Полный текст (3 275 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
التحذير من الغلو في شخص رسول الله ﷺ
لقد حذر النبي ﷺ من الغلو فيه تحذيراً شديداً، وكثير من الناس الذين يسلمون برسالته مع بشريته، تبقى عندهم نقطة ضعف يريدون دائماً أن يرفعوا صفة البشرية عنه، فيقولون: هو خلق من نور، إلى آخره.
ويقولون: أنتم تقولون: حدثنا فلان عن فلان عن فلان.
فأين فلان؟ قلتم: مات، فكلامكم كله ميت عن ميت، أما كلامنا نحن فنأخذه مباشرة عن الحي الذي لا يموت! فعندهم الكثير من الضلالات والانحرافات لأنهم يزدرون العلماء.
الله قال لنبيه ﷺ : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] يعني: الموت، فلم يجعل الله لعمل المؤمن أجلاً دون الموت، أما هم فقد خالفوا الآية وجعلوا لها أجلاً وهو الوصول إلى بعض هذه المقامات! وهم يزعمون أنهم بغلوهم في الرسول ﷺ وبمدحه أنه أول خلق الله، وأنه نور عرش الله! وأنه كذا وكذا من هذه الفضائل المزعومة التي يخترعونها؛ أنهم بذلك يرفعون قدر النبي ﷺ ! من أراد أن يمدح رسول الله ﷺ فليمدحه بما مدحه به ربه، فالرسول ﵊ هو الذي علمنا بقوله: (من تواضع لله رفعه الله) فإذا أردت أن تمدح رسول الله ﷺ فامدحه في دعوته واجتهاده إلى أقصى مدى في العبودية لله ، التي معناها: غاية الحب مع غاية الذل والانقياد والقبول، فيمدح الرسول ﵇ بالعبودية لله ، ولا يصح أن ننفي عنه صفة العبودية، ونرفعه إلى رتبة الألوهية كي نمدحه أو نشرفه، فالذي يشرفه هو أن تمدحه بالعبودية، ولأن الرسول ﵊ يقول: (من تواضع لله رفعه الله) هذا منطوق الحديث، ومفهوم الحديث دلت عليه آية في سورة الأعراف: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ [الأعراف:١٣] اهبط لأنك تكبرت، فالذي يتكبر يضعه ويذله الله، ويهينه الله، أما الذي يتواضع فإن الله يرفعه، فإذا كان الرسول ﵊ قد رفع على جميع العالمين فما رفع إلا لأنه بلغ أعلى مقامات الذل والحب لله ، ولذلك نجد أن الله يمدحه بالعبودية في أشرف المقامات: ففي مقام الدعوة يقول: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩]، وفي مقام الإسراء يقول سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء:١] إلى آخره، وفي مقام التحدي يقول تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣].
إذاً: عبودية الرسول ﵊ شرف ورفعة له، فسبب هذا المقام العظيم الذي تبوءه عند الله أنه وصل إلى مقام لا يبلغه غيره في الخضوع والتذلل والانقياد لشرع الله .
وما هذا الذي يمارسه الصوفية وأشياعهم من الغلو في شخص رسول الله ﵇ والمبالغة في تصور محاسنه: يا أحمر الخدين! يا أكحل العينين! إلا حيدة ومحاولة للتعويض عن التقصير في الانقياد والاتباع، والحب الحقيقي لرسول الله ﷺ ، فإن الله لما رأى الناس كلهم يدعون محبة رسوله ﷺ امتحنهم امتحاناً فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]؛ لأنه ليس الشأن في أن تحب أنت الله ؛ لأنه شيء لازم أن تحب الله لاتصافه بصفات الكمال والجمال والجلال، ولما أسدى إليك من النعم، فبالضرورة أنك تحبه، لكن الشأن في أن يحبك الله ويكافئك على اتباع رسوله، فهذا هو الشأن، وهذا هو الشيء العظيم أن يحبك الله، لكن هناك علامة على هذه المحبة قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فالاتباع هو علامة المحبة الحقيقية، وليس بالتغزل في صورة النبي ﵇ كما يفعل هؤلاء الناس، ليس الموضوع مجرد عاطفة غير رشيدة، وإنما بالاتزان والوسطية والاعتدال، لذلك قال ﷺ : (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) فحينما تصف الرسول ﷺ بالعبودية ليس هذا انتقاصاً لرسول الله ﵊، وإنما أشرف ما يمدح به رسول الله ﵊ أن تصفه بالعبودية لله، لا تشرك به مع الله، وكما نجد للأسف اليمين المصرية الشائعة في كل البلاد المصرية (والنبي)! فكلمة (والنبي) هذه قد نهانا عنها النبي ﵊ فقال: (من حلف بغير الله فقد أشرك)، وقال: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، أما أنك تحلف بالنبي، وبعض الناس يبلغ في الغلو أنه إذا أراد أن يقوم يقول: يا رسول الله! يطلب المدد من الرسول ﵇! هل يفرح بك رسول الله إذا علم أنك تستغيث به من دون الله، وتطلب منه المدد دون الله ؟! فبعضهم يقوم وجسمه ضعيف مثلاً أو ثقيل فيقول: يا رسول الله! ويظن أنه هكذا يعظم الرسول ﵊! الرسول ﷺ يبرأ من هذا الفعل؛ لأن هذا شرك، فلا يطلب الإنسان المدد من غير الله ، كذلك الحلف شرك كأن يقول: ورسول الله كذا وكذا ويظن أنه معظم لرسول الله، كل هذه السلوكيات انحراف عن هدي الرسول ﵊، فرسول الله ﵊ لما قال له الرجل: ما شاء الله وشئت.
غضب، هذا ليس احتراماً للرسول، بل هذا خدش للرسالة التي جاء بها في التوحيد، لما قال رجل: ما شاء الله وشئت، قال: (أجعلتني لله نداً؟! بل ما شاء الله وحده)، والأحاديث في ذلك كثيرة، والرسول ﷺ كان دائماً يرد الناس إلى الصواب، فيجب مدحه بالعبودية لله، ومن أراد أن يعبر عن حب النبي ﵇ فليتبعه في قوله ﵊: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله).
وجعل النبي ﷺ من الغلو في الدين أن يختار الحاج إذا أراد رمي الجمرات الحصيات الكبيرة، وأمر أن تكون الحصى مثل حصى الخذف يعني: ما بين حبة الحمص وحبة الفول، فعن ابن عباس ﵄ قال: (قال لي رسول الله ﷺ غداة العقبة: هات! القط لي -يعني الجمرات- قال: فلقطت له نحو حصى الخذف، فلما وضعتهن في يده قال: مثل هؤلاء! (ثلاث مرات) وإياكم والغلو في الدين! فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين) وهذا الذي حذرنا إياه النبي ﷺ نحن نشاهده الآن في منى، فبعض الناس يأتي بالأحذية ويضرب بها الشيطان! ونرى الحجارة الكبيرة وغيرها من الأشياء ملقاة في الجمرات، وتسمع الشتائم التي تلقى، فتأتي المرأة وتشتم الشيطان وتقول له: أنت الذي تحرض علي زوجي، وأنت الذي تفعل كذا وكأنها ترى الشيطان، ونفس هؤلاء الناس هم الذين يرجعون إلى التلفاز والفيديو، وقد تعود النساء متبرجات كما كن في سيرتهن الأولى ولم يغير الحج من أخلاقهن شيئاً! والرسول ﵊ جعل رمي الجمار مسألة رمزية، الغرض منها نبذ الشيطان ومحاربته، وليست حقيقة يراد بها قتله وإماتته، فعلى المسلم تحقيق الأمر، ومنابذة الشيطان عدو الإنسان اللدود بالعداء ليس غير.
стр. 2067
صاحب البردة وغلوه في رسول الله ﷺ
الغلو في الدين والغلو في النبي ﷺ أمر وقع المسلمون فيه مع الأسف، واتبعوا سنن أهل الكتاب، فقال قائلهم: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم هذا كلام البوصيري في قصيدته المشهورة المشحونة ببعض الشركيات الشنيعة، فهو يقول: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم فهل يرضى الرسول ﵊ أن يأتي رجل من أمته ويقول له: مالي من ألوذ به سواك؟! هل أنت تقرأ: قل أعوذ برسول الله! من شر ما خلق، ومن شر غاسق إذا وقب، أم تتعوذ بالله وحده؟! فهذا يتعوذ بالرسول ﵊ ويقول: لا يوجد أحد غيره أعوذ به.
فالرسول عليه الصلاة السلام لا يرضى بأقل من هذا، فكيف بهذا الضلال المبين؟! ويقول أيضاً: وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من لولاه لم تخرج الدنيا من العدم يعني: لولا الرسول ﵊ لم تخلق الدنيا، فكأن الآية عندهم: وما خلقت الجن والإنس إلا من أجل محمد ﵊! ما هذا الغلو؟! ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] أيضاً يقول البوصيري: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم يعني: من جود الرسول ﵊ الدنيا وضرتها التي هي الآخرة، فهما من كرمه وجوده! وعلم اللوح والقلم من علومه! وأيضاً يقول البوصيري معتمداً على فهم مغلوط لهذا الحديث: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله): دع ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم ففهم أن الحديث ينهى عن أن نقول: محمد ابن الله أو ثالث ثلاثة، فيقول: دع هذه، وقل بعد ذلك ما شئت، وامدحه بأي شيء، ففهم الحديث فهماً عجيباً جداً، فكان المفهوم عنده: اطروني بما شئتم ما عدا قولكم: محمد ثالث ثلاثة أو محمد ابن الله ونحو ذلك، وهذا الشاعر يعظمه كثير من المسلمين، وقصيدة البردة للأسف الشديد أعرف من يحفظها ولا يحفظ شيئاً من القرآن، وهذه لها وضع مميز عند الصوفية، وكأنها شيء من الوحي، فهم يحفظونها ويهتمون بها اهتماماً شديداً جداً، ويتبركون بها، وينشدونها في الموالد وبعض مجالس الوعظ والعلم، ويعدون ذلك قربة إلى الله ، ودليلاً على محبتهم النبي ﷺ .
فهذا الشاعر قد ظن النهي الوارد في الحديث منصباً على الادعاء بأن محمداً ﷺ ابن الله، فنهى عن هذه المقولة، ودعا إلى قول أي شيء آخر مهما كان، ولا شك أن هذا غلط بالغ، وضلال مبين؛ ذلك لأن الإطراء المنهي عنه في الحديث له معنيان اثنان: الأول: (لا تطروني) هذا نهي عن مطلق المدح، يعني: لا تمدحوني أبداً؛ لأنكم لن تقووا على مدحي بأعظم مما مدحني به الله ، من أني رسول الله، وأني على خلق عظيم وغير ذلك مما امتدحه الله به.
الاحتمال الثاني: النهي عن مجاوزة الحق في المدح، والمراد المدح بالصور الموجودة الآن، فهي صناعة لم تكن معروفة عند السلف؛ لأن السلف ﵏ كانوا مشغولين بالاجتهاد في اتباع رسول الله ﵇، وإحياء سنته، وتجديد دينه، ولم يشتغلوا كما اشتغل هؤلاء بهذه المدائح.
إذاً: يمكن أن يكون المراد من الحديث النهي عن مدحه ﷺ مطلقاً من باب سد الذريعة، واكتفاء باصطفاء الله تعالى له نبياً ورسولاً وحبيباً وخليلاً، وبما أثنى عليه في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] إذ ماذا يمكن للبشر أن يقولوا فيه بعد قول الله ﵎ هذا؟! وما قيمة أي كلام يقولونه أمام شهادة الله تعالى هذه؟! وإن أعظم مدح له ﷺ أن نقول فيه ما قال ربنا : إنه عبد له ورسول، فهذه أكبر تزكية له ﷺ .
والصوفية يغضبون جداً إلا لم تقل: (سيدنا رسول الله)، ويعتقدون أنك مقصر، والمفروض عندهم أن تقول: سيدنا محمد! فنقول: هل قول القائل: (سيدنا محمد) مثل قوله: (محمد رسول الله أو نبي الله؟ فـ (سيد) تطلق على أناس من البشر، لكن رسول الله لا تطلق إلا على من اصطفاه الله لذلك؛ لكن بعضهم يتشبث بها، ويرى أن من تعظيم رسول الله ﷺ أن يقولها حتى داخل الصلاة، ونسمع بعض العوام في الصلاة يقول: اللهم صل على سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم إلى آخره، فنقول لهذا: هل ينفع أن تقرأ القرآن وتقول مثلاً: (وآمنوا بما نزل على سيدنا محمد)؟ الله يقول: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران:١٤٤]، فهل يجعلها: (وما سيدنا محمد إلا رسول)؟ بلا شك الرسول ﷺ له هذه السيادة على البشر أجمعين؛ لأنه قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) لا شك في ذلك، فنحن لا نتشدد كثيراً في ذلك، لكن الأذكار المأثورة ينبغي أن نحافظ عليها، ولكنهم يعتبرون التنازل عن هذا تنازل عن تشريف كبير جداً للرسول ﵊، وإنما التشريف للرسول ﵊ أن تمدحه بالرسالة فتقول: (رسول الله) ﵊، و (نبي الله)، فأعظم مدح للرسول ﵇ أن نقول فيه ما قال ربنا : إنه عبد له ورسول، هذه أكبر تزكية له ﷺ ، وليس فيها إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا تقصير، وقد وصفه الله وهو في أعلى درجات وأرفع تكريم من الله تعالى له بصفة العبودية، فقال في المعراج والإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] وأيضاً قال ذلك في مقام التحدي ومقام الدعوة كما سبق ذكره.
ويمكن أن يكون المراد من الحديث: (لا تطروني) أي: لا تبالغوا في مدحي، وعلى هذا يفتح الباب في مدح الرسول ﵌، لكن لا تبالغوا في مدحي فتصفوني بأكثر مما أستحقه من بعض خصائص الله ﵎، والأقرب -والله تعالى أعلم- هو المعنى الأول، وهو أن هذا نهي عن مطلق المدح الخارج عما مدحه الله ، بدليل تمام الحديث: (إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله)، يعني: اكتفوا بما وصفني به الله من جعلي عبداً له ورسولاً ﵌، والإمام الترمذي ذكر هذا الحديث تحت ترجمة باب: تواضع النبي ﷺ ، فحمل الحديث على النهي عن المدح المطلق، وهذا هو الذي ينسجم مع معنى التواضع، وعن أنس قال: (جاء إلى النبي ﷺ رجل فقال: يا خير البرية! فقال ﵊: ذاك إبراهيم) رواه مسلم، وهذا من تواضعه ﷺ كما في الحديث الآخر: (لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)؛ لأنه بلا شك حتى في هذه الجزئيات قد قطع الوحي، وبين أن الرسول ﷺ أفضل الأنبياء على الإطلاق، وأنه خير الأنبياء وسيد ولد آدم أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 2068
تفسير سورة الفتح [٨ - ١٠]
стр. 2069
تفسير قوله تعالى: (إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا بالله ورسوله)
قال الله ﵎: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفتح:٨].
قوله ﵎: ((إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)) التبشير: هو الإخبار بما يظهر أثره على البشرة، والبشرة هي ظاهر الجلد؛ لأنها تتغير بأول خبر يرد عليها، والغالب أنه يستعمل في السرور مقيداً للخير المبشر به، وغير مقيد أيضاً، ولا يستعمل في الغم والشر إلا مقيداً منصوصاً على الشر المبشر به، ففي الخير إما أن يأتي مقيداً وإما أن يأتي بدون قيد، لكن التبشير بالغم والشر لا يأتي إلا مقيداً بالشر المنصوص عليه، كما قال : ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران:٢١] َ.
يقال: بشرته، وبشرته بشارة، وبشر يبشر إذا فرح.
والبَشارة بفتح الباء، والبُشرى: ما يعطاه المبشر، وتباشير الشيء أوله، قال ﵎: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم:٩٧]، والبشارة هي: الخبر بما يسر، وقد تطلق العرب البشارة على الإخبار بما يسوء كما ذكرنا قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان:٧]، ومنه قول الشاعر: وبشرتني يا سعد أن أحبتي جفوني وقالوا الود موعده الحشر وقال الآخر: يبشرني الغراب ببين أهلي فقلت له ثكلتك من بشير إذاً: البِشارة، أو البَشارة قد تطلق على الإخبار بما يسوء، وهذا الأسلوب من أساليب اللغة العربية.
قوله: ((وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)) الإنذار: هو الإبلاغ والإعلان، ولا يكاد يستعمل إلا في تخويف يتسع زمانه للاحتراز والاحتياط عن هذا الشيء الذي يأتيك الإنذار به، فإن لم يتسع زمنه للاحتراز كان إشعاراً ولم يكن إنذاراً، قال الشاعر: أنذرت عمراً وهو في مهل قبل الصباح فقد عصى أمر ويقال: تناذر بنو فلان هذا الأمر، إذا خوف بعضهم بعضاً.
قال الله ﵎: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، يعني: بعد هذا الإنذار، ولم يبين هنا هذه الحجة التي كادت تكون للناس عليه، وبين هذه الحجة في قوله في سورة طه: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه:١٣٤]، وقال أيضاً في سورة القصص: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:٤٧]، وقال : ﴿لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:٢].
فالمقصود: أن من وظائف النبي ﵌ الإنذار، وقوله في هذه الآية: ((لِتُنذِرَ بِهِ))، هذا الفعل يتعدى إلى مفعولين اثنين، وإن كان المفعولان لم يذكرا، والتقدير: لتنذر به الكافرين عذاباً أليماً.
وهذا الإنذار بينه الله في قوله : ﴿وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم:٩٧]، وقال أيضاً: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس:٦]، وهذا بيان للمفعول الأول المحذوف.
أما المفعول الثاني فبينه قوله تعالى: ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ [الكهف:٢] وقوله: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل:١٤] وقوله: ﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ:٤٠]، ونحوها من الآيات.
وقد جمع الله تعالى في هذه الآية الكريمة بين الإنذار والذكرى فقال: ﴿لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:٢] فيفهم من هذا أن الإنذار هنا للكفار: ((لِتُنذِرَ بِهِ)) يعني: الكفار، فالإنذار للكفار، والذكرى للمؤمنين، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم:٩٧]، وهنا في آية الفتح قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفتح:٨]، وقال: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم:٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]، فهذا أيضاً يشير إلى قوله: ﴿لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:٢].
وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:٤٥]؛ لكن جاءت آيات فيها قصر الإنذار على المؤمنين والكافرين، وهذا لا يتنافى مع ما ذكرناه، يعني: إن كانت الآيات السابقة استعملت لفظ الذكرى أو التذكير في حق المؤمنين والإنذار للكافرين؛ لكن لا ينافي أن يكون الإنذار للكفار والذكرى للمؤمنين أنه قصر الإنذار على المؤمنين دون غيرهم، في آيات أخرى كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس:١١]؛ لأنه لما كان الانتفاع بالإنذار مقصوراً عليهم صار الإنذار كأنه مقصور عليهم؛ لأن ما لا نفع فيه كالعدم، يعني: الكافر إذا أنذر ولم ينتفع بالإنذار فكأنه لم ينذر.
إذاً: خلاصة الكلام أن الإنذار يطلق في القرآن على إطلاقين: الأول: إنذار عام لجميع الناس، كما في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢]، وقال : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]، للعالمين مؤمنين وكافرين، فهذا الإنذار العام هو الذي قصر على المؤمنين قصراً إضافياً في قوله: ((إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ))؛ لأن المؤمنين هم المنتفعون بهذا الإنذار دون غيرهم.
الثاني: إنذار خاص بالكافرين؛ لأنهم هم الواقعون فيما أنذروا به من النكال والعذاب، وهو الذي يذكر في القرآن مبيناً أنه خاص بالكفار دون المؤمنين، كقوله تعالى: ((لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا))، وقال في آية الأعراف: ﴿لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:٢]، والإنذار في لغة العرب: الإعلام المقترن بتهديد، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذاراً.
стр. 2070
تفسير قوله تعالى: (لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه)
قال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح:٩]، بعض القراء قرأ: (ليؤمنوا بالله ورسوله ويعزروه ويوقره ويسبحوه بكرة وأصيلاً).
قال الألوسي رحمه الله تعالى: (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)، الخطاب للنبي ﷺ وأمته، كقوله سبحانه: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق:١]، كذلك هذه الآية الخطاب بدأ بالنبي ﵊ في قوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) فالخطاب للنبي ﵊، ثم دخل فيه المؤمنون بقوله: (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) إلى آخره، تماماً كقوله : ((يا أيها النَّبِيُّ))، ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق:١]، فهذا من باب التغليب، غلب فيه المخاطب على الغيب، ونظيره قوله : ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان:٢١]، ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ [الإنسان:٢٢]، وقال : ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس:٢٢].
إذاً: الخطاب للنبي ﷺ : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، والمعنى: له وللمؤمنين، قال القرطبي: وإذا أراد الله بالخطاب المؤمنين لاطفه بقوله: ((يا أيها النَّبِيُّ))، فإذا كان الخطاب باللفظ والمعنى جميعاً له، قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، فاللفظ والمعنى هنا يقصد به النبي وحده، فلذلك ينص على لفظ الرسول ﵊، أما إذا أراد الخطاب بالمؤمنين قال: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إلى آخره.
إذاً: النبي ﵊ مخاطب بلا شك بالإيمان بالرسالة كقوله تعالى: ((إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ)) يعني: يا أيها النبي! أو يا أيها الرسول! ((شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)) (لِتُؤْمِنُوا) أي: أنت -أيها النبي- مكلف بهذا الإيمان، وكذلك المؤمنون مكلفون به، فهو مخاطب بالإيمان بالرسالة كالأمة.
وقيل: الخطاب في (أَرْسَلْنَاكَ) للنبي ﵊، وفي (لِتُؤْمِنُوا) لأمته ﵌.
стр. 2071
معنى التعزير في قوله: (وتعزروه)
قوله تعالى: (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ) التعزير هو: النصرة مع التعظيم، قال ﵎: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ [المائدة:١٢].
والتعزير: ضرب دون الحد، وذلك يرجع إلى الأول فإن ذلك تأديب، والتأديب نصرة ما، لكن الأول نصره بقمع ما يضره عنه، والثاني: نصره بقمعه عما يبغضه، والتأديب الذي هو النصرة مع التعظيم هو المطلوب في حق النبي وكل الأنبياء، فهي نصره بقمع ما يضره عنه، أما التعزير الذي هو دون الحد فهو: نصره بقمعه عما يضره من المعاصي التي يرتكبها وسيعزر من أجلها، فمن قمعته عما يضره فقد نصرته، وفي الحديث: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قيل: كيف أنصره ظالماً؟ قال: أن تكفه عن الظلم)، فهذه نصرة المؤمن.
قال ابن كثير: (وَتُعَزِّرُوهُ)، قال ابن عباس وغير واحد: تعظموه.
وقال القرطبي: (وَتُعَزِّرُوهُ) أي: تعظموه وتفخموه.
والتعزير: التعظيم والتوقير، وقال قتادة: تنصروه وتمنعوه ومنه التعزير في الحد؛ لأنه مانع.
قال القطامي: ألا بترت ميٌ بغير سفاهة تعاتب والمولود ينفعه العذر وقال ابن عباس وعكرمة: (وَتُعَزِّرُوهُ) تقاتلون معه بالسيف، وقال بعض أهل اللغة: تطيعوه، وقال الألوسي: وتعزروه أي: تنصروه، كما روي عن جابر بن عبد الله مرفوعاً، وأخرجه جماعة عن قتادة.
والضمير لله ، ونصرته سبحانه بنصرة دينه ورسوله ﷺ .
إذاً: قوله: (وَتُعَزِّرُوهُ)، إما أن المقصود تعزروا الله ، أو تعزروا الرسول ﷺ بأن تنصروه مع تعظيمه، وهذا هو الأقرب.
стр. 2072
معنى التوقير في قوله: (وتوقروه)
قوله تعالى: (وَتُوَقِّرُوهُ)، هذا يعود إلى النبي ﷺ ، أما قوله: (وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) فلا جدال أنها في حق الله .
والوقار: هو السكون والحلم، قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣]، الرجاء هنا بمعنى: الخوف، أي: ما لكم لا تخافون لله عظمة وقدرة على أخذكم للعقوبة؟ وعن مجاهد والضحاك قالا: ما لكم لا تبالون لله عظمة؟ وقيل: الوقار، الثبات لله ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] أي: اثبتن، ومعناه: ما لكم لا تثبتون وحدانية الله تعالى، وأنه إلهكم لا إله لكم سواه؟! وقال ابن كثير: (ويوقروه) من التوقير وهو الاحترام والإجلال والإعظام.
وقال القرطبي: (وتوقروه) أي تتوجوه، وقيل: تعظموه، والتوقير التعظيم، ((وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ))، الهاء هنا عائدة للنبي ﵌، وهنا وقف تام، ثم تبتدئ: (وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) أي: تسبحوا الله بكرة وأصيلاً أي: عشياً.
قول آخر: إن الضمائر كلها لله ﵎، فيكون معنى: ((وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ)) أي: تثبتوا له صحة الربوبية، وتنفوا عنه أن يكون له ولد أو شريك، واختار هذا القول القشيري.
وبعض المفسرين قال: (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ) يعني: تدعوه بالرسالة والنبوة لا بالاسم والكنية.
وزعم بعضهم أنه يتعين كون الضمير في (تعزروه) للرسول ﵌، لتوهم أن التعزير لا يكون له ، كما يتعين عند الكل كون الضمير في قوله تعالى: (وَتُسَبِّحُوهُ) لله .
فعلى أي الأحوال هناك خلاف بين المفسرين في هذه الضمائر إلى من تعود، وفي هذين الفعلين بالذات: (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ) فمن قائل: إنها للنبي ﵊، ومن قائل: إنها لله .
стр. 2073
معنى التسبيح في قوله: (وتسبحوه)
قوله تعالى: (وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) السبح: هو المرور السريع في الماء، يقال: سبح سبحاً وسباحة، وأطلق على مر النجوم في الفلك، نحو قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠]، وأطلق أيضاً على جري الفرس، فجري الفرس يطلق عليه سباحة، كما في قوله : ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ [النازعات:٣]، ويطلق على سرعة الذهاب في العمل، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل:٧].
والتسبيح: تنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، وأصله: المر السريع في عبادة الله تعالى، وجعل ذلك في فعل الخير، كما جعل الإبعاد في الشر، فقيل: أبعده الله، وجعل التسبيح عاماً في العبادات قولاً كان أو فعلاً أو نية، قال تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات:١٤٣]، والمقصود بالتسبيح هنا: الصلاة، يعني: أنه كان من المصلين، ويستعمل التسبيح بمعنى التنفل، فقد روى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة من حديث ابن مسعود ﵁ قال: (لعلكم ستدركون أقواماً يصلون الصلاة لغير وقتها، فإن أدركتموهم فصلوا الصلاة لوقتها الذي تعرفون، ثم صلوا معهم واجعلوها سبحة)، وهذا حديث صحيح.
(فصلوا معهم) يعني: صلوا الفرائض أولاً لوقتها، ثم إذا خرج هؤلاء الأمراء الذين يؤخرون الصلاة فصلوها معهم سبحة يعني: انووا بها النافلة، فصلاة النافلة يطلق عليها تسبيح، وكما في حديث رواه مسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه في الحج: (أن النبي ﷺ أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً)، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: (لو كنت مسبحاً لأتممت صلاتي) والحديث رواه مسلم عن حفص بن عاصم قال: (صحبت ابن عمر ﵄ في طريق مكة فصلى بنا الظهر ركعتين ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله، وجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة نحو حيث صلى - أي: نحو جهة المكان الذي صلى فيه- فرأى ناساً قياماً صلوا معه، فقال: ما يصنع هؤلاء؟! قلت: يسبحون، قال: (لو كنت مسبحاً لأتممت صلاتي) أي: لو أني كنت أزيد فسأزيد في الفريضة، فهو أفضل، ثم قال: (يا ابن أخي! إني صحبت رسول الله ﷺ في السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر رضي الله تعالى عنه، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]).
إذاً: الأقرب -والله تعالى أعلم- أن المسافر يصلي الفريضة فقط، وله أنه يصلي ركعتي الفجر والوتر، ويمكن أن يصلي صلاة الضحى إلى ثمان ركعات.
ومن الأجوبة الحسنة للعلامة ابن عثيمين حفظه الله تعالى أنه أتاه في من -وكنت في هذا المجلس- رجل كأنه بدوي ثائراً هائجاً مائجاً يصيح ويهاجم الإخوة، فأخذ الشيخ يتلطف معه وقال له: ما لك؟ أو ما الذي أغضبك؟ فقال: تنفلت في السفر وإذا بهم ينهونني عن الصلاة وعن التنفل؟! فقال له: من قال لك: لا تتنفل؟ لك أن تصلي الوتر من ركعة إلى إحدى عشرة ركعة، فالوتر أقله ركعة وأكثره إحدى عشرة ركعة، كلها تكون وتراً، وقال له: لك أن تصلي الضحى من ركعتين إلى ثمان، وتصلي ركعتي الفجر.
والحقيقة أن الشيخ ما خالف المذهب الراجح، وهو أنه لا يتنفل في السفر إلا ما ذكرنا؛ لكنه أقنعه بالعدد الكبير الذي هو أقصى ما يمكن أن يتنفل به، وهذا الجواب من محاسن الأجوبة.
وروى مسلم أيضاً عن ابن عمر ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يسبح على الراحلة -يسبح يعني: يتنفل- قبل أي وجه توجه، ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة)، فيمكن للإنسان في السفر أن يتنفل وهو راكب الراحلة، سواء كانت جملاً أو سيارة أو طائرة أو قطاراً، فيمكن أن يتنفل، إذ الأمر في النافلة أسهل من الفريضة.
إذاً: قلنا: السبح في اللغة: المر السريع في الماء، مثل السباحة، ويطلق على مر النجوم في السماء، كما قال تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠]، ويطلق على جري الفرس: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ [النازعات:٣]، ويطلق على سرعة الذهاب في العمل: ﴿إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل:٧]، ويطلق على تنزيه الله عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، ويكون في هذه الحالة كأنه المر السريع أيضاً في عبادة الله تعالى، المر السريع يفهم منه: المسارعة إلى الطاعات والمنافسة فيها، والاجتهاد فيها، وليس المقصود بالمر السريع أن يدرك الصلاة بسرعة ويصلي صلاة ليس فيها خشوع، لا، المقصود: الإسراع إلى عبادة الله كما قال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣].
وقلنا: إنه يطلق على العبادات قولاً أو فعلاً أو نية: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات:١٤٣] يعني: المصلين، وأشرنا على أنها تطلق على النوافل كذلك.
ويقول ﵎: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء:٤٤]، ولا شك أن هذا -والله تعالى أعلم- تسبيح على الحقيقة، من غير أن نفقهه، خلافاً لمن زعم أن التسبيح يراد به أن من رآه قال: سبحان الله، لا، بل هو تسبيح على الحقيقة؛ لكننا لا نفهم هذا التسبيح، ودليله قوله ﵎: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]، وقال أيضاً: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾ [ص:١٨]، فلو كان معنى (التسبيح) أنه من رآها قال: سبحان من خلقك مثلاً؛ لما كان بالعشي والإشراق، لكن المعنى أن الجبال كانت تحافظ مع داود على أذكار الصباح والمساء ((بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ)) وكانت تنطق وترفع صوتها بذكر الله ، فهذه آية من آيات الله لداود ﵇.
وقال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء:٤٤]، و (سبحان) مصدر، مثل غفران، قال الله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم:١٧]، وقالت الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة:٣٢].
قال القرطبي: في قوله تعالى: (وتسبحوه) وجهان: أحدهما: تسبيحه بالتنزيه له سبحانه من كل قبيح، فمعنى قوله: (سبحان الله) يعني: أنزه الله عن كل قبيح، وأنفي عنه كل نقص، وكثيراً ما يقترن التسبيح بالتحميد؛ لأنه إذا كان التسبيح تنزيه الله عن كل نقص، فإن الحمد هو إثبات كل كمال له، فهو المستحق للمدح والثناء ﷻ ؛ فلذلك كثيراً ما يقترن التسبيح بالحمد كقولك: سبحان الله وبحمده.
الوجه الثاني في قوله: (وَتُسَبِّحُوهُ) هو فعل الصلاة التي فيها تسبيح، (بُكْرَةً وَأَصِيلًا) أي: غدوة وعشياً، قال الشاعر: لعمري لأنت البيت أكرم أهله وأجلس في أفيائه للأصائل جمع أصيل.
وقال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢] أي: أشغلوا ألسنتكم في معظم أحوالكم بالتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير.
قال مجاهد: وهذه كلمات يقولهن الطاهر والمحدث والجنب، كل هؤلاء يجوز لهم أن يسبحوا الله ، ويذكروه بهذه الأذكار: لا إله إلا الله، الحمد لله، والله أكبر، سبحان الله وهكذا.
وقيل: (وسبحوه) يعني: ادعوه، قال جرير: فلا تنس تسبيح الضحى إن يوسفاً دعا ربه فاختاره حين سبحا يعني: حين دعاه.
وقيل المراد: صلوا لله بكرة وأصيلاً، والصلاة: تسمى تسبيحاً، (وَالآصَالِ) العشايا كما ذكرنا، قال ﵎: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف:٢٠٥]، والآصال: هي العشيات.
قوله: (وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) أي: غدوة وعشياً، والمراد: ظاهرهما، يعني: الأمر بالتسبيح في هذين الوقتين بالذات لما لهما من الفضيلة؛ لأنهما أشرف أوقات الذكر في النهار كله، وقت الغدو والعشي.
قول آخر: المراد بقوله تعالى: (وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) جميع النهار؛ لأنه يكنى عن جميع الشيء بطرفيه، كما تقول: جزت المدينة شرقاً وغرباً، لا تقصد أنك فقط أتيت إلى الطرف الشرقي والطرف الغربي؛ لكن أردت أن تقول كلها.
وعن ابن عباس ﵄ قال: ((وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)) صلاة الفجر، وصلاة الظهر، وصلاة العصر.
وقال الله أيضاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٤١]، فالأمر بذكر الله بين كيفيته في آيات أخر، كما في قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء:١٠٣]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمر
стр. 2074
العبادة التي أمر الله بها في كل الأوقات
كل عبادة ربطت بوقت، فالصلاة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣]، حتى النافلة نمنع عنها في أوقات الكراهة، والحج له وقت، والصيام له وقت، حتى الصيام توجد أيام يحرم علينا أن نصومها، وهكذا كل عبادة لها وقت محدود، أما الذكر فهو العبادة الوحيدة التي أمر الله بها في كل الأوقات والأحوال والأحيان قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء:١٠٣]، فمعناها: فاذكروا الله في كل أحوالكم؛ لأن الإنسان إما قائم، وإما قاعد، وإما مضطجع، ولذلك قال الرسول ﷺ في الدعاء: (اللهم احفظني بالإسلام قائماً، واحفظني بالإسلام قاعداً، واحفظني بالإسلام راقداً، ولا تشمت بي عدواً حاسداً).
فاذكر هذا يعم جميع أحوال الإنسان، وقد أمر الله بالإكثار من الذكر بقدر المستطاع كما قال الله: ((اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا))، قال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] وهكذا.
فالذكر والفكر ينبغي أن يكونا في جميع الأوقات أو أكثرها؛ لأن النفس إذا تركت إلى طبعها فإنها بطبعها مائلة إلى ملاذ الدنيا، فإن صرف العبد شطر أوقاته في تدبير الدنيا وشهواتها المباحة مثلاً، والشطر الآخر إلى العبادات، فإن الطبع يرجح جانب الميل إلى الدنيا؛ لأن هذا يوافق الطبع والهوى، فإذا كان الوقت متساوياً، للدنيا نصف الوقت، وللدين أو ذكر الله النصف الآخر، فيأتي الهوى ويرجح خدمة الدنيا، فإذا كان الوقت متساوياً فأنى يتقاومان والطبع يرجح أحدهما؟! إذ الظاهر والباطن يتساعدان على أمور الدنيا، ويصفو في طلبها القلب ويتجرد، فهذه كلها ترجح جانب الميل، ونحن قلنا: إن الوقت نصف للدنيا ونصف للذكر، فالنصف الذي للدنيا هو الذي سيغلب؛ لأن الطبع يميل للدنيا، وظاهر الإنسان وباطنه يتعاونان معاً في تحصيل أمور الدنيا، والقلب إذا طلب أمور الدنيا يصفو بطلبها ويتجرد لها، أما رد النفس إلى العبادات والذكر فلا يكون إلا بتكلف ومجاهدة، ولا يسلم إخلاص القلب فيه وحضوره إلا في بعض الأوقات، حتى الصلاة نفسها التي هي من النصف الآخر الديني، فكم من الناس من يدخل في الصلاة الدنيا، ويسبح في أودية الدنيا داخل الصلاة! حتى إن بعض الناس -وهذا من تلبيس إبليس- تتراكم عليه كل مشاكل الدنيا إذا دخل في الصلاة، من بداية تكبيرة الإحرام ولا تنتهي إلا مع التسليم، فهذا مما يدل على أن هذه وظيفة متخصصة للشيطان، وقد أخبر النبي ﷺ أنه يوجد شيطان متخصص للوسوسة في الصلاة، فإذا دخلت في الصلاة يظل يذكرك بكل شيء نسيته، حتى تنصرف عن التفكر والتدبر في ذكر الله ، والخشوع في الصلاة، فهذا واضح جداً أن هذا من الشيطان؛ أولاً: لحديث الرسول ﵊.
ثانياً: لأنه مجرد ما تسلم تنتهي المشاكل كلها، فلماذا الوسوسة في الصلاة بالذات؟! إذاً: هذا من كيد الشيطان للإنسان، فحتى العبادات لا تخلو من الوسوسة.
بالمناسبة أذكر أحد الإخوة من الأطباء الكبار في الأمراض النفسية يعمل في المدينة، فكان يتكلم على أن من ضمن أساليب العلاج الخاص بالناس الذين يعانون الوسوسة: أن يربط كل ركعة بشيء معين، فمثلاً نقول له: الركعة الأولى تربطها بحاجة، الركعة الثانية تربطها بشيء، بحيث تذكر الجلسة فلا تسهو في الصلاة، فالمهم يقول: كنت في أحد المساجد في المدينة النبوية الطيبة، فالناس صلوا العشاء أو غيرها من الصلوات الرباعية فاختلفوا مع الإمام، هل صلى أربعاً أو صلى خمساً، بعدما انصرفوا من الصلاة اختلفوا، فأحد المصلين حلف أنهم صلوا أربعاً، قالوا له: كيف عرفت؟ قال: لأن عندي أربعة دكاكين، وأراجع حساب كل دكان في ركعة، فأنا راجعت حساب الدكاكين الأربعة في الصلاة! فهو مخصص كل ركعة في محل من أجل أن يراجع الحسابات، والله المستعان! فالشاهد: أن الإنسان عندما يطلب الدنيا قلبه يصفو لها تماماً، وعندما يطلب الآخرة تعتدي الدنيا عليه حتى في الوقت المخصص للآخرة، هذا إذا سلمت من الآفات كالرياء والبدعة وغير ذلك من الشوارد، فإذا قسمنا الوقت نصف للدنيا ونصف للذكر فإنه سيتغلب جانب الدنيا؛ لأن الهوى والطبع وشح الأنفس يجلب الإنسان دائماً إلى الدنيا، فالكفة ستأتي من ناحية الدنيا.
أما العبادات فالإنسان لا يستقيم عليها إلا بتكلف ومجاهدة، وحتى إخلاص القلب لا يسلم إلا في بعض الأوقات دون البعض، فمن أراد أن يدخل الجنة بغير حساب فليستغرق أوقاته في طاعة الله ، ومن أراد أن تترجح كفة حسناته، وتثقل موازين خيراته، فليستوعب في الطاعة أكثر أوقاته.
نحن لا نقول: يضيع واجباته الدنيوية؛ لكن نقول: الذكر عبادة يمكن أن تستصحب في كل الأحوال، وفي الحديث: (كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه) أي: في كل الأحوال، فالمؤمن يذكر الله حتى وهو يشتغل شغلاً ميكانيكياً بآلة أو بيده، فما أسهل أن يشتغل لسانه بذكر الله، حتى إن عجز عن لسانه كما يكون مثلاً في حالة الخلاء فإنه يشتغل بالذكر بقلبه، كان جد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إذا دخل الخلاء جعل الكتاب في يد أحد أبنائه، ويقول له: قف عند الباب واقرأ بصوت عال، حتى يغتنم الوقت الذي يقضيه في الخلاء في الاستفادة، فهو يمتنع من القراءة؛ لكن حفيده يقف عند الباب ويقرأ عليه بصوت عال! إذاً: لا بد أن يترجح وقت الذكر على أوقات الدنيا، حتى الإنسان إن كان مشتغلاً في الدنيا فهو يستطيع أن يشغل لسانه دائماً بذكر الله ، وهو يمشي في الطريق، وهو يركب المواصلات؛ حتى يترجح جانب الدين على الدنيا.
والدنيا هي سعي في طلب الرزق، والرزق مضمون؛ لكن الآخرة غير مضمونة، الجنة غير مضمونة، أما الزرق فالله قال فيه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]، وقال النبي ﷺ : (لو أن ابن آدم يهرب من رزقه، لأدركه رزقه كما يدركه أجله) أو كما قال ﵌، فالرزق مضمون تماماً، وقال ﵊: (اتقوا الله وأجملوا في الطلب)، وقال: (إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها).
فالرزق مكتوب ومضمون، ولا يمكن أبداً أن ينقص رزقك شيئاً، فنحن نشتغل بالمضمون عن غير المضمون، فالله قال في الآخرة: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ [النجم:٣٩ - ٤١]، فنحن نجتهد بما هو مضمون عما ليس بمضمون، فمن أراد أن تترجح كفة حسناته، وتثقل موازين خيراته؛ فليستوعب في طاعة الله أكثر أوقاته، فإن لم تكن من أهل البصيرة فانظر إلى خطاب الله تعالى لرسوله ﵌، واقتبسه بنور الإيمان، فقد قال تعالى لأقرب عباده إليه، وأرفعهم درجة لديه: ﴿إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل:٧ - ٨]، وهو رسول الله ﷺ ! وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان:٢٦].
وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق:٣٩ - ٤٠].
وقال : ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور:٤٨ - ٤٩].
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه:١٣٠].
وقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤].
ثم انظر كيف وصف الله الفائزين من عباده، وبماذا وصفهم؟! قال : ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩].
وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:٦٤]، وقال : ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨].
وقال سبحانه: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم:١٧] يعني: فسبحوا الله حين تمسون وحين تصبحون.
وقال تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢].
إذاً: الطريق إلى الله هو مراقبة الأوقات، وعمارتها بالأوراد على سبيل الدوام، فالذكر المقصود منه تغيير الصفات وترقيق القلب، قال ﷺ : (لا يزال لسانك رطباً بذكر الله ، وهذا التأثير لا يتأتى بأن يأتي الإنسان بذكر ثم ينقطع، ولا يحدث تأثيراً في القلب إلا بالمدوامة ولو بالقليل؛ ولذلك قال ﵊: (أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قل)، فالذكر القليل مع الدوام يؤثر، وعند الان
стр. 2075
من فضائل الذكر
القلب لا يحصل التأثير فيه إلا بالمداومة على الذكر، فعمل قليل تداوم عليه أفضل من عمل كثير لا تداوم عليه؛ لأن هذا هو الذي يعالج أمراض القلوب، وقد ثبت للتسبيح فضائل جمة، منها قول النبي ﵌: (من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله العظيم وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه) فهذا يدل على أنه يستحب أن تقول: سبحان الله وبحمده، أو سبحان الله العظيم وبحمده- في الرواية الأخرى- مائة مرة، في أذكار الصباح وأذكار المساء.
ويستحب أنك تزيد على المائة مرة، فالزيادة هنا مرغب فيها، بدليل قوله: (لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه).
وقال النبي ﵌: (من قال: سبحان الله العظيم وبحمده غرست له بها نخلة في الجنة)، ولا شك أن هذا فضل عظيم جداً، لكننا لانهماكنا في الدنيا نغفل عن هذه الفضائل العظيمة التي سوف ننفصل عنها بالموت، ولو أن رجلاً بشر بقصر في الدنيا، أو شقة أو حتى غرفة، كم تكون سعادته وحرصه على ذلك! لكن انظر الرسول ﵊ يقول لنا: (من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] عشر مرات بنى الله له قصراً في الجنة)، فكم نغفل عن هذا! لا شك أن السكوت فقط هو نوع من الخسران؛ لأنه لا يوجد فيه طاعة؛ ولذلك الخسارة عند التاجر درجات، فلو أنه اتجر في المال وربح مثلاً ٣٠% فهذا مكسب؛ لكن لو كان ينفق ٥٠% فإنه يعتبر خسر ٢٠%، ولو أنه قصر وبسبب تقصيره وصل الربح مثلاً إلى ٢٠% فهذه يعتبرها خسارة مع أنه ربح، وأعمال الخير نفسها تتفاضل، فالإنسان المفروض أنه لا يشتغل بالمفضول عن الفاضل، وينظر دائماً إلى الأعلى ثواباً.
وهناك أشياء ثوابها عظيم جداً، والجهد الذي يبذل فيها قليل جداً، ومنها: ترك السلام، يقول ﷺ : (وأبخل الناس من بخل بالسلام)، فالسلام فيه الثواب العظيم، لكنه ثقيل على بعض الناس، فهذا بخيل جداً على نفسه بالسلام، وعلى إخوانه بالإحسان إليهم بالسلام.
كذلك العاجز الذي يعجز عن الدعاء، مهما كانت مطالبك وطموحاتك فإنك تحصل عليها بالدعاء، المهم أن يكون في الدعاء صدق وإخلاص لله .
الإنسان رأس ماله هو الوقت، يقول الله في سورة العصر: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].
(وَالْعَصْرِ) هذا قسم بالعصر الذي هو الدهر أو الزمن أو الوقت، يحلف الله به لأنه من آياته العظمى، فالدهر لا يذم لذاته أبداً؛ لأن الدهر والزمن مجرد ظرف، فمن الناس من يستثمره بالأعمال الصالحة، ومنهم من يكون بعكس ذلك، فالعصر أو الدهر أو الزمن ليس له ذنب إنما هو ظرف لأفعال العباد، كما يقول الشاعر: نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا ونهجو ذا الزمان بغير ذنب ولو نطق الزمان بنا هجانا فأقسم الله بالعصر ليلفت نظر الناس إلى شرف الزمن والوقت.
قوله: (إِنَّ الإِنسَانَ) يعني: كل الإنسان، (لَفِي خُسْرٍ)، ثم استثنى: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).
قال بعض السلف: تعلمت تفسير سورة العصر من بائع ثلج، لم يكن في الزمن الماضي ثلاجات يوضع فيها الثلج، لكن كانت تصنع قوالب للثلج، فالناس في يوم من الأيام لم يشتروا منه الثلج، وهذا الثلج إذا لم يبعه سينصهر ويصير ماء كأي ماء، فقارب وقت العصر بعدما انفض السوق أو كاد وما أحد اشترى منه، فظل يجول في الطرقات وهو يحمل الثلج ويقول: ارحموا من يذوب رأس ماله! يعني: اشتروا مني الثلج قبل أن يذوب، فهذا رأس مالي، وهذه أعظم الخسارة، فالخسارة في المال هي خسارة الربح، فلو أن تاجراً باع بالجهد العظيم الذي بذله في التجارة، وعاد إليه فقط رأس المال، فهذا نوع من الخسارة؛ لأنه كان يمكن أن يكسب ربحاً؛ لكن هذا لا له ولا عليه، لأنه بتعبير آخر: خسر جهده.
فلو أن شخصاً خسر فوصلت خسارته إلى رأس المال، فهذه خسارة، وأعظم منها: شخص خسر كل رأس ماله، فرأس مال الإنسان هو الوقت والزمن والعمر، فهذا هو رأس المال.
فهذا الوقت يمر ويجري، فهو دوماً في نقصان؛ لأن كل لحظة لا يمكن أن تسترجعها ولو فعلت ما فعلت لا تستطيع أن تعيد مثلاً ساعة من الآن، هل تستطيع أن تأتي بالشمس من جديد وتعيد اليوم الذي مضى؟! لا يمكن أن يعود أبداً مستحيل! كذلك العمر يمضي، فأنت عمرك يمضي، والساعة تمر.
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان فالدقات هي عبارة عن إنذار ينذرك: احترز وانتبه واستكمل هذا الوقت، وقد عبر العلامة الشيخ محمد القاضي حسين رحمه الله تعالى عن هذا المعنى في بيتين من الشعر، حينما أتاه صبي صغير بالساعة القديمة (البندول)، وهي غير الساعة الرقمية، فلما أعطاه إياها، قال له: ما فيها؟ وصوت البندول معروف، فأنشد شيئاً من الشعر قال: وغلام قرب الساعة من أذنيه يسمع منها الصرخات قال ما بداخلها قلت كوزة تقرض أيام حياتي العالم الذي قال: تعلمت تفسير هذه السورة من بائع ثلج، كان يحمل الثلج على كتفه ويجري في الأسواق والشوارع ويقول: ارحموا من يذوب رأسه ماله، فكم تكون الشفقة على شخص كل رأس ماله هو هذا الثلج، وإذا ذاب الثلج ذهب كل رأس ماله وتبخر؟! فيريد هذا العالم أن يقول: إن السورة تشير إلى أن رأس مال الإنسان هو الوقت، والوقت دوماً في نقصان مثل الثلج الذي ينصهر رويداً رويداً.
فالوقت في نقصان وذهاب، فحتى تجبر هذا النقصان لا بد أن تستدرك بأن تستثمر الوقت في طاعة الله ، فما بالك بمن يستثمره في المباح؟! ثم ما بالك بمن يستثمره في المعاصي؟! فلا شك أنه يكون حاله أو خسارته أعظم! والذكر من الأمور السهلة جداً جداً على الإنسان، وإذا أراد الله له به الخير يسره عليه، فالذكر يحتاج أولاً إلى المجاهدة، ثم بعد ذلك يحاول أن يغلب عليه ذكر الله ، فكم يندم الإنسان بعد ذلك إذا مات ولم يستثمر هذه الأوقات، قال ﷺ : (من قال: سبحان الله العظيم وبحمده غرست له بها نخلة في الجنة)، وقال ﷺ : (من قال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، فإن قالها في مجلس ذكر كانت كالطابع يطبع عليه، وإن قالها في مجلس لغو كانت كفارة له)، وقال النبي ﷺ : (من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر).
стр. 2076
تفسير قوله تعالى: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح:١٠] خبر (إن) قوله تعالى: ((إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ)).
قال الألوسي: إن الذين يبايعونك يوم الحديبية على الموت في نصرتك، كما روي عن سلمة بن الأكوع وغيره، أو على ألا يفروا من قريش، كما روي عن ابن عمر وجابر ﵁، والمبايعة وقعت قبل نزول الآية، فالتعبير بالمضارع لاستحضار الحال الماضية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾، والمبايعة مفاعلة من البيع يقال: بايع السلطان مبايعة إذا ضمن بذل الطاعة له لما ربط له، وكثيراً ما تقال على البيعة المعروفة للسلاطين ونحوهم، وإن لم يكن ربط.
(إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ) يعني: يبذلون لك ما بذلوه من التضحيات بالغالي والنفيس في سبيل نصرتك، مقابل أن الله يشتري منهم أنفسهم بأن لهم الجنة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١]، هذه هي المبايعة، وهذا هو العقد: (إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ)، وقد يأتي ملحد إلى هذه الآية ويستنبط منها أن هذا معناه حلول الله في شخص الرسول ﵊ والعياذ بالله! فهذا كفر مبين؛ لكن المقصود من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ أن بيعة الرسول ﷺ هي طاعة الرسول وطاعة الله وامتثال أوامره؛ لأن الله قال ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] ومن بايع الرسول فقد بايع الله؛ لأن المقصود هو التقرب إلى الله بهذه المبايعة، فمبايعة الله تعالى بمعنى طاعته ، وهذا يطلق عليه علماء البلاغة: المشاكلة، فتشابه لفظة المبايعة في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ مشاكلة، والمشاكلة: هي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقاً أو تقديراً.
قولهم: تحقيقاً كما في قوله : ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦]، وكقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٥٤]، وقوله : ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠] واستدلال البلاغيين بقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦] فيه نظر؛ لأننا نثبت صفة النفس لله كسائر الصفات، وقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠] هذه مشاكلة؛ لأن معاقبة الظالم حسنة، وهي عدل من الله ، فقوله: ((وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ)) يعني: من أساء إليك فقابله وجازيه بالمثل، وهذا عدل، لكن أطلق عليها لفظ سيئة لأجل المشاكلة، وذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته؛ لأنه مجرد المجاورة والصحبة جعل أطلق على الاثنين سيئة، فهذه هي المشاكلة، لكن في الحقيقة هي ليست سيئة، بل هي عدل ومجازاة بالمثل.
ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، هل مقابلة العدوان يسمى عدواناً؟ لا، إنما أطلق عليه لفظ العدوان للمشاكلة، وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقاً أو تقديراً.
ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية:٣٤]، قال تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة:٧٩] وهكذا.
وقولهم: تقديراً مثاله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾، يعني: تطهير الله؛ لأن الإيمان يطهر النفوس، والأصل فيه: أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية، ويقولون: إنه تطهير لهم، فعبر عن الإيمان بصبغة الله للمشاكلة بهذه القرينة، والكلام في إبطال ما هم عليه من الصبغة، ويظنون أنه يطهر هؤلاء الأولاد، فكانوا يفعلون ذلك بالطفل مكان الختان؛ لأن الختان تطهير، فرد الله عليهم بقوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة:١٣٨]، فسمى الدين صبغة من حيث أنه تظهر أعماله وسمته على المتدين، كما يظهر أثر الصبغ في الثوب.
قال بعض شعراء ملوك همدان: وكل أناس لهم صبغة وصبغة همدان خير الصبغ صبغنا على ذاك أبناءنا فأكرم بصبغتنا في الصبغ وقيل: إن قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾، بدل من قوله تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة:١٣٥]، فصبغة بدل من ملة.
وقيل: (صِبْغَةَ اللَّهِ) المقصود به: غسل الإسلام للمشرك أو الكافر الذي يدخل في الإسلام، (صبغة الله) يعني: هذا الغسل الذي يغتسل به، ويودع به أدران الجاهلية والكفر السابق.
إذاً: بعض المفسرين قالوا: إن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح:١٠]، من المشاكلة وهي: ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقاً أو تقديراً، فهناك مجرد ذكر البيعة في حق الرسول ﵊، فأيضاً جاءت البيعة لله بنفس هذا السياق.
стр. 2077
تفسير ابن كثير لقوله تعالى: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله)
يقول ابن كثير: ثم قال تعالى لرسوله ﷺ تشريفاً له وتعظيماً وتكريماً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح:١٠]، كقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] أي: هو حاضر معهم، يسمع أقوالهم، ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى المبايع بواسطة رسوله ﷺ كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة:١١١].
قوله: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى) من الذي اشترى؟ الله؛ لكن بواسطة رسوله ﵊ في هذه المبايعة أو في أمثالها؛ لأن من بايع الرسول ﷺ فكأنما بايع الله ، ثم استدل ابن كثير بحديث نصه: (من سل سيفه في سبيل الله فقد بايع الله)؛ لكن هذا الحديث ضعيف.
أيضاً: ذكر ابن كثير حديثاً آخر فيه هذه المناسبة، وهو حديث: (إن الحجر الأسود يمين الله في الأرض، من استلمه فقد صافح الله ، وهذا الحديث ضعيف، قال ابن الجوزي: لا يصح، وقال ابن العربي: هذا حديث باطل لا يلتفت إليه، ونحوه حديث: (الحجر يمين الله، فمن مسحه فقد بايع الله ألا يعصيه)، وهذا الحديث موضوع.
وقد ثبت أنه لا يوجد شيء على وجه الأرض من الجنة غير الحجر الأسود، وهذا حديث صحيح: (إن هذا الحجر كان أبيض من الثلج، ثم سودته خطايا أهل الشرك)، كما صح عن النبي ﵊ أيضاً قوله: (إن الحجر الأسود يأتي يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به يشهد على من استلمه بخير).
وبعض الناس ليس عندهم خبرة في التعامل مع كتب التفسير، بالذات التفسير السلفي الرائع تفسير القرآن العظيم لـ ابن كثير، فيقول: انظر ابن كثير أتى بأحاديث ضعيفة! فينبغي أن نترك هذا التفسير! هذه النغمة يرددها بعض الجهلة الظالمين بين وقت وآخر، نحن نلاحظ أن ابن كثير يسوق هذه الأحاديث مقرونة بالأسانيد، فمتى ما ساق العالم أو الإمام الحديث بإسناده فقد برئت عهدته منه؛ لأنه قرن الحديث بالوسيلة التي تعين قارئ الكتاب على الوصول إلى درجته من الصحة أو الضعف، وسبق أن تكلمنا بالتفصيل عن سبب تدوين العلماء لكتب الحديث دون تحقيق إلا من محض كتبه بالصحيح، لكن عامة المحدثين دونوها بأسانيدها لأسباب تكلمنا عليها بالتفصيل من قبل.
إذاً: الذي ينزعج من هذا هو الجاهل أو القاصر الذي لا يعرف كيف يصل إلى درجة الحديث، لكن العالم لا يتهم ابن كثير بالتقصير لأنه أورد أحاديث ضعيفة.
أمر آخر وهو أن ابن كثير بين في مقدمة تفسيره منهجه في التفسير، فهو يقول: أنا أسرد جميع ما أمكن وما جاء في تفسير الآية؛ لأبطل الباطل وأحق الحق، وبدأ منهجه على أساس المنهج الذي رسمه الله لنا في سورة الكهف، فإن الله قال: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف:٢٢]، فحكى القولين الباطلين، وبين أن هذا عبارة عن رجم بالغيب، وادعاء بدون علم وبينة، وهذان القولان غير صحيحين، وفي هذا فائدة، وهي أن الإنسان يتعلم الأشياء الضعيفة حتى يتقيها، أما القول الصحيح في عددهم فهو الأخير، قال : ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف:٢٢] ولم يبطل هذا القول الأخير، فبنى ابن كثير منهجه في التفسير على هذا، فهو يأتي بالأقوال التي رويت ووردت في تفسير الآية، ثم يبطل الباطل صراحة أو ضمناً، فصراحة: بأن يبين أن هذا موضوع أو ضعيف، أو ضمناً: بأن يأتي بالحديث بأسانيده ومعه الوسيلة التي توصل المحقق إلى درجة هذا الحديث، فما قصر رحمه الله تعالى.
ملاحظة أخرى: نلاحظ أن ابن كثير في تفسير قوله ﵎: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) قال: أي: هو حاضر معهم يسمع أقوالهم، ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم.
فبعض الناس يقول: إذاً ابن كثير مؤول؛ لأنه لم يثبت هنا صفة اليد! نقول: لا، حتى لو جدلاً قلنا: إن ابن كثير هنا أول هذه الآية بهذا المعنى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ يعني: الله حاضر معهم، يسمع أقوالهم، ويرى مكانهم، فلا يعني هذا نسبة الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى إلى التأويل مطلقاً؛ لأن الإمام إذا أخذ أو فهم منه التأويل في موضع فننظر في أقواله في المواضع الأخرى، ومعروف أن ابن كثير سلفي قوي السلفية رحمه الله تعالى، فهو ما كان يحيد أبداً عن منهج السلف الصالح، وهو تلميذ من تلامذة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وشعاع من نور ابن تيمية، ويكفي أنه كان قد أوصى أن يدفن مع شيخ الإسلام ابن تيمية ودفن معه، فهو شيخه وإمامه، وهو أحد الأشعة التي انطلقت من نور شيخ الإسلام، فكيف يكون تلميذاً لـ ابن تيمية ثم ينسب إليه التأويل؟! لكن بعض المواضع من حيث اللغة قد تحتمل بعض هذه التأويلات، كما في قصة بلقيس في سورة النمل، في قوله ﵎: ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ [النمل:٤٤]، فبعض المفسرين يقول: هذه عبارة عن نزول الشدة، فيؤولون بها قوله ﵎: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢] بأنه كناية عن الشدة، فربما يقع بعض المفسرين السلفيين في تأويل آية سورة القلم التي هي قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢]؛ لأن له سنداً من اللغة وشواهد لغوية تدل على أن هذا التعبير يستعمل فعلاً في الشدة، لكن لا يعني ذلك أنه يؤول الحديث الذي أتى في تفسير هذه الآية من أحاديث الصفات، كذلك كلام ابن كثير هنا إن كان يفهم منه التأويل هنا، وإن لم يكن صريحاً في ذلك، لكن في المواضع الأخرى لا شك أن ابن كثير سلفي يثبت الصفات ولا يؤول.
стр. 2078
الإنصاف في الرد على المخالف
بعض الإخوة أتاني الليلة بكتاب كنا قد تكلمنا عنه بصورة عابرة في درس الوداع في مسجد البكري، واسمه: البحث عن الصواب في شرعية النقاب، وقد كنت رددت رداً سريعاً عابراً على الكتاب، ثم أتاني أحد الإخوة وقال: إنه يوزع بالمجان، وأنا كنت حريصاً على أن أعرف من مؤلف هذا الكتاب؟ وسألت أحد الإخوة: صف لي أين يصلي هذا المؤلف، فذكر لي بعض علاماته، وقال أخ آخر في المسجد: إن مؤلف الكتاب توفي ﵀ منذ شهر، وبعدما انصرفت عن الإخوة قعدت أحاول أتذكر أنه قبل شهر جاء خبر وفاة رجل فاضل جداً اسمه الأستاذ: فهمي رحمه الله تعالى.
فمكثت أتحرى وأتذكر، فكل القرائن كانت تدل على أنه هو، فكنت أتمنى ألا يكون هو، حتى اتصلت بأحد الإخوة القريبين جداً من الأستاذ فهمي، ففعلاً أخبرني أنه هو الذي توفي منذ شهر، وهو فعلاً مؤلف هذا الكتاب! فالحقيقة استصعبت جداً عليه أن يؤلف هذا الكتاب، خاصة أن النبرة حادة وشديدة في الكتاب، ومستوى الكتاب ضعيف جداً من الناحية العلمية، لكن في الحقيقة كما نصحت الإخوة من قبل مراراً: أن الإنسان قبل أن ينتقد أحداً ينبغي أن يعرف قدر هذا الشخص أولاً، فإذا كان الأصل فيه الخير والصلاح، ثم زل زلة فالإنسان لا يأتي يقيمه بالزلة هذه فقط، وعليه أن يزن الأمور، وقد قال النبي ﵊: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث).
ويقول الشاعر: وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع وهذا الرجل أنا أعرفه منذ سنة (١٩٧٨م)، وهو من الناس الذين من عرفهم أحبهم في الله ﵎، وله ارتباط كامل بالدعوة منذ عهد بعيد من أيام نشاط الإخوان المسلمين، وقد كان عابداً ناسكاً، وكان في سنة ١٩٧٠م يندر جداً أن يعتكف أحد في المسجد، لأن ظاهرة الاعتكاف انتشرت من آخر السبعينات، لكن أنا أعرفه منذ سنة سبعين إلى آخر عمره وهو لا يضيع الاعتكاف على الإطلاق، وأخبرني الأخ القريب منه أنه داوم عليه حتى آخر سنة، فطول عمره ما قصر في سنة الاعتكاف أبداً، وكان الأستاذ فهمي رحمه الله تعالى من أشد الناس محافظة على صلاة الجماعة، لا يكاد يعلم له نظير في ذلك، وكان يحافظ على صلاة الفجر والعشاء وجماعة مع شدة مرضه رحمه الله تعالى، وأخ يحكي لي أنه رآه قبل أن يموت وهو يمشي في الطريق يترنح من الإعياء والمرض الذي كان فيه، بل إنه أخبرني أن أهله أشاروا عليه -وقد نزل لصلاة المغرب- فقالوا له: أنت معذور، فصل في البيت؛ من شدة المرض الذي ألم به، فأبى أن يضيع صلاة الجماعة في المسجد مع شدة المرض، فنزل وصلى بالناس صلاة المغرب، ثم شرع في صلاة السنة البعدية للمغرب ففاضت روحه وهو ساجد رحمه الله تعالى! فهو في الحقيقة كان رجلاً عاقلاً حكيماً، وتكفي هذه العلامة من علامات حسن الخاتمة، نسأل الله أن يتقبله في الصالحين.
أما بالنسبة لكتابه فأعتقد أنها قد تكون زلة والله أعلم، وهو كان يريد الخير بلا شك، فهو إن شاء الله رجل من الصالحين وعابد وناسك، وأنا لا أعرف عنه زلة على الإطلاق إلا ما فوجئت به في هذا الكتيب، ولا يعني هذا أن أسكت عن الرد عليه؛ لكن أقول: الرد كله كامل موجود في كتاب تعرفونه جميعاً في مسألة النقاب، فهو رد كامل، والمشكلة: أن عامة من ينتقدون لا يقرءون الكتب التي ينتقدونها، والمفروض أن الإنسان قبل أن ينتقد كتاباً يقرؤه أولاً، فيعطي المؤلف حقه وقدره مع شيء من الرد إذا وجد خطأ، فإذا لم يقرأ الكتاب أولاً فهذا تقصير.
وجميع الشبهات التي أوردها المؤلف ﵀ الرد عليها موجود، فأنا أحيل الإخوة الذين ألحوا علي بالرد عليها، وأقول: إذا كنا سنرد على كل شيء فسنضيع الوقت في الردود، ولكننا نضطر للرد عندما يكون الأمر شائعاً كالذي حصل من مصطفى محمود، وكأنه -سامحه الله- لا يريد أن ينتهي، فهو ما بين الفترة والأخرى يورد مقالة تولد مقالة ثانية، والظاهر أنه يتشبث بـ الطهطاوي وبالشيخ محمد عبده، ولا أحد يكفر مصطفى محمود ولكنا اضطررنا للرد عليه، لأن مثل هذا لا يسكت عليه، ومستواه العلمي ضعيف جداً جداً.
والحقيقة أن الكتاب المذكور فيه أشياء تصدم بها صدمة شديدة، ويعز علي أن أنتقد الأستاذ فهمي؛ لأنه أستاذي وقدوتي، ورجل أنا أعرف عنه كل خير، وقد صدمت لما عرفت أنه هو المؤلف وتأكدت من ذلك، ولكن هي زلة، ولعل الله أن يغفر له ويعفو عنه، وأحسبه كان يريد وجه الله ؛ لأنه في عامة أعماله رجل صالح جداً، فلعله بذل جهده في هذه المسألة حسبما يستطيع، فالأمل في رحمة الله خاصة مع هذه القرينة الطيبة جداً، فإن شاء الله أن الله توفاه وهو تائب، ونتمنى أن يرزقنا الله هذه الخاتمة بالأعمال الصالحة.
معظم الشبهات التي كتبها المؤلف مردود عليها، أما ما عدا ذلك من الكلام الشديد الصعب فالحقيقة أنا سأتجاوز عنه، ولن أرد عليه؛ لأنه أفضى إلى ما قدم، وقد قال النبي ﵊: (اذكروا محاسن موتاكم، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا)، فندعو الإخوة جميعاً إلى أن يجتهدوا في الدعاء أن يغفر الله له، ويرحمه ويجزيه خيراً على نيته، وإن شاء الله أن يكون قد أراد الخير، ونيته حسنة.
أما من الناحية العملية فالرد موجود وسنكتفي بهذا القدر، ونسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته.
ومن أراد أن يحسن إلى المؤلف فعليه أن يكف عن طباعة هذا الكتاب، فمن أراد بالفعل أن يحسن إلى الأستاذ فهمي رحمه الله تعالى فليكف عن طبع هذا الكتاب، وإلا فسنضطر إلى الرد عليه لو انتشر الكتاب وذاع بطريقة أكثر، فمن أراد أن يحسن إليه فليكف عن طباعة هذا الكتاب؛ لأنه ضعيف في الحقيقة من الناحية العلمية، ونسأل الله أن يتغمد الأستاذ فهمي رحمه الله تعالى بواسع رحمته، وأن يتجاوز عنه، وأن يتقبله في الصالحين.
стр. 2079
تفسير سورة الفتح [١٠]
стр. 2080
فوائد وعبر من حديث صلح الحديبية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فلما كان صلح الحديبية فتح الفتوح، وكان خطاً فاصلاً بين مرحلتين مصيريتين من مراحل الدعوة الإسلامية، كان لا بد لنا من هذه الوقفة مع قصة صلح الحديبية؛ لشدة ارتباطها بتفسير سورة الفتح.
قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الشروط: [باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط: حدثني عبد الله بن محمد قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر قال: أخبرني الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا: (خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي ﷺ : إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين؛ فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيراً لقريش، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل، فألحت، فقالوا: خلأت القصواء! فقال النبي ﷺ : ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده! لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها، ثم زجرها فوثبت قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضاً، فلم يلبث الناس حتى نزحوه، وشكي إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهماً من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه)].
стр. 2081
أخذ النبي ﷺ بالشورى
نشرح هذا الحديث في قصة الحديبية.
قوله: (خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية).
إما أن نقول: الحديبيَّة أو الحديْبِية: وهي بئر سمي المكان بها، وقيل: شجرة حدباء صغرت، وسمي المكان بها، وقال المحب الطبري: الحديبية قرية قريبة من مكة أكثرها في الحرم.
وعند ابن سعد: أنه ﷺ خرج يوم الإثنين لهلال ذي القعدة، وفي بعض الروايات: (في بضع عشرة مائة، فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره، وأحرم منها بعمرة، وبعث عيناً له من خزاعة).
يقول: (خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي ﷺ : إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين).
هذا الموضع اختصره الإمام البخاري وفي كتاب المغازي ذكره بشيء من التفصيل عن الزهري قال: (وسار النبي ﷺ حتى كان بغدير الأشطاط -جمع شط- وهو جانب الوادي- أتاه عينه - يعني: الجاسوس الذي يتحسس الأخبار- فقال: إن قريشاً جمعوا جموعاً، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك! فقال: أشيروا عليّ أيها الناس! أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت؟! فإن يأتونا كان الله قد قطع عيناً من المشركين، وإلا تركناهم محروبين، قال أبو بكر: يا رسول الله! خرجت عامداً لهذا البيت، لا تريد قتل أحد، ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه، قال: امضوا على اسم الله).
وقال الزهري: وكان أبو هريرة ﵁ يقول: (ما رأيت أحداً قط كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ ، وذلك كان امتثالاً منه لأمر الله : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، وامتدح المؤمنين فقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]، فمع أنه كان مؤيداً بالوحي، ومع أنه هو المعصوم ﵌، لكن مع ذلك أراد أن يسن فيهم سنة الشورى.
إن الشورى لها كثير جداً من الفوائد حيث فيها ضم عقل إلى عقل، وتجربة إلى تجربة، فتكون المحصلة غالباً خيراً للمسلمين، أما إذا استبد أحد بالأمر، خاصة في الأمور الجامعة العظيمة، وأمضى رأيه دون مشاورة الباقين، وحصلت أي مصيبة أو أية أضرار فإنه هو الملوم وحده، أما إذا شاور فإنه لا يتعرض لنفس القدر من اللوم، بل يكون هذا من تقدير الله والمشاورة سنة من سنن النبي ﵊، وينبغي مشاورة العقلاء والحكماء والعلماء.
وقوله ﵊: (أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت؟!) هؤلاء الذين تحالفوا مع قريش وعاونوهم وأتوا ليصدوا المسلمين عن البيت، فشاورهم فقال: (هل نميل إلى هؤلاء ونقتل ذراريهم ونصيبهم في أهليهم؛ لأنهم غدروا وأعانوا قريشاً، فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين، وإن يجيئوا تكن عنقاً قطعها الله ؟!) المراد: أن النبي ﷺ استشار أصحابه هل يخالف الذين نصروا قريشاً إلى مواضعهم، ويتجه إلى بيوتهم وخيامهم، فيسبي أهلهم، فإن جاءوا إلى نصرهم اشتغلوا بهم، وانفرد هو وأصحابه بقريش، هذا هو المراد بقوله: (تكن عنقاً قطعها الله) فأشار عليه أبو بكر الصديق ﵁ بترك القتال والاستمرار على ما خرج له من العمرة، حتى يكون بدء القتال منهم، فرجع إلى رأي أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وفي رواية أحمد: (فقال أبو بكر: الله ورسوله أعلم يا نبي الله! إنما جئنا معتمرين) إلى آخر ما ذكرناه.
стр. 2082
جواز الاستتار عن المشركين ومفاجأتهم غرة
قال الزهري: (وسار النبي ﷺ حتى كان بغدير الأشطاط أتاه عينه فقال: إن قريشاً جمعوا جموعاً وقد جمعوا لك الأحابيش) واحدها أحبوش، وهم بنو الهول بن خزيمة بن مدركة، وبنو الحارث بن عبد مناف بن كنانة، وبنو المصطلق من خزاعة، كانوا قد تحالفوا مع قريش، وكان التحالف بين هذه القبائل وبين قريش تحت جبل يقال له: الحبشي أسفل مكة؛ فسموا الأحباش؛ نسبة إلى هذا المكان الذي تحالفوا عنده.
وقيل: سموا بذلك لأنهم تجمعوا؛ فمعنى التحبش: التجمع، فسموا بذلك لتحبشهم أي: تجمعهم، والتحبش: التجمع، والحباشة: الجماعة.
وعن عبد العزيز بن أبي ثابت: أن ابتداء حلفهم مع قريش كان على يد قصي بن كلاب.
ووقع عند ابن سعد: وبلغ المشركين خروجهم -يعني: إلى العمرة- فأجمع رأيهم على صده عن مكة، وعسكروا ببلدح، وبلدح: موضع خارج مكة.
قوله: (قال النبي ﷺ : إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة)، وفي رواية: (فقال له عينه هذا خالد بن الوليد بالغميم)، ويقال: الغُميم، يقول المحب الطبري: يظهر أن المراد كراع الغميم، وهو موضع بين مكة والمدينة، وقال ابن حبيب: الغميم قريب من مكة بين غابر والجحفة.
وبين ابن سعد أن خالداً كان في مائتي فارس فيهم عكرمة بن أبي جهل، والطليعة: مقدمة الجيش.
قال النبي ﵊: (فخذوا ذات اليمين) أي: خذوا الطريق التي فيها خالد وأصحابه.
قوله: (حتى إذا هم بقترة الجيش فانطلق يركض نذيراً).
قترة: المقصود بها الغبار الأسود.
يقول: (إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين، فو الله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيراً لقريش)، لما رآهم خالد انطلق يركض مسرعاً ينذر قريشاً بمقدم النبي ﷺ .
قوله: (وسار النبي ﷺ ، حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته).
الثنية: هي طريق في الجبل تشرف على الحديبية.
قوله: (حتى إذا كان بالثنية التي كان يهبط عليهم منها بركت به راحلته: فقال الناس: حل حل) وهي كلمة تقال للناقة إذا توقفت عن السير، فإنهم ينادونها بهذه العبارة: حل حل، حثاً لها لمواصلة السير والحركة، فقال الصحابة رضي الله تعالى عنهم لناقة النبي ﷺ لما بركت: (حل حل).
قال الخطابي: إن قلت: (حلْ) واحدة بالسكون، وإن أعدتها (حلٍ حلْ) تنون في الأولى وتسكن في الثانية كـ (بخٍ بخ)، وحكى غيره السكون فيهما، يقال: حلحلت فلاناً إذا أزعجته عن موضعه، حتى تحركه من موضعه.
(فقال الناس: حل حل، فألحت) يعني: تمادت وأصرت على عدم القيام، وهو من الإلحاح، رغم قولهم لها: (حل حل) (فقالوا: خلأت القصواء).
الخلأ للإبل كالحران للخيل، ولا يكون الخلاء إلا للنوق خاصة.
والقصواء: اسم ناقة رسول الله ﷺ ، كان طرف أذنها مقطوعاً، والقصو: قطع طرف الأذن، يقال: بعير أقصى وناقة قصواء، وزعم الداودي أن هذه الناقة كانت لا تسبق، فقيل لها: القصواء؛ لأنها بلغت من السبق أقصاه.
قوله: (فلما قال الناس: خلأت القصواء، قال النبي ﷺ : ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل).
(وما ذاك لها بخلق) يعني: ليس هذا من عادتها أن تتمرد وتمتنع عن المشي؛ ولكن حبسها حابس الفيل، فهذا أمر من الله .
نلاحظ هنا: كيف أن النبي ﵌ -تجاوزاً- رد غيبة هذه الناقة، استصحاباً للأصل، فإذا كان الشخص معروفاً بالخير والاستقامة ثم بدر منه شيء، فالأصل أن تذب عنه، وتحسن الظن به، وتحمل أحواله على أحسن ما يكون، ففي حق دابة قال: (ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق)، فهذه إشارة إلى أهمية استصحاب الخلق الأصلي، والطباع الأصلية للشخص، وينظر إلى ما بدر على أنه زلة ليست صفة راسخة فيه، ومن ثم قال النبي ﷺ : (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)، فالأناس ذوي الهيئة والاستقامة، والمعروفون بالعلم والورع والتقوى، إذا وقع أحدهم في عثرة أو خطأ فلا ينبغي أن تشهر وتضخم، وإنما يعفى عنه فيها إلا إذا أصاب حداً من حدود الله ﵎.
قال ابن بطال وغيره: في هذا الفصل جواز الاستتار عن أعين المشركين، ومفاجأتهم بالجيش طلباً لغرتهم -يعني: إشارة إلى المفاجأة في القتال-، وجواز السفر وحده للحاجة، وجواز التنكب عن الطريق السهلة إلى الوعرة للمصلحة.
لأن الدين يسر، ونحن لا ينبغي أن نتعذب بتكلف المشقة إذا كان هناك طريقان -مثلاً- إلى المسجد: طريق ممهد وسهل، وطريق آخر وعر فيه الهوام وأشياء ضارة مما يؤذي ويشق على الناس، فلا تسلك الطريق الوعرة طلباً للمشقة، والإسلام لا يرضى أن الإنسان يتكلف المشقة، بل متى ما خير بين أمرين يختار أيسرهما، فنحن لا نتعبد بتحري المشقة، وإنما نختار الأيسر والأسهل، إلا إذا كان لمصلحة كما في هذا الحديث، حيث اختار الطريق الوعرة لأجل المصلحة الراجحة التي استدعت ذلك.
وفي هذا الفصل أيضاً جواز الحكم على الشيء بما عرف من عادته، وإن جاز أن يطرأ عليه غيره، فإذا وقع من شخص هفوة لا يعهد منه مثلها لا ينسب إليها، ويرد على من نسبه إليها، ويعذر من نسبه إليها ممن لا يعرف صورة حاله، يعني: إذا نسبه إليها من لم يعرف الأصل في هذا الشخص، فإنه يعذر؛ لأنه لا يعرفه بالحقيقة، أما الذي يعرفه ويعرف أن الأصل أن يستصحب استقامته وأحواله؛ ففي هذه الحالة يحكم عليه بما عرف من عادته؛ لأن خلاء القصواء لولا خارق العادة -وهو أنه حبسها حابس الفيل- لكان ما ظنه الصحابة بها صحيحاً من كونها خلأت، ولم يعاتبهم النبي ﷺ على ذلك لعذرهم في ظنهم.
وفيه جواز التصرف في ملك الغير للمصلحة بغير إذنه الصريح، إذا كان سبق منه ما يدل على الرضا بذلك؛ لأنهم قالوا: (حل حل)، فزجروها بغير إذنه، ولم يعاتبهم عليه النبي ﷺ .
قوله: (فقال النبي ﷺ : ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل) وزاد ابن إسحاق (عن مكة) فقال: (حبسها حابس الفيل عن مكة) إشارة إلى ما وقع في قصة الفيل حينما أتى أبرهة بجيشه يقصد هدم الكعبة، فلما أراد أن يقترب من مكة حبس الفيل دون ذلك، وأرسلت عليه الطير الأبابيل، فمعنى (حبسها حابس الفيل) أي: حبسها الله عن دخول مكة كما حبس الفيل عن دخولها، ومناسبة ذكرها: أن الصحابة لو دخلوا مكة على تلك الصورة وصدتهم قريش عن ذلك؛ لوقع بينهم قتال قد يفضي إلى سفك الدماء، ونهب الأموال، كما لو قدر دخول الفيل وأصحابه مكة، لكن سبق في علم الله تعالى في الموضعين -في حادثة الفيل، وفي الحديبية- أنه سيدخل في الإسلام خلق منهم، ويستخرج من أصلابهم أناس يسلمون ويجاهدون، وكان بمكة في زمن الحديبية جمع كثير مؤمنون من المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، يعني: كانوا يستترون بإيمانهم، أو يظهرون إيمانهم ويعذبون ويستضعفون، فلو ترك الصحابة ليدخلوا مكة لما أمن أن يصاب أناس منهم بغير عمد، يعني: إذا دخلوا مكة وحصل قتال وهم لا يعرفون إخوانهم الذين يستترون بإيمانهم ولا يجهرون به، فربما قتلوا إخوانهم دون أن يشعروا، وقد أشار الله إلى هذا في سورة الفتح بقوله: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:٢٥] لو تميزوا لنزل العذاب على الكفار، لكن منعهم الله عن دخولها، وحبسها حابس الفيل حتى لا يحصل قتال، فتقتلوا إخوانكم المؤمنين في مكة الذين هم مستضعفون وأنتم لا تشعرون؛ فتصيبكم منهم معرة بغير علم، لكن لو كانوا متميزين عنهم: ((لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا))، لكن بوجود هؤلاء المستضعفين حبس الله الناقة عن الاستمرار في السير والدخول إلى مكة؛ حتى لا يقع هذا القتال.
ووقع للمهلب تحرج في جواز إطلاق (حابس الفيل) على الله ، فقال: المراد حبسها أمر الله ، فهو استبعد جواز هذه الكلمة، والراجح جواز إطلاق ذلك في حق الله، فيقال: (حبسها الله حابس الفيل)، وإنما يمنع تسميته (حابس الفيل) ونحوه، وكذا أجاب ابن المنير، وهو مبني على الصحيح من أن الأسماء الحسنى توقيفية، بمعنى: أن أمر الإخبار عن الله وعن أفعاله أوسع من إطلاق الأسماء الحسنى على الله، فالأسماء الحسنى توقيفية، لكن عند الإخبار عن أفعال الله فيمكن أن يحصل توسع بأن يقال: حابس الفيل وغير ذلك من الأفعال أو الصفات، فمثلاً قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ﴾ [الذاريات:٤٧] ليس من أسماء الله الحسنى الباني، فعند الإخبار عن أفعال الله الأمر فيه سعة، كما في هذه الآية ((وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ))، ومن أجاز الاشتقاق في الأسماء الحسنى اشترط فيه ألا يشعر بالنقص كالوافي مثلاً.
стр. 2083
تعظيم حرمات الله
في هذه القصة جواز التشبيه من الجهة العامة وإن اختلفت الجهة الخاصة، لأن أصحاب الفيل كانوا على باطل محض، وأصحاب هذه الناقة كانوا على حق محض، لكن جاز التشبيه من جهة إرادة الله تعالى منع الحرم مطلقاً، أما من أهل الباطل فواضح، وأما من أهل الحق فللمعنى الذي تقدم ذكره، وهو كيلا يحصل قتال يؤدي إلى قتل المؤمنين المستخفين بإيمانهم.
وفيه ضرب المثل، واعتبار من بقي بمن مضى، قال الخطابي: معنى تعظيم حرمات الله في هذه القصة ترك القتال في الحرم؛ لأن الرسول ﵇ أقسم وقال: (والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها) فتعظيم حرمات الله يعني: ترك القتال في الحرم، والجنوح إلى المسالمة، والكف عن إراقة الدماء.
واستدل بعضهم بهذه القصة لمن قال من الصوفية: علامة الإذن التيسير وعكسه، وفيه نظر، يعني: علامة إذن الله في الشيء أن ييسره لك، وعلامة عدم إذن الله فيه ألا ييسره لك، يقول الحافظ: وفيه نظر؛ لأن الإنسان يأخذ بأقصى طاقته عند الشروع في الأعمال، فإذا سد باب حول إلى باب آخر، ولا يستسلم ويقول: علامة الإذن التيسير وعكسه.
стр. 2084
استعمال النبي ﷺ الحلف لتأكيد القول
قوله: (والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها، ثم زجرها فوثبت).
قوله ﷺ : (والذي نفسي بيده) فيه استعمال اليمين لتأكيد القول، فيكون أدعى إلى القبول، وقد حفظ عن النبي ﷺ الحلف في أكثر من ثمانين موضعاً، بعدة صيغ منها هذه الصيغة: (والذي نفسي بيده)، والحلف يكون بالله ، أو بأفعال الله ، أو أسمائه وصفاته، فالحلف عبادة من العبادات القولية، فلا ينبغي أن يحلف إلا بالله؛ لأن الحلف عبادة، والحلف بالله يتضمن إخباراً لأمور عدة، يتضمن إخباراً بأن الله الذي تحلف باسمه هو المطلع على ما في قلبك، والعالم بصدقك، وهو الذي يثيبك إن كنت صادقاً، ويعاقبك إن كنت كاذباً في هذا اليمين، فهذه الصفات كلها ليست من شأن البشر، وإنما هي لله ، فلذلك لا يجوز الحلف إلا بالله ، وقال النبي ﷺ : (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، وقال ﵊: (من حلف بغير الله فقد أشرك)، وقال: (من قال: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله)، فكفارة اليمين بغير الله أن يقول الإنسان مباشرة بعدها: لا إله إلا الله، فلا يجوز الحلف بغير الله حتى ولو كان من الملائكة أو من الرسل أو كان رسول الله ﷺ ، ويمين المصريين المشهورة: (والنبي)، وهذا لا يجوز ولا يرضاه النبي ﷺ ؛ لأن الحلف بغير الله شرك، فضلاً عمن يحلف بتربة أمه وتربة أبيه، وشرفه وأولاده وحياته إلى آخر هذه الأيمان، كل هذا مما لا يجوز.
قال ﵊: (والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة) فالحلف لا ينبغي أن يكون إلا في الأمور العظيمة التي تليق باسم الله ، وليس في كل شيء يحلف فيه الإنسان، فإنما الحلف في الأمور العظيمة الجليلة؛ لأن بعض الناس يتمادون في الحلف بطريقة شديدة جداً، وبعض الناس كما هو حال النصارى بالعكس تماماً يتحرجون جداً من الحلف، ويقول لك: صدقني! صدقني! لأنهم ينظرون إلى أن الحلف شيء غير رجولي! لا، الحلف عبادة، ففيها تعظيم لله مادامت في موضعها، ومادامت في الأمور الجليلة والعظيمة، فلا حرج على الإطلاق من الحلف إذا كان في موضعه، وفيه تعظيم لله، ولا تحلف في الأمور التافهة أو الحقيرة، فهذا من تعظيم اسم الله ألا يحلف به إلا في الأمور الجليلة.
ويعفى عما كان لغواً وهو الذي لا يقصده ولم يعقد عليه القلب، كقولك للرجل: لا والله، تعال والله، نعم والله إلى آخره.
(والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة) أي: خصلة (يعظمون بها حرمات الله) أي: من ترك القتال في الحرم، وفي رواية ابن إسحاق: (لا يسألونني بها صلة الرحم) ولا شك أن الرحم من جملة حرمات الله، وقيل: المراد بالحرمات حرمة الحرم؛ لأنهم كانوا داخل حدود الحرم، وفي حرمة الشهر الحرام؛ فهم خرجوا في ذي القعدة، وكانوا في حالة إحرام، وفي الشهر الحرام، وفي البلد الحرام.
وهذا القول الأخير فيه نظر، وهو: أن المقصود بالحرمات حرمة الحرم، وحرمة الشهر، وحرمة الإحرام؛ لأن المشركين لو عظموا الإحرام لما صدوه عن دخول البيت، فهو قال (لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله) فالضمير يعود على المشركين، فالرسول ﵊ أراد أن أي خطة يعرضوها عليه فيها تعظيم لحرمات الله أجابهم إليها، فلو كان هذا القول راجحاً، فما الذي يعظمه المشركون؟! فدل هذا على أنه ليس هذا هو المقصود.
стр. 2085
من معجزات النبي ﷺ في الحديبية
قوله: (إلا أعطيتهم إياها) يعني: إلا أجبتهم إليها.
(ثم زجرها فوثبت) يعني: زجر الرسول ﵊ الناقة (فوثبت) يعني: قامت، (فعدل عنهم) وفي رواية ابن سعد (فولى راجعاً) وفي رواية ابن إسحاق (فقال للناس: انزلوا، قالوا: يا رسول الله! ما بالوادي من ماء ننزل عليه)؛ لأن المشركين كانوا قد سبقوا إلى المياه دون المسلمين.
قوله: (فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل من الماء يتبرضه الناس تبرضاً) (على ثمد) أي: حفيرة فيها ماء مثمود أي: ماء قليل، وقد قيل: إن الثمد في لغة بعض العرب: الماء الكثير، فأضاف قوله: على (ثمد قليل الماء) ليدفع توهم لغة من يقول: إن الثمد هو الماء الكثير.
(يتبرضه الناس تبرضاً) التبرض: الأخذ قليلاً قليلاً، والبرض اليسير من العطاء، وقيل: هو جمع الماء بالكفين، يعني: من قلة الماء يجمعونه بالكفين.
وذكر أبو الأسود عن عروة قال: (وسبقت قريش إلى الماء، فنزلوا عليه، ونزل النبي ﷺ الحديبية في حر كبير وليس بها إلا بئر واحدة).
يقول: (فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل من الماء يتبرضه الناس تبرضاً، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه) يعني: لم يتركوه يلبث أي: يقيم، فانتهى هذا الماء بسرعة؛ لأن العدد كبير والماء قليل فنزحوه.
(وشكي إلى رسول الله ﷺ العطش؛ فانتزع سهماً من كنانته) يعني: أخرج سهماً من جعبته.
(ثم أمرهم ﷺ أن يجعلوه فيه) أي: يضعوه في هذه البئر.
(فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه) فسال الماء في هذا البئر، وعظم جداً، وظل يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه.
يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: في قصة الحديبية في حديث البراء بن عازب في البخاري أيضاً: (أنه ﵇ جلس على البئر ثم دعا بإناء فمضمض، ودعا الله، ثم صبه فيها، ثم قال: دعوها ساعة، ثم إنهم ارتووا بعد ذلك)، فيمكن أن يكون الأمران وقعا معاً، وروى الواقدي من طريق أوس: (أنه ﷺ توضأ في الدلو، ثم أفرغه فيها، وانتزع السهم ووضعه فيها)، وفي رواية أخرى: (أنه تمضمض في دلو وصبه في البئر، ونزع سهماً من كنانته فألقاه فيها ودعا الله)، وفي حديث جابر: (عطش الناس بالحديبية وبين يدي رسول الله ﷺ ركوة، فتوضأ منها فوضع يده فيها، فجعل الماء يفور من بين أصابعه)، وكأن ذلك كان قبل قصة البئر.
والله تعالى أعلم.
وفي هذا اللفظ معجزات ظاهرة، وهذه بلا شك من آيات النبوة، وقد تواتر فوران الماء من أصابع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أكثر من مناسبة.
أيضاً في هذا الحديث بركة سلاحه وما ينسب إليه ﷺ .
قوله (يجيش) أي: يفور، (بالرِي أو بالرَي حتى صدروا عنه) أي: رجعوا رواء بعد وردهم يعنى: لما وردوا الماء رجعوا عنه بعدما ارتووا وذهب عطشهم، وزاد ابن كعب: (حتى غرفوا بآنيتهم جلوساً على شفير البئر) أي: كانوا يجلسون على شفير البئر، واغترفوا بالآنية من شدة ارتفاع الماء، ولم يكن الماء في قاع البئر كما كان في الأول، وإنما ارتفع الماء جداً، فجلسوا على شفير البئر بالآنية يأخذون المياه من سطحها.
стр. 2086
جواز استنصاح بعض المعاهدين وأهل الذمة
قوله: (فبينما هم كذلك) هذا فصل آخر من قصه الحديبية.
(فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عيبة نصح رسول الله ﷺ من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله ﷺ : فإنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة، ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده! لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره، فقال بديل: سأبلغهم ما تقول).
قول الراوي: (فبينما هم كذلك إذ جاء بديل) (فبينا هم) وفي رواية أخرى: (فبينما هم كذلك إذ جاء بديل) وبديل هذا صحابي مشهور، (في نفر من قومه، وكانوا عيبة نصح رسول الله ﷺ العيبة: ما توضع فيه الثياب لحفظها.
والمقصود: أنهم كانوا عيبة نصح رسول الله ﷺ ، يعني: أنهم كانوا موضع النصح له والأمانة على سره، وكأنه شبه الصدر الذي هو مستودع السر بالعيبة التي هي مستودع الثياب؛ لأن موضع إيداع الأسرار هو الصدر، فشبه موضع استيداع السر الذي هو الصدور من الإنسان بالعيبة التي هي موضع حفظ الثياب، فهذا معنى: (وكانوا عيبة نصح رسول الله ﷺ يعني: يأتمنهم على أسراره، وكانوا ينصحون له، وهم من أهل تهامة.
وزاد ابن إسحاق في رواية: (وكانت خزاعة عيبة رسول الله ﷺ مسلمها ومشركها لا يخفون عليه شيئاً كان بمكة).
إذاً: كان هناك حلف مع خزاعة بمؤمنيها وكافريها، كلاهما كان ناصحاً لرسول الله ﵇، فمعنى هذا الكلام أن خزاعة المؤمنون منهم كانوا عيبة نصحه، وأيضاً المشركون كانوا في حالة حلف مع النبي ﵇، وكانوا موالين له مع كونهم مشركين.
ووقع عند الواقدي: أن بديلاً قال للنبي ﷺ : (لقد غزوت ولا سلاح معك، فقال: لم نجئ لقتال، فتكلم أبو بكر، فقال له بديل: أنا لا أتهم ولاء قومي)، وكان الأصل في موالاة خزاعة للنبي ﵌ أن بني هاشم في الجاهلية تحالفوا مع خزاعة، فاستمر هذا الحلف حتى بعد الإسلام؛ لأن رسول الله ﵊ من بني هاشم، وهذا يؤخذ منه حكم شرعي، وهو جواز استنصاح بعض المعاهدين وأهل الذمة، فيمكن أن يستنصح المعاهد أو الذمي إذا دلت القرائن على نصحهم، وشهدت التجربة إيثارهم أهل الإسلام على غيرهم ولو كانوا من أهل دينهم.
ويستفاد منه جواز استنصاح بعض ملوك العدو استظهاراً على غيرهم، ولا يعد ذلك من موالاة الكفار ولا مودة أعداء الله، بل من قبيل استخدامهم، وتقليل شوكة جمعهم، وإنكاء بعضهم ببعض، ولا يلزم من ذلك جواز الاستعانة بالمشركين على الإطلاق، فالاستعانة هنا بالرأي فقط والمشورة والاستنصاح، بشرط أن تدل القرائن على نصحهم، وأن تشهد التجارب بأنهم يميلون ويفضلون أهل الإسلام على غيرهم من الكفار حتى ولو كانوا من أهل ملتهم.
يقول: (فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عيبة نصح رسول الله ﷺ من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية) اقتصر على ذكر هذين (إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي) لكون قريش الذين كانوا بمكة أجمع ترجع أنسابهم إلى هذين الشخصين، فيقول: (إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية) الأعداد: جمع عد، وهو الماء الذي لا انقطاع له، فهم سبقوا إلى الأماكن التي فيها الآبار والمياه الجوفية التي لا تنقطع، فهذا يشعر بأن الحديبية كان فيها مياه كثيرة، وأن قريشاً سبقوا إلى النزول عليها، فلهذا عطش المسلمون حين نزلوا على الثمد المذكور.
قوله: (ومعهم العوذ المطافيل) وفي بعض الروايات: (وجمعوا لك الأحابيش) قلنا: التحبيش هو: التجمع، والعوذ: جمع عائذ، وهي الناقة ذات اللبن، والمطافيل: الأمهات التي معها أطفالها، والإنسان يسر جداً إذا قرأ الأحاديث الطويلة، فهذه الأحاديث الطويلة تجد فيها متعة الفصاحة، وحلاوة اللغة العربية، ومن هذه الأحاديث الطويلة حديث الإفك، وحديث سمرة بن جندب في عذاب القبر، وحديث أم زرع وهكذا، فتجد فيها طعم اللغة العربية التي نحن محرومون منها الآن في وسط هذا الركام الهائل من الركاكة والعجز والجهل في العربية والعدوان عليها، ففعلاً نحن نحب تذوق اللغة العربية عندما تطول هذه النصوص الرائعة، ونحس أننا نكاد نكون أعاجم حينما نضطر كثيراً لشرح الغريب لتقصيرنا في حق لغة القرآن! فقوله: (ومعهم العوذ المطافيل) العوذ كما قلنا: هي النوق ذوات اللبن، والمطافيل: الأمهات التي معها أطفالها، يريد أنهم خرجوا معهم بذوات الألبان من الإبل ليتزودوا بألبانها، ولا يرجعوا حتى يمنعوه، فمعنى: (معهم العوذ المطافيل) أنهم أتوا إلى الحديبية ومعهم النوق ذوات اللبن، حتى يشربوا من ألبانها إذا طالت مدة الإقامة هناك، وهذا فيه كناية على إصرارهم، وعلى عدم السماح له الصلاة والسلام بالدخول إلى مكة، وأنهم لن يرجعوا حتى يمنعوه، أو أن المقصود بقوله: (ومعهم العوذ المطافيل) أنه كنى بذلك على النساء ومعهن الأطفال، والمراد: أنهم خرجوا بنسائهم وأولادهم لإرادة طول المقامة، وليكون أدعى إلى عدم الفرار، ويحتمل إرادة المعنى الأعم، ويؤيده أن في بعض الروايات: (معهم العوذ المطافيل والنساء والصبيان).
стр. 2087
قوة فصاحة النبي ﷺ
قوله: (وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله ﷺ : إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره، فقال بديل: سأبلغهم ما تقول) انظروا إلى حلاوة فصاحة النبي ﷺ وبلاغته، فيقول: (إن قريشاً قد نهكتهم الحرب) أي: أبلغت فيهم حتى أضعفتهم، إما أضعفت قوتهم أو أضعفت أموالهم، (فإن شاءوا ماددتهم) يعني: جعلت بيني وبينهم مدة، فيترك الحرب بيننا وبينهم خلال هذه المدة، هذا معنى (فإن شاءوا ماددتهم) أي: اتفقت معهم على مدة تتوقف فيها الحرب (ويخلوا بيني وبين الناس) أي: من كفار العرب وغيرهم، وهذا هو سر تسمية صلح الحديبية فتحاً كما سنبين إن شاء الله تعالى، وقد كان فتحاً عظيماً جداً بكل معنى الكلمة، والسر هو في هذه الجملة بالذات، في قول النبي ﷺ : (ويخلوا بيني وبين الناس) يعني: لما توقفت الحروب بدأت الحمية تهدأ عند أهل الشرك، وبدأ الكافر يستمع إلى المؤمن، ويعرض عليه الإسلام ومحاسنه، فكان هذا سبباً في دخول الناس في دين الله أفواجاً.
قول النبي ﵌: (فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس) أعظم فتح للإسلام أن يخلى بين المسلمين الدعاة وبين الناس، ولا تكون هناك حواجز وموانع، وتشويش وتشنيع، إذا حصل ذلك فإن الناس سيدخلون في دين الله أفواجاً، فهذا نصر بكل معنى الكلمة، والإسلام في أي مكان وفي أي زمان إذا سمح بأن يتكلم أهله بحرية حقيقية، ولم تشن عليهم الحملات الشيطانية من وصفهم بإرهابيين ومتطرفين، ونحو هذه الاصطلاحات الغريبة التي تصد الناس عن دين الله ، وكان المتكلمون باسم الإسلام أناساً على وعي وعلم وبصيرة؛ فالغالب أن العمي المقلدين الجهلة من الناس ينقادون -وأيضاً علماؤهم وعقلاؤهم- ويدخلون في دين الله أفواجاً، لكن الذي يحصل -وهو أقوى سلاح من أسلحة الباطل- التشويه الظالم، وعدم معرفة شرف الخصومة، وإلا فلا يمكن للإسلام أن ينهزم أبداً في معركة شريفة، سواء كانت معركة قتالية أو معركة فكرية، ففي المعركة القتالية المسلم في كل حال لا يهزم، ولا تنسب له هزيمة أبداً إذا قتل في سبيل الله، وهذا هو الذي دلنا عليه القرآن الكريم، فقد قال الله : ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ [النساء:٧٤] لم يقل: ويهزم أو يُغلب، بل قال: (فيقتل أو يغلب) هذان الخياران هما اللذان سماهما الله إحدى الحسنيين في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ َ﴾ [التوبة:٥٢] الحسنى مؤنث أحسن وليس مؤنث حسن، يعني: أن كلاً منهما أحسن من الآخر، فهي نصر أو شهادة، فالشهيد في الحقيقة لا يسقط وإنما يرتفع، قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]؛ ولهذا يرتعد أعداء الإسلام دائماً من كلمة الجهاد، وإذا ذكر فإنهم يرتعشون ويرتعدون؛ لأنهم عرفوا خلال قرون طويلة ما معنى هذا الكلمة وتأثيرها عند المسلمين الذين يحبون الموت والقتل في سبيل الله كما يحبون هم الحياة ويعبدونها، فالمؤمن لا تنسب إليه هزيمة: (فيقتل أو يغلب) يقتل في سبيل الله أو يغلب وهي عزة الدنيا، أما الهزيمة فلا يهزم أبداً.
كذلك أيضاً في المناظرات العلمية والفكرية إذا تصدر للنقاش والمناظرة من هو من أهل العلم والحق والبصيرة فلا يمكن أن ينهزم لضعف حجة أبداً، ولا يمكن أن يقف الباطل على الإطلاق أمام عالم مسلم يدعو إلى الله ، ويحاج الناس بالأدلة، والشيء الوحيد الذي يحصل فيه غير ذلك هو التشويه المتعمد، وتنفير الناس وصدهم عن سبيل الله بالحيل الشيطانية أو بالقهر أو غيره من الأساليب الغير الشريفة كما قلنا.
فلذلك هذه العبارة في الحقيقة هي في غاية الأهمية فلا تمرن عليكم مرور الكرام، (فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس) أي: يستمعون دعوتي بدون تشويه وبدون حمية جاهلية تصد عن سبيل الله، هذا هو جوهر الفتح في صلح الحديبية.
قال: (فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا) يا للفصاحة! يا لفصاحة خير من نطق بالضاد ﵌! يقول لهم: (فإن أظهر فإن شاءوا) هذا شرط بعد شرط، (فإن أظهر) شرط (وإن شاءوا) شرط يعني: جاء بعد أداة الشرط الأولى جواب مقدر، والتقدير: فإن ظهر غيرهم علي كفاهم المؤنة، فإن أحد من المشركين غير هؤلاء القرشيين الذين يعاهدونني في هذا الصلح أتى وغلبني وقضى علي، فقد كفاهم المؤنة وأراحهم مني، (وإن أظهر) أنا على غيرهم فإن شاءوا أطاعوني، وإلا فلا تنقضي مدة الصلح إلا وقد جموا يعني: قد استراحوا، وفي رواية ابن إسحاق: (وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة) سيكونون واستراحوا في هذه المدة، وتلاحظون هنا اللباقة والكياسة، انظر كيفية إقناعهم بأن يقبلوا الصلح، وغرض النبي ﵊ من ذلك هو كما صدر في بداية الكلام: (والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أجبتهم إليها) الهدف: هو تعظيم حرمات الله، وعدم حصول قتال في الحرم، وفي حالة الإحرام، وفي الشهر الحرام.
стр. 2088
مسألة التنزل مع الخصم وضابطها
قوله: (فإن أظهر فإن شاءوا) يلاحظ هنا أن الرسول ﵊ ردد الأمر، وجعل فيه احتمالين: إذا حصل صلح إما أن يغلبه غيرهم، وإما أن يظهر هو فيكونون قد استفادوا من هذه الهدنة بأن يقووا ويستريحوا من القتال، خاصة بعد قوله: (قد نهكتهم الحرب)، وإنما ردد -الأمر مع أنه ﷺ جازم بأن الله تعالى سينصره ويظهره؛ لوعد الله تعالى له بذلك- على طريق التنزل مع الخصم، وترك الأمر على ما زعم الخصم، فهذا نوع من التنزل في النقاش ولا يضر صاحب الحق، فيجوز للإنسان في أثناء المناظرة أو المناقشة أن يفعل هذا النوع من التلطف والتنزل؛ لأن هدفك ليس إفحام الخصم، وإنما هدفك أن تهديه إلى الحق، فيجوز للإنسان في أثناء النقاش أن يفعل نوعاً من التنزل وتحويل العبارة بحيث يحصل به جذب لهذا الشخص إلى الحق.
قوله ﵇: (فإن أظهر فإن شاءوا) قلنا: هذا ردده الرسول ﵊ -مع أنه جازم بأن الله تعالى سينصره ويظهره بوعده تعالى له- على طريق التنزل مع الخصم وجعل الأمر على ما زعم الخصم، وبهذه النكتة حدث القسم الأول، وهو التصريح بظهور غيره عليه، يعني: فإن ظهر غيري علي فقد استراحوا مني، وإن أظهر أنا فإن شاءوا دخلوا فيما دخل فيه الناس، وإن وقد وقع التصريح بهذا في رواية ابن إسحاق ولفظه: (فإن أصابني كان الذي أرادوا)، وفي رواية أخرى: (فإن ظهر الناس علي فذلك الذي يبتغون)، فالظاهر أن الحذف وقع من بعض الرواة تأدباً، فيقول الحافظ: الظاهر أن بعض الرواة حذف منها هذه الجملة التي فيها: إن يغلب النبي ﵊ أو يظهر عليه أحد؛ تأدباً، فإن بعض الروايات ذكرت هذا، فحذفها تأدباً، واقتصر على قوله: (فإن أظهر فإن شاءوا دخلوا فيما دخل فيه الناس).
وذكرنا أنه قد يحتاج الإنسان إلى هذا الأسلوب من التنزل في المحاورة والمناقشة، وهناك آيات كثيرة في القرآن الكريم من هذا النوع، كما في سورة سبأ قال تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤]، ركز الأمر على سبيل الاحتمال إما أننا نحن على الحق أو أنتم على الحق: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)، وذكر السورة لهذه الطريقة المحتملة هل يضر الحق شيئاً؟ لا يضر، لكن هي فيها استدراج للخصم لكي يكون أقرب إلى الانقياد للحق.
كذلك الشاهد في قصة يوسف بدأ بالشيء الذي هو أقرب إلى هواهم، لكن هل يضر هذا يوسف شيئاً؟ لا يضره شيئاً، ما دام أنه مع الحق، قال الله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف:٢٦ - ٢٧]، فهذا نوع آخر من التنزل لإثبات النزاهة لمن يدافع عنه، مع أنك تجادل في الحق على صورة محتملة فيها نوع من الاستدراج واستنزال الخصم، حتى يعي ما تقول وينقاد إلى الحق.
كذلك قول مؤمن آل فرعون كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر:٢٨] فهذه دعوة إلى التدبر في أمر موسى ﵇، والتعامل مع دعوته بالعقل والمنطق: (وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا) فالكذب لا يضر أحداً إلا هو (فعليه كذبه)، يعني: افترضوا أنه صادق فيما يهددكم به من عذاب الله، فخذوا الأمر بجدية (وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ)، فهذا من التنزل مع أن موسى ﵇ حاشاه الكذب.
أيضاً قول المؤمن: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا﴾ [غافر:٢٩] يعني: كلنا ﴿مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر:٢٩].
أيضاً في قصة يوسف قال تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيِه﴾ [يوسف:٧٦] دفعاً للتهمة عن نفسه.
стр. 2089
قوة جزم النبي ﷺ في نصرة الله لدينه
قوله: (فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا) أي: إن شاءوا أن يدخلوا في الإسلام فعلوا (وإلا فقد جموا) أي: إن أصروا على قتالي يكونون قد استراحوا واستردوا قوتهم، ويستطيعون القتال بعد ذلك، (وإن هم أبوا) أي: فإن هم أبوا هذه العروض كلها، (فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره) قوله: (حتى تنفرد سالفتي) هي صفحة العنق، وكنى بذلك عن القتل؛ لأن القتيل تنفرد مقدمة عنقه، وقال الداودي: المراد بقوله: (حتى تنفرد سالفتي) الموت أي: لأقاتلنهم حتى أموت وأبقى منفرداً في قبري، ويحتمل أن يكون أراد أن يقاتل حتى ينفرد وحده في مقاتلتهم، يعني: أقاتلهم حتى لو لم يبق أحد يقاتلهم غيري، فسوف أقاتلهم ولو كنت وحيداً، وقال ابن المنير: لعله ﷺ نبه بالأدنى على الأعلى أي: أن لي من القوة بالله والحول به ما يقتضي أن أقاتل عن دينه ولو انفردت وكنت وحيداً منفرداً ليس معي أصحاب ولا أنصار، فكيف لا أقاتل في سبيل إعزاز الدين مع وجود المسلمين، وكثرتهم، ونفاذ بصائرهم في نصرة دين الله تعالى؟ يعني: لو كنت وحدي فإني سأقاتلهم فما بالكم لو لم أكن وحدي ومعي أتباع وأنصار سوف يبذلون أرواحهم في سبيل الله .
(وليمكنن الله أمره) أي: ليمضين الله أمره في نصرة دينه، نلاحظ هنا الجزم بعد التردد في العبارة الأولى، (فإن أظهر فإن شاءوا دخلوا فيما دخل فيه الناس) إلى آخره، فذكره بصورة التردد للحكمة التي أشرنا إليها، أما في هذه الحالة فقال ﵊: (وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده) انظروا إلى الجزم والقطع (لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره) يعني: لينصرن الله دينه يقول الحافظ: وحسن الإتيان بهذا الجزم بعد ذلك التردد للتنبيه على أنه لم يورده إلا على سبيل الفرض يعني: أن التردد الذي وقع أولاً ما كان إلا على سبيل الفرض، أما اعتقاده الحقيقي فهو جازم بأن الله سوف ينفذ أمره، وينصر دينه .
أضف إلى هذا أن النبي ﵇ في أثناء هذه المفاوضات أرسل عثمان رضي الله تعالى عنه إلى مكة برسالة إلى المستضعفين من المؤمنين داخل مكة، فأرسله يبشرهم بفتح الله وبنصر الإسلام، فهذا معناه أن الله أخبره أنه سوف يعز الإسلام وينصره ويفتح عليه، فهذا ينضم إلى قوله: (ولينفذن الله أمره) يعني: أنه كان جازماً من تحقق وعد الله بنصره، وأن هذا التردد كان على سبيل التنزل ومجرد الافتراض فقط في أول الأمر.
وفي هذا الفصل الندب إلى صلة الرحم؛ لأنه ﵊ نوى وعزم على أن يجيبهم إلى أي خطة فيها تعظيم لحرمات الله التي منها صلة الرحم، والإبقاء على من كان من أهلها، وبذل النصيحة للقرابة.
وفيه ما كان عليه النبي ﷺ من القوة والثبات في تنفيذ حكم الله وتبليغ أمره، ولا شك أن هذا التعبير يستحق أن يكون درساً مستقلاً تستخرج منه العبر، وهو قول النبي ﵇: (وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره) وهذه الجملة أقوى بكثير -والله تعالى أعلم- مما يروى أنه قال في الحديث الضعيف: (يا عم! والله! لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه) فالتعبير هنا أقوى، وهذا الحديث في صحيح البخاري، وهو قوله: (والذي نفسي بيده! لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره، فقال بديل: سأبلغهم ما تقول) يعني: أذن له في الذهاب ليبلغهم ما قاله النبي ﷺ .
стр. 2090
إرسال النبي ﷺ لعثمان بن عفان سفيراً إلى قريش
قال: (فانطلق حتى أتى قريشاً، قال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولاً، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا)، (فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء) بادر بالجواب سفهاؤهم الذين لا عقل لهم، وما يحسنوا إلا الحمية الجاهلية، يعني: لا نريد أن نسمع، (لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول، قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي ﷺ ، فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم! ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى.
قال: فهل تتهمونني؟ قالوا: لا.
قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى.
قال: فإن هذا قد عرض لكم خطة رشد اقبلوها ودعوني آتيه قالوا: ائته فأتاه).
قوله: (فقال سفهاؤهم) سمى الواقدي منهم عكرمة بن أبي جهل والحكم بن أبي العاص فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول، قال: سمعته يقول: كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي ﷺ ، وزاد ابن إسحاق: (فقال لهم بديل: إنكم تعجلون على محمد) أي: تستعجلون في الحكم، (إنكم تعجلون على محمد! إنه لم يأت لقتال، إنما جاء معتمراً؛ فاتهموه) يعني: اتهموا بديلاً؛ لأنهم كانوا يعرفون ميله إلى النبي ﷺ ، (فقالوا: إن كان كما تقول فلا يدخلها علينا عنوة)، يعني: إن كان الأمر كما تقول في هذه الرسالة التي حملك إياها، فلا يدخلها علينا عنوة.
قوله: (فقام عروة بن مسعود) وفي بعض الروايات قالوا: (لما نزل النبي ﷺ بالحديبية أحب أن يبعث رجلاً من أصحابه إلى قريش يعلمهم بأنه إنما قدم معتمراً، فدعا عمر فاعتذر؛ لأنه لا عشيرة له بمكة، فدعا عثمان فأرسله بذلك، وأمره أن يعلم من بمكة من المؤمنين بأن الفرج قريب).
إذاً: بعث عثمان بهذه الرسالة؛ ليبلغ قريشاً أنه ما أتى لقتال، وإنما أتى للعمرة، وفي نفس الوقت ليعلم المستضعفين من المؤمنين في مكة بأن الفرج قريب، فهذا يعني أنه كان جازماً بنصر الله .
(فأعلمهم عثمان بذلك، فحمله أبان بن سعيد بن العاص على فرسه إلى أن قال: فقال: المسلمون هنيئاً لـ عثمان) لما ذهب عثمان إلى مكة المسلمون (هنيئاً لـ عثمان! خلص إلى البيت فطاف به دوننا)، أي: استطاع أن يدخل إلى مكة كرسول أو مبعوث، فسيذهب ويستمتع بالطواف حول الكعبة، أما نحن فقد حرمنا من ذلك، فقالوا: (هنيئاً لـ عثمان خلص إلى البيت فطاف به دوننا، فقال النبي ﷺ : إن ظني به ألا يطوف حتى نطوف معه)، استبعد النبي ﷺ من عثمان أن يفعل هذا، وقال: ظني به أنه لا يمكن أن يطوف قبل أن أطوف أنا، (فكان كذلك، ثم جاء عروة بن مسعود).
стр. 2091
إرسال قريش لعروة بن مسعود إلى رسول الله ﷺ
يقول: (فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم) وهذا الأمر كان لما رآهم سمعوا رسالة الرسول ﵊ مع بديل بن ورقاء، (فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم! ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى)، وفي بعض الروايات: (ألستم بالولد وألست بالوالد؟ قالوا: بلى)، وبعض الروايات بالعكس: (ألستم بالوالد وألست بالولد؟) وهذا هو الصواب، والمقصود من هذا: أن أم عروة هي سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف، فأراد بقوله: (ألستم بالوالد) يعني: أنكم حي قد ولدوني في الجملة؛ لكون أمي منكم، وعلى رواية: (ألستم بالولد) يعني: أأنتم عندي في الشفقة والنصح بمنزلة الولد؟! ولعله كان يخاطب بذلك قوماً هو أسن منهم، يعني: يشير إلى أنه مخلص لهم، سواء على أنه ابن أو والد، ففي كلا الحالتين يكون ناصحاً ومخلصاً لمن ينصحه ويجتهد في نصحه، فهو يريد أن يستنزلهم ويقنعهم -قبل أن ينصح- بأنه جدير بأن يثقوا في نصيحته ولا يتهموه، فإذا كانوا اتهموا بديلاً فهو أراد أن يقول: أنا غير متهم، وأراد أن يقررهم أولاً بذلك كما حصل ذلك من النبي ﵇ في مواضع معينه معروفة.
فقال: (فهل تتهموني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ) يعني: دعوتهم إلى نصركم، (فلما بلحوا علي) يعني: فلما امتنعوا من الإجابة؛ لأن التبلح هو التمنع، وبلح الغريم إذا امتنع من أداء ما عليه، وزاد ابن إسحاق: (فقالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ كي يجيئوا وينصروكم، فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ -يعني: لأنصركم- قالوا؟ بلى، قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، ودعوني آته)، (قد عرض عليكم خطة رشداً) يعني: خصلة خير وصلاح وإنصاف، وبين ابن إسحاق أن سبب تقديم عروة لهذا الكلام عند قريش ما رآه من ردهم العنيف على من يجيء من عند المسلمين، فقد كانوا يردون بعنف وشدة؛ فلذلك احتاج أن يستدرجهم في الكلام بهذه الطريقة، قوله: (ودعوني آته) يعني: أجيء إليه، (قالوا: ائته، فأتاه فجعل يكلم النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ نحواً من قوله لـ بديل، فقال عروة)، وفي رواية ابن إسحاق: (وأخبره أنه لم يأت يريد حرباً).
стр. 2092
جواز النطق بما يستبشع من الألفاظ لمن بدا منه ما يستحق ذلك
قوله: (فقال عروة عند ذلك) أي: عند قول النبي ﵊: (لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي) قال عروة عند ذلك: أي محمد! أرأيت إن استأصلت أمر قومك! هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإني لأرى وجوهاً، وإني لأرى أوباشاً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك).
لما قال له النبي ﷺ نفس الكلام الذي قاله لـ بديل وهو قوله: (وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذن الله أمره، قال له: أي محمد! أرأيت إن استأصلت أمر قومك) أي: لو نجحت في أن تستأصل قومك قريشاً، (هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟) يعني: أهلك أصله بالكلية، وحذف الجزاء من قوله: (وإن تكن الأخرى) تأدباً مع النبي ﷺ ، والمعنى: وإن تكن الغلبة لقريش لا آمنهم عليك مثلاً.
فهو ذكر هذين الاحتمالين: يقول: (أي محمد! أرأيت أن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى) يعني: إن تكن الغلبة لقريش، وهذا من فصاحة العرب ودقتهم في التعبير، دائماً التعبير يكون في جانب الهزيمة يكون بقولهم: وإن تكن الأخرى؛ تجنباً للفظ الهزيمة، وأن يغلب الإنسان، فقال: (وإن تكن الأخرى) يعني: معناها إن غلبتك قريش، وكان لابد من القتال، (فإني والله لأرى وجوهاً) فهو ينظر باحتقار إلى الصحابة، ويريد أن يذم الصحابة الذين كانوا حول النبي ﵊، (وإني لأرى أوباشاً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك)، فقوله: (فإني والله لأرى وجوهاًً) كالتعليل لهذا القدر المحذوف.
والحاصل: أن عروة ردد الأمر بين شيئين غير مستحسنين عادة، وهو هلاك قومه إن غلب، وذهاب أصحابه إن غُلب، فهو لأنه لم يكن مسلماً فالاحتمالان عنده غير مستحسنين، فيريد أن يقنع النبي ﵇ بأن كلا الأمرين غير مستحسن، وهذا من وجهة نظره هو، يقول الحافظ: لكن كل من الأمرين مستحسن شرعاً، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة:٥٢].
قوله: (وإن تكن الأخرى فإني لأرى وجوهاً، وإني لأرى أوباشاً)، وفي بعض الروايات: (أوشواباً) والأشواب: الأخلاط من أنواع شتى، والأوباش: الأخلاط من السفلة، فالأوباش أخص من الأشواب، (خليقاً) يعني: حقيقاً وجديراً (أن يفروا ويدعوك) يعني: يتركوه، وفي بعض الروايات: (وكأني بهم لو قد لقيت قريشاً قد أسلموك، فتؤخذ أسيراً، فأي شيء أشد عليك من هذا؟).
وفيه أن العادة جرت أن الجيوش المجمعة لا يؤمن عليها الفرار، بخلاف من كانوا من قبيلة واحدة، فإنهم يأنفون الفرار في العادة.
والحاصل أن عروة ردد الأمر بين شيئين غير مستحسنين عادة، لكن شرعاً هما مستحسنان، لقوله تعالى: (قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ).
أيضاً: لأنه لم يكن تشرف بنور الإسلام؛ احتقر الصحابة، فسماهم أوباشاً سفلة من الناس أو أخلاطاً، هذا رومي! وهذا حبشي! وهذا قرشي! وهذا كذا فهم عبارة عن أخلاط، فيقول الحافظ: وفيه أن العادة جرت أن الجيوش المجمعة من الخليط لا يؤمن عليها الفرار، بخلاف من كانوا من قبيلة واحدة؛ لأن أصحاب القبيلة الواحدة يأنفون ويستمسكون عن الفرار -لأن هذا يعيبهم، ويكون عاراً في حقهم- وما درى عروة أن مودة الإسلام أعظم من مودة القرابة؛ لأنه لم يكن مسلماً، فمودة الإسلام التي تربط بين هؤلاء الصحابة أعظم من مودة القرابة، وقد ظهر له ذلك من مبالغة المسلمين في تعظيم النبي ﷺ ، فالمسلمون لقنوه درساً لا ينساه بالقول والعمل، بالقول حين رد عليه أبو بكر ﵁ مباشرة بقول شديد شنيع، وكما رد أيضاً المغيرة بن شعبة كما سيأتي، وبالعمل حينما بالغوا في تعظيم النبي ﷺ أمام هذا الكافر؛ ليدرك أنهم ليسوا كما ظن بهم، وإنما هم أشد الناس تعظيماً للنبي ﵌، فلما قال: (وإني لأرى وجوهاً وإني لأرى أوباشاً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك قال له أبو بكر: امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟! فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، قال: وجعل يكلم النبي ﷺ ، فكلما تكلم كلمة أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف، وقال له: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ ؛ فرفع عروة رأسه، فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة فقال: أي غدر! -لأنه عمه- ألست أسعى في غدرتك؟! وكان المغيرة صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ : أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء).
قول أبي بكر له: (امصص بظر اللات)، اللات هي الآلهة التي كان يعبدها عروة، وكانت عادة العرب الشتم بذلك، لكن بلفظ الأم، فأراد أبو بكر المبالغة في سب عروة بإقامة من كان يعبد مقام أمه، وحمله على ذلك ما أغضبه به من نسبة المسلمين إلى الفرار، وفيه جواز النطق بما يستبشع من الألفاظ لإرادة زجر من بدا منه ما يستحق به ذلك، وقال ابن المنير: في قول أبي بكر تخسيس للعدو، وتكذيبه، وتعريض بإلزامهم من قولهم: إن اللات بنت الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً؛ لأنها لو كانت بنتاً كان لها ما يكون للإناث.
قوله: (أنحن نفر وندعه؟) هذا استفهام إنكار، (قال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر)، وفي رواية: فقال: (من هذا يا محمد؟ فقال: هذا ابن أبي قحافة) ﵁، ثم قال له: (أما) وهذا حرف استفتاح، (والذي نفسي بيده)، وهذا يدل على أن القسم بهذا كان من عادة العرب، (لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك) لولا يد أي: نعمة، وهو إحسان كان أحسن إليه أبو بكر فيما مضى، وهو لم يرد له هذا الإحسان أو هذا الجميل، (لم أجزك بها) يعني: لم أكافئك بها، (لأجبتك) لكن هذه بها، فسأتوقف وأمتنع من الرد عليك عن هذه الكلمة الشنيعة التي قلتها مقابل النعمة أو الجميل الذي فعلته في، ففي الجاهلية كان يوجد أخلاق، أما الآن كما يقول بعض الناس: أصبحنا في زمان ليس فيه آداب الإسلام، ولا أخلاق الجاهلية، ولا أحلام ذوو المروءة! فقال: (لولا يد لك عندي لم أجزك بها) يعني: لم أكافئك بها لأجبتك، وذكر بعضهم أن هذه اليد المذكورة: أن عروة كان تحمل دية، فأعانه أبو بكر بعون حسن، وفي رواية الواقدي: أعانه بعشر قلائص.
стр. 2093
الغدر مذموم في الجاهلية والإسلام إلا في الحرب
قال: (وجعل يكلم النبي ﷺ ، فكلما تكلم كلمة أخذ بلحيته) أمسك بلحية الرسول ﷺ .
(والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ﷺ بالسيف)، وهذا فيه جواز القيام على رأس الأمير بالسيف لقصد الحراسة ونحوها من ترهيب العدو، ولا يعارضه النهي عن القيام على رأس الجالس؛ لأن محله ما إذا كان على وجه العظمة والكبر، أما هذا فبقصد الحراسة، وإرهاب الأعداء.
وفي رواية: (فكلما كلمه أخذ بلحيته)، وفي رواية: (فجعل يتناول لحية النبي ﷺ وهو يكلمه، والمغيرة بن شعبة قائم)، وفي رواية أخرى: (أن المغيرة لما رأى عروة بن مسعود مقبلاً لبس لأمته، وجعل على رأسه المغفر ليستخفي من عروة عمه)؛ لأن عروة عمه، فـ المغيرة كان حريصاً على ألا يعرفه من هو، فغطى وجهه، ولبس لباس الحرب واللأمة والمغفر، بحيث لا تظهر ملامح وجهه.
يقول: (وجعل يكلم النبي ﷺ فكلما تكلم كلمة أخذ بلحيته، والمغيرة قائم على رأس النبي ﷺ ومعه السيف، وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف)، وهو ما يكون أسفل القراب من فضة أو غيرها، (وقال له: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ أخر: فعل أمر من التأخير، وفي رواية ابن إسحاق: (كلما أخذ بلحية الرسول ﵊ يضربه بنعل السيف، ويقول له: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ قبل ألا تصل إليك) يعني: قبل أن أقطع لك هذه اليد التي تمتد وتمسك بلحية رسول الله ﷺ ! وزاد عروة بن الزبير في رواية أخرى أنه كان يقول له: (أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ قبل ألا تصل إليك، فإنه لا ينبغي لمشرك أن يمسه)، وفي رواية ابن إسحاق: فيقول عروة يرد عليه: (ويحك! ما أفظك وأغلظك!) وكانت عادة العرب أن يتناول الرجل لحية من يكلمه لاسيما عند الملاطفة، وفي الغالب لا يصنع ذلك إلا النظير بالنظير، فالنظراء يفعلون هذا بعضهم مع بعض، لكن كان النبي ﷺ يغضي لـ عروة عن ذلك، يعني: لم يمنعه من ذلك استمالة له وتأليفاً، لكن المغيرة لم يتجاوز عن ذلك، فالرسول صلى الله ﵊ كان يغضي ولا يعنفه على إمساكه بلحيته، مع أنه ليس نظيره، وإنما استمالة لقلبه وتأليفاً له، والمغيرة كان يمنعه إجلالاً للنبي ﷺ وتعظيماً له.
(فقال: من هذا؟) أي: من هذا الذي كل وقت يضرب يدي بالسيف، ويقول هذا الكلام الفظ الغليظ؟ (فقال من هذا؟ قال: المغيرة)، وفي رواية لـ أبي الأسود عن عروة: (فلما أكثر المغيرة مما يقرع يده غضب) أي: من كثرة الضرب على يده غضب، (وقال: ليت شعري) يعني: ليتني أعلم، (ليت شعري من هذا الذي قد آذاني من بين أصحابك؟! والله لا أحسب فيكم ألأم منه ولا أشر منزلة)، وفي رواية ابن إسحاق: (فتبسم رسول الله ﷺ فقال له عروة: من هذا يا محمد؟! قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة).
فقال له عمه عروة: (أي غدر)، يعني: عرفتك يا غادر! (أي غدر! ألست أسعى في غدرتك؟)؛ (أي غدر) صيغة مبالغة في صفة الغدر، ألست أسعى في غدرتك أي: ألست أسعى في دفع شر غدرتك، وفي مغازي عروة قال له: (والله! ما غسلت يدي من غدرتك، لقد أورثتنا العداوة في ثقيف)، وفي رواية ابن إسحاق: (وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس)، قال ابن هشام في السيرة: أفاد عروة بهذا إلى ما وقع للمغيرة قبل إسلامه؛ وذلك أنه خرج مع ثلاثة عشر نفراً من ثقيف من بني مالك، فغدر بهم وقتلهم، وأخذ أموالهم، فتهايج الفريقان بنو مالك ورهط المغيرة، فسعى عروة بن مسعود عم المغيرة حتى أخذوا منه دية ثلاثة عشر نفساً واصطلحوا.
وحاصل القصة عند ابن الكلبي والواقدي: أنهم كانوا خرجوا زائرين المقوقس بمصر، فأحسن أليهم وأعطاهم، وقصر بـ المغيرة، فحصلت له غيرة منهم، فلما كانوا في الطريق شربوا الخمر، فلما سكروا وناموا وثب المغيرة فقتلهم، ولحق بالمدينة فأسلم، لذلك يقول هنا في رواية البخاري: (فقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة قال: أي غدر! ألست أسعى في غدرتك؟! وكان المغيرة صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ : أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء).
قوله: (أما الإسلام فأقبل) يعني: أقبله منك (وأما المال فلست منه في شيء) أي: لا أتعرض له لكونه أخذه غدراً، فالغدر لا يحل حتى مع الكافر إلا في حالة الحرب، لكن في الحالة التي يكون آمناً فيها لا ينبغي للمسلم أن يغدر أبداً.
يقول الحافظ: ويستفاد منه أنه لا يحل أخذ أموال الكفار في حال الأمن غدراً؛ لأن الرفقة يصطحبون على الأمانة، والأمانة تؤدى إلى أهلها مسلماً كان أو كافراً يعني: ينبغي أن يكون خلق المسلم الأمانة مع كل أحد، حتى لو كان كافراً، قال ﷺ : (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)، فأموال الكفار تحل بالمحاربة والمغالبة، كغنيمة في حالة حرب، أما في الحالة التي أعطاك فيها الأمان أو يوجد نوع من الأمان بينك وبينه، فالتعرض له من الغدر، ومعلوم وعيد الغادر يوم القيامة.
وهذا الأدب وهذا الخلق يحتاج إليه كثير ممن يزعمون الالتزام والدعوة إلى الله من بعض الجماعات في بلاد الكفار، وحتى في باقي بلاد المسلمين، حيث يقع كثير من الغدر والخيانة في موضوع الأموال بالنصب والسرقة، وهذا موجود كثير جداً للأسف الشديد، وهو في أمريكا بصورة أكبر، وكان للأسف الشديد جداً في أول الأمر يوجد عندهم نوع من التسامح الشديد في المعاملات، حتى بدأت تشيع الخيانة والكذب والغدر ممن ينتسبون إلى الإسلام، فكانت تزيد التعقيدات بمرور الوقت، وبالذات في موضوع المكالمات الهاتفية ونحوها، فأصبحوا الآن -وللأسف الشديد- يقارنون أصحاب البلاد ببعضهم البعض، ففي أمريكا أي مكالمة خارج البلاد يكون فيها إجراءات استثنائية كمصر وباكستان وإسرائيل عصابة اليهود، فإذا تريد أن تتصل فلابد أن يتأكدوا أولاً من الهوية، تحرزاً من سرقة كروت الاتصالات، فتخيل أن شخصاً يستخدم مكالمة من وراء البحار لمدة ساعة ونصف ويكون صاحبه أو قريبه هنا يشغل له التلفاز ليتابع المباراة، وهو مستمر في فتح خط الهاتف؛ لأنه لص لا يدفع المال من جيبه؛ لأنه ليس من الممكن أن يبذل هذا المبلغ الضخم الذي سيدفع مقابل هذه الساعة والنصف من جيبه، فهو يسرق.
وقد حصل في يوم من الأيام أن شخصاً من هؤلاء اللصوص اتضح له أن الكرت الذي يتصل به ملك لشخص مسلم! يعني: آذى مسلماً بهذه السرقة وهذه اللصوصية، فهذه لصوصية ولا يمكن أبداً أن تسمى بغير ذلك، فينبغي للإنسان أن يتنزه عن هذه الأشياء، فبعض الناس يتحايل بصورة دنيئة جداً وقبيحة وكريهة في السرق والنصب، بحجة أن هؤلاء كفار! والحديث في هذا يطول.
فهذا ليس من خلق المسلم، والإسلام بريء من أخلاق هؤلاء الناس، لأن أقل ما في هذا الموضوع هو صد الناس عن سبيل الله ، يقول الله : ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل:٩٤] فهذه الآية مهمة جداً لنا جميعاً، وبالذات لهؤلاء الناس الذين يفعلون أشياء من الخيانة والغدر واللصوصية، ويزينونها لأنفسهم بأهوائهم، ففي هذه الآية ينهى الله المؤمنين عندما يتعاملون مع الكفار أو مع غيرهم أن يؤكدوا العهد والميثاق أو الاتفاق الذي يتفقون عليه بأن يقسموا بالله ، فإذا أقسموا بالله فإن الطرف الآخر يصدقه؛ لأنه لا يتصور أن يحلف بالله كاذباً، فهؤلاء مؤمنون ومسلمون ولا يمكن أن يكذبوا، قال تعالى: ((وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ))، فجاءت الآية تحذر المؤمن من أن يستعمل الحلف باسم الله وسيلة لخداع الناس وغشهم: (َلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ) أي: لا تستعملوا اسم الله والحلف بالله للإفساد بين الناس وأخذ حقوقهم، فإذا فعلتم ذلك ووقعتم في هذه الورطة فإنه يترتب على ذلك شران: الأول: (فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا) بعدما كنتم موصوفين بوصف الأمانة صرتم خونة، وبعد التقوى صرتم فجاراً، وهكذا (فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا) عن الطريق المستقيم، فهذا انحراف وانحياز عن الطريق المستقيم، فهذا هو الوعيد الأول، قال تعالى: ﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١١].
الوعيد الثاني: قوله: (وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ الله) يعني: إن هذا السلوك منكم من الخيانة والغدر والكذب يترتب عليه أن الناس يصدقونكم، فإذا خنتم وغدرتم فسيقولون: لو كان في دينهم خير لما سرقوا ونصبوا، ولما حلفوا كاذبين، لو كان في دينهم خير لما فعلوا ذلك! وهذا الاتهام غير صحيح؛ لأنهم بشر غير معصومين، ولكن أنتم تعطونهم الذري
стр. 2094
حب الصحابة للنبي ﷺ وتعظيمهم له
الموقف الأخير الذي نتعرض له في هذه القصة قول الراوي: (ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ -أي: يلاحظ تصرفاتهم بعينيه- فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم! والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمداً ﷺ ، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده! وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها).
قوله: (فجعل يرمق) يعني: يلحظ، (أصحاب النبي ﷺ بعينيه)، وكأن الصحابة أرادوا أن يلقنوه الدرس الثاني بعد ما لقنه أبو بكر الدرس الأول لما قال: (وإني لأرى حولك أوباشاً أو أشواباً خليقاً أن يفروا ويدعوك) فرد عليه أبو بكر بهذه الكلمة الشديدة، ثم رد المغيرة أيضاً بضربه على يده، وما حصل بينهم من الحوار، ثم عملياً جعل عروة يرمق سلوك الصحابة ﵃ بعينيه مع النبي ﵌.
يقول: (فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده) وهذا تبركاً بآثار أو فضلات النبي ﵌، والتبرك بما ينفصل عن جسد النبي ﷺ أو أجزائه كشعره وغير ذلك جائز شرعاً.
زاد ابن إسحاق: (ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه).
قوله: (وإذا أمرهم ابتدروا أمره) إذا أمرهم بأمر تسابقوا أيهم يكون الأول امتثالاً لهذا الأمر، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه.
وهذا الحديث فيه دليل على طهارة النخامة، وطهارة الشعر المنفصل، ولعل الصحابة فعلوا ذلك بحضرة عروة، وبالغوا في ذلك؛ إشارة منهم إلى الرد على ما خفي عليه منهم، وكأنهم قالوا بلسان الحال: من يحب إمامه هذه المحبة، ويعظمه هذا التعظيم؛ كيف يظن به أن يفر عنه ويسلمه لعدو؟! بل هم أشد ارتباطاً به وبدينه وبنصره من القبائل التي يراعي بعضها بعضاً بمجرد الرحم، فيستفاد منه جواز التوصل إلى المقصود بكل طريق سائغ، فهم أرادوا أن يوصلوا له هذه الرسالة عن طريق هذه الوسائل، فإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه الذي يتناثر من أعضائه عند الوضوء، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له، وهكذا كان أدب الصحابة مع النبي ﵌.
وعدم إحداد النظر، هو أدب أصلاً مع كل كبير، حتى مع الوالدين أو غيرهم ممن يعظم، لا ينبغي للإنسان أن يحد النظر في أبيه أو في شيخه أو في مدرسه أو أستاذه، بخلاف هذه الأشياء التي نسمع فيها العجب الآن من طلاب المدارس وما يصنعونه مع مدرسيهم، فمن الأدب أنه لا يحد النظر بهذه الطريقة مع الوالدين وغيرهما ممن يعظم، وقد ذكر عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه أنه قبل أن يسلم ما كان أحد أبغض إليه من النبي ﵌، أما بعد أن أسلم فيقول: فلم يكن أحد أحب إلي منه، ولم أكن -يعني: مع صحبته للرسول ﵊ أطيق النظر إليه، ولو أني سئلت أن أصفه ما أطقت! يعني: لو قال له أحد: صف لي صفة الرسول ﷺ وملامحه، لما استطاع ذلك! قال: لأني لم أكن أحد النظر إليه تعظيماً له ﷺ أو كما قال رضي الله تعالى عنه، فـ عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه كان إذا جلس الرسول ﵊ لا يملأ عينيه منه إجلالاً له، وتعظيماً واستحياء منه ﵊، حتى أنه لو سئل أن يصفه لما أطاق ولما استطاع أن يصف ملامح النبي ﷺ .
يقول: (فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم! والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على كسرى وقيصر) هذا من إطلاق الخاص بعد العام؛ لأن قيصر وكسرى والنجاشي من الملوك، وذكر الثلاثة لأنهم كانوا أعظم ملوك ذلك الزمان.
وفي بعض الروايات: (فقال عروة: أي قوم! إني قد رأيت الملوك ما رأيت مثل محمد ﷺ وما هو بملك، ولكن رأيت الهدي معكوفاً وما أراكم إلا ستصيبكم قارعة) أي: لأنكم إذا تعرضتم لهؤلاء الناس الذين قصدوا البيت محرمين فلابد أن يعاقبكم الله؛ فتصيبكم قارعة إذا منعتموهم من دخول الحرم، فانطلق هو ومن اتبعه إلى الطائف خشية أن ينزل العذاب وهو قريب من قريش.
وفي قصة عروة بن مسعود من الفوائد ما يدل على جودة عقله ويقظته، وما كان عليه الصحابة من المبالغة في تعظيم النبي ﷺ وتوقيره، ومراعاة أموره، وردع من جفا عليه بقول أو فعل.
والتبرك بآثاره.
ولنذكر الجزء الذي شرحناه من هذا الحديث الطويل: يقول: (خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي ﷺ : إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيراً لقريش.
وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل! فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، فقال النبي ﷺ : ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده! لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها، ثم زجرها فوثبت قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضاً، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه، وشكي إلى رسول الله ﷺ العطش؛ فانتزع سهماً من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه.
فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عيبة نصح رسول الله ﷺ من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله ﷺ : إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين, إن قريشاً قد نهكتهم الحرب، وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا، وإنهم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره، فقال بديل: سأبلغهم ما تقول.
قال: فانطلق حتى أتى قريشاً قال: إنا جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولاً، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء، وقال ذووا الرأي منهم: هات ما سمعته، قال: سمعته يقول كذا وكذا فحدثهم بما قال النبي ﷺ .
فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم! ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟! قالوا: بلى، قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته، قالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلم النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ نحواً من قوله لـ بديل، فقال عروة عند ذلك: أي محمد! أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟! وإن تكن الأخرى، فإني والله لأرى وجوهاً، وإني لأرى أوباشاً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك.
فقال له أبو بكر: امصص بظر اللات! أنحن نفر عنه وندعه؟! فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بك لأجبتك.
قال: وجعل يكلم النبي ﷺ ، فكلما تكلم كلمة أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف، وقال له: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ ، فرفع عروة رأسه، فقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غدر! ألست أسعى في غدرتك؟! وكان المغيرة صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ : أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شي.
ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينيه، قال: فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له.
فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم! والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله! إن رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، ولا يحدون إليه النظر تعظيماً له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه، قال رسول الله ﷺ : هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن؛ فابعثوها له، فبعثت له، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت! فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فم
стр. 2095
تابع تفسير سورة الفتح [١٠]
стр. 2096
شرح حديث صلح الحديبية
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فقد قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الشروط: [باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط.
حدثني عبد الله بن محمد قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر قال: أخبرني الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية، حتى كانوا ببعض الطريق، قال النبي ﷺ : (إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة؛ فخذوا ذات اليمين)، فوالله! ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيراً لقريش، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها، بركت به راحلته، فقال الناس: حل! حل! فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، فقال النبي ﷺ : (ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل ثم قال: والذي نفسي بيده! لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)، ثم زجرها فوثبت، قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضاً، فلم يلبث الناس حتى نزحوه، وشكي إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهماً من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله! مازال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عيبة نصح لرسول الله ﷺ من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله ﷺ : (إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة، ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده! لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره)، فقال بديل: سأبلغهم ما تقول.
قال: فانطلق حتى أتى قريشاً، قال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولاً، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول، قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي ﷺ ، فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم! ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أو لست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهمونني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى، قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، ودعوني آته، قالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلم النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ نحواً من قوله لـ بديل، فقال عروة عند ذلك: أي محمد! أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإني والله لأرى وجوهاً، وإني لأرى أوباشاً من الناس، خليقاً أن يفروا ويدعوك.
فقال له أبو بكر: امصص بظر اللات! أنحن نفر عنه وندعه؟! فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده! لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك.
قال: وجعل يكلم النبي ﷺ ، فكلما تكلم كلمة أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ﷺ ، ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة يده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف، وقال له: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ ، فرفع عروة رأسه، فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة فقال: أي غدر! ألست أسعى في غدرتك، وكان المغيرة صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ : (أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء).
ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينيه قال: فوالله! ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له.
فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم! والله! لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله! إن رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً، والله! إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له! وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.
فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه، قال رسول الله ﷺ : (هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له)، فبعثت له واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت.
فقام رجل منهم يقال له: مكرز بن حفص فقال: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم، قال النبي ﷺ : (هذا مكرز وهو رجل فاجر)، فجعل يكلم النبي ﷺ ، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو.
قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي ﷺ : (قد سهل لكم من أمركم).
قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتاباً، فدعا النبي ﷺ الكاتب، فقال النبي ﷺ : (بسم الله الرحمن الرحيم)، فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هي؟ ولكن اكتب: باسمك اللهم، كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي ﷺ : (اكتب باسمك اللهم)، ثم قال: (هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله)، فقال سهيل: والله! لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال النبي ﷺ : (والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله)، قال الزهري: وذلك لقوله: (لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها).
فقال له النبي ﷺ : (على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به)، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب].
стр. 2097
إتيان صاحب بني كنانة إلى النبي ﷺ
انتهينا في شرح هذا الحديث عند قول عروة لما رجع إلى أصحابه وقال: أي قوم! والله لقد وفدت على الملوك إلى قوله: وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته فقالوا: ائته.
قوله: (فقال رجل من بني كنانة) وفي رواية: فقام الحليف، وقيل: إنه من رءوس الأحابيش، وقال: أبى الله أن تحج لخم وجذام وكندة وحمير ويمنع ابن عبد المطلب، فقام رجل من بني كنانة فقال: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه، قال رسول الله ﷺ : (هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن - يعني: الجمال- فابعثوها له) يعني: أثيروها دفعة واحدة.
وزاد ابن إسحاق: فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي بقلائده قد حبس عن محله، رجع ولم يصل إلى رسول الله ﷺ ، يعني: سلك هذه الطريقة ليبين لهذا المبعوث أنهم ما أتوا لقتال وإنما أتوا معتمرين، وآية ذلك أن الرسول ﵇ أمرهم أن يدفعوا البدن دفعة واحدة حتى يراها، ثم إن البدن كانت مقلدة ومشعرة، وهذا يؤكد أنهم ما أتوا لقتال؛ فلذلك لم يصل إلى النبي ﵊ ولم يقترب منه حتى عاد إليهم ليحذرهم.
وفي مغازي عروة عند الحاكم: فقام الحليف -يعني: لما رأى الجمال بهذه الهيئة- فقال: هلكت قريش ورب الكعبة، إن القوم إنما أتوا عماراً، فقال النبي ﷺ : (أجل يا أخا بني كنانة! فأعلمهم بذلك)، وهذا لا يتعارض مع قوله: ولم يصل إلى رسول الله ﵊، يعني: لعله يحتمل أن يكون الرسول خاطبه من بعد لما قال: هلكت قريش ورب الكعبة! إن القوم إنما أتوا عماراً أي: استعظم كيف يأتون محرمين بهذه الهيئة ثم يصدون عن البيت! وكانوا يعرفون في الجاهلية أن هذا سبب من أسباب الهلكة، فقال: (هلكت قريش ورب الكعبة)؛ لأنهم يصدون من قصد هذا البيت للعمرة، فلذلك قال له النبي ﵇: (أجل يا أخا بني كنانة! فأعلمهم بذلك).
يقول: فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه، قال رسول الله ﷺ : (هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له فبعثت له)، واستقبله الناس يلبون -حتى يشعروه بأنهم ما أتوا إلا للاعتمار- فلما رأى ذلك قال: سبحان الله! لا ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت! فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت.
والتقليد في هذا السياق هو التقليد للبدن يعني: أن يعلق في عنق الهدي قطعة من جلد وغيره يكون علامة على أنه هدي، وأما الإشعار فهو أن يطعن صفحة سنام الإبل اليمنى، وهي مستقبلة القبلة، ويلطخها؛ بالدم ليعلم أنها هدي، والتقليد والإشعار من تعظيم وإظهار شعائر الله، وربما أحياناً يضع بعض الناس على الجمال نوعاً من القماش الأبيض إشارة أيضاً إلى أنها هدي، والإشعار أيضاً علامة على أن هذا الهدي مسوق إلى بيت الله ، فهذه من أمارات إظهار شعائر الله .
فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت.
وزاد ابن إسحاق: وغضب وقال: يا معشر قريش! ما على هذا عاقدناكم! أيصد عن بيت الله من جاء معظماً له؟! فقالوا: كف عنا -يا حليف - حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى.
ويؤخذ من هذا أن كثيراً من المشركين كانوا يعظمون حرمات الإحرام والحرم، وكانوا ينكرون على من يصد عن ذلك، وهذه من بقايا دين إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
стр. 2098
إرسال قريش مكرز بن حفص إلى رسول الله
قال: فقام رجل منهم يقال له: مكرز بن حفص فقال: دعوني آته فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ : (هذا مكرز وهو رجل فاجر).
قيل: إن وصفه بالفجور له أكثر من سبب منها: أنه أراد أن يبيت المسلمين بالحديبية فخرج في خمسين رجلاً، فأخذهم محمد بن مسلمة وهو على الحرس، وانفلت منهم مكرز، فكأن النبي ﷺ أشار إلى ذلك.
فجعل يكلم النبي ﷺ ، فبينا هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو، وفي رواية ابن إسحاق: فدعت قريش سهيل بن عمرو فقالوا: اذهب إلى هذا الرجل فصالحه، فقال النبي ﷺ : (قد أرادت قريش الصلح حين بعثت هذا).
فحين بعثت قريش سهيل بن عمرو فهذه أمارة على أنهم وافقوا على عقد معاهدة مع النبي ﵌.
стр. 2099
إرسال قريش سهيل بن عمرو لعقد الصلح
وفي حديث سلمة بن الأكوع قال: (بعثت قريش سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى إلى النبي ﷺ ليصالحوه، فلما رأى النبي سهيلاً قال: (قد سهل لكم من أمركم) يعني: تفاؤلاً باسمه، فأتى سهيل بن عمرو النبي ﷺ -يقول الزهري في حديثه- فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتاباً يعني: هلم نعقد عقد المصالحة هذا؛ فدعا النبي ﷺ الكاتب).
قوله: (فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتاباً) وفي راوية ابن اسحاق: (فلما انتهى إلى النبي ﷺ جرى بينهم القول -التصالح- حتى وقع بينهما الصلح على أن توضع الحرب بينهما عشر سنين، وأن يأمن الناس بعضهم من بعض، وأن يرجع عنهم عامهم هذا).
وقد اختلف العلماء في المدة التي تجوز المهادنة فيها مع المشركين، فقيل: لا تجاوز عشر سنين، استدلالاً بهذا الحديث، وهو قول الشافعي والجمهور، وقيل: تجوز الزيادة، وقيل: لا تجاوز أربع سنين، وقيل: ثلاثاً، وقيل: سنتين، والأول هو الراجح والله تعالى أعلم، وهو مذهب الجمهور ومنهم الشافعي أن المدة لا تزيد عن عشر سنوات، فدعا النبي ﷺ الكاتب -والكاتب هو علي رضي الله تعالى عنه- فقال له: (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم)، يملي على علي أن يكتب نص عقد الصلح، فأملاه: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هي! ولذلك قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠]، وهذا الكفر باسم الرحمن كان عناداً منهم، وإلا ففي أشعارهم ما يدل على أنهم يعرفون أن من أسماء الله الرحمن.
فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هي! ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي ﷺ : (اكتب باسمك اللهم)، ثم قال: (هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله) (قاضى) بوزن فاعل من قضيت الشيء، أي: فصلت الحكم فيه، وفيه جواز كتابة مثل ذلك في المعاقدات، والرد على من منعه معتلاً بخشية أن يظن أنها نافية، نبه عليها الخطابي أي: أن بعض الناس كره استعمال كلمة: (هذا ما قاضى)؛ لأنه يمكن أن يفسرها أحد الطرفين بالنفي فيكون معناها: الذي لم يقاض عليه، لكن (ما) هنا ليست نافية، بل موصولة، (هذا ما قاضى) يعني: هذا الذي قاضى عليه، فهذا الحديث دليل على جواز استعمال عبارة: هذا ما قاضى عليه كذا وكذا.
فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال النبي ﷺ : (والله إني لرسول الله وإن كذبتموني)، هذا لن يغير في الحقيقة شيئاً، فبعد شهادة الله لرسوله ﵇ بالرسالة وبالشهادة وبالصدق، فهو مستغن عن شهادة غيره، فقال: (والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله).
قال الزهري: وذلك لقوله، يعني: تساهل معهم النبي ﷺ لأنه منذ البداية تعهد وأقسم: (والله لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)، وما المقصود بحرمات الله؟ قلنا: يحتمل أن تكون حرمة الإحرام، وحرمة الشهر، وحرمة البدن، وقلنا: إن هذا القول مرجوح، والمقصود بالحرمات هنا صلة الرحم وحقن الدماء، وإلا فجميع العلماء يقولون: إن الرسول ﷺ عندما أقسم وقال: (والله لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله) فالواو هنا بمعنى الفاعل، والمراد: المشركين، لو كانوا يعظمون الإحرام أو الحرم أو الشهر ما كانوا صدوهم من الأصل، ولكن المقصود بالحرمات هنا: صلة الرحم والقرابة بينهم وبين المسلمين.
وبسبب أن الرسول ﷺ كان قد أقسم وقال: (لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها) فلأجل ذلك تساهل معهم، وتجاوز عن كتابة البسملة: بسم الله الرحمن الرحيم، وتجاوز عن إثبات (هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله).
فقال له النبي ﷺ : (على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به) يعني: من شروط الاتفاق: أن تتركونا ولا تحولوا بيننا وبين الطواف في البيت وأداء العمرة، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة.
هذه هي حمية الجاهلية، يعني: كيف يشيع في العرب أنكم أتيتم وأكرهتمونا على أن تأتوا وتعتمروا، لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة أي: قهراً، وفي رواية ابن إسحاق: أنه دخل علينا عنوة.
قال: ولكن ذلك من العام المقبل، يعني: العام المقبل تأتونا، ونسمح لكم بدخول مكة لأداء العمرة، فكتب.
فقال سهيل - وهذه مادة أخرى من مواد الاتفاق-: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا.
أي: من شروط المعاهدة أن أي رجل من قريش يأتي النبي ﷺ في المدينة حتى لو كان مسلماً فتتعهد أن ترده إلينا.
وفي رواية ابن إسحاق: على أنه من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشاً ممن يتبع محمداً ﷺ لم يردوه عليه.
وفي الظاهر هذا فيه غاية الإجحاف بالنسبة للمسلمين، يعني: أنهم اشترطوا عليه: أنه لو أتاك رجل من مكة إلى المدينة مهاجراً مسلماً فلا بد أن ترده إلينا، ومن أتانا من عندك لا نرده إليك؛ فقال المسلمون: سبحان الله! كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟! كيف نوافق على هذا البند المجحف؟ كيف نرد رجلاً أتانا من المسلمين إلى المشركين وقد جاءنا مسلماً؟! يقول الحافظ رحمه الله تعالى: زاد ابن إسحاق في قصة الصلح بهذا الإسناد: (وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة) يعني: أمراً مطوياً في صدور سليمة، فتترك المؤاخذة لما تقدم بينهم من أسباب الحروب وغيرها، كأنه قال: عفا الله عما سلف لما حصل بيننا من الحروب والاحتكاكات، ونحافظ على العهد الذي وقع بيننا.
قال: (وأنه لا إسلال ولا إغلال) يعني: لا سرقة ولا خيانة، والمراد أن يأمن بعضهم من بعض في نفوسهم وأموالهم سراً وجهراً.
وقال ابن إسحاق في حديثه: (وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه) يعني: من القبائل التي تريد أن تتحالف مع الرسول ﵇ أو مع قريش.
فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم.
قال: (وأنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل مكة علينا، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها في أصحابك فأقمت بها ثلاثاً معك سلاح الراكب، السيوف في القرب، ولا تدخلها بغيره).
قال ابن إسحاق: فبينما رسول الله ﷺ يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل بن سهيل، وقد قال سهيل: على أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وقال المسلمون: سبحان الله! كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو: يعني: ابن سهيل بن عمرو نفسه، وكان قد حبسه في مكة، وكان يعذبه عذاباً شديداً لأنه أسلم، فبينما هم يتباحثون هذه المباحثات إذا بـ أبي جندل بن سهيل بن عمرو قد هرب من المحبس الذي حبسه فيه، وجاء يركض في أغلاله، وهي أغلال ثقيلة كانت عليه، وهو يمشي ببطء حتى ألقى نفسه أمام النبي ﵇ وأمام الصحابة.
يقول: فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يركض في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل أبوه: هذا -يا محمد- أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي؛ فقال النبي ﷺ : (إنا لم نقض الكتاب بعد) قال: فوالله إذاً لا أصالحك على شيء أبداً، فقال النبي ﷺ : (فأجزه لي)، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل، فقال أبو جندل: أي معشر المسلمين! أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً، ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذاباً شديداً في الله، فقال عمر بن الخطاب ﵁: فأتيت نبي الله ﷺ فقلت: (ألست نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال ﷺ : بلى، قلت: فعلام نعطي الدنية في ديننا إذاً؟! قال: إني رسول الله، ولست أعصيه وهو ناصري، قال: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به).
قال عمر: (فأتيت أبا بكر ﵁ فقلت: يا أبا بكر! أليس هذا نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فلم نعط الدنية في ديننا إذاً؟! قال: أيها الرجل! إنه لرسول الله ﷺ وليس يعصي ربه، وهو ناصره فاستمسك بغرزه، فوالله! إنه على الحق، قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به.
قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالاً.
أي: هذا الموقف كان عمر يندم عليه؛ لأنه راجع الرسول ﵇ هذه المراجعة ولم يسلم وينقاد لحكمه من أول وهلة، فاعتبر هذه معصية، فأخذ يكثر من الأعمال الصالحة حتى تكفر عنه ما فعله في هذا الم
стр. 2100
رد النبي ﷺ لأبي جندل أثناء الصلح
قوله: (فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل) جندل على وزن جعفر، وكان اسمه العاصي فغيره عندما أسلم، وهذه سنة، فالأسماء المنفرة أو القبيحة من السنة أن تغير إلى اسم أفضل، فهذا الرجل أبو جندل كان اسمه العاصي فغيره عندما أسلم، ولزمته هذه الكنية: أبو جندل، وله أخ اسمه عبد الله أسلم قديماً، وحضر مع المشركين بدراً ففر منهم، وانضم إلى جيش المسلمين في بدر، ثم كان معهم بالحديبية، واستشهد عبد الله باليمامة قبل أبي جندل بمدة، وأما أبو جندل فكان حبس بمكة ومنع من الهجرة وعذب بسبب الإسلام.
وفي رواية: (فإن الصحيفة لتكتب إذ طلع أبو جندل بن سهيل وكان أبوه حبسه فأسلم).
وفي رواية عن عروة: (وكان سهيل أوثقه وسجنه حين أسلم، فخرج من السجن وتنكب الطريق وركب الجبال حتى هبط على المسلمين، ففرح به المسلمون وتلقوه، فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل يرسف) يعني: يمشي مشياً بطيئاً بسبب القيد، فإنه ثقيل، فهذا معنى (يرسف) يعني: يمشي مشياً بطيئاً بسبب القيد، فقال سهيل: هذا -يا محمد- أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي، وفي رواية ابن إسحاق: فقام سهيل بن عمرو إلى أبي جندل -ابنه- فضرب وجهه وأخذ يلببه.
قال النبي ﷺ : (إنا لم نقض الكتاب بعد)، قال: فوالله إذاً لا أصالحك على شيء أبداً، قال النبي ﷺ : (فأجزه لي)، من الإجازة يعني: استثنيه أو سامح في هذا، وفي بعض الروايات: (فأجره لي).
وفيه: أن الاعتبار في العقود بالقول ولو تأخرت الكتابة والإشهاد، فالعبرة باللفظ حتى لو تأخرت الكتابة عن الكلام والإشهاد، ولأجل ذلك أمضى النبي ﷺ لـ سهيل الأمر في رد ابنه إليه، وكان النبي ﷺ قد تلطف معه بقوله: (لم نقض الكتاب بعد) رجاء أن يجيبه لذلك، ولا ينكره بقية قريش لكونه ولده، فلما أصر على الامتناع تركه له؛ لأنهم كانوا قد اتفقوا على هذا البند.
قال: (فأجزه لي، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: بلى فافعل)، هذا نوع من التلطف به والإلحاح (بلى فافعل) قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: بلى قد أجزناه لك، ومكرز كان شريكاً له في الوفد المفاوض، وليس معنى قوله: (أجزناه لك) أن نتركه عندك، لا، فالمعنى: نأخذه لكن لا نعذبه، فالتزموا على أنهم لا يعذبوه، فهو أراد أن يظهر أنه ليس متصفاً بالصفة التي أخبر عنه النبي ﵇ بقوله: (وهو رجل فاجر)، فهو يريد أن يقول أنه ليس بفاجر، وأنه موافق على أن يجيبه.
قال أبو جندل: (أي معشر المسلمين! أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً، ألا ترون ما قد لقيت؟! وكان قد عذب عذاباً شديداً في الله).
زاد ابن إسحاق: فقال رسول الله ﷺ : (يا أبا جندل! اصبر واحتسب فإنا لا نغدر، وإن الله جاعل لك فرجاً ومخرجاً).
يعني: ما دمنا عقدنا عقداً فلا بد أن نلتزم به؛ لأن الرسول ﵇ لم يوافق على أنه إذا جاءه مسلم يقهره على أن يعود إلى الكفر، لكن هو فقط لا يقبله التزاماً بهذا العقد، ووفاءً بالقسم الذي أقسمه أنهم لا يدعونه إلى خطة فيها تعظيم حرمات الله إلا أجابهم إليها، فقال: (يا أبا جندل! اصبر واحتسب فإنا لا نغدر، وإن الله جاعل لك فرجاً ومخرجاً).
وفي رواية أبي المليح: (فأوصاه رسول الله ﷺ قال: فوثب عمر مع أبي جندل يمشي إلى جنبه، عمر اقترب منه وأخذ يقول له: اصبر فإنما هم مشركون، وإنما دم أحدهم كدم كلب، ويدني بقائم السيف منه؛ يحرضه ليأخذ السيف ويضرب به أباه، فانظر إلى هذا الفعل من عمر! فـ عمر كان لا يستطيع أن يصرح له بقلته احتراماً للعهد، وحتى لا يغدر، فهو يعرض له بطريقة غير صريحة، حتى لا يكون ذلك طعناً في العقد.
قال: (فوثب عمر مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر فإنما هم مشركون، وإنما دم أحدهم كدم كلب قال: ويدني قائم السيف منه، قال عمر: رجوت أن يأخذه مني فيضرب به أباه؛ فضن الرجل بأبيه) يعني: بخل بأبيه، وعز عليه أن يقتل أباه.
قال الخطابي: تأول العلماء ما وقع في قصة أبي جندل على وجهين: أحدهما: أن الله قد أباح التقية للمسلم إذا خاف الهلاك، ورخص له أن يتكلم بالكفر مع إضمار الإيمان إن لم تمكنه التورية، يعني: السبب أن الرسول ﵇ رده إليهم أن له سعة ورخصة في أن يتقيهم كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، فيستطيع أن يستعمل التقية أو التعريض والتورية بحيث يوهم أنه ما زال مثلهم؛ حتى لا يصيبه الأذى الذي يصيبه، يعني: له سعة ورخصة في أن يكف عنه الأذى عن طريق التورية والتعريض، فلم يكن رده إليهم تسليماً لـ أبي جندل إلى الهلاك مع وجود السبيل إلى الخلاص من الموت بالتقية.
الوجه الثاني: أنه إنما رده إلى أبيه، وغالب الظن أن أباه لا يبلغ به الهلاك، ومهما عذبه فلن يبلغ به إلى حد أن يهلكه.
وأما ما يخاف عليه من الفتنة فإن ذلك امتحان من الله يبتلي به عباده المؤمنين، واختلف العلماء: هل يجوز الصلح مع المشركين على أن يرد إليهم من جاء مسلماً من عندهم إلى بلاد المسلمين أم لا؟ فقيل: نعم لما دلت عليه قصة أبي جندل وأبي بصير، وقيل: لا، وأن الذي وقع في قصة الحديبية منسوخ، وأن ناسخه حديث: (أنا بريء من كل مسلم أقام بين ظهراني المشركين)، هذا قول الحنفية، وعند الشافعية تفصيل: فالعاقل يرد، والمجنون والصبي لا يردان، وقال بعض الشافعية: ضابط جواز الرد أن يكون المسلم بحيث لا تجب عليه الهجرة من دار الحرب، والله تعالى أعلم.
стр. 2101
مراجعة عمر للنبي ﷺ وأبي بكر
قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: (فأتيت نبي الله ﷺ فقلت: ألست نبي الله حقاً؟ قال: بلى) وزاد الواقدي من حديث أبي سعيد قال عمر: (لقد دخلني أمر عظيم، وراجعت النبي ﷺ مراجعة ما راجعته مثلها قط)، وفي حديث سهل بن حنيف فقال عمر: (ألسنا على الحق وهم على الباطل؟! أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟! فعلام نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا؟! فقال: (يا ابن الخطاب! إني رسول الله ولن يضيعني الله)، فرجع عمر متغيظاً فلم يصبر حتى جاء أبا بكر، وظل يردد نفس العبارات لـ أبي بكر، والعجيب أن أبا بكر رد بنفس الأجوبة مع أنه لم يكن حاضراً الموقف! وهذا التوافق في هذه الردود من أمارات شدة المحبة.
قوله: (فرجع متغيظاً فلم يصبر حتى جاء أبا بكر) وفي رواية أخرى: فقال عمر: (اتهموا الرأي على الدين) يعني: يحذر المسلمين من أن يقابلوا أمر الله وأمر رسوله ﵊ وخبر الله وخبر رسوله بالتكذيب، فيجب على المسلم أن يسلم لأمر الله ورسوله ﵇، ولا يكون له الخيرة في أمره إذا قضى الله ورسوله أمراً، فيقول للصحابة: خذوا درساً وعبرة من موقفي هذا! وفي رواية ابن إسحاق: كان الصحابة لا يشكون في الفتح؛ لرؤيا رآها رسول الله ﷺ كما في آخر سورة الفتح: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ﴾ [الفتح:٢٧]، فلما رأوا الصلح دخلهم من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون، وعند الواقدي: أن النبي ﷺ كان رأى في منامه قبل أن يعتمر أنه دخل هو وأصحابه البيت، فلما رأوا أن ذلك في السنة المقبلة شق عليهم ذلك.
ويستفاد من هذا الفصل جواز البحث في العلم حتى يظهر المعنى، فيجوز للإنسان أن يسأل ويناقش إلى أن يتضح له المعنى؛ بدلالة هذا الحوار بين النبي ﵇ وبين عمر، وبين عمر وأبي بكر رضي الله تعالى عنهما وعن الصحابة أجمعين.
ويستفاد منه: أن الكلام يحمل على عمومه وإطلاقه حتى تظهر إرادة التخصيص والتقييد.
وهذا مأخوذ من قوله: (أأخبرتك أنك آتيه العام) يعني: أأخبرتك أنك تأتيه هذا العام؟ لكن هذا وعد، وهل هو موعد في وقت معين؟ لا، يعني: أنا أخبرتك أنك سوف تأتي البيت وتطوف به، لكن هل ذكرت لك الوقت الذي سوف تدخله؟ قال: لا، قال: (فإنك آتيه ومطوف به)، فهذا دليل على أن الكلام يحمل على عمومه وإطلاقه حتى تظهر إرادة التخصيص والتقييد، وإذا لم يرد مخصص ولا مقيد فالكلام على عمومه.
وفيه: أن من حلف على فعل شيء ولم يذكر مدة معينة لم يحنث حتى تنقضي أيام حياته.
стр. 2102
ثبات أبي بكر وموقفه الراسخ في صلح الحديبية
قوله: (فأتيت أبا بكر): لم يذكر عمر أنه راجع أحداً في ذلك بعد رسول الله ﷺ غير أبي بكر الصديق ﵁؛ وذلك لجلالة قدره، وسعة علمه عنده، ومثل هذه المواقف تثبت فعلاً أن أبا بكر هو الرجل الثاني في الإسلام بعد النبي ﵌، فتجد في سيرة أبي بكر العقل والثبات مع ما لـ عمر ﵁ من الفضائل، لكن عمر بعد أبي بكر في الترتيب.
ومن ذلك أيضاً موقف عمر عند وفاة النبي ﷺ ، حين تقارن بين موقف أبي بكر وموقف عمر رضي الله تعالى عنهما، وموقفهما عند قتال أهل الردة؛ هذه المواقف بلا شك تبين فضيلة أبي بكر رضي الله تعالى عنه على عمر.
وجواب أبي بكر لـ عمر بنظير ما أجابه النبي ﷺ سواء، دلالة على أنه كان أكمل الصحابة وأعرفهم بأحوال رسول الله ﷺ ، وأعلمهم بأمور الدين، وأشدهم موافقة لأمر الله تعالى.
ومواقف أبي بكر في هذا كثيرة جداً منها: أن الرسول ﵊ قبيل وفاته صعد المنبر وقال: (إن عبداً قد خيره الله بين زهرة الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله)، فبكى أبو بكر في الحال، فتعجب الصحابة لبكائه! فالرسول ﵊ يقول: (هناك عبد خيره الله بين زهرة الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله) فلماذا يبكي أبو بكر؟!
الجواب
لأن أبا بكر كان أفهم الصحابة وأعلمهم، وأحبهم لرسول الله ﵌ وأكملهم، ففهم أبو بكر من ذلك أن هذا العبد هو الرسول ﵇، وأنه على وشك أن يفارقهم، وأن الرسول كان ينعي نفسه إلى الصحابة رضي عنهم، لكن لم يفقه هذا إلا أبو بكر؛ لأنه أعرف الناس بحال النبي ﵌، وأعلمهم بأمور الدين، وأشدهم موافقة لأمر الله تعالى.
والمسلمون استنكروا الصلح المذكور، وقاموا على رأي عمر في ذلك، وسيأتي في حادثة الحلق وفي بقية القصة أن عامة المسلمين كانوا على موقف عمر فقد كانوا مبهوتين ومذهولين من هذا الموقف، واختص أبو بكر رضي الله تعالى عنه بهذا الموقف الثابت الحكيم الرائع، واستنكر المسلمون الصلح المذكور وكانوا على رأي عمر في ذلك.
وظهر من هذا الفصل أن الصديق ﵁ لم يكن في ذلك موافقاً له بل كان قلبه على قلب رسول الله ﵌ سواءً، والدليل في هذا التطابق في العبارات، والردود التي وجهها النبي ﵇ لـ عمر حين راجعه هي نفسها سواءً بسواء الردود التي ذكرها أبو بكر معه ويعني أبو بكر لم يكن حاضراً ذلك، وهذا يذكرنا بحادثة ابن الدغنة الذي وصف أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بنظير ما وصفت به خديجة ﵂ رسول الله ﵌، وأن تمام الموافقة من علامة المحبة، فالمحبة هي التوافق في كل شيء، فتجد المتحابين بينهما التوافق الغريب والعجيب، فـ خديجة لما وصفت الرسول ﵇ قالت: (والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق) وكذلك ابن الدغنة لما أراد أبو بكر أن يخرج من مكة أبى ذلك وقال له: إنك يا أبا بكر لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتحمل الكل إلى آخره، نفس العبارات التي قالتها خديجة رضي الله تعالى عنها، فاتفقت الصفات المتناسبة تماماً، وهكذا شأن المحبين التوافق في الصفات! يقول: (فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر! أليس هذا نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً؟! قال: أيها الرجل! إنه لرسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه فوالله إنه على الحق) والغرز للإبل بمنزلة الركب للفرس، والمراد به التمسك بأمره وترك المخالفة له كالذي يمسك بركب الفارس لا يفارقه.
قال عمر (أليس كان يحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أأخبرك أنك تأتيه العام؟ قال: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به).
قال الزهري: قال عمر: (فعملت لذلك أعمالاً) يعني: من الذهاب والمجيء والسؤال والجواب، وفي قول في تفسير (فعملت لذلك أعمالاً): أنه كان في حالة اضطراب شديد بسبب مراجعته في هذا الموقف، ولم يكن ذلك شكاً من عمر، بل حثاً على إذلال الكفار، لما عرف من قوته في نصرة الدين.
يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بعدما حكى هذا القول عن بعض القراء: وتفسير الأعمال بما ذكر مردود -يعني التفسير بالذهاب والمجيء والسؤال والجواب إلى آخره- يقول: بل المراد به: الأعمال الصالحة ليكفر عنه ما مضى من التوقف في الامتثال ابتداءً.
وقد ورد عن عمر التصريح بمراده بقوله: (أعمالاً)، ففي رواية ابن إسحاق: وكان عمر يقول: (ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ) يعني امتثالاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤].
وعند الواقدي من حديث ابن عباس قال عمر: (لقد أعتقت بسبب ذلك رقاباً وصمت دهراً).
إذاً: المقصود من قول عمر رضي الله تعالى عنه: (فعملت لذلك أعمالاً) لا يمكن أن يكون المراد بالأعمال أنه استمر يذهب ويجيء ويسأل ويحاور على سبيل الشك، وإنما على سبيل طلب الحكمة في هذا الأمر، ورفع الالتباس، وهذا القول مردود بدليل أن عمر صرح بمراده بهذه الأعمال، وهو أيضاً لم يذهب ولم يراجع إلا أبا بكر بعد الرسول ﵇؛ لأنه يعلم أن أبا أبكر أعقل الناس وأعلمهم وأفقههم، ولم يرجع بعد ذلك إلى أن يسأل أيضاً، فلم يتردد على أحدٍ من الصحابة بعد أبي بكر، والله تعالى أعلم.
والراجح أن نقاش عمر رضي الله تعالى عنه لا يمكن أن يكون شكاً في النبوة؛ لأن رواية ابن إسحاق فيها: أن أبا بكر لما قال له: (الزم غرزه، فإنه رسول الله) قال عمر: (وأنا أشهد أنه رسول الله)، وأيضاً الرسول ﵊ قال: (إني رسول الله ولست أعصيه)، إيماءً إلى أن هذا الفعل إنما فعله عن وحي يوحى.
يقول الحافظ: والذي يظهر أنه توقف ليقف على الحكمة في القصة، وتنكشف عنه الشبهة، ونظيره في قصته في الصلاة على عبد الله بن أبي وإن كان في الأولى لم يطابق اجتهاده الحكم، بخلاف الثانية، فلعل عمر طمع في أن يوافقه الوحي كما وافقه في أكثر من مناسبة، وإنما عمل الأعمال المذكورة لهذه، وإلا فجميع ما صدر منه كان معذوراً فيه، بل هو مأجور؛ لأنه ﵁ مجتهد فيه.
стр. 2103
أمر النبي ﷺ أصحابه بالنحر والحلق في الحديبية
يقول: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله ﷺ لأصحابه: (قوموا فانحروا ثم احلقوا)، قال: فوالله! ما قام منهم رجل.
كانوا في حالة من الغم والاكتئاب والحزن؛ بسبب ما شعروا أن الصلح هضم للمسلمين وإجحاف بهم.
قال: (قوموا فانحروا ثم احلقوا)، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: (يا نبي الله! أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً).
قوله: فلما فرغ من قضية الكتاب، وزاد ابن إسحاق: فلما فرغ الكتاب أشهد على الصلح رجالاً من المسلمين ورجالاً من المشركين، ومنهم: أبو بكر وعمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن سهيل بن عمرو ﵃ ومكرز بن حفص وهو مشرك.
قوله: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: (قوموا فانحروا ثم احلقوا)، وهم في حالة إحرام، وقد أحصروا عن البيت، وحال العدو بينهم وبين البيت، ومن أحكام الإحصار التحلل، فكان يجب أن يتحللوا ويحلقوا، فهم تباطئوا لشدة الغم والحزن من هذا الموقف، كيف بعد هذه المدة من الحرمان من البيت والكعبة أن يحال بينهم وبين الطواف؟! وقد كان عندهم أمل عظيم، وهم مستعدون أن يقاتلوا في سبيل أن يصلوا إلى الكعبة ويعتمروا فيها، فهذا كان سبب الصدمة الشديدة التي عانوا منها، فقال لهم النبي ﵊ بعدما فرغ من العقد والكتاب: (قوموا فانحروا ثم احلقوا)، وفي رواية أبي الأسود عن عروة: فلما فرغوا من القضية أمر رسول الله ﷺ بالهدي فساقه المسلمون يعني: إلى جهة الحرم، وكان يمكن أن يرسلوا الهدي إلى الحرم ويواعدوا شخصاً يأخذه وينحره في وقت معين.
يقول: فلما فرغوا من القضية أمر رسول الله ﷺ بالهدي فساقه المسلمون -يعني إلى جهة الحرم- حتى قام إليه المشركون من قريش فحبسوه، قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح:٢٥]، فمنعوا هذا الهدي أن يبلغ محله وهو داخل الحرم، فالمشركون منعوه من ذلك؛ فأمر رسول الله ﷺ الصحابة بالنحر في نفس المكان الذي هم فيه؛ حتى يتحللوا من الإحرام.
قوله: (فوالله ما قام منهم رجل) قيل: كأنهم توقفوا عن الامتثال لاحتمال أن يكون الأمر بذلك للندب، أو تباطئوا رجاء نزول الوحي لإبطال الصلح المذكور، أو تخصيصه بالإذن بدخولهم مكة ذلك العام لإتمام نسكهم، وسوغ لهم ذلك؛ لأنه كان زمان وقوع النسخ، ويحتمل أن يكونوا ألهتهم صورة الحال فاستغرقوا في الفكر لما لحقهم من الذل عند أنفسهم، مع ظهور قوتهم واقتدارهم في اعتقادهم على بلوغ غرضهم وقضاء نسكهم بالقهر والغلبة.
يعني: كانوا في حالة من الاندهاش والاستغراق في التفكير فيما ألم بهم، خاصة أنهم قادرون على أن يقاتلوا المشركين، وأن يصلوا إلى الكعبة بعد هذا الحرمان لسنوت طويلة، وحيل بينهم وبين العمرة أو الحج، فلذلك كانوا في غاية الغم والحزن والشعور بالذل، مع ظهور قوتهم واعتقادهم أنهم قادرون على أن يغلبوهم ويقهروهم، ويدخلوا إلى البيت الحرام أو أخروا الامتثال لاعتقادهم أن الأمر المطلق لا يقتضي الفور، ويحتمل مجموع هذه الأمور كما سيأتي من كلام أم سلمة، وليس فيه حجة لمن أثبت أن الأمر للفور، ولا لمن نفاه، ولا لمن قال: إن الأمر للوجوب لا للندب؛ لما يتطرق القصة من الاحتمال، والدليل إذا قارنه الاحتمال سقط به الاستدلال.
فالنبي ﷺ بعدما قال لهم ذلك ثلاث مرات ولم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، وفي رواية ابن إسحاق فقال لها: (ألا ترين إلى الناس! إني آمرهم بالأمر فلا يفعلونه!)، وفي رواية: (فاشتد ذلك عليه، فدخل على أم سلمة فقال: هلك المسلمون! أمرتهم أن يحلقوا وينحروا فلم يفعلوا!)، قال: فجلى الله عنهم يومئذ بـ أم سلمة: انكشف العذاب عنهم والإهلاك برأي أم سلمة الرأي الصائب والحكيم هو الذي رفع عنهم هذا الحرج، وهذا الضيق والهلاك الذي أوشك أن ينزل بهم.
قال: فجلى الله عنهم يومئذ بـ أم سلمة ﵂، فلما شكا إلى أم سلمة ما وجده من الناس، قالت أم سلمة: (يا نبي الله! أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم) زاد ابن إسحاق: قالت أم سلمة: (يا رسول الله! لا تكلمهم؛ فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح، ورجوعهم بغير فتح) يعني: هم في حالة إحباط شديد مستغرقين ومدهوشين مما يحصل، فـ أم سلمة التمست العذر للصحابة رضي الله تعالى عنهم، قالت: (يا رسول الله! لا تكلمهم فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح) ويحتمل أنها فهمت عن الصحابة أنه احتمل عندهم أن يكون النبي ﷺ أمرهم بالتحلل أخذاً بالرخصة في حقهم، ويحتمل أنها فهمت أن الصحابة فهموا أن الرسول ﵇ لما بقي على حالة الإحرام وهم محرمون أيضاً، فلما أمرهم أن يحلوا هم، رأوا أن الرسول ﵇ لم يتحلل، وهم سوف يتحللون، ولذلك جاءت نصيحتها صائبة تماماً حتى تذهب هذا الوهم، فلما حل من إحرامه كأنه قال: حتى أنا سأتحلل وسيجري عليكم ما سيجري علي، فربما كانوا فهموا قبل نصيحة أم سلمة ﵂ أنهم هم الذين سيتحللون أما الرسول فسيبقى على إحرامه.
يقول الحافظ: ويحتمل أنها فهمت عن الصحابة أنه احتمل عندهم أن يكون النبي ﷺ أمرهم بالتحلل أخذاً بالرخصة في حقهم، وأنه هو سيستمر على الإحرام أخذاً بالعزيمة في حق نفسه، فأشارت عليه أن يتحلل لينتفي عنهم هذا الاحتمال، وعرف النبي ﷺ صواب ما أشارت به ففعله، فلما رأى الصحابة ذلك بادروا إلى فعل ما أمرهم به إذ لم يبق بعد ذلك غاية تنتظر.
وفيه فضل المشورة، فإن الرسول ﷺ شاور أم سلمة، وأن الفعل إذا انضم إلى القول كان أبلغ من القول المجرد، وليس فيه أن الفعل مطلقاً أبلغ من القول، لكن الفعل إذا انضم إلى القول يكون أقوى من القول المجرد.
وفيه جواز مشاورة المرأة الفاضلة، خلافاً لأحاديث كثيرة موضوعة في هذا الأمر، مثل حديث: (شاوروهن وخالفوهن، فإن في مخالفتهن البركة)، ولا شك أن بعضهن كذلك، ولكن قد تكون المرأة عاقلة كـ أم سلمة، وممكن أن المرأة تتفوق على مئات من الرجال: فلو كان النساء كمن ذكرن لفضلت النساء على الرجال فما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال عموماً هذا موقف عظيم رواه البخاري، فالرسول ﵇ أخذ بمشورة أم سلمة، ومن سيرتها يعلم أنها امرأة عاقلة وحكيمة، وآتاها الله رجاحة العقل، ونحن نعرف أن كثيراً من النساء تقاس بمئات من الرجال؛ لرجاحة عقولهن وقوة رأيهن، لكن إن كن بخلاف ذلك فينبغي الحذر.
وفيه فضل المشورة، وأن الفعل إذا انضم إلى القول كان أبلغ من القول المجرد، وفيه جواز مشاورة المرأة الفاضلة وفضل أم سلمة ورجاحة عقلها حتى قال إمام الحرمين: لا نعلم امرأة أشارت برأي فأصابت إلا أم سلمة! وهذه مبالغة من إمام الحرمين، وإلا فنحن نستطيع أن نأتي بأدلة من القرآن والسنة والسيرة والتاريخ بخلاف ذلك، فمن ذلك: بلقيس كانت امرأة عاقلة في غاية الرجاحة، وانتهى بها عقلها إلى أن أسلمت مع سليمان لله رب العالمين.
كذلك ابنة شعيب في قصة موسى ما كان أعقلها في قولها: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]، فهذه من المشورة الصائبة، وأي شرف أعظم من أن يصاهر الرجل نبي الله وكليمه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام؟! كذلك امرأة فرعون لما قالت له: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ [القصص:٩].
وقد قال ﷺ : (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد).
أيضاً في العصر المتأخر من النساء اللاتي رجح عقلهن زوجة الإمام محمد بن سعود أمير الدرعية واسمها موضي بنت وهطان، فعندما أوى شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى إلى الأمير محمد بن سعود في الدرعية يستنصره ويطلبه بأن يساند هذه الدعوة بقوته وبأسه؛ كانت امرأته عاقلة جداً، ومن نوادر النساء، فقد انفردت بزوجها وشجعته، وكان من إخوته من هم تلامذة لشيخ الإسلام، فأتى أخواه وكلما زوجته أن الأمير محمد بن سعود لو أيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب سيكون ذلك فتحاً كبيراً، ونصراً عظيماً للإسلام، فرغبت هي زوجها وشجعته على أن يؤوي شيخ الإسلام ﵀ ويحميه، وبسبب ذلك وقعت هذه الحركة التجديدية التي لم يأت مثلها حتى اليوم وإلى أن يشاء الله .
ونظير هذا ما وقع لهم في غزوة الفتح من أمر
стр. 2104
دخول الناس في الإسلام بعد صلح الحديبية
في رواية الزهري: ثم انصرف رسول الله ﷺ قافلاً حتى إذا كان بين مكة والمدينة، نزلت سورة الفتح، قال الزهري: فما فتح في الإسلام قبله كان أعظم من فتح الحديبية، إنما كان القتال حيث التقى الناس، ولما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وأمن الناس؛ كلم بعضهم بعضاً، والتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ولم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئاً في تلك المدة إلا دخل فيه.
فهذا هو معنى كون صلح الحديبية فتحاً حقاً وصدقاً؛ لأن السيوف توقفت، وبالتالي بدأ إعمال العقول، وبدأ التفكير، وانطفأت حمية الجاهلية، يقول الإمام الزهري: فما في الإسلام فتح قبله كان أعظم من فتح الحديبية، إنما كان القتال حيث التقى الناس، ولما كانت الهدنة ووضعت الحرب، وأمن الناس، كلم بعضهم بعضاً، والتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ولم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئاً في تلك المدة إلا دخل فيه.
يعني: ما وجهت الدعوة في خلال تلك الفترة لأحد عنده شيء من العقل حتى لو كان عقله ضعيفاً، لكن عنده شيء من العقل إلا استجاب، فما بالك بمن عنده عقل وافر؟! يقول: لم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئاً في تلك المدة إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر.
يعني: تضاعف عدد المسلمين في خلال سنتين، فصلح الحديبية كان سنة من الهجرة، فهو يقصد بتينك السنتين: مدة الصلح، فقد كانت سنتين فقط؛ لأن المشركين نقضوه بعد مرور سنتين، وهم اتفقوا على مدة عشر سنين، لكن حصل أنهم نقضوا العهد، فبالتالي حصل فتح مكة بعد سنتين في سنة ٨ من الهجرة، فالإشارة إلى أن الواقع أن هذا الصلح استمر سنتين فقط؛ لأن المشركين نقضوا العهد وغدروا برسول الله ﷺ وبأحلافه، هذا هو المقصود.
يقول هنا: ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر.
يعني: من صناديد قريش.
ومما ظهر من مصلحة الصلح المذكور غير ما ذكره الزهري أنه كان مقدمة بين يدي الفتح الأعظم الذي دخل الناس عقبه في دين الله أفواجاً، وكانت الهدنة مفتاحاً لذلك، ولما كانت قصة الحديبية مقدمة للفتح سميت فتحاً -كما سيأتي في المغازي-؛ فإن الفتح في اللغة فتح المغلق، والصلح كان مغلقاً حتى فتحه الله، وكان من أسباب فتحه صد المسلمين عن البيت، يعني: هذا الصلح كان في الظاهر شراً لكنه في الحقيقة كان خيراً عند النظر للعاقبة.
قال: وكان في الصورة الظاهرة ضيماً للمسلمين، وفي الصورة الباطنة عزاً لهم، فإن الناس لأجل الأمن الذي وقع بينهم اختلط بعضهم ببعض من غير نكير، وأسمع المسلمون المشركين القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وكانوا قبل ذلك لا يتكلمون عندهم بذلك إلا خفية، وظهر من كان يخفي إسلامه، فذل المشركون من حيث أرادوا العزة، وأقهروا من حيث أرادوا الغلبة!
стр. 2105
هجرة النسوة المؤمنات حال الصلح
يقول: ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ [الممتحنة:١٠] حتى بلغ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:١٠]، فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية.
следующие страницы →