Полный текст (3 275 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
تفسير قوله تعالى: (فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى)
﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١٦].
(فلا يصدنك عنها) أي: فلا يصدنك عن تصديق الساعة، (من لا يؤمن بها واتبع هواه) أي: ما تهواه نفسه من الشهوات، وترك النظر والاستدلال، (فتردى) أي: فتهلك.
قال الزمخشري: يعني: أن من لا يؤمن بالآخرة هم الجم الغفير، إذ لا شيء أطم على الكفرة ولا هم أشد له نكيراً من البعث، فلا يهولنك وفور دهمائهم، ولا عظم سوادهم -لا تغتر بكثرة عددهم-، ولا تجعل الكثرة مزلة قدمك، واعلم أنهم وإن كثروا تلك الكثرة فقدوتهم فيما هم فيه هو الهوى واتباعه لا البرهان وتدبره، وفي هذا حث عظيم على العمل بالدليل، وزجر بليغ عن التقليد، وإنذار بأن الهلاك والردى مع التقليد وأهله، ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١٦] أي: فتهلك معهم.
стр. 1612
تفسير قوله تعالى: (وما تلك بيمينك يا موسى)
قال ﵎: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٧]، هنا شروع في ما سيؤتيه تعالى من البرهان الباهر، وفي الاستفهام إيقاظ له وتنبيه على ما سيبدو له من عجائب الصنع.
لماذا ينبه الله موسى ﵇ أنها عصا؟ لأن هذا تمهيد وإيقاظ وتنبيه على ما سيبدو له من عجائب صنع الله .
﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٨] استوفى الجواب كل أركان التعريف، فإن أي شيء أردت أن تعرفه فإنك تعرف الذات، ثم النسبة فقال: (عصاي)، والياء ياء النسبة، ثم فؤائدها: (أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى).
(أتوكأ عليها) أي: أعتمد عليها إذا عييت، أو إذا وقفت على رأس القطيع عند الصخرة.
(وأهش بها على غنمي) أي: أخبط بها الورق وأسقطه عليها لتأكله.
(ولي فيها مآرب أخرى)، أي: حاجات أخر.
﴿قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى﴾ [طه:١٩ - ٢١] أي: سنعيدها إلى هيئتها الأولى فتنتفع بها كما كنت تفعل من قبل، فليس القصد تخويفك، بل إظهار ما فيها من استعداد قبول الحياة، ومشاهدة معجزة وبرهان لك.
﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [طه:٢٢] أي: إلى إبطك، ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ [طه:٢٢] أي: نيرة، ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه:٢٢]، أي: من غير قبح وعيب؛ كبياض البرص فإنه مما ينفر عنه؛ لأن البياض المستقبح هو البياض الذي ينشأ عن البرص -المرض المعروف- فلذلك قال: (بيضاء من غير سوء)، حتى لا يتوهم أحد أن هذا بياض منفر كبياض البرص، واعتمد الزمخشري أن قوله ﵎: (من غير سوء) كناية عن البرص، كما كنى عن العورة بالسوءة، قال: والبرص أبغض شيء إلى العرب، وبهم عنه نفرة عظيمة، وأسماعهم لاسمه لجاجة، فكان جديراً بأن يكنى عنه، ولا نرى أحسن ولا أنصف ولا أجمل للمفاصل من كنايات القرآن وآدابه، ((تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى)) أي: معجزة أخرى غير العطاء.
﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ [طه:٢٣]، حق الآيات أن تظهر بعد التحدي والمناظرة، ولكن لنريك أولاً بعض آياتنا الكبرى؛ فيقوى قلبك على مناظرة الطغاة.
والمقصود من هاتين المعجزتين وما ينضاف إليهما: إفحام فرعون، وتأييد موسى بهذه المعجزات أمام الكفار عند المناظرة، والله أراه أولاً هذه المعجزات مع أن حقهما إظهارهما عند التحدي والمناظرة، لكن أراه الله أولاً بعض آياته الكبرى ليقوى قلبه على مناظرة الطغاة، فحينما يقصد ويواجه فرعون يكون قلبه متيقناً أن معجزاته واقعة، فقد رأى العصا انقلبت حية، ورأى ما حصل بيده ﵇، وغير ذلك من هذه الآيات.
стр. 1613
تفسير قوله تعالى: (اذهب إلى فرعون إنه طغى)
قال تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ [طه:٢٤] أمره أن يذهب إليه بعد أن طمأن قلبه بهذه المعجزات، وأنه مؤيد من الله ، (اذهب إلى فرعون) هذا هو المقصود من تمهيد المقدمات السالفة.
إذاً: كل ما مضى تمهيد لهذا المقصود؛ وهو الذهاب إلى فرعون، وفصل عما قبله من الأوامر إيذاناً بأصالته، والأوامر الماضية لما قال له ﵎: (ألقها يا موسى)، ثم قال: (خذها ولا تخف)، ثم قال: (واضمم يدك إلى جناحك)، ثم فصل بينهما بقوله ﵎: (تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى لنريك من آياتنا الكبرى)، بعد هذا الفصل قال: (اذهب إلى فرعون)، على أنها مهمة مستقلة، أي: اذهب إليه بما رأيته من الآيات الكبرى، وادعوه إلى عبادتي، وحذره من نقمتي.
﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤] أي: جاوز الحد في التكبر والعتو حتى تجاسر على العظيمة التي هي دعوى الربوبية، فلابد من تنبيهه على طغيانه بالدلائل العقلية التي صدقتها المعجزة.
стр. 1614
تفسير قوله تعالى: (قال رب اشرح لي صدري)
قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٨]، إنما سأل ذلك لما كان يتخوفه من آل فرعون في القتيل؛ لأنه كما قال في السورة الأخرى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء:١٤]، لما قتل بطريق الخطأ وعدم القصد ذلك الرجل القبطي الذي استغاثه عليه الرجل من شيعته: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥]، فسأل الله هذه الأمور؛ لأنه كان يتخوف من آل فرعون في شأن هذا القتيل، ولأن الذي بُعث إليه هو فرعون الذي يعرف أنه جبار عنيد، وأقوى الملوك وأبلغهم تمرداً وكفراً، فهذا مما لا شك فيه أن صاحب مثل هذه المهمة الخطيرة يحتاج إلى عناية ربانية؛ فلذلك التجأ موسى ﵇ إلى سلاح الدعاء، سائلاً الله هذه الأمور: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٨]، سأله أن يمده بمنطق فصيح؛ لما في لسانه من عقدة كانت تمنعه من كثير من الكلام، كما قال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القصص:٣٤]، وقول فرعون: ﴿وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢].
ثم سأل ﵇ ربه أن يعينه بأخيه هارون ليكون له ردءاً، ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، وذلك بقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي﴾ [طه:٢٩ - ٣٠].
قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:٢٧ - ٢٨]، قال بعض العلماء: دل قوله: (عقدة من لساني)، عقدة بالتنكير والإفراد، ثم أتبع ذلك بقوله: (يفقهوا قولي)، هذا يدل على أنه لم يسأل إزالة جميع ما بلسانه من العقد، بل سأل إزالة بعضها الذي يحصل بإزالته فهم كلامه مع بقاء بعضها، فهذا المفهوم دلت عليه آيات أخر، كقوله تعالى عنه: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القصص:٣٤]، وقوله تعالى عن فرعون: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢]، والاستدلال بقول فرعون في موسى فيه نظر، فإن فرعون معروف بالكذب والبهتان، والعلم عند الله تعالى.
ثم قال موسى ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه:٢٩ - ٣١] أي: قو به ظهري، ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه:٢٩ - ٣٤] أي: كي نتعاون على تسبيحك وذكرك؛ لأن التعاون مهيج للرغبات، ويتزايد الخير ويتكاثر، ولا شك أن التعاون والاجتماع على الطاعة مما يشد أزر الإنسان، ويقوي نيته للعمل الصالح.
﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ [طه:٣٥] أي: عالماً بأحوالنا، وبأن المدعو به مما يفيدنا.
ودائماً الجماعة تشعر وتدرك بركتها خاصة في أعمال الطاعات والعبادات، كما يحصل في صيام رمضان؛ لأن الناس كلهم يتعاونون على إظهار ذكر الله ، وهكذا أي شيء يعمل جماعة، فإن الجماعة تكون فيها البركة.
стр. 1615
تفسير قوله تعالى: (قال قد أوتيت سؤلك يا موسى ولقد مننا عليك مرة أخرى)
قال الله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٣٦] أي: أجيب دعاؤك* ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ [طه:٣٧]، هذا كلام مستأنف مسوق لتقرير ما قبله، وزيادة توطين نفس موسى ﵇ بالقبول، ولبيان أنه تعالى حيث أنعم عليه بتلك النعمة التامة من غير سابقة دعاء منه وطلب، فلأن ينعم عليه بمثلها وهو داع له أولى وأحرى.
يعني: ما مر من الآيات يبين الله لموسى أنه أنعم عليه بأعظم نعمة وهي نعمة النبوة والرسالة، ثم أنعم عليه بهذه المعجزات، وكأن الله يقول له: قد أنعمنا عليك هذه النعمة العظمى؛ نعمة الرسالة بدون طلب منك، وإنما ابتدأها الله في حقه من غير سابقة دعاء منه ولا طلب، فلأن ينعم عليه بمثلها وهو طالب له وداع أولى وأحرى.
﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ [طه:٣٧]، فصدره هنا بالقسم: (ولقد مننا)، لكمال الاعتناء بذلك، (مرة أخرى) أي: في وقت آخر.
﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٨ - ٣٩] قوله: (إذ أوحينا إلى أمك) يعني: ألقينا بطريق الإلهام، والوحي إلى أم موسى لا يدل على أنها كانت نبية، وإنما هذا إلهام جعله الله في قلبها أو ألقاه في روعها، وليس وحياً كالوحي الذي ينزل على الأنبياء.
((أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ)) يعني: الصندوق، ((فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ)) (اليم) البحر، يعني: ألقيه واقذفيه متوكلة على الله .
((فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي))، لماذا هو عدو لله؟ بدعواه الألوهية، ((وَعَدُوٌّ لَهُ))، لدعوته إلى نبذ ما يدعي؛ وهو سوف يدعوه إلى نفس ما يدعيه من الألوهية وغير ذلك.
قال الزمخشري: لما كانت مشيئة الله تعالى وإرادته ألا تخطئ جرية ماء اليم الوصول به إلى الساحل وإلقائه إليه؛ سلك في ذلك سبيل المجاز، وجعل اليم كأنه ذو تمييز أمر بذلك ليطيع الأمر ويمتثل رسمه، فقيل: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ [طه:٣٩] أي: على سبيل الاستعارة بالكناية بتشبيه اليم بمأمور منقاد وإثبات الأمر تسهيل.
وهذا الكلام في الحقيقة فيه نظر، من أين لنا أن هذا الأمر مجاز؟ والله قادر أن يخلق في اليم إدراكاً بحيث يمتثل أمر الله .
(فليلقه اليم بالساحل) أمر الله اليم أن يلقيه في الساحل، ((يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي)) أي: محبة واسعة مني زرعتها في قلب من يراك، وهذه من خصائص موسى ﵇، فما كان أحد يراه إلا وأحبه، ولذلك أحبه فرعون بمجرد أن رآه، وقالت زوجته: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص:٩].
((وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي))، أي: ولتربى بيد العدو على رغد بالحفظ والعناية؛ لأن المصون يجعل بمرأى ممن يكفله، (على) بمعنى الباء، لأنه في الأصل بمعنى: بمرأى مني.
﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ [طه:٤٠]، يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه منّ على موسى مرة أخرى قبل منه عليه بالرسالة ورسالة أخيه معه؛ وذلك بإنجائه من فرعون وهو صغير.
ومعنى الوحي إلى أمه: أي: ألهمها وقذف في قلبها، وقال بعضهم: هي رؤيا منام، وقال بعضهم: أوحى إليها ذلك بواسطة ملك كلمها بذلك، ولا يلزم من الإيحاء في أمر خاص أن يكون الموحى إليه نبياً لمجرد موقف عام أوحى الله إليه، وليس وحياً كالذي ينزل على الأنبياء، فليست الآية دليلاً لـ ابن حزم وحيث ذهب إلى جواز نبوة المرأة؛ لأن المرأة لا تكون نبية.
(أن) مفسرة؛ لأن الإيحاء فيه معنى القول دون حروفه، والتعبير بكلمة (ما) الموصولة يدل على تعظيم شأن الأمر المذكور، كقوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه:٧٨] يعني: شيء عظيم، وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠]، للدلالة على عظم شأن الموحى به.
((أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ)) أي: الصندوق، ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [طه:٤٠] البحر، ((فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ))، شاطئ البحر، والبحر المذكور هو نيل مصر، والقذف: الإلقاء والوضع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الأحزاب:٢٦] يعني: ألقى ووضع، ومعنى: (فاقذفيه في التابوت) أي: ضعيه في الصندوق، والضمير في قوله: (أن اقذفيه) راجع إلى موسى بلا خلاف، وأما الضمير في قوله: (فاقذفيه في اليم) فهو راجع إلى التابوت أو موسى.
يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: والصواب رجوعه إلى موسى وهو داخل التابوت؛ لأن تفريق الضمائر غير حسن، فالأصل أن الضمائر كلها على نسق واحد، كلها تعود إلى موسى، خلافاً لقول من قال: إن الهاء في: (اقذفيه في اليم) إلى التابوت، والصواب رجوعه إلى موسى وهو داخل التابوت، (فليلقه اليم) أي: موسى ﵇ في الساحل.
((يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ)) وهو فرعون، وصيغة الأمر معناها الخبر.
قال أبو حيان في البحر المحيط: (فليلقه) أمر معناه: خبر، وجاء بصيغة الأمر مبالغة، إذ الأمر أقطع الأفعال وأوجبها.
الوجه الثاني: أن صيغة الأمر في قوله: (فليلقه) أريد بها الأمر الكوني القدري، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، فالبحر لا بد أن يلقيه بالساحل؛ لأن الله أمره بذلك كوناً وقدراً.
وما ذكره جل وعلا في هذه الآيات أوضحه في غير هذا الموضع؛ كقوله في سورة القصص: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧]، ولا شك أن هذه الآية من أعظم آيات البلاغة في القرآن الكريم.
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص:٨] (ليكون)، هذه لام العاقبة، وقد بين تعالى شدة جزع أمه عليه لما ألقته في البحر، وألقاه اليم بالساحل، وأخذه عدوه فرعون وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:١٠]، والمعنى: ((وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا)) إلا من محبة موسى؛ ولذلك يقولون في تعريف العشق: حركة قلب فارغ، وقوله هنا: ((وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا)) أي: من كل شيء إلا من محبة موسى ﵇، ومن شدة وجد قلبها من محبته والشفقة عليه كادت أن تنطق بهذا السر: (إن كادت لتبدي به)، من شدة وجدها، ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:١٠].
وإعراب: (يأخذه) جواب الطلب مجزوم؛ لأنه في جواب الطلب: (فليلقه اليم بالساحل)؛ لأننا قلنا: إن معناه الأمر الكوني.
أما إذا قلنا إن: (فليلقه اليم بالساحل) بمعنى الخبر فالجزم مراعاة لصيغة اللفظ وليس لمعنى، والصيغة تنافي الأمر، والعلم عند الله تعالى.
يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: وذكر في قصتها: أنها صنعت له التابوت وطلته بالقار وهو الزفت؛ لئلا يتسرب منه الماء إلى موسى في داخل التابوت، وحشته قطناً محلوجاً، وقيل: إن التابوت المذكور من شجر الجميّز، وأن الذي نجره لها هو مؤمن آل فرعون، واسمه حزقيل، وكانت عقدت في التابوت حبلاً، فإذا خافت على موسى من عيون فرعون أرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها، فإذا أمنت جذبته إليها بالحبل، فذهبت مرة لتشد الحبل في منزلها فانفلت منها، وذهب البحر بالتابوت الذي فيه موسى؛ فحصل لها بذلك من الغم والهم ما ذكره الله تعالى في قوله : ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:١٠].
وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من مننه المتتابعة على موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام حيث قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ [طه:٣٧]، أشار إلى ما يشبهه بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الصافات:١١٤].
قوله: (وألقيت عليك محبة مني)، قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: من آثار هذه المحبة التي ألقاها الله على عبده ونبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ما ذكره جل وعلا في القصص بقوله: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص:٩]، قال ابن عباس: (وألقيت عليك محبة مني) أي: أحبه الله وحببه إلى خلقه، وقال ابن عطية: جعل عليه مسحة من جمال، لا يكاد يصدر عنه من رآه، وقال قتادة: كانت في عيني موسى ملاحة ما رآه أحد إلا أحبه وعشقه، نقله القرطبي.
стр. 1616
تفسير قوله تعالى: (إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله)
قال تعالى: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ﴾ [طه:٤٠].
هذا الذي ذكره الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة من كون أخته مشت إليهم، وقالت لهم: (هل أدلكم على من يكفله)، أوضحه جل وعلا في سورة القصص، فبين أن أخته المذكورة كانت مرسلة من قبل أمها لتتعرف على خبره بعد ذهابه في البحر، وأنها أبصرته من بعد وهم لا يشعرون بذلك، وأن الله حرم عليه المراضع غير أمه تحريماً كونياً قدرياً، فقالت لهم أخته: (هل أدلكم على من يكفله) أي: على مرضع يقبل ثديها وتكفله لكم بنصح وأمانة؟ وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:١١ - ١٣]، فقوله تعالى في آية القصص: (وقالت لأخته) أي: قالت أم موسى لأخته وهي ابنتها، (قصيه) أي: اتبعي أثره وتطلبي خبره حتى تطلعي على حقيقة أمره.
(فبصرت به عن جنب) أي: رأته من بعيد كالمعرضة عنه؛ تنظر إليه وكأنها لا تريده، (وهم لا يشعرون) بأنها أخته جاءت لتعرف خبره، فوجدته ممتنعاً من أن يقبل ثدي مرضعة؛ لأن الله يقول: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ [القصص:١٢] أي: تحريماً كونياً قدرياً، ومنعناه منها ليكون بذلك رجوعه إلى أمه، وليكون ذلك سبب رجوعه إلى أمه؛ لأنه لو قبل غيرها أعطوه لذلك الغير الذي قبله ليرضعه ويكفله فلم يرجع إلى أمه.
وعن ابن عباس ﵄ أنها لما قالت لهم: ((هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ))، أخذوها وشكوا في أمرها، وقالوا لها: ما يدريك بنصحهم له، وشفقتهم عليه؟ فقالت لهم: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبة في سرور الملك ورجاء منفعته.
يعني: أنها تكون مخلصة وناصحة له وأمينة؛ كي تنتفع من الملك بأجر هذه الرضاعة؛ فأرسلوها لما قالت لهم ذلك، وخلصت من أذاهم، فذهبوا معها إلى منزلهم، فدخلوا به على أمه فأعطته ثديها فالتقمه، ففرحوا بذلك فرحاً شديداً، وذهب البشير إلى امرأة الملك، فاستدعت أم موسى وأحسنت إليها وأعطتها عطاء جزيلاً، وهي لا تعرف أنها أمه في الحقيقة؛ ولكن لكونه قبل ثديها سألتها أن تقيم عندها فترضعه، فأبت عليهم، وقالت: إن لي بعلاً وأولاداً، ولا أقدر على المقام عندكم، ولكن إن أحببت أن أرضعه في بيتي فعلت، فأجابتها امرأة فرعون إلى ذلك، وأجرت عليها النفقة والغلال والكساوي والإحسان الجزيل، فرجعت أم موسى بولدها، وقد أبدلها الله بعد خوفها أمناً في عز وجاه ورزق دارٍ! قوله تعالى في آية القصص: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ [القصص:١٣]، وعد الله هو المذكور في قوله: ﴿وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧]، والمؤرخون يقولون: إن أخت موسى المذكورة اسمها مريم.
قوله: (كي) إن قلنا: إن (كي) حرف مصدري واللام محذوف، فالمعنى: لكي تقر، وإن قلنا: إنها تعليلية فالفعل منصوب بأن مضمرة.
(تقر عينها) قيل: أصله من القرار؛ لأن ما يحبه الإنسان تسكن عينه عليه، ولا تنظر إلى غيره، فقرت العين: أن العين إذا رأته تسكن وتثبت عليه ولا تتحول إلى غيره من شدة الوله به.
وقيل: أصله من القرار كما في قوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣]، فالقرار المقصود به السكون، بمعنى: أن العين إذا رأته لشدة حبه له تدخل وتستقر عليه، ولا تتحول إلى غيره.
وإذا قلنا: هو مأخوذ من القر: البرد، تقول العرب: يوم قر، أي: بارد، ومنه قول امرئ القيس: تميم بن مر وأشياعها وكندة حولي جميعاً صبر إذا ركبوا الخيل واستلأموا تحرفت الأرض واليوم قُرّ يعني: واليوم بارد.
ومنه أيضاً قول حاتم الطائي الجواد: أوقف فإن الليل ليل قر والريح يا وافد ريح صر فالقر البرد، ولماذا خص البارد؟ لأنهم يقولون: إن البكاء الذي ينشأ عن الفرحة تكون دموعه باردة، والبكاء الذي يصدر عن الحزن يكون ساخناً، وعلى هذا القول فإن قرة العين من بردها؛ لأن عين المسرور باردة، ودمع البكاء من السرور بارد جداً، بخلاف عين المحزون فإنها حارة، ودمع البكاء من الحزن حار جداً، ومن أمثال العرب: أحر من دمع المقلاة، والمقلاة هي المرأة التي لا يعيش لها ولد، فيشتد حزنها بموت أولادها، فتشتد حرارة دمعها بذلك.
قال القاسمي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: ((إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ)): أي: يضمن حضانته ورضاعته، فقبلوا قولها؛ وذلك لأنه لما استقر عند آل فرعون عرضوا عليه المراضع فأباها، كما قال تعالى: (وحرمنا عليه المراضع)، فجاءت أخته فقالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص:١٢] فجاءت بأمه كما قال: (فرجعناك إلى أمك) أي: مع كونك في يد العدو، (كي تقر عينها)، برؤيتك، (ولا تحزن) بفراقك، فهذه منن زائدة على النجاة من القتل.
стр. 1617
تفسير قوله تعالى: (وقتلت نفساً فنجيناك من الغم وفتناك فتوناً)
ثم أشار إلى ما من عليه بالنجاة من القتل الذي لا يدفع، بقوله: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً﴾ [طه:٤٠] أي: من آل فرعون، وهو القبطي الذي استغاثه عليه الإسرائيلي، ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥] أي: اغتممت وحزنت أن يطبق عليك القصاص، وموسى ما قصد القتل؛ وإنما لأن موسى كان شديد القوة فعندما وكزه بيده إذا بهذه الوكزة تقتل الرجل من شدة قوته ﵇؛ وكما تعلمون فإن الأنبياء يكونون في أكمل صورة في كل شيء خَلقاً وخُلقاً ونسباً وقوة بالبدن وجمالاً في الصورة والحسب، وكل الصفات الخَلقية والخُلقية يكونون فيها أكمل الناس.
وقد روي أن النبي ﵊ دعا رجلاً مصارعاً إلى الإسلام فلما دعاه قال: إن صرعتني سأسلم، وكان من أقوى المصارعين العرب، فصارعه، فصرعه النبي ﷺ ؛ فأسلم.
وفي الحديث أيضاً: (كنا إذا اشتدت الحرب وحمي الوطيس اتقينا برسول الله ﷺ ، فالصحابة هم أشجع الأمم على الإطلاق، ومع ذلك يقولون: إذا كنا في حالة الجهاد والالتحام المسلح مع الأعداء نتقي برسول الله ﷺ ، فكلهم يختبئون خلف النبي ﷺ ويحتمون به، (فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه ﷺ .
﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنْ الْغَمِّ﴾ [طه:٤٠] أي: غم القتل بأن صرفنا عنك ما تخشاه من الكفار؛ وذلك أنه ﵇ فر من آل فرعون حتى ورد ماء مدين، وقال له ذلك الرجل الصالح: ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٢٥].
﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه:٤٠] أي: ابتليناك ابتلاء، على أن الفتون مصدر كالسكون، أو إن الفتون جمع فتنة، يعني ضروباً من الفتن، أي: فجعلنا لك فرجاً ومخرجاً منها، وهو إجمال لما سبق ذكره.
﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ [طه:٤٠] أي: معزز الجانب، مكفي المئونة، في عشرة أتقى رجل منهم وأصلحهم وهو نبيهم ﵇، ولم يثبت أن هذا الرجل الصالح هو شعيب ﵇.
﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٠] أي: بعد أن قضيت الأجل المبروم بينك وبين شعيب مع الزيادة، جئت بأهلك على وفق ما سبق في قضائي وقدري أن أكلمك وأستنبئك في وقت بعينه قد وقته لذلك، فما جئت إلا على ذلك الخبر غير مستقدم ولا مستأخر، والأمر له تعالى، وهو المسير عباده وخلقه كيفما يشاء.
قال أبو السعود: وقوله تعالى: ((ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى))، تشريف له ﵊، وتنبيه على انتهاء الحكاية التي هي تفصيل المرة الأخرى التي وقعت قبل المرة المحكية أولاً.
﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١]، تذكير بقوله تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ [طه:١٣]، وتمهيد لإرساله ﵇ إلى فرعون مؤيداً بأخيه، والاصطناع افتعال من الصنع، بمعنى: الصنيعة، يقال: صنع الأمير فلاناً لنفسه، أي: جعله محلاً لإكرامه ولاختياره وتقريبه منه، ولجعله من خواص نفسه وندمائه وجلسائه، فجعله نبياً مكرماً كريماً منعماً عليه بحلائل النعم.
والظاهر هنا: العدول عن نون العظمة تمهيداً لإفراد لفظ النهي؛ لأنه قال تعالى: (وحرمنا)، (فرجعناك)، (وفتناك)، (واصطنعتك)، فهل يصح أن يقول: صنعناك بأنفسنا؟ لا؛ لأنه حينئذ سيقول: لنفسي، ولا يمكن-معاذ الله- أن يجمع ذلك في حق الله.
يقول: والعدول عن نون العظمة الواقعة في قوله تعالى: (وفتناك) ونظيريه السابقين تمهيد لإخراج لفظ النفس اللائقة بالمقام، فإنه أدخل في تحقيق معنى الاصطناع والاستخلاص، (واصطنعتك لنفسي).
ثم بين ما هو المقصود بالاصطناع بقوله : ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي﴾ [طه:٤٢] أي: بمعجزاتي كالعصا، وبياض اليد، وحل العقدة، مع ما سيظهر على يده، ﴿وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه:٤٢] أي: لا تفترا ولا تقصرا في ذكري بما يليق بي من النعوت الجليلة عند تبليغ رسالتي والدعاء إلي.
قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه:٤٠]، لم يبين هنا جل وعلا في هذه الآية الكريمة سبب قتله من هذه الناحية، ولا ممن هي، ولم يبين السبب الذي نجاه به من ذلك الغم، ولا الفتون الذي فتنه، ولكنه بين في سورة القصص خبر القتيل المذكور في قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص:١٥ - ١٦]، وأشار إلى القتيل المذكور في قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص:٣٣]، وهو المراد بالذنب في قوله تعالى عن موسى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء:١٤]، وهو مراد فرعون بقوله لموسى فيما ذكره الله عنه: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩]، شيء عجيب، موسى في زمن فرعون يُكفّر، ولذلك رد عليه قائلاً: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء:٢٠].
وقد أشار تعالى في سورة القصص أيضاً إلى غم موسى، وإلى السبب الذي أنجاه الله به منه بقوله: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص:٢٠ - ٢٢] إلى قوله: ﴿قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٢٥].
وقوله تعالى: (وفتناك فتونا) قال بعض أهل العلم: الفتون مصدر، وربما جاء المصدر الثلاثي المتعدي على فعول، وقال بعضهم: هو جمع فتنة، وقال الزمخشري في الكشاف: فتوناً: يجوز أن يكون مصدراً على فعول في المتعدي كالثبور والشكور والكفور.
وجمع فتن أو فتنة فتون، وقد تكون جمع فتن أو جمع فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث؛ كحجوز وبدور في حجرة وبدرة، أي: فتناك ضروباً من الفتن اهـ.
وقد جاء في تفسير الفتون المذكور حديث معروف عند أهل العلم بحديث الفتون، أخرجه النسائي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وساقه ابن كثير في تفسيره عن النسائي بسنده، وهو حديث طويل يقتضي: أن الفتون يشمل كل ما جرى على موسى من المحن من فرعون في صغره وكبره، مثل الخوف عليه من الذبح وهو صغير، فهذه فتنة، ومن أجل ذلك ألقي في التابوت، وقذف في اليم، وكخوفه وهو كبير من أن يقتله فرعون بالقبطي الذي قتله، وعلى هذا فالآيات التي ذكرت فيها تلك المحن مبينة للفتون على تفسير ابن عباس للفتون المذكور.
وقال ابن كثير ﵀ بعد أن ساق حديث الفتون بطوله: هكذا رواه النسائي في السنن الكبرى، وأخرجه أبو جعفر بن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما كلهم من حديث يزيد بن هارون به، وهو موقوف من كلام ابن عباس، وليس فيه مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه ابن عباس ﵄ مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره، والله أعلم.
وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك أيضاً اهـ.
стр. 1618
تفسير قوله تعالى: (فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى)
قال تعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٠]، السنين التي لبثها في مدين هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص:٢٧]، يقول: قد قدمنا أنه أتم العقد، وبينا دليل ذلك من السنة، وبه تعرف أن الأجل في قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ﴾ [القصص:٢٩] عشر سنين لا ثمان.
وقال بعض أهل العلم: لبث موسى في مدين ثمان وعشرين سنة، عشر منها مهر ابنة صهره، وثمانية عشرة أقامها هو اختياراً، والله تعالى أعلم.
وأظهر الأقوال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٠] أي: جئت على القدر الذي قدرته، وسبق في علمي أنك تجيء فيه، فلم تتأخر ولم تتقدم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وقال: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨]، وقال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨]، وقال جرير يمدح عمر بن عبد العزيز: نال الخلافة أو كانت له قدراً كما أتى موسى ربه على قدر
стр. 1619
تفسير قوله تعالى: (اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري)
قال تعالى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٤٢ - ٤٣]، والمراد بالآيات التسع المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء:١٠١]، وقوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل:١٢].
(إنه طغى)، أصل الطغيان: مجاوزة الحد، ومنه: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة:١١]، وقد بين تعالى شدة طغيان فرعون ومجاوزته الحد في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقوله عنه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وقوله عنه أيضاً: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء:٢٩].
(ولا تنيا)، مضارع وني يني على حسب قول ابن هانئ في الخلاصة، يقول: والونى أو الوني في اللغة الضعف والفتور والكلال والإعياء، وقال العجاج: فما ونى محمد مذ أن غفر له الإله ما مضى وما غبر يعني: ما كسل وما تعب وما أعيا.
إذاً: قوله: ((وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي)) أي: لا تضعفا ولا تفترا في ذكري، وقد أثنى الله على من يذكره في جميع حالاته بقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩١]، وأمر بذكره عند لقاء العدو بقوله: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال:٤٥]، وقال ابن كثير ﵀: والمراد أنهما لا يفتران في ذكر الله حال مواجهة فرعون، فيكون ذكر الله عوناً لهما عليه، وقوة لهما وسلطاناً كاسراً له، كما جاء في الحديث: (إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجز قرنه) أي: وهو يلاقي أو يقاتل قرنه أي: خصمه.
وقال بعض أهل العلم: (ولا تنيا في ذكري): لا تزالا في ذكري، واستشهد لذلك بقول طرفة: كأن القدور الراسيات أمامهم قباب بنوها لا تني أبداً تغلي أي: لا تزال تغلي.
стр. 1620
تفسير سورة طه [٤٤ - ٥٩]
стр. 1621
تفسير قوله تعالى: (فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى)
قال تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]، هذا من خطاب الله لموسى وهارون ﵉، والمعنى: لعله يخشى عقابي؛ فإن تزيين القول مما يكسر ثغرة عناد العتاة ويلين عريكة الطغاة، وقد بين الله ذلك في قوله تعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات:١٨ - ١٩]، وهذا من مظاهر تلطف موسى بفرعون: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات:١٨]، تلطف في العبارة: (هل لك)، ولم يقل: تعال كي أزكيك، وإنما نسب التزكية إلى نفسه هو: (إلى أن تزكى)، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنت.
﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات:١٩].
وبمثل ذلك أمر نبينا صلوات الله وسلامه عليه في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥].
وقوله ﵎: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]، الرجاء في (لعله) إنما هو منهما، لا من الله، فإنه لا يصح منه، ولذا قال القاضي أي: باشرا الأمر على رجائكما وطمعكما أنه يثمر ولا يخيب بعدكما، فإن الراجي مجتهد والآيس متكلف، والفائدة في إرسالهما والمبالغة عليهما في الاجتهاد مع علمه بأنه لا يؤمن: إلزام الحجة، وقطع المعذرة، وإظهار ما في تضاعيف ذلك من الآيات.
قال الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]: أمر الله جل وعلا نبييه موسى وهارون ﵉ أن يقولا لفرعون في حال تبيين رسالات الله إليه: (قولاً ليناً) أي: كلاماً لطيفاً سهلاً رقيقاً ليس فيه ما يغضب وينفر، وقد بين جل وعلا المراد بالقول البين في هذه الآية بقوله: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات:١٧ - ١٩]، وهذا -والله- غاية لين الكلام ولطافته ورقته كما ترى.
وقد كانت عادة قدماء المصريين عموماً -للأسف الشديد- عبادة ملوكهم ومن يلي أمرهم، واتخاذهم آلهة، إلى حد أن الشعب كأنه لا قيمة له ولا وزن، كذلك نلاحظ خلاف من كان قبلهم من الأمم يقول الله: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف:٧٣]، ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف:٦٥]، يتكلم عن القبيلة كلها، أو الأمة بمجموعها.
أما موسى فكثير من الآيات تخبر أن الله أرسله إلى فرعون، كما قال هنا: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٤٣]، وقال أيضاً: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [النازعات:١٧]، وإذا ذكر شعبه معه فعلى سبيل التبعية له، لذا كان من حكمة الله التعبير بهذا التعبير: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ [النازعات:١٧].
يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: يؤخذ من الآية الكريمة: أن الدعوة إلى الله يجب أن تكون بالرق واللين لا بالقسوة والشدة والعنف، كما قال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥].
وقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: قال يزيد الرقاشي عند قوله: ((فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا)): يا من يتحبب إلى من يعاديه، فكيف بمن يتولاه ويناديه؟ فانظر إلى لطف الله ، وتحببه إلى عدوه الطاغي الذي قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، ومع ذلك انظر كيف أن الله من رحمته ولطفه به يحرض نبييه الكريمين ﵉ أن يقولا له قولا ليناً؛ لأن الهدف هو انقياده إلى الحق؛ فلذلك كان يقول يزيد الرقاشي عندما يتلو هذه الآية: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾: يا من يتحبب إلى من يعاديه، فكيف بمن يتولاه ويناديه؟ كيف بالمؤمن الذي يتولى الله ويناديه ويناجيه ويسأله الهداية والتوفيق؟! ولقد صدق الله من قال: ولو أن فرعون لما طغى وقال على الله إفكاً وزورا أناب إلى الله مستغفراً لما وجد الله إلا غفورا قوله تعالى: ((لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)) يقول: قد قدمنا قول بعض العلماء: إن (لعل) في القرآن بمعنى التعليل، إلا التي في سورة الشعراء: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء:١٢٩]، فهي بمعنى: كأنكم، وقد قدمنا أيضاً: أن لعل تأتي في العربية للتعليل، ومنه قوله: فقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا نكف ووثقتم لنا كل موثق فلما كففنا الحرب كانت عهودكم كشبه سراب في الملا متألق وهذا مثل واقع المسلمين الآن مع اليهود لعنهم الله، وقوله: (لعلنا نكف) يعني: لأجل أن نكف.
فأحياناً كلمة (لعل) في القرآن الكريم تستعمل للتعليل، بمعنى لكي أو لأجل، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] يعني: لأجل أن تتقوا، فإن الصيام وسيلة إلى التقوى، وهذا خلاف الكلام الذي ذكره القاسمي رحمه الله تعالى؛ لأن القاسمي لما جعلها على بابها؛ أي: أن لعل للترجي، قال: إن الرجاء هنا صادر عن موسى وهارون، أما الشنقيطي رحمه الله تعالى فيقول: إن لعل في القرآن تأتي أحياناً بمعنى التعليل، إلا في سورة الشعراء: ((وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ))، فإن معناها: كأنكم تخلدون.
وقال بعض أهل العلم: ((فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى))، معناه: على رجائكما وطمعكما، فالترجي والتوقع المدلول عليه بلعل راجع إلى جهة البشر، وعزى القرطبي هذا القول لكبراء النحويين كـ سيبويه وغيره.
стр. 1622
تفسير قوله تعالى: (قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى)
قال تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥] يعني: يبادرنا بالعقوبة، (أو أن يطغى) أي: يزداد طغياناً بالعناد في قطع حججنا، ثم يأمر بقتلنا، أو بالتجرؤ على أن يقول في شأنك ما لا ينبغي لجرأته وقسوة قلبه، واقتصر على الثاني الزمخشري.
إذاً: المعنى: أن يبادرنا بالعقوبة، (أو أن يطغى) يزداد في العناد ثم يأمر بقتلنا.
وقول آخر في تفسير: (إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى) أن يقول في حق الله كلاماً لا ينبغي لجرأته وقسوة قلبه.
قال الزمخشري: إن في المجيء به هكذا على الإطلاق، وعلى سبيل الرمز؛ باباً من حسن الأدب، وتحاشياً عن التفوه بالعظيمة.
قالا: (أو أن يطغى)، ولم يذكرا تفاصيل هذا الطغيان، فلم يقولا: نخاف أن يسب الله ، أو يقول كلمته العظيمة، وهذا كله من أجل التحاشي عن التفوه بالكلام الذي لا يليق في حق الله ﵎، وهذا هو الأدب الذي ينبغي أن يلزم، حتى إذا حكى الإنسان كلاماً من الكفر؛ فينبغي أن يغير في العبارة بحيث يتجنب ويتحاشى التلفظ بما لا يليق بحق الله ، وإلا فإن الإنسان يصاب أحياناً من كلمات بعض الملاحدة من العلمانيين وغيرهم ممن يقولون في حق الله وفي حق دينه ما تقشعر له الجلود، فلا بد من استعمال الرمز بحكاية ما فيه إيذاءً لله .
﴿قَالَ لا تَخَافَا﴾ [طه:٤٦]، هذا الخوف خوف فطري جبلي، وهو خوف من الأذى أو القتل، وهذا لا يلام عليه الإنسان، فهذا من الخوف الجبلي الذي هو من جبلة وطبيعة البشر، وليس الخوف الذي هو شرك.
(قال لا تخافا) أي: من صلفه وطغيانه.
﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه:٤٦]، بالحفظ والنصرة، فهذه المعية الخاصة وليست المعية العامة التي هي معية الله مع جميع الخلق، بالسمع والبصر والرقابة والشهادة وغير ذلك، وإنما هذه المعية معية خاصة بالمؤمنين ولأهل التقوى وللأنبياء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، بالنصرة والتأييد والتولي.
﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] أي: ما يجري بينكما وبينه، فأرعاكما بالحفظ، فالمفعول محذوف للقرينة، أو نزل منزلة اللازم تتميماً لما يستقل به الحفظ، كأنه قيل: أنا حافظ لكما وناصر، سامع وبصير، وإذا كان الله الحافظ تم الحفظ والتأييد، وذهبت المبالاة بالعدو؛ ولذلك موسى ﵇ في أحرج اللحظات لما طارده فرعون وجيشه، فلما وصل موسى وقومه إلى ساحل البحر ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، ماذا يفعل؟ البحر أمامه، والعدو من خلفه! فانظر إلى جواب موسى لثقته بهذا الوعد من الله، وقد يكون موسى لا يعرف كيف يكون المخرج؟ لكن في أشد اللحظات هو واثق بوعد الله، مع أن العدو على وشك أن يصلهم، فقالوا له: (إنا لمدركون) أي: حقاً سوف ينالون منا ويصلون إلينا، ﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، هذه هي المعية الموعود بها هنا: (إنني معكما أسمع وأرى).
стр. 1623
تفسير قوله تعالى: (فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل)
قال تعالى: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه:٤٧].
((فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ)) أي: أطلقهم من الأسر والعبودية؛ لأن بني إسرائيل عانوا في مصر أشد العذاب والعناء على يد فرعون وملئه، فمعنى: (أرسل معنا بني إسرائيل) أي: لإطلاقهم من الأسر والعبودية وتسريحهم معنا إلى وطننا فلسطين، (ولا تعذبهم) أي: بإبقائهم على ما هم عليه من التسخير والتذليل في الأمور الشاقة.
(قد جئناك بآية من ربك) أي: آية تحقق رسالتي إليك منه تعالى بذلك.
(والسلام على من تبع الهدى) أي: آمن بآيات الله المبينة للحق، وفيه من ترغيبه لاتبعاهما على ألطف وجه ما لا يخفى.
قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: ألف الاثنين في قوله: (فأتياه فقولا)، راجعة إلى موسى ﵇ وهارون، والهاء في قوله: (فأتياه) تعود إلى فرعون، أي: فأتيا فرعون (فقولا له إنا رسولا ربك) أي: إنا رسولان إليك من ربك، (فأرسل معنا بني إسرائيل) أي: خل عنهم وأطلقهم لنا يذهبون معنا حيث شاءوا.
(ولا تعذبهم)، العذاب الذي نهى الله فرعون أن يفعله ببني إسرائيل هو المذكور في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٤٩]، وجاء ذكره أيضاً في سورة إبراهيم والأعراف والدخان في قوله: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان:٣٠ - ٣١]، وقال في سورة الشعراء: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء:٢٢]، وقال أيضاً في سورة الشعراء: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء:١٦ - ١٧].
وقوله ﵎: (قد جئناك بآية من ربك) الآية هنا جاءت مفردة؛ وهي اسم جنس، وهذه الآية مفردة يراد بها جنس الآية الصادق على العصا واليد وغيرهما لدلالة آيات أخرى على ذلك، بل آيات أخرى تدل على أن موسى أوتي تسع آيات وليس آية واحدة.
إذاً: المقصود (بآية) هنا جنس الآية.
(والسلام على من اتبع الهدى) يدخل فيه السلام على فرعون إن اتبع الهدى، ويفهم من الآية أن من لم يتبع الهدى لا سلام عليه، وفرعون كذلك؛ ولذلك كان في أول كتاب رسول الله ﷺ إلى هرقل عظيم الروم: (بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله ﷺ إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى.
أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام)، إلى آخر كتابه ﷺ .
стр. 1624
تفسير قوله تعالى: (إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى)
قال تعالى: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه:٤٨]، والآيات في هذا كثيرة، كقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٣٧ - ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لا يَصْلاهَا إِلَّا الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل:١٤ - ١٦]، وقال تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى * أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة:٣١ - ٣٥] إلى غير ذلك من الآيات.
قوله هنا: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا﴾ [طه:٤٨] يعني: من ربنا، ﴿أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ﴾ [طه:٤٨] أي: بآياته تعالى، ﴿وَتَوَلَّى﴾ [طه:٤٨] أي: أعرض عنها.
وفيه التنصيص بالوعيد، ولم يصرح بحلول العذاب به، وهذا منتهى التلطف به بالوعيد، رغم أن فرعون أتى بهذه الأمور العظام لكن انظر إلى التلطف، لم يقل: إن العذاب سوف يحل عليك، وإنما قال: ﴿أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه:٤٨]، فلم يصرح بحلول العذاب به، وتلطف في إثبات الوعيد لمن كذب وتولى.
((قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى)) (قال) أي: فرعون، ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] أي: منح كل شيء من الأنفس البشرية والأعضاء التي تطابق المنفعة المنوطة بها، فسواها بها وعدلها، ثم هداه بأن وهبه العقل الذي يميز به بين الخير والشر، وهذه الآية في معناها آية: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٧ - ٨]، وآية: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠].
يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن موسى وهارون لما بلغا فرعون ما أمرا بتبليغه إياه قال لهما: من ربكما الذي تزعمان أنه أرسلكما إلي.
زاعماً أنه لا يعرف الله ، وأنه لا يعلم لهما إلهاً غير نفسه، كما قال في الآية الأخرى: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وقال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء:٢٩]، وقد دلت آيات القرآن الكريم على أن فرعون كاذب في دعواه أنه هو ربهم الأعلى، وأنه يعلم أنه عبد مربوب لرب العالمين، وقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] كان على سبيل المكابرة، كذلك هنا في قوله: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾، على سبيل الاستنكاف أن يكون لهما إله غير نفسه، وقال أيضاً: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء:٢٩].
إذاً: قوله: ((قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا))، هذا تجاهل عارف؛ لأنه عبد مربوب لرب العالمين، ففرعون بطبعه يأكل ويشرب وينام ويمرض، والناس قد رأوه ولد من أب وأم، وتجري عليه كل الأعراض البشرية، فمن أين له أن يدعي هذه الألوهية؟! وقبل أن يولد أين كان؟! أين عقول هؤلاء القوم الذين استساغت عقولهم الضعيفة أو المريضة هذا القول؟! ((قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى))، هذا تجاهل عارف، وادعاء منه بالجهل وعدم معرفته بالله، وأنه لا يعرف الله؛ لأن الله قال في سورة الإسراء على لسان موسى أنه قال لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢]، فموسى الصادق المصدوق ﵇ يخبره بالحقيقة: (لقد علمت) يعني: أنت تعرف جيداً يا فرعون، (ما أنزل هؤلاء)، أي: هؤلاء الآيات، ((إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا)).
كذلك أيضاً قال ﵎ في سورة النمل: ((فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ)) أي: فرعون وقومه، ﴿آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٣ - ١٤]، رغم أنهم كانوا على يقين أن هذا من عند الله، لكنه الجحود، وادعاء الجهل والنكران بعد العلم: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤].
وسؤال فرعون عن رب موسى وجواب موسى له جاء موضحاً في سورة الشعراء بأبسط مما هنا، وذلك في قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء:٢٣ - ٢٤]، انظروا للحوار، فرعون يقول: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:٢٣ - ٢٥]، يتعجب من جواب موسى: ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي﴾ [الشعراء:٢٦ - ٢٩]، انظر للفرق بين الحجة وبين الإقناع بالسطوة والسلطة: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء:٢٩ - ٣٢].
стр. 1625
تفسير قوله تعالى: (الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى)
قال الله تعالى: ﴿الَذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] أي: أن الله أعطى كل شيء نظير خلقه في الصورة والهيئة، كالذكور من بني آدم أعطاهم نظير خلقهم من الإناث أزواجاً، فجعل للرجال أزواجاً من بني آدم من جنس آخر، وكالذكور من البهائم أعطاها نظير خلقها في صورتها وهيئتها من الإناث أزواجاً، فلم يعط الإنسان خلاف خلقه، فلم يزوجه بالإناث من البهائم مثلاً، ثم هدى الجميع لطريق المنكح الذي منه النسل والنماء، وهدى الجميع لسائر منافعهم من المطاعم والمشارب وغير ذلك.
((ثُمَّ هَدَى)) أي: هداه إلى الألفة والاجتماع والمناكحة، وقال بعض أهل العلم: أعطى كل شيء صلاحه ثم هداه إلى ما يصلحه، وهذا مروي عن الحسن وقتادة.
وهذا المعنى فصله العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، حيث بين فيه النوع الأول من أنواع الهداية، وهو الهداية العامة لكافة المخلوقات إلى ما يصلحها.
هذا هو معنى قوله: ((الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى))؛ حتى الرضيع حينما يخرج من بطن أمه هداه إلى كيفية الرضاعة، مع أن لها ميكانيكية محددة في غاية الدقة، وهذا لم يسبق له، كما قال الله: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ [النحل:٧٨]، لكنه بنداء الفطرة يتجه إلى الأم ويرضع بالطريقة المعروفة.
كذلك عالم الحيوانات والنباتات والحشرات وكل هذه العوالم إذا الإنسان تطلع إلى آيات الله فيها وتدبر لوجد شرحاً لهذه الآية الكريمة: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠]، فهناك علم من العلوم الحديثة التي تكشف آيات الله ، وأيضاً العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى ذكر هذا بالتفصيل في قضية القضاء والقدر، وذكر أمثلة كثيرة جداً من هداية الحيوانات إلى ما يصلحها، والعلم الحديث الآن ذكر آلاف الأمثلة أكثر مما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى.
يقف يتأمل في مملكة النحل والعجائب التي أعطاها الله للنحل من خلقه، ثم هداها إلى الوظائف التي تؤديها، وهكذا مملكة النمل أعطى كل نملة خلقها، ثم هداها إلى ما فيه صلاحها، ومن الأمثلة التي ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى أن فأراً وقف على برميل زيت، وهو يريد أن يشرب من هذا الزيت، وكان مستوى الزيت إلى حد لا يصل إليه الفأر، فأتى بماء في فمه ثم صبه على الزيت، ومعلوم أن كثافة الزيت أقل من كثافة الماء، وهو ما درس هذا ولا تعلم قوانينه، فصار الزيت يعلو الماء ويرتفع في البرميل، إلى أن استطاع أن يشرب منه! ((الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)).
ومنها: أن شخصاً أتى بإناء فيه عسل وطعام ووضعه داخل إناء آخر فيه ماء، لكن النمل حاولت أن تصل إلى العسل فلم تستطع، فماذا فعلت؟ صعدت على السقف، ثم تدلت واحدة على الأخرى حتى بلغ السرب الإناء فأخذت منه! وعجائب صنع الله كثيرة جداً في هذا الباب.
وقال بعض أهل العلم: ((أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)) أي: أعطى كل شيء صورته المناسبة له، فلم يجعل الإنسان في صورة البهيمة، ولا البهيمة في صورة الإنسان، ولكنه خلق كل شيء على الشكل المناسب له فقدره تقديراً، كما قال الشاعر: وله في كل شيء خلقة وكذاك الله ما شاء فعل يعني: له لكل شيء صورة ((ثُمَّ هَدَى))، كل صنف إلى رزقه وإلى زوجه.
وقال بعض أهل العلم: من العجائب موضوع هجرة الأسماك وهجرة الطيور، وكيف أنها تقطع كل هذه المسافات الهائلة، ثم تعود من حيث أتت! ما الذي يهديها في الظلام، لا توجد معالم في الأرض تميز بها طريق الهجرة، كيف تميز؟ وكيف تعرف؟ كل هذا بلا شك من آيات الله سبحانه تعالى.
وقال بعض أهل العلم: ((أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ)) أي: أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به، كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار، إذ كل جزئية في العين لها وظيفة تناسبها، فالأذن خلقت على شكل يوافق الاستماع، كذلك الأنف والرجل واللسان وغيرها، وكذلك كل موضع في الإنسان، كما قال تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١].
ومن أعظم آيات الله في خلق الإنسان أن كل شيء في مكانه، ومع ذلك الملاحدة الذين طمس الله على قلوبهم يزعمون أن الطبيعة هي الخالق! إن أي جزئية في جسم الإنسان نجد أنها في الموقع المناسب لها والملائم للوظيفة التي خلقت من أجلها، ولو نظرنا للأسنان مثلاً لرأينا حكمة الله في هذه الأضراس، ترتيب الأسنان بهذا الوصف وبهذه الصورة العجيبة لحكمة مطلقة من فعل الله .
فأفعال الربوبية ترشد كلها لقوله: ((الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى))، العين مثلاً كان ممكن أن توضع في القفا، أو يوضع الحاجب أسفل منها، أو الفم يكون على صورة أخرى بخلاف خلق الله ، وعندها فإنه لا يتطابق مع الوظيفة التي خلق لها.
وانظر إلى أنواع الشعر: الشعر الذي في الرأس، وشعر الحاجب، والرموش، واللحية، ثم انظر إلى حكمة الله : لو أن شعر الرموش صار نموه بنفس معدل نمو شعر الرأس ماذا سيحصل؟! وغير ذلك من هذه الأحوال، بل كل بحكمة الله يتواءم مع وظيفة خلق الله الإنسان لكي يؤديها، فكل واحد منها مطابق لما علق به من المنفعة غير نائب عن الآخر.
إذاًَ: ((الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ))، (كلَّ) مفعول، (أعطى) فعل يتعدى لمفعولين، والمفعول الثاني (خلقه).
وقيل في المعنى: أنه تعالى أعطى الخلائق كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى طريق استعماله.
قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: ولا مانع من شمول الآية الكريمة لجميع الأحوال المذكورة؛ لأنه لاشك أن الله أعطى الخلائق كل شيء يحتاجون إليه في الدنيا، ثم هداهم إلى طريق الانتفاع به، ولا شك أنه أعطى كل صنف شكله وصورته المناسبة له، وأعطى كل ذكر وأنثى الشكل المناسب له من جنسه في المناكحة والألفة والاجتماع، وأعطى كل عضو شكله الملائم للمنفعة المنوطة به؛ فسبحانه جل وعلا ما أعظم شأنه وأكمل قدرته! وكما يقول الشاعر: تأمل سطور الكائنات فإنها من الملأ الأعلى إليك رسائل وقد خط فيها لو تأملت خطها ألا كل شيء ما خلا الله باطل فهذه آيات الله كلها خلقت وبثت في الأرض وفي أنفسنا كي تدلنا عليه ، نتدبر ونتفكر في خلق السماوات والأرض وفي خلق أنفسنا؛ كي نتعرف على قدرة الله ، ونصل إلى توحيده .
وابن القيم ﵀ فصل الكلام في كتابة التبيان في أقسام القرآن وفصل كثيراً جداً على أساس المستوى العلمي الذي وصلوا إليه في زمانهم، وهو مما يكشف عن ثقافة عالية جداً بالنسبة لزمانهم، ولا شك أننا الآن لدينا أضعاف أضعافها، ولكن للأسف الشديد نحن نتلقاها من الكفار الملاحدة، وهذه الآيات يطلع عليها الكفار والملاحدة سواء في الشرق أو في الغرب ولكن شاء الله أن يطمس على قلوبهم إلا من رحم الله، ومع أن هذه الآيات أمام أحدهم لكن أعماه الله مما يدل على أن القوة هي التي عطلت عقولهم عن أن تنتفع بهذه الآيات التي بين أيديهم، فمن يطالع موسوعة الطبيعة يلاحظ تفاصيل كثيرة جداً لهذه الآية، وأيضاً موسوعة الألف الأمريكية فيها كثير جداً من هذه الآيات.
وفي معنى هذه الآية الكريمة براهين قاطعة على أنه جل وعلا رب كل شيء، وهو المعبود وحده جل وعلا، ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨].
وقد حرر العلامة الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى في رسالته في علوم القرآن أن مثل هذا الاختلاف من اختلاف السلف في معاني الآيات ليس اختلافاً حقيقاً يكذب بعضه بعضاً، ولكنه اختلاف تنوعي لا يكذب بعضه بعضاً، والآيات تشمله جميعاً، فينبغي حملها على شمول ذلك كله، وسأوضح أن ذلك هو الجاري على أصول الأئمة الأربعة ﵃، وعزاه إليهم جماعة من خيار أهل المذاهب الأربعة، والعلم عند الله ﵎.
стр. 1626
تفسير قوله تعالى: (فما بال القرون الأولى)
قال تعالى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [طه:٥١].
قال فرعون: ((فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى))؟ يعني: ما حال القرون السالفة؟ وما جرى عليهم؟ لنا استفسار عن قوى فرعون، فقد كان في قمة الغباء، ولديه عقلية ضعيفة كما هو واضح من هذه الآيات، وكان يقول: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢]، يرمي موسى بأنه لا يعرف الفصاحة، ثم: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف:٥١] هل هذه هي مؤهلات الحجة والعلم، ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١]، ولكن لما أخذه الله جعل الماء يجري من فوقه وأغرقه بعد ذلك! وانظر إلى المناظرة التي ذكرها الله في سورة الشعراء، والنقاش الذي يدل على أن عقليته مشوهة تماماً، وليس عنده أي قدر من المفهومية أو العقل أو الذكاء.
كذلك هنا أيضاً يسأل موسى ﵇ ويقول له: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٤٩ - ٥٠]، وانظر إلى المراوغة، يريد أن يصرف النقاش عن صلبه، ومحوره الأساسي، قال الله عنه: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [طه:٥١]، وما دخل القرون الأولى بالموضوع الذي نتكلم فيه؟! لقد كان هذا السؤال إما لصرف موسى ﵇ عما يدعوه إليه أمام ملئه أو لشغله عن دعوته إلى التوحيد، وتوضيح الحقيقة أكثر وأكثر في الدعوة إلى (لا إله إلا الله)، وإشغاله عما أرسل به، وإما أنه كان يتوهم أن موسى يعرف الغيب فلذلك سأل عن أحوال الْقُرُونِ الأُولَى، فأراد أن يقف على نبأ ما مضى، كل هذا من أجل أن يقطع موسى عن الوصول إلى هدفه وغايته! فلما قال: ((فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى))، أجابه موسى ﵇ بأن هذا سؤال عن الغيب، وقد استأثر الله به فلا يعلمه إلا هو، وليس من شأن الرسالة أن تتكلم عن تفاصيل القرون الأولى، وإنما علمها مكتوب في اللوح المحفوظ محصي غير منسي، ((قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ)) [طه:٥٢]، وهو اللوح المحفوظ، ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢]، ويجوز أن يكون قوله: (في كتاب) تمثيلاً لتمكنه وتقريره في علم الله بما استحفظه العالم وقيده بالكتبة، فنشبه علمه تعالى الذي لا يتغير بمن علم شيئاً وكتبه في جريدته حتى لا يذهب أصلاً، والذي يسجل المعلومات في كتاب لا ينسى.
كما في الحديث: (قيدوا العلم بالكتابة).
العلم صيد والكتابة قيده قيد صيودك بالحبال الواثقه نحن نحتاج إلى كتابة؛ لأننا نضل وننسى، أما الله فقد كتب كل شيء في اللوح المحفوظ، لكن هذا ليس عن خوف نسيان كما يحصل بالنسبة للمخلوقات، لذلك نزه موسى الله : ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾، فمن يفعل ذلك إنما يفعله لخوف النسيان، والله منزه عنه، فالكتاب على هذا القول بمعناه اللغوي هو السفر لا اللوح المحفوظ.
стр. 1627
تفسير قوله تعالى: (الذي جعل لكم الأرض مهداً)
قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ [طه:٥٣].
((الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ مَهْداً)) فراشاً، ((وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى)) أي: أصنافاً من نبات مختلفة الأجناس في الطعم، والرائحة، والشكل، والنفع.
انظر إلى موسى ﵇ لم يسمح له أن يحول مجرى النقاش، وهو لما بدأ بهذا
السؤال
﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ مَهْداً﴾ [طه:٤٩ - ٥٣].
شرع يسرد أدلة توحيد الربوبية ليتوصل بها إلى توحيد الألوهية، ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ قال الزمخشري في قوله تعالى: ((وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ)): هذا من باب الالتفات، وناقشه الناصر بأن الالتفات إنما يكون في كلام المتكلم الواحد، يصرف كلامه على وجوه شتى، وما نحن فيه ليس كذلك، فإن الله تعالى حكى عن موسى ﵇ قوله لفرعون: ((عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى)).
ثم قوله تعالى: ((الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً)).
إلى قوله: ((فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى))، فإما أن يجعل من قول موسى ويكون من باب قول خواص الملك: أمرنا وعمرنا، وإنما يريدون الملك، وليس هذا بالتفات، وإما أن يكون كلام موسى قد انتهى عند قوله: ((لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى))، ثم ابتدأ الله تعالى وصف ذاته بصفات إنعامه على خلقه، فليس التفاتاً أيضاً، وإنما هو انتقال من حكاية إلى إنشاء خطاب، وعلى هذا التأويل ينبغي للقارئ أن يقف عند قوله: ((وَلا يَنسَى)) ليستقر بانتهاء الحكاية.
ويحتمل معنىً آخر، وهو: أن موسى وصف الله تعالى بهذه الصفات على ظهر الغيبة، فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾، فلما حكاه الله تعالى عنه أسند الضمير إلى ذاته؛ لأن الحاكي هو المحكي في كلام موسى، فمرجع الضميرين واحد، وهذا الوجه وجه حسن رقيق الحاشية، وهذا أقرب الوجوه إلى الالتفات، لكن الزمخشري لم يعنه، والله تعالى أعلم.
اهـ قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: قرأ هذا الحرف عاصم وحمزة والكسائي (مَهْداً) بفتح الميم وإسكان الهاء من غير ألف، وقرأ الباقون من السبعة بكسر الميم وفتح الهاء بعدها ألف، والمهاد: الفراش، والمهد بمعناه.
((الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً))، بين ﵎ في هاتين الآيتين أربع آيات من آياته الكبرى الدالة على أنه المعبود وحده، ومع كونها من آيات كمال قدرته، واستحقاقه العبادة وحده دون غيره، فهي من النعم العظمى على بني آدم.
الأولى: فرشه الأرض على هذا النمط العجيب.
الثانية: جعله فيها سبلاً يمر بها بنو آدم ويتوصلون بها من قطر إلى قطر.
الثالثة: إنزاله الماء من السماء على هذا النمط العجيب.
الرابعة: إخراجه أنواع النبات من الأرض.
ثم شرع الشنقيطي رحمه الله تعالى في ذكر أنواع كثيرة من الآيات التي تشرح وتفصل هذا فنتجاوزها، ونأتي للخطاب وقوله تعالى: ((وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً)) وقد قدمنا أن معنى السلك الإدخال، وقوله: ((َسَلَكَ)) معناه: أنه جعل في داخل الأرض بين أوديتها وجبالها سبلاً فجاجاً يمر الخلق منها، وعبر عن ذلك هنا بقوله: ((وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً))، وعبر في مواضع أخر عن ذلك بالجعل كقوله في سورة الأنبياء: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء:٣١]، وقال في الزخرف: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:١٠]، وعبر في بعض المواضع عن ذلك بالإلقاء كقوله في النحل: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٥]؛ لأن عطف السبل على الرواسي ظاهر في ذلك.
((كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ)) أي: كلوا -أيها الناس- من الثمار والحبوب التي أخرجناها لكم من الأرض بالماء الذي أنزلناه من جميع ما هو غذاء لكم من الحبوب والفواكه ونحو ذلك.
((وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ)) أي: أسيموها وسرحوها في المرعى الذي يصلح لأكلها، والأمر في قوله: ((كُلُوا وَارْعَوْا)) للإباحة، ولا يخفى ما تضمنه من الامتنان والاستدلال على استحقاق المنعم بذلك العبادة وحده.
((إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى)) أي: لأصحاب العقول، فالنهى جمع نهية وهي العقل؛ لأنه ينهى صاحبه عما لا يليق، تقول العرب: نهو الرجل بصيغة فعُل بالضم: إذا كملت نهيته أي: عقله.
стр. 1628
تفسير قوله تعالى: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى)
قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه:٥٥]، يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى﴾ [طه:٥٤] (منها) أي: من الأرض (خلقناكم) أي: خلقنا أصلكم وهو آدم، أو: خلقنا أبدانكم من النطفة المتولدة عن ما في الأرض، ((وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ)) أي: بالإماتة، مثل إعادة البذر إلى الأرض ((وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى)) أي: بردهم كما كانوا أحياء.
قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: قوله: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ قد ذكر في هذه الآية الكريمة ثلاث مسائل: الأولى: أنه خلق بني آدم من الأرض.
الثانية: أنه يعيدهم فيها.
الثالثة: أنه يخرجهم منها مرة أخرى.
ثم ذكر آيات كثيرة جداً في تفصيل كل واحدة من هذه المسائل الثلاث.
стр. 1629
تفسير قوله تعالى: (ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى)
ثم أشار تعالى إلى عتو فرعون وعناده، فقال : ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى * قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَاناً سُوًى﴾ [طه:٥٦ - ٥٨].
((وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا)) أي: من العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والسنين ((فَكَذَّبَ وَأَبَى)).
﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى﴾ * ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَاناً سُوًى﴾ أي: مستوياً واضحاً يجمعنا.
﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه:٥٩]، وهو يوم مشتهر عندهم باجتماع الناس فيه، ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه:٥٩] أي: في النهار لكي يكون الأمر مكشوفاً لا سترة فيه.
﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ﴾ [طه:٦٠] أي: انصرف عن المجلس، ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه:٦٠] أي: ما يكيد به موسى من السحرة وأدواتهم، ثم أتى إلى الموعد ومعه من جمعه.
قوله ﵎: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى﴾، قال الشنقيطي: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه لما أرى فرعون آياته على يد نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة السلام قال: إن الآيات التي جاء بها موسى سحر، وأنه يريد بها إخراج فرعون وقومه من أرضهم.
أما دعواه هو وقومه أن موسى ساحر، فقد ذكر ذلك في مواضع كثيرة من كتابه كقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [النمل:١٣]، وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس:٧٦]، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه:٧١]، وقوله: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف:٤٩]، إلى غير ذلك من الآيات.
وأما ادعاؤهم أنه يريد إخراجهم من أرضهم بالسحر: فقد ذكره الله جل وعلا أيضاً في مواضع من كتابه، كقوله تعالى في هذه السورة: ((أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى)) * ((فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ)) * ((فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ)) -واضح تماماً أن فرعون كانت أعمدة حكمه قائمة على السحر تماماً كما هو الآن أن إحدى الممالك قائمة على السحر، والله المستعان! - وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف:١٠٩ - ١١٠]، وقوله في سورة يونس: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ﴾ [يونس:٧٨]، وقال سحرة فرعون: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه:٦٣].
قوله : ((فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ)) ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن فرعون لعنه الله لما رأى آيات الله ومعجزاته الباهرة، وادعى أنها سحر؛ أقسم ليأتين موسى بسحر مثل آيات الله التي يزعم هو أنها سحر، وقد بين في غير هذا الموضع أن إتيانهم بالسحر وجمعهم السحرة كان عن اتفاق ملئهم على ذلك: ﴿قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [الأعراف:١٠٩ - ١١٢]، فقوله حاكياً عن فرعون: (فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) في الموضعين يدل على أن قول فرعون: ((فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ)) وقع بعد مشاورة واتفاق الملأ منهم على ذلك.
((فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ))، والإخلاف عدم إنجاز الوعد، وقرر أن يكون مكان الاجتماع للمناظرة والمغالبة في السحر في زعمه ((مَكَاناً سُوًى))، وأصح الأقوال في قوله: ((سُوًى)) أن أصله من الاستواء؛ لأن المسافة من الوسط إلى الطرفين لا تفاوت فيها بل هي مستوية، وقوله: (سوى) فيه ثلاث لغات: الضم والكسر مع القصر وفتح السين مع المد.
стр. 1630
تفسير سورة طه [٦٦ - ٧٩]
стр. 1631
تفسير قوله تعالى: (قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى)
قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦].
هذا يدل على نوع السحر الذي جاء به سحرة فرعون، وأنه سحر تخييلي وليس سحراً حقيقياً، فقد سحروا أعين الناس؛ لأن السحر إما أن يؤثر في الرائي، وإما أن يؤثر في المرئي، فالسحر قد يحصل في العين نفسها، فالعين ترى حصول الشيء وهو لم يحصل، أو ربما يحصل في الشيء الذي هو مرئي.
قال الشنقيطي: هذه الآية الكريمة تدل على أن السحر الذي جاء به سحرة فرعون كان سحر تخييل لا حقيقة له في نفس الأمر، وهذا الذي دلت عليه آية طه هذه، دلت عليه آية الأعراف، وهي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف:١١٦]، وهذا يدل على أنهم خيلوا لأعين الناظرين أمراً لا حقيقة له، وبهاتين الآيتين احتجت المعتزلة ومن قال بقولهم على أن السحر خيال لا حقيقة له، فالمعتزلة ينكرون حقيقة السحر.
والتحقيق الذي عليه جماهير العلماء من المسلمين أن السحر منه ما هو أمر له حقيقة لا مطلق تخييل، ومما يدل على أن منه ما له حقيقة قوله ﵎: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، فهذه الآية تدل على أنه شيء موجود له حقيقة تكون سبباً بالتفريق بين الرجل وامرأته، وقد عبر الله عنه بما الموصولة، وهي تدل على أنه شيء له وجود حقيقي، ومما يدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤] يعني: السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عقدهن، فلولا أن السحر له حقيقة لم يأمر الله بالاستعاذة منه.
إذاً: لا يوجد تعارض بين الآيات التي تدل على أن السحر له حقيقة، وبين الآيات الدالة على أنه خيال، بل يجمع بينهما بأن من السحر ما هو تخييل كما أخبر عن سحرة فرعون، ومنه ما هو حقيقة كما ذكرنا.
فإن قيل: قوله في طه: ((يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ))، وقوله في الأعراف: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف:١١٦]، الدالان على أن سحر سحرة فرعون خيال لا حقيقة له، يعارضهما قوله في الأعراف: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:١١٦]؛ لأن وصف سحرهم بالعظم يدل على أنه غير خيال، فالذي يظهر في الجواب -والله تعالى أعلم- أنهم أخذوا كثيراً من الحبال والعصي، وخيلوا بسحرهم لأعين الناس أن الحبال والعصي تسعى، وهي كثيرة، فظن الناظرون أن الأرض ملئت بحيات تسعى؛ لكثرة ما ألقوا من الحبال والعصي، فخافوا من كثرتها، وبتخييل سعي ذلك العدد الكثير وصف سحرهم بالعظمة، وهذا ظاهر لا إشكال فيه.
وقد قال غير واحد: إنهم جعلوا الزئبق على الحبال والعصي، فلما أصابها حر الشمس تحرك الزئبق فحرك الحبال والعصي، فخيل للناظرين أنها تسعى.
وعن ابن عباس: أنهم كانوا اثنين وسبعين ساحراً، مع كل ساحر منهم حبال وعصي، وقيل: كانوا أربعمائة، وقيل: كانوا اثني عشر ألفاً، وقيل: أربعة عشر ألفاً، وقال ابن المنكدر: كانوا ثمانين ألفاً، وقيل: كانوا مجمعين على رئيس يقال له: شمعون، وقيل: كان اسمه يوحنا معه اثنا عشر نقيباً، مع كل نقيب عشرون عريفاً، مع كل عريف ألف ساحر، وقيل: كانوا ثلاثمائة ألف ساحر من الفيوم، وثلاثمائة ألف ساحر من الصعيد، وثلاثمائة ألف ساحر من الريف، فصاروا تسعمائة ألف، وكان رئيسهم أعمى.
وهذه الأقوال كلها من الإسرائيليات، ونحن نتجنبها دائماً، ونقلل من ذكرها، وربما ذكرنا قليلاً منها منبهين عليه.
стр. 1632
تفسير قوله تعالى: (ولا يفلح الساحر حيث أتى)
تكلم الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩]، ببحث طويل كثير النفع في حوالى اثنتين وثلاثين صفحة، ونحن سوف نمر على رءوس الكلام بحيث يعلم عموم معنى كلامه، ومن أراد التوسع فليرجع إلى كتابه المبارك (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن).
قوله: ((لا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى)) هذه الصيغة للعموم؛ لأن الفعل في سياق النفي من صيغ العموم كما هنا: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ فهو أيضاً من صيغ العموم.
قال الشنقيطي: فقوله تعالى: ((وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ)) نفي يعم جميع أنواع الفلاح عن الساحر، وأكد ذلك بالتعميم في الأمكنة بقوله: ((حَيْثُ أَتَى))، وذلك دليل على كفره؛ لأن الفلاح لا ينفى بالكلية نفياً عاماً إلا عمن لا خير فيه وهو الكافر، ويدل على ما ذكرنا أمران: الأول: هو ما جاء من الآيات الدالة على أن الساحر كافر، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢].
فقوله تعالى: ((وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ)) يدل على أنه لو كان ساحراً -وحاشاه من ذلك- لكان كافراً.
وقوله: ((وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ)) صريح في كفر معلم السحر، وقوله تعالى عن هاروت وماروت مقرراً له: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]-يعني: ((فَلا تَكْفُرْ)) بتعلم السحر- وقوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢].
فقوله تعالى: ((وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ)) أي: من نصيب، ونفي النصيب في الآخرة بالكلية لا يكون إلا للكافر عياذاً بالله تعالى، وهذه الآيات أدلة واضحة على أن من السحر ما هو كفر بواح، وذلك مما لا شك فيه.
الأمر الثاني: أنه عرف باستقراء القرآن الكريم أن الغالب فيه أن لفظة: (لا يفلح) يراد بها الكافر، كقوله تعالى في سورة يونس: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس:٦٨] يعني: ما عندكم دليل على هذا ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمْ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس:٦٨ - ٧٠].
فهذا يدل على أن نفي الفلاح كان عن الكافر.
وقوله تعالى في سورة يونس أيضاً: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس:١٧]، فنفى الفلاح عن الكافرين أيضاً.
وقال في الأنعام: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام:٢١].
ويفهم من مفهوم مخالفة الآيات المذكورة: أن من جانب تلك الصفات التي استوجبت نفي الفلاح عن السحرة والكفرة فإنه ينال الفلاح، وهو كذلك، فالذي ينال الفلاح هو المؤمن الذي يتجنب هذه الأفعال وهذه الصفات التي اتصف بها السحرة والكافرون، كقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥]، وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]، والآيات بمثل ذلك كثيرة.
وقوله تعالى: ((وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ)) مضارع أفلح بمعنى: نال الفلاح، والفلاح يطلق في العربية على الفوز بالمطلوب، ومنه قول لبيد: فاعقلي إن كنت لما تعقلي ولقد أفلح من كان عقل فقوله: (ولقد أفلح من كان عقل) يعني أن من رزقه الله العقل فاز بأكبر المطلوب.
ويطلق الفلاح أيضاً على البقاء والدوام في النعيم، ومنه قول لبيد: لو أن حياً مدرك الفلاح لناله ملاعب الرماح فقوله: (مدرك الفلاح) يعني: البقاء، وبكل واحد من المعنيين فسر بعض أهل العلم: (حي على الفلاح) في الأذان والإقامة، فحي على الفلاح تحتمل معنيين: إما الفوز بالمطلوب، أي: هلموا إلى الصلاة لتفوزوا بمطلوبكم، أو البقاء والدوام لنعيم الجنة.
((حَيْثُ أَتَى)) حيث كلمة تدل على المكان، كما تدل حين على الزمان، وربما ضمّنت معنى الشرط، وقوله تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ أي: حيث توجه وسلك.
стр. 1633
مسائل تتعلق بقوله تعالى: (ولا يفلح الساحر حيث أتى)
ذكر الشنقيطي مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة: المسألة الأولى: اعلم أن السحر يطلق في اللغة على كل شيء خفي سببه، ولطف ودق، ولذلك تقول العرب في الشيء الشديد الخفاء: أخفى من السحر.
المسألة الثانية: اعلم أن الفخر الرازي قسم السحر إلى ثمانية أنواع: النوع الأول: سحر الكلدانيين والكسدائيين الذين كانوا في قديم الدهر يعبدون الكواكب، ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم، ومنها تصدر الخيرات والشرور والسعادة والنحوسة، وهم الذين بعث الله تعالى إبراهيم ﵇ مبطلاً لمقالتهم، وراداً عليهم.
قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: ومعلوم بأن هذا النوع من السحر كفر بلا خلاف؛ لأنهم كانوا يتقربون فيه إلى الكواكب كما يتقرب المسلمون إلى الله، ويرجون الخير من الكواكب، ويخافون الشر من قبلها، كما يرجو المسلمون ربهم ويخافونه، فهم كفرة يتقربون إلى الكواكب في سحرهم بالكفر البواح.
النوع الثاني من السحر: سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، وفصل في ذلك.
النوع الثالث: من أنواع السحر: الاستعانة بالأرواح.
النوع الرابع من أنواع السحر: التخيلات والأخذ بالعيون.
النوع الخامس: الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة على النسب الهندسية كفارس على فرس في يده بوق، كلما مضت ساعة من النهار ضربت بالبوق من غير أن يمسه أحد! ومنها: الصور التي يصورها الروم والهند حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان، حتى أنهم يصورونها ضاحكة وباكية، حتى يفرق فيها بين ضحك السرور، وبين ضحك الخجل، وضحك الشامت، فهذه الوجوه من لطيف أمور المخايل.
قال ابن كثير بعد ذكر كلام الرازي: ومن هذا القبيل حيل النصارى.
يعني: من أنواع السحر الذي يكون فيه نوع من الحيل وخفة اليد ونحو هؤلاء الناس أصحاب الألاعيب، وليس له في الحقيقة واقع، والرازي يرى أن سحر سحرة فرعون هو من هذا النوع الذي هو تخييل ((يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى))؛ لأن السحرة جعلوا الزئبق على الحبال والعصي، فألقوه في وقت الضحى، فجاءت الشمس على هذا الزئبق وتمدد، فبالتالي الزئبق حرك هذه العصي وظنوا أنها حركة طبيعية.
يقول ابن كثير: ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم بما يرونهم إياه من الأنوار، يعني: النصارى -أضلهم الله- خبراء في هذا الدجل، وهذا النوع من الدجل هو أقصى ما يستطيعون أن يموهوا به على أتباعهم ممن أظلم الله قلوبهم بالشرك والتثليث؛ لأنهم لا عقول لهم، فإنهم يسهل جداً أن يؤسروا بمثل هذه الأشياء التي نذكرها، وكنت قرأت يوماً وأنا عابر شعاراً يتعلق بالتمثال المزعوم لـ مريم ﵍، ويقولون: هناك حركات معينة تلتمس من هذا التمثال! وقد تعودنا على سماع هذا الكلام، وهم لا يملكون إلا هذا الدجل، وليس هناك ما يؤيدون به باطلهم سوى الدجل، وهذه الألاعيب، فالقوم لهم خبرة عريقة في مجال الدجل والخداع وأسر الجهلة بمثل هذا الكلام.
يقول ابن كثير: ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم بما يرونهم إياه من الأنوار كقضية قمامة الكنيسة التي لهم ببيت المقدس.
وهكذا ابن كثير وغيره من العلماء إذا ذكروا كنيسة القيامة يسمونها كنيسة القمامة، استهزاء بها؛ أولاً: لأننا لا نعترف بما يسمونه قيامة؛ لأن معنى كلامهم أن المسيح -والعياذ بالله كما كذبوا- صلب، ودفن ثلاثة أيام، ثم قام من بين الأموات في هذا اليوم الثالث وصعد إلى السماء، فهذا لا شك أنه تكذيب بالقرآن الكريم، وكفر بواح صراح، فـ المسيح ﵇ رفع، ولم يتمكن منه اليهود لعنهم الله، وإنما رفع إلى السماء، والنصارى عندهم كنيسة يسمونها (القيامة) ويحتفلون بالعيد فيها.
ويحصل ممن ينتسبون إلى الإسلام وهم غارقون في الجهل ومنافاة التوحيد، أن بعضهم يهنئ النصارى بعيد المسيح (المجيد)، وهذا قد يخرج من الإسلام والملة إذا كان معتقداً لذلك، فمعناها أنه يكذب القرآن، وهم يقيمون هذا العيد في كنيسة القيامة، ويبدو أن النصارى سموها بهذا الاسم للتعظيم، وزرع الهيبة في النفوس لباطلهم.
وفي هذه الكنيسة التي في بيت المقدس يحتالون في إدخال النار خفية إليها، وإشعال ذلك القنديل بصنعة لطيفة تروج على الطغام منهم، وأما الخواص فهم يعرفون أنها حيلة من حيلهم التي يستعينون بها، ولكن يتأولون أنهم يجمعون شمل أصحابهم على دينهم، فيرون ذلك سائغًا لهم! وقد حصل منذ سنوات خرافات منها: الزعم أن مريم ﵍ ظهرت في كنيسة الزيتون في القاهرة، ووقعت ضجة كبيرة في هذا الأمر، حتى فتن بهذا الأمر الكثير من الطغام من المسلمين الجهال إلى آخر هذا الدجل.
فالنصارى لهم خبرة عظيمة جداً في هذا المجال، والآن بواسطة التكنولوجيا الحديثة سهل جداً إيهام الناس أن نوراً يظهر وسط الظلام، ولكن هل مريم ﵍ تظهر لهؤلاء المشركين الذين يعبدونها من دون الله، والذين يشتمون ويسبون الله؟! إن الشياطين تتلاعب بعقولهم، فخوارق العادات بحد ذاتها لا تدل على إيمان أو صلاح، وخوارق العادات لا تدل على أن هذا هو حق، وإلا كان سحرة الهند وأصحاب حركات الخفة على حق.
خوارق العادات لابد فيها من شرطين: أولاً: أن تكون غير مخالفة للشرع.
ثانياً: أن ينظر في سيرة الرجل الذي كانت له هذه الخوارق، فإن كان رجلاً صالحاً مستقيماً على السنة، وعلى الشرع، مجانباً للكبائر والمعاصي، وكانت الكرامة لا تتنافى مع الشريعة، ففي هذه الحالة نسميها كرامة.
أما خرق العادة في حد ذاته فقد يحصل بأسباب كثيرة، منها: السحر والتخييل، ونحو هذه الأشياء التي يفعلها صاحب خفة اليد.
وأما النصارى، فحتى لو حصلت لهم هذه، وفعلوا ما فعلوا، فمجرد أن الإنسان يجوز أن يكون دينهم مرضياً عنه أو فيه شيء من الحق؛ فإنه يخرج من الإسلام، ومن ذلك أن يجوز أن مريم موالية لهؤلاء المشركين الذين يعبدونها، ويعبدون المسيح من دون الله.
فهل مريم ﵍ تكون مع هؤلاء أو تؤيدهم؟! هذا مستحيل.
فالشاهد: أن هذه الأشياء لا يضحك بها إلا على بسطاء العقول.
يقول: وأما الخواص منهم فمعترفون بذلك، ولكن يتأولون أنهم يجمعون شمل أصحابهم على دينهم، فيرون ذلك سائغاً لهم، وفيهم شبه من الجهلة الأغبياء من متعبدي الكرامية الذين يرون جواز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب، فيدخلون في عداد من قال رسول الله ﷺ فيهم: (من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)، وقوله ﷺ : (حدثوا عني ولا تكذبوا عَلَيّ؛ فإنه من يكذب عليّ يلج النار).
ثم ذكر الرازي حكاية عن بعض الرهبان، وهي: أنه سمع صوت طائر حزين الصوت، ضعيف الحركة، فإذا سمعته الطيور ترق له، فتذهب في وكره من ثمر الزيتون، ليتبلغ به، فعمد هذا الراهب إلى صنعة طائر على شكله، وتوصل إلى أن جعله أجوف، فإذا دخلته الريح يسمع منه صوت كصوت ذلك الطائر، وانقطع في صومعة ابتناها، وزعم أنها على قبر بعض صالحيهم، وعلق ذلك الطائر في مكان منها، فإذا كان زمان الزيتون فتح بابًا من ناحيته، فتدخل الريح إلى داخل هذه الصورة، فسمع صوتها كل طائر في شكله أيضًا، فتأتي الطيور فتحمل من الزيتون شيئًا كثيرًا، فلا ترى النصارى إلا ذلك الزيتون في هذه الصومعة، ولا يدرون ما سببه؟ يعني: النصارى يرون ذلك منه وهو في الصومعة، فهو عمل هذه الحيلة كي يأتي بهم، فيرون الزيتون، فيعتبرون أن هذا من كراماته على الله؛ ففتنهم بذلك، وأوهم أن هذا من كرامات صاحب ذلك القبر، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.
انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى.
من ذلك أيضاً: أن بعضهم كان يعمل تمثالاً ويعمل فيه تجويف؛ بحيث إنه في وقت معين يوهم الناس أن التمثال يدر لبناً في وقت معين، وقد جعل أنبوباً موصلاً، ويصب اللبن من فوق وينزل، ويوهم الناس أنه يدر لبناً! وهذه الأشياء لا تزلزل قلب المؤمن أبداً؛ لأن الإنسان دائماً عندما يذكر خوارق العادات عليه أن يتذكر المسيح الدجال، ويقارن ما يفعله هؤلاء بما سيفعله المسيح الدجال، فهل يساوون شيئاً بالنسبة لما سيفعله المسيح الدجال؟! لا، فهو سيفعل أشياء مذهلة، ويدعي الألوهية، ويفتن الناس بهذه الخوارق وهذه الأفعال، فهل هذا دليل على أنه على حق؟!
الجواب
لا، إذاً: هؤلاء الناس سيسهل على المسيح الدجال أن يقنعهم، ولا شك أن هذا منهج غير صحيح في البحث عن الحق، فالبحث عن الحق لا يكون عن طريق هذه الأشياء.
ثم قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: وعلوم الشر كثيرة، وقصدنا بذكر ما ذكرنا منها التنبيه على خستها وقبحها شرعاً، وأن منها ما هو كفر بواح، ومنها ما يؤدي إلى كفر، وأقل درجاتها التحريم الشديد.
المسألة الثالثة: اختلف العلماء فيمن يتعلم السحر ويستعمله، فقال بعضهم: إنه يكفر بذلك، وهو قول جمهور العلماء، منهم: مالك وأبو حنيفة وأصحاب أحمد وغيرهم، وعن أحمد ما يقتضي عدم كفره، وعن الشافعي: أنه إذا تعلم السحر قيل له: صف لنا سحرك؛ فإن وصف ما يستوجب الكفر مثل سحر أهل بابل من التقرب للكواكب، وأنها تفعل ما يطلب منها؛ فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر، واعتقد إباحته فهو كافر أيضاً وإلا فلا، وأقوال أهل العلم في ذلك كثيرة معروفة.
قال الشنقيطي: التحقيق في هذه المسألة هو التفصيل: فإن كان السحر مما يعظم فيه غير الله كالكواكب والجن وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر؛ فهو كفر بلا نزاع، وإن كان السحر لا يقتضي الكفر كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهانات وغيرها فهو حرام حرمة شديدة، ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر.
стр. 1634
تفسير قوله تعالى: (فألقي السحرة سجداً)
قال الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير قوله ﵎: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه:٧٠]: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن سحرة فرعون لما عاينوا عصا موسى تبتلع جميع حبالهم وعصيهم خروا سجداً لله ﵎ قائلين: آمنا بالله الذي هو رب هارون وموسى، فهداهم الله بذلك البرهان الإلهي هذه الهداية العظيمة، وقد أوضح تعالى هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله في الأعراف: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف:١١٧] إلى قوله: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف:١٢٠ - ١٢٢].
قال الله ﵎: ((فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً)) يدل على قوة البرهان الذي عاينوه؛ لأن هذه الحجة كانت حجة في غاية القوة، وكأنهم أمسكهم إنسان وألقاهم ساجدين بالقوة لعظم المعجزة التي عاينوها، فلشدة تأثرهم بهذه المعجزة كأن هناك من أمسكهم بغاية القوة وألقاهم بحيث يسقطون ساجدين من شدة وعظم المعجزة التي عاينوها! وذكر في قصتهم أنهم عاينوا منازلهم في الجنة في سجودهم، والظاهر أن هذا من الإسرائيليات.
وأطلق عليهم اسم السحرة في حال سجودهم لله مؤمنين به نظراً إلى حالهم الماضية، فقوله: ((فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً)).
فهم في هذه اللحظة كانوا مؤمنين، ولم يعودوا ساحرين كافرين، لكن أطلق عليهم اسم السحرة باعتبار حالهم الماضية، كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٢]، فهل اليتامى يؤتون المال وهم يتامى قبل أن يبلغوا؟ لا، بل لا يدفع إليهم مالهم حتى يبلغوا سن الرشد بعد بلوغهم النكاح ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦]، لكن عبر عنهم باليتامى باعتبار حالهم الماضية.
واعلم أن علم السحر مع خسته، وأن الله صرح بأنه يضر ولا ينفع، قد كان سبباً لإيمان سحرة فرعون؛ لأنهم لمعرفتهم بالسحر عرفوا معجزة العصا، وأنها خارجة عن طور السحر، وأنها أمر إلهي؛ فلم يداخلهم شك في ذلك.
وهذه سنة الله في نوع المعجزة التي يؤيد بها أنبياءه، أنها تكون من جنس الشيء الذي يتميزون به، كما أيد عيسى ﵇ بكثير من المعجزات الطبية؛ لأنه كان في عصر تفوق أهله في علم الطب جداً، وكذلك أيد سليمان ﵇ بالقصور والملك الكبير؛ لأنه كان يتعامل مع اليهود الماديين، وكذلك لما دعا بلقيس أظهر لها ما يدهشها ويذهلها.
كذلك النبي ﷺ كان له أعظم معجزة على الإطلاق، وهي القرآن الكريم؛ لأن العرب كانوا في قمة البلاغة في ذلك الوقت، ولذلك أتى بمعجزة من جنس العلم الذي تفوقوا فيه، وهكذا.
إذاً هؤلاء السحرة كانوا بارعين جداً في السحر، وفرعون بلا شك قد انتقى أكثرهم تفوقاً في علم السحر: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [الأعراف:١١٢]، فحذقهم في هذا السحر هي التي جعلتهم يؤمنون أن هذا من عند الله ، وأنها أمر إلهي، ولم يشكوا في ذلك، فكان ذلك سبباً لإيمانهم الراسخ الذي لا يزعزعه الوعيد والتهديد.
فانظر كم كان عمر إيمانهم؟ ثواني معدودة، ومع ذلك انظر كيف صمدوا أمام فرعون هذا الصمود: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢]، ولو كانوا غير عالمين بالسحر، لأمكن أن يظنوا أن العصا من جنس الشعوذة والعلم عند الله تعالى.
стр. 1635
تفسير قوله تعالى: (قال آمنتم له قبل أن آذن لكم)
قال تعالى: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [طه:٧١]، لما آمن السحرة بالله قال لهم فرعون منكراً عليهم: ((آمَنْتُمْ لَهُ)) أي: صدقتموه بأنه نبي مرسل من الله وآمنتم له قبل أن آذن لكم؟ يعني: أنهم لم يكفوا عن الإيمان حتى يأذن لهم؛ لأنه يزعم أنه لا يحق لهم أن يفعلوا شيئاً إلا بعد إذنه لهم.
فانظر إلى الأعجب من ذلك! فرعون بعدما كان يمني السحرة ويعدهم، ويقول لهم: ﴿وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء:٤٢]، ويكون لكم الحظ، فإذا به يتهم موسى ﵇ بأنه كبير السحرة، وبأنه أستاذهم الذي علمهم السحر، ثم هددهم مقسماً على أنه سيقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، اليد اليمنى والرجل اليسرى مثلاً، وهذا أشد على الإنسان من قطعهما من جهة واحدة؛ لأن قطعهما من جهة واحدة يبقى معه شق كامل صحيح بخلاف قطعهما من خلاف، فالجنب الأيمن يضعف بقطع اليد، والأيسر يضعف بقطع الرجل كما هو معلوم، وكذلك يصلبهم في جذوع النخل، وجذع النخل هو أخشن جذع من جذوع الشجر، والتصليب عليه أشد من التصليب على غيره من الجذوع كما هو معروف.
وقد بين هذا قوله ﵎: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الشعراء:٤٩]، وقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف:١٢٣ - ١٢٤]، فقوله هنا في سورة طه: ﴿وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]، هو المراد بقوله: ((لأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ)).
يعني: آية الأعراف بينت آية طه.
وقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾ [طه:٧١].
((وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا))، أنا أم رب موسى ((أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى)).
إذاً: فرعون كان يدعي أن عذابه أشد وأبقى من عذاب الله، وهذا أيضاً كقوله: ﴿قال أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وقوله: ﴿لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء:٢٩].
وقال بعضهم: ((وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا)) يعني: أنا أم موسى أشد عذاباً وأبقى، وعلى هذا فهو يتهكم بموسى؛ لأن موسى يعتقد أنه قطعاً لن يكون أقوى منه، وأنه ضعيف بالنسبة إليه، فهذا التهكم بموسى ﵇ لاستضعافه له، وأنه يقدر على أن يعذب من لم يطعه، كقوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢]، والله جل وعلا أعلم.
قال الشنقيطي: واعلم أن العلماء اختلفوا: هل فعل فيهم فرعون ما توعدهم به أو لم يفعله بهم؟ فقال قوم: قتلهم وصلبهم، وقوم أنكروا ذلك، وأظهرهما عندي أنه لم يقتلهم، وأن الله عصمهم منه لأجل إيمانهم الراسخ بالله تعالى؛ لأن الله يقول لموسى وهارون: ﴿أَنْتُمَا وَمَنْ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص:٣٥]، والعلم عند الله تعالى.
إذاً: هذا هو الشيء الوحيد الذي استند إليه العلامة الشنقيطي في هذا الترجيح؛ لأن الله قال: ﴿أَنْتُمَا وَمَنْ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص:٣٥]، فعموماً هذا الوعد من الله يقتضي أنهم غالبون، وأن فرعون لن يقتلهم ولن يصلبهم كما توعدهم.
يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً)) أي: فألقى موسى عصاه فتلقفت ما صنعوا؛ فألقي السحرة سجداً لما تيقنوا أن ذلك ليس من باب السحر، وإنما هي آية ربانية و ((قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى)) فقال فرعون: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ﴾ [طه:٧١] أي: فاتفقتم معه ليكون لكم الملك، ﴿فَلأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [طه:٧١] أي: من جانبين متخالفين، ﴿وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] أي: التي هي أقوى الأخشاب وأخشنها ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾ [طه:٧١] يعني: أنكم إنما آمنتم برب موسى خوفاً من شدة عذابه أو من تخليده في العذاب ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾ فإن رب موسى لم يقطع من أحد يده ورجله من خلاف، ولم يصلبه في جذوع النخل، ولم يبقه مصلوباً، قاله المهايمي: وضعفه الزمخشري؛ لأن فرعون يريد نفسه وموسى ﵇، بدليل قوله: ((آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ)) أي: لموسى، واللام مع الإيمان في كتاب الله لغير الله تعالى.
إذاً: قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾، فيها قولان: القول الأول: أنا أم رب هارون وموسى ((أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى)).
القول الثاني: ((َلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا)) أنا أم موسى ((أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى))، والراجح القول الثاني لقوله: ((قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ))، يقول: إن اللام مع الإيمان في كتاب الله تعالى لغير الله تعالى، يعني إذا استقرأنا القرآن الكريم لوجدنا أن فعل الإيمان حينما يتعدى باللام يكون في حق غير الله ، كما في قول إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧]، وكذلك هنا: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ [الشعراء:٤٩] يعني: صدقتم موسى ﵇، وقال ﵎ في حق النبي ﵌: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٦١]؛ فمع الله عداها بالباء، أما مع المؤمنين فقال: ((يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ)).
إذاً: تعدي فعل الإيمان باللام يكون في حق غير الله تعالى، فهذا الوجه هو الذي رجح به كون قول فرعون: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾، المقصود به: أنا أم موسى؛ لأن في السياق قبله مباشرة: ((آمَنْتُمْ لَهُ)) أي: بموسى ﵇، وقصده إظهار اقتداره وبطشه، وما جرى به من تعذيب الناس بأنواع العذاب، وتوضيع موسى ﵇ واستضعافه مع المسلمين؛ لأن موسى ما عذب أحداً ولا هدد أحداً بالتعذيب، فهو يريد أن يتهكم بموسى.
стр. 1636
تفسير قوله تعالى: (قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات)
قال تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢].
قال الشنقيطي: قوله: ((قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ)) أي: لن نختار اتباعك وكوننا من حزبك وسلامتنا من عذابك على ما جاءنا من البينات، كمعجزة العصا التي أتتنا وتيقنا صحتها.
والواو في قوله: ((وَالَّذِي فَطَرَنَا)) عاطفة على (ما) من قوله: ((عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ)) أي: لن نختارك (على ما جاءنا من البينات)، ولا على (الذي فطرنا) أي: خلقنا وأبرزنا من العدم إلى الوجود.
وقيل: هي واو القسم.
يعني: والله الذي فطرنا؛ على أنها قسم، وقيل: هي واو القسم والمقسم عليه محذوف دل عليه ما قبله، أي: ((وَالَّذِي فَطَرَنَا)) لا نؤثرك على ما جاءنا من البينات.
((فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ)) أي: اصنع ما أنت صانع فلسنا راجعين عما نحن عليه ((إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)) أي: إنما ينفذ أمرك فيها فقط، فتكون (هذه) منصوبة على الظرف على الأصح، أي: وليس فيها شيء يهم لسرعة زوالها وانقضائها.
وما ذكره جل وعلا عنهم في هذا الموضع من ثباتهم على الإيمان، وعدم مبالاتهم بتهديد فرعون ووعيده؛ رغبة فيما عند الله ، مذكور في غير هذا الموضع، كقوله في الشعراء عنهم في هذه القصة بعينها: ﴿قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٥٠]، وقال في الأعراف: ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ * وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف:١٢٥ - ١٢٦].
وقوله: ((فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ)) عائد الصلة محذوف، أي: ما أنت قاضيه؛ لأنه مخفوض بالوصف ((إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا))، على أن الأقرب هو إعراب (هذه) على أنها ظرف، يعني: يمكن أن تقضي أو تحسم فقط علينا في الدنيا ولا سلطان لك على الآخرة.
стр. 1637
تفسير قوله تعالى: (إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا)
قال تعالى: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٣].
ذكر جل وعلا في هذه الآيات الكريمة أن فرعون لعنه الله لما قال للسحرة ما قال لما آمنوا قالوا له: ((إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا))، يعنون ذنوبهم السالفة كالكفر وغيره من المعاصي ((وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ)) أي: ويغفر لنا ما أكرهتنا عليه من السحر، وهذا الذي ذكره عنهم أشار له في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في الشعراء عنهم: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٥٠ - ٥١]، وقال عنهم في الأعراف: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف:١٢٦].
وفي آية طه هذه سؤال معروف، وهو أن يقال: قولهم: ((وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ)) يدل على أنه أكرههم عليه مع أنه دلت آيات أخر على أنهم فعلوه طائعين غير مكرهين، كقوله في طه: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى * قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمْ الْمُثْلَى * فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنْ اسْتَعْلَى﴾ [طه:٦٢ - ٦٤]، فقولهم: ((فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفّاً)) صريح في أنهم غير مكرهين، وكذلك قوله عنهم في الشعراء حينما قالوا لفرعون: ﴿أَئِنَّ لَنَا لأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء:٤١ - ٤٢].
سبحان الله! هؤلاء فعلوا ما فعلوا تقرباً إلى فرعون لينالوا القربة والزلفى من فرعون على ما هو عليه، قالوا لفرعون: ((أَئِنَّ لَنَا لأَجْراً)) مكافآت وجوائز ((إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ)) ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ﴾.
وقوله في الأعراف: ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الأعراف:١١٣ - ١١٤].
إذاً: هذه الآيات تدل على أنهم كانوا غير مكرهين، فما الجواب عن هذا الإكراه المذكور في آية طه؟ قال: للعلماء عن هذا السؤال أجوبة معروفة: منها: أنه أكرههم على الشخوص من أماكنهم ليعارضوا موسى بسحرهم.
يعني هو أكرههم على القدوم والحضور من كافة البلاد في مصر كي يحضروا هذه المواجهة، قال: فهو أكرههم على الشخوص من أماكنهم ليعارضوا موسى بسحرهم، فلما أكرهوا على القدوم وأمروا بالسحر أتوه طائعين، فإكراههم بالنسبة إلى أول الأمر، وطواعهم نسبة إلى آخر الأمر، فانفكت الجهة، وبذلك ينتفي التعارض، ويدل لهذا قوله: ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الشعراء:٣٦]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الأعراف:١١١] يعني: كأن هناك قواتاً معينة ستذهب وتحضر السحرة، وتجندهم لكي ينفذوا أمر فرعون، فهذا دليل على أنهم لم يأتوا طوعاً، وإنما أرسل إليهم من يجتذبهم ويحضرهم إلى هذا الموعد.
جواب آخر: قالوا: إنه كان يكرههم على تعليم أولادهم السحر في حال صغرهم، وأن ذلك هو مرادهم بإكراههم على السحر، ولا ينافي ذلك أنهم فعلوا ما فعلوا من السحر بعد تعلمهم وكبرهم طائعين.
((وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ)) يعني: أكرهتنا صغاراً، ثم تعلموا وتخرجوا بالسحر وبعد ذلك كانوا يمارسونه.
جواب آخر: أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائماً، ففعل فوجدوا أن عصاه تحرسه، فقالوا: ما هذا بسحر الساحر؛ لأن الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى إلا أن يعارضوه، وألزمهم بذلك، فلما لم يجدوا بداً من ذلك فعلوه طائعين، وأظهرها عندي الأول، والعلم عند الله ﵎.
إذاً: أظهر هذه الأجوبة هو الجواب الأول: أنه أكرههم على الشخوص من أماكنهم ليعارضوا موسى بسحرهم، فلما أجبروا على القدوم وأمروا بالسحر أتوه طائعين، فإكراههم هو بالنسبة إلى أول الأمر، وبالنسبة إلى آخر الأمر تنفك الجهة، وبذلك انتفى التعارض، ويدل لهذا قوله: ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الشعراء:٣٦]، وقوله: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الأعراف:١١١].
وظاهر قوله: ((وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)) أن المعنى: والله خير من فرعون وأبقى منه؛ لأنه باق لا يزول، ولا يذل ولا يموت ولا يعدم كما يدل على ذلك قوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً﴾ [النحل:٥٢] أي: دائماً لا ينقطع أبداً، وغيره من الملوك يذهب عنهم ملكه، إما أن يذهب هو عن ملكه، أو يذهب الملك عنه، وآيات الله كثيرة في ذلك.
والله جل وعلا لا يزول ملكه أبداً، أما غيره من الملوك فإما أن يزول هو عن الملك أو يزول عنه الملك، وأكثر المفسرين على أن معنى قوله تعالى: ((وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)) يعني: أن ثوابه خير مما وعدهم به فرعون في قوله ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الأعراف:١١٣ - ١١٤]، فردوا على هذا بقولهم: ((وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)) وأبقى أي: أدوم؛ لأن ما وعدهم به فرعون زائل، وثواب الله باق، كما قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦]، وقال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٦ - ١٧].
وفسر بعض العلماء قوله: ((وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)) خير ثواباً، وأبقى عذاباً من عذابك وأدوم منه؛ فهو الأجدر بأن نخافه، ونشفق منه، ونفر منه، وعليه فهو رد لقول فرعون: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾، ومعنى أبقى: أكثر بقاء.
стр. 1638
تفسير قوله تعالى: (إنه من يأت ربه مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا)
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [طه:٧٤].
(إنه) هذه هاء الأمر أو الشأن ((مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ)) يعني: يوم القيامة ((مُجْرِماً)) يعني: في حال كونه مجرماً، أي: مرتكباً للجريمة في الدنيا حتى مات على ذلك كالكافر عياذاً بالله تعالى ((فَإِنَّ لَهُ)) أي: عند الله ((جَهَنَّمَ)) يعذب فيها ((لا يَمُوتُ)) يعني: لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياة فيها راحة؛ لأنه إذا مات يستريح، فيكون أعظم أمنية عندهم أن يموتوا، لكن الموت يذبح وينتهي، ويقال: خلود ولا موت، ((وَلا يَحْيَا)) حياة هنيئة، وإنما يحيا حياة العذاب والشقاء، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر:٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم:١٥ - ١٧]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [الأعلى:١١ - ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]، فأعظم أمنية لأهل النار هي أن يموتوا، فيجيبهم مالك خازن النار فيقول لهم: ((إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ)) لا أمل لكم في الخروج على الإطلاق ((إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ))، ونظير ذلك من كلام العرب قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد فقهاء المدينة السبعة: ألا من لنفس لا تموت فينقضي شقاها ولا تحيا حياة لها طعم
стр. 1639
تفسير قوله تعالى: (ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى)
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الدَّرَجَاتُ الْعُلا﴾ [طه:٧٥].
((وَمَنْ يَأْتِهِ)) يوم القيامة في حال كونه مؤمناً ((قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ)) أي: في الدنيا حتى مات على ذلك ((فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ)) أي: عند الله ((الدَّرَجَاتُ الْعُلا)) والعلا: جمع عليا، وهي تأنيث الأعلى، وورد هذا المعنى في قوله أيضاً: ﴿وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٢١]، وقال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام:١٣٢]، ونحو ذلك من الآيات.
يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ)) أي: لن نختارك بالإيمان والاتباع (على ما جاءنا) أي: من الله على يد موسى ((مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا)) أي: وهذا الذي خلقنا، واختيار هذا الوقف للإشعار بعلة الحكم، فلم يقولوا مثلاً: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ وعلى ربنا، أو: وعلى الله، وإنما قالوا: ((وَالَّذِي فَطَرَنَا)) يعني: لن نؤثرك على الذي فطرك، فاختيار الوقف على أن الله الذي خلقهم وفطرهم للإشعار بعلة الحكم؛ فإن خالقيته تعالى لهم، وكون فرعون من جملة مخلوقاته، مما يوجب إيثارهم عليه ، وهذا جواب منهم لتوبيخ فرعون بقوله: ﴿آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [الأعراف:١٢٣]، فأجابوا بقولهم: ((قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا)) يعني: هو الذي خلقنا، فهو أحق أن نؤمن به، أما أنت فلست سوى مخلوق مثلنا، فكيف نعبدك؟! وكيف نحتاج إلى إذنك قبل أن يدخل الإيمان قلوبنا؟! وقيل: إن قوله: ((وَالَّذِي فَطَرَنَا)) قسم محذوف الجواب، ((فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ)) أي: اصنع ما أنت صانع، وهذا جواب عن قوله لهم: ﴿لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [الأعراف:١٢٤].
((إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)) أي: تقضي في هذه الحياة الدنيا، وهي لا بقاء لها، ولا سلطان لك بعدها، وإنما نريد الآخرة: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٣] أي: خير وأبقى ثواباً، ((إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا)) يعني: فينقضي عذابه (ولا يحيا) أي: حياة طيبة.
﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الدَّرَجَاتُ الْعُلا﴾ [طه:٧٥] أي: المنازل الرفيعة بسبب إيمانهم وعملهم الصالح.
стр. 1640
تفسير قوله تعالى: (جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى)
قال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه:٧٦] أي: تطهر من دنس الكفر والمعاصي بما ذكر من الإيمان والأعمال الصالحة.
ثم ذكر القاسمي رحمه الله تعالى بعض اللطائف فيقول: اللطيفة الأولى: في تخيير السحرة بين إلقاء موسى وإلقائهم ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ [طه:٦٥] استعمال أدب حسن معه، فهم تأدبوا مع موسى ﵇، وفيه أيضاً تواضع له وخفض جناح، وربما ببركة هذا الأدب مع موسى هداهم الله سبحانه وشرح قلوبهم للإيمان، فتأدبوا معه مع ما كان تقتضيه الخصومة والمواجهة.
وفيه تنبيه على إعطائهم النصفة من أنفسهم، وكأن الله عز وعلا ألهمهم ذلك، وعلَّم موسى صلوات الله عليه اختيار إلقائهم ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾، مع ما فيه من مقابلة أدب بأدب حينما قال: ((بَلْ أَلْقُوا))، حتى يخرجوا ما معهم من مكايد السحر، ويستنفذوا أقصى مجهودهم، فإذا فعلوا أظهر الله سلطانه، وقذف بالحق على الباطل فيدمغه، وقذف المعجزة على السحر فمحقه، وكانت آية نيرة للناظرين، وعبرة بينة للمعتبرين، وقبل ذلك تأدبوا معه بقولهم: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ﴾ [طه:٥٨]، ففوضوا ضرب الموعد إليه، وكما ألهم الله موسى ها هنا أن يجعلهم مبتدئين بما معهم ليكون إلقاؤه العصا قذفاً بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، كذلك ألهمه أن يجعل موعدهم يوم زينتهم وعيدهم ليكون الحق أبلج على رءوس الأشهاد، فيكون أفضح بكيدهم، وأهتك لستر حرمهم.
اللطيفة الثانية: قوله تعالى: ((مَا فِي يَمِينِكَ))، ما الحكمة من أن اللفظ الكريم آثر: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ [طه:٦٩]، ولم يقل: وألق عصاك تلقف ما صنعوا؟ المشهور قولان: القول الأول: أن هذا لتعظيم العصا.
القول الثاني: أن هذا لتحقير العصا.
الوجه الأول: أن يكون تعظيماً لها، والإبهام وهو يستعمل أحياناً للتعظيم أو للتحقيق، فالاحتمال الأول: أنه أريد بذلك تعظيم العصا ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ يعني: العصا العظيمة التي في يمينك، أي: لا تبالي بهذه الأجرام الكبيرة، وهذه العصي التي ألقوها وهي كثيرة وكبيرة، فإن ما في يمينك شيء أعظم منها كلها، وهذه على كثرتها أقل شيء، فألق ما في يمينك يتلقفها بإذن الله ويمحقها.
الوجه الثاني: أن يكون تصغيراً لها: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ يعني: ألق هذا الشيء الحقير الذي في يمينك، وهو عصا صغيرة هي فرع من شجرة، أي: لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم وألق الشيء الصغير الذي في يمينك؛ فإنه بقدرة الله يتلقفها على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها، وإنما المقصود بتحقيرها في جنب القدرة تحقير كيد السحرة بطريق الأولى، فتحقير العصا على هذا الوجه ليس تحقيراً لآيات الله ، بل المقصود من ذلك تحقير كيد السحرة، فهذه العصا الهينة الصغيرة أبطلت هذا السحر العظيم الذي أتوا به؛ لأنها إذا كانت أعظم منة وهي حقيرة في جانب قدرة الله تعالى؛ فما الظن بكيدهم وقد تلقفته هذه الحقيرة الضئيلة؟ ففي الحقيقة يئول الأمر إلى تحقير السحر الذي أتوا به، وأنه سحر حقير إلى حد أن مثل هذه العصا الضئيلة بقدرة الله تلقفته وأبطلت كيدهم وسحرهم! ولأصحاب البلاغة طريق في علو المدح بتعظيم جيش عدو الممدوح، فقد كان علماء البلاغة والذين يتذوقون البلاغة حق التذوق لهم أساليب، فإذا أرادوا أن يمدحوا أنفسهم بعد الانتصار على العدو وجيشه فيظل يمدح أحدهم هذا الجيش وهو في الحقيقة يمدح نفسه أو يمدح جيشه، فإن كان هذا الجيش بهذه القوة وبهذه الإمكانات والعدة والعتاد، وفيه الشجعان وكذا وكذا، ثم هزم أمام جيشنا؛ فإن هذا يتضمن مدح جيشنا في الحقيقة، فهذا أسلوب من أساليب العرب.
يقول: ولأصحاب البلاغة طريق في علو المدح بتعظيم جيش عدو الممدوح، ويلزم من ذلك تعظيم شيء ممدوح قهره واستولى عليه، فكسر الله أمر العصا ليلزم منه كيد السحرة الداحض بها في طرفة عين، فدحض السحرة بالعصا الصغيرة التي ذكرها الله هنا بقوله: ((مَا فِي يَمِينِكَ)) يعني: كأنه شيء ما يستحق أن يذكر لصغره، لكن مع صغرها دحضت سحرهم وأبطلته في طرفة عين، فكيف بكيد السحرة أنفسهم؟ لا شك أنه أحقر، لأنه هو الذي هزم.
واعلم أنه لابد من نكتة تناسب الأمرين: التعظيم والتحقير، وتلك -والله تعالى أعلم- هي إرادة المذكور مبهماً؛ لأن ما في يمينك أبهم من عصاك، وللعرب مذهب في التنكير والإبهام والإجمال تسلكه مرة في تحقير شأن ما أخذته، وأنه عند الناطق به أهون من أن يذكره ويوضحه، ومرة لتعظيم شأنه، وليوهم أنه من عناية المتكلم والسامع بمكان، فيكفي فيه الرمز والإشارة، فهذا هو الوجه المناسب لهما جميعاً.
ثم قال الناصر: وعندي في الآيات وجه سوى قصد التعظيم والتحقير والله تعالى أعلم، وهو: أن موسى ﵇ أول ما علم أن العصا من الله ﵎ آية، وذلك عندما سأله عنها، وقد قال الله تعالى له في أول موقف علم فيه موسى أن العصا آية من آيات الله التي يؤيده بها: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٧] ثم أظهر الله له تعالى آيتها.
فلما دخل وقت الحاجة إلى ظهور الآية منها، قال تعالى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ يذكره بكلمة (يمينك)، ليتيقظ بهذه الصيغة للوقت الذي قال الله تعالى له: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ [طه:١٧]، وقد أظهر له آيتها فيكون ذلك تنبيهاً له وتأنيساً حيث خوطب بما عهد أن يخاطب به وقت ظهور آيتها، وذلك مقام يناسب التثبيت والتأنيس، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ [طه:٦٧ - ٦٩] إذاً: هذا تأنيس لموسى وإذهاب للوحشة والخوف منه، حيث يذكره بكلمة: (بيمينك)، فإنه قيل له ذلك من قبل ثم ظهر له أنها آية.
ولـ أبي حيان نكتة أخرى، وهي ما في اليمين من الإشعار باليمن والبركة، فاليمين مرتبطة دائماً باليُمن والبركة.
стр. 1641
تفسير قوله تعالى: (ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي)
أشار تعالى إلى عنايته بموسى وقومه من إنجائهم وإهلاك عدوهم، فقال : ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى * فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنْ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ * وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه:٧٧ - ٧٩].
((وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي)) أي: سر بهم من مصر ليلاً ((فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً)) أي: يابساً، فضرب موسى بعصاه البحر فانفلق وجاوزه إلى ساحله، ((لا تَخَافُ دَرَكاً)) أي: لا تخاف من فرعون وجنوده أن يدركوك من ورائك، ((وَلا تَخْشَى)) أي: غرقاً من بين يديك.
إذاً: قوله ((لا تَخَافُ دَرَكاً)) من الخلق أن يلحقوك ويدركوك، ((وَلا تَخْشَى)) مما أنت عليه من الحال بين يديك، وهو الغرق في البحر، ((لا تَخَافُ دَرَكاً)) لا من خلفك ولا من أمامك، ولا تخشى غرقاً.
يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أوحى إلى نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: أن يسري بعباده -وهم بنو إسرائيل- فيخرجهم من قبضة فرعون ليلاً، وأن يضرب لهم طريقاً في البحر يبساً، أي: يابساً لا ماء فيه ولا بلل، وأنه لا يخاف دركاً من فرعون وراءه أن يناله بسوء، ولا يخشى من البحر أمامه أن يغرق قومه، وقد أوضح هذه القصة في غير هذا الموضع، كقوله في سورة الشعراء: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء:٥٢ - ٦٣] جبل من الماء هنا، وجبل من الماء نفسه هنا، وكلاهما وقف بقدرة الله كالحائط! ﴿كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء:٦٣]؛ لأن البحر عميق، فالماء وقف كما يقف الجدار من الجانبين، ثم انكشف لهم القاع، ومشوا عليه، والماء منصوب بقدرة الله ! وهذه آية من آيات الله ، أما الآية العظمى الأخرى -والله تعالى أعلم- فهي أن فرعون أعمى الله عقله فسيطر عليه الغرور والكبر إلى آخر لحظة في حياته، ومع كل هذا لا يقول: آمنت بالله ، وهو يرى هذه الآية وهم يمشون والماء واقف من الجانبين، وقد انكشف لهم القاع، فمع أنه يرى هذه الآية، فللكبر والعتو يمضي وراءهم ويطاردهم داخل هذا البحر إلى أن نجى الله موسى ومن معه، ثم انطبق البحر على فرعون وجنوده وأغرقهم.
قال: فقوله في الشعراء: ﴿أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ﴾ [الشعراء:٦٣] أي: فضربه، فانفلق يوضح معنى قوله: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾، وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦١ - ٦٢]، يوضح معنى قوله: ((لا تَخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى))، وقد أشار إلى ذلك في سورة الدخان في قوله ﵎: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ * فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان:٢٢ - ٢٤]، إلى غير ذلك من الآيات.
وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية: ((فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً)) أي: فاجعل لهم طريقاً، من قولهم: ضرب له في ماله سهماً، وضرب اللبن عمله.
اليبس مصدر وصف به، يقال: يبس يبساً ويبيساً ونحوهما العدم، ومن ثم وصف به المؤنث فقيل: شاتنا يبس، وناقتنا يبس: إذا جف لبناها.
وقوله: ((لا تَخَافُ دَرَكاً)) الدرك اسم مصدر بمعنى الإدراك، أي: لا يدركك فرعون وجنوده ولا يلحقونك من ورائك، ولا تخشى من البحر أمامك، وعلى قراءة الجمهور: (لا تخاف) فالجملة حال من الضمير في قوله: (تضرب) أي: تضرب لهم طريقاً في حال كونك غير خائف دركاً ولا خاش.
стр. 1642
تفسير قوله تعالى: (فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم)
قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنْ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه:٧٨].
((فَأَتْبَعَهُمْ)) أي: اتبعهم، والمعنى: أن موسى لما سرى ببني إسرائيل ليلاً أتبعهم فرعون وجنوده (فغشيهم من اليم) أي: من البحر ما غشيهم، أي: أغرق الله فرعون وجنوده في البحر فانتهوا عن آخرهم، ووضح ذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الشعراء:٥٢] يعني: سيتبعكم فرعون وجنوده، ثم بين كيفية اتباعه لهم فقال: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء:٥٣ - ٦٠]، كان هذا في وقت شروق الشمس، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦١ - ٦٢]، فقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء:٦٠] أي: أول النهار عند إشراق الشمس، وقال أيضاً: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً﴾ [يونس:٩٠]، وقال في الدخان: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان:٢٣]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اتباعه لهم.
أما إغراقه فقال تعالى عنه هنا: ((فَغَشِيَهُمْ مِنْ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ))، وقال في الشعراء: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٦٣ - ٦٧]، وقال في الأعراف: ﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [الأعراف:١٣٦]، وقال في الزخرف: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الزخرف:٥٥]، وقال في البقرة: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمْ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة:٥٠]، وقال في يونس: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠]، وقال في الدخان: ﴿وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان:٢٤]، والتعبير باسم المبهم (ما) الذي هو الموصول بقوله تعالى: ((فَغَشِيَهُمْ مِنْ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ)) يدل على تعظيم الأمر وتفخيم شأنه، ونظيره في القرآن: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم:١٦]، وقال أيضاً: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النجم:٥٣ - ٥٤]، وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠]، فالإبهام هنا للتعظيم، واليم: البحر، والمعنى: فأصابهم من البحر ما أصابهم، وهو الغرق والهلاك المستأصل.
﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ يعني: أن فرعون أضل قومه عن طريق الحق وما هداهم إليه، وهذه الآية الكريمة بين الله فيها كذب فرعون في قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩]، فالآية ترد عليه: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾، ما كان عنده هدى ولا رشاد إنما أضلهم وأهلكهم.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود:٩٦ - ٩٧]، وهو الذي كان يدعي ويقول: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩]، وهم قالوا في طريقتهم: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمْ الْمُثْلَى﴾ [طه:٦٣] أي: أحسن منهج وطريق.
﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود:٩٧ - ٩٨] فالنكتة البلاغية في حذف المفعول في قوله ﵎: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾، ولم يقل: (وما هداهم)، هي مراعاة فواصل الآيات، ونظيره في القرآن قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:٣] المقصود بها: (وما قلاك)، ولكن قال: (وما قلى) مراعاة لهذه الفواصل.
يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ))؛ لأنه ندم على الإذن بتسريحهم من مصر، وأنهم قهروه على قلتهم، كما قال: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ [الشعراء:٥٤ - ٥٥]؛ فتبعهم ومعه جنوده حتى لحقوهم ونزلوا في الطريق الذي سلكوه؛ ففاجأهم الموج، كما قال تعالى: ((فَغَشِيَهُمْ مِنْ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ)) أي: علاهم منه وغمرهم ما لا يحاط بهوله.
﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ أي: أوردهم الهلاك بعتوه وعناده في الدنيا والآخرة وما هداهم سبيل الرشاد.
стр. 1643
تفسير سورة طه [٨٠ - ٩٤]
стр. 1644
تفسير قوله تعالى: (يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم)
ذكر ﵎ نعمه على بني إسرائيل ومننه الكبرى، وما وصاهم من المحافظة على شكرها، وحذرهم من التعرض لغضبه بكفرها، فقال : ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى * كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى * وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٠ - ٨٢].
قوله تعالى: ((يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ))، وهو فرعون وقومه، فقد كانوا: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة:٤٩]، وذلك بأن أقر أعينكم منهم بإغراقهم وأنتم تنظرون.
((قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ)) أي: لمناجاة موسى وإنزال التوراة عليهم، واليهود السامرية يعتقدون أن هذا الجبل في نابلس، ويسمونه جبل الطور، ولهم عيد سنوي يقعدون فيه، ويقربون فيه القرابين، والمعروف أن هذا الجبل هو جبل معروف في طور سيناء، والله تعالى أعلم.
وأصل هذه المواعدة كانت لموسى ﵇، وبعد ذلك خاطب الله بها بني إسرائيل في سياق الامتنان عليهم بهذه المعاتبة ﴿وَواعَدْنَاكُمْ﴾، مع أن الأصل أنه واعد موسى ﵇، فيقول الزمخشري: إنما عدى المواعدة إليهم؛ لأنها لابستهم واتصلت بهم حيث كانت لنبيهم ونقبائهم، وإليهم رجعت منافعها التي قام بها دينهم وشرعهم، وفيما أفاض عليهم من سائر نعمه وأرزاقه.
((جَانِبَ)) مفعول فيه أو مفعول به على الاتساع، أو بتقدير مضاف، يعني: وواعدناكم إذ كان جانب الطور الأيمن: ((وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى)) * ((كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)) يعني: من بدائله؛ فإن المن كالعسل، والسلوى من الطيور الجيد لحمها.
((وَلا تَطْغَوْا فِيهِ)) أي: فيما رزقناكم بأن تتعدى فيه حدود الله، ويخالف ما أمر به.
((فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى)) أي: فقد هلك.
قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ((وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ)): الأظهر أن ذلك الوعد هو المذكور في قوله : ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف:١٤٢]، وقوله: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة:٥١]، وقوله: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾ [طه:٨٦]، وهو الوعد بإنزال التوراة.
وقوله هنا: ((وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى))، قد أوضح امتنانه عليهم بذلك في غير هذا الموضع من القرآن كقوله في البقرة: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة:٥٧]، وقوله في الأعراف: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمْ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [الأعراف:١٦٠].
وأكثر العلماء على أن المن هو الترنجبين، وهو شيء ينزل من السماء كنزول الندى ثم يتجمد، وهو يشبه العسل الأبيض.
ويسمونه الآن في العراق وتركيا ماء السماء، يجمع من فوق أوراق الأشجار في الصباح، وهو مثل البودرة، ثم يجمع ويتفننون في إضافة المواد عليه.
يقول: وهو شيء ينزل من السماء كنزول الندى، ثم يتجمد، وهو يشبه العسل الأبيض، والسلوى طائر يشبه السُّمانى، وقيل: هو السماني، وهذا قول الجمهور في المن والسلوى، وقيل: السلوى العسل، وأنكر بعضهم إطلاق السلوى على العسل.
والتحقيق: أن السلوى يطلق على العسل لغة، ومنه قول خالد بن زهير الهذلي: وقاسمها بالله جهداً لأنتم ألذ من السلوى إذا ما نشورها يعني: ألذ من العسل إذا ما نستخرجها؛ لأن النشور استخراج العسل، قال مؤرج بن عمر السدوسي: إطلاق السلوى على العسل لغة كناية، سمي به لأنه يسلي، قاله القرطبي؛ إلا أن أكثر العلماء على أن ذلك ليس هو المراد في الآية، يعني: ليس المراد في الآية العسل، وإن كان لغة يطلق السلوى على العسل.
قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: والأظهر عندي في المن: أنه اسم جامع لما يمن الله به على عبده من غير كسب ولا تعب، فيدخل فيه الترنجبين الذي من الله به على بني إسرائيل في التيه، ويشمل غير ذلك مما يماثله، ويدل على هذا قوله ﷺ الثابت في الصحيحين: (الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين) يعني: مما امتن الله به على عباده، وكثير من الناس يقولون: إن الكمأة هي النبات المشهور الآن بعش الغراب، وفوائدها الصحية كثيرة جداً.
قوله ﵊: (الكمأة من المن) يعني: مما امتن الله به على عباده.
فمنه الكمأة، ومنه أيضاً المن الذي هو العسل، وماؤها شفاء للعين.
يقول: والأظهر عندي في السلوى: أنه طائر، سواء قلنا: إنه السمانى أو طائر يشبهه؛ لإطلاق جمهور العلماء من السلف والخلف على ذلك، مع أن السلوى يطلق لغة على العسل كما بينا.
وقوله في آية طه هذه: ((كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)) أي: من المن والسلوى، والأمر فيه للإباحة والامتنان.
وقوله تعالى: ((كُلُوا)) يقدر قبلها: وقلنا لهم: كلوا من طيبات ما رزقناكم، ((وَلا تَطْغَوْا فِيهِ))، الضمير المجرور في قوله تعالى: ((وَلا تَطْغَوْا فِيهِ)) راجع إلى الموصول الذي هو (ما) في قوله: ((كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)).
((وَلا تَطْغَوْا فِيهِ)) أي: لا تطغوا فيما رزقناكم.
ونهاهم عن الطغيان فيما رزقهم، وهو: أن يتعدوا حدود الله فيه بأن يكفروا نعمته به، ويشغلهم اللهو والنعيم عن القيام بشكر نعمه، وأن ينفقوا رزقه الذي أنعم عليهم به في المعاصي، أو يستعينوا به على المعصية، أو يمنعوا الحقوق الواجبة عليهم فيه، ونحو ذلك، فهذا كله من الطغيان فيما رزقنا الله، وبين أن ذلك يسبب لهم أن يحل عليهم غضبه جل وعلا؛ لأن الفاء في قوله تعالى: ((فَيَحِلَّ)) فاء سببية والفعل منصوب بأن مضمرة بعدها؛ لأنه بعد النهي وهو طلب محض.
وقرأ الكسائي هذا الحرف ((فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي)) بضم الحاء (فيحُل).
((وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى)) أي: هلك وصار إلى الهاوية، وأصله أن يسقط من جبل أو نحوه فيهوي إلى الأرض فيهلك، ومنه قول الشاعر: هوى من رأس مرقبة ففتت تحتها كبده ويقولون: هوت أمه، أي: سقط سقوطاً لا نهوض بعده.
واعلم أن الغضب صفة وصف الله بها نفسه إذا انتهكت حرماته، وتظهر آثارها في المغضوب عليهم؛ نعوذ بالله من غضبه جل وعلا! ونحن معاشر المسلمين نمرها كما جاءت، فنصدق ربنا في كل ما وصف به نفسه، ولا نكذب بشيء من ذلك، مع تنزيهنا التام له جل وعلا عن مشابهة المخلوقين عن ذلك علواً كبيراً كما أوضحنا ذلك غاية الإيضاح في سورة الأعراف.
قرأ حمزة والكسائي هذه الآية: (قد أنجيتكم من عدوكم وواعدتكم جانب الطور الأيمن) بتاء المتكلم فيهما، وقرأه الباقون (وواعدناكم) (وأنجيناكم) بالنون الدالة على العظمة.
قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢] أي: تاب عما كان فيه من كفر أو شرك أو معصية أو نفاق ((وَعَمِلَ صَالِحاً)) بجوارحه ((ثُمَّ اهْتَدَى)) أي: استقام وثبت على الهدى المذكور، وهو التوبة والإيمان والعمل الصالح، ونحوه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] وفي الآية ترغيب لمن وقع في وحشة الطغيان ببيان المخرج له كي لا ييئس: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾.
وقوله: ((إِنِّي لَغَفَّارٌ)) أي: كثير المغفرة لمن تاب إليه من معاصيه وكفره، وآمن به وعمل صالحاً ثم اهتدى، وقد أوضح الله هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]، وقال في حق الذين سبوه وشتموه وقالوا: إنه ثالث ثلاثة، مرغباً لهم في التوبة عن ذلك الشرك: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٧٤]، وقال أيضاً: ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣]، يعني: لمن تاب ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَه﴾ [الزمر:٥٣ - ٥٤]، إلى غير ذلك من الآيات، وقد قدمنا معنى التوبة والعمل الصالح.
стр. 1645
تفسير قوله تعالى: (وما أعجلك عن قومك يا موسى)
قال ﵎: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٨٣] أي: أي شيء عجل بك عنهم، على سبيل الإنكار؛ فالله أنكر على موسى ﵇ أنه تقدم بين يدي من كانوا معه من نقباء بني إسرائيل، وعجل شوقاً إلى كلام ربه ولقائه.
فقوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى﴾، إنكار من الله لتعجل موسى عن قومه، وكان قد مضى مع النقباء الذين اختارهم من قومه إلى الطور على الموعد المطلوب، ثم تقدمهم شوقاً إلى كلام ربه ورضاه.
﴿قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤].
((قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي)) أي: قادمون ينزلون بالطور، وإنما سبقتهم بما ظننت أنه خير، ولذا قال: ((وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)) أي: ظننت أن تقدمي بين أيديهم وسبقي إياهم إليك مما يرضيك عني للمسارعة إلى الامتثال بأمرك، واعتنائي بالوفاء بعهدك، وزيادة (رب) لمزيد الضراعة والابتهال ورغبة في قبول العذر، ((وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)) يعني: يا رب لترضى، ويعتبر هذا براً منه ﵇ وابتهالاً إلى الله ، عسى أن يتقبل عذره بعدما أنكر الله عليه تعجله في لقائه قبل قومه.
قال الناصر: إنما أراد الله تعالى بسؤاله عن سبب العجلة: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى﴾ وهو أعلم أن يعلم موسى أدب السفر، وهو: أنه ينبغي تأخر رئيس القوم عنهم في المسير، كما كانت سنة النبي ﷺ ، فقد كان يجعل أصحابه بين يديه ويتأخر هو عنهم في مؤخرة المجموعة التي يصحبها، فكأن الله أراد أن يؤدب موسى بهذا الأدب، وهو أنه كان ينبغي أن تتأخر فأنت رئيس القوم، وذلك ليكون نظره محيطاً بطائفته، وقد كانت الملائكة تتبع النبي ﵌؛ ولذا كان يتأخر، وكذلك لأنه إذا كان في مؤخرتهم فإنه يحيط نظره بهم جميعاً، فيرى من كان مريضاً أو من أصابه شيء، أو من ارتد عن المجموعة، فيكون نظره محيطاً بطائفته، ونافذاً فيهم، ومهيمناً عليهم، وهذا المعنى لا يحصل في تقدمه عليهم، ألا ترى الله كيف علم هذا الأدب لوطاً ﵇ في قوله: ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ [الحجر:٦٥] يعني: اجعلهم يمشون أمامك وكن أنت خلفهم، فأمره أن يكون آخرهم، على أن موسى ﵇ إنما فعل هذا الأمر مبادرة إلى رضاء الله ، يعني: موسى ﵇ ضحى بهذا الأدب لشدة شوقه إلى لقاء ربه، وكان يحسب أن في ذلك إرضاءاً لله في مبادرته إليه ومسارعته إلى الميعاد، وذلك شأن الموعود بما يطلبه، وهذه طبيعة فيمن عنده موعد مع من يحب أو موعد يسره، فلو استطاع أن يطير قبل الموعد لسارع إلى ذلك، ولا أسرَّ من مواعدة الله ﵎ لموسى ﵇ الذي ذاق طعم مناجاة الله من قبل، فكان في أشد الشوق إلى لقاء الله وحضور موعده .
قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٣ - ٨٤]: أشار جل وعلا في هذه الآية الكريمة إلى قصة مواعدته موسى أربعين ليلة، وذهابه إلى الميقات، واستعجاله إليه قبل قومه، وذلك أنه لما واعده ربه وجعل له الميقات المذكور، وأوصى أخاه هارون أن يخلفه في قومه؛ استعجل إلى الميقات، فقال له ربه: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى﴾، وهذه القصة التي أجملها هنا أشار إليها ﵎ في غير هذا الموضع، كقوله في الأعراف: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ * وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٢ - ١٤٣].
وفي هذه الآية سؤال معروف، وهو: أن جواب موسى ليس مطابقاً للسؤال الذي سأله ربه؛ لأن السؤال عن السبب الذي أعجله عن قومه، والجواب لم يأت مطابقاً لذلك؛ لأنه أجاب بقوله: ﴿قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾.
وأجيب عن ذلك بأجوبة منها: أن قوله: ((هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي)) يعني: هم قريب وما تقدمتهم إلا بقدر يسير يغتفر مثله، فكأني لم أتقدمهم ولم أعجل عنهم لقرب ما بيني وبينهم.
هذا هو الجواب الأول.
الجواب الثاني: أن الله جل وعلا لما خاطبه بقوله: ((وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ))، داخله ﵇ من الهيبة والإجلال والتعظيم لله جل وعلا ما أذهله عن الجواب المطابق، والله تعالى أعلم.
في قوله تعالى: ﴿قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ أدب المؤمن، وهو المسارعة إلى مرضاة الله ، والإنسان متى ما عرف أن رضا الله في شيء فعليه أن يسارع إلى هذا الشيء، ويشهد لهذا المعنى آيات كثيرة في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وكذلك في سورة الحديد: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١]، وقوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠]، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠]، وقوله: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، ومن الآيات التي تمثل هذا المعنى قوله تعالى: ((وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى))، فإن كان عليه ذنب فليعجل التوبة ولا يسوفها؛ لأن تأخير التوبة ذنب يجب التوبة منه؛ فيجب على الإنسان التوبة على الفور، فكلما أخر التوبة فإنه يكتسب ذنباً جديداً.
стр. 1646
تفسير قوله تعالى: (قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك)
قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ﴾ [طه:٨٥].
((قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ)) أي: ابتليناهم بعد ذهابك للمناجاة، ((وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ)) يعني: اليهودي الذي وسوس لهم أن يعبدوا عجلاً يتخذوه إلهاً لما طالت عليهم غيبة موسى، ويئسوا من رجوعه، والسامري في لغة العرب بمعنى اليهودي، وقد قال بالظن من ادعى تسميته أو حاول تعيينه، فلا يسأل أحد: من هو هذا السامري؟ فلم يصح شيء في تسمية السامري، لكنه رجل من اليهود، وأما الطائفة السامرية الآن فهم فئة من اليهود في نابلس قليلة العدد تخالف بقية اليهود في جل عاداتها.
((قَالَ فَإِنَّا)) خبر ((قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ))، والآية إخبار من الله لموسى بوقوع قومه في الفتنة، لكن في الحقيقة يراد بهذا الخبر الأمر برجوعه لقومه وإصلاح ما فسد؛ فكأن المعنى: فارجع إليهم يا موسى وأصلح ما فسد من حالهم، وذلك جاء في قوله: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً﴾ [طه:٨٦]، رجع لأنه فهم من هذا الخبر أنه أمر بالرجوع إليهم لإصلاح ما فسد من أحوالهم.
﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً﴾ أي: حزيناً ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾ [طه:٨٦] أي: بإنزال التوراة عليه ورجوعه بها إليهم، ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمْ الْعَهْدُ﴾ [طه:٨٦]، أفطال عليكم زمان الإنجاء، ((أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي))، أي: وعدكم إياي بالثبات على ما أمرتكم به إلى أن أرجع من الميقات.
يقول الشنقيطي: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ﴾، كلمة الفتنة في اللغة تأتي بمعان كثيرة منها: الاختبار، والعذاب، والإضلال، والمقصود بها هنا فتنة الإضلال؛ لأنه قال: ((فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ))، فالظاهر أن الفتنة المذكورة هي عبادتهم العجل فهي فتنة إضلال، كقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف:١٥٥]، فهذه الفتنة في عبادة العجل جاءت مبينة في آيات متعددة، كقوله تعالى: ﴿ووَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة:٥١].
فقوله هنا: ((وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ))، أوضح كيفية إضلاله لهم في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف:١٤٨]، إلى قوله: ((اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ)) أي: اتخذوه إلهاً، وقد صنعه السامري لهم من حلي القبط فأضلهم بعبادته، وقوله هنا: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ [طه:٨٧]، يشرح معنى: ((وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ))، أي: كيف أضلهم! قال موسى في الآيات: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه:٨٨].
والسامري قيل: اسمه هارون، وقيل: اسمه موسى بن ظفر، وعن ابن عباس: أنه من قوم كانوا يعبدون البقر، وقيل: كان رجلاً من القبط، وكان جاراً لموسى آمن به وخرج معه، وقيل: كان عظيماً من عظماء بني إسرائيل من قبيلة تعرف بالسامرة، وهم معروفون بالشام، قال سعيد بن جبير: كان من أهل كرمان.
والفتنة أصلها في اللغة وضع الذهب في النار ليتبين أهو خالص أم زائف، وقد أطلقت في القرآن إطلاقات متعددة، منها: الوضع في النار، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات:١٣] أي: يحرقون بها، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج:١٠] يعني: الذين أحرقوهم بنار الأخدود.
ومنها: الاختبار، وهو الأغلب في استعمال الفتنة، كقوله تعالى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال:٢٨]، وقوله: ﴿وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [الجن:١٦ - ١٧].
ومنها: نتيجة الاختبار إذا كانت سيئة، ومن هنا أطلقت الفتنة على الشرك، كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة:١٩٣]، وقوله هنا: ((فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ)) أي: أضللناهم.
ومنها أيضاً الحجة، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣] أي: لم تكن حجتهم.
فقوله هنا: ((وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ))، أسند إضلالهم إلى السامري؛ لأنه هو الذي تسبب فيه بصياغته لهم العجل من حلي القبط ورمى عليه التراب الذي مسه حافر الفرس التي جاء عليها جبريل؛ فجعله الله بسبب ذلك عجلاً جسداً له خوار، كما قال تعالى في هذه السورة الكريمة: ((فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ)) * ((فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ))، وقال في الأعراف: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف:١٤٨]، والخوار: صوت البقر، قال بعض العلماء: جعل الله بقدرته ذلك الحلي المصوغ جسداً من لحم ودم، وهذا هو ظاهر قوله: ﴿عِجْلاً جَسَداً﴾ [الأعراف:١٤٨].
وقال بعض العلماء: لم تكن تلك الصورة لحماً ولا دماً، ولكن إذا دخلت فيها الريح صوتت كخوار العجل، فهو صنع العجل على هيئة فيها تجويف تدخل منها الريح وتخرج، فإذا دخلت من مكان تخرج من الناحية الأخرى مصدرة صوت العجل، وهو خوار العجل.
قال: والأول أقرب لظاهر الآية؛ فهم فتنوا بأن حولت لهم صورة العجل إلى عجل حقيقي بلحم ودم، فالله تعالى قادر على أن يجعل الجماد لحماً ودماً كما جعل آدم لحماً ودماً وكان طيناً، لكن ترجيح مثل هذا يحتاج إلى دليل إلا أن يقال: إن الدليل هو قوله: (جسداً)، والله تعالى أعلم.
стр. 1647
تفسير قوله تعالى: (فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً)
قال تعالى: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً﴾ [طه:٨٦].
يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن موسى رجع إلى قومه بعد مجيئه للميقات في حال كونه في ذلك الرجوع غضبان أسفاً على قومه من أجل عبادتهم العجل، فقوله: ((أَسِفاً)) أي: شديد الغضب، فالأسف هنا شدة الغضب، وعلى هذا فقوله: ((غَضْبَانَ أَسِفاً)) أي: غضبان شديد الغضب، ومن إطلاق الأسف على الغضب في القرآن الكريم قوله تعالى في الزخرف: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الزخرف:٥٥]، لما آسفونا أي: لما أغضبونا، فلما أغضبونا بتماديهم في الكفر مع توالي الآيات عليهم انتقمنا منهم.
قال الشنقيطي: وقوله: ((غَضْبَانَ أَسِفاً)) حالان، وقد قدمنا فيما مضى أن التحقيق جواز تعدد الحال من صاحب واحد مع كون العامل واحداً، كما أشار له في الخلاصة بقوله: والحال قد يجيء ذا تعدد لمفرد فاعلم وغير مفرد يعني: ممكن الحال يكون كلمة وممكن أن يتعدد، فهذا معنى قول صاحب الخلاصة.
وما ذكره جل وعلا في آية (طه) من كون موسى رجع إلى قومه: (غضبان أسفاً) ذكره في غير هذا الموضع، وذكر أشياء من آثار غضبه المذكور، كقوله في سورة الأعراف: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ [الأعراف:١٥٠]، وقد بين تعالى أن من آثار غضب موسى إلقاءه الألواح التي فيها التوراة، وأخذه برأس أخيه يجره إليه، قال في الأعراف: ﴿وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف:١٥٠] وقال في (طه) مشيراً لأخذه برأس أخيه: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ [طه:٩٤]، وهذه الآيات فيها الدلالة على أن الخبر ليس كالعيان؛ لأن الله لما أخبر موسى بكفر قومه بعبادتهم العجل كما بينه في قوله : ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ﴾، وهذا خبر من الله يقين لا شك فيه، ومع ذلك لم يبلغ الغضب بموسى ﵇ يلقي الألواح، لكنه لما عاين -بعينه- قومه حول العجل يعبدونه أثرت فيه معاينة ذلك أثراً لم يؤثره فيه الخبر اليقين بذلك، فألقى الألواح حتى تكسرت وأخذ برأس أخيه يجره إليه لما أصابه من شدة الغضب من انتهاك حرمات الله ﵎.
وقد روى ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (يرحم الله موسى ليس المعاين كالمخبر، أخبره ربه أن قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح، فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح).
وهذا معنى الحكمة المشهورة: ليس الخبر كالمعاينة.
ويمكن استنباط نفس هذه الحكمة من القرآن الكريم من موضع آخر: ﴿لَوْ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾ [الكهف:١٨]، فالنبي ﵇ وصف له حالهم في القرآن لكنه لو رآهم لولى فراراً وامتلئ رعباً، فالله يقول: ((لَوْ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ)) أي: لو رأيتهم ونظرت إليهم بعينك لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً.
وقوله تعالى: ((أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً)) قال الشنقيطي: أظهر الأقوال عندي في المراد بهذا الوعد الحسن: أنه وعدهم أن ينزل على نبيهم كتاباً فيه كل ما يحتاجون من خير الدنيا والآخرة، وهذا الوعد هو المذكور هنا في قوله: ((وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ)) يعني: كي ينزل على موسى ﵇ التوراة، وقد كتبها الله له بيده، وهي ألواح التوراة، فهذا هو الوعد الحسن.
قال: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمْ الْعَهْدُ﴾، الاستفهام هنا للإنكار، يعني: لم يطل العهد، وهذا هو السبب مع أني لم أتأخر عنكم كثيراً، أي: لم يطل عليكم العهد، كما يقال في المثل: وما بالعهد من قدم؛ لأن طول العهد مظنة للنسيان والعهد قريب لم يطل، فكيف نسيتم؟ ((أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي))، هنا قال بعض العلماء: (أم) هنا هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمْ الْعَهْدُ﴾ بل ((أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ))، والمعنى: بل أردتم أن يحل عليكم غضب ربكم، فكأنهم أرادوا الغضب لما عملوا السبب الذي يجلب لهم غضب الله وهو الكفر.
ومعنى إرادتهم حلول الغضب: أنهم فعلوا ما يستوجب غضب ربهم بإرادتهم؛ فكأنهم أرادوا الغضب لما أرادوا سببه، وهو الكفر بعبادة العجل.
وقوله: (فأخلفتم موعدي) كانوا وعدوه أن يتبعوه لما تقدمهم إلى الميقات، وأن يثبتوا على طاعة الله تعالى؛ فعبدوا العجل وعكفوا عليه ولم يتبعوا موسى، فأخلفوا موعده بالكفر وعدم الذهاب في أثره.
((قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا))، قرأه نافع وعاصم (بملكنا) بفتح الميم، وقرأه حمزة والكسائي بضم الميم، وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بكسر الميم، يعني: فيها ثلاث حركات يقول: والمعنى على جميع القراءات: ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا أمرنا، فلو ملكنا أمرنا ما أخلفنا موعدك، وهو اعتذار منهم بأنهم ما أخلفوا الموعد باختيارهم، ولكنهم مغلوبون على أمرهم من جهة السامري وكيده، وهو اعتبار بارد ساقط كما ترى، يعني: هذا العذر السخيف ينطبق عليه قول القائل: عذر أقبح من ذنب، يعني: ما كان بأيدينا لكن غلبنا السامري وكادنا وغلبنا، ولقد صدق من قال: إذا كان وجه العذر ليس ببين فإن اطراح العذر خير من العذر الذنب إن كان بغير عذر مقبول، فالعذر ساذج.
وهنا يذكر الشنقيطي رحمه الله تعالى فائدة لغوية، يقول: كل فعل مضارع في القرآن مجزوم بـ (لم) إذا تقدمتها همزة استفهام فلها وجهان معروفان عند العلماء: الأول: أن مضارعته تنقلب ماضوية، ونفيه ينقلب إثباتاً، فيصير قوله: ((أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً)) بمعنى وعدكم.
نلاحظ هنا الفعل (يعدكم) فعل مضارع سبقته (لم) الجازمة، وسبقها همزة الاستفهام، فإذاً: فعل مضارع مجزوم بلم تقدمتها همزة استفهام، فالقول الأول: أن المضارع ينقلب ماضياً، ونفيه ينقلب إثباتاً، فيصير قوله: ((أَلَمْ يَعِدْكُمْ)) تساوي: وعدكم، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] تساوي: شرحنا لك صدرك، وقوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ [البلد:٨] تساوي: جعلنا له عينين، ووجه انقلاب المضارعة ماضوية ظاهر؛ لأن لم حرف يقلب المضارع إلى معنى الماضي كما هو معروف، ووجه انقلاب النفي إثباتاً: أن الهمزة إنكارية، فهي مضمنة معنى النفي، فيتسلط النفي الكامن فيها على النفي الصريح في لم، أي: تنفي النفي، ونفي النفي إثبات فيئول إلى معنى الإثبات.
هذا هو الوجه الأول.
الوجه الثاني: أن الاستفهام في ذلك للتقرير، وهو حمل المخاطب على أن يقر، فيقول: بلى.
يعني: هذه الصيغة تأتي من أجل أن يقر المخاطب، يقول: ألم نفعل كذا؟ تقول: بلى.
لكي تثبت ذلك.
وعليه فالمراد من قوله: ((أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً)) حملهم على أن يقروا بذلك، فيقولوا: بلى قد وعدنا ربنا وعداً حسناً، ونظير هذا من كلام العرب قول جرير: ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح فإذا عرفت أن قوله هنا: (فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا) قد بين الله فيه أن موسى لما رجع إليهم في شدة غضب مما فعلوا وعاتبهم قال لهم في ذلك العتاب: ((أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ))؛ فاعلم أن بعض عتابه لهم لم يبينه هنا، وكذلك بعض فعله، ولكن بينه في غير هذا الموضع كقوله في الأعراف في القصة بعينها: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٥٠]، وبين بعض ما فعل بقوله في الأعراف: ﴿وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ َ﴾ [الأعراف:١٥٠]، وقد أشار إلى هذا في (طه) في قوله: ((قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي)).
стр. 1648
تفسير قوله تعالى: (قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا)
قال تعالى: ((قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ)) [طه:٨٧].
قال الزمخشري: قرئ بالحركات الثلاث على الميم، قال الزمخشري أي: ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا أمرنا، أي: لو ملكنا أمرنا وخُلِّينا وراءنا لما أخلفناه، ولكن غلبنا من جهة السامري وكيده، ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾.
((وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا))، وفي القراءة الأخرى: ((ولكنا حملنا أوزاراً)) أي: أثقالاً وأحمالاً، ((مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ)) يعني: من حلي القبط، (والقوم) المقصود بهم قوم فرعون، والمقصود بالحلي حلي نسائهم.
((فَقَذَفْنَاهَا)) أي: قذفناها في النار لنتلفها.
((فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ)) أي: كان إلقاؤه ((فَأَخْرَجَ لَهُمْ)) أي: من تلك الحلي ((عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ)) أي: صوت عجل، وقد قيل: إنه صار حياً وخار كما يخور العجل، ودبت فيه الحياة، وقيل: وإنما جعل فيه منافذ ومخارج بحيث تدخل فيها الرياح فيخرج صوتاً مثل صوت العجل.
قوله تعالى: ((فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى)) يعني: السامري ومن افتتنوا به، فقالوا بالتغرير: ((هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ)) أي: غفل عنه وذهب يطلبه في الطور! كيف ذهب موسى يطلب لقاء الله في الطور وهذا هو إلهنا وإله موسى؟ ويقصدون -والعياذ بالله- هذا العجل، فهذا معنى قولهم: ((هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ)) يعني: موسى غفل عن إلهه وهو هنا وذهب يطلبه في الطور!
стр. 1649
تفسير قوله تعالى: (أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً)
أنكر تعالى على من ضل بهذا العجل وأضل مسفهاً لهم فيما أقدموا عليه مما لا يستتر بطلانه على أحد، فقال : ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ [طه:٨٩].
((أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ)) أي: العجل، ((إِلَيْهِمْ قَوْلًا)) أي: لا يرد لهم جواباً، ((وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا)) أي: دفع ضر، ولا جلب نفع، فكيف يتخذ إلهاً؟ قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: ((وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا)): قال بعض العلماء: والأوزار معناها: الأثقال، قال بعض العلماء: معناها: الآثام، ووجه القول الأول أنها أحمال من حلي القبط الذي استعاروه منهم.
ووجه الثاني: أنها آثام وتبعات؛ لأنهم كانوا مع القبط في حكم المستأمنين في دار الحرب، وليس للمستأمن أن يأخذ أمان الحربي؛ ولأن الغنائم لم تكن تحل لهم، والتعليل الأخير أقوى؛ لأن من خصائص هذه الشريعة المحمدية ما ذكره النبي ﷺ في قوله: (وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي)، فهؤلاء حملوا معهم حلي القبط، ولم تكن تحل لهم في شريعتهم غنائم، فكأنهم لما حملوها حملوا معها أوزاراً وآثاماً لأنهم مستأمنون، وبالتالي لا يجوز لهم أن يأخذوا أموالهم، فهذا التعليل أقوى من التعليل الأول.
((مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ)) المراد بالزينة: الحلي، كما يوضحه قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف:١٤٨]، ((فَقَذَفْنَاهَا)) أي: ألقيناها وطرحناها في النار التي أوقدها السامري في الحفرة؛ لأن السامري حفر حفرة وأمرهم أن يقذفوا هذه الحلي في داخل الحفرة، وبعض المفسرين يقول: فعلوا ذلك لأن الحلي لما كانت متناثرة كان يشق عليهم حملها، وهم أرادوا أن يقبروها في كتلة واحدة حتى يسهل حملها.
يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: وأظهر الأقوال عندي في ذلك: هو أنهم جعلوا جميع الحلي في النار ليذوب فيصير قطعة واحدة؛ لأن ذلك أسهل لحفظه إلى أن يرى نبي الله موسى فيه رأيه.
والسامري لما أمرهم بحفر حفرة، وأمرهم أن يضعوا فيها الحلي، كان يريد تدبير خطة لم يطلعهم عليها، وذلك أنه لما جاء جبريل ليذهب بموسى إلى الميقات، وكان على فرس؛ أخذ السامري تراباً مسه حافر تلك الفرس، ويزعمون في هذه القصة: أنه عاين موضع أثرها ينبت فيه النبات، أي: لاحظ أن الموضع الذي أصابه حافر الفرس ينبت فيه نبات، فتفرس أن الله جعل فيها خاصية الحياة، فأخذ تلك القبضة من التراب من أثر حافر فرس جبريل ﵇ واحتفظ بها، فلما أرادوا أن يطرحوا الحلي في النار ليجعلوه قطعة واحدة أو لغير ذلك من الأسباب، وجعلوه فيها، ألقى السامري عليه تلك القبضة من التراب المذكور، وقال له: كن عجلاً جسداً له خوار، فجعله الله عجلاً جسداً له خوار، يعني: كأن الله أقدره على هذا الفعل ابتلاءً وامتحاناً وفتنة، كما يقدر المسيح الدجال على الخوارق فتنةً للناس، فقال لهم: هذا العجل هو إلهكم وإله موسى! كما يشير إلى ذلك قوله تعالى عن موسى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه:٩٥ - ٩٦] يعني: حينما لاحظت وقوع الحافر في الأرض قبضت قبضة مما وقع عليه حافر الفرس واحتفظت بها: ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه:٩٦].
وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمُِ﴾ هو من بقية اعتذارهم الفاسد البارد، ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ فهذا يدل على أن ذلك الاعتراف كان من الذين عبدوا العجل لا من غيرهم، ولا يوجد احتمال أنه من غيرهم.
إذاً: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه:٨٧ - ٨٨] أي: نسي موسى إلهه هنا وذهب يطلبه في محل آخر! قال ابن عباس في حديث الفتون وهو قول مجاهد، وعن ابن عباس أيضاً من طريق عكرمة (فنسي) أي: نسي أن يذكركم به، وعن ابن عباس أيضاً (فنسي) أي: السامري نسي ما كان عليه من الإسلام وصار كافراً بادعاء ألوهية العجل وعبادته.
إذاً: (نسي) الفاعل هنا ضمير يعود إلى السامري، أي: نسي السامري الإسلام الذي كان عليه.
стр. 1650
تفسير الشنقيطي لقوله تعالى: (أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً)
يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: بين الله جل وعلا في هذه الآيات الكريمة سخافة عقول الذين عبدوا العجل، وكيف عبدوا ما لا يقدر على رد الجواب لمن سأله، ولا يملك نفعاً لمن عبده، ولا ضراً لمن عصاه، وهذا يدل على أن المعبود لا يمكن أن يكون عاجزاً عن النفع والضر ورد الجواب، وقد بين هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في الأعراف في القصة: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف:١٤٨].
ولا شك أن من اتخذ من لا يكلمه ولا يهديه سبيلاً إلهاً أنه من أظلم الظالمين؛ لأنه وضع العبادة في غير موضعها؛ لأن العابد في هذه الحالة أكمل من المعبود من حيث سريان الحياة فيه، ومع ذلك يعبد صنماً لا يسمع ولا يعي ولا يعقل، يقول: ونظير ذلك قوله تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢]، وقوله تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء:٧٢ - ٧٣]، وقوله تعالى أيضاً: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنظِرُونِ﴾ [الأعراف:١٩٥]، وقال تعالى أيضاً: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦]، وقال أيضاً: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٣ - ١٤].
قال الشنقيطي: قال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة: وليس المقصود من هذا أن العجل لو كان يكلمهم لكان إلهاً يعني: هل يفهم من هذه الآية: أنه إن كان يرجع إليهم قولاً ويتكلم يصلح أن يكون إلهاً؟ لا، فليس المقصود بهذا أن العجل لو كان يكلمهم لكان إلهاً؛ لأن الشيء يجوز أن يكون مشروطاً بشروط كثيرة، ففوات واحد منها يقتضي عدم حصول المشروط، وحصول الواحد منها لا يقتضي حصول المشروط.
وهذا معروف في تعريف الشرط أنه ما يتوقف وجود الشيء على وجوده، ولا يتوقف على وجوده عدم ذلك الشيء، مثلاً: شروط الحياة بالنسبة للبذرة: أولاً: أن تكون البذرة نفسها سليمة.
ثانياً: لابد من التربة الصالحة ومن الماء والهواء، فالحياة في البذرة لابد فيها من شروط، فهل مجرد وجود شرط واحد يستلزم وجود هذه الحياة؛ لا، فقد يوجد الهواء فقط لكن البذرة مسوسة مثلاً أو غير ذلك من الشروط، ففي هذه الحالة لا يمكن أن تحصل الحياة، فكذلك الشيء الذي يعلق على أكثر من شرط لا يتحقق إلا بوجود جميع هذه الشروط، وإذا تخلف شرط واحد لا يقع الشيء، ووجوده وحده لا يقتضي وجود هذا الشيء؛ لأن الشيء يجوز أن يكون مشروطاً بشروط كثيرة، ففوات شرط منها يقتضي فوات المشروط، وحصول شرط منها لا يقتضي حصول المشروط، فمثلاً الصلاة من شروطها: الطهارة، استقبال القبلة، ستر العورة، فلو أن رجلاً استقبل القبلة وهو غير طاهر والمكان نجس وثوبه نجس، فهل تصح صلاته؟ لا تصح الصلاة مع أنه أتى بشرط من الشروط.
يقول: فكل ما توقف على شرطين فصاعداً لا يحصل إلا بحصول جميع الشروط، فلو قلت لعبدك: إن صام زيد وصلى وحج فأعطه ديناراً، لم يجز له إعطاؤه الدينار إلا بالشروط الثلاثة، ومحل هذا ما لم يمكن تعليق الشروط على سبيل البدل؛ فإنه يكفي فيه واحد، كما لو قلت لعبدك: إن صام زيد أو صلى فأعطه درهماً، فإنه يستوجب إعطاء الدرهم بأحد الأمرين، وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود في مبحث المخصصات المتصلة بقوله: وإن تعلق على شرطين شيء فبالحصول للشرطين وما على البدل قد تعلقا فبحصول واحد تحققا وقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: وقد تقدم في حديث الفتون عن الحسن البصري: أن هذا العجل اسمه يهموت، وحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة: أنهم تورعوا عن زينة القبط فألقوها عنهم، وعبدوا العجل! كان المفروض أن يحافظوا على هذه الزينة التي هي الحلي إلى أن يأتي موسى فيرى فيها رأيه؛ فهم تورعوا عن زين القبط فألقوها عنهم وعبدوا العجل، قال: فتورعوا عن الحقير وفعلوا الأمر الكبير، كما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه سأله رجل من أهل العراق عن دم البعوض إذا أصاب الثوب يعني: هل يصلي فيه أم لا؟ فقال ابن عمر ﵄: انظروا إلى أهل العراق! قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ -يعني الحسين ﵄ وهم يسألون عن دم البعوضة! انتهى منه.
следующие страницы →