Полный текст (3 275 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
تفسير قوله تعالى: (قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك)
قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ﴾ [طه:٨٥].
((قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ)) أي: ابتليناهم بعد ذهابك للمناجاة، ((وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ)) يعني: اليهودي الذي وسوس لهم أن يعبدوا عجلاً يتخذوه إلهاً لما طالت عليهم غيبة موسى، ويئسوا من رجوعه، والسامري في لغة العرب بمعنى اليهودي، وقد قال بالظن من ادعى تسميته أو حاول تعيينه، فلا يسأل أحد: من هو هذا السامري؟ فلم يصح شيء في تسمية السامري، لكنه رجل من اليهود، وأما الطائفة السامرية الآن فهم فئة من اليهود في نابلس قليلة العدد تخالف بقية اليهود في جل عاداتها.
((قَالَ فَإِنَّا)) خبر ((قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ))، والآية إخبار من الله لموسى بوقوع قومه في الفتنة، لكن في الحقيقة يراد بهذا الخبر الأمر برجوعه لقومه وإصلاح ما فسد؛ فكأن المعنى: فارجع إليهم يا موسى وأصلح ما فسد من حالهم، وذلك جاء في قوله: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً﴾ [طه:٨٦]، رجع لأنه فهم من هذا الخبر أنه أمر بالرجوع إليهم لإصلاح ما فسد من أحوالهم.
﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً﴾ أي: حزيناً ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾ [طه:٨٦] أي: بإنزال التوراة عليه ورجوعه بها إليهم، ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمْ الْعَهْدُ﴾ [طه:٨٦]، أفطال عليكم زمان الإنجاء، ((أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي))، أي: وعدكم إياي بالثبات على ما أمرتكم به إلى أن أرجع من الميقات.
يقول الشنقيطي: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ﴾، كلمة الفتنة في اللغة تأتي بمعان كثيرة منها: الاختبار، والعذاب، والإضلال، والمقصود بها هنا فتنة الإضلال؛ لأنه قال: ((فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ))، فالظاهر أن الفتنة المذكورة هي عبادتهم العجل فهي فتنة إضلال، كقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف:١٥٥]، فهذه الفتنة في عبادة العجل جاءت مبينة في آيات متعددة، كقوله تعالى: ﴿ووَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة:٥١].
فقوله هنا: ((وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ))، أوضح كيفية إضلاله لهم في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف:١٤٨]، إلى قوله: ((اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ)) أي: اتخذوه إلهاً، وقد صنعه السامري لهم من حلي القبط فأضلهم بعبادته، وقوله هنا: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ [طه:٨٧]، يشرح معنى: ((وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ))، أي: كيف أضلهم! قال موسى في الآيات: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه:٨٨].
والسامري قيل: اسمه هارون، وقيل: اسمه موسى بن ظفر، وعن ابن عباس: أنه من قوم كانوا يعبدون البقر، وقيل: كان رجلاً من القبط، وكان جاراً لموسى آمن به وخرج معه، وقيل: كان عظيماً من عظماء بني إسرائيل من قبيلة تعرف بالسامرة، وهم معروفون بالشام، قال سعيد بن جبير: كان من أهل كرمان.
والفتنة أصلها في اللغة وضع الذهب في النار ليتبين أهو خالص أم زائف، وقد أطلقت في القرآن إطلاقات متعددة، منها: الوضع في النار، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات:١٣] أي: يحرقون بها، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج:١٠] يعني: الذين أحرقوهم بنار الأخدود.
ومنها: الاختبار، وهو الأغلب في استعمال الفتنة، كقوله تعالى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال:٢٨]، وقوله: ﴿وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [الجن:١٦ - ١٧].
ومنها: نتيجة الاختبار إذا كانت سيئة، ومن هنا أطلقت الفتنة على الشرك، كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة:١٩٣]، وقوله هنا: ((فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ)) أي: أضللناهم.
ومنها أيضاً الحجة، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣] أي: لم تكن حجتهم.
فقوله هنا: ((وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ))، أسند إضلالهم إلى السامري؛ لأنه هو الذي تسبب فيه بصياغته لهم العجل من حلي القبط ورمى عليه التراب الذي مسه حافر الفرس التي جاء عليها جبريل؛ فجعله الله بسبب ذلك عجلاً جسداً له خوار، كما قال تعالى في هذه السورة الكريمة: ((فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ)) * ((فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ))، وقال في الأعراف: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف:١٤٨]، والخوار: صوت البقر، قال بعض العلماء: جعل الله بقدرته ذلك الحلي المصوغ جسداً من لحم ودم، وهذا هو ظاهر قوله: ﴿عِجْلاً جَسَداً﴾ [الأعراف:١٤٨].
وقال بعض العلماء: لم تكن تلك الصورة لحماً ولا دماً، ولكن إذا دخلت فيها الريح صوتت كخوار العجل، فهو صنع العجل على هيئة فيها تجويف تدخل منها الريح وتخرج، فإذا دخلت من مكان تخرج من الناحية الأخرى مصدرة صوت العجل، وهو خوار العجل.
قال: والأول أقرب لظاهر الآية؛ فهم فتنوا بأن حولت لهم صورة العجل إلى عجل حقيقي بلحم ودم، فالله تعالى قادر على أن يجعل الجماد لحماً ودماً كما جعل آدم لحماً ودماً وكان طيناً، لكن ترجيح مثل هذا يحتاج إلى دليل إلا أن يقال: إن الدليل هو قوله: (جسداً)، والله تعالى أعلم.
стр. 1647
تفسير قوله تعالى: (فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً)
قال تعالى: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً﴾ [طه:٨٦].
يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن موسى رجع إلى قومه بعد مجيئه للميقات في حال كونه في ذلك الرجوع غضبان أسفاً على قومه من أجل عبادتهم العجل، فقوله: ((أَسِفاً)) أي: شديد الغضب، فالأسف هنا شدة الغضب، وعلى هذا فقوله: ((غَضْبَانَ أَسِفاً)) أي: غضبان شديد الغضب، ومن إطلاق الأسف على الغضب في القرآن الكريم قوله تعالى في الزخرف: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الزخرف:٥٥]، لما آسفونا أي: لما أغضبونا، فلما أغضبونا بتماديهم في الكفر مع توالي الآيات عليهم انتقمنا منهم.
قال الشنقيطي: وقوله: ((غَضْبَانَ أَسِفاً)) حالان، وقد قدمنا فيما مضى أن التحقيق جواز تعدد الحال من صاحب واحد مع كون العامل واحداً، كما أشار له في الخلاصة بقوله: والحال قد يجيء ذا تعدد لمفرد فاعلم وغير مفرد يعني: ممكن الحال يكون كلمة وممكن أن يتعدد، فهذا معنى قول صاحب الخلاصة.
وما ذكره جل وعلا في آية (طه) من كون موسى رجع إلى قومه: (غضبان أسفاً) ذكره في غير هذا الموضع، وذكر أشياء من آثار غضبه المذكور، كقوله في سورة الأعراف: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ [الأعراف:١٥٠]، وقد بين تعالى أن من آثار غضب موسى إلقاءه الألواح التي فيها التوراة، وأخذه برأس أخيه يجره إليه، قال في الأعراف: ﴿وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف:١٥٠] وقال في (طه) مشيراً لأخذه برأس أخيه: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ [طه:٩٤]، وهذه الآيات فيها الدلالة على أن الخبر ليس كالعيان؛ لأن الله لما أخبر موسى بكفر قومه بعبادتهم العجل كما بينه في قوله : ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ﴾، وهذا خبر من الله يقين لا شك فيه، ومع ذلك لم يبلغ الغضب بموسى ﵇ يلقي الألواح، لكنه لما عاين -بعينه- قومه حول العجل يعبدونه أثرت فيه معاينة ذلك أثراً لم يؤثره فيه الخبر اليقين بذلك، فألقى الألواح حتى تكسرت وأخذ برأس أخيه يجره إليه لما أصابه من شدة الغضب من انتهاك حرمات الله ﵎.
وقد روى ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (يرحم الله موسى ليس المعاين كالمخبر، أخبره ربه أن قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح، فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح).
وهذا معنى الحكمة المشهورة: ليس الخبر كالمعاينة.
ويمكن استنباط نفس هذه الحكمة من القرآن الكريم من موضع آخر: ﴿لَوْ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾ [الكهف:١٨]، فالنبي ﵇ وصف له حالهم في القرآن لكنه لو رآهم لولى فراراً وامتلئ رعباً، فالله يقول: ((لَوْ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ)) أي: لو رأيتهم ونظرت إليهم بعينك لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً.
وقوله تعالى: ((أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً)) قال الشنقيطي: أظهر الأقوال عندي في المراد بهذا الوعد الحسن: أنه وعدهم أن ينزل على نبيهم كتاباً فيه كل ما يحتاجون من خير الدنيا والآخرة، وهذا الوعد هو المذكور هنا في قوله: ((وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ)) يعني: كي ينزل على موسى ﵇ التوراة، وقد كتبها الله له بيده، وهي ألواح التوراة، فهذا هو الوعد الحسن.
قال: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمْ الْعَهْدُ﴾، الاستفهام هنا للإنكار، يعني: لم يطل العهد، وهذا هو السبب مع أني لم أتأخر عنكم كثيراً، أي: لم يطل عليكم العهد، كما يقال في المثل: وما بالعهد من قدم؛ لأن طول العهد مظنة للنسيان والعهد قريب لم يطل، فكيف نسيتم؟ ((أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي))، هنا قال بعض العلماء: (أم) هنا هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمْ الْعَهْدُ﴾ بل ((أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ))، والمعنى: بل أردتم أن يحل عليكم غضب ربكم، فكأنهم أرادوا الغضب لما عملوا السبب الذي يجلب لهم غضب الله وهو الكفر.
ومعنى إرادتهم حلول الغضب: أنهم فعلوا ما يستوجب غضب ربهم بإرادتهم؛ فكأنهم أرادوا الغضب لما أرادوا سببه، وهو الكفر بعبادة العجل.
وقوله: (فأخلفتم موعدي) كانوا وعدوه أن يتبعوه لما تقدمهم إلى الميقات، وأن يثبتوا على طاعة الله تعالى؛ فعبدوا العجل وعكفوا عليه ولم يتبعوا موسى، فأخلفوا موعده بالكفر وعدم الذهاب في أثره.
((قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا))، قرأه نافع وعاصم (بملكنا) بفتح الميم، وقرأه حمزة والكسائي بضم الميم، وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بكسر الميم، يعني: فيها ثلاث حركات يقول: والمعنى على جميع القراءات: ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا أمرنا، فلو ملكنا أمرنا ما أخلفنا موعدك، وهو اعتذار منهم بأنهم ما أخلفوا الموعد باختيارهم، ولكنهم مغلوبون على أمرهم من جهة السامري وكيده، وهو اعتبار بارد ساقط كما ترى، يعني: هذا العذر السخيف ينطبق عليه قول القائل: عذر أقبح من ذنب، يعني: ما كان بأيدينا لكن غلبنا السامري وكادنا وغلبنا، ولقد صدق من قال: إذا كان وجه العذر ليس ببين فإن اطراح العذر خير من العذر الذنب إن كان بغير عذر مقبول، فالعذر ساذج.
وهنا يذكر الشنقيطي رحمه الله تعالى فائدة لغوية، يقول: كل فعل مضارع في القرآن مجزوم بـ (لم) إذا تقدمتها همزة استفهام فلها وجهان معروفان عند العلماء: الأول: أن مضارعته تنقلب ماضوية، ونفيه ينقلب إثباتاً، فيصير قوله: ((أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً)) بمعنى وعدكم.
نلاحظ هنا الفعل (يعدكم) فعل مضارع سبقته (لم) الجازمة، وسبقها همزة الاستفهام، فإذاً: فعل مضارع مجزوم بلم تقدمتها همزة استفهام، فالقول الأول: أن المضارع ينقلب ماضياً، ونفيه ينقلب إثباتاً، فيصير قوله: ((أَلَمْ يَعِدْكُمْ)) تساوي: وعدكم، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] تساوي: شرحنا لك صدرك، وقوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ [البلد:٨] تساوي: جعلنا له عينين، ووجه انقلاب المضارعة ماضوية ظاهر؛ لأن لم حرف يقلب المضارع إلى معنى الماضي كما هو معروف، ووجه انقلاب النفي إثباتاً: أن الهمزة إنكارية، فهي مضمنة معنى النفي، فيتسلط النفي الكامن فيها على النفي الصريح في لم، أي: تنفي النفي، ونفي النفي إثبات فيئول إلى معنى الإثبات.
هذا هو الوجه الأول.
الوجه الثاني: أن الاستفهام في ذلك للتقرير، وهو حمل المخاطب على أن يقر، فيقول: بلى.
يعني: هذه الصيغة تأتي من أجل أن يقر المخاطب، يقول: ألم نفعل كذا؟ تقول: بلى.
لكي تثبت ذلك.
وعليه فالمراد من قوله: ((أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً)) حملهم على أن يقروا بذلك، فيقولوا: بلى قد وعدنا ربنا وعداً حسناً، ونظير هذا من كلام العرب قول جرير: ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح فإذا عرفت أن قوله هنا: (فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا) قد بين الله فيه أن موسى لما رجع إليهم في شدة غضب مما فعلوا وعاتبهم قال لهم في ذلك العتاب: ((أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ))؛ فاعلم أن بعض عتابه لهم لم يبينه هنا، وكذلك بعض فعله، ولكن بينه في غير هذا الموضع كقوله في الأعراف في القصة بعينها: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٥٠]، وبين بعض ما فعل بقوله في الأعراف: ﴿وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ َ﴾ [الأعراف:١٥٠]، وقد أشار إلى هذا في (طه) في قوله: ((قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي)).
стр. 1648
تفسير قوله تعالى: (قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا)
قال تعالى: ((قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ)) [طه:٨٧].
قال الزمخشري: قرئ بالحركات الثلاث على الميم، قال الزمخشري أي: ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا أمرنا، أي: لو ملكنا أمرنا وخُلِّينا وراءنا لما أخلفناه، ولكن غلبنا من جهة السامري وكيده، ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾.
((وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا))، وفي القراءة الأخرى: ((ولكنا حملنا أوزاراً)) أي: أثقالاً وأحمالاً، ((مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ)) يعني: من حلي القبط، (والقوم) المقصود بهم قوم فرعون، والمقصود بالحلي حلي نسائهم.
((فَقَذَفْنَاهَا)) أي: قذفناها في النار لنتلفها.
((فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ)) أي: كان إلقاؤه ((فَأَخْرَجَ لَهُمْ)) أي: من تلك الحلي ((عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ)) أي: صوت عجل، وقد قيل: إنه صار حياً وخار كما يخور العجل، ودبت فيه الحياة، وقيل: وإنما جعل فيه منافذ ومخارج بحيث تدخل فيها الرياح فيخرج صوتاً مثل صوت العجل.
قوله تعالى: ((فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى)) يعني: السامري ومن افتتنوا به، فقالوا بالتغرير: ((هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ)) أي: غفل عنه وذهب يطلبه في الطور! كيف ذهب موسى يطلب لقاء الله في الطور وهذا هو إلهنا وإله موسى؟ ويقصدون -والعياذ بالله- هذا العجل، فهذا معنى قولهم: ((هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ)) يعني: موسى غفل عن إلهه وهو هنا وذهب يطلبه في الطور!
стр. 1649
تفسير قوله تعالى: (أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً)
أنكر تعالى على من ضل بهذا العجل وأضل مسفهاً لهم فيما أقدموا عليه مما لا يستتر بطلانه على أحد، فقال : ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ [طه:٨٩].
((أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ)) أي: العجل، ((إِلَيْهِمْ قَوْلًا)) أي: لا يرد لهم جواباً، ((وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا)) أي: دفع ضر، ولا جلب نفع، فكيف يتخذ إلهاً؟ قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: ((وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا)): قال بعض العلماء: والأوزار معناها: الأثقال، قال بعض العلماء: معناها: الآثام، ووجه القول الأول أنها أحمال من حلي القبط الذي استعاروه منهم.
ووجه الثاني: أنها آثام وتبعات؛ لأنهم كانوا مع القبط في حكم المستأمنين في دار الحرب، وليس للمستأمن أن يأخذ أمان الحربي؛ ولأن الغنائم لم تكن تحل لهم، والتعليل الأخير أقوى؛ لأن من خصائص هذه الشريعة المحمدية ما ذكره النبي ﷺ في قوله: (وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي)، فهؤلاء حملوا معهم حلي القبط، ولم تكن تحل لهم في شريعتهم غنائم، فكأنهم لما حملوها حملوا معها أوزاراً وآثاماً لأنهم مستأمنون، وبالتالي لا يجوز لهم أن يأخذوا أموالهم، فهذا التعليل أقوى من التعليل الأول.
((مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ)) المراد بالزينة: الحلي، كما يوضحه قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف:١٤٨]، ((فَقَذَفْنَاهَا)) أي: ألقيناها وطرحناها في النار التي أوقدها السامري في الحفرة؛ لأن السامري حفر حفرة وأمرهم أن يقذفوا هذه الحلي في داخل الحفرة، وبعض المفسرين يقول: فعلوا ذلك لأن الحلي لما كانت متناثرة كان يشق عليهم حملها، وهم أرادوا أن يقبروها في كتلة واحدة حتى يسهل حملها.
يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: وأظهر الأقوال عندي في ذلك: هو أنهم جعلوا جميع الحلي في النار ليذوب فيصير قطعة واحدة؛ لأن ذلك أسهل لحفظه إلى أن يرى نبي الله موسى فيه رأيه.
والسامري لما أمرهم بحفر حفرة، وأمرهم أن يضعوا فيها الحلي، كان يريد تدبير خطة لم يطلعهم عليها، وذلك أنه لما جاء جبريل ليذهب بموسى إلى الميقات، وكان على فرس؛ أخذ السامري تراباً مسه حافر تلك الفرس، ويزعمون في هذه القصة: أنه عاين موضع أثرها ينبت فيه النبات، أي: لاحظ أن الموضع الذي أصابه حافر الفرس ينبت فيه نبات، فتفرس أن الله جعل فيها خاصية الحياة، فأخذ تلك القبضة من التراب من أثر حافر فرس جبريل ﵇ واحتفظ بها، فلما أرادوا أن يطرحوا الحلي في النار ليجعلوه قطعة واحدة أو لغير ذلك من الأسباب، وجعلوه فيها، ألقى السامري عليه تلك القبضة من التراب المذكور، وقال له: كن عجلاً جسداً له خوار، فجعله الله عجلاً جسداً له خوار، يعني: كأن الله أقدره على هذا الفعل ابتلاءً وامتحاناً وفتنة، كما يقدر المسيح الدجال على الخوارق فتنةً للناس، فقال لهم: هذا العجل هو إلهكم وإله موسى! كما يشير إلى ذلك قوله تعالى عن موسى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه:٩٥ - ٩٦] يعني: حينما لاحظت وقوع الحافر في الأرض قبضت قبضة مما وقع عليه حافر الفرس واحتفظت بها: ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه:٩٦].
وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمُِ﴾ هو من بقية اعتذارهم الفاسد البارد، ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ فهذا يدل على أن ذلك الاعتراف كان من الذين عبدوا العجل لا من غيرهم، ولا يوجد احتمال أنه من غيرهم.
إذاً: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه:٨٧ - ٨٨] أي: نسي موسى إلهه هنا وذهب يطلبه في محل آخر! قال ابن عباس في حديث الفتون وهو قول مجاهد، وعن ابن عباس أيضاً من طريق عكرمة (فنسي) أي: نسي أن يذكركم به، وعن ابن عباس أيضاً (فنسي) أي: السامري نسي ما كان عليه من الإسلام وصار كافراً بادعاء ألوهية العجل وعبادته.
إذاً: (نسي) الفاعل هنا ضمير يعود إلى السامري، أي: نسي السامري الإسلام الذي كان عليه.
стр. 1650
تفسير الشنقيطي لقوله تعالى: (أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً)
يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: بين الله جل وعلا في هذه الآيات الكريمة سخافة عقول الذين عبدوا العجل، وكيف عبدوا ما لا يقدر على رد الجواب لمن سأله، ولا يملك نفعاً لمن عبده، ولا ضراً لمن عصاه، وهذا يدل على أن المعبود لا يمكن أن يكون عاجزاً عن النفع والضر ورد الجواب، وقد بين هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في الأعراف في القصة: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف:١٤٨].
ولا شك أن من اتخذ من لا يكلمه ولا يهديه سبيلاً إلهاً أنه من أظلم الظالمين؛ لأنه وضع العبادة في غير موضعها؛ لأن العابد في هذه الحالة أكمل من المعبود من حيث سريان الحياة فيه، ومع ذلك يعبد صنماً لا يسمع ولا يعي ولا يعقل، يقول: ونظير ذلك قوله تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢]، وقوله تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء:٧٢ - ٧٣]، وقوله تعالى أيضاً: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنظِرُونِ﴾ [الأعراف:١٩٥]، وقال تعالى أيضاً: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦]، وقال أيضاً: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٣ - ١٤].
قال الشنقيطي: قال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة: وليس المقصود من هذا أن العجل لو كان يكلمهم لكان إلهاً يعني: هل يفهم من هذه الآية: أنه إن كان يرجع إليهم قولاً ويتكلم يصلح أن يكون إلهاً؟ لا، فليس المقصود بهذا أن العجل لو كان يكلمهم لكان إلهاً؛ لأن الشيء يجوز أن يكون مشروطاً بشروط كثيرة، ففوات واحد منها يقتضي عدم حصول المشروط، وحصول الواحد منها لا يقتضي حصول المشروط.
وهذا معروف في تعريف الشرط أنه ما يتوقف وجود الشيء على وجوده، ولا يتوقف على وجوده عدم ذلك الشيء، مثلاً: شروط الحياة بالنسبة للبذرة: أولاً: أن تكون البذرة نفسها سليمة.
ثانياً: لابد من التربة الصالحة ومن الماء والهواء، فالحياة في البذرة لابد فيها من شروط، فهل مجرد وجود شرط واحد يستلزم وجود هذه الحياة؛ لا، فقد يوجد الهواء فقط لكن البذرة مسوسة مثلاً أو غير ذلك من الشروط، ففي هذه الحالة لا يمكن أن تحصل الحياة، فكذلك الشيء الذي يعلق على أكثر من شرط لا يتحقق إلا بوجود جميع هذه الشروط، وإذا تخلف شرط واحد لا يقع الشيء، ووجوده وحده لا يقتضي وجود هذا الشيء؛ لأن الشيء يجوز أن يكون مشروطاً بشروط كثيرة، ففوات شرط منها يقتضي فوات المشروط، وحصول شرط منها لا يقتضي حصول المشروط، فمثلاً الصلاة من شروطها: الطهارة، استقبال القبلة، ستر العورة، فلو أن رجلاً استقبل القبلة وهو غير طاهر والمكان نجس وثوبه نجس، فهل تصح صلاته؟ لا تصح الصلاة مع أنه أتى بشرط من الشروط.
يقول: فكل ما توقف على شرطين فصاعداً لا يحصل إلا بحصول جميع الشروط، فلو قلت لعبدك: إن صام زيد وصلى وحج فأعطه ديناراً، لم يجز له إعطاؤه الدينار إلا بالشروط الثلاثة، ومحل هذا ما لم يمكن تعليق الشروط على سبيل البدل؛ فإنه يكفي فيه واحد، كما لو قلت لعبدك: إن صام زيد أو صلى فأعطه درهماً، فإنه يستوجب إعطاء الدرهم بأحد الأمرين، وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود في مبحث المخصصات المتصلة بقوله: وإن تعلق على شرطين شيء فبالحصول للشرطين وما على البدل قد تعلقا فبحصول واحد تحققا وقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: وقد تقدم في حديث الفتون عن الحسن البصري: أن هذا العجل اسمه يهموت، وحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة: أنهم تورعوا عن زينة القبط فألقوها عنهم، وعبدوا العجل! كان المفروض أن يحافظوا على هذه الزينة التي هي الحلي إلى أن يأتي موسى فيرى فيها رأيه؛ فهم تورعوا عن زين القبط فألقوها عنهم وعبدوا العجل، قال: فتورعوا عن الحقير وفعلوا الأمر الكبير، كما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه سأله رجل من أهل العراق عن دم البعوض إذا أصاب الثوب يعني: هل يصلي فيه أم لا؟ فقال ابن عمر ﵄: انظروا إلى أهل العراق! قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ -يعني الحسين ﵄ وهم يسألون عن دم البعوضة! انتهى منه.
стр. 1651
تفسير قوله تعالى: (ولقد قال لهم هارون من قبل)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾ [طه:٩٠] يعني: من قبل رجوع موسى إليهم، ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ﴾ [طه:٩٠] أي: ضللتم بعبادته، ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ [طه:٩٠]، في عبادته ، وترك عبادة العجل، ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه:٩١] (قال) أي: موسى ﴿يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ [طه:٩٢ - ٩٣] يعني: في الغضب لله وشدة الزجر عن الكفر.
وقوله: ((أَلَّا تَتَّبِعَنِ)) فيها أقوال منها: ما منعك أن تتبعني؟ أو المعنى: ما حملك على ألا تتبعني؟ بحمل النقيض على مثله فإن المنع عن الشيء مستلزم للحمل على مقابله، أو: ما منعك أن تلحقني وتخبرني بضلالهم فتكون مفارقتك زجراً لهم؟ ((أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي)) وهو ما أمره به من أن يخلفه في قومه ويصلح ما يراه فاسداً.
يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: بين جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين: أن بني إسرائيل لما فتنهم السامري وأضلهم بعبادة العجل نصحهم نبي الله هارون عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وبين لهم أن عبادتهم العجل فتنة فتنوا بها -أي: كفر وضلال ارتكبوه بذلك- وبين لهم أن ربهم الرحمن خالق كل شيء جل وعلا، وأن عجلاً مصطنعاً من حلي لا يعبده إلا مفتون ضال كافر، وأمرهم باتباعه في توحيد الله ﵎، والوفاء بموعد موسى عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأن يطيعوه في ذلك؛ فصارحوه بالتمرد والعصيان والديمومة على الكفر حتى يرجع إليهم موسى، وهذا يدل على أنه بلغ معهم غاية جهده وطاقته، وأنهم استضعفوه وتمردوا عليه ولم يطيعوه، وقد أوضح الله هذا المعنى في سورة الأعراف فقال تعالى: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:١٥٠]، فقولهم في خطابهم له: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾، أي: نستمر ونستديم على عبادتنا، فهذا يدل على استضعفاهم له، وتمردهم عليه المصرح به في الأعراف كما بينا.
стр. 1652
فتوى الطرطوشي في رقص وتواجد الصوفية
ذكر العلامة الشنقيطي ﵀ ﵎ من باب الشيء بالشيء يذكر؛ بمناسبة الكلام على أنهم صاروا عاكفين حول هذا العجل يعبدونه فذكر بهذه المناسبة ما يفعله بعض الصوفية من ذلك مما سيذكره؛ يقول رحمه الله تعالى: قال أبو عبد الله القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآيات الكريمات ما نصه: سئل الإمام أبو بكر الطرطوشي ﵀: ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية، واعلم حرس الله مدته! أنه اجتمع جماعة من رجال يكثرون من ذكر الله تعالى، وذكر محمد ﷺ ، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم -يعني: نوع من الإيقاع من الموسيقى- ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشياً عليه- يذكرون الله ويذكرون الرسول ﵇، ويحضرون شيئاً يأكلونه، هل الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا مأجورين، وهذا القول الذي يذكرونه: يا شيخ كف عن الذنوب قبل التفرق والزلل واعمل لنفسك صالحاً ما دام ينفعك العمل أما الشباب فقد مضى ومشيب رأسك قد نزل وفي مثل هذا ونحوه الجواب يرحمك الله! مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلاً جسداً له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون؛ فهو دين الكفار وعباد العجل، وأما القضيب فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى، وإنما كان يجلس النبي ﷺ مع أصحابه كأنما على رءوسهم الطير من الوقار، فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم من حضور المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ولا أن يعينهم على باطلهم.
هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المسلمين وبالله التوفيق.
انتهى منه بلفظه.
وعلق الشنقيطي رحمه الله تعالى بقوله: قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: قد قدمنا في سورة مريم ما يدل على أن بعض الصوفية على الحق، ولا شك أن منهم من هو على الصراط المستقيم من العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وبذلك عالجوا أمراض قلوبهم وحرسوها وراقبوها وعرفوا أحوالها، وتكلموا على أحوال القلوب كلاماً مفصلاً كما هو معلوم؛ كـ عبد الرحمن بن عطية وابن أحمد بن عطية وابن عسكر أعني أبا سليمان الداراني وكـ عون بن عبد الله الذي كان يقال له: حكيم الأمة.
وكـ سهل بن عبد الله التستري، وأبي طالب المكي وأبي عثمان النيسابوري ويحيى بن معاذ الرازي والجنيد بن محمد ومن سار على منوالهم؛ لأنهم عالجوا أمراض أنفسهم بكتاب الله، وسنة نبيه ﷺ ، ولا يحيدون عن العمل بالكتاب والسنة ظاهراً وباطناً، ولم تظهر منهم أشياء تخالف الشرع، فالحكم بالضلال على جميع الصوفية لا ينبغي ولا يصح إطلاقه، والميزان الفارق بين الحق والباطل في ذلك هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فمن كان منهم متبعاً لرسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وهديه وسمته، كمن ذكرنا وأمثالهم فإنهم من جملة العلماء العاملين، ولا يجوز الحكم عليهم بالضلال، وأما من كان على خلاف ذلك فهو الضال، نعم صار المعروف في الآونة الأخيرة وأزمنة كثيرة قبلها بالاستقراء أن عامة الذين يدعون التصوف في أقطار الدنيا -إلا من شاء الله منهم- دجاجلة يتظاهرون بالدين ليضلوا العوام الجهلة وضعاف العقول من طلبة العلم؛ ليتخذوا بذلك أتباعاً وخدماً وأموالاً وجاهاً، وهم بمعزل عن مذهب الصوفية الحق، لا يعملون بكتاب الله ولا بسنة نبيه ﷺ ، واستعمارهم لأفكار ضعاف العقول أشد من استعمار كل طوائف المستعمرين، فيجب التباعد عنهم والاعتصام من ضلالتهم بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ولو ظهر على أيديهم بعض الخوارق، ولقد صدق من قال: إذا رأيت رجلاً يطير وفوق ماء البحر قد يسير ولم يقف عن حدود الشرع فإنه مستدرج أو بدعي والقول الفصل في ذلك هو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا * وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) [النساء:١٢٣ - ١٢٥].
فمن كان عمله مخالفاً للشرع كمتصوفة آخر الزمان فهو الضال، ومن كان عمله موافقاً لما جاء به نبينا ﵊ فهو المهتدي؛ نرجو الله تعالى أن يهدينا وإخواننا المؤمنين، وألا يزيغنا ولا يضلنا عن العمل بكتابه وسنة نبيه ﷺ التي هي محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
((قَالَ يَبْنَؤُمَّ)) أي: قال هارون (يا ابن أم) أو (يا ابن أم) أي: بكسر الميم أو فتحها في (أم)، وذكرها أعطف لقلبه ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ [طه:٩٤] يعني: لا تأخذ بلحيتي ولا بشعر رأسي، وكان قبض عليهما يجره إليه من شدة غضب موسى لله وغيرته على حرمات الله، ((إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ)) أي: بتركهم لا رأي لهم، ((وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي))، أي: لم تراع في الاستخلاف والقعود بين ظهرانيهم.
стр. 1653
تفسير قوله تعالى: (ألا تتبعن أفعصيت أمري)
قوله تعالى قال ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه:٩٢ - ٩٣] قال بعض أهل العلم (لا) في قوله: (أن لا تتبعني) زائدة للتوكيد، المقصود: ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن تتبعني، لكنا هنا المراد به التوبيخ، ومثله قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف:١٢]، قالوا: لأن المراد ما منعك أن تسجد إذ أمرتك بدليل قوله في القصة بعينها في سورة ص: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، فحذف لفظة: (لا) في سورة ص مع ثبوتها في الأعراف، والمعنى واحد، فدل ذلك على أنها مزيدة للتوكيد.
قال مقيده عفا الله عنه: قد عرف في اللغة العربية: أن زيادة لفظة (لا) في الكلام الذي فيه معنى الجحد لتوكيده مطردة.
يعني: بعض الناس لا يفهمون أن في اللفظ الفلاني حروف مزيدة، والبعض يستغرب كيف يكون في الآية لفظ مزيد، وهذا يجري على لغة العرب التي نزل بها القرآن الكريم.
قال الشنقيطي: قال بعض أهل العلم: (لا) في قوله: (ألا تتبعن) زائدة للتوكيد، واستدل من قال ذلك بقوله تعالى في الأعراف: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف:١٢]؛ لأن المراد: ما منعك أن تسجد إذا أمرتك، بدليل قوله في القصة بعينها في سورة ص: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢٩] أي: ليعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله، وقوله ﵎: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء:٦٥] أي: فوربك لا يؤمنون، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت:٣٤] أي: والسيئة، وقوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥] يعني: أنهم يرجعون، فهل من أهلك يعود إلى الحياة؟ لا، فقوله: ﴿وَحَرَامٌ﴾ هذا تحريم كوني قدري على أحد القولين، وقوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٠٩]، فالمقصود: أنها إذا جاءت يؤمنون، كذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ [الأنعام:١٥١] على أحد القولين: أن تشركوا بالله، فهذا هو التفسير، لكن في القرآن: ((أَلَّا تُشْرِكُوا)).
قال: ونظير ذلك في كلام العرب قول امرئ القيس: فلا وأبيك ابنة العامري لا يدعي القوم أني أفر يعني: فوأبيك، وقول أبي النجم: فما ألوم البيض ألا تسخرا لما رأين الشمط القفندرا يعني: لا ألوم البيض أن تسخرا، وقول الآخر: ما كان يرضي رسول الله دينهم والأطيبان أبو بكر ولا عمر يعني: وعمر.
وقول الآخر: وتلحينني في اللهو ألا أحبه وللهو داع ذائب غير غافل يعني: أن أحبه، و (لا) مزيدة في جميع الأبيات لتوكيد الجحد فيها.
وقال الفراء: إنها لا تزاد إلا في الكلام الذي فيه معنى الجحد، كالأمثلة المتقدمة، والمراد بالجحد: النفي وما يشبهه، كالمنع في قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف:١٢]، فالمنع في حد ذاته في معنى الجحد.
يقول الشنقيطي: والذي يظهر لنا -والله تعالى أعلم- أن زيادة لفظة: (لا) لتوكيد الكلام وتقويته أسلوب من أساليب اللغة العربية، وهو في الكلام الذي فيه معنى الجحد أغلب مع أن ذلك مسموع في غيره، وأنشد الأصمعي لزيادة (لا) قول ساعدة الهذلي: أفعنك لا برق كان وميضة غاب تمسنه ضراب مثقب ويروى: (أفمنك) بدل (أفعنك) يعني: أعنك برق، و (لا) زائدة للتوكيد، والكلام ليس فيه معنى الجحد، ونظيره قوله الآخر: تذكرت ليلى فاعترتني صبابة وكاد صميم القلب لا يتقطع يعني: وكاد صميم القلب يتقطع، مع أنه ليس فيها معنى الجحد.
ومثل هذا قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:١] فالمعنى: أقسم بهذا البلد، و ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة:١] المقصود: أقسم بيوم القيامة.
قال الشنقيطي: قوله تعالى: ((أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي)) الظاهر أن أمره المذكور في هذه الآية هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف:١٤٢]، وهذه الآية الكريمة تدل على اقتضاء الأمر الوجوب؛ لأنه أطلق اسم المعصية على عدم امتثال الأمر، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة؛ كقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، فجعل أمره وأمر رسوله ﷺ مانعاً من الاختيار موجباً للامتثال، وقال تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف:١٢]، فيدل على أن الأمر ظاهره الوجوب، يعني: الأصل في أي صيغة أمر أنها تحمل على الوجوب، ولا تصرف عن الوجوب إلى الاستحباب أو غيره إلا بقرينة، قال في مراقي السعود: وافعل لدى الأكثر للوجوب وقيل للندب أو المطلوب وافعل: يعني: صيغة افعل صيغة الأمر.
стр. 1654
تفسير قوله تعالى: (قال يابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي)
قال الله ﵎: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه:٩٤].
قال الشنقيطي: وذلك يدل على أنه لشدة غضبه أراد أن يمسك برأسه ولحيته، وقد بين تعالى في سورة الأعراف أنه أخذ برأسه يجره إليه، وذلك في قوله: ﴿وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف:١٥٠]، وقوله: ((وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي))، هذا من بقية كلام هارون، أي: ((خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ))، وأن تقول لي: لم ترقب قولي! أي: لم تعمل بوصيتي، وتمتثل أمري.
ثم يذكر الشنقيطي رحمه الله تعالى فائدة من هذه الآية، وهي: أن هذه الآية تعتبر من المواضع الواضحة في القرآن الكريم في التعرض للحية: ((قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي)).
كان العلامة محمد حبيب الله الشنقيطي رحمه الله تعالى صاحب كتاب: فتح المنعم سئل مرة سؤالاً حيث يريد السائل دليلاً من القرآن على مشروعية إعفاء اللحية، ففتح الله عليه بهذه الآية، وهو دليل من القرآن الكريم مباشر وهذا المعنى يوضحه الشنقيطي في هذا التنبيه فيقول: وهذه الآية الكريمة بضميمة آية الأنعام إليها تدل على لزوم إعفاء اللحية.
يعني: من سأل فقال: أين الدليل القرآني على وجوب إعفاء اللحية من القرآن؟ فنقول: أولاً: لا يلزم للشيء أن يكون واجباً أن يثبت فقط بالقرآن، فمحجية السنة أمر لا شك فيه، لكن بغض النظر عن هذا نحاول الإجابة عن
السؤال
يقول: يمكن أن يستدل بهذه الآية، لكن بشرط أن نفهمها في ضوء آية سورة الأنعام، وآية الأنعام المذكورة هي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأنعام:٨٤] ثم إنه ﵎ بعد أن عد الأنبياء الكرام المذكورين -الذين منهم؟ هارون، قال مخاطباً نبيه محمداً ﷺ : ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، فدل ذلك على أن هارون من الأنبياء الذين أمر نبينا ﷺ بالاقتداء بهم، وأمره ﷺ بذلك أمر لنا؛ لأن أمر القدوة أمر لأتباعه، أي: الأمر الموجه للقدوة أمر لأتباعه.
قال: وقد قدمنا هناك أنه ثبت في صحيح البخاري أن مجاهداً سأل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: من أين أخذت السجدة في سورة ص؟ قال: أو ما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ﴾ [الأنعام:٨٤] ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]؟ فسجدها داود، فسجدها رسول الله ﷺ .
ولفظه في البخاري عن العوام قال: سألت مجاهداً عن سجدة ص فقال: سألت ابن عباس: من أين سجدت؟ فقال: (أو ما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام:٨٤] ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]؟ فكان داود ممن أمر نبيكم أن يقتدي به، فسجدها رسول الله ﷺ .
يعني: اقتداء بداود حينما سجد في هذا الموطن في سورة ص.
يقول الشنقيطي ﵀: فإذا علمت بذلك أن هارون من الأنبياء الذين أمر نبينا ﷺ بالاقتداء بهم في سورة الأنعام، وعلمت أن أمره أمر لنا؛ لأن لنا فيهم أسوةً حسنة، وعلمت أن هارون كان موفراً شعر لحيته بدليل قوله لأخيه: ((تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي))؛ لأنه لو كان حالقاً لما أراد أخوه الأخذ بلحيته؛ تبين لك من ذلك بإيضاح أن إعفاء اللحية من السمت الذي أمرنا به في القرآن الكريم، وأنه كان سمت الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم.
والعجب من الذين مسخت ضمائرهم، واضمحل ذوقهم، حتى صاروا يفرون من صفات الذكورية، وشرف الرجولة إلى خنوثة الأنوثة، ويمثلون بوجههم بحلق أذقانهم، ويتشبهون بالنساء حيث يحاولون القضاء على أعظم الفوارق الحسية بين الذكر والأنثى وهو اللحية! وقد كان ﷺ كث اللحية، وهو أجمل الخلق وأحسنهم صورة، والرجال الذين أخذوا كنوز كسرى وقيصر، ودانت لهم مشارق الأرض ومغاربها؛ ليس فيهم حالق، نرجو الله أن يرينا وإخواننا المؤمنين الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.
ثم يقول الشنقيطي: أما الأحاديث النبوية الدالة على إعفاء اللحية، فلسنا بحاجة إلى ذكرها؛ لشهرتها بين الناس؛ وكثرة الرسائل المؤلفة في ذلك، وقصدنا هنا أن نبين دليل ذلك من القرآن.
هل يستطيع أحد أن يناقش هذا الاستدلال؟ ومتى يصح الاستدلال بالآية على الوجوب؟ الآية بمفردها تدل على المشروعية، وهي تدل على الوجوب إذا أضفنا في الاستدلال بها أن هارون فعل ذلك على سبيل الوجوب، فما دام أن هارون فعل ذلك على سبيل الوجوب، وأمر نبينا أن يقتدي به في ذلك؛ فحينئذٍ يصبح هذا دليل الوجوب، لكن الفعل في حد ذاته يحتمل الوجوب ويحتمل النسخ أو الاستحباب، وهذا كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري في هذا الموضع.
على كل الأحوال الحكم ثابت بالوجوب، ونحن ذكرنا هذا للاستزادة، فراجعوا في فتح الباري.
ثم قال الشنقيطي: وإنما قال هارون لأخيه ((يَبْنَؤُمَّ))؛ لأن قرابة الأم أشد عطفاً وحناناً من قرابة الأب.
وأصله.
يا ابن أمي بالإضافة إلى ياء المتكلم، ويطرد حذف الياء وإبدالها ألفاً، وحذف الألف المبدلة منها كما هنا.
стр. 1655
تفسير سورة طه [٩٥ - ١٠٣]
стр. 1656
تفسير قوله تعالى: (قال فما خطبك يا سامري)
قال ﵎: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى * قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [طه:٩٠ - ٩٤] يعني: بتركهم لا راعي لهم، ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه:٩٤] أي: لم تراع قولي في الاستخلاف والوجود بين ظهرانيهم.
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾ [طه:٩٥].
بعد هذا الحوار التفت موسى إلى السامري ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾، أي: ثم أقبل على السامري وقال له منكراً: ما شأنك فيما صنعت؟ وما دعاك إليه؟ ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه:٩٦] أي: فطنت لما لم يتفطنوا له، ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا﴾ [طه:٩٦] يعني: كنت من قبل قد قبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها، يعني: ألقيتها في الحلي المذاب حتى صار عجلاً حيا، ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه:٩٦] أي: حسنته وزينته، ((قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا)) [طه:٩٧] يعني: وإن لعذابك موعداً ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه:٩٧] أي: لنصيرنه رماداً في البحر بحيث لا يبقى منه عين ولا أثر.
стр. 1657
تنبيهات متعلقة بقصة عبادة بني إسرائيل للعجل
стр. 1658
وعظ هارون لقومه أحسن الوعظ
يذكر القاسمي رحمه الله تعالى بعض التنبيهات فيقول: الأول: اعلم أن هارون ﵇ سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه؛ لأنه زجرهم عن الباطل أولاً بقوله: ((يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ))، ثم دعاهم لمعرفة الله ﵎ ثانياً بقوله: ((وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ))، ثم دعاهم ثالثاً إلى معرفة النبوة بقوله تعالى: ((فَاتَّبِعُونِي))، ثم دعاهم إلى الشرائع رابعاً بقوله: ((وَأَطِيعُوا أَمْرِي))، وهذا هو الترتيب الجيد؛ لأنه لابد قبل كل شيء من إماطة الأذى عن الطريق، وهو إزالة الشبهات، ثم معرفة الله تعالى، فإزالة الشبهات في قوله: ((إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ))، ثم معرفة الله في قوله: ((وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ))، فمعرفة الله هي الأصل، ثم التي بعدها النبوة في قوله: ((فَاتَّبِعُونِي))، ثم الشريعة في قوله: ((وَأَطِيعُوا أَمْرِي))، فثبت أن هذا الترتيب على أحسن الوجوه.
وقد برأ الله تعالى بهذه الآيات البينات هارون ﵇ مما افتراه عليه كتبة التوراة من أنه هو السامري الذي اتخذ العجل وأمر بعبادته.
هذا من كذبهم على نبي الله هارون ﵇، لأنه قطعاً مثل موسى وسائر الأنبياء معصومون من أدنى من ذلك بكثير، فكيف لا يعصمون من الشرك؟ وكيف لا يعصمون من عبادة العجل؟ فإذاً: ما ادعاه كتبة التوراة من أن السامري هو هارون ﵇ الذي اتخذ العجل وأمر بعبادته كما هو موجود عندهم، هو من أعظم الفراء بلا امتراء.
عندما تقارن بين مواقف القرآن من الأنبياء ﵈، وبين مواقف هؤلاء الذين حرفوا الكلم من بعد مواضعه، تتعجب! فقد ادعوا أن سليمان ﵇ عبد الأصنام، وما أكثر القبائح التي نسبوها لغيرهم من الأنبياء! وانظر إلى القرآن كيف يعظم هؤلاء الأنبياء كداود وسليمان، وبيان ذلك بالتفصيل في تفسير سورة ص، وهذا من العلامات البينات الدالة على أن القرآن كتاب الله حقاً، وأنه من عند الله ، وأنه ذكر أحسن المواقف وأعظمها للأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فهاهم هؤلاء اليهود لعنهم الله ينسبون ويدعون أن هارون هو السامري، وأنه هو الذي اتخذ العجل، وأنه هو الذي أمر بني إسرائيل بذلك، فانظر كيف يأتي القرآن مهيمناً على ما عندهم من الضلال وحاكياً عن هارون ﵇ أنه قال: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ [طه:٩٠].
стр. 1659
المقصود بالرسول في قوله: (من أثر الرسول)
التنبيه الثاني: عامة المفسرين قالوا: المراد بالرسول في قوله تعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا﴾ هو جبريل ﵇، و ((أَثَرِ الرَّسُولِ)) يعني: التراب الذي أخذه من موضع حافر دابته، حيث قالوا: إنه لاحظ أن أثر الحافر ينبت فيه نبات، فتفرس وتفطن إلى أن فيه قوة حياتية، فمن ثم قبض هذه القبضة وألقاها في الحلي حينما صهرها؛ ليكون منها العجل.
يقول: فعامة المفسرين ذهبوا إلى أن الرسول هو جبريل، والمراد بأثره التراب الذي أخذه من موضع حافر دابته، ثم اختلفوا في السامري متى رآه؟ فقيل: إنما رآه يوم فلق البحر، وقيل: وقت ذهابه بموسى إلى الطور.
واختلفوا أيضاً كيف أن السامري اختص برؤية جبريل ﵇؟ فقيل: إنما عرفه؛ لأنه رآه في صغره، وحفظه من قتل آل فرعون له، وكان ممن رباه،.
وكل هذا ليس عليه أثارة من علم، ولا يدل عليه التنزيل الكريم؛ ولذا قال أبو مسلم الأصبهاني: ليس في القرآن تصريح بهذا الذي ذكره المفسرون، وههنا وجه وآخر وهو: أن يكون المراد بالرسول موسى ﵇، ((فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ)) المراد بالرسول موسى ﵇، وبأثره سنته، ورسمه الذي أمر به، فقد يقول الرجل: فلان يقفو أثر فلان، وفلان يقبض أثر فلان، إذا كان يمتثل رسمه، يعني يتبع هديه وطريقته، ويقال: فلان يقفو أثر شيخه، يعني: يتبعه، فأثر الرسول هو سنته وهديه ورسمه الذي أمر به، فقد يقول الرجل: فلان يقفو أثر فلان، ويقبض أثره إذا كان يمتثل رسمه، والتقدير: أن موسى ﵇ لما أقبل على السامري باللوم، والمسألة عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم بهذا العجل، فرد عليه السامري قائلاً: ((بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ)) أي: عرفت أن الذي أنتم عليه ليس بحق، وقد كنت قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول، أي: شيئاً من سنتك ودينك، فخالفته أي: طرحته، هذا هو الوجه الذي ذهب إليه أبو مسلم، وهو متجه؛ لأنه كما قال: لا توجد أدلة على هذا الذي حكوه من أن أثر الرسول هو جبريل، وأنه أثر حافر فرسه إلى آخره، فلم نقف على دليل على ذلك عن المعصوم ﷺ ويمكن أن تفهم الآية بهذا الوجه المستقيم ((بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ)) يعني: هذا من فتنته بالشرك والردة، قال: أنا فهمت شيئاً لم يفهمه الآخرون، وعرفت لفطانتي وبصيرتي أنكم لستم على الحق، وأن الإسلام ليس هو دين الحق.
((بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ)) أي: اعتد برأيه، وظن أن ما عليه موسى وهارون وقومهما ليس هو الحق، وقد كنت من قبل قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول، يعني: شيئاً من سنتك ودينك، ((فَنَبَذْتُهَا)) يعني: فقذفته وطرحته ورفضته، كنت متمسكاً بهديك وسنتك بالحق، لكنني عندما بصرت بما لم تبصروا به طرحت ونبذت هذا الشيء، فعند ذلك أعلمه موسى ﵇ بما له من العذاب في الدنيا والآخرة.
وإنما أورد بلفظ الإخبار عن غائب كما يقول الرجل لرئيسه وهو مواجه له: ما يقول الأمير في كذا؟ وبماذا يأمر الأمير؟ وهو يشير إلى قوله: ((فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ)) إذاً: الكلام هنا في سياق الغائب، وإن كنا في التفسير نقول: فقبضت قبضة من أثرك أيها الرسول، لكن لفظ القرآن جاء في سياق الغائب، ((قَالَ)) مخاطباً موسى: ((بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ)) لأنه في حالة خطاب مع موسى ﵇.
وأما دعاؤه موسى ﵇ رسولاً مع جحده وكفره، يعني: كيف يخاطبه بقوله: قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول، وهو مكذب بموسى؟ فعلى مذهب من حكى الله تعالى عنه قوله: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر:٦]، فهل هم يؤمنون أن النبي أنزل عليه الذكر؟ لا، لكن يقصدون بذلك أنهم لم يؤمنوا بالإنزال، لكن هذا على سبيل السخرية منه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الحجر:٦ - ٧].
قال الرازي: ما ذكره أبو مسلم أقرب إلى التحقيق مما ذكره المفسرون لوجوه: أحدها: أن جبريل ﵇ ليس مشهوراً باسم الرسول، فليست (ال) العهدية حتى تنصرف إلى جبريل ﵇، خاصة وأن جبريل ﵇ لم يجر له ذكر فيما تقدم حتى تجعل لام التعريف إشارة إليه؛ فإطلاق لفظ الرسول لإرادة جبريل ﵇ كأنه تكلف بعلم الغيب.
يعني: لا يوجد دليل نقلي يثبت أن الرسول هو جبريل ﵇، فجبريل لم يشتهر بلفظ الرسول، بالذات عند الإطلاق كقوله تعالى في سورة المدثر: ((فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ))؛ لأن السياق يرشدنا إلى أن الرسول المعهود هو موسى ﵇، أما هنا لم يجر ذكر جبريل، وجبريل لا يشتهر باسم الرسول بحيث ينصرف الاسم إليه عند الإطلاق، وأيضاً لم تجر لفظ الإشارة حتى تجعل لام التعريف في كلمة: ((الرَّسُولِ)) إشارة إلى جبريل ﵇.
إذاً: لا يوجد أي دليل على تفسير الرسول بجبريل، وكأن القول بأنه جبريل من ادعاء علم الغيب، فمن أين لنا أن أنه جبريل؟ هذا غيب، ولا يوجد دليل على تأييد ذلك.
ثانيهاً -أي ثاني الوجوه-: أنه لابد فيه من الإضمار، والإضمار بلا شك خلاف الأصل؛ لأننا كما قلنا: الوجه الأول من التفسير المشهور عند المفسرين: ((فَقَبَضْتُ قَبْضَةً)) أي: من أثر حافر فرس جبريل، يعني: نحن نقدر ثلاث كلمات، والإضمار خلاف الأصل، الأصل ألا يكون هناك إضمار، فهذا إضمار فيه كثير من التكلف.
ثالثها: أنه لا بد من التعسف في بيان كيف أن السامري كيف اختص من بين جميع الناس برؤية جبريل ﵇ ومعرفته؟ من أين عرف أنه جبريل؟! ومن أين رآه؟! ولماذا هو بالذات؟! ولماذا لم يره غيره من الناس؟! فنحتاج إلى التعسف في جوابنا على هذه الأسئلة.
كيف اختص السامري من بين جميع الناس برؤية جبريل ﵇ ومعرفته أنه هو جبريل؟ ثم كيف عرف أن لتراب حافر فرسه هذا الأثر؟ والذي ذكروه من أن جبريل ﵇ هو الذي رباه بعيد.
يقولون: إن جبريل هو الذي رباه لما أنقذه من فرعون وهو صغير، ولم يقتله كما كان يقتل صبية بني إسرائيل وهذا احتمال بعيد؛ لأن السامري إن عرف جبريل حال كمال عقله، عرف قطعاً أن موسى ﵇ نبي صادق، فكيف يحاول الإضلال؟! فلدينا أحد أمرين: إما أن السامري عرف جبريل في حال صغره قبل أن يكتمل عقله، وإما بعد أن اكتمل عقله، فإذا كان عرف جبريل وهو يأتي موسى ﵇ من عند الله حال كمال عقله، فلا شك أنه سيعرف بذلك أن موسى نبي صادق، حيث هو يرى بعينيه جبريل ملك الوحي الذي ينزل على موسى، فهذا دليل قطعي على نبوة موسى ﵇، فكيف يرتد بعد ذلك عن الإيمان بموسى؟! وكيف يحاول إضلال بني إسرائيل؟! ثم إن كان لم يعرفه حالة البلوغ، فأي منفعة لكون جبريل ﵇ مربياً له حال الطفولية في حصول تلك المعرفة؟ هذه أيضاً أشياء تستوجب قدراً كبيراً من التعسف للإجابة على هذه الأسئلة، والحقيقة أن هذا التفسير تفسير قوي، وله وجه للأسباب التي ذكرنا، فهذه من الفوائد العظيمة في تفسير القاسمي، فعضوا عليها بالنواجذ.
стр. 1660
أوجه تفسير قوله: (لا مساس)
التنبيه الثالث في قوله: ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ﴾ [طه:٩٧] في قوله: ((لا مِسَاسَ)).
وجوه: الوجه الأول: لا أَمس ولا أُمس، يعني عوقب السامري بأنه ما دام حياً لا يقربه أحد أبداً، ولا يمس أحداً.
الوجه الثاني: أن المقصود من قوله: ((لا مِسَاسَ)): المنع من أن يخالط أحداً، أو يخالطه أحد عقوبة له، هجرة وعقوبة جماعية له، فالناس كلهم يقاطعونه عقوبة له على ما صنع.
الوجه الثالث: ما ذكره أبو مسلم أي: ما أريد مس النساء، فيكون من تعذيب الله إياه انقطاع نسله، فلا يكون له ولد يؤنسه، فيحرمه الله تعالى من زينتي الدنيا اللتين ذكرهما بقوله: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٤٦]؛ لأن المس يكنى به عن النكاح، كما في قوله تعالى: (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٧]، والله تعالى أعلم.
стр. 1661
تفسير قوله تعالى: (إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو)
ولما فرغ موسى ﵇ من إبطال ما دعا إليه السامري عاد إلى بيان الدين الحق، فقال: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه:٩٨].
((إِنَّمَا إِلَهُكُمُ)) أي: المستحق للعبادة والتعظيم ﴿اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أي: أحاط علمه بكل شيء.
قال الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾: بين جل وعلا في هذه الآية أن العجل الذي صنعه السامري من حلي القبط لا يمكن أن يكون إلهاً؛ وذلك لأنه حصر الإله أي المعبود بحق بـ: ((إِنَّمَا)) -التي هي أداة حصر على التحقيق- في خالق السماوات والأرض.
﴿الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [طه:٩٨] أي: لا معبود بحق إلا هو وحده جل وعلا، وهو الذي وسع كل شيء علماً، (وعلماً) تمييز محول عن الفاعل.
أي: وسع علمه كل شيء.
وما ذكره ﵎ في هذه الآية الكريمة: من أنه تعالى هو الإله المعبود بحق دون غيره، وأنه وسع كل شيء علماً؛ ذكره في آيات كثيرة من كتابه الكريم، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩].
وقال في إحاطة علمه بكل شيء: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس:٦١]، وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً.
стр. 1662
تفسير قوله تعالى: (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق)
قوله ﵎: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءَِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ [طه:٩٩]، هذا السياق -كما بينه القاسمي - إشارة إلى فضل الله على نبيه محمد ﷺ فيما قصه عليه من أنباء الأنبياء تنويهاً بشأنه، وزيادة في معجزاته، وتكثيراً للاعتبار والاستبصار في آياته.
قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾.
((ذِكْرًا)) أي: كتاباً عظيماً جامعاً لكل كمال، وسمى القرآن ذكراً؛ لما فيه من ذكر ما يحتاج إليه الناس من أمر دينهم ودنياهم، ومن ذكر آلاء الله ونعمه، ففيه التذكير والمواعظ، ولما فيه من الذكر الخاص له صلوات الله وسلامه عليه.
قال الرازي: وقد سمى تعالى كل كتبه ذكراً، فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل:٤٣].
كما بين تعالى نعمته بذلك بين شدة الوعيد لمن أعرض عنه فلم يؤمن به، فقال : ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ [طه:١٠٠ - ١٠١].
((مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ)) أي: عن هذا القرآن، وعن هذا الذكر ((فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا)) أي: إثماً، يعني: عقوبة ثقيلة، شبهت بالحمل الثقيل لثقلها على المعاقب، وصعوبة تحملها أو صعوبة احتمالها.
((خَالِدِينَ فِيهِ)) أي: باحتماله المستمر، ((وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا)).
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ [طه:١٠٢ - ١٠٣].
стр. 1663
تفسير الشنقيطي لقوله تعالى: (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق)
يقول الشنقيطي في قوله تعالى: ((كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ)): الكاف في قوله: ((كَذَلِكَ)) [طه: ٩٩]، في محل نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: نقص عليك من أنباء ما سبق قصصاً مثل ذلك القصص الحسن الحق الذي قصصنا عليك عن موسى وهارون، وعن موسى وقومه والسامري.
والظاهر أن (من) في قوله تعالى: ((مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ)) للتبعيض، ويفهم من ذلك: أن بعضهم لم يقصص عليه خبره، وليس المقصود بها البيان؛ لأن الله أخبر في موضع آخر في القرآن الكريم أنه قص عليه أنباء بعض الرسل، وبعضهم لم يقصه عليه، كما قال ﵎ في سورة النساء: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٤]، وقال تعالى في سورة المؤمن: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر:٧٨] وقال في سورة إبراهيم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [إبراهيم:٩].
والأنباء: جمع نبأ، وهو الخبر الذي له شأن.
وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أنه قص على نبيه ﷺ أخبار الماضين.
أي: ليبين بذلك صدق نبوته، فالله من حكمة اشتمال القرآن الكريم على قصص الأنبياء السابقين الماضين: هو تأييد نبيه محمد ﷺ بهذه المعجزة؛ لأنه أمي لا يكتب ولا يقرأ الكتب، ولم يتعلم أخبار الأمم وقصصهم؛ فلولا أن الله أوحى إليه ذلك لما علمه، وهذا ما بينه تعالى في قوله : ﴿ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران:٤٤] أي: فلولا أن الله أوحى إليك ذلك لما كان لك به علم، وقوله تعالى في سورة هود: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود:٤٩]، وقال أيضاً في سورة هود: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود:١٢٠]، وقال تعالى في سورة يوسف: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف:١٠٢]، وقال أيضاً في قصة يوسف: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف:٣] يعني: لم يكن عندك علم بهذا الذي قصصنا عليك، وقال أيضاً في سورة القصص: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ﴾ [القصص:٤٤]، وقال أيضاً في سورة القصص: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص:٤٦]، وقوله أيضاً: ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [القصص:٤٥]، كل هذه الآيات تؤكد معنى واحد، وهو: أن هذا من معجزات النبي ﵌، وهذا من مؤيدات نبوته وأعلامها؛ لأن المقصود أنك لم تكن حاضراً يا نبي الله تلك الوقائع، فلولا أن الله أوحى إليك ذلك لما علمته.
وقوله تعالى: ((كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ)) أي: أخبار ما مضى من أحوال الأمم والرسل، وقوله: ((وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا)) أي: أعطيناك من عندنا ذكراً، وهو هذا القرآن العظيم، وقد دلت على ذلك آيات من كتاب الله، كقوله : ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء:٥٠]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران:٥٨]، فالقرآن يسمى ذكراً، وقال أيضاً: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء:٢]، وقال أيضاً: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص:١]، وقال أيضاً: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف:٤٤]، وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، إلى غير ذلك من الآيات.
قال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة: ثم في تسمية القرآن بالذكر وجوه: أحدها: أنه كتاب فيه ذكر ما يحتاج إليه الناس من أمر دينهم ودنياهم.
ثانيها: أنه يذكر أنواع آلاء الله ونعمه تعالى، ففيه التذكير والمواعظ.
ثالثها: أن فيه الذكر والشرف لك ولقومك كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف:٤٤] أي: فإنه شرف لك ولقومك.
واعلم أن الله تعالى سمى كل كتبه ذكراً، فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل:٤٣].
ويدل على الوجه الثاني في كلامه قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه:١١٣].
стр. 1664
تفسير قوله تعالى: (من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً)
قال تعالى: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ [طه:١٠٠].
قال الشنقيطي: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من أعرض عن هذا الذكر الذي هو القرآن العظيم، أي: صد وأدبر عنه، ولم يعمل بما فيه من الحلال والحرام، والآداب والمكارم، ولم يعتقد ما فيه من العقائد، ويعتبر بما فيه من القصص والأمثال، ونحو ذلك؛ ((فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا))، قال الزمخشري: يريد بالوزر العقوبة الثقيلة الباهظة، سماها وزراً: تشبيهاً -في ثقلها على المعاقب، وصعوبة احتمالها- بالحمل الذي يفدح الحامل، وينقض ظهره، ويلقي عليه بهره، أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم.
قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: قد دلت آيات كثيرة من كتاب الله على أن المجرمين يأتون يوم القيامة يحملون أوزارهم، أي: أثقال ذنوبهم على ظهورهم كقوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام:٣١]، وقال في النحل: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:٢٥]، وقال في العنكبوت: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت:١٣]، وقال في فاطر: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر:١٨]، وبهذه الآيات التي ذكرنا وأمثالها في القرآن تعلم أن معنى قوله تعالى: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾، وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ [طه:١٠١]: أن المراد بذلك الوزر المحمول: أثقال ذنوبهم وكفرهم يأتون يوم القيامة يحملونها، سواء قلنا: إن أعمالهم السيئة تتجسم في أقبح صورة وأنتنها، أو غير ذلك كما تقدم إيضاحه، والعلم عند الله.
قال القرطبي في تفسير هذه الآية: ((خَالِدِينَ فِيهِ)) يريد: مقيمين فيه أي: في جزائه، وجزاؤه جهنم.
стр. 1665
تفسير قوله تعالى: (يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذٍ زرقاً)
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه:١٠٢] بدل من يوم القيامة، أو منصوب بمحذوف، والنفخ في الصور تمثيل لبعث الله للناس يوم القيامة بسرعة لا يماثلها إلا نفخة في بوق، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]، وعلينا أن نؤمن بما ورد من النفخ في الصور، وليس علينا أن نعلم ما هي حقيقة ذلك الصور، والبحث وراء هذا عبث لا يسوغ للمسلم، أفاده بعض المحققين.
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه:١٠٢] أي: نسوقهم إلى جهنم، ((زُرْقًا)) أي: زرق الوجوه، والزرقة تقرب من السواد، فتكون وجوههم فيها زرقة قريبة جداً من السواد، فهذا بمعنى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦].
وقال أبو مسلم: المراد بهذه الزرقة شخوص أبصارهم، والأزرق شاخص؛ لأنه لضعف بصره يكون محدقاً نحو الشيء يريد أن يتبينه، وهذه حال الخائف المتوقع لما يكره، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم:٤٢]، نقله الرازي، والأول أظهر، يعني: أنه فعلاً وجوههم تكون شديدة الزرقة بحيث تقترب من اللون الأسود.
﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ [طه:١٠٣].
((يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ)) أي: يتسارُّون من الرعب والهول أو من الضعف، قائلين يهمس بعضهم في أذن بعض، فهم يتخافتون فيما بينهم من الرعب والهول، أو من الضعف الشديد سراً، قائلين: ((إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا))، يعني: في الدنيا لبثتم عشر ليال، يتذكرون المدة التي عاشوها في الدنيا، فيقدرونها ويقولون: نحن عشنا تقريباً في الدنيا عشر ليال فقط، كل العمر الذي عاشوه ستين أو سبعين أو ثمانين سنة يوازي عشر ليال.
قال الزمخشري: يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا: إما لما يعاينون من الشدائد التي تذكرهم أيام النعمة والسرور.
يعني: الشدائد التي يلقونها يوم القيامة من هولها تنسيهم أيام السرور، وهذا قريب جداً مما ذكرناه في سورة يس: ((قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا)).
هل هم كانوا في حالة رقود، أم كانوا يعذبون في القبور؟ يعني: من شدة الأهوال التي عاينوها نسوا العذاب الذي كان في القبر؛ لأنه بالنسبة إليه شيء لا يذكر: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢].
стр. 1666
تفسير قوله تعالى: (يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشراً)
قال تعالى: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ [طه:١٠٣].
((يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ)) أي: يتسارُّون من الرعب والهول أو من الضعف، قائلين يهمس بعضهم في أذن بعض: ((إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا)) يعني: في الدنيا لبثتم عشر ليال، يتذكرون المدة التي عاشوها في الدنيا، فيقدرونها ويقولون: نحن عشنا في الدنيا تقريباً عشر ليال فقط! كل العمر الذي عاشوه ستين أو سبعين أو ثمانين سنة يوازي عشر ليال!! قال الزمخشري: يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا إما لما يعاينون من الشدائد التي تنسيهم أيام النعمة والسرور.
يعني: الشدائد التي يلقونها يوم القيامة من هولها تنسيهم أيام السرور، وهذا قريب جداً مما ذكرناه في سورة يس: ((قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا)).
فهم كانوا يعذبون في القبور، ومن شدة الأهوال التي عاينوها نسوا العذاب الذي كان في القبر؛ لأنه بالنسبة إليه شيء لا يذكر: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢].
стр. 1667
تفسير سورة طه [١٢٨ - ١٣٢]
стр. 1668
تفسير قوله تعالى: (أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون)
قال ﵎: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى﴾ [طه:١٢٨]، ((أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ)) أي: لهؤلاء المكذبين، ((كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ)) أي: الأمم المكذبة للرسل، ((يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ)) يريد قريشاً حيث يتقلبون في بلاد عاد وثمود ولوط، ويعاينون آثار هلاكهم، فقوله: ((مَسَاكِنِهِمْ)) يعود إلى هؤلاء المعذبين من القرون المهلكة، أما قوله: ((يَمْشُونَ)) فالواو تعود إلى كفار قريش، أي: هم يتقلبون في بلاد عاد وثمود ولوط، ويعاينون آثار هلاكهم، وأنه ليس لهم باقية ولا عين ولا أثر.
((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى)) أي: العقول السليمة، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
стр. 1669
تفسير قوله تعالى: (ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاماً وأجل مسمى)
قال : ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه:١٢٩]، هذا بيان لحكمة تأخير عذابهم، مع إشعار قوله ﵎: ((أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ)) بإهلاكهم مثل هلاك أولئك، يعني: كما كذب هؤلاء المكذبون من قريش فلهم نفس المصير الذي لقيه المكذبون فيما مضى، لكن يمنع من نزول العذاب بهم الآن كما نزل على من قبلهم أن لذلك أجلاً محتماً لا يخلفه الله ، وما هي هذه الكلمة السابقة؟ قال القاشاني: هو القضاء السابق ألا يستأصل هذه الأمة بالدمار والعذاب في الدنيا؛ لأن محمداً ﵊ نبي الرحمة، فقد قضى الله ألا يهلك أمته إهلاكاً عاماً يستأصل شأفة المكذبين منهم كما حصل في الأمم السابقة.
وقال الزمخشري في تفسير الكلمة السابقة: هي العدة بتأخير جزائهم إلى الآخرة، فقد وعد الله أنه يؤجل عذابهم إلى الآخرة، فلولا هذه العدة؛ لكان مثل إهلاكنا عاداً وثمود لازماً لهؤلاء الكفرة.
وقوله: ((لَكَانَ لِزَامًا)) يعني: كان إهلاكهم لازماً ومحتماً كما أهلك الأولون، واللزام مصدر لازم كالخطاب، وصف بالمصدر مبالغة كما تقول: رجل صدق، فيوصف الإنسان بالمصدر أحياناً للمبالغة، أو أن اللزام اسم آلة؛ لأنها تبنى عليه، كحزام وركاب، واسم الآلة يوصف به مبالغة أيضاً كقولهم: مسعر حرب، ونزال خصم، بمعنى: مجهز على خصمه، من نز بمعنى ضيق عليه، وجوز أبو البقاء كون لزام جمع لازم، كقيام جمع قائم.
стр. 1670
معنى قوله تعالى: (وأجل مسمى)
قوله تعالى: ((وَأَجَلٌ مُسَمًّى)) عطف على (كلمة)، (ولولا كلمة وأجل) أي: ولولا أجل مسمى لأعمارهم أو أجل مسمى لعذابهم وهو يوم القيامة؛ لما تأخر عذابهم أصلاً، فهم يستحقون العذاب؛ لأنهم كذبوا، فالأصل أنهم يعاقبون كما عوقب السابقون الذين أشير إليهم في قوله تعالى: ((أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ)) إلا أن الله بين أن هناك مانعين يمنعان أن يكون العذاب لازماً لهم الآن، فالأول هو العدة بتأخير جزائهم إلى يوم القيامة، ولولا أيضاً أجل مسمى، فلا يستغرب أحد كيف أن (لزاماً) منصوبة، و (أجل) مرفوعة؛ لأن (أجل) معطوفة على (كلمة)، وكلمة مرفوعة، قال تعالى: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾، إذاً: لولا كلمة سبقت من الله ولولا أيضاً أجل مسمى لكان نزول العذاب فيهم أمراً لازماً محتماً.
وقوله تعالى: ((وَأَجَلٌ مُسَمًّى)) إذا كان في الدنيا فقد يكون يوم بدر كما قال الله: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان:٧٧]، وفي حديث أشراط الساعة التي تكون قبل يوم القيامة: (اللزام) وهو العذاب الذي لزمهم يوم بدر، أو يكون الأجل المسمى يوم القيامة، فلولا هذا الأجل المسمى لما تأخر عذابهم أصلاً.
قال أبو السعود: وفصله عما عطف عليه -يعني: مع تقارب المعنى بين قوله: ((كَلِمَةٌ سَبَقَتْ))، وبين قوله: ((أَجَلٌ مُسَمًّى)) - للإشعار باستقلال كل منهما، فالعطف للمغايرة، ولنفي لزوم العذاب، ومراعاة لفواصل الآية الكريمة، ويحتمل أن المقصود ((لَكَانَ لِزَامًا)) يعني: لكان الأخذ العاجل ((لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى)) كدأب عاد وثمود وأضرابهم.
стр. 1671
تفسير قوله تعالى: (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك)
قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه:١٣٠] أي: إذا كان تأخير عذابهم ليس بإهمال، بل إمهال، فإن الله يمهل ولا يهمل؛ فاصبر على ما يقولون من كلمات الكفر.
فهذه الفاء سببية في قوله: ((فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ))، والمراد بالصبر عدم الاضطراب لما صدر منهم، وليس المراد ترك القتال فتكون الآية منسوخة، لكن المقصود: لا تضطرب ولا تجزع لما صدر منهم من الأقوال الكفرية.
стр. 1672
معنى قوله: (وسبح بحمد ربك)
قوله تعالى: ((وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا)) في المراد بالتسبيح هنا وجهان: الأول: أنه التنزيه، والثاني: أنه الصلاة، فيحتمل أن المقصود: ((وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ)) يعني: نزه ربك عن الشرك، وسائر ما يضيفون إليه من النقائص، حامداً له على ما ميزك بالهدى، معترفاً بأنه المولي للنعم كلها، ومن الصيغ الثابتة المأثورة في التسبيح: سبحان الله وبحمده.
وخصص هذه الأوقات بالتسبيح؛ لأن لبعض الأوقات مزية على غيرها فقال: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق:٣٩]، وذكر طرفي النهار؛ ليعم الأمر بالتسبيح الليل والنهار، فكأنه قال: سبح بحمد ربك في كل وقت، فذكر الطرفين؛ ليفيد عموم هذه الأوقات، أو يكون المقصود أن لهذين الوقتين بالذات مزية على غيرهما من الأوقات، وهذا صحيح، فإن بعد صلاة الصبح إلى أن تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس -اللذان هما طرفا النهار- من الأوقات المباركة، وثبت في فضيلتهما كثير من الأحاديث، وهما أفضل أوقات الذكر في النهار على الإطلاق.
إذاً: القول الأول: ((وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ)) يعني: نزه ربك متلبساً بحمده؛ لأن الكمال يتضمن أمرين: نفياً وإثباتاً، فالنفي يشير إليه التسبيح، فلفظة التسبيح تفيد تنزيه الله عن النقائص وعن كل ما لا يليق به، أما التحميد فهو الثناء على الله بالكمالات كلها، فله صفات الكمال والجمال والجلال.
والحمد أعم من الشكر، فالحمد هو الثناء الحسن، والمدح بصفات الكمال والجمال والجلال، فإذا قلنا: سبحان الله وبحمده، استجابة لقوله: ((وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ))؛ فهذه الباء تفيد التلبس، يعني: سبح بحمد ربك متلبساً بتحميده، يعني: اقرن بين التسبيح وبين التحميد؛ لتجمع بين السببين، نفي النقائص وإثبات الكمالات، فهذا معنى: سبحان الله وبحمده، سبحان الله: أي: أنزه الله عما لا يليق، وبحمده أي: أقول بجانب سبحان الله: الحمد لله، يعني: أثني عليه بإثبات الكمالات له وأمدحه بذلك.
القول الثاني: أن المراد بالتسبيح هنا: الصلاة، ((وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ)) أي: صل لربك، وهو الأقرب عند القاسمي ﵀، بدلالة قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥] وهذه دلالة الاقتران، فقرن الصبر بالصلاة، فنفهم آية طه في ضوء آية البقرة: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥] أي: استعينوا على البلاء الذي منه أذية الكفار للمؤمنين بما يسمعونه منهم من كلمات الكفر والأذى، كما قال تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران:١٨٦]، وهنا يقول: ((فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ)) يعني: اصبر على ما يقولون من كلمات الكفر والأذى الذي يؤذونك به، فهذه الآية مثل قوله في الآية الأخرى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥].
قوله تعال: ((وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ)) عطف على الأمر بالصبر على ما يقولون من الأذى، وفي الآية الأخرى عطف على الأمر بالصبر، فيصير المقصود بالتسبيح هنا الصلاة، والآيات يفسر بعضها بعضاً، وفي بعض الأحاديث يطلق على الصلاة تسبيح، مثل حديث: (كان لا يسبح في السفر)، وقول ابن عمر: (لو كنت مسبحاً لأتممت) يعني: لو كنت متنفلاً في السفر لأتممت، وفي الحديث: (جمع النبي ﵊ بين المغرب والعشاء بمزدلفة جمع تأخير ولم يسبح بينهما شيئاً) يعني: لم يتنفل بينهما، فالصلاة يطلق عليها تسبيح، باعتبار أن التسبيح أحد أعمال الصلاة، فيجوز أن يطلق عليها جزء من أجزائها.
إذاً: المعنى: ((فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ)) أي: صل وأنت حامد لربك على هدايته وتوفيقه.
((قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ)) يعني: صلاة الفجر، ((وَقَبْلَ غُرُوبِهَا)) يعني: صلاة الظهر والعصر؛ لأنهما واقعتان في النصف الأخير من النهار، بين زوال الشمس وغروبها، ((وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى)) أي: من ساعات الليل، والمراد: صلاة المغرب والعشاء، وإنما جعل وقت الصلاة فيهما لاختصاصهما بمزيد من الفضل؛ وذلك لأن أفضل الذكر ما كان بالليل لاجتماع القلب، وهدوء الرجل، والخلو بالرب ﵎، ولأن الليل وقت السكون والراحة، فصرفه للعبادة على النفس أشد وأشق، وللبدن أتعب وأنفق، فكانت أفضل عند الله وأقرب؛ لأن فيها مجاهدة للنوم واللجوء إلى الراحة.
وقوله: ((وَأَطْرَافَ النَّهَارِ)) ظرف، يعني: سبح أطراف النهار، وقوله: ((وَأَطْرَافَ النَّهَارِ)) تكرير لصلاة الفجر والعصر، إيذاناً باختصاصهما بمزيد مزية، ومجيئه بلفظ الجمع مشاكلة لآناء الليل، أو لأن صلاة الظهر في نهاية النصف الأول من النهار وبداية النصف الأخير، فجمع باعتبار النصفين، أو لأن النهار جنس فيشمل كل نهار، أو أمر بالتطوع في أجزاء النهار.
قال الرازي: إنما أمر عقيب الصبر بالتسبيح؛ لأن ذكر الله تعالى يفيد السلوى والراحة، إذ لا راحة للمؤمنين دون لقاء الله ﵎.
وقد أشير إلى حكمة الأمر بالصبر والتسبيح بقوله تعالى: ((لَعَلَّكَ تَرْضَى)) أي: رجاء أن تنال ما به ترضى نفسك، يعني: الزم هذين الأمرين: الصبر والتسبيح لعلك تنال ثواب ذلك وهو أن يرضيك الله، وتنال به ما ترضى به نفسك من رفع ذكرك، ونصرك على عدوك، وبلوغ أمنيتك من ظهور توحيد ربك، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥]، وفي الحديث القدسي: (يا محمد! إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك).
стр. 1673
تفسير قوله تعالى: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم)
أشار تعالى إلى أن ما متع به الكفار من زخارف الدنيا إنما هو فتنة لهم، فلا ينبغي الرغبة فيه، وأن ما عنده أجل وأسمى، فقال ﵎: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١]، ((أَزْوَاجًا)) أي: أصنافاً، ((زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا)) أي: زينتها، منصوب على البدلية، بدل من ((أَزْوَاجًا)) أو منصوب بـ ((مَتَّعْنَا))، على تضمين معنى أعطينا أو خولنا.
وقوله: ((لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ)) أي: لنختبرهم فيما متعناهم به من ذلك ونبتليهم، فإن ذلك فان وزائل، وغرور وخداع مضمحل.
قال أبو السعود: قوله تعالى: ((لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ)) متعلق بقوله: ((مَتَّعْنَا)) يعني: متعناهم بهذه الدنيا، لنفتنهم فيه، جيء به للتنفير عنه، ببيان سوء عاقبته مآلاً، إثر إظهار بهجته حالاً، فهو في الحال زهرة، لها بهجة ونضارة، لكن في المآل تضمحل وتزول، ولذلك قال: ((زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا)) فهذا إشارة إلى سوء عاقبة ما هم فيه من المتاع مآلاً إثر إظهار بهجته حالاً، أي: لنعاملهم معاملة من يبتليهم ويختبرهم فيه، أو لنعذبهم في الآخرة بسببه.
((وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى)) أي: ثوابه الأخروي خير في نفسه مما متعوا به وأدوم، ((وَرِزْقُ رَبِّكَ)) يعني: ثوابه في الآخرة، خير في نفسه، ((وَأَبْقَى)) يعني: أدوم؛ لأنه لا يفنى، بل يكونون خالدين فيه، فلذلك قال: (ورزق ربك خير) مما هم فيه من زهرة الحياة الدنيا، والثواب الأخروي أفضل وأبقى مما هم فيه؛ لأن ما هم فيه زهرة لا تلبث أن تضمحل، أما رزق ربك وثواب الآخرة فإنه باق لا يضمحل ولا يفنى، وهذا كقوله تعالى: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص:٨٠].
أو المعنى: ما أوتيت من النبوة والهدى خير مما فتنوا به وأبقى، ((وَرِزْقُ رَبِّكَ)) يعني: ما أوتيت -يا محمد- من النبوة والهدى، خير مما فتنوا به وأبقى؛ لأنه لا مناسبة بين الهدى الذي تتبعه السعادة في الدارين، وبين زهرة يتمتع بها مدة ثم تذبل وتفنى، وفي التعبير بالزهرة إشارة لسرعة الاضمحلال، فإن أجلها قريب.
стр. 1674
قول الزمخشري في تفسير هذه الآية
من لطائف الآية ما قاله الزمخشري ﵀ ونصه: مد النظر تطويله، وألا يكاد يرده استحساناً للمنظور إليه، وإعجاباً به، وتمنياً أن يكون له، كما فعل نظارة قارون حين قالوا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩]، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص:٨٠].
قال: وفيه: أن النظر غير الممدود معفو عنه، فالنهي ليس عن النظر، وإنما هو عن مد النظر، فالنظر غير الممدود معفو عنه، وذلك مثل نظر من باده الشيء بالنظر، ثم غض الطرف، يعني: مثل نظرة الفجأة، فمن نظر نظرة لا يقصدها، فرأى شيئاً ينبغي له أن يغض النظر عنه، فيغض طرفه بسرعة، ولا حرج عليه في ذلك، فالنهي هو عن مد البصر وإدامته كما قال النبي ﵊ لـ علي بن أبي طالب: (يا علي! لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة) له الأولى التي نفهمها في ضوء حديث جرير في نظرة الفجأة، قال: (سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة؛ فأمرني أن أصرف بصري).
إذاً: نظر الفجأة هي النظرة التي تقع بطريقة غير إرادية، وغير مقصودة، وسرعان ما يغض الطرف عن المنظور، لكن لو كانت النظرة الأولى ناشئة عن عمد ونية فلا تحل الأولى ولا الثانية، وبعض الناس عندهم مرض في قلوبهم؛ ولذلك يفهمون الأحاديث والنصوص فهماً سقيماً، يقول الرسول ﵊: (لك الأولى وليست لك الآخرة) فيظن أن له أن ينظر الأولى عامداً إلى حرم الله النظر إليه، وليس هذا هو المقصود، وإنما المقصود: لك الأولى إذا كانت نظرة فجأة بغير قصد، أما بقصد فلا تحل أولى ولا أخرى.
يقول الزمخشري: ولما كان النظر إلى الزخارف كالمركوز في الطباع، وأن من أبصر منها شيئاً أحب أن يمد إليه نظره، ويملأ منه عينيه، قيل: ((وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ)) أي: لا تفعل ما أنت معتاد له، وظالم به، ولقد شدد العلماء من أهل التقوى في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة، وعدد الفسقة، في اللباس والمراكب وغير ذلك؛ لأنهم إنما اتخذوا هذه الأشياء لعيون النظارة، فالناظر إليها محصل لغرضهم.
وهم إنما اتخذوها لجذب ولفت أنظار الناس إليهم، فمن ينظر إليهم فكأنه يغريهم على اتخاذ هذه الأشياء؛ لأنه يحصل لهم غرضهم الذي اتخذوها من أجله، والنظر إلى صورة المنظور تؤثر في القلب، وكذلك النظر إلى الظلمة له تأثير في إمراض القلب؛ ولذلك يجتهدون الآن في تدخيل التقنية الحديثة في تضخيم الأصوات، والتحدث بطريقة معينة، والتحرك بطريقة معينة، وكل ذلك أمور مدروسة؛ لإظهار الهيبة من هؤلاء.
стр. 1675
تفسير قوله تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها)
قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢] يعني: بأهله: أهل بيته أو التابعين له ﷺ ، والراجح: أن أهل النبي ﵊ هم كل مؤمن كما حققه العلامة ابن القيم في كتابه: جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام، ﷺ ، فمن أراد تحقيق هذه المسألة فليراجع كتاب جلاء الأفهام للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، فقد شرح وبين أن المقصود بالآل في قولنا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، أتباعه المؤمنون به ﵊.
يقول: ((وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ)) يعني: أهل بيته أو التابعين له، أي: مرهم بإقامتها لتجذب قلوبهم إلى خشية الله .
стр. 1676
معنى قوله تعالى: (واصطبر عليها)
قوله تعالى: ((وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا)) أي: اصطبر على أدائها؛ لترسخ بالصبر عليها ملكة الثبات على العبادة؛ لأن الإنسان إذا واظب على الصلاة فهو لما سواها أحفظ، ومن ضيع الصلاة فهو لما سواها أضيع، فلذلك هل يمكن أن تجد من هو محافظ على الصلوات الخمس في جماعة، ثم يفطر في رمضان عامداً؟ لا؛ لأنه إذا حافظ على الصلاة فلابد أنه سيحافظ على الزكاة والحج وصوم رمضان وغير ذلك، لكن إذا هان على إنسان أن يضيع الصلاة فإنه يهون عليه ما عدا الصلاة من العبادة.
ثم أشار تعالى إلى أن الأمر بها؛ إنما هو لفلاح المأمور ومنفعته، فالأمر بالصلاة ليس لأن الله محتاج إلى عباده، أو أن صلاتهم تعود عليه بنفع ما، وإنما لأن نفع الصلاة يعود إليهم هم؛ فلذلك عقب الأمر بالصلاة بقوله: ((لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)).
стр. 1677
معنى قوله تعالى: (لا نسألك رزقاً نحن نرزقك)
الأمر بالصلاة إنما هو لفلاح المأمور ومنفعته، ولا يعود على الآمر بها وهو الله نفع ما، لتعاليه وتنزهه، ولذلك قال: ((لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ)) أي: لا نسألك مالاً، بل نكلفك عملاً ببدنك نؤتيك عليه أجراً عظيماً وثواباً جزيلاً، ومعنى ((نَحْنُ نَرْزُقُكَ)) أي: نحن نعطيك المال ونكسبك، ولا نسألك هو، وهذا قاله ابن جرير رحمه الله تعالى.
وقال أبو مسلم: المعنى: أنه تعالى إنما يريد منه ومنهم العبادة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، ولا يريد منه أن يرزقه كما تريد السادة من العبيد الخراج، فإن شأنكم معشر البشر إذا كان للرجل منكم عبيد فإنه يترك هؤلاء العبيد يعملون ويكتسبون المال، ويعودون بهذا المال على سيدهم، فهو ينتفع بهم؛ لأن المال الذي في يد العبد ملك لسيده في الحقيقة، فالله ﵎ يبين أنه ما يريد منهم ولا منه ﵊ سوى العبادة، ولا يريد من العباد أن يرزقونه، كما تريد السادة من العبيد الخراج، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨]، فالله غني عن العالمين قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥].
وقال بعض المفسرين: معنى الآية: أقبل مع أهلك على الصلاة، واستعينوا بها على خصاصتكم، ولا تهتموا بأمر الرزق والمعشية.
وهذه الآية من أعظم ما يرد به على قول بعض المفرطين: العمل عبادة، وهي كلمة صحيحة إذا حملت على أحسن الوجوه، لكنهم قد يتركون الصلاة ويقولون هذه الكلمة! مرة في مجلس الشعب دخل عليهم وقت المغرب، فقام رجل من الدعاة الصالحين الموجودين، فقال: الصلاة يا رئيس! فقال له: نحن في عبادة! وهذا نسمعه الآن في كل مكان، تنصح إنساناً وتقول له: أترك ما في يدك واذهب إلى الصلاة، فيقول: العمل عبادة، فنقول: العمل عبادة، والصلاة أليست عبادة؟! ثم إن العمل وقته متسع لكن الصلاة وقتها يضيق، خاصة صلاة الفجر أو العصر، الرسول ﷺ قال: (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر ماله وأهله) يعني: كأن مصيبة أصابته ضاع فيها كل أهله وكل ماله، وأصبح بلا أهل ولا مال، وفي حديث آخر: (من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله)، فترك الصلاة من كبائر الذنوب العظيمة، فكيف يقال: العمل عبادة، إذا كان هذا العمل يعطل عن الصلاة؟! المفروض أن الناس ينظمون مواعيدهم وأعمالهم بحيث لا تعارض أعمالهم مواعيد الصلاة، فهو إذا طرأت عليه الحاجة البشرية فلا شك أنه يسارع ويبادر لقضاء هذه الحاجة، مثل الطعام، فلماذا لا يبقى في العمل ويقول: العمل عبادة، ويترك الطعام والشراب؟! لماذا عند ذكر الله وعند فرائض الله يقول: العمل عبادة؟! العمل الذي هو عبادة هو العمل الذي لا يلهي عن طاعة الله ، والصلاة هي أشرف الأعمال على الإطلاق، قال ﵊: (الصلاة خير موضوع، فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر)، وهذا القول من تلبيس الشيطان ولعبه بعقول هؤلاء الناس، يضيع الصلاة ويقول: العمل عبادة، يترك العبادة بحجة العمل، فهذه عبادة للشيطان في الحقيقة، وليست عبادة للرحمن جل وعلا.
هذه الآية: ((وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ)) لابد لكل إنسان دائماً أن يتذكرها، وأن يكرر الأمر لأهله بالصلاة، ففي كل وقت صلاة يأمرهم بها، حتى لو كان يتوقع أنهم سيبادرون إلى الصلاة؛ امتثالاً لهذه الآية، لابد أن الإنسان يعود نفسه، ولي الأمر هو المسئول الأول أن يأمر أولاده بالصلاة قبل ذهابه لصلاة الجماعة، فيأمرهم بالصلاة، ويقول لهم: بادروا بالصلاة، لا تؤخروا الصلاة، حضرت الصلاة، فيذكرهم باستمرار بحضور وقت الصلاة، ويأمرهم بذلك، فينبغي أن يكون هذا سلوك ثابت في كل بيت مسلم، فالأصل أن الذي يقود دفة السفينة يأمرهم دائماً بالصلاة، والصلاة -بلا شك- أولى من متابعة الواجبات المدرسية والمذاكرة وغير ذلك من الأمور التي هي دون الصلاة بكثير، فلابد أن يكون من وظائف ولي الأمر التي لا يخل بها أبداً الأمر بالصلاة امتثالاً لهذه الآية: ((وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا)).
أيضاً في هذه الآية بيان أن الصلاة هي السبب في سعة الرزق، فمن أراد سعة الرزق فلا يترك الصلاة اشتغالاً بالرزق، والحقيقة أن ما عند الله ينال بطاعته ولا ينال بمعصيته، فالرزق عند الله كما قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢]، فإذا كان الرزق من عند الله فهل نطلب ما عند الله بمعصية الله أم بطاعة الله؟ نطلب الرزق الذي عند الله بطاعته، فإذا أطعنا الله يبارك لنا في هذا الرزق، والآية تشير إلى أن الصلاة سبب في سعة الرزق، ولا يمكن أن تكون الصلاة عائقة عن الرزق؛ لأنه عقب قوله: ((وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا)) بقوله: ((لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ)) فالذي يرزقنا وضمن لنا أرزاقنا هو الذي أمرنا بالمحافظة على الصلاة في أوقاتها.
فالإنسان إذا نزلت به خصاصة أو حاجة أو فقر، فمن أعظم أسباب سعة الرزق أن يبادر إلى الصلاة، فقد كان النبي ﵌ إذا أصابته خصاصة فزع إلى الصلاة، وكان يفزع إلى الصلاة إذا أصابه أي مكروه، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥]، يقول بعض المفسرين: معنى الآية: أقبل مع أهلك على الصلاة، واستعينوا بها على خصاصتكم، يعني: على حاجتكم، فلا تهتموا بأمر الرزق والمعيشة، فإن رزقك مكفي من عندنا، مضمون، ونحن رازقوك: ((لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ))، وهذا المعنى تدل عليه الآية مفهوماً.
وليس في الآية حث على القعود عن الكسب، وليست مستنداً للكسالى القابعين في المساجد عن السعي المأمور به، فبعض الناس يقعد عن الكسب والعمل، ويقول: نصلي ونمكث في المساجد ونترك العمل والوظيفة والسعي وراء الرزق الحلال، فهل استدلالهم بهذه الآية يكون في محله؟ لا، فليس الأمر كما يقول بعضهم: جنون منك أن تسعى لرزق ويرزق في غشاوته الجنين فالله أمرك بالسعي في طلب الرزق كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:١٥]، وقال في سورة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:١٠] يعني: بعد أن تؤدي الواجب افعل لطلب الرزق ما شئت، لكن المهم ألا تضيع الصلاة بحجة الرزق، والدليل أن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، وهذا أمر صريح بترك ما يسميه بعضهم الآن: العمل عبادة، فالله يأمرك بترك هذه العبادة وقت الصلاة.
ومن العجيب أن يطلق على طلب الدنيا عبادة بهذا المعنى! بل هذا كله من عبادة الدنيا، فالدنيا استعبدته في الحقيقة، فهو عابد للدنيا، فالعمل الذي هو عبادة هو الذي لا يشغلك عن أشرف العبادات، والكسب الحلال والسعي وراء الرزق عبادة يثاب عليها الإنسان، لكن لا ينبغي أن يغتر بمن يقيم التعارض بين الأمرين، قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور:٣٧]، إلى آخر الآية في سورة النور؛ إشارة إلى جمعهم بين الفضيلتين، يعني: يحافظون على الصلاة، ويعمرون المساجد بصلاة الجماعة، وفي نفس الوقت يسعون إلى الرزق الحلال؛ ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور:٣٦] * ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ﴾ [النور:٣٧]، وقال ﵎ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
((وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)) أي: والعاقبة الحسنة من عمل كل عامل لأهل التقوى والخشية من الله دون من لا يخاف منه عقاباً ولا يرجو منه ثواباً، كما قال في الآية الأخرى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣].
стр. 1678
تفسير سورة طه [١٣٣ - ١٣٥]
стр. 1679
تفسير قوله تعالى: (وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه)
قال الله ﵎: ﴿وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ [طه:١٣٣]، يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية الكريمة أظهر الأقوال عندي في معنى هذه الآية الكريمة: أن الكفار اقترحوا على عادتهم في التعنت: آية على النبوة كالعصا واليد من آيات موسى وكناقة صالح، واقتراحهم في ذلك بحرف التحضيض الدال على شدة الحض في طلب ذلك: ((لَوْلا يَأْتِينَا))، أي: هلا يأتينا محمد بآية كناقة صالح وعصا موسى، أي نطلب ذلك منه بحرص وحث.
فأجابهم الله بقوله: ((أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى))، وهي هذا القرآن العظيم؛ لأنه آية هي أعظم الآيات وأدلها على الإعجاز! وإنما عبر عن هذا القرآن العظيم بأنه ((بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى))؛ لأن القرآن برهان قاطع على صحة جميع الكتب المنزلة من عند الله تعالى، فهو بينة واضحة على صدقها وصحتها.
فالقرآن الكريم يشهد بصدق وصحة الكتب السابقة التي أوحاها الله إلى أنبيائه.
هذا معنى: ((أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى))، وهو القرآن الكريم الذي هو حجة وبرهان قاطع على صحة ما أنزله الله من قبل من الكتب كالتوراة والإنجيل وغير ذلك كما قال ﵎: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤٨] وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل:٧٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:٩٣] إلى غير ذلك من الآيات.
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية على هذا التفسير الذي هو الأظهر أوضحه جل وعلا في سورة العنكبوت في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت:٥٠ - ٥١]، فقوله في سورة العنكبوت: ((أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ)) هو معنى قوله ﵎ في سورة طه: ((أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى)) كما أوضحنا، والعلم عند الله تعالى.
ويزيد ذلك إيضاحاً الحديث المتفق عليه: (ما من نبي من الأنبياء إلا أوتي ما آمن البشر على مثله، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)، معنى الحديث: أنه ما من نبي إلا أوتي من المعجزات ما آمن البشر على مثله، وهي معجزات مؤقتة مثل عصا موسى، هل هي باقية حتى الآن هذه العصا يحدث بها ما كان يحصل لموسى ﵇؟ ومثل معجزات عيسى ﵇ أو ناقة صالح أو غير ذلك من هذه الآيات التي كان فيها خرق للعادة مقترنة بدعوى النبوة لتأييد الأنبياء، فهي معجزات للأنبياء لكنها معجزات موقوتة، وهي خارقة وقاهرة لمن يرونها، ثم بعد ذلك تبقى خبراً كما نخبر نحن عنها الآن، وكما أخبر بها من أتوا بعد الأنبياء ﵈.
أما القرآن العظيم فهو معجزة باقية حية متجددة لا تنقضي أبداً؛ لأنه معجزة بكل معنى الكلمة، وبكل مظاهر الإعجاز، وكما قلنا مراراً: نأمل أن تأتي فرصة نناقش فيها قضية إعجاز القرآن وتعطى حقها الذي تستحقه، لأن هذا باب من العلم في غاية الأهمية خاصة في مثل هذا الزمان.
بعض الخبثاء من أعداء الله في موقع على الإنترنت ادعى أنه يقبل التحدي، وأنه يأتي بضد القرآن وهذا الكلام لا يصدر إلا عن إنسان جبان، ولو كان على مستوى التحدي فلماذا لم يظهر نفسه واختبأ كالفئران والجرذان؟ ولا أحد يستطيع أن يصل إليه، وعلى الأقل يفتح مكاناً في نفس الموقع للتعليقات، لكنه لم يترك أي وسيلة يمكن لإنسان أن يرد عليه بها في نفس الموقع؛ إذا كنت تتحدى! هل تختبئ في الخندق؟! الإنسان عندما يتحدى يقف ويثبت أمام التحدي.
فهل يعجز أحد عن السباب والشتائم؟ كل إنسان قادر على أن يسب وأن يشتم وينتقي أقبح الألفاظ.
فعندما يأتي مثلاً بسورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:١ - ٣] هل يعجز أحد أن يقول: أنا سأقبل التحدي، ويأخذ كلمة (الكافرون) ويقول: يا أيها المسلمون! هل هكذا يكون التحدي؟! كثير منا لا يعرف ما معنى إعجاز القرآن ومن سبقوه كانوا أكثر منه علماً وواقعية، فهذا قام بوضع البدائل ويقول: أنا قابل للتحدي، وسوف أعمل نفس القرآن الكريم، ويظل يكتب: يا محمد! لما أضللت عبادي، وأدخلتهم النار، وجعلتهم من الكافرين؟ إلى آخره!! فمثل هذه الخزعبلات وهذا الضلال لو كان كاتبها عنده شجاعة أدبية لأظهر نفسه، وبدأ يناقش العلماء الذين يتحداهم، لكنه لما خاف أن يظهر عجزه للناظرين اختبأ! هذا الأمر الأول.
الأمر الثاني: نحن من غير قصد أحياناً نتعرض لمثل هذه المحاولات ونتعامل معها بطريقة تخدم سياسة الأعداء، فمثل هذه القضية التي انشغل الناس بها ونشروها في الجرائد لو كان عندهم نوع من الفقه لامتنعوا من نشرها أصلاً؛ لأن كثيراً من الناس لا يقصدون بذلك إلا أن يلقوا إلينا مثل هذه الشبهات ونحن الذين ننشرها على أوسع نطاق! وكمثال عابر بعض الأدوية التي يتحدث عنها الناس نجد طريقة الدعاية التي حصلت لها ما كانت تحلم بها شركات الأدوية ولو أنفقت على ذلك البلايين، لا يمكن أنها كانت تصل للمستوى الإعلامي الذي حصل نتيجة تناولها بشكل غير مدروس، فيحدث أن كل الناس تتكلم عنها: ولماذا لا نرد؟ لازم نرد، لكن أين سترد؟ على موقع آخر؛ لأن الموقع الذي كتب فيه لا يسمح بالرد، أو لا يوجد به مكان للرد عليه.
فالمصيبة أن بعض من ليس عندهم فقه يرد في موقع آخر، ويكون بذلك قد ساهم في إطلاع من لم يطلع على الأمر في الأساس، فالأولى أن يترك الموضوع ولا يثار، وإلا كان كالتراب الي بتحريكه ينتشر في الجو فعدم الرد على مثل هذه الأشياء هذا أفضل؛ لأن الشخص المجهول قد جبن عن أن يواجه، ولم يترك فرصة لأحد ليرد عليه، ثم لا يعجز أحد كما قلنا عن الشتائم؛ فلنعامل هذا كما في قوله ﵎: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل:١٠]؛ لأنه لا يوجد أحد يعجز عن الشتائم، فما علينا إلا الصبر ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران:١٨٦]، فالمطلوب الصبر على هذا الأذى كما أمرنا الله ﵎.
فإذاً قوله ﵊: (ما من نبي من الأنبياء إلا أوتي ما آمن البشر على مثله، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي)، هذه معجزة النبي ﷺ قائمة باقية حجة على البشرية إلى نهاية الزمان، وهذا يتوافق مع وصفه ﵊ بأنه خاتم الأنبياء، لأنه إذا كان خاتم الأنبياء فلا يوجد نبي بعده، ومقتضى ذلك أن تبقى معجزته أيضاً قائمة ظاهرة باهرة قاهرة لكل من عاندها، وهي معجزة القرآن الكريم؛ ففي ذلك يقول ﵊: (فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)، أرجو أن تكون أمتي أكثر أمم الأنبياء جميعاً، لماذا؟ لأن المعجزة باقية ودائمة ومتجددة إلى قيام الساعة، وليست كمعجزات الأنبياء السابقين الذين حصل لهم خرق العادة ثم توقفت وصارت بعد ذلك خبراً، أما القرآن فتكفل الله بحفظه لكي يبقى حجة على البشر، ودلالة واضحة قاطعة على صدق نبوة محمد ﵌.
стр. 1680
تفسير القاسمي لقوله تعالى: (وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه)
يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ))، يعنون ما تعنتوا في اقتراحه مما تقدم في سورة بني إسرائيل، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء:٩٠ - ٩٣]-من ذهب- ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء:٩٣]، أنا أقترح على الله؟! ليس هذا من شأني.
وقوله تعالى: ((وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ)) فأجابهم تعالى: ((أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى)) أي: أولم يأتهم بيان ما في الكتب التي قبل هذا الكتاب؟! وهذا تفسير آخر، لكن الشنقيطي رحمه الله تعالى فسر بينة ما في الصحف الأولى بأنها القرآن الكريم.
أولم يأتهم بيان ما في الكتب التي قبل هذا الكتاب من أنباء الأمم من قبلهم التي أهلكناهم لما سألوا الآيات فسخروا بها لما أتتهم، ثم عجلنا لهم العذاب، وأنزلنا بهم بأسنا لكفرهم بها؟! يقول: فماذا يؤمنهم إن أتتهم الآية أن يكون حالهم حال أولئك؟ وهذا قاله ابن جرير رحمه الله تعالى؛ ((أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى))، فأقوام الأنبياء طلبوا واقترحوا الآيات، ولم يكتفوا بما أيد الله به الأنبياء من المعجزات، فلما أجيبوا إلى ذلك وكفروا نزل بهم العذاب العاجل! وهذه سنة الله فيمن تعنت واقترح آية ثم أجيب إلى هذه الآية فكفر بها، فيأتيه العذاب.
يقول القاسمي رحمه الله تعالى بعدما حكى قول ابن جرير: وذهب غيره إلى أن المعنى: أولم يأتهم آية هي أم الآيات وأعظمها، وهي معجزة القرآن المبينة لما في الكتب الأولى من التوراة والإنجيل والزبور، مع أن الآتي بها أمي لم يرها ولم يتعلم ممن علمها، فنقب منها على الصحيح من أنبائها فصدقه، وعلى الباطل المحرف ففنده، وفيه إشعار بكفاية التنزيل في الإعجاز والبرهان.
ينبغي أن يكون الدليل الأعظم على صحة الكتب السابقة هو القرآن الكريم، لا بد أن نكون على يقين من ذلك، وأن هذا يكفي، ليس معنى يكفي أننا ننفي ما عداه من المعجزات، لكن نقول: إنه معجزة المعجزات لأن الآية تقول: ﴿وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍِ مِنْ رَبِّهِ﴾، فماذا جاء الجواب؟ ((أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى)) أي: أولم يأتهم القرآن الكريم؟ وهذا السياق يفهم منه: أن القرآن كاف في إقامة الدليل على صدق نبوة النبي محمد ﷺ .
وكما قال الله أيضاً في سورة العنكبوت: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ [العنكبوت:٥٠ - ٥١] انظر إلى كلمة ((أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ)) يعني: أن القرآن فيه الكفاية في إقامة الدلالة على معجزته ﵊ وعلى نبوته ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت:٥١].
стр. 1681
القرآن معجزة النبي الكبرى
قال أحد حكماء الإسلام: إن الخارق للعادة الذي يعتمد عليه الإسلام في دعوته إلى التصديق برسالة النبي محمد ﷺ هو الخارق الذي تواتر خبره ولم ينقطع أثره، وهو الدليل وحده؛ وما عداه مما ورد من الأخبار سواء صح سندها أو اشتهر أو ضعف أو وهى فليس مما يوجب القطع عند المسلمين، فإذا أورد في مقام الاستدلال فهو على سبيل التقوية للعقد لمن حصل أصله، وحظ من التأكيد لمن سلمه من أهله؛ ذلك الخارق المتواتر المعول عليه في الاستدلال لتحصيل اليقين هو القرآن وحده.
والدليل على أنه معجزة خارقة للعادة وأن موحيه هو الله وحده وليس من اختراع البشر هو: أنه جاء على لسان أمي لم يتعلم الكتابة، ولم يمارس العلوم، وقد نزل على وتيرة واحدة هادياً للضال مقوماً للمعوج كافلاً بنظام عام لحياة من يهتدي به من الأمم منقذاً لهم من خسران كانوا فيه وهلاك أشرفوا عليه، وهو مع ذلك من بلاغة الأسلوب على ما لم يرتق إليه كلام سواه؛ حتى لقد دعي الفصحاء والبلغاء أن يعارضوه بشيء من مثله فعجزوا ولجئوا إلى المجالدة بالسيوف.
مع أن التحدي كان تحدياً صارخاً لأعظم بلغاء عرفهم تاريخ العرب وهم قريش، مع ذلك ما يعرف عن رجل منهم أنه استجاب لهذا التحدي، إنما لجئوا إلى المجالدة والقتال بالسيف، لكن هل عرف عن أحد منهم أنه استجاب لهذا التحدي؟! لا.
يقول: فعجزوا والآية تتحداهم، وهل تحدي أقوى من أن يقول الله لهم: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة:٢٤]؟ وهذه الآية من أعظم إعجاز القرآن الكريم حيث قال: ((فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا))، فقطع بأنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن الكريم! وهو مع ذلك من بلاغة الأسلوب على ما لم يرتق إليه كلام سواه؛ حتى لقد دعي الفصحاء والبلغاء أن يعارضوه بشيء من مثله فعجزوا ولجئوا إلى المجالدة بالسيوف، وسفك الدماء، واضطهاد المؤمنين؛ إلى أن ألجئوهم إلى الدفاع عن حقهم، وكان من أمرهم ما كان من انتصار الحق على الباطل وظهور شمس الإسلام تمد عالمها بأضوائها، وتنشر أنوارها في جنباتها.
وهذا الخارق قد دعا الناس إلى النظر فيه بعقولهم، وطولبوا بأن يأتوا في نظرهم على آخر ما تنتهي إليه قوتهم: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]، وقال تعالى: ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس:٣٨].
يقول: وطولبوا بأن يأتوا في نظرهم على آخر ما تنتهي إليه قوتهم، فإما وجدوا طريقاً لإبطال إعجازه أو كونه لا يصح دليلاً على المدعى، فعليهم أن يأتوا به، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة:٢٣ - ٢٤]، وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢].
فالقرآن يطالبهم بمقاومة الحجة بالحجة، ولم يطالبهم بمجرد التسليم على الرغم من العقل، فالإسلام ما طالب الناس أن يدخلوا فيه بالإكراه وبالإرغام وبالإجبار، وإنما أمرهم بإعمال العقل، وأن يستعملوا العقل الذي ميزهم الله به عن العجماوات، حتى يهتدوا به إلى إعجاز هذا القرآن الكريم.
يقول: معجزة القرآن جامع من القول العلم، وكل منهما مما يتناوله العقل بالفهم، فهي معجزة عرضت على العقل وعرفته القاضي فيها، وأطلقت له حق النظر في أحنائها، ونشر ما انطوى في أثنائها، وله منها خطة الذي لا ينتقص؛ وله أن يأخذ حقه الذي لا ينتقص من التدبر في القرآن الكريم، فهي معجزة أعجزت كل قوم أن يأتوا بمثلها، ولكنها دعت كل قدرة أن تتناول ما تشاء منها.
أما معجزة موت حي بلا سبب معروف للموت، أو حياة ميت، أو إخراج شيطان من جن، أو شفاء علة من بدن؛ فهي مما ينقطع عنده العقل، ويجمد لديه الفهم.
هذا الفارق بين معجزة القرآن ومعجزات من سبق من الأنبياء؛ كإحياء الموتى مثلاً بالنسبة لعيسى ﵇، هل معجزة إحياء الموتى أو معجزة العصا من الأشياء التي يفسح فيها المجال للعقل لكي يتفكر ويتعقل كيف حصلت؟ لا، لأنها خرق للأسباب العادية، فهذا هو المقصود من قوله: فهي مما ينقطع عنده العقل ويجمد لديه الفهم.
وإنما يأتي بها الله على يد رسله لإسكات أقوام غلبهم الوهم، ولم تضئ عقولهم بنور العلم، وهكذا يؤتي الله بقدرته الآيات للأمم على حسب الاستعدادات.
يقول: وقال فاضل آخر: قضت رحمة الله جل شأنه أن تكون الأكوان في الطبيعة على ترتيب محكم، يبسط بلسان الصمت للمتبصر، ويظهر بلباس الوضوح للمتفكر، ويحبب إليهم انتقال منه إلى غيره بدون أن يشعر بملل ولا سآمة، ولا يئوب من استبطائه بنجاح، بدون هذا الاعتبار للعقل لا يأتي للنفس أن تصح عقيدتها، ولا يتأتى لها تبعاً لذلك أن تسكن من اضطرابها، هذا ولا ننكر أنه قد مضى على النوع الإنساني زمن كان فيه العقل في دور الطفولية، وكان الله يرأف بعباده فيرسل إليهم رسلاً يمتعهم بخصائص تعجز عن الإحاطة بها عقولهم، وتندهش لها ألبابهم، فيستدلون بهذه المعجزات على صدق الرسول وضرورة اتباعه.
وأما الآن حيث بلغ العقل أشده، والنوع الإنساني رشده؛ فلا تجدي فيه معجزة، ولا تنفع فيه غريبة؛ لأن الشكوك قد كثرت مع كثرة المواد العلمية، فإن حدث حادث من هذا القبيل رموا فاعله بالتدليس أولاً، ثم إذا ظهر لهم برآته منه صاروا يعللون معجزته بكل أنواع التعليلات! ومحمد عبده له موقف فيه ملاحظات كثيرة بالنسبة لقضية المعجزات، وهذا الكلام في الحقيقة لا يخفى أن فيه ما يرد؛ لأن الرسول ﵊ له معجزات حسية، وكان القرآن قطعاً أكبر معجزة، لكن هل اقتصر الله في تأييد نبيه محمد ﵊ على معجزة القرآن فقط؟ لا! نعم هو معجزة المعجزات، لكن الرسول ﵊ أيد بمعجزات أخرى؛ كنبع الماء من بين أصابع يده الشريفة ﵊ والإسراء والمعراج وغير ذلك والمعجزات كثيرة جداً.
فالكلام السابق يشم منه رائحة كلام من مدرسة محمد عبده الغير مرضي في قضية المعجزات.
ومن الكلام الذي لا نقبله قوله: مما يدل على أن هذه القرون الأخيرة لا تجوز فيها مسائل المعجزات تكذيب علماء أوروبا لكل المعجزات السابقة، وهو وإن كان تهوراً منهم إلا أنهم مصيبون في قولهم: إننا في زمان لا ينشئ فيه الاعتقاد إلا النور العقلي والدليل العلمي.
هذا الكلام فيه نظر! فلا زالت المعجزة وخرق العادة دليلاً واضحاً جداً على أن هذا الإنسان مؤيد من عند الله .
الفارق فقط أنه لم توجد في زمننا معجزة خارقة للعادة كمعجزات الأنبياء؛ لأن رسولنا ﷺ قد قبض ﵊ وذهب إلى الرفيق الأعلى، وترك معجزاته الحسية خبراً يخبر به.
أما المعجزة الحية التي هي متجددة وقائمة فهي لا شك القرآن الكريم، لكن هذا لا ينفي الإعجاز بما عدا القرآن الكريم من المعجزات بأنواعها.
يقول: لهذه الأسباب جاءت الشريعة الإسلامية تدعو إلى السبيل الحق بأعمال العقل واتباع قواعد العلم بصرف النظر عن المعجزات وإظهار المدهشات.
وهذا الكلام أيضاً غير صحيح، وأنا أعجب كيف أن القاسمي مع سلفيته الواضحة جداً يتورط في موافقة مدرسة محمد عبده في مثل هذه الأشياء؟! يقول: لعلم الله بأنه سيأتي زمان تؤثر فيه المقررات العلمية على القوة العقلية ما لا تؤثر عليها الخوارق للنواميس الطبيعية.
انتهى.
стр. 1682
تفسير قوله تعالى: (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله)
أشار تعالى إلى منته في إرسال الرسول ﷺ والإعذار ببعثته بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه:١٣٤].
((وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ)) أي: من قبل إتيان البينة، أو: من قبل محمد ﵊، يعني: لو أن الله أنزل عليهم العذاب قبل بعثة الرسول ﵊، لقالوا: ربنا كيف عذبتنا؟ لولا أرسلت إلينا رسولاً لترى هل نطيعه أم لا؟ لماذا عذبتنا قبل أن ترسل إلينا رسولاً وتقيم علينا الحجة؟ الله يقول لهم: قد جاءتكم الحجة، وقد جاءتكم المعجزة والدليل على صدق هذا النبي: ((وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ)) أي: من قبل البينة أو من قبل محمد ﵊ ((لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ)) أي: من عذاب دنيوي ((وَنَخْزَى)) أي: من عذاب أخروي؛ أي: ولكنا لم نهلكهم قبل إتيانها، فلم يحصل أننا أهلكناهم قبل إتيان الآية والبينة؛ فانقطعت معذرتهم؛ لأن الله أرسل إليهم الرسول بالفعل ولم يهلكهم قبل أن يرسل الرسول.
فانقطعت معذرتهم، ولذلك عندما يسألون: أما جاءتكم الرسل والنذر؟ ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك:٨] ﴿قَالُوا بَلَى﴾ [الملك:٩] فيقرون: ﴿قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك:٩].
يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾، هذه الآية تشير إلى معناها آية القصص في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:٤٧]، فهذه الحجة التي يحتجون بها لو لم يأتهم نذير، هي المذكورة في قوله ﵎: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] يعني: قبل الرسل تكون لهم هذه الحجة، ويقولون: ﴿رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ [القصص:٤٧]، لكن بعد الرسل قد قامت عليهم الحجة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، ويقول تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥].
قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ [طه:١٣٥] أي: لأولئك الكفرة المتمردين، ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ [طه:١٣٥] كل منا ومنكم ((مُتَرَبِّصٌ)) أي: منتظر لما يئول إليه أمرنا وأمركم ﴿فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ﴾ [طه:١٣٥]، عما قريب، ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾ [طه:١٣٥] المستقيم ﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾ [طه:١٣٥] أي: من الزيغ والضلال، أي: هل هو النبي ﷺ وأتباعه أم هم وأتباعهم؛ وقد حقق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده؛ فلله الحمد في الأولى والآخرة.
((قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا))، أمر جل وعلا نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة أن يقول للكفار الذين يقترحون الآيات عليه عناداً وتعنتاً: كل منا ومنكم ((مُتَرَبِّصٌ))، أي: منتظر ما يحل بالآخر من الزواجر كالموت والغلبة.
وقد أوضح في غير هذا الموضع أن ما ينتظره النبي ﷺ وأصحابه والمسلمون كله خير، بعكس ما ينتظره ويتربص الكفار، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة:٥٢]، الشهادة أو النصر ﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة:٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة:٩٨]، إلى غير ذلك من الآيات.
والتربص: الانتظار.
стр. 1683
تفسير قوله تعالى: (قل كل متر بص فتربصوا)
قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ [طه:١٣٥] أي: لأولئك الكفرة المتمردين، ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ [طه:١٣٥] كل منا ومنكم ((مُتَرَبِّصٌ)) أي: منتظر لما يئول إليه أمرنا وأمركم ﴿فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ﴾ [طه:١٣٥]، عما قريب، ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾ [طه:١٣٥] المستقيم ﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾ [طه:١٣٥] أي: من الزيغ والضلال، أي: هل هو النبي ﷺ وأتباعه أم هم وأتباعهم؛ وقد حقق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده؛ فلله الحمد في الأولى والآخرة.
أمر جل وعلا نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة أن يقول للكفار الذين يقترحون الآيات عليه عناداً وتعنتاً: كل منا ومنكم ((مُتَرَبِّصٌ)) أي: منتظر ما يحل بالآخر من الزواجر كالموت والغلبة.
وقد أوضح في غير هذا الموضع أن ما ينتظره النبي ﷺ وأصحابه والمسلمون كله خير، بعكس ما ينتظره الكفار، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة:٥٢]، الشهادة أو النصر ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة:٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة:٩٨]، إلى غير ذلك من الآيات، والتربص هو: الانتظار.
وفي قوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾ [طه:١٣٥] ذكر جل وعلا أن الكفار سيعلمون ((مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى)) أي: وفق لطريق الصواب والديمومة على ذلك، وأمر نبيه أن يقول ذلك للكفار.
والمعنى: سيتضح لكم أننا مهتدون، وأنا على صراط مستقيم، وأنكم على ضلال وباطل، وهذا يظهر لهم يوم القيامة إذا عاينوا الحقيقة، ويظهر لهم في الدنيا لما يرونه من نصر الله لنبيه محمد ﷺ ودينه.
وهذا المعنى الذي ذكره هنا بينه في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٢] فالناس الآن في الدنيا، في أثناء السباق، التراب يملأ الجو، وبالتالي لا يستطيع الناس أن يعرفوا من الذي سيسبق؟ ومن الذي سيصل أولاً؟ ومن الذي غلب؟ كما قال الشاعر: سوف تدري إذا انجلى الغبار أفرس تحتك أم حمار فكذلك إذا انقضت الدنيا سوف يعلمون.
ومتى يعلم الكفار أن المسلمين كانوا هم أهل الهداية وأصحاب الصراط السوي؟ يجيب تعالى بقوله: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٢]، وقال تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنَ الْكَذَّابُ الأَشِرُ﴾ [القمر:٢٦]، فبمجرد أن تأتيهم ملائكة الموت وملائكة العذاب سيعلمون ساعتها قطعاً ويقيناً من المهتدي ومن كان على صواب، وقال ﵎: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص:٨٨]، إلى غير ذلك من الآيات.
والصراط في لغة العرب: الطريق الواضح، والسوي: المستقيم، وهو الذي لا اعوجاج فيه، ومنه قول جرير: أمير المؤمنين على صراط إذا اعوج الموارد مستقيم وقوله تعالى: ((فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ)).
((مَنْ)) في قوله: ((مَنْ أَصْحَابُ)) قال فيها بعض العلماء: هي موصولة، فيكون إعراب ((مَنِ)) مفعول به في محل نصب.
وقال بعضهم: هي استفهامية معلقة بالعلم.
هذا آخر تفسير سورة طه.
стр. 1684
تفسير سورة الزخرف [١ - ٢٠]
стр. 1685
بين يدي سورة الزخرف
سميت سورة الزخرف بهذا الاسم لدلالتها على أن الدنيا في غاية الخسة في نفسها، وغاية العداوة مع ربها؛ بحيث لا تليق بالأصالة إلا لأعدائه، كما سيتضح هذا المعنى جلياً عند تفسير الآية التي ذكر فيها الزخرف، فالدنيا ليست للمؤمنين وطناً ولا مقراً.
وهي سورة مكية إلا قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]، وآياتها تسع وثمانون آية.
следующие страницы →