتلت نفساً لم تعمل بالحنث) ولكن لا نص فيه على أنه كان صغيراً، فتأمل.

стр. 1582

ترجيح أن المذكور هو موسى بني إسرائيل يقول القاسمي: أكثر العلماء على أن موسى المذكور في الآية هو موسى بن عمران صاحب الآيات الشهيرة وصاحب التوراة، وذهب نوف البكالي -تابعي صدوق ابن امرأة كعب الأحبار أو ابن أخيه- إلى أنه ليس موسى بن عمران كما في البخاري. ووقع في رواية أبو إسحاق، عن سعيد بن جبير عند النسائي قال: (كنت عند ابن عباس وعنده قوم من أهل الكتاب فقال بعضهم: يـ ابن عباس! إن نوفاً يزعم عن كعب الأحبار: أن موسى الذي طلب العلم إنما هو موسى بن منفى -أي: ابن إسرافيل بن يوسف ﵇ فقال ابن عباس: أسمعت ذلك منه يا سعيد؟ قال: نعم. قال: كذب نوف)، كذب هنا: بمعنى أخطأ. وفي رواية البخاري: (كذب عدو الله)، وإنما قال ذلك مبالغة في الإنكار والتنفير من مقالته، وقد ذكرنا القصة حينما سئل موسى ﵇: هل هناك أحد أعلم منك؟ فقال: لا، أو: هل في الأرض أحد أعلم منك؟ فقال: لا. أو حدثته نفسه بهذه فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه. وأراد تعريفه أن من عباده في الأرض من هو أعلم منه؛ لئلا يحكم على ما لا علم له به، وإذا صح أن موسى هو صاحب التوراة فيكون المراد بفتاه يوشع، وكان موسى اختصه برفقته لكونه صادقاً في خدمته.

стр. 1583

ترجيح أن صاحب موسى هو الخضر قال الأكثرون: إن صاحب موسى المعبر عنه بقوله تعالى: ﴿عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الكهف:٦٥] هو الخضر، قالوا: سمي بذلك؛ لأنه ما جلس على الأرض إلا اخضرت، وقد صح ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حجر الفزاري في صاحب موسى، فقال ابن عباس: هو الخضر، فمر بهما أبي بن كعب فدعاه ابن عباس، فقال: إني تماريت -أي: تجادلت- أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقياه، فهل سمعت رسول الله ﷺ يذكر فعله؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بينا موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال: تعلم مكان أحد أعلم منك؟ قال موسى: لا، فأوحى الله إلى موسى: بلى، عبدنا خضر. فسأل موسى السبيل إلى لقياه فجعل الله له الحوت آية)، إلى آخر الحديث.

стр. 1584

نسب الخضر ودحض شبهة خلوده في الأرض تنبيه يتعلق بنسب الخضر، وفي كونه نبياً، وفي طول عمره وبقاء حياته على أطوار كثيرة: فمن قائل: بأنه ابن آدم لصلبه، أو ابن قابيل، أو ابن اليسع، أو غير ذلك، وكله مما ليس فيه أثارة من علم، وليس هناك دليل نقلي على صحة ذلك. وقد احتج من قال: إنه نبي بقوله تعالى: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾؛ لأن الظاهر من هذا أنه فعله بأمر الله، والأصل عدم الواسطة، وقيل: كان ولياً، وقيل: مقامه دون النبوة وفوق الصديقية، فهو مقام برزخي له وجه إلى النبوة ووجه إلى الولاية، وقيل: إنه ملك من الملائكة. وأما تعميره: فيروى عن ابن عباس: أنه أنسئ للخضر في أجله حتى يكذب الدجال. أي: مُدَّ له في أجله لأجل أن يكذب المسيح الدجال حين يخرج. قال النووي في التهذيب: قال الأكثرون: هو حي موجود بين أظهرنا، وذلك متفق عليه بين الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة، وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به، والأخذ عنه وسؤاله، ووجوده في المواضع الشريفة؛ أكثر من أن تحصى، وأشهر من أن تذكر. وقال البخاري وطائفة من أهل الحديث: إنه مات، وقال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: أما رواية اجتماعه مع النبي ﷺ وأهل البيت فلا يصح من طرقها شيء، ولا يثبت اجتماعه مع أحد من الأنبياء إلا مع موسى، وجميع ما ورد في حياته لا يصح منه شيء باتفاق أهل النقل، وأما ما جاء من المشايخ فهو مما يتعجب منه، كيف يجوز لعاقل أن يلقى شيخاً لا يعرفه فيقول له: أنا فلان فيصدقه؟! انتهى ملخصاً. ويقول الشنقيطي: قال أبو الحسين بن المناوي: بحثت عن تعمير الخضر وهو باق أم لا؟ فإذا أكثر المغفلين مفترون بأنه باق من أجل ما روي في ذلك، والأحاديث المرفوعة في ذلك واهية، والسند إلى أهل الكتاب ساقط لعدم ثقتهم، وخبر مسلمة بن مثقلة كالهراء، وخبر رياح كالريح، وما عدا ذلك من الأخبار كلها واهية الصدر والأعجاز، لا يخلو حالها من أمرين: إما أن تكون أدخلت على الثقات استغفالاً، أو أن يكون بعضهم تعمد ذلك، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء:٣٤]. وقال صاحب فتح البيان: والحق ما ذكرناه عن البخاري وأقرانه في ذلك، ولا حجة في قول أحد كائناً من كان إلا الله سبحانه ورسوله ﷺ ، ولم يرد في ذلك نص مقطوع به، ولا حديث مرفوع إليه ﷺ حتى يعتمد عليه ويصار إليه. وظاهر الكتاب والسنة نفي الخلد، ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء:٣٤]، ونفي طول التعمير لأحد من البشر، وهما قاضيان على غيرهما، ولا يقضي غيرهما عليهما، ومن قال: إنه نبي، أو مرسل، أو حي باق. لم يأت بحجة نيرة، ولا سلطان بين، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. وقال تقي الدين ابن تيمية عليه الرحمة والرضوان في بعض فتاويه: في ترائي الجن للإنس في بعض البلاد ما مثاله يقول: وفيه كثير من الجن، وهم رجال الغيب الذين يرون أحياناً في هذه البقاع، قال تعالى ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦]، وكذلك الذين يرون الخضر أحياناً). بعض الناس يظهر شخص يقول له: إنه الخضر، أو يقابله فيقول لك: قابلت الخضر في الحج؟ إلى غير ذلك، وهذا الكلام بضاعة رائجة في سوق الصوفية، وأغلب الذين يذكرون عنهم هذه الخرافات هم الصوفية، والذي يجالس الصوفية يسمع منهم هذا، فتجد أحدهم يقول: تبدى لي رجل في الصحراء، وقال لي: أنا الخضر إلى غير ذلك، ويرجع يقول: رأيت الخضر، يقول شيخ الإسلام: كذلك الذين يرون الخضر أحياناً هو جني رأوه، أي: كما تلعب الجن بعقول هؤلاء الناس، وقد رآه واحد ممن أعرفهم، وكان ذلك جنياً لبس على المسلمين الذين رأوه، وإلا فالخضر الذي كان مع موسى ﵇ مات، ولو كان حياً على عهد رسول الله ﷺ لوجب عليه أن يأتي إلى النبي ﷺ ويؤمن به ويجاهد معه، فإن الله فرض على كل نبي أدرك محمداً أن يؤمن به ويجاهد معه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١]. قال ابن عباس ﵄: (لم يبعث الله نبياً إلا أخذ الله الميثاق عليه وعلى أمته لئن أتى محمد ﷺ ليؤمنن به ولينصرنه)، ولم يذكر أحد من الصحابة أنه رأى الخضر، ولا أنه أتى إلى النبي ﷺ ؛ فإن الصحابة كانوا أعلم وأجل قدراً من أن يلبس الشيطان عليهم، ولكن لبس على كثير ممن بعدهم فصار يتمثل لأحدهم في صورة النبي، ويقول: أنا الخضر، وإنما هو شيطان، كما أن كثيراً من الناس يرى ميته خرج وجاء إليه وكلمه في أمور وقضاء حوائج فيظنه الميت نفسه، وإنما هو شيطان تصور بصورته. وهذا واقع؛ لأن الشياطين لها القدرة على أن تتشكل في صورة الإنس، أو كما يقولون في موضوع تحضير الأرواح: إن الذي أمكن من تحضير الأرواح روح أحمد شوقي وأنشأه قد يرينا هذا الشيء ونجده بالضبط هو شعر أحمد شوقي إلى آخر هذا الكلام، طيب ما المشكلة؟ الذي حضر هذا ليس روح أحمد؛ لأن الله قال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر:٤٢]، فالأرواح ممسكة عند الله، فما يمسكه الله لا مرسل له، ولا قدرة لها على أن تستحضر؛ لأن الله أمسكها، فكيف ترسل؟ أين الدليل على كونه يقول الشعر؟ وهل الجن عندهم هذه الملكة؟ قد يكون هو قرين أحمد شوقي الذي كان يلازمه، وكل إنسان له قرين، فلذلك يقول شعراً مثله أو نحو هذا، على أي الأحوال كل هذه الأشياء لا ينبغي أن ننخدع بها، ولا أن يلبس بها علينا.

стр. 1585

الأدلة على موت الخضر يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: اعلم أن العلماء اختلفوا في الخضر هل هو حي إلى الآن أو هو غير حي، بل ممن مات فيما مضى من الزمان؟ فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه حي، وأنه شرب من عين تسمى عين الحياة، وممن نصر القول بحياته: القرطبي في تفسيره، والنووي في شرح مسلم وغيره، وابن الصلاح والنقاش وغيرهم، وقال ابن عطية: وأطنب النقاش في هذا المعنى -يعني: حياة الخضر وبقائه إلى يوم القيامة- وذكر في كتابه أشياء كثيرة عن علي بن أبي طالب وغيره، وكلها لا تقوم على ساق. انتهى بواسطة نقل القرطبي له في تفسيره. وحكايات الصالحين عن الخضر أكثر من أن تحصر، ودعواهم أنه يحج هو وإلياس كل سنة، ويروون عنهما بعض الأدعية كل ذلك معروف، ومستند القائلين بذلك ضعيف جداً؛ لأن غالبه حكايات عن بعض من يظن به الصلاح، ومنامات وأحاديث مرفوعة عن أنس وغيره، وكلها ضعيفة لا تقوم به حجة. وبعض الناس يدعون أنه موجود وحي ولكنه محجوب عن أعيينا كالجن وكالملائكة، ويقولون: فكيف تنكرون وجود الخضر حياً ونحن لا نراه؟ الجواب أنه لابد لكل دعوى من بينة؟ فإذا قلنا: إن الجن محجوبون، فالله قال: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧]، وكذلك الملائكة. أما دعوى أن الخضر موجود، وأنه حي، وأنه يرانا ونحن لا نراه، فالأصل خلاف هذه الدعوى؛ لأن الأصل في بني آدم أن يرى بعضهم بعضاً، فلا يجوز الخروج عن الأصل إلا بدليل وببينة، وبعض العوام يغرقون بتأثير الضلالات الصوفية بهذه المسألة، حتى إن المغرقين في الجهل منهم متى ما ذكر أمامه اسم الخضر قال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته؛ لأنهم يتصورون ويزعمون بجهالاتهم أنه متى ما ذكر لفظ الخضر فإنه يمر ويلقي عليك السلام، فعليك أن ترد ﵇. من أقوى أدلة من يقولون بحياة الخضر، وليس معنى ذلك أنها صحيحة، لكن هذا أمثل ما عندهم نسبياً، ومع ذلك فهو في غاية الضعف، كما يقولون: وأحسن ما في خالد وجهه ووجهه الغاية في القبح فهي مسألة نسبية يقول: ومن أقواه عند القائلين به: آثار التعزية حين توفي النبي ﷺ ، فقد ذكر ابن عبد البر في تمهيده عن علي ﵁ قال: لما توفي النبي ﷺ وسجي بثوب هتف هاتف من ناحية البيت يسمعون صوته ولا يرون شخصه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم أهل البيت، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥] الآية، إن في الله خلفاً من كل هالك، وعوضاً من كل تالف، وعزاء من كل مصيبة، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب، فكانوا يرون أنه الخضر ﵇. يعني: أصحاب النبي ﷺ . هذا نقله القرطبي في تفسيره حتى لو صح هذا الأثر فليس فيه نص على أنه الخضر. قال الشنقيطي ﵀: والاستدلال على حياة الخضر بآثار التعزية كهذا الأثر الذي ذكرنا آنفا مردود من وجهين: الأول: لم يثبت ذلك بسند صحيح، قال ابن كثير في تفسيره: وحكى النووي وغيره في بقاء الخضر إلى الآن ثم إلى يوم القيامة قولين، ومال هو وابن الصلاح إلى بقائه، وذكروا في ذلك حكايات عن السلف وغيرهم، وجاء ذكره في بعض الأحاديث، ولا يصح شيء من ذلك، وأشهرها حديث التعزية وإسناده ضعيف. الثاني: على فرض أن حديث التعزية صحيح لا يلزم من ذلك عقلاً ولا شرعاً ولا عرفاً أن يكون ذلك المعزي هو الخضر، بل يجوز أن يكون غير الخضر من مؤمني الجن؛ لأن الجن هم الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧]، ودعوى أن ذلك المعزي هو الخضر تحكم بلا دليل، وقولهم: كانوا يرون أنه الخضر، ليس حجة يجب الرجوع إليها؛ لاحتمال أن يخطئوا في ظنهم، ولا يدل ذلك على إجماع شرعي معقول، ولا متمسك لهم في دعواهم أنه الخضر كما ترى. ثم قال الشنقيطي ﵀: الذي يظهر لي رجحانه بالدليل أن الخضر ليس بحي بل توفي، وذلك لعدة أدلة: الأول: ظاهر عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤]، فقوله: (لبشر)، نكرة في سياق النفي فهي تعم كل بشر من قبله، والخضر بشر من قبله، فلو كان شرب من عين الحياة وصار حياً خالداً إلى يوم القيامة لكان الله قد جعل لذلك البشر الذي هو الخضر من قبله الخلد. الثاني: قوله ﷺ يعني في غزوة بدر: (اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض)، وقد روى ابن عباس ﵄ قال: حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: (لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل النبي ﷺ القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض، فما زال يهتف بربه ماداً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر ﵁ فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله! كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩] فأمده الله بالملائكة) الحديث. ومحل الشاهد منه: قوله ﷺ : (اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض)، فعل في سياق النفي، فهو بمعنى: لا تقع عبادة لك في الأرض. ثم قال: (فاعلم أن ذلك النفي يشمل بعمومه وجود الخضر حياً في الأرض؛ لأنه على تقدير وجوده حياً في الأرض فإن الله يعبد في الأرض، ولو على فرض هلاك تلك العصابة من أهل الإسلام؛ لأن الخضر ما دام حياً فهو يعبد الله في الأرض. الدليل الثالث: إخباره ﷺ : بأنه على رأس مائة سنة من الليلة التي تكلم فيها بالحديث لن يبقى أحد على وجه الأرض أحد ممن هو عليها تلك الليلة، فلو كان الخضر حياً في الأرض لما تأخر بعد المائة المذكورة. الإشارة هنا إلى حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام فقال: أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهرها أحد))، يعني: لو ولد غلام في نفس تلك الليلة التي أشار إليها النبي ﵊ لمات في خلال المائة عام. فالخضر لا يمكن أن يتجاوز عمره مائة سنة ولابد أن يكون قد مات في خلال المائة سنة. عن جابر بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بشهر قال: (تسألوني عن الساعة وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة) إلى آخر الحديث. وقوله: (ما على الأرض) يدفع إشكال من يقول: إن عيسى مرت عليه مائة ولم يمت؛ فالكلام في من هو على الأرض، أما عيسى فهو في السماء، ولاشك أن الخضر ﵇ نفس منفوسة، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]، يقول ﵊: (ما من نفس منفوسة اليوم تأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ)، فهذا الحديث فيه تصريح بأنه لا تبقى نفس منفوسة حية على وجه الأرض بعد مائة سنة. قال: فقوله: (نفس منفوسة) ونحوها من الألفاظ في رواية الحديث نكرة في سياق النفي، فهي تعم كل نفس مخلوقة على الأرض، ولاشك أن ذلك العموم بمقتضى اللفظ يشمل الخضر؛ لأنه نفس منفوسة على الأرض. الدليل الرابع: أنه لو كان الخضر حياً إلى زمن النبي ﷺ لكان من أتباعه، ولنصره وقاتل معه؛ لأنه ﵊ مبعوث إلى الثقلين الجن والإنس جميعهما. والآيات الدالة على عموم رسالته كثيرة جداً كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]، وقال : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ:٢٨]، ويوضح هذا أنه تعالى بين في سورة آل عمران أنه أخذ على النبيين الميثاق المؤكد أنهم إن جاءهم نبينا ﷺ مصدقاً لما معهم أن يؤمنوا به وينصروه، وذلك في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١]، وهذه الآية الكريمة على القول بأن المراد فيها نبينا ﷺ -كما قال ابن عباس وغيره- فالأمر فيها واضح، وعلى أنها عامة فإنه ﵊ يدخل في عمومها دخولاً أولياً، فلو كان الخضر حياً في زمانه لجاءه ونصره وقاتل تحت رايته. ومما يوضح أنه لا يدركه نبي إلا اتبعه ما رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة والبزار من حديث جابر ﵁: (أن عمر

стр. 1586

الخضر في اعتقاد أهل السنة تنبيه أخير يتعلق بقصة الخضر: أورد فضيلة الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق في كتابه (الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة): قصة الخضر كما ثبت في الأحاديث التي تلوناها، ثم ذكر بعض الفوائد، فقال حفظه الله تعالى: إن الله أراد أن يؤدب نبيه موسى الذي قال جواباً عن السؤال لا أعلم على الأرض أعلم مني، أنه كان يجب أن يرد علم ذلك إلى الله ، فأراه الله جل وعلا أن هناك عبداً لا يعلمه موسى هو على علم من علم الله لا يعلمه موسى، وكان من أجل ذلك هذا اللقاء بين موسى والخضر. ثانيا: أن الخضر بعد أن تم اللقاء بينه وبين موسى أخبره أن علم الخضر وعلم موسى بجوار علم الله تعالى لا شيء، وأنهما لن ينقصا من علم الله إلا كما شرب العصفور من ماء النهر. ثالثا: أن الشريعة التي كان عليها الخضر لم تكن في حقيقتها مخالفة للشريعة التي عليها موسى، وإنما كان يخفى على موسى فقط الخلفية التي من أجلها فعل الخضر ما فعل، ولذلك فإن الخضر عندما بين لموسى الأسباب التي دفعته إلى خرق السفينة، وقتل الغلام، وبناء الجدار لم يستنكر موسى شيئاً من ذلك؛ لأن هذا كله سائغ في الشريعة، فإتلاف بعض المال لاستنقاذ بعضه جائز، فلو وكلت رجلاً على عمل لك ثم جاءت الوحوش أو قطاع طريق ليستولوا على المال كله، ولم يجد هذا الوكيل وسيلة لدفعهم إلا بأن يدفع لهم بعض المال ويترك بعضه لما كان ملوماً شرعاً، ولا يلام ممن وكله بل يستحسن فعله؛ لأنه حافظ له على قدر من المال، وما فعله الخضر بالنسبة للسفينة لا يعدو ذلك، فإنما أفسد السفينة فساداً جزئياً لتظهر لأعوان ذلك الملك الظالم أنها غير صالحة فيتركوها، وبذلك تسلم من الغصب، ولا شك أن ما فعله الخضر في حقيقته إحسان لأصحاب السفينة؛ لأن الله أطلعه على شيء من المستقبل من أن ذلك الملك الظالم سيصادر السفن لأمر ما، كما هو حال كثير من الرؤساء والملوك الظلمة يصادرون وسائل النقل أحياناً إما لمصالحهم أو لمصلحة عامة، فما فعله الخضر بالنسبة للسفينة موافق للشرع الإلهي تماماً في كل دين وملة، وليس مخالفاً للتشريع، وإنكار موسى في أول الأمر ناشئ عن أنه لم يعرف الخلفية الغيبية التي كان الله قد أطلع عليها الخضر بوحي من عنده. وأما قتل الغلام فهو كذلك سائغ في الشريعة، إذا كان هذا الغلام سيكون ظالماً لوالديه مجبراً لهما على الكفر، وكان هذا مما علمه الله مستقبلاً، وأطلع عليه الخضر، فكان قتله أيضاً سائغاً، وقد جاءت الشريعة بقتل الصائل المعتدي -والشريعة لا تأمر بقتل الصائل إلا إذا باشر العدوان، والطفل هنا هو أصغر من الغلام، وكما قلنا: كلمة غلام تحتمل أيضاً أن تطلق على الكبير- يقول: والطفل هنا لم يباشر العدوان بعد، ولكن القتل هنا بأمر الله الذي يعلم ما سيكون، وقد كان هذا منه رحمة بعبدين من عباده صالحين، أراد الله جل وعلا أن لا يتعرضا لفتنة هذا الولد العاق فيتألما ألمين: الألم الأول: أنه ولدهما، وعقوق الأولاد شديد على قلوب الآباء. والثاني: أنهما قد يبلغان الكفر ويتعبان في التمسك بالإيمان، وهذا عذاب آخر. فجمع الله لهما عذاباً واحداً فقط وهو فقد الولد، وفيه خير لهما، ولاشك أن صبرهما على فقده فيه خير لهما، فلما علم الله ذلك، وأطلع الخضر عليه، ونفذ هذا بأمر الله كان ذلك كله موافقاً للشريعة التي عليها موسى وعليها محمد وعليها سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ولذلك لما قيل لـ ابن عباس على الحادثة: أيجوز أن نقتل الأولاد؟ قال: إذا علمت منهم ما علم الخضر فافعل. وهذا تعليق على شيء لا يقع، لأن الخضر كان يوحى إليه. وأما مسألة بناء الجدار لقوم بخلاء لم يبذلوا القرى والضيافة الواجبة؛ فإن ذلك من باب مقابلة الإساءة بالإحسان، وهذا خلق من أخلاق الشريعة الإسلامية والنصرانية واليهودية، ففي القرآن الكريم: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، وجاء في الإنجيل: (أحسنوا إلى من أساء إليكم، وباركوا لاعنيكم)، وقال تعالى فيما أوحاه لموسى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣]، وما فعله الخضر هو من باب الإحسان إلى قوم قدموا الإساءة، ثم إن إحسانه هذا لغلامين لم يتأت منهما إساءة، وكان أبوهما رجلاً صالحاً، وهم في قرية ظالمة بخيلة، ولو هدم جدار بيتهم لانكشف كنزهم، ولاستولى عليه هؤلاء القوم البخلاء، فلا شك أن ما فعله الخضر من بناء الجدار هو عين ما تأمر به كل شرائع الأنبياء التي أمرت بالفضل والإحسان، ورعاية اليتامى وحفظ حقوقهم. فأي شيء يستغرب مما فعله الخضر؟ وأي حقيقة أطلع عليها الخضر تخالف أوامر شريعة كان عليها موسى، بل ما فعله الخضر موافق تماماً لشريعة موسى ولشريعة عيسى ولشريعة محمد ﷺ ولكل شرائع الله المنزلة، ولم يقل الخضر أو يفعل شيئاً يخالف ما كان عليه الأنبياء صلوات الله عليهم، فقط أطلعه الله على بعض أسرار المقادير ففعل ما فعل من الحق الذي لا تنكره الشرائع بناء على هذه الأخبار والأنباء التي أطلعه الله عليها، وباختصار لم يفعل الخضر شيئاً مخالفاً لشريعة موسى، فافهم هذا جيداً وتمسك به. رابعاً: وجود الخضر ﵇ على دين وشريعة غير شريعة موسى كان أمراً سائغاً وسنة من سنن الله قبل بعثة محمد ﷺ ؛ لأن النبي كان يبعث إلى قومه خاصة، ولذلك كان موسى رسولاً إلى بني إسرائيل فقط ولم يكن رسولاً للعالمين، حتى المسيح ﵇ إنما كان كما ينقل عنه في التوراة: (لم أبعث لخراف بيت إسرائيل الضالة). إذاً: التبشير بالنصرانية الذي سمي تبشيراً بعد المسيح ﵇ والذي اخترعه بولس من محدثات النصرانية، لكن المسيح أرسل إلى بني إسرائيل فقط، وكتبهم تدل على ذلك، فنشر النصرانية بهذه الطريقة مما أحدث في النصرانية بعد رفع المسيح ﵇. ولما سلم موسى ﵇ على الخضر قال الخضر: (وأنى بأرضك السلام، قال له موسى: أنا موسى، قال الخضر: موسى بني إسرائيل، يعني: موسى الذي أرسل خاصة إلى بني إسرائيل؟ قال: نعم)، ولذلك لم تكن شريعة موسى لازمة للخضر ولجميع الناس في زمانه، وأما بعد بعثة محمد ﷺ فإنه لا يجوز شرعاً أن يكون هناك من هو خارج عن شريعته، وهذا مهم جداً في إبطال ضلالات الصوفية، فهم يريدون أن يقولوا: نحن عندنا العلم اللدني، ولنا طريقة غير طريقتكم، فهم يجوزون أن يكون هناك طريق إلى الجنة بعد بعثة محمد ﷺ غير طريقه، ويقولون: أنتم لكم طريقة العلم الظاهر، ونحن عندنا العلم اللدني، ويستدلون بقوله: ((وعلمناه من لدنه علماً))، فمن سوغ هذا يعتبر كافراً خارجاً من ملة الإسلام، أي أن من يعتقد أن هناك طريقة للنجاة بعد بعثة محمد ﷺ يخالف بها ما كان عليه النبي ﷺ ، فهذا كافر خارج من ملة الإسلام. وقد يقول قائل: كيف وجدت معاً شريعة موسى وشريعة الخضر؟ نقول: هذا كان في زمانهم سائغاً، وكان قبل بعثة محمد ﵇، ويمكن أن يرسل نبي للهنود الحمر في أمريكا، ونبي أرسل لمنطقة في آسيا، وفي جنوب أفريقيا؛ لأن الله قال: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤]، فهذا كان سائغاً، أما بعد بعثته ﷺ فلم يعد هذا محتملاً، لأنه ﵊ رسول للعالمين، فلا يسع الخضر أو غيره أن يتخلف عن الإيمان به واتباعه، ولذلك فلا وجود بتاتاً للخضر أو أمثاله بعد بعثة الرسول محمد ﷺ . خامساً: لاشك أن ما فعله الخضر عن وحي حقيقي من الله، وليس عن مجرد خيال أو إلهام؛ لأن قتل النفس لا يجوز بمجرد الظن، ولذلك قال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، يعني: أنه لم يفعل إلا عن أمر الله الصادق ووحيه القطعي، ومثل هذا الأمر والوحي القطعي قد انقطع بوفاة النبي ﷺ فلا وحي بعده. أي: قد يأتي دجال من ضلال الصوفية ويقول: (ما فعلته عن أمري)، وإذا رأيت شيخك يفعل كذا وكذا فلا تعترض عليه، بحجة الالتزام بقصة موسى والخضر؟ نقول: هل هناك وحي بعد محمد ﵇؟ لا. فقد انقطع الوحي بوفاته ﷺ ، ومن ادعى شيئاً من ذلك فقد كفر؛ لأنه خالف قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٠]، وقال ﵊: (وختم بي النبيون فلا نبي بعدي). ثم يقول الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق حفظه الله: من بيان الحقائق السالفة تتضح لنا الصورة الحقيقية لقصة الخضر ﵇، والاعتقاد الواجب فيه حسب الكتاب والسنة، ولكن المتصوفة جعلوا من هذه القصة شيئاً مختلفاً تماماً، فقد زعموا أن الخضر حي إلى أبد الدهر، وأنه صاحب شريعة وعلم باطني يختلف عن علوم الشريعة الظاهرية، وأنه ولي وليس بنبي، وأنه موجود يتصل بهم، ويأخذون منه من العلم اللدني، وأشياء تخالف ما عليه شريعة محمد؛ وهذا فيه فتح باب عظيم لإفساد دين الإسلام. وأن علمه علم لدني موهوب له من الله بغير وحي الأنبياء، وأن هذه العلوم تنزل إلى جميع الأولياء في كل وقت قبل بعثة الرسول محمد ﷺ وبعد بعثته، وأن هذه العلوم أكبر وأعظم من العلوم التي مع الأنبياء، بل وعلوم الأنبياء لا تدانيها ولا تضاهيها، فكما كان الخضر -وهو ولي فقط في زعمهم- أعلم من موسى، فكذلك الأولياء من أمة محمد هم أعلم من محمد ﷺ والعياذ بالله؛ لأن محمداً ﵊ عالم بالشريعة الظاهرة فقط والولي عالم بالحقيقة الصوفية، وعلماء الحقيقة أعلم من علماء الشريعة، وزعموا كذلك أن الخضر يلتقي بالأولياء ويعلمهم هذه الحقائق، ويأخذ لهم الع

стр. 1587

من خرافات الصوفية في الخضر من خرافات الصوفية في الخضر: ما يقوله الحكيم الترمذي، وهو محمد بن علي بن الحسن الترمذي المسمى بـ الحكيم؛ يقول في كتابه (ختم الولاية): وللخضر ﵇ قصة عجيبة في شأنهم، وقد كان عاين شأنهم في البدء فأحب أن يدركهم فأعطي الحياة حتى بلغ من شأنه أنه يحشر مع هذه الأمة وفي زمرتهم إلى قوله: وهو رجل من قرن إبراهيم الخليل وذي القرنين، وكان على مقدمة جنده، حيث طلب ذو القرنين عين الحياة فأتته وأصابها الخضر في قصة طويلة. إذاً: خرافات طويلة لا أول لها ولا آخر ولا زمام ولا خطام، خرافات بدون إسناد وبدون دليل. أيضاً من العلم الذي ينطقون به، علم البث، وعلم الميثاق، وعلم المقادير، وعلم الحروف. إلى آخر هذا الكلام، فالتقف الصوفية هذه القصة عن الحكيم الترمذي وأضافوا إليها من الخرافات والزيادات ما شاءوا. يقول رجل اسمه السرهندي: إنه رأى الخضر وإلياس ﵉ حضرا عنده في حلقة الدرس، وأما الخضر فقال له: إنهما من عالم الأرواح وإنهما يتشكلان بما شاءا من الصور، وإنه -أي السرهندي هذا- سأل الخضر هل تصلون على المذهب الشافعي؟ فقال الخضر: لسنا مكلفين بالشرائع، ولكن لأن قطب الزمان الشافعي فنحن نصلي وراءه على مذهبه الشافعي. ويعلق السرهندي يقول: إن كمالات الولاية مختصة بالمذهب الشافعي، وإن كمالات النبوة فهي من اختصاص المذهب الحنفي، ولذلك عندما ينزل عيسى فإنه يصلي ويعمل بالمذهب الحنفي إلى آخر هذه الخرافات. ذكر أيضاً الخلاف كثيراً في أنه شافعي أو حنفي، إلى أن قال الشيخ: وهؤلاء لاشك أنهم كانوا كذلك حمقى مجانين ذهبت عقولهم ولم ترجع لهم أبداً. والعجيب أن مثل هذه الخرافات تظل تسري وتجري، فقد زعم الحصفكي الحنفي في مقدمة كتابه الدر المختار: أن الخضر أودع أوراق المذهب الحنفي في نهر جيحون إلى وقت نزول عيسى ﵇، أي: وضعه في زجاجة وقفل عليها وألقاها في نهر جيحون، وعندما ينزل عيسى تؤخذ إليه الصحائف ويتعلم منها المذهب الحنفي حتى يحكم به في آخر الزمان، أي: أن الدين سوف يتحول إلى هذه الخرافات وهذه الأساطير التي ليس عليها أثارة من علم. أيضاً كل ميدان من ميادين الصوفية يدخلون فيه الخضر، فهو صاحب الكشف، ونقيب الأولياء، وآخر العهود، ومرسل الأنام، ومعلم الأفكار. يقول أحمد بن إدريس: اجتمعت بالنبي ﵊ اجتماعاً صورياً ومعه الخضر ﵇، فأمر النبي ﵇ الخضر أن يلقنني أذكار الطريقة الشاذلية، فلقنني إياها بحضرته ﷺ ، ثم قال ﷺ للخضر ﵇: يا خضر! لقنه ما كان جامعاً لسائر الأذكار والصلوات والاستغفار. من ضمن أذكار الشاذلية: اللهم انشلني من أوحال التوحيد، وأغرقني في عين بحر الوحدة، وفيها: أن محمداً عليه والسلام هو أصل هذا الوجود، وهو أول مخلوق في هذا الوجود، ومنه انشقت كل الأنوار، وظهرت كل الموجودات. وهذا مصطلح معروف اسمه: الحقيقة المحمدية. وهو مصطلح خبيث للصوفية يقصدون به كلاماً في غاية الخطورة. إذاً خلاصة هذا الكلام: أن خضر الصوفية بما يزعمونه وينسبون إليه ليس هو الخضر الذي نؤمن به، والذي ذكره الله في القرآن، والذي قص علينا النبي ﷺ قصته، فذاك عبد موحد مؤمن على علم من علم الله بالوحي، عاش ومات لوقته وزمانه، وفعل ما فعل موافقاً للحق والشريعة، أما الخضر الصوفي فهو مصدر للخرافة والجهل والشرك، ولذلك أخبر شيخ الإسلام ابن تيمية: بأن الخضر المزعوم لا حقيقة له، شأنه في ذلك شأن الغوث والقطب الصوفي، ومنتظر الرافضة. يقول شيخ الإسلام: ثلاثة أشياء ما لها من أصل: باب النصيرية، ومنتظر الرافضة - المهدي المزعوم عند الشيعة- وغوث الجهال. فإن النصيرية تدعي في الباب الذي لهم ما هو من هذا الجنس، أنه الذي يقيم العالم، فذاك شخصه موجود، ولكن دعوى النصيرية فيه باطل، وأما محمد بن الحسن المنتظر والغوث المقيم بمكة ونحو هذا فإنه باطل ليس له وجود. وكذلك يزعم بعضهم أن القطب الغوث الجامع يمد أولياء الله ويعرفهم كلهم، ونحو هذا فهو باطل، فـ أبو بكر وعمر وهما أفضل أولياء الله على الإطلاق لم يكونا يعرفان جميع الأولياء ولا يمدانهم، فكيف بهؤلاء الضالين المغترين الكذابين، ورسول الله ﷺ سيد ولد آدم إنما عرف الذين لم يكن رآهم من أمته بسيماء الوضوء وهو الغرة والتحجيل، ومن هؤلاء من أولياء الله لا يحصيه إلا الله . وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر:٧٨]، وموسى لم يكن يعرف الخضر، والخضر لم يكن يعرف موسى، بل لما سلم عليه وقال له الخضر: (وأنى بأرضك السلام، فقال له: أنا موسى! قال له: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم)، وقد كان بلغه اسمه وخبره ولم يكن يعرف عينه. ومن قال: إنه نقيب الأولياء، أو إنه يعلمهم كلهم، فقد قال الباطل، والصواب الذي عليه المحققون: أنه ميت، وأنه لم يدرك الإسلام، ولو كان موجوداً في زمان النبي ﷺ لوجب عليه أن يؤمن به ويجاهد معه كما أوجب الله ذلك عليه وعلى غيره، إلى آخره. قال ﵊: (كيف تهلك أمة أنا أولها، وعيسى في آخرها)، فإذا كان النبيان الكريمان اللذان هما مع إبراهيم وموسى ونوح أفضل الرسل، ولم يحتجبوا عن هذه الأمة لا عوامهم ولا خواصهم، فكيف يحتجب عنهم من ليس مثلهم؟ وإذا كان الخضر حياً دائماً فكيف لم يذكر النبي ﷺ ذلك قط ولا خلفاؤه الراشدون. وقول القائل: إنه نقيب الأولياء، فيقال له: من ولاه النقابة، وأفضل الأولياء أصحاب محمد ﵊ وليس فيهم الخضر؟ وغاية ما يحكى في هذا الباب من الحكايات بعضها كذب، وبعضها مبني على ظن الرجال مثل شخص رأى رجلاً ظن أنه الخضر وقال: إنه الخضر، كما أن الرافضة ترى شخصاً تظن أنه الإمام المنتظر المعصوم أو تدعي ذلك. وروي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال وقد ذكر له الخضر: من أحالك على غائب فما أنصفك، وقال أحمد: وما ألقى هذا على ألسنة الناس إلا الشيطان. وهذا الجواب هو خلاصة قضية الخضر وما شابهها: من أحالك على غائب فما أنصفك، وما ألقى هذا على ألسنة الناس إلا الشيطان.

стр. 1588

تفسير سورة الكهف [٨٣ - ٩٨]

стр. 1589

تفسير قوله تعالى: (ويسألونك عن ذي القرنين من أمرنا يسراً) ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف:٨٣ - ٨٨]. قال الله: ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ))، يقول القاسمي رحمه الله تعالى: وهو الإسكندر الكبير المقدوني، وسنذكر وجهة تسميته أو تلقيبه بذلك. ((قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا))، أي: نبأً مذكوراً معجزاً أنزله الله علي. ((إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ))، أي: بالقوة والرأي والتدبير والسعة في المال والاستظهار بالعدد، وعظم الصيت، وكبر الشهرة. ((وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا))، أي: طريقاً موصلاً إليه، والسبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة. ((فَأَتْبَعَ سَبَبًا))، وفي قراءة: (فاتبع سبباً)، ويتعديان لمفعول واحد، وقيل: (أتبع) بالقطع يتعدى لاثنين، والتقدير فأتبع سبباً سبباً آخر، أو فأتبع أمره سبباً؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ [القصص:٤٢]. وقال أبو عبيدة: (اتبع) في السير، و (أتبع) معناه: اللحاق، كقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات:١٠]، أي: لحق به، وقال يونس: (أتبع) بالجر: الحثث في الطلب. (واتبع) مجرد الانتقال. والفاء في قوله: (فأتبع) فاء الفصيحة، أي: فأراد بلوغ المغرب فأتبع سبباً يوصله عليه. وقوله تعالى: ((حتى إذا بلغ مغرب الشمس))، أي: أقصى ما يسلك من الأرض من ناحية المغرب، يعني: أنه مشى إلى أقصى ما تصل إليه اليابسة من جهة المغرب. ((وجدها تغرب في عين حمئة))، أي: ذات حمأة، وهو الطين الأسود، وقرئ: (حامية) أي: حارة، وقد تكون جامعة للوصفين. وقوله: ((وجدها)) بمعنى رأى، ((ووجد عندها قوماً)) أي: أمة. ثم أشار تعالى إلى أنه مكنه منهم، وأظهره عليهم، وحكمه فيهم، وجعل له الخيرة في شأنهم بقوله: ((قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب)) يعني: إما أن تعذبهم بالقتل وغيره، ((وإما أن تتخذ فيهم حسناً)) بالعفو. ثم بين اتصاف ذي القرنين بصفتي العدل والإنصاف ليحتذى حذوه ويقتدى به، بقوله : ((قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا)). وقوله تعالى: ((حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة)) يقول الشنقيطي: قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم (حمئة) بلا ألف بعد الحاء وبهمزة مفتوحة بعد الميم المكسورة، وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وشعبة عن عاصم (حامية) بألف بعد الحاء وياء مفتوحة بعد الميم المكسورة على صيغة اسم الفاعل. فعلى القراءة الأولى فمعنى (حمئة): ذات حمأة وهي الطين الأسود، ويدل لهذا التفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر:٢٦]، والحمأ هو الطين، كما تقدم، ومن هذا المعنى قول تبع الحميري فيما يؤثر عنه يمدح ذا القرنين: بلغ المشارق والمغارب يبتغي أسباب أمر من حكيم مرشد فرأى مغيب الشمس عند غروبها في عين ذي خلب وثأط حرمد والخلب: هو الطين، والثأط: الحمأة، والحرمد: الأسود. وعلى قراءة: (حامية): بصيغة اسم الفاعل فالمعنى أنها عين حارة، وذلك لمجاورتها وهج الشمس عند غروبها، وملاقاتها الشعاع بلا حائل، ولا منافاة بين القراءتين. قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: ((وجدها تغرب في عين حمئة)) أي: رأى الشمس في ناظره تغرب في البحر المحيط. وبعض الناس وبالذات قاصري الفهم من المستشرقين، يقولون: إن القرآن يصور للمسلمين أن الشمس تغطس في العين الحمئة هذه أو في البحر، فيرد ذلك ابن كثير بقوله: (في ناظره). ثم قال: وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله يراها كأنها تغرب فيه. ومقتضى كلامه أن المراد بالعين في الآية البحر المحيط، وهو ذو طين أسود. والعين: تطلق في اللغة على ينبوع الماء، والينبوع: الماء الكثير، فاسم العين يصدق على البحر لغة، والمقصود بالبحر المحيط المحيط الأطلسي؛ لأنه آخر شيء من جهة المغرب. قال: وكون من على شاطئ المحيط الغربي يرى الشمس في نظر عينه تسقط في البحر أمر معروف، وعلى هذا التفسير فلا إشكال في الآية، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ((حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا)). قال: أما من ظلم، بالبغي والفساد في الأرض بالشرك والضلال والإضلال فسوف نعذبه، ((ثم يرد إلى ربه))، في الآخرة، ((فيعذبه عذاباً نكراً))، أي: منكراً لم يعهد مثله. ((وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا)). قيل: إن قوله تعالى: ((وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى)) هي الجنة في الآخرة، أما في الدنيا: ((وسنقول له من أمرنا يسراً)) وهذا في حق المؤمن؛ لأن المؤمن يعمل للآخرة، قدم ويوقن بثوابها الأخروي الذي يسعى إليه بحق. أما في الكافر فقال: ((أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد))، رغماً عنه إلى ما كان ينكره أو يكذب به من الآخرة، ((ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكراً)). وقيل: ((فله جزاء))، أي: فله في الدارين ((جزاء الحسنى))، أو قيل: الخصلة الحسنى، أو: ثناؤه الحسنى جزاء، أي: مجزياً بها.

стр. 1590

تفسير قوله تعالى: (ثم أتبع سبباً وكان وعد ربي حقاً) ((ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا))، أي: طريقاً راجعاً من مغرب الشمس موصلاً إلى مشرقها. قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ [الكهف:٩٠]، يعني: شيئاً يسترهم من المباني أو الجبال. قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف:٩١]، (كذلك) أي: أمر ذي القرنين كما وصفناه في رفعة المكان، وسعة الملك. أو: أمره فيهم كأمره في أهل المغرب من الحكم المتقدم. أو: المقصود بكلمة (كذلك): أنه كما حكم في أهل المغرب مكناه أيضاً في أهل المشرق يحكم فيهم بنفس الحكم المتقدم، أو: (كذلك) إشارة إلى مطلع الشمس، وأنه كما وجد الشمس تغرب في عين حمئة في جهة المشرق وجدها أيضاً تطلع في جهة المشرق، أو: المقصود أنه: بلغ مغربها كما بلغ مطلعها، ولا يحيط بما قاساه غير الله ، أو: (كذلك) صفة لقوم، أي: على قوم مثل ذلك القبيل الذين تغرب عليهم الشمس في الكفر والحجب، كذلك وجد قوماً بنفس الصفة في المشرق. ((وقد أحطنا بما لديه خبراً))، أي: علماً نحن مطلعون على جميع أحواله وأحوال جيشه لا يخفى علينا منها شيء، وإن تفرقت أممهم وتقطعت بهم الأرض. ((كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا))، يفهم من هذا الإشارة إلى عظيم العدد والعدد التي كانت معه، بحيث لا يحيط بها إلا الله ، ولا يستطيع غير الله أن يحصر ويحيط ما معه من الجيوش الكثيرة وكذلك العدد والآلات. قال تعالى ((ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا))، بعدما اتجه إلى مشرق الأرض حيث مطلع الشمس أتبع سبباً، أي: طريقاً ثالثاً معترضاً بين المشرق والمغرب. ((حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ))، بعض المصنفين يذكر أن هذه المنطقة تقع ما بين البحر الأسود وبين بحر قزوين، وهي عبارة عن منطقة جبلية تزيد على ألف ومائتين وخمسين كيلو متر تقريباً، وهي منطقة جبال متصلة، فهي في حد ذاتها سد، وليس فيها مكان سوى مسافة واحدة هي التي تنقطع عندها السلسلة الجبلية، وهي التي أنشأ فيها هذا السد، وهي الجهة الوحيدة في المنطقة التي فيها سهل أو شعب واسع بين الجبلين، وكان يأجوج ومأجوج يغيران على الأمم من خلاله، أما ما عدا ذلك فكانت حواجز جبلية قوية جداً، وهي سلسلة جبال القوقاز، والله تعالى أعلم. ((السدين)) بفتح السين وضمها قراءتان، أي: بين الجبلين اللذين سد ما بينهما. ((وجد من دونهما))، أي: وراءهما، ((قوماً)) أمة من الناس، ((لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا))، لكون لغتهم غريبة مجهولة، ولقلة فطنتهم. ((قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ))، بالقتل والإضرار. ((فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا))، أي: جعلاً نخرجه من أموالنا، وقرئ: ((فهل نجعل لك خراجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً))، أي: حاجزاً يمنع خروجهم علينا، ((قَالَ مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ))، أي: ما جعلني فيه مكيناً من المال والملك أجلّ مما تريدون بذله، وأنا لست في حاجة إلى هذا الجهد أو هذا الخراج؛ لأن ما مكني منه الله من المال والملك أجل وأعظم مما تريدون بذله. ((فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ))، بعمالة وصناع وآلات، ((أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا))، أي: حاجزاً حصيناً، وأصل الردم: سد الثلمة بالحجارة ونحوها. ((آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ))، أي: ناولوني قطع الحديد. ((حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ))، أي: بين جانبي الجبلين، ((قَالَ انفُخُوا))، أي: في الأكوار والحديد. ((حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا)) أي: المنفوخ فيه جعله كالنار في الإحماء، ((قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا))، يعني: كان الحديد بمثابة اللبنات، والنحاس المذاب بمثابة الإسمنت، وهذه سبيكة من أقوى ما تكون من السبائك، والمعنى: أفرغ عليه نحاساً مذاباً ليلصق بالحديد ويتدعم البناء به ويشتد. ((فما اسطاعوا أن يظهروه))، يعني: لم يستطيعوا أن يعلوه بالصعود لارتفاعه وملاسته، (وما استطاعوا له نقباً)، لم يستطيعوا ثقبه لسماكته وصلابته. ((قال هذا رحمة من ربي))، أي: هذا السد رحمة من ربي على القاطنين عنده، وعلى القوم الذين يسكنون في هذه المنطقة؛ لأمنهم من شر من سد عليهم به، ورحمة على غيرهم لسد الطريق عليهم، يعني: هو أمان لهؤلاء الذين يسكنون عنده، وأمان لمن وراءهم أيضاً، لأنهم لن يصلوا إليهم بسبب هذا السد. ((فإذا جاء وعد ربي))، بدحره وخرابه، ((جعله دكاء))، بالمد، أي: أرضاً مستوية، وقرئ: ((جعله دكا)) أي: مدكوكاً مسوىً بالأرض. ((وكان وعد ربي حقاً)) أي: كائناً لا محالة. وهذا آخر حكاية قول ذي القرنين.

стр. 1591

تنبيهات على قصة ذي القرنين ثم يذكر القاسمي رحمه الله تعالى بعض التنبيهات:

стр. 1592

قصص القرآن عظات وأحكام وآداب التنبيه الأول: قدمنا أنه ليس في القرآن شيء من التاريخ من حيث هو قصص وأخبار يعني أن القرآن الكريم لا يسلك مسلك الروايات التاريخية أو القصص والحكايات ومجرد الأخبار، وإنما المقصود بما ذكر من ذلك العظات والأحكام والآداب التي تتجلى في سياق الوقائع، فيجب صرف العناية إلى وجوه تلك الفوائد والثمرات وما يستنبط من تلك الآيات، وقد أشار نبأ ذي القرنين الإسكندر إلى فوائد شتى نذكر ما فتح علينا منها، ونكل ما لم نحط به علماً إلى العليم الخبير. فمن فوائدها: الاعتبار برفع الله بعض الناس درجات على بعض، ورزقه من يشاء بغير حساب ملكاً ومالاً، لما له من خفي الحكم وباهر القدرة، فلا إله سواه، والإشارة هنا إلى رفع شأن ذي القرنين. ومنها: الإشارة إلى القيام بالأسباب والجري وراء سنة الله في الكون من الجد والعمل، وأن على قدر بذل الجهد يكون الفوز والظفر، فإن ما قص عن الإسكندر من ضربه في الأرض إلى مغرب الشمس ومطلعها وشمالها وعدم فتوره؛ فلا ينبغي أن يعد ركوب البحر ولا اجتياز القطر عذراً في الخمول والرضا بالدون، بل ينبغي أن ينشط ويمثل في مرارته حلاوة عقباه من الراحة والهناء. يعني أنه إذا ذاق المرارة نتيجة الجد والكفاح والسعي، فعليه أن يعزي نفسه بحلاوة العاقبة من الراحة والهناء، كما قضى الإسكندر عمره ولم يذق إلا حلاوة الظفر ولذة الانتصار، إن لم يكن من الذين تقعدهم المصاعب عن نيل ما يبتغون. ومنها: وجوب المبادرة لمعالي الأمور من الحداثة، ولا يؤخر الاجتهاد في تحصيل المطالب العالية إلى مرحلة الكهولة، إذ من الخطأ التسويف فيه إلى الاكتهال، إذ إن الإسكندر لما تبوأ ملك أبيه كان في حدود العشرين من عمره، وأتى ما أتى وهو في ريعان الشباب، فهزم أعظم ملوك عصره وأكبر جيوشهم وكأنه القضاء المبرم، ولم يقف في وجهه عدد ولا عدد، وخاض غمرات الردى غير هياب ولا وجل، وأضاف كل العالم الشرقي إلى المملكة اليونانية التي ورثها عن أبيه وهو شاب، وقضى -أي: مات- وهو في الثالثة والثلاثين من عمره، كما دونه محققو المؤرخين. ومنها: أن من قدر على أعدائه وتمكن منهم، فلا ينبغي له أن تسكره لذة السلطة، فيسوقهم بعصا الإذلال ويجرعهم غصص الاستعباد والنكال، بل يعامل المحسن بإحسانه والمسيء بقدر إساءته. فإن ما حكي عن الإسكندر من قوله تعالى: ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ [الكهف:٨٧] إلى آخره، نهاية في العدل وغاية الإنصاف. ومنها: أن على الملك إذا اشتكي إليه جور المجاورين أن يبذل وسعه في الراحة والأمن دفاعاً عن الوطن العزيز، وصيانة للحرية والتمدن من مخالب التوحش والخراب، قياماً بفريضة دفع المعتدين، وإمضاء العدل بين العالمين، كما لبى الإسكندر دعوة الشاكين في بناء السد، وقد أطبق المؤرخون على أنه بنى عدة حصون وأسوار لرد غارات البرابرة وصد هجماتهم. ومنها: أن على الملك التعفف عن أموال رعيته، والزهد في أخذ أجرة في مقابلة عمل يأتيه ما أغناه الله عنه، ففي ذلك حفظ كرامته، وزيادة الشغف بمحبته، كما تأبى الإسكندر تفضلاً وتكرماً. ومنها: التحدث بنعمة الله تعالى إذا اقتضاه المقام، كقول الإسكندر في مقام تعففه عن أموالهم والشفقة عليهم: ﴿مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف:٩٥] كقول سليمان: ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ [النمل:٣٦]، وقد قيل: إن دخل الإسكندر من البلاد التي فتحها كان نحو ستين مليون ليرة إنجليزية. ومنها: تدعيم الأسوار والحصون في الثغور، وتقويتها بذوب الرصاص، وبوضع صفائح النحاس خلال الصخور الصم صدقاً في العمل ونصحاً فيه؛ لينتفع به على تطاول الأجيال، فإن البناء غير الرصين لا ثمرة فيه. ومنها: مشاطرة الملك العمال في الأعمال، ومشاركتهم بنفسه إذا اقتضى الحال؛ تنشيطاً لهمتهم، وتجرئة لهم، وترويحاً لقلوبهم، وقد كان الإسكندر يقاسم الرجال الأتعاب، ويدير العمل بنفسه، كما بينه الذكر الحكيم في قوله: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف:٩٦]. ومنها: تعريف الغير ثمرة العمل المهم ليعرفوا قدره فيظهروا شكره، ولذا قال: ((هذا رحمة من ربي)). ومنها: الإعلام بالدور الأخروي، وانقضاء هذا الطور الأولي؛ لتبقى النفوس تواقة إلى ذلك العالم الباقي والنعيم السرمدي، ولذا قال: ((فإذا جاء وعد ربي))، إشارة إلى العالم الآخر. ومنها: الاعتبار بتخليد جميل الثناء وجميل الآثار، فإن من أمعن النظر فيما قص عنه في هذه الآية الكريمة يتضح له جلياً حسن سجاياه وسمو مزاياه من الشجاعة، وعلو الهمة، والعفة، والعدل، ودأبه على توطيد الأمن، وإثابته المحسنين، وتأديبه للظالمين، والإحسان إلى النوع البشري لاسيما في زمان كان فيه أكثر عوائد وأخلاق الأمم المتمدنة وغير المتمدنة وحشية فاسدة. ومنها: الاهتمام بتوحيد الكلمة لمن يملك أمماً متباينة، كما كان يرمي إليه سعي الإسكندر، فإنه دأب على توحيد الكلمة بين الشعوب ومزج تلك الأمم المختلفة ليربطها بصلات الحب والعوائد، وقد حكي: أنه كان يجيش من كل أمة استولى عليها جيشاً عرمرماً يضيفه إلى جيشه المقدوني اليوناني، ويأمر رجاله أن يتزوجوا من بناتهم لتوثيق عرى المحبة والارتباط، وإزالة البغض والشحناء. ومنها: الاعتبار بما يبلغه الإنسان، وما فيه من بليغ الاستعداد يقضي على المرء أن يعيش أولاً طفلاً مرضعاً لا يعلم ما حوله، ولا يطلب غير ما تحتاج إليه طبيعته الضعيفة قياماً بما تقتضيه أسباب الحياة، وهو ملقى إذ ذاك لا إرادة له، وعرضة لأسقام تذيقه الآلام وقد تجرعه كأس الحمام قبل أن يرى ويدرك شيئاً من هذا النظام، فإذا استظهرت فيه عوامل الحياة على دواعي الممات، وسرت بجسمه قوى الشبيبة، وصرف ما أنعم الله عليه إلى ما خلق لأجله؛ ترعرع إنساناً عظيماً ظافراً بمنتهى أمله، كما فعل الإسكندر الكبير. هذا فيما يتعلق بالتنبيه الأول.

стр. 1593

تحرير النزاع في حقيقة ذي القرنين التنبيه الثاني: من هو ذو القرنين؟ اتفق المحققون على أن اسمه الإسكندر بن فليب، وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان حينما كان يتكلم عن الفلاسفة: ومن ملوكهم الإسكندر المقدوني، وهو ابن فليب، وليس بـ الإسكندر ذي القرنين الذي قص الله تعالى نبأه في القرآن، بل بينهما قرون كثيرة، وبينهما في الدين أعظم تباين. فـ ذو القرنين كان رجلاً صالحاً موحداً لله تعالى، يؤمن بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكان يغزو عباد الأصنام، وبلغ مشارق الأرض ومغاربها، وبنى السد بين الناس وبين يأجوج ومأجوج. وأما هذا المقدوني فكان مشركاً يعبد الأصنام هو وأهل مملكته، وكان بينه وبين المسيح نحو ألف وستمائة سنة، والنصارى تؤرخ له، وكان أرسطا طاليس وزيراً له، وكان مشركاً يعبد الأصنام. انتهى كلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى. ثم يعلق القاسمي على كلام ابن القيم قائلاً: وفيه نظر، فإن المرجع في ذلك -يعني: في حسم هذه القضية- هم أئمة التاريخ، وقد أطبقوا على أنه الإسكندر الأكبر ابن فليب باني الإسكندرية بتسعمائة وأربع وخمسين سنة قبل الهجرة، وثلاثمائة واثنين وثلاثين قبل ميلاد المسيح ﵇، وقد أصبح ذلك من الأوليات عند علماء الجغرافيا، وأما دعوى أنه كان مشركاً يعبد الأصنام؛ فغير مسلم. وأكيد أنكم سعداء مثلي حينما نسمع بأن الإسكندر كان رجلاً مسلماً موحداً، فنرجو أن يكون هذا هو المذهب الراجح، لأن الإنسان إذا تخيل أن باني الإسكندرية رجل وثني لاشك أن الفرق شاسع جداً في الأمرين، على أي الأحوال القاسمي يتحمس جداً للترجيح بأن الإسكندر كان مؤمناً موحداً، وأنه هو ذو القرنين المذكور في القرآن الكريم. يقول: وأما دعوى أنه كان مشركاً يعبد الأصنام؛ فغير مسلم، وإن كان قومه وثنيين؛ لأنه كان تلميذاً لـ أرسطا طاليس، وقد جاء في ترجمته كما في طبقات الأطباء وغيرها: أنه كان لا يعظم الأصنام التي كانت تعبد في ذلك الوقت، وأنه بسبب ذلك نسب إلى الكفر -لما كفر بعبادة الأصنام حكم عليه قومه بالكفر في ذلك الوقت- وأريد السعاية به إلى الملك، فلما أحس بذلك شخص عن أثينا -هرب من أثينا لما أرادوا الانتقام منه بسبب موقفه من عبادة الأصنام- لأنه كره أن يبتليه أهلها بمثل ما ابتلوا به سقراط معلم أفلاطون؛ فإنه كان من عبادهم ومتألهيهم، وجاهرهم بمخالفتهم في عبادة الأصنام، وقابل رؤساءهم بالأدلة والحجج على بطلان عبادتها؛ فثوروا عليه العامة، واضطر الملك إلى قتله، فأودعه السجن ليكفهم عنه، ثم لم يرض المشركون إلا بقتله، فسقاه السم خوفاً من شرهم بعد مناظرات طويلة جرت له معهم. كان هذا الكلام كله في حق سقراط. قال: فالوثنية وإن كانت دين اليونانيين واعتقاد شعبهم، إلا أنه لا ينافي أن يكون الملك وخاصته على اعتقاد آخر يجاهرون به أو يكتمونه، كـ النجاشي ملك الحبشة؛ فإنه جاهر بالإيمان بالنبي ﷺ ، وشعبه وأهل مملكته كلهم نصارى، وهكذا كان الإسكندر وأستاذه والحكماء قبله؛ فإن الممعن في تراجمهم يرى أنهم على توحيد وإيمان بالمعاد. قال القاضي صاعد: كان فيثاغورس أستاذ سقراط يقول ببقاء النفس، وكونها فيما بعد في ثواب وعقاب على رأي الحكماء الإلهيين. وأما قول الفخر الرازي: إن في كون الإسكندر ذا القرنين إشكالاً قوياً، وهو أنه كان تلميذ أرسطا طاليس الحكيم وكان على منهجه، فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطا طاليس حق وصدق، وذلك مما لا سبيل إليه. أي: على أساس أنه لو أن الإسكندر تلميذ أرسطا طاليس، والقرآن الكريم يمدح ذا القرنين، فلو كان الإسكندر هو ذا القرنين، وهو تلميذ لـ أرسطا طاليس فتعظيم الله لـ ذي القرنين أو للإسكندر يوجب الحكم بأن مذهب أرسطا طاليس حق وصدق. ثم يرد القاسمي قائلاً: فلا يخفى دفع هذا اللزوم؛ فإن من كان تابعاً لمذهب فمدح لأمر ما يوجب مدحه لأجله، فلا يلزم أن يكون المدح لأجل مذهبه ومتبوعه؛ إذ قد يقوم فيه من الخلال والمزايا ما لا يوجد في متبوعه، وقد يبدو له من الأنظار الصحيحة ما لا يكون في مذهبه الذي نشأ عليه مقلداً، أفلا يمكن أن يكون حراً في فكره ينبذ التقليد الأعمى ويعتنق الحق، ومن آتاه الله من الملك ما آتاه أفيمتنع أن يؤتيه من تنور الفكر، وحرية الضمير ونفوذ البصيرة ما يخالف فيه متبوعه؟ يعني أنه لا يليق به أن يكون مقلداً لأستاذه فإن من آتاه الله الملك والجاه لا يبعد أن يؤتيه الله من تنور الفكر وعدم التقليد ونفوذ البصيرة ما يخالف به متبوعه. قال: هذا على فرض أن متبوعه مذموم، وقد عرفنا أن متبوعه أعني أرسطا طاليس كان موحداً، وهو معروف في التاريخ. وقد قيل: إن أرسطو وسائر الناس في زمانه كانوا على منهج الأنبياء، وهذا لا يبعد، فعندما يكون التاريخ موغلاً في العراقة والقدم بهذا الشكل لا يصعب تحريفه خاصة من ذوي الأغراض من مزوري التاريخ والكاذبين على المعاصرين، فضلاً عن الغابرين، فضلاً عمن بيننا وبينهم آلاف أو مئات السنوات. يقول: على أنه لو استلزمت الآية مدح مذهب أستاذه لكان ذلك في الأصول التي هي المقصودة بالذات، وكفى بها كمالاً، وللرازي فرص يغتنم بها التنويه بالحكماء والتعريف بمذهبهم، وهذه منها وإن صبغها سامحه الله بهذا الأسلوب، عرف ذلك من عرف.

стр. 1594

سبب تلقيب ذي القرنين بذلك التنبيه الثالث: اختلف في سبب تلقيبه بـ ذي القرنين، فقيل: لأنه طاف قرني الدنيا -طاف في قرني العالم أقصى الشرق وأقصى الغرب- أو: لأنه كان له قرنان، أي: ظفيرتان، أو لأنه ملك الروم والفرس. قال الزمخشري: ويجوز أن يلقب بذلك لشجاعته، كما يسمى الشجاع كبشاً، فلما ذكر أحد علماء الحديث البخاري، قال: ذلك الكبش النطاح. لأنه شجاع ينطح أقرانه ويغلبهم في العلم. يقول القاسمي: هذا اللقب من الكناية عن كل ذي قوة وبأس وسلطان؛ لأن ذا القرون من المواشي أقواها وأشدها، والكناية بالقرن عن القوة والسلطان معروفة عند اليهود الذين هم السائلون: ((ويسألونك عن ذي القرنين))، وقد وقع في توارتهم في نبوة دانيال ﵇ قوله عن الملك: فإذا أنا بكبش واقف عند النهر وله قرنان، والمراد به: ملك له قرنان، ثم قوله: وبينما كنت متأملاً إذا بتيس معز قد أقبل من المغرب على وجه الأرض كلها، وللسيف قرن عجيب المنظر بين عينيه. قالوا: القرن هنا رمز إلى القوة والسلطان، والسيف: رمز إلى مملكة اليونان، والقرن هو رمز إلى أول ملك على هذه المملكة وهو الإسكندر الكبير، وما أشار إليه من سرعة مسيره إيماء إلى كثرة ما دهم البلاد به من الغارات المتواصلة، وقوله (خرج من المغرب)، إشارة إلى خروجه من مقدونيا أو مكدونيا -وهي التي وقعت فيها مذبحة قريبة في الجبل الأسود أو كوسوفا- التي هي إلى غرب فارس، وذلك حين تقدم على جيوش داريوث وكسره وتعقبه إلى داخل مملكته. والقصد: أن هذا اللقب - ذو القرنين - شهير، وليس من أوضاع العرب خاصة كما زعمه بعضهم، بل هو معروف حتى عند أهل الكتاب، بل هو معروف عند العصرانيين أيضاً، وقد يظهر أنه من رموزهم الخاصة التي صارت إلى العرب وأقرتهم عليها.

стр. 1595

خلاف العلماء في نبوة ذي القرنين التنبيه الرابع: قال الرازي: اختلفوا في ذي القرنين، هل كان من الأنبياء أم لا؟ منهم من قال: إنه كان نبياً، واحتج عليه بوجوه: الأول: قوله تعالى: ((إنا مكنا له في الأرض))، والأولى حمله على التمكين في الدين، والتمكين الكامل في الدين هو النبوة. الثاني: قوله تعالى: ((وآتيناه من كل شي سبباً)) ومن جملة الأشياء النبوة. الثالث: قوله تعالى: ((قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا))، والذي يتكلم الله معه لابد أن يكون نبياً. ومنهم من قال: إنه كان عبداً صالحاً وما كان نبياً. انتهى كلام الرازي. ثم قال الرازي بعد: يدل قوله تعالى: ((قلنا يا ذا القرنين)) على أنه تعالى تكلم معه من غير واسطة، وذلك يدل على أنه كان نبياً، وحمل هذا اللفظ على أن المراد أنه خاطبه على ألسنة بعض الأنبياء عدول عن الظاهر. ثم يعلق القاسمي: ولا يخفى ضعف الاستدلال بهذه الأدلة على نبوته. يعني: التمسك بمثل هذه العمومات لا يكفي في إثبات النبوة؛ لأن الأدلة في عامتها يضعف وجه دلالتها على كونه كان نبياً؛ لأن قوله: ((إنا مكنا له في الأرض)) ما المانع من أن يكون المقصود به الملك والتمكين الدنيوي والصفوة وتوسع النفوذ والسلطان؟ وليس شرطاً أن يكون التمكين بالنبوة، والظاهر أنه كان ملكاً عظيماً. ثانياً: قوله: ((وآتيناه من كل شيء سبباً)) لا تستلزم أن يؤتى النبوة أيضاً، باعتبارها سبباً من الأسباب، كما في قوله تعالى في شأن بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٢٣]، وهي إنما أوتيت من كل شيء مما يؤتاه الملوك، كذلك هذا آتاه الله من كل شيء سبباً ولا يشترط أن تشتمل على معنى النبوة. يقول القاسمي: ولا يخفى ضعف الاستدلال بهذه الأدلة على نبوته؛ لأن مقام إثباتها يحتاج إلى تنصيص وتخصيص، وأما الاعتماد على العمومات لاستفادة فمثل ذلك فغير مقنع، وأما قوله تعالى: ((قلنا يا ذا القرنين))، فقد قلنا إنه كناية عن تمكينه تعالى له منهم، لا أنه قول مشافهة، وإلا لو كان ذلك لكان مخيراً منه تعالى وملقناً ما يفعل بهم، فأنى يسوغ له نقضه باجتهاد آخر. يقصد القاسمي: أن قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف:٨٦]، كناية عن تمكينه له تعالى من هؤلاء القوم، لا أنه قال له ذلك مشافهة، وإلا لو كان ذلك لكان مخيراً منه تعالى، كأن الله هو الذي خيره ولقنه ما يفعل بهم، فأنى يسوغ له نقضه باجتهاد آخر، ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف:٨٦] فإذا كان الله مكنه منهم، وكان من قبل قد قال له: أنت مخير أن تفعل هذا أو ذاك، فكيف يسوغ له بعد ذلك أن يجتهد اجتهاداً ينقض هذا الحكم؟ قال: ولا يقال: إن الأصل في الإطلاق الحقيقة، لأنا نقول به ما لم يمنع منه مانع وللتنزيل الكريم أسلوب خاص عرفه من أمعن النظر في بديع بيانه. نعم. لو كان مراد القائل بنبوته: إنه من الملهمين، ذهاباً في النبوة إلى المعنى الأعم من الإيحاء بشرع لكان قريباً، فتكون نبوته من القسم الثاني، وهو الإلهام الذي جاء في الحديث تسمية صاحبه محدثاً كما في البخاري قال عليه الصلام والسلام: (إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون، وإنه إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب ﵁، وإطلاق النبوة عليه وإن كان محظوراً في الإسلام إلا أنه كان معروفاً قبله في العباد الأخيار.

стр. 1596

سبب نزول الآيات الواردة في ذي القرنين التنبيه الخامس: حكي في قوله تعالى: ((ويسألونك عن ذي القرنين)) قولان: في أن السائلين هم اليهود أو غيرهم، ورجح الأول من وجهين: الأول: إن للإسكندر عند اليهود شأناً وقدراً، وذلك لما حكي أنه لما فتح غزة ودنا من بيت المقدس خرج إليه رئيس أحبارها وقدم إليه الطاعة، فدخلها إسكندر وسمع نبوءة التوراة فسر، وأحسن إلى اليهود -يعني رؤيا دانيال- وتعقب بعض المؤرخين هذه الرواية بأنها غير مأثورة في كتب اليونان، ولم يروها أحد من مؤرخيهم. ثانيهما: أن عنوان ذي القرنين مستعمل في لغة الإسرائيليين، كما قدمناه عنهم.

стр. 1597

المراد بالعين الحمئة المذكورة التنبيه السادس: قالوا: المراد بالعين الحمئة البحر المحيط، وتسميته عيناً لكونه بالنسبة لعظم قدرته تعالى كعين، وإن عظم عندنا، قالوا: رأى الشمس في ناظره تغرب في البحر، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحل البحر يراها كأنها تغرب فيه وهي لا تفارق فلكها، يعني: لا تزال تدور في فلكها بعيداً عن الأرض. وللإمام ابن حزم ﵀ رأي آخر في الآية ذكره في كتاب الملل في بحث كروية الأرض قال: ذو القرنين كان في العين الحمئة الحامئة، كما تقول: رأيتك في البحر، تريد أنك إذا رأيته كنت أنت في البحر. وبرهان هذا: أن مغرب الشمس لا يجهل مقدار عظيم مساحته إلا جاهل، ومقدار ما بين أول مغربها الشتوي إذا كانت من آخر رأس الجدي إلى آخر مغربها الصيفي إذا كانت لرأس السرطان، مرئي مشاهد.

стр. 1598

موضع السدين التنبيه السابع: قال الرازي: الأظهر أن موضع السدين في ناحية الشمال، وقيل: جبلان بين أرمينية وأذربيجان، وقيل: هذا المكان في منقطع أرض الترك. وحكى محمد بن جرير الطبري في تاريخه: أن صاحب أذربيجان أيام فتحها وجه إنساناً إليه من ناحية الخزر فشاهده، ووصف أنه بنيان رفيع وراء خندق عميق وثيق منيع. وذكر ابن خرداد في كتاب المسالك والممالك: أن الواثق بالله رأى في المنام كأنه فتح هذا الردم، فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه، فخرجوا من باب من الأبواب حتى وصلوا إليه وشهدوه، فوصفوه بأنه بناء من لبن من حديد مشدود بالنحاس المذاب وعليه باب مقفل، ثم إن ذلك الإنسان لما حاول الرجوع أخرجهم الدليل على البقاع المحاذية لسمرقند. قال أبو الريحان: مقتضى هذا أن موضعه في الربع الشمالي الغربي من المعمورة، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. يقول: فقد بعث إليه الواثق -يعني: إلى هذا السد- أمير المؤمنين سلام الترجمان في جماعة معه حتى وقفوا عليه، وحتى لو خفي مكان يأجوج ومأجوج والسد فلم يعرف في شيء من المعمور مكانه لما ضر ذلك خبرنا شيئاً. هذه نقطة مهمة جداً في الحقيقة، يقول: حتى لو لم نستطع الآن أن نراه لم يضرنا. وبعض الناس يقول: حصل مسح جغرافي شامل للكرة الأرضية، وأن هذا السد لو كان موجوداً لرأيناه إلى آخره، وهذا الكلام لا يسلم؛ لأنه كم من منطقة بالذات هذه المناطق الجبلية لم تطأها قدم إنسان على الإطلاق، وهناك مناطق لا يتصور أن يصل إليها إنسان، وهذا وارد، فهذا لا يضر خبرنا شيئاً. يقول: وحتى لو خفي مكان يأجوج ومأجوج والسد فلم يعرف في شيء من المعمور مكانه لما ضر ذلك خبرنا شيئاً؛ لأنه كان يكون مكانه حينئذ خلف خط الاستواء؛ بحيث يكون ميل الشمس ورجوعها وبعدها كما هو في الجهة الشمالية. ثم يقول: واعلموا أن كل ما كان في عنصر الإمكان فأدخله مدخل في عنصر الامتناع بلا برهان، فهو كاذب مبطل جاهل أو متجاهل، لاسيما إذا أخبر به من قد قام البرهان على صدق خبره، وإنما الشأن في المحال الممتنع الذي تكذبه الحواس والعيان أو بديهية العقل، فمن جاء بهذا فإنما جاء ببرهان قاطع على أنه كذاب مفتر، ونعوذ بالله من البلاء. قال بعض المحققين: اعلم أن كثيراً ما يحدث في الثورات البركانية أن تنخسف بعض البلاد أو ترتفع بعض الأراضي حتى تصير كالجبال، وهذا أمر مشاهد حتى في زمننا هذا. فقد تحدث بين طبقات الأرض فروق عن طريق الزلازل والبراكين ونحو هذه الأشياء، ومثل هذا ما يسمى بـ: المتحف الروماني، أو المسرح الروماني فهو تحت الأرض، وكان من قبل جبلاً عالياً، وكان في هذه المنطقة بركان، ثم أزيل لأن رجلاً يونانياً مغرم بالبحث عن حلمه في الحياة، وكل حياته كرسها لأجل أن يبحث عن مقبرة الإسكندر، فكان يحفر حتى اكتشفوا المقابر أو المساكن ومن ضمنها المسرح الذي تحت الأرض، فما الذي هبط بهم؟ عذاب، فخسف الله بهم الأرض، أو زلازل أو براكين وانقلبت البلد، أو غطيت بهذه الأكوام من الصخور، إذاً: هذا شيء وارد في علم الله وفي قدرة الله ، تحصل بعض الزلازل أو البراكين فتغير التركيب الجيولوجي للطبقات. فيقول: كثيراً ما يحدث في الثورات البركانية أن تنخسف بعض البلاد أو ترتفع بعض الأراضي حتى تصير كالجبال، وهذا أمر مشاهد حتى في زماننا هذا، فإذا سلم أن سد ذي القرنين المذكور في هذه الآية غير موجود الآن فربما كان ذلك ناشئاً من ثورة بركانية خسفت به وأزالت آثاره، ولا يوجد في القرآن ما يدل على بقائه إلى يوم القيامة. هذه المسألة فيها خلاف، ودليل القرآن يدل على بقاء هذا السد إلى يوم القيامة. قد يقول قائل: كيف وقد قال تعالى: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف:٩٨]، فمعناه: أن هذا السد رحمة من الله بالأمم القريبة منه، حيث كان هذا السد حائلاً بين يأجوج ومأجوج وبين الإفساد في هذه البلاد. ((قال هذا رحمة من ربي)) لمن؟ رحمة من الله بالأمم القريبة منه لمنع غارات يأجوج ومأجوج عنهم، ولكن يجب عليهم أن يفهموا أنه مع متانته وصلابته لا يمكن أن يقاوم مشيئة الله القوي القدير، فإن بقاءه إنما هو بفضل الله، ولكن إذا قامت القيامة وأراد الله فناء هذا العالم، فلا هذا السد ولا غيره من الجبال الراسيات يمكنها أن تقف لحظة واحدة أمام قدرة الله، بل يدكها جمعاء دكاً في لمح البصر. فمراد ذي القرنين بهذا القول: تنبيه تلك الأمم على عدم الاغترار بمناعة هذا السد، ((فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء)) أي: إن الله قادر على أن يدكه دكاً. قال: فأراد ذو القرنين تنبيه تلك الأمم على عدم الاغترار بمناعة هذا السد، أو الإعجاب والغرور بقوتهم فإنها لا شيء يذكر بجانب قوة الله، فلا يصح أن يستنتج من ذلك أن هذا السد يبقى إلى يوم القيامة، بل صريحه أنه إذا قامت القيامة في أي وقت كان وكان هذا السد موجوداً دكه الله دكاً، وأما إذا تأخرت فيجوز أن يدك قبلها لأسباب أخرى كالزلازل إذا قدم عهده، وكالثورات البركانية كما قلنا، وليس في الآية ما ينافي هذا. قال: وأما قوله تعالى: ((حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج)) فالمراد منه: خروجهم بكثرة وانتشارهم في الأرض كما يخرج الشيء المحبوس المضغوط إذا انفجر، واستعمال لفظ الفتح مجازاً شائع في اللغة، ومنه قول: افتتحوا البلاد، وقوله تعالى: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٤٤]، فليس للأشياء أبواب، وكذلك يأجوج ومأجوج لا باب لهم، بل هم من كل حدب ينسلون، والمراد أن المراد بخروجهم هذا -وهو الغالب- خروج المغول والتتار، وهم نسل يأجوج ومأجوج، وهو الغزو الذي حصل منهم للأمم في القرن السابع الهجري، وناهيك بما فعلوه إذ ذاك في الأرض بعد أن انتشروا فيها من الإفساد والنهب والقتل والسبي. وهناك رسالة لأحد المصنفين بعنوان: يأجوج ومأجوج، في مجلد كبير، وتتبع الخروج المتعدد للمغول والتتار والإفساد الذي أفسدوه في الأرض بصورة مفصلة، والذي انتهى بأن هزمهم الإسلام وذابوا في الهوية الإسلامية، وفروا من ملوكهم وأصبحوا مسلمين يحكمون بالإسلام. ثم يقول: والراجح أن السد كان موجوداً بإقليم داغستان -التابع الآن لروسيا بين مدينة ديربل وخوازر- فإنه يوجد بينهما مضيق شهير منذ القدم، يسمى عند كثير من الأمم القديمة والحديثة بالسد، وبه موضع يسمى باب الحديد، وهو أثر سد حديدي قديم بين جبلين من جبال القوقاز الشهيرة عند العرب بجبل قاف، وقد كانوا يقولون إن فيه السد كغيرهم من الأمم، ويقولون: إنه في نهاية الأرض، وذلك بحسب ما عرفوه منها ومن ورائه قبيلة يأجوج ومأجوج. انتهى. وجاء في صفوة الاعتبار: أن السور الذي وصلوا إليه أيام الواثق من بني العباس هو سور الصين الذي هو إحدى عجائب مملكة الصين، فإن طوله نحو ألف ومائتين وخمسين ميلاً، وسمكه من الأسفل نحو خمسة وعشرين قدماً، ومن أعلاه نحو خمسة عشر قدماً، وارتفاعه ما بين خمسة عشر إلى عشرين قدماً، وقالوا: إن هذا السور أيضاً كان من أحد الوسائل الدفاعية لرد هجمات المغول والقبائل الشمالية، والسور الآن خراب في جهات كثيرة. وهذا تأويل بعيد. يقول: فإن كان هو المراد بالسد في الآية لزم حمل الصفات المذكورة فيه من كونه زبر الحديد، ومفرغاً عليه النحاس على بقاع من ذلك السور. وهذا احتمال بعيد جداً. ثم قال بعض المصنفين في هذا: وهناك حكاية مشهورة بين أهالي كوة قاف تقتضي أن هذا الجبل كان مسدوداً بسد عظيم يمنع غارة المتبربرين، وهذا السد العظيم تارة يعزى للإسكندر وتارة لـ أنو شروان، ويستدلون على ذلك بآثار موجودة إلى الآن تروى لمن يروم ذلك.

стр. 1599

تسمية يأجوج ومأجوج أعجمية التنبيه الثامن: يأجوج ومأجوج اسمان أعجميان لم ينصرفا للعجمة والتعريف، ويجوز ياجوج وماجوج بترك الهمز. قيل: إنهما من الترك، وقيل: إن يأجوج من الترك، ومأجوج من الجيل والديلم، ثم من الناس من وصفهم بصغر القامة وصغر الجثة، وقال بعض المحققين: كان يوجد من وراء جبل من جبال القوقاز المعروفة عند العرب بجبل قاف في إقليم داغستان قبيلتان تسمى إحداهما آكوك والثانية ماكوك فعربهما العرب بيأجوج ومأجوج، وهما معروفان عند كثير من الأمم، وورد ذكرهما في كتب أهل الكتاب، ومنهما تناسل كثير من أمم الشمال والشرق في روسيا وآسيا.

стр. 1600

الإسرائيليات في ذكر يأجوج ومأجوج التنبيه التاسع: توسع من لم يشترط الصحة ولا الحسن في مصنفاته من الرواية في تخريج ما روي عن يأجوج ومأجوج، وكله إما من الإسرائيليات أو المنكرات أو الموضوعات، ومن ذلك حديث: (إن يأجوج أمة ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة ألف أمة، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر بين يديه من صلبه، كان كل قد حمل السلاح) إلى آخره في هذا الكلام، رواه ابن عدي في الضعفاء عن حذيفة مرفوعاً وقال: موضوع منكر. أيضا هناك أثر عن وهب بن منبه، كما قال ابن جرير؛ الأثر الطويل العجيب في سير ذي القرنين وبنائه السد، وكيفية ما جرى له، وفيه طول وغرابة ونكارة في أشكالهم وصفاتهم وطولهم وقصر بعضهم وآذانهم. وروى ابن أبي حاتم عن أبيه في ذلك أحاديث غريبة لا تصح أسانيدها، فجزى الله البخاري أحسن الجزاء على نبذه تلك الروايات، واشتراطه الصحة في المرويات، فقد جنت الآثار المنكرة على الأمة أنكر الآثار، ومن طالع مقدمة صحيح مسلم صدق قوله: إن راوي الضعاف غاش آثم مضل، والله المستعان.

стр. 1601

يأجوج ومأجوج في السنة العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى له كلام في هذه القضية أيضاً، يقول: اعلم أنا قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أنه إن كان لبعض الآيات بيان من القرآن لا يفي بإيضاح المقصود، وقد بينه النبي ﷺ ، فإننا نتمم بيانه بذكر السنة المبينة له. ورغم أن القاسمي في آخر كلامه أثنى على البخاري لأنه نبذ الإسرائيليات، لكن نلاحظ أيضاً أن القاسمي لم يتعرض لما في البخاري ومسلم من الأحاديث التي تعرضت لذكر السد، وذكر يأجوج ومأجوج، وتفاصيل ما سيقع في قيام الساعة، فهذا مما يضعف الاستناد لاستنباطات القاسمي، لأنه أهمل ذكر السنة مع أنه أثنى على البخاري رحمه الله تعالى. وهذا الجانب من البحث الذي يعتبر نقطة ضعف من كلام القاسمي وفاه وعالجه من وجهة نظر أخرى العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى. يقول: فإذا علمت ذلك فاعلم أن هاتين الآيتين الكريمتين لهما بيان أوضحته السنة، فصار بضميمة السنة إلى القرآن بياناً وافياً بالمقصود، والله جل وعلا قال في كتابه لنبيه ﷺ : ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤]، فإذا علمت ذلك فاعلم أن هذه الآية الكريمة وآية الأنبياء قد دلتا في الجملة على أن السد الذي بناه ذو القرنين -دون يأجوج ومأجوج - إنما يجعله الله دكاً عند مجيء الوقت الموعود بذلك فيه، وقد دلتا على أنه بقرب يوم القيامة؛ لأنه قال هنا: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا * وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف:٩٨ - ٩٩]، وأظهر الأقوال في الجملة المقدرة التي عوض عنها تنوين (يومئذ) من قوله: ((وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض)) أنه إذا جاء وعد ربي بخروجهم وانتشارهم في الأرض. ولا ينبغي العدول عن هذا القول لموافقته لظاهر سياق القرآن العظيم، وإذا تقرر أن معنى يومئذ: يوم إذ جاء الوعد بخروجهم وانتشارهم، فاعلم أن الضمير في قوله: (وتركنا بعضهم)، على القول بأنه لجميع بني آدم، فالمراد يوم القيامة. وإذاً: فقد دلت الآية على اقترانه بالخروج إذا دك السد وقربه منه، وعلى القول بأن الضمير راجع إلى يأجوج ومأجوج، فقوله بعده: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الكهف:٩٩]، يدل في الجملة على أنه قريب منه. قال الزمخشري في تفسير هذه الآية: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف:٩٨]، هو إشارة إلى السد، أي: هذا السد نعمة من الله ورحمة على عباده، أو: هذا الإقدار والتمكين من تسويته ((فإذا جاء وعد ربي)) يعني: فإذا دنا مجيء يوم القيامة، وشارف أن يأتي جعل السد دكاً أي: مدكوكاً مبسوطاً مسوىً بالأرض، وكل ما انبسط من بعد ارتفاع فقد اندك، ومنه الجمل الأدك المنبسط السنام. وآية الأنبياء المشار إليها هي قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [الأنبياء:٩٦ - ٩٧]. لأن قوله تعالى: ((حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج))، وإتباعه لذلك بقوله: ((واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا)) يدل في الجملة على ما ذكرنا في تفسير آية الكهف التي نحن بصددها، وذلك يدل على بطلان قول من قال: إنهم روسيا -إن يأجوج ومأجوج هم الروس- وإن السد فتح منذ زمان طويل. فإذا قيل: إنما تدل الآيات المذكورة في الكهف والأنبياء على مطلق اقتراب يوم القيامة من دك السد، واقترابه من يوم القيامة، لا ينافي كونه قد وقع بالفعل. يعني: إنه يوجد قول آخر يرد على هذا الكلام، يقول: اقتراب القيامة ليس فيه إشكال، وتوجد علامات كثيرة جداً تدل على اقتراب الساعة، كبعثة النبي محمد ﵇. يقول: كما قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١]، وقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، وقال النبي ﷺ : (ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها)؛ فقد دل القرآن والسنة الصحيحة على أن اقتراب ما ذكر لا يستلزم اقترانه به، بل يصح اقترابه مع مهلة، وإذاً فلا ينافي دك السد الماضي المزعوم الاقتراب من يوم القيامة، فلا يكون في الآيات المذكورة دليل على أنه لم يدك السد إلى الآن؟ فالجواب هو ما قدمنا: أن هذا البيان بهذه الآيات ليس وافياً بتمام الإيضاح إلا بضميمة السنة له. يعني رغم محاولة الشنقيطي لاستنباط هذا المعنى من آيتي سورة الكهف وسورة الأنبياء، يقول: لكنه يحتاج لمزيد من الإيضاح عن طريق السنة. يقول: ولذلك ذكرنا أننا نتمم مثله من السنة؛ لأنها مبينة للقرآن. قال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، حدثنا الوليد بن مسلم حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثني يحيى بن جابر الطائي قاضي حمص، حدثني عبد الرحمن بن جبير عن أبيه جبير بن نفير الحضرمي: أنه سمع النواس بن سمعان الكلابي ﵁ قال: (ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع، حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا، فقال: ما شأنكم؟، قلنا: يا رسول الله! ذكرت الدجال غداة فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال: غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، إنه شاب قطط عينه طافئة، كأني أشبهه بـ عبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خلة بين الشام والعراق، فعاث يميناً وعاث شمالاً، يا عباد الله فاثبتوا. قلنا: يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم. قلنا: يا رسول الله! فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا. اقدروا له قدره. قلنا: يا رسول الله! وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت دراً وأسبغه ضروعاً وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم، فيردون عليه قوله؛ فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً فيضربه بالسيف، فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين، واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله. ثم يأتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم -أي: لا أحد يستطيع أبداً أن يقاتلهم- فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحضر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خير من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم؛ فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة. يدعو عليهم المسيح ﵇ فيهلكهم الله . ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيراً كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطراً، لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة -المجموعة من الناس- من الرمانة، ويستظلون بقحفها -قحف الرمان هو ورقه- ويبارك الله في الرسل؛ حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة). وهذا الحديث رواه مسلم. وهذه الريح هي التي تأتي من اليمن تقبض نفس كل مؤمن، وهي المشار إليها بقول النبي ﵇: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك)، يعني: حتى تأتي هذه الريح التي تقبض أرواح جميع المؤمنين. قال: وهذا الحديث الصحيح قد رأيت فيه تصريح النبي ﷺ بأن الله يوحي إلى عيسى بن مريم خروج يأجوج ومأجوج بعد قتله الدجال، فمن يدعي أنهم روسيا، وأن السد قد اندك منذ زمان، فهو مخالف لما أخبر به النبي ﷺ مخالفة صريحة لا وجه لها، ولا شك أن كل خبر ناقض خبر ا

стр. 1602

خطر الخوض في تنزيل أشراط الساعة على الواقع ونحتاج وقفة يسيرة هنا مع ظاهرة مؤلمة تتكرر بين وقت وآخر: وهي ظاهرة الاستناد إلى مرويات أهل الكتاب والإسرائيليات، فهذا من الشيء المؤسف جداً، الآن توجد موجة كاسحة في عالم التأليف عن أشراط الساعة، حتى يكاد الناس يقولون: فلان هو فلان المذكور في كذا، إما أحاديث ضعيفة أو موضوعة، أو أن اعتماده على أحاديث مأخوذة من كتب الشيعة وكذبهم وضلالهم، وإما من كلام أهل الكتاب والإسرائيليات، ويحاولون أن يطبقوها على الواقع، يقول لك: إن صدام حسين هو السفياني. هذه الموضة كانت بدأت منذ سنوات، وكان معظم الناس يتكلمون ويقولون: إن العام الحاسم هو عام (١٩٩٧)، ثم مرت سنة (١٩٩٧) وحصل ما حصل. فالرجم بالغيب، والإخبار عن المستقبل أو تنزيل النصوص على الواقع بدون بينة من الشرع، يعتبر من التقول على الله بغير علم، وموافقة لهوى النفس، فالإنسان يجد دافعاً داخلياً للاستجابة، لكن الأحداث لا تسير حسب الأماني، ونحن إنما نفرح حينما نعلم أنه سيكون النصر في النهاية للمسلمين. كما حصل أيضاً في فتنة الخليج قالوا: هذه هي الملحمة بيننا وبين اليهود والنصارى في فلسطين، وستحصل الملحمة الكبرى في المنطقة المعروفة بالشام، ونحن إن كنا نوقن بأن الملحمة ستقع؛ لأن الرسول ﵇ أخبر بذلك في أحاديث صحيحة، إلا أننا لا نطبقها على الواقع إلا إذا وقعت، فلا يصلح أن نستدعي أحداث آخر الزمان بإرادتنا، هذه أمور كونية قدرية ستقع حتماً، لكن كما شاء الله ومتى شاء الله، ونحن مسئولون فقط عن الإيمان بها إيماناً مجملاً، أما تنزيلها على الأعيان والزمان فهو تقول على الله بغير علم. وقد حصل الخلل في مثل هذا الأمر في حادثة المهدي في مطلع القرن الخامس عشر الهجري، سنة ألف وأربعمائة هجرية، لما حصل الاعتصام في الحرم؛ لأنهم كانوا يريدون تسرعة الأحداث بأيديهم، فأخرجوا المهدي من بينهم، وخططوا لذلك في ضوء أحاديث ضعيفة ونحو ذلك؛ فحصل ما حصل من انتهاك حرمات الله . فنحن غير مسئولين عن أشراط الساعة وغير مكلفين بأن نجتلبها، والأحداث ستسير وفق ما حدده الله لا الهوى، وتأتي رواية تقول لك: توجد روايات في التوراة تقول كذا، وإن السفياني رجل جبار وقاسي القلب، لكن يهزم إلخ، وينتهي في النهاية نهاية سعيدة، وبلا شك -إن شاء الله- ستكون نهاية سعيدة للمسلمين، ويمكن لهم الله ، آجلاً أو عاجلاً، كما وعدنا الله ، لكن الخطر في أن هذه التحليلات تمثل حرباً نفسية، لأن إسرائيل كأنها إذا أرادت فلا مرد لإرادتها ولا لأمرها، فهذه نوع من الحرب النفسية ومساهمة في نشر الأراجيف بين المسلمين. قد كنت أنتظر مرور سنة (١٩٩٧) هذه بأي طريقة، حتى أقول هذا الكلام، وجاءت الآن المناسبة، أين العامة التي كانت تلهج بذكر سنة (١٩٩٧) وبما سيكون فيها؟ وجاء الوقت الآن وبدأت الجعجعة لسنة ألفين، لكن نقول: الغيب لا يعلمه إلا الله ، أما أن نلهو بالغيب بناءً على إسرائيليات لا نعرف صدقها من كذبها، أو بناءً على منامات، أو حديث موضوع، أو اقتباسات من كتب الشيعة الكذابين الذين هم أكذب الفرق في القديم والحديث، ثم بعد ذلك نمني أنفسنا ونهرب من الواقع إلى هذه الخيالات، فهذا مما لا يليق بالمسلم. فلنكف عن الخوض في هذه الموجة النازلة، حتى الكتب أصبحت كثيرة في هذا الباب، والكل يكتب عن أشراط الساعة، ويرتب بعضها على بعض، ولماذا صدام حسين خصيصاً؟! وما الذي يعجب في صدام حسين السفاح المجرم الأفاك الأثيم؟! أليس هو الذي جلب لنا كل هذا الشؤم؟! حرب الخليج تعتبر مثل حادثة الفيل في استعمالها للتأريخ؛ لأنها فصلت بين حقبتين تاريخيتين، فهي فتحت أمامها الشر والذل والهوان الذي نحن فيه الآن، إذ أن الجيوش الأمريكية والإنجليزية التي أرسلت صارت الآن تخزن أسلحتها في فلسطين المحتلة، وأصبح من حق اليهود استعمالها عند الضرورة -خدمة ما بعدها خدمة- وبعض المساكين السذج في الصدام الأخير المزعوم بين صدام حسين وأمريكا لم يلتفت إلى أن الغرض هو إيجاد المبرر لزيادة هذه القوات، والناس ظنوا أن أمريكا تراجعت، لا. بل وجدت المبرر لحشد القوات في هذه المنطقة. صحيح عند النصارى توجه في أمريكا، وبلا شك عند اليهود يقين بوقوع ملحمة هرمجدون، وربما هي التي يسميها الرسول ﵊ الملحمة الكبرى، فهم يزعمون أن النصر سيكون حليفهم في النهاية، ولكن قطعاً سيكون النصر حليف المسلمين كما أخبر بذلك الصادق المصدوق، ولكن متى؟ لا ندري، وهذه الملحمة في الشام في مكان حدده النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بكل دقة، أما أن نقول: إن حرب الخليج كانت هي الملحمة وسيحصل كذا وكذا. إذاً: الإنسان لا يرجم بالغيب وينتظر أن تقع الأشياء بصورة لا تقبل التأويل، ثم نقول: هذا الذي كان مقصوداً بقول النبي ﷺ ، أما أن ننسى الأحاديث، ومنهج أهل السنة والجماعة، ومنهج المحدثين، ونتشبث بأحلام ومنامات، ومنها أحلام نصرانية أو كتابية، أو أحاديث إسرائيلية، وأحاديث ضعيفة وموضوعة بالذات من قبل الشيعة، فهم يجيدون الكذب في مثل هذه الأشياء، فهذا ليس هو المنهج الصحيح، والقضية تحتمل كلاماً مفصلاً، لكن هذه إشارة عابرة باعتبارها أول فرصة مناسبة نتكلم فيها على هذا الأمر. يقول الشنقيطي: فقولكم لو كانوا موجودين وراء السد إلى الآن لاطلع عليهم الناس غير صحيح؛ لإمكان أن يكونوا موجودين والله يخفي مكانهم على عامة الناس، حتى يأتي الوقت المحدد لإخراجهم على الناس، ومما يؤيد إمكان هذا ما ذكره تعالى في سورة المائدة من أنه جعل بني إسرائيل يتيهون في الأرض أربعين سنة، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة:٢٦]، وهم في فراسخ قليلة من الأرض، يمشون ليلهم ونهارهم ولم يطلع عليهم الناس حتى انتهى أمد التيه؛ لأنهم لو اجتمعوا بالناس لبينوا لهم الطريق، وعلى كل حال فربك فعال لما يريد. وأخبار رسوله ﷺ الثابتة عنه صادقة، وما يوجد بين أهل الكتاب مما يخالف ما ذكرنا ونحوه من القصص الواردة في القرآن والسنة الصحيحة زاعمين أنه منزل في التوراة أو غيرها من الكتب السماوية باطل يقيناً لا يعول عليه؛ لأن الله جل وعلا صرح في هذا القرآن العظيم الذي لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ؛ بأنهم بدلوا وحرفوا وغيروا في كتبهم، كقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء:٤٦]، وقوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام:٩١]، وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٧٨]، إلى غير ذلك من الآيات العظيمة. بخلاف هذا القرآن العظيم، فقد تولى الله جل وعلا حفظه بنفسه ولم يكله إلى أحد، حتى يغير فيه أو يبدل أو يحرف، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وقال: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٧]، وقال: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢]، وقال في النبي ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]. ولما رأى النبي ﵇ صحيفة من التوراة في يد بعض الصحابة غضب غضباً شديداً، وقال: (أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية، والله لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي)، فالموضة الجديدة الآن: جاء في الآثار كذا وكذا، وفي الإنجيل كذا، وفي التوراة كذا، هذا مما ينبغي عدم التسامح فيه، وتوجد حالات قليلة عند مناظرة أهل الكتاب نلزمهم فيها بما في كتبهم من الأشياء التي توافق ما عندنا، وتدعم الإيمان بنبوة النبي ﵇، فهذه يمكن أن تستخدم في مجال معين كالاستدلال بها، أما أن يسمى عندنا: (كتاب مقدس) وبعض الناس يقول: وجاء في الكتاب المقدس، من قال لك: إنه هو الكتاب المقدس؟ لذلك بعض الإخوة ذوي الفطانة كتب ضمن المراجع في آخر الكتاب: المرجع رقم كذا الكتاب المقدس عندهم، لأنه ليس مقدساً عندنا، نحن نؤمن بالتوراة وبالإنجيل بلا شك، لكن هل الذي في أيديهم الآن هو الذي أنزله الله، أم أنه اختلط حقه بباطل كثير؟ كما قال ابن القيم: (ما عند أهل الكتاب في كتبهم باطله أضعاف أضعاف حقه، والحق الذي فيه منسوخ)، فنحن في غنى عن أن ننظر في مثل هذه الكتب، نحن نؤمن بالتوراة التي نزلت على موسى، ونؤمن بالإنجيل الذي نزل على عيسى، لا أربعة أناجيل على الأقل، فأيها الصحيح؟ وهي متناقضة ومتعارضة، وفيها من الكذب والتحريف ما فيها، فموضوع التسامح في مثل هذا مما يهدد العقيدة. وقد صح عن النبي ﷺ أنه أذن لأمته أن تحدث عن بني إسرائيل، ونهاهم عن تصديقهم وتكذيبهم، خوف أن يصدقوا بباطل أو يكذبوا بحق، ومن المعلوم أن ما يروى عن بني إسرائيل من الأخبار المعروفة بالإسرائيليات له ثلاث حالات: في واحدة منها يج

стр. 1603

تفسير سورة طه [١ - ٤٣]

стр. 1604

تفسير قوله تعالى: (طه) يقول الله تعالى: ﴿طه﴾ [طه:١]. نبه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في الكافية الشافية على نكتة تتعلق بالحروف المقطعة في أوائل بعض السور فقال: وانظر إلى السور التي افتتحت بأحـ رفها ترى سراً عظيم الشان لم يأت قط بسورة إلا أتى في إثرها خبر عن القرآن إذ كان إخباراً به عنها وفي هذا الشفاء لطالب الإيمان ويدل أن كلامه هو نفسها لا غيرها والحق ذو تبيان فانظر إلى مبدا الكتاب وبعدها الـ أعراف ثم كذا إلى لقمان مع تلوها أيضاً ومع حم مع يس وافهم مقتضى الفرقان والعلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى يرى أن أظهر الأقوال في هذه الحروف أنها مما تحدى به الله في القرآن الكريم العرب، فهو مكون من نفس لغة العرب التي نزل بها القرآن، ومع ذلك يعجزون عن الإتيان بمثله! يقول: أظهر الأقوال عندي أن ﴿طه﴾ [طه:١] من الحروف المقطعة في أوائل السور، مثل ﴿حم﴾ [غافر:١] و ﴿الم﴾ [البقرة:١] وغيرها، ويدل لذلك أن الطاء والهاء المذكورتين في فاتحة هذه السورة جاءتا في مواضع أخر لا نزاع فيها بأنها من الحروف المقطعة، أما الطاء ففي فاتحة الشعراء: ﴿طسم﴾ [الشعراء:١]، وفاتحة النمل: ﴿طس﴾ [النمل:١]، وفاتحة القصص، وأما الهاء ففي فاتحة مريم: ﴿كهيعص﴾ [مريم:١]، فخير ما يفسر به القرآن القرآن. وقال بعض أهل العلم وهو أيضاً قول معتمد عندهم: أن (طه) الطاء مثل الطاء في (طسم)، والهاء مثل الهاء في (كهيعص)، يعني أنها من الحروف المقطعة في أوائل السور، خلافاً لما يزعمه بعض الناس من أنه اسم للنبي ﷺ ، ويسمون أبناءهم بـ (طه) بناء على هذا، وهذا مما لا يثبت، وإنما هي حروف كأي حروف أخرى مقطعة في أوائل السور. وقال بعض أهل العلم: قوله: (طه) معناها: يا رجل، وهي لغة بني عبس من عدنان، وبني قيس، وبني عكل، قالوا: لو قلت لرجل من بني عكل: يا رجل، لم يفهم أنك تناديه، حتى تقول له: يا طه، ومنه قول متمم بن نويرة التميمي: دعوت لطه في القتال فلم يجب فخفت عليه أن يكون مزايلاً وقال عبد الله بن عمرو: معنى (طه) بلغة عك: يا حبيبي! ذكره الغزنوي وقال هو بلغة طي، وأنشد يزيد بن المهلهل: إن السفاهة طه في شمائلكم لا بارك الله في القوم الملاعين ويروى: إن السفاهة طه من خلائقكم لا قدس الله أرواح الملاعين وممن نقل عنه: أن معنى (طه) يا رجل: ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء ومحمد بن كعب وأبو مالك وعطية العوفي والحسن وقتادة والضحاك والسدي وابن أبزى. وغيرهم، نقل ذلك عنهم ابن كثير وغيره. وذكر القاضي عياض عن الربيع بن أنس قال: (كان النبي ﷺ إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله (طه)) يعني: طء الأرض بقدميك يا محمد! وعلى هذا القول فالهاء مبدلة من الهمزة يعني: فهو أمر بالوطء على الأرض بقدميه. وفي (طه) أقوال أخر ضعيفة مثل: القول: بأنه من أسماء النبي ﷺ . والقول: بأن الطاء من الطهارة، والهاء من الهداية، كأن الله تعالى يقول: يا طاهراً من الذنوب يا هادي الخلق إلى علام الغيوب، وغير ذلك من الأقوال الضعيفة. والصواب -إن شاء الله- في الآية هو ما صدرنا به كلامنا، ودل عليه القرآن في مواضع أخر. إذاً: معنى (طه) مثل (الم)، وليس كبعض الناس إذا سمع (طه) قال: ﷺ ، نعم تصلي على النبي ﷺ إذا ذكر اسمه، لكن (طه) ليست من أسمائه ﵊.

стр. 1605

تفسير قوله تعالى: (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) قال تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:٢]، يعني: لتسعد بترك تأسفك عليهم وعلى كفرهم، وتحسرك على أن يؤمنوا، والشقاء هنا: بمعنى التعب، ومنه المثل: أشقى من رائض مهر. ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه:٣]، أي: تذكيراً له. أي: ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب بتبليغه، ولكن أنزلنا القرآن تذكرة لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار، والقصد: أنه ما عليك إلا أن تبلغ وتذكر، هذا هو واجبك، ولم يكتب عليك أن يؤمنوا لا محالة، وليس بمسئوليتك قيام القلوب بهذا الحق، لكن عليك بيان هذا الحق والتبليغ. وقد جرت السنة الإلهية في خطاب الرسول ﷺ في مواضع من التنزيل: أن ينهاه عن الحزن عليهم، وضيق الصدر بهم، كقوله تعالى: ﴿فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف:٢]، وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦]، وهذا يصور مدى سخط النبي ﷺ على قومه، فصوره بمن يفارق أحب الناس إليه، ثم هم ينصرفون عنه ويودعوه، وإذا به يظل يلاحقهم ويمشي خلفهم أسفاً على فراقهم وذهابهم عنه، حتى كاد أن يقتل نفسه من الغم والحزن والحسرة والتأسف لفراقهم؛ فلذلك يقول الله تعالى هنا: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف:٦] يعني: لعلك مهلك نفسك، (على آثارهم) لأنه يحرص على أن يهتدوا، ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦]، كأن الله يقول له: ترفق بنفسك فإنك تكاد أن تقتل نفسك، وتكاد أن تموت من شدة الشفقة عليهم؛ ﷺ . ويقول الله تعالى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [آل عمران:١٧٦]، وهذه الآية من هذا الباب أيضاً مثل: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:٢] أي: هون عليك، ما أنزلنا عليك القرآن حتى تشقى وتتألم وتحزن هذا الحزن لنفورهم من الإيمان، ولكن بلغ وأنذر فقط، وفي ذلك كله من تكريم الرسول ﷺ وحسن العناية به والرأفة ما لا يخفى. يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسيرها: (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى): فيها وجهان من التفسير، وكلاهما يشهد له القرآن: الأول: أن معنى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:٢] أي: لتتعب التعب الشديد بقصد تأسفك عليهم وعلى كفرهم، وتحسرك على أن يؤمنوا، وهذا الوجه جاءت بنحوه آيات كثيرة، كقوله: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨]، وقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦]، وقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣]. الوجه الثاني: أنه ﷺ صلى بالليل حتى تورمت قدماه، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:٢] أي: لتنهك نفسك بالعبادة؛ وتذيقها المشقة الفادحة، وما بعثناك إلا بالحنيفية السمحاء، وهذا الوجه تدل له ظواهر آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، يعني: إن كان المنطوق إرادة نفي الشقاء بنزول القرآن؛ فالمفهوم إرادة السعادة؛ فلذلك قال الشنقيطي: ويفهم من قوله: (لتشقى)، أنه أنزله عليه ليسعد ﷺ كما يدلنا على ذلك الحديث الصحيح من قول النبي ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين). وقد روى الطبراني، عن ثعلبة بن الحسن ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله يقول للعلماء يوم القيامة: إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي)، قال ابن كثير: إسناده جيد. فيكون معنى الآيات على هذا القول الأخير مثل قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:٢٠]، حسب الاستطاعة. وأصل الشقاء في لغة العرب: العناء والتعب، ومنه قول أبي الطيب: ذو العقل يبقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة يلعب فالشقاوة هنا بمعنى: العناء والتعب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه:١١٧]، أريد بذلك العناء والتعب في دار الدنيا. ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه:٣]، (تذكرة) أظهر الأقوال فيه أنه مفعول لأجله، أي: ما أنزلنا عليك القرآن (إلا تذكرة) أي: لأجل التذكرة لمن يخشى الله ويخاف عقابه، والتذكرة: هي الموعظة التي تلين القلوب، فتمتثل أمر الله وتجتنب نهيه، وخص بالتذكرة من يخشى دون غيرهم؛ لأن هؤلاء الذين يخشون الله هم الذين ينتفعون بالتذكرة، كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:٤٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس:١١]، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات:٤٥]، فالتخصيص المذكور بقوله: (لمن يخشى) في الآيات فيمن تنفع فيهم الذكرى، كما قال ﵎: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]، وقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩]، فهي تنفع المؤمن، ولذلك قال هنا: ((إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى))؛ لأن هؤلاء هم الذين ينتفعون بالتذكرة دون غيرهم. أما ما ذكره تعالى هنا من أنه ما أنزل القرآن إلا للتذكرة، فقد بينه في غير هذا الموضوع، كما في قوله : ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٧ - ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٩٠]، إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 1606

تفسير قوله تعالى: (تنزيلاً ممن خلق الأرض والسماوات العلى) يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ثم أشار إلى تضخيم هذا المنزل الكريم بنسبته إلى المتفرد بصفاته وأفعاله ، فقال : ﴿تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه:٤ - ٦]، فهذا كله تفخيم لشأن القرآن الكريم، وبيان عظم قدر من أنزله، وهو الله المتفرد بصفاته وأفعاله. وقوله: (الرحمن) قرئ بالرفع على المدح، أي: هو الرحمن، وبالجر على أنه صفة للموصوف، والكلام هنا على وصف الرحمن: ((تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى)) ((الرَّحْمَنُ))، بالرفع على المدح، أي: هو الرحمن، وبالجر على أنه صفة للموصول، يعني: ممن خلق. قوله: ((عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) أي: علا وارتفع، قاله ابن جرير، وقد ذهب الخلف إلى جعل ذلك مجازاً عن الملك والسلطان، كقولهم: استوى فلان على سرير الملك، وإن لم يقعد على السرير أصلاً. ولا شك أن هذا المسلك الخلفي مسلك مذموم، وهو من التأويل الفاسد الذي يجب رده، والصحيح بل الصواب الذي لا يصح غيره: أن مثل هذه الآيات من آيات الصفات تمر على ظاهرها الذي يليق بالله ، بلا كيف، وبلا تعطيل، قال ابن كثير: والمسلك في ذلك طريقة السلف من إمرار ما جاء من ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل. ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه:٦]، هذا بيان لشمول قهره وملكه للكل، أي: كلها تحت ملكه وقهره وسلطنته وتدبيره، لا توجد ولا تتحرك ولا تسكن ولا تتغير ولا تثبت إلا بأمره .

стр. 1607

تفسير قوله تعالى: (وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى) قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧]، بيان لكمال لطفه، أي: علمه نافذ في الكل؛ فيعلم ظواهرها وبواطنها والسر وسر السر: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] والأخفى من السر: سر السر، فكذلك إن تجهر أو تخفت فيعلمه بجهرٍ وخفتٍ. ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه:٨]،أي: ذلك المنزل الموصوف بهذه الصفات هو الله ، ((لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)) أي: الفضلى؛ لدلالتها على معاني التقديس والتمجيد والتعظيم والربوبية والأفعال التي هي النهاية في الحسن. وقوله تعالى: ((وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى)) المراد بقوله في هذه الآية: (وأخفى) أوجه معروفة كلها حق ويشهد لها القرآن. يقول الشنقيطي: قال بعض أهل العلم: (وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر) أي: ما قاله العبد سراً، (وأخفى) أي: ويعلم ما هو أخفى من السر، وهو ما توسوس به نفسه. يعني: السر هو ما يقوله العبد في الخفاء، أما ما هو أخفى من السر: فهو ما توسوس به نفسه، يعني مجرد ما يحدث الإنسان نفسه بشيء دون أن ينطق به فإن الله يعلمه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]. قول آخر: (فإنه يعلم السر)، السر: ما توسوس به نفسه، (وأخفى) ما هو أخفى من ذلك، وهو ما علم الله أن الإنسان سيفعله قبل أن يعلم الإنسان أنه فاعله، ويعلم ما سيكون في المستقبل من أفعال هذا الإنسان، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون:٦٣]، وكما قال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢]، إن الله يعلم ما يسره الإنسان اليوم وما سيسره غداً؛ لأن ما يسره غداً هو أخفى بلا شك من السر، والعبد لا يعلم ما في غد، كما قال زهير في معلقته: وأعلم علم اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عمي وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (وأخفى) صيغة تفضيل، يعني: يعلم ويعلم ما هو أخفى من السر. وهناك قول ظاهر السقوط، وهو الزعم بأن (أخفى) فعل ماض: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] يعني: أنه يعلم سر الخلق وأخفى عنهم ما يعلهه هو. وهذا قول ظاهر السقوط، وإنما (أخفى) أفعل تفضيل، يعني: ما هو أخفى من السر. فقوله تبارك تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] يعني: فلا حاجة لك إلى الجهر بالدعاء ونحوه، كما قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف:٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف:٢٠٥]، والنبي ﷺ لما سمع أصحابه رفعوا أصواتهم بالتكبير قال ﷺ : (أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصماً ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً بصيراً، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)، ولكن لابد في الدعاء من النطق وتحريك اللسان، لكن لا يرفع ولا يجهر بذلك.

стр. 1608

تفسير قوله تعالى: (وهل أتاك حديث موسى) قال ﵎: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه:٩ - ١٠]، يقول القاسمي رحمه الله تعالى: (وهل أتاك حديث موسى) هذا من عطف القصة أو الاستئناف، والقصد تقرير أمر التوحيد الذي انتهت إليه الآية قبله ببيان أنه دعوى كل نبي لاسيما أشهرهم نبأً وهو موسى ﵇، فقد خوطب بقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه:١٤]، وبه ختم نبأه في هذه السورة بقوله: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه:٩٨]، يعني: لما ذكر قصة موسى ﵇ بدأها ببيان دعوته إلى لا إله إلا الله وإلى التوحيد، وختمها أيضاً بذلك، ففي مبدأ القصة خاطبه الله بقوله: ((إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي))، وفي آخر القصة قال: ((إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا))، وربما قصد بذلك حمل النبي ﷺ على التأسي بموسى في الصبر والثبات؛ لكونه ابتلي بأعظم من هذا فصبر، وكانت العاقبة له.

стр. 1609

تفسير قوله تعالى: (إذ رأى ناراً فقال لأهله امكثوا إني آنست ناراً) أشير في طليعة نبأ موسى ﵇ إلى كيفية ابتداء الوحي إليه وتكريمه تعالى إياه؛ وذلك بعد أن قضى موسى الأجل الذي كان بينه وبين صهره في رعاية الغنم، وسار بأهله قاصداً بلاد مصر، بعدما طالت غيبته عنها ومعه زوجته، فأضل الطريق في صحراء سيناء، وكانت ليلة شاتية، ونزل منزلاً بين شعاب وجبال في برد وشتاء، فبينما هو كذلك إذ: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص:٢٩] يعني: أحس من جانب الطور ناراً، كما خصه تعالى بقوله: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه:١٠]، أي: أبصرتها إبصاراً بيناً لا شبهة فيه، ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ [طه:١٠]، أي: بشعلة مقتبسة تصطلون وتستدفئون بها، ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه:١٠]، أي: أجد هادياً يدلني على الطريق، لأنه كان قد ضل الطريق. ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه:١١ - ١٢]، (فلما أتاها) أي: النار، (نودي يا موسى) (إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى)، فيجب في مثل هذا الوادي رعاية الأدب بتعظيمه واحترامه لتجلي الحق فيه له، كما يراعى أدب القيام عند الملوك، (وطوى) اسم للوادي. ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ [طه:١٣] أي: اصطفيتك للنبوة، ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه:١٣] أي: استمع للذي يوحى، ثم بينه بقوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] أي: خصني بالعبادة وحدي، ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤]، أي: لتذكرني فيها بقلبك ولسانك وسائر جوارحك، بأن تجعل حركتها دالة على ما في القلب واللسان، وأن تجعل الحركة صورة ظاهرة تعكس ما في القلب واللسان من الخشوع. قال أبو السعود: خصت الصلاة بالذكر، وأفردت في الأمر بالعبادة؛ لفضلها وإنافتها على سائر العبادات، بما نيطت به من ذكر المعبود، وشغل القلب واللسان بذكره، وذلك قوله تعالى: ((وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي))، أي: لتذكرني، فإن ذكري كما ينبغي لا يتحقق إلا في ضمن العبادة والصلاة، أو لتذكرني فيها لاشتمال الصلاة على الأذكار، أو (لذكري) خاصة لا تشوبه بذكر غيري، أو بإخلاص ذكري وابتغاء وجهي، لا ترائي بها ولا تقصد بها غرضاً آخر، أو لتكون ذاكراً لي غير ناس. هذه أقوال في معنى قوله: ((وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)).

стр. 1610

تفسير قوله تعالى: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى) ثم أشار إلى وجوب إفراده بالعبادة، وإقامة الصلاة لذكره بقوله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ [طه:١٥] أي: واقعة لا محالة، ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه:١٥] أي: بسعيها عن اختيار منها، والنفس متعلقة بآتية، يعني: إن الساعة آتية لتجزى كل نفس بما تسعى. ولما كان خفاء الساعة من اليقينيات، وأن الساعة لا يُعلم متى هي، وفي: (كاد) معنى القرب من ذلك، وتأولوا الآية على وجوه: الوجه الأول: إن كاد منه تعالى واجبة، فالله حينما يقول: أكاد أن أفعل كذا، معناها: أن ذلك واجب أن يقع كما أراد الله ، والمعنى: (أكاد أخفيها) أنا عن الخلق لقوله تعالى: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء:٥١]، فعسى من الله واجبة، بمعنى: هو قريب. الوجه الثاني: قال أبو مسلم: (أكاد) بمعنى: أريد، كقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف:٧٦]. ومن أمثالهم المتداولة: (لا أفعل ذلك ولا أكاد) بمعنى: ولا أريد أن أفعل. قال الشهاب: تفسير (أكاد) بأريد هو أحد معانيها، كما نقله ابن جني في المحتسب عن الأخفش، واستدلوا عليه بقوله: كادت وكدت وتلك خير إرادة لو عاد من لهو الصبابة ما مضى كادت وكدت، يعني: أرادت وأردت، بدليل أنه قال بعدها: وتلك خير إرادة لو عاد من لهو الصبابة ما مضى بمعنى: أراد، لقوله: تلك خير إرادة. الوجه الثالث: أن (أكاد) صلة في الكلام، قال زيد الخير: سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه فما إن يكاد قرنه يتنفس الوجه الرابع: أن معنى (أكاد أخفيها): فلا أذكرها إجمالاً، ولا أقول: هي آتية؛ وذلك لفرض إرادته تعالى: إخفاءها. إلا أن في إجمال ذكرها حكمة، وهي: اللطف بالمؤمنين، وبحثهم على الأعمال الصالحة، وقطع أعذار غيرهم حتى لا يعتذروا بعدم العلم. وثمة وجوه أخر لا تخلو من تكلف وإن اتسع اللفظ لها.

стр. 1611

تفسير قوله تعالى: (فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى) ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١٦]. (فلا يصدنك عنها) أي: فلا يصدنك عن تصديق الساعة، (من لا يؤمن بها واتبع هواه) أي: ما تهواه نفسه من الشهوات، وترك النظر والاستدلال، (فتردى) أي: فتهلك. قال الزمخشري: يعني: أن من لا يؤمن بالآخرة هم الجم الغفير، إذ لا شيء أطم على الكفرة ولا هم أشد له نكيراً من البعث، فلا يهولنك وفور دهمائهم، ولا عظم سوادهم -لا تغتر بكثرة عددهم-، ولا تجعل الكثرة مزلة قدمك، واعلم أنهم وإن كثروا تلك الكثرة فقدوتهم فيما هم فيه هو الهوى واتباعه لا البرهان وتدبره، وفي هذا حث عظيم على العمل بالدليل، وزجر بليغ عن التقليد، وإنذار بأن الهلاك والردى مع التقليد وأهله، ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١٦] أي: فتهلك معهم.

стр. 1612

تفسير قوله تعالى: (وما تلك بيمينك يا موسى) قال ﵎: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٧]، هنا شروع في ما سيؤتيه تعالى من البرهان الباهر، وفي الاستفهام إيقاظ له وتنبيه على ما سيبدو له من عجائب الصنع. لماذا ينبه الله موسى ﵇ أنها عصا؟ لأن هذا تمهيد وإيقاظ وتنبيه على ما سيبدو له من عجائب صنع الله . ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٨] استوفى الجواب كل أركان التعريف، فإن أي شيء أردت أن تعرفه فإنك تعرف الذات، ثم النسبة فقال: (عصاي)، والياء ياء النسبة، ثم فؤائدها: (أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى). (أتوكأ عليها) أي: أعتمد عليها إذا عييت، أو إذا وقفت على رأس القطيع عند الصخرة. (وأهش بها على غنمي) أي: أخبط بها الورق وأسقطه عليها لتأكله. (ولي فيها مآرب أخرى)، أي: حاجات أخر. ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى﴾ [طه:١٩ - ٢١] أي: سنعيدها إلى هيئتها الأولى فتنتفع بها كما كنت تفعل من قبل، فليس القصد تخويفك، بل إظهار ما فيها من استعداد قبول الحياة، ومشاهدة معجزة وبرهان لك. ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [طه:٢٢] أي: إلى إبطك، ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ [طه:٢٢] أي: نيرة، ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه:٢٢]، أي: من غير قبح وعيب؛ كبياض البرص فإنه مما ينفر عنه؛ لأن البياض المستقبح هو البياض الذي ينشأ عن البرص -المرض المعروف- فلذلك قال: (بيضاء من غير سوء)، حتى لا يتوهم أحد أن هذا بياض منفر كبياض البرص، واعتمد الزمخشري أن قوله ﵎: (من غير سوء) كناية عن البرص، كما كنى عن العورة بالسوءة، قال: والبرص أبغض شيء إلى العرب، وبهم عنه نفرة عظيمة، وأسماعهم لاسمه لجاجة، فكان جديراً بأن يكنى عنه، ولا نرى أحسن ولا أنصف ولا أجمل للمفاصل من كنايات القرآن وآدابه، ((تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى)) أي: معجزة أخرى غير العطاء. ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ [طه:٢٣]، حق الآيات أن تظهر بعد التحدي والمناظرة، ولكن لنريك أولاً بعض آياتنا الكبرى؛ فيقوى قلبك على مناظرة الطغاة. والمقصود من هاتين المعجزتين وما ينضاف إليهما: إفحام فرعون، وتأييد موسى بهذه المعجزات أمام الكفار عند المناظرة، والله أراه أولاً هذه المعجزات مع أن حقهما إظهارهما عند التحدي والمناظرة، لكن أراه الله أولاً بعض آياته الكبرى ليقوى قلبه على مناظرة الطغاة، فحينما يقصد ويواجه فرعون يكون قلبه متيقناً أن معجزاته واقعة، فقد رأى العصا انقلبت حية، ورأى ما حصل بيده ﵇، وغير ذلك من هذه الآيات.

стр. 1613

تفسير قوله تعالى: (اذهب إلى فرعون إنه طغى) قال تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ [طه:٢٤] أمره أن يذهب إليه بعد أن طمأن قلبه بهذه المعجزات، وأنه مؤيد من الله ، (اذهب إلى فرعون) هذا هو المقصود من تمهيد المقدمات السالفة. إذاً: كل ما مضى تمهيد لهذا المقصود؛ وهو الذهاب إلى فرعون، وفصل عما قبله من الأوامر إيذاناً بأصالته، والأوامر الماضية لما قال له ﵎: (ألقها يا موسى)، ثم قال: (خذها ولا تخف)، ثم قال: (واضمم يدك إلى جناحك)، ثم فصل بينهما بقوله ﵎: (تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى لنريك من آياتنا الكبرى)، بعد هذا الفصل قال: (اذهب إلى فرعون)، على أنها مهمة مستقلة، أي: اذهب إليه بما رأيته من الآيات الكبرى، وادعوه إلى عبادتي، وحذره من نقمتي. ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤] أي: جاوز الحد في التكبر والعتو حتى تجاسر على العظيمة التي هي دعوى الربوبية، فلابد من تنبيهه على طغيانه بالدلائل العقلية التي صدقتها المعجزة.

стр. 1614

تفسير قوله تعالى: (قال رب اشرح لي صدري) قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٨]، إنما سأل ذلك لما كان يتخوفه من آل فرعون في القتيل؛ لأنه كما قال في السورة الأخرى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء:١٤]، لما قتل بطريق الخطأ وعدم القصد ذلك الرجل القبطي الذي استغاثه عليه الرجل من شيعته: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥]، فسأل الله هذه الأمور؛ لأنه كان يتخوف من آل فرعون في شأن هذا القتيل، ولأن الذي بُعث إليه هو فرعون الذي يعرف أنه جبار عنيد، وأقوى الملوك وأبلغهم تمرداً وكفراً، فهذا مما لا شك فيه أن صاحب مثل هذه المهمة الخطيرة يحتاج إلى عناية ربانية؛ فلذلك التجأ موسى ﵇ إلى سلاح الدعاء، سائلاً الله هذه الأمور: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٨]، سأله أن يمده بمنطق فصيح؛ لما في لسانه من عقدة كانت تمنعه من كثير من الكلام، كما قال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القصص:٣٤]، وقول فرعون: ﴿وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢]. ثم سأل ﵇ ربه أن يعينه بأخيه هارون ليكون له ردءاً، ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، وذلك بقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي﴾ [طه:٢٩ - ٣٠]. قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:٢٧ - ٢٨]، قال بعض العلماء: دل قوله: (عقدة من لساني)، عقدة بالتنكير والإفراد، ثم أتبع ذلك بقوله: (يفقهوا قولي)، هذا يدل على أنه لم يسأل إزالة جميع ما بلسانه من العقد، بل سأل إزالة بعضها الذي يحصل بإزالته فهم كلامه مع بقاء بعضها، فهذا المفهوم دلت عليه آيات أخر، كقوله تعالى عنه: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القصص:٣٤]، وقوله تعالى عن فرعون: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢]، والاستدلال بقول فرعون في موسى فيه نظر، فإن فرعون معروف بالكذب والبهتان، والعلم عند الله تعالى. ثم قال موسى ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه:٢٩ - ٣١] أي: قو به ظهري، ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه:٢٩ - ٣٤] أي: كي نتعاون على تسبيحك وذكرك؛ لأن التعاون مهيج للرغبات، ويتزايد الخير ويتكاثر، ولا شك أن التعاون والاجتماع على الطاعة مما يشد أزر الإنسان، ويقوي نيته للعمل الصالح. ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ [طه:٣٥] أي: عالماً بأحوالنا، وبأن المدعو به مما يفيدنا. ودائماً الجماعة تشعر وتدرك بركتها خاصة في أعمال الطاعات والعبادات، كما يحصل في صيام رمضان؛ لأن الناس كلهم يتعاونون على إظهار ذكر الله ، وهكذا أي شيء يعمل جماعة، فإن الجماعة تكون فيها البركة.

стр. 1615

تفسير قوله تعالى: (قال قد أوتيت سؤلك يا موسى ولقد مننا عليك مرة أخرى) قال الله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٣٦] أي: أجيب دعاؤك* ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ [طه:٣٧]، هذا كلام مستأنف مسوق لتقرير ما قبله، وزيادة توطين نفس موسى ﵇ بالقبول، ولبيان أنه تعالى حيث أنعم عليه بتلك النعمة التامة من غير سابقة دعاء منه وطلب، فلأن ينعم عليه بمثلها وهو داع له أولى وأحرى. يعني: ما مر من الآيات يبين الله لموسى أنه أنعم عليه بأعظم نعمة وهي نعمة النبوة والرسالة، ثم أنعم عليه بهذه المعجزات، وكأن الله يقول له: قد أنعمنا عليك هذه النعمة العظمى؛ نعمة الرسالة بدون طلب منك، وإنما ابتدأها الله في حقه من غير سابقة دعاء منه ولا طلب، فلأن ينعم عليه بمثلها وهو طالب له وداع أولى وأحرى. ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ [طه:٣٧]، فصدره هنا بالقسم: (ولقد مننا)، لكمال الاعتناء بذلك، (مرة أخرى) أي: في وقت آخر. ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٨ - ٣٩] قوله: (إذ أوحينا إلى أمك) يعني: ألقينا بطريق الإلهام، والوحي إلى أم موسى لا يدل على أنها كانت نبية، وإنما هذا إلهام جعله الله في قلبها أو ألقاه في روعها، وليس وحياً كالوحي الذي ينزل على الأنبياء. ((أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ)) يعني: الصندوق، ((فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ)) (اليم) البحر، يعني: ألقيه واقذفيه متوكلة على الله . ((فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي))، لماذا هو عدو لله؟ بدعواه الألوهية، ((وَعَدُوٌّ لَهُ))، لدعوته إلى نبذ ما يدعي؛ وهو سوف يدعوه إلى نفس ما يدعيه من الألوهية وغير ذلك. قال الزمخشري: لما كانت مشيئة الله تعالى وإرادته ألا تخطئ جرية ماء اليم الوصول به إلى الساحل وإلقائه إليه؛ سلك في ذلك سبيل المجاز، وجعل اليم كأنه ذو تمييز أمر بذلك ليطيع الأمر ويمتثل رسمه، فقيل: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ [طه:٣٩] أي: على سبيل الاستعارة بالكناية بتشبيه اليم بمأمور منقاد وإثبات الأمر تسهيل. وهذا الكلام في الحقيقة فيه نظر، من أين لنا أن هذا الأمر مجاز؟ والله قادر أن يخلق في اليم إدراكاً بحيث يمتثل أمر الله . (فليلقه اليم بالساحل) أمر الله اليم أن يلقيه في الساحل، ((يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي)) أي: محبة واسعة مني زرعتها في قلب من يراك، وهذه من خصائص موسى ﵇، فما كان أحد يراه إلا وأحبه، ولذلك أحبه فرعون بمجرد أن رآه، وقالت زوجته: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص:٩]. ((وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي))، أي: ولتربى بيد العدو على رغد بالحفظ والعناية؛ لأن المصون يجعل بمرأى ممن يكفله، (على) بمعنى الباء، لأنه في الأصل بمعنى: بمرأى مني. ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ [طه:٤٠]، يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه منّ على موسى مرة أخرى قبل منه عليه بالرسالة ورسالة أخيه معه؛ وذلك بإنجائه من فرعون وهو صغير. ومعنى الوحي إلى أمه: أي: ألهمها وقذف في قلبها، وقال بعضهم: هي رؤيا منام، وقال بعضهم: أوحى إليها ذلك بواسطة ملك كلمها بذلك، ولا يلزم من الإيحاء في أمر خاص أن يكون الموحى إليه نبياً لمجرد موقف عام أوحى الله إليه، وليس وحياً كالذي ينزل على الأنبياء، فليست الآية دليلاً لـ ابن حزم وحيث ذهب إلى جواز نبوة المرأة؛ لأن المرأة لا تكون نبية. (أن) مفسرة؛ لأن الإيحاء فيه معنى القول دون حروفه، والتعبير بكلمة (ما) الموصولة يدل على تعظيم شأن الأمر المذكور، كقوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه:٧٨] يعني: شيء عظيم، وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠]، للدلالة على عظم شأن الموحى به. ((أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ)) أي: الصندوق، ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [طه:٤٠] البحر، ((فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ))، شاطئ البحر، والبحر المذكور هو نيل مصر، والقذف: الإلقاء والوضع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الأحزاب:٢٦] يعني: ألقى ووضع، ومعنى: (فاقذفيه في التابوت) أي: ضعيه في الصندوق، والضمير في قوله: (أن اقذفيه) راجع إلى موسى بلا خلاف، وأما الضمير في قوله: (فاقذفيه في اليم) فهو راجع إلى التابوت أو موسى. يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: والصواب رجوعه إلى موسى وهو داخل التابوت؛ لأن تفريق الضمائر غير حسن، فالأصل أن الضمائر كلها على نسق واحد، كلها تعود إلى موسى، خلافاً لقول من قال: إن الهاء في: (اقذفيه في اليم) إلى التابوت، والصواب رجوعه إلى موسى وهو داخل التابوت، (فليلقه اليم) أي: موسى ﵇ في الساحل. ((يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ)) وهو فرعون، وصيغة الأمر معناها الخبر. قال أبو حيان في البحر المحيط: (فليلقه) أمر معناه: خبر، وجاء بصيغة الأمر مبالغة، إذ الأمر أقطع الأفعال وأوجبها. الوجه الثاني: أن صيغة الأمر في قوله: (فليلقه) أريد بها الأمر الكوني القدري، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، فالبحر لا بد أن يلقيه بالساحل؛ لأن الله أمره بذلك كوناً وقدراً. وما ذكره جل وعلا في هذه الآيات أوضحه في غير هذا الموضع؛ كقوله في سورة القصص: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧]، ولا شك أن هذه الآية من أعظم آيات البلاغة في القرآن الكريم. ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص:٨] (ليكون)، هذه لام العاقبة، وقد بين تعالى شدة جزع أمه عليه لما ألقته في البحر، وألقاه اليم بالساحل، وأخذه عدوه فرعون وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:١٠]، والمعنى: ((وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا)) إلا من محبة موسى؛ ولذلك يقولون في تعريف العشق: حركة قلب فارغ، وقوله هنا: ((وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا)) أي: من كل شيء إلا من محبة موسى ﵇، ومن شدة وجد قلبها من محبته والشفقة عليه كادت أن تنطق بهذا السر: (إن كادت لتبدي به)، من شدة وجدها، ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:١٠]. وإعراب: (يأخذه) جواب الطلب مجزوم؛ لأنه في جواب الطلب: (فليلقه اليم بالساحل)؛ لأننا قلنا: إن معناه الأمر الكوني. أما إذا قلنا إن: (فليلقه اليم بالساحل) بمعنى الخبر فالجزم مراعاة لصيغة اللفظ وليس لمعنى، والصيغة تنافي الأمر، والعلم عند الله تعالى. يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: وذكر في قصتها: أنها صنعت له التابوت وطلته بالقار وهو الزفت؛ لئلا يتسرب منه الماء إلى موسى في داخل التابوت، وحشته قطناً محلوجاً، وقيل: إن التابوت المذكور من شجر الجميّز، وأن الذي نجره لها هو مؤمن آل فرعون، واسمه حزقيل، وكانت عقدت في التابوت حبلاً، فإذا خافت على موسى من عيون فرعون أرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها، فإذا أمنت جذبته إليها بالحبل، فذهبت مرة لتشد الحبل في منزلها فانفلت منها، وذهب البحر بالتابوت الذي فيه موسى؛ فحصل لها بذلك من الغم والهم ما ذكره الله تعالى في قوله : ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:١٠]. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من مننه المتتابعة على موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام حيث قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ [طه:٣٧]، أشار إلى ما يشبهه بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الصافات:١١٤]. قوله: (وألقيت عليك محبة مني)، قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: من آثار هذه المحبة التي ألقاها الله على عبده ونبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ما ذكره جل وعلا في القصص بقوله: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص:٩]، قال ابن عباس: (وألقيت عليك محبة مني) أي: أحبه الله وحببه إلى خلقه، وقال ابن عطية: جعل عليه مسحة من جمال، لا يكاد يصدر عنه من رآه، وقال قتادة: كانت في عيني موسى ملاحة ما رآه أحد إلا أحبه وعشقه، نقله القرطبي.
следующие страницы →