← Тафсир

Тафсир · id 37041

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (3 275 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

تفسير قوله تعالى: (وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) قال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات:١٩] أي: أن المحروم هو الفقير المتعفف، لكن من شدة تعففه يحسبه الجاهل غنياً كما قال الله : ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة:٢٧٣] فيحرم الصدقة. قال قتادة: هذان فقيرا أهل الإسلام: سائل يسأل بكفه، وفقير متعفف، ولكليهما عليك حق يا ابن آدم. وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: (ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه). وروى الإمام أحمد عن الحسين بن علي ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (للسائل حق وإن جاء على فرس) ورواه أبو داود، ثم أسنده من وجه آخر عن علي ﵁. ويدخل في المحروم كل من لا مال له، ومن هلك ماله بآفة، ومن حرم الرزق واحتاج، إلا أن أهم أفراده المتعفف، ولذا عوَّل عليه الأكثر، وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾: سوى الزكاة، يصلون بها رحماً، أو يقرون بها ضيفاً، أو يحملون بها كلاً.

стр. 2347

تفسير قوله تعالى: (وفي الأرض آيات للموقنين) ثم أشار تعالى إلى أنه لا حاجة إلى الخرص والتخمين في باب الاعتقادات، بل لابد من الدلائل الواضحات الكثيرة فقال: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات:٢٠] أي: وفي الأرض عبر وعظات لأهل اليقين الذين يقودهم النظر إلى ما تطمئن به النفس وينثلج له الصدر، فيرون فيها مما ذرأ من صنوف النباتات والحيوانات والوهاد والجبال والقفار والأنهار والبحار، ويرون آيات عظاماً وشواهد ناطقة بقدرة الصانع ووحدانيته ﷻ .

стр. 2348

تفسير قوله تعالى: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) قال تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]. في الحقيقة الآيات الأولى من سورة الذاريات إلى قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٣] تشتمل على آيات الله في الخلق وفي الوجود وفي أنفسنا، ويكفي أن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى شرح هذه الآيات القلائل في كتابه (التبيان في أقسام القرآن) في أكثر من مائة صفحة، شرحها مع كثير من التأمل قدر ما توافر له آنذاك من العلوم البشرية ما يعين الإنسان على التأمل في خلق الله ، والتوصل فعلاً إلى توحيد الله بالأدلة والبراهين المبثوثة في كل ما حولنا، ولذلك نحن نقول: إن التفكر ليس أمراً مستحباً فحسب، ولكنه فريضة على كل مسلم، قال سبحانه: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق:٥] هذا فعل أمر، والأمر ظاهره الوجوب، فيجب أن يتأمل الإنسان في مثل هذه الآيات، وقال النبي ﷺ : (لقد أنزلت علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]). فالتفكر وظيفة في غاية الأهمية بالنسبة للمؤمن لكي يزداد إيماناً ويقيناً. ولو وقفنا فقط -وبالذات في ضوء المكتشفات الحديثة والعلوم الحديثة كعلم الطب وعلم التشريح وغيرهما- مع قوله تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ لطال بنا الكلام جداً، لكن ننصح الإخوة بمطالعة كلام الإمام ابن القيم في كتابه (التبيان في أقسام القرآن) على هذه الجملة من الآيات طلباً للاختصار. قوله: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أي: في حال اهتدائها وتنقلها من حال إلى حال، واختلاف ألسنتها وألوانها، وما جبلت عليه من القوى والإرادات، وما بينها من التفاوت في العقول والأفهام، وما في تراكيب أعضائها من الحكم في وضع كل عضو منها في المحل المفتقر إليه، إلى غير ذلك مما لا يحصيه قلم كاتب ولا لسان بليغ. يعني: خلق الله إيانا في أحسن تقويم، وجعل كل عضو في أفضل مكان له، فلم يجعل الأذنين في مؤخرة الرأس مثلاً أو في الرجلين، ولم يجعل الفم أعلى الجبهة، أو الأنف في الخلف، بل تجد كل شيء وضع في موضعه، فالقواطع في مقدمة الفم، والأنياب تمزق الطعام على الجانبين، ثم الأضراس للطحن، فلو أن الأضراس هي التي كانت في مقدمة الفم لاختل هذا النظام، ومع ذلك يأتي السفهاء والملاحدة ويقولون: إن الأمر صدفة، قاتلهم الله أنى يؤفكون. إذاً: الله أمرنا بالتفكر والتدبر في المخلوقات، لو أنك درست علم التشريح أو علم وظائف الأعضاء، أو علم الأمراض أو غير ذلك من فروع العلوم كلها، مثل: علوم النباتات، أو علوم الهندسة النووية، أو العلوم الجينية، أو الهندسة الوراثية، إذا درست هذه بنية التأمل والتفكر في خلق الله كما أمرنا هنا وفي كثير جداً من الآيات فإنك تكون في عبادة. هذا العلم ما خلقه الله إلا ليدلنا عليه وعلى توحيده، وهذه العلوم لا تجافي علم الدين، بل الآيات كما قلنا مراراً نوعان: آيات تنزيلية، وآيات تكوينية، فالآيات التنزيلية هي آيات القرآن الكريم وآيات الوحي، وأما الآيات التكوينية فهي صفحة هذه المخلوقات التي تكشف عن صانعها وخالقها وهو الله ، كما قال الشاعر: فيا لك من آيات حق لو اهتدى بهن مريد الحق كن هواديا ولكن على تلك القلوب أكنة فليست وإن أصغت تجيب المناديا والكلام في هذا يطول. وأنشد الحافظ ابن أبي الدنيا في كتابه (التفكر والاعتبار) لشيخه أبي جعفر القرشي قوله: وإذا نظرت تريد معتبراً فانظر إليك ففيك معتبر أنت الذي تمسي وتصبح في الـ دنيا وكل أموره عبر أنت المصرف كان في صغر ثم استقل بشخصك الكبر أنت الذي تنعاه خلقته ينعاه منه الشعر والبشر أنت الذي تعطى وتسلب لا ينجيه من أن يسلب الحذر أنت الذي لا شيء منه له وأحق منه بما له القدر

стр. 2349

تفسير قوله تعالى: (وفي السماء رزقكم وما توعدون إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٢ - ٢٣] قوله: ((وفي السماء رزقكم وما توعدون) أي: في السماء المزن وهو السحاب، وعلى هذا فالمراد بالرزق هنا المطر؛ لأن المطر هو سبب الأقوات. قوله: ((وَمَا تُوعَدُونَ)) أي: من العذاب السماوي؛ لأن مؤاخذات المكذبين الأولين كانت من جهتها، والخطاب لمشركي مكة. ((فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)) أي: الذي خلقهما للاستدلال بهما على حقيقة ما أخبر ((إِنَّهُ لَحَقٌّ)). ((مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ)) أي: مثل نطقكم، والضمير في قوله: (إِنَّهُ) عائد لما ذكر من أمر الآيات والرزق. أو عائد على النبي ﷺ ، أو عائد على ما توعدون وهو أقرب مذكور، ويؤيد الأخير ذكر مصائر ووعيد المكذبين من قوم لوط وفرعون وعاد وثمود وقوم نوح وغيرهم، وبدأ منها بنبأ قوم لوط؛ لأن قراهم واقعة في ممر كفار قريش إلى فلسطين للاتجار، ومن ثم قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات:٢٤] إلى آخر الآيات.

стр. 2350

أقوال العلماء في كون الرزق من السماء وحقيقته يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: اختلف العلماء في المراد بكون رزق الناس في السماء: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾، فذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن المراد بذلك: أن جميع أرزاقهم منشؤها من المطر، والذي أنزل من السماء؛ لأنه يكثر في القرآن إطلاق اسم الرزق على المطر، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر:١٣] أي: ينزل لكم من السماء الماء الذي يكون بسببه نماء الرزق. وقال تعالى: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ﴾ [الجاثية:٥] أي: من مطر. وإنزاله تعالى الرزق من السماء بإنزال المطر من أعظم آياته الدالة على عظمته وأنه المعبود وحده، ومن أعظم نعمه على خلقه في الدنيا، ولذلك كثر الامتنان به في القرآن على الخلق. وقال بعض أهل العلم: معنى قوله تعالى: ((وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ)) أن أرزاقكم مقدرة مكتوبة، والله جل وعلا يدبر أمر الأرض من السماء، فهو سبحانه يدبر أمركم ويكتب أرزاقكم وأجلكم في السماء، كما قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥]. والمراد بقوله: ((وما توعدون)) كما قال بعض أهل العلم: الجنة؛ لأن الجنة فوق السماوات، فإطلاق كونها في السماء إطلاق عربي صحيح؛ لأن العرب تطلق السماء على كل ما علاك، فسقف المسجد، وسقف البيت يسمى سماء، وشاهد ذلك من القرآن قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج:١٥] أي: من كان يظن أن الله لا ينصر نبيه محمداً ﵇ ويجعل له العاقبة، فليربط الحبل إلى سقف الحجرة، ثم يفصل نفسه عن الأرض بالوقوف على الكرسي والحبل في عنقه، وبالتالي يشنق نفسه بهذه الطريقة. فالشاهد هنا: أن ((فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ)) يعني: أن كل ما علاك يطلق عليه سماء؛ ولذلك قال الشاعر: وقد يسمى سماء كل مرتفع وإنما الفضل حيث الشمس والقمر ولما حكى النابغة الجعدي شعره المشهور، قال فيه: (بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا فقال له ﷺ : إلى أين المظهر يا أبا ليلى؟ قال: إلى الجنة، قال: أجل إن شاء الله). وقال بعض أهل العلم: ((وَمَا تُوعَدُونَ)) أي: ما توعدون من الخير والشر كله مقدر في السماء، وهذا المعنى فيما يوعدون به أنسب للمعنى الثاني في الرزق، وهو أن أرزاقكم مقدرة مكتوبة والله يدبر أمر الأرض من السماء. وقد وردت قصص تدل على أنه هو الذي يتبادر إلى ذهن السامع، ومن ذلك ما ذكره غير واحد عن سفيان الثوري أنه قال: قرأ واصل الأحدب هذه الآية: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾، فقال: أنا أرى رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض، فدخل خربة فمكث ثلاثاً لا يصيب شيئاً فلما كان اليوم الثالث إذا هو بدوخلة من رطب، وكان له أخ أحسن منه رأياً، فدخل معه فصارتا دوخلتين، فلم يزل ذلك دأبهما حتى فرق بينهما الموت. وعن الأصمعي قال أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابي على قعود له، فقال: ممن الرجل؟ قلت: من بني أصمع. قال: من أين أقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن. قال: اتل علي. قال: فقرأت عليه من أول سورة الذاريات حتى بلغت قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ فقال الأعرابي: حسبك، فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر، وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى، فلما حججت مع الرشيد فصرت أطوف، فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رفيع، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر فسلم علي وقال: اتل علي سورة الذاريات، فلما بلغت الآية صاح، وقال: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، ثم قال: وهل غير هذا؟ فقرأت: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾، فصاح وقال: يا سبحان الله! من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف، لم يصدقوه في قوله حتى ألجئوه إلى اليمين، قال ذلك ثلاث مرات، وخرجت معها نفسه. فهذه النقول وهذه القصص تدل على أنهم فهموا من قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ أن الأرزاق يكتبها الله ويقدرها، وكذلك ما توعدون من خير أو شر إنما هو أمر مقدر في السماء، وقد قال النبي ﵌: (لو أن ابن آدم يهرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت).

стр. 2351

تفسير سورة الذاريات [٢٤ - ٦٠]

стр. 2352

تفسير قوله تعالى: (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين) انتهينا في تفسير سورة الذاريات إلى قول الله ﵎: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات:٢٤] وقلنا من قبل: إن الضمير في قوله تعالى: ((إنه لحق)) يحتمل أن يعود إلى ما ذكر من الآيات والرزق، أو يعود إلى أمر النبي ﷺ ، أو يعود إلى قوله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢] أي: أن ما توعدون من العذاب السماوي لحق، ومما يؤيده أن الله أتبع ذلك بأنباء وعيد المكذبين، فبدأ منها بنبأ قوم لوط ﵇؛ لأن قراهم واقعة في طريق كفار قريش، فكانوا يمرون في أثناء أسفارهم على قراهم قوم لوط، فبدأ الله تعالى بذكر قصة تعذيب قوم لوط، وإن كان بدأها بذكر خبر إبراهيم: ((هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ)). ومناسبة ذكر قصة إبراهيم هنا مع أن الهدف الأساسي لذهاب الملائكة ومرورهم بإبراهيم ﵇ إنما كان لإهلاك قوم لوط، لكنهم قبل أن يذهبوا مروا بإبراهيم لتبشيره بالولد. قوله: ((هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ)) يعني: الملائكة الذين دخلوا عليه في صورة ضيف. قال الزمخشري: ((هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ)) هذا فيه تفخيم للحديث، وتنبيه على أنه ليس من عند رسول الله ﷺ ، وإنما عرفه بالوحي. ((الْمُكْرَمِينَ)) أي: أنهم في أنفسهم مكرمون؛ لأن الملائكة كرام، وهذا وصف ثابت للملائكة، أو أن الخليل إبراهيم ﵇ أكرمهم بنفسه غاية الإكرام وأخدمهم امرأته ونحو ذلك مما سنذكره من ملامح كرم ضيافة إبراهيم ﵇ لهؤلاء الملائكة.

стр. 2353

تفسير قوله تعالى: (إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً إنه هو الحكيم العليم) قال تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات:٢٥ - ٣٠]. قوله: ((إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ)) أي: سلام عليكم. ((قَوْمٌ مُنكَرُونَ)) أي: أنتم قوم لا أعرفكم. وهذا كالسؤال منه عن أحوالهم ليعرفهم، فإن قولك لمن لقيته: أنا لا أعرفك عرفني نفسك وصفها. ((فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِن)) أي: ذهب إليهم في خفية من ضيوفه، ومن أدب المضيف أن يخفي أمره، وأن يبادر بالقرى من غير أن يشعر به الضيف، حذراً من أن يكفه ويعذره؛ لأن الضيف إذا سألته: هل نعد لك الطعام أم لا؟ سوف يستحي وفي الغالب أنه يقول: لا، ويكفك عن أن تكرمه، لكن الكريم كإبراهيم ﵇ لشدة حرصه على إكرام ضيوفه لم يستأذن الضيف، ولم يخبرهم بأنه سيعد الطعام أو كذا، وإنما ذهب خفية، وهذا من غاية الإكرام. عن أبي عبيد قال: إنه لا يقال: راغ إلا إذا ذهب على خفية؛ لأن الروغ فيه معنى الاستخفاء، ولذلك يقال: روغ اللقمة إذا غمسها في السمن تماماً حتى رويت من السمن. ((فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ)) أي: قد أنضجه وشواه. قوله: ((فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ)) أي: وضعه بين أيديهم. ((قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ)) أي: منه. قال القاضي: وهو مشعر بكونه حنيذاً، يعني: مشوياً، والهمزة في قوله: (أَلا تَأْكُلُونَ) للعرض والحث على الأكل على طريقة الأدب، فقوله: ((أَلا تَأْكُلُونَ)) أفضل من أن يقول: كلوا؛ لأن في قوله: ((أَلا تَأْكُلُونَ)) حث على الأكل على طريقة الأدب وفيه تلطف بهم. أو أنه قال هذه العبارة: ((أَلا تَأْكُلُونَ)) حينما رأى إعراضهم عن الطعام، فللإنكار عليهم قال: ((أَلا تَأْكُلُونَ)). ((فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً)) أي: أضمر الخيفة؛ لظنه أنهم أرادوا به سوءاً. ((قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ)) أي: يبلغ ويكمل علمه. ((فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ)) أي: صيحة. ((فَصَكَّتْ وَجْهَهَا)) أي: لطمت وجهها تعجباً على عادة النساء في كل غريب عندهن، ((وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ)) أي: عاقر ليس لي ولد. ((قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ)) أي: مثل الذي قلنا وأخبرنا به قال ربك، فإنما نخبرك عن الله فاقبلي قوله ولا تتوهمي عليه خلاف الحكمة. ((إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ)).

стр. 2354

حقيقة الغلام المبشر به إبراهيم وحقيقة أمه قوله: ((وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ)) من الغلام؟ هو إسحاق ﵇؛ لقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١] ولأن في نفس هذه القصة في سورة هود جاء نفس سياق ضيافة إبراهيم ﵇ لهؤلاء الملائكة. هناك أمر آخر في قوله تعالى: ((فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ)) العجوز العقيم؟ هي سارة امرأته وقد كانت حرة، أما هاجر فكانت أمة؛ ولذلك قال: ((فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ)) فأبدت السبب من جهتها، وفي سورة هود أبدت السبب من جهتها ومن جهة إبراهيم ﵇ ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود:٧٢] فهذا إنما كان في حق سارة وليس في حق هاجر.

стр. 2355

كلام ابن القيم في جلاء الأفهام عن تفسير الآيات الأول من سورة الذاريات الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى له كلام قيم جداً في تفسير هذه الآيات، يقول رحمه الله تعالى: ((هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ)) إلى آخر الآيات، في هذا ثناء على إبراهيم ﵇ من وجوه متعددة:

стр. 2356

الوجه الأول: معنى الإكرام في قوله: (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين) الوجه الأول: أنه وصف ضيفه بأنهم مكرمون، فعلى أحد القولين: أنه إكرام إبراهيم لهم، والقول الآخر: أنهم المكرمون عند الله، ولا تنافي بين القولين؛ فالآية تدل على المعنيين.

стр. 2357

الوجه الثاني: عدم ذكر استئذان الضيف حين دخلوا على إبراهيم وسبب ذلك الوجه الثاني: قوله تعالى: ((إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ)) فلم يذكر استئذانهم وفي هذا دليل على أنه كان قد عرف واشتهر بإكرام الضيفان، واعتياد قراهم، فبقي منزله مضيفة مطروقاً لمن ورد، وهو لا يحتاج إلى الاستئذان، بل استئذان الداخل دخوله، وهذا غاية ما يكون من الكرم. أي: أن إبراهيم ﵇ جعل بابه مفتوحاً والطعام مهيئاً.

стр. 2358

الوجه الثالث: الفرق بين سلام الملائكة على إبراهيم وسلامه عليهم قوله: ((إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا)) ما إعراب (سلاماً)؟ مفعول مطلق بمعنى: نسلم عليك سلاماً. فقال إبراهيم: (سلام) أي: سلام عليكم. أيهما أفضل تحية الملائكة أم تحية إبراهيم؟ تحية إبراهيم أفضل؛ لأن الرفع في اللغة العربية أكمل من النصب. يقول ابن القيم: الوجه الثالث: قوله لهم: (سلام) بالرفع وهم سلموا عليه بالنصب، والسلام بالرفع أكمل؛ فإنه يدل على الجملة الاسمية الدالة على الثبوت واللزوم، والمنصوب يدل على الفعلية الدالة على الحدوث والتجدد، فإبراهيم حياهم بتحية أحسن من تحيتهم، فإن قولهم: (سلاماً) يدل على سلمنا سلاماً، وقوله: (سلام) أي: سلام عليكم.

стр. 2359

الوجه الرابع: وجه حذف المبتدأ في قوله: (قوم منكرون) الوجه الرابع: أنه حذف المبتدأ من قوله: ((قوم منكرون))، فإنه لما أنكرهم ولم يعرفهم احتشم من مواجهتهم بلفظ ينفر الضيف، كأن يقول لهم: أنتم قوم منكرون، فحذف المبتدأ هنا من ألطف الكلام. وإنما قال: ((قوم منكرون))، فلم يعين من هؤلاء القوم، ولم يقل لهم: أنتم قوم منكرون.

стр. 2360

الوجه الخامس: وجه حذف الفاعل في قوله: (قوم منكرون) الوجه الخامس: أنه بنى الفعل للمفعول وحذف فاعله، فقال: ((قوم منكرون)) ولم يقل: إني أنكركم، وهو أحسن في هذا المقام وأبعد من التنفير والمواجهة بالخشونة.

стр. 2361

الوجه السادس: عدم إشعار الضيف بإعداد الطعام من كرم الضيافة الوجه السادس: أنه راغ إلى أهله ليجيئهم بنزلهم، والروغان: هو الذهاب في اختفاء بحيث لا يكاد يشعر به الضيف، وهذا من كرم رب المنزل المضيف أن يذهب في اختفاء بحيث لا يشعر به الضيف، فيشق عليه ويستحي، فلا يشعر به إلا وقد جاءه بالطعام، بخلاف من يسمع ضيفه ويقول له أو لمن حضر: مكانكم حتى آتيكم بالطعام ونحو ذلك مما يوجب حياء الضيف واحتشامه. وأفظع من هذا من يقول له: نعد لك العشاء أو تنام قليلاً، فهذا مما يؤخذ من قوله: ((فراغ إلى أهله))، وفي الآية الأخرى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود:٦٩]، قوله: ((فما لبث)) يعني: اختفى وقتاً يسيراً؛ لأن طول الغيبة عن الضيف يشعره بالاحتشام، وأنه أثقل على أهل البيت، بحيث أنهم انقطعوا عن أعمالهم وصاروا يعدون له الطعام، لكن اختفى يسيراً ليجيئهم بنزلهم.

стр. 2362

الوجه السابع: من الكرم استعداد أهل البيت لطروق الضيف في كل وقت الوجه السابع: أنه ذهب إلى أهله فجاء بالضيافة، فدل على أن ذلك كان معداً عندهم مهيئاً للضيفان، ولم يحتج أن يذهب إلى غيرهم من جيرانه أو غيرهم فيشتريه أو يستقرضه. أي: أنه كان دائماً يعد الطعام لنزل الضيوف، فلم يذهب ليشتريه، أو ليستقرضه من جيرانه، أو يفعل شيئاً من هذا؛ لأنه ﵇ المتصف بهذا الكرم الشديد البليغ.

стр. 2363

الوجه الثامن: من كرم الضيافة خدمة صاحب البيت للضيف بنفسه قوله: ((فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ))، دل على خدمته للضيف بنفسه. أي: أن من إكرام الضيف أن يقوم صاحب البيت على خدمته كائناً من كان، وليس من المروءة استخدام الضيف، ويمكن أن يستعين بالغلمان أو الخدم أو كذا، لكن إبراهيم ﵇ لم يفعل ذلك وإنما خدم الضيف بنفسه، وهذا أبلغ في إكرام الضيف.

стр. 2364

الوجه التاسع: من كرم الضيافة الإتيان بكل الذبيحة للضيف الوجه التاسع: أنه جاء بعجل كامل ((فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ)) ولم يأت ببضعة منه. أي: لم يقطعه أو يأتي بجزء منه، وهذا من تمام كرمه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. فهو تركهم وشأنهم يختارون ما يستحسنونه من أجزاء هذا العجل.

стр. 2365

الوجه العاشر: من كرم الضيافة اختيار الذبيحة السمينة للضيف لا الهزيلة العاشر: أنه سمين لا هزيل ((فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ)) أي: غير هزيل. ومعلوم أن ذلك من أفخر أموالهم، ومثله يتخذ للاقتناء والتربية، فآثر به ضيفانه.

стр. 2366

الوجه الحادي عشر: من كرم الضيافة تقريب الطعام إلى الضيف الحادي عشر: أنه قربه إليهم بنفسه ولم يأمر خادمه بذلك: ((فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ))، فالطعام يقرب للضيف حيث هو جالس، وهذا من تمام الكرم، ولم يأمر خادمه بأن يحمله ويقربه إليهم، لكن قربه بنفسه. وأنه قربه إليهم ولم يقربهم إليه، وهذا أبلغ في الكرامة بحيث يجلس الضيف ثم يقرب الطعام إليه ويحمله إلى حضرته، ولا يضع الطعام في ناحية ثم يأمر الضيف بأن يتقرب هو إليه. فمن كرم الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أنه هو الذي قربه إليهم، فالطعام هو الذي يقرب إليهم وليس الضيوف هم الذين يقربون إلى الطعام.

стр. 2367

الوجه الثاني عشر: من كرم الضيافة التلطف في القول عند ابتداء الأكل الثالث عشر: أنه قال: ((أَلا تَأْكُلُونَ)) وهذا عرض وتلطف في القول، وهو أحسن من قوله: كلوا أو مدوا أيديكم، وهذا مما يعلم الناس بعقولهم حسنه ولطفه، ولهذا يقولون: باسم الله ألا تتصدق؟ ألا تجبر؟ ونحو ذلك من العبارات التي فيها التلطف بالضيف.

стр. 2368

الوجه الثالث عشر: سبب عرض إبراهيم الأكل على ضيوفه الرابع عشر: أنه إنما عرض عليهم الأكل؛ لأنه رآهم لا يأكلون؛ ولأن عادة إبراهيم ﵇ أن ضيوفه لم يكونوا يحتاجون إلى الإذن في الأكل، فعادة ضيوف إبراهيم ﵇ أنه كان إذا قدم إليهم الطعام أكلوا، وهؤلاء الضيوف خالفوا هذه العادة، فاستوحش وأوجس منهم خيفة، أي: أحسها وأضمرها في نفسه ولم يبدها لهم، فقال: ((أَلا تَأْكُلُونَ)).

стр. 2369

الوجه الرابع عشر: من كرم الضيافة عدم إظهار الريبة والخوف عند عدم أكل الضيوف الخامس عشر: أنهم لما امتنعوا من الأكل لطعامه خاف منهم ولم يظهر لهم، أي أنه لم يصرح بذلك وإنما سألهم هذا السؤال (( أَلا تَأْكُلُونَ)) كأنه يستكشف سر رفضهم الطعام؛ لأن العادة أن من أكل طعامك فإنك تستريح إليه وتطمئن إليه وتأمن من شره، أما إذا لم يأكل الطعام فقد تشك وتظن أنه أتى يريد أن يفعل بك شراً، فإبراهيم لما خاف منهم لم يظهر لهم ذلك. قوله: فلما علمت الملائكة منه ذلك قالوا: ((لا تخف وبشروه بالغلام)). فقد جمعت هذه الآية آداب الضيافة التي هي أشرف الآداب، وما عداها فهي من التكلفات التي هي تخلف وتكلف. أي: تخلف عن أخلاق الإسلام وآداب الإسلام وأخلاق إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فانظروا إلى آداب الضيافة، لا كهذه الأفعال المتكلفة التي يلتقطها بعض الناس من آداب الكفار مما يسمونه: آداب (الإتكيت) وهذه الأشياء كلها تكلف وسخافة، كأن يضع الشوكة في اليد اليسار والسكين في اليمين وغير ذلك من الأفعال التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي إذا قارنها بأخلاق الإسلام وآداب الإسلام، فإنك لا تجد وجه مقارنة على الإطلاق. ثم يقول: فقد جمعت هذه الآية آداب الضيافة التي هي أشرف الآداب، وما عداها من التكلفات التي هي تخلف وتكلف إنما هي من أوضاع الناس وعوائدهم، وكفى بهذه الآداب شرفاً وفخراً، فصلى الله على نبينا وعلى إبراهيم وعلى آلهما وعلى سائر النبيين.

стр. 2370

كلام ابن القيم في كتابه زاد المهاجر عن مدح الله وثنائه على إبراهيم في سورة الذاريات وغيرها تكلم ابن القيم في موضع آخر عن قول الله تعالى: ((هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ)) إلى قوله: ((إنه هو الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ)) فقال ﵀: فعهدي بك إذا قرأت هذه الآية وتطلعت إلى معناها وتدبرتها، فإنما تطلع منها على أن الملائكة أتوا إبراهيم في صورة الأضياف يأكلون ويشربون، وبشروه بغلام عليم، وإنما امرأته عجبت من ذلك فأخبرتها الملائكة أن الله قال ذلك، ولم يتجاوز تدبرك غير ذلك، فاسمع الآن بعض ما في هذه الآيات من أنواع الأسرار، وكم قد تضمنت من الثناء على إبراهيم، وكيف جمعت الضيافة وحقوقها، وما تضمنت من الرد على أهل الباطل من الفلاسفة والمعطلة، وكيف تضمنت علماً عظيماً من أعلام النبوة، وكيف تضمنت جميع صفات الكمال التي ردها إلى العلم والحكمة، وكيف أشارت إلى دليل إمكان المعاد بألطف إشارة وأوضحها، ثم أفصحت وقوعه، وكيف تضمنت الإخبار عن عدل الرب وانتقامه من الأمم المكذبة. إلى أن قال رحمه الله تعالى: افتتح سبحانه القصة بصيغة موضوعة للاستفهام، وليس المراد بها حقيقة الاستفهام، ولهذا قال بعض الناس: إن (هل) في مثل هذا الموضع بمعنى قد التي تقتضي التحقيق. أي: مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١] ثم قال: ولكن في ورود الكلام في مثل هذا بصيغة الاستفهام سر لطيف ومعنى بديع، فإن المتكلم إذا أراد أن يخبر المخاطب بأمر عجيب ينبغي الاعتناء به وإحضار الذهن له صدر له الكلام بأداة الاستفهام؛ لتنبيه سمعه وذهنه للمخبر به، فتارة يصدره بألا، مثل: قوله ﷺ : (ألا أخبركم بأكبر الكبائر). ثم قال: وتارة يصدره بهل كقوله: هل علمت ما كان من كيت وكيت، إما مذكراً به، وإما واعظاً له مخوفاً، وإما منبهاً على عظمة ما يخبر به، وإما مقرراً له. فقول الله تعالى: ﴿هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [النازعات:١٥]، وقوله تعالى: ﴿َهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ [ص:٢١]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١]، وقوله هنا: ((هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ)) متضمن لتعظيم هذه القصص والتنبيه على تدبرها ومعرفة ما تضمنته.

стр. 2371

إخبار الله لنبيه محمد ﵊ بقصة إبراهيم علم من أعلام النبوة وصدقها وفيه أمر آخر: وهو التنبيه على أن إتيان هذا إليك علم من أعلام النبوة. أي: إشارة إلى أنك من قبل القرآن ما كنت تعلم شيئاً من هذه الأحاديث، يقول : ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود:٤٩] فكذلك قوله تعالى هنا: ((هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ)) إشارة إلى أن الرسول ﵊ لا ينطق إلا بالوحي، وأن ما علمه من هذه الأخبار إنما هو بوحي لم يكتسبه بنفسه. ثم قال: فهذا العلم الذي يأتيك علم من أعلام النبوة فإنه من الغيب الذي لا تعلمه أنت ولا قومك، فهل أتاك من غير إعلامنا وإرسالنا وتعريفنا أم لم يأتك إلا من قبلنا؟ فانظر ظهور هذا الكلام بصيغة الاستفهام، وتأمل عظمة موقعه من جميع موارده، يشهد أنه من الفصاحة في ذروتها العليا.

стр. 2372

ثناء الله على إبراهيم بوصف ضيفه بالمكرمين وقوله تعالى: ((ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ)) متضمن لثنائه على خليله إبراهيم، فإن في المكرمين قولين: أحدهما: إكرام إبراهيم لهم، ففيه مدح إبراهيم بإكرام الضيف. والثاني: أنهم مكرمون عند الله كقوله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦] وهو متضمن أيضاً لتعظيم خليله ومدحه؛ إذ جعل ملائكته المكرمين أضيافاً لإبراهيم، فعلى كلا التقديرين فيه مدح لإبراهيم. تخيل لما يأتي إنسان له منصب كبير ويزور أحد الناس، فإنه يريد أن ينشر ذلك في الأخبار والجرائد في اليوم الثاني وفي الصفحة الأولى أن فلاناً زاره، أو أن فلاناً أفطر عنده، أو تغدى عنده ويفخر بذلك، فكيف إذا كان إبراهيم ﵇ مضيفاً للملائكة الذين وصفهم الله بأنهم عباد مكرمون؟! فهذا أيضاً فيه ثناء على إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

стр. 2373

الثناء على إبراهيم بكون تحيته للملائكة أكمل وأحسن من تحيتهم له يقول ابن القيم وقوله: ((فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ)) [الذاريات:٢٥] متضمن لمدح آخر لإبراهيم، حيث رد ﵈ أحسن مما حيوه به، فإن تحيتهم باسم منصوب متضمن لجملة فعلية تقديره: سلمنا عليك سلاماً، وتحية إبراهيم لهم باسم مرفوع متضمن لجملة اسمية تقديره: سلام دائم أو ثابت أو مستقر عليكم، ولا ريب أن الجملة الاسمية تقتضي الثبوت واللزوم، والفعلية تقتضي التجدد والحدوث، فكانت تحية إبراهيم أكمل وأحسن.

стр. 2374

أوجه المدح لإبراهيم في قوله: (قوم منكرون) يقول ابن القيم: ((قَوْمٌ مُنكَرُونَ)) فيه من حسن مخاطبة الضيف والتذمم منه وجهان في المدح: أحدهما: أنه حذف المبتدأ والتقدير: أنتم قوم منكرون، فتذمم منهم ولم يواجههم بهذا الخطاب لما فيه من الاستيحاش. وكان النبي ﷺ لا يواجه أحداً بما يكرهه، بل يقول: (ما بال أقوام يقولون كذا ويفعلون كذا). والثاني: قوله: ((قَوْمٌ مُنكَرُونَ)) فحذف فاعل الإنكار وهو الذي كان أنكرهم، حيث لم يقل: أنا أنكركم، كما قال في موضع آخر: (نكِرَهم) ولا ريب أن قوله: ((قَوْمٌ مُنكَرُونَ)) ألطف من أن يقول: أنكرتهم.

стр. 2375

وجه الثناء والمدح لإبراهيم في قوله: (فراغ إلى أهله) قوله: ((فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ)) متضمن وجوهاً من المدح وآداب الضيافة وإكرام الضيف. منها: قوله: ((فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ)) والروغان: الذهاب بسرعة واختفاء، وهو يتضمن المبادرة إلى إكرام الضيف، والاختفاء يتضمن ترك تخجيله وألا يعرض للحياء، وهذا بخلاف من يتثاقل ويتبارد على ضيفه. أي: بخلاف من يكون بارداً بطيء الحركة أو هادئ الأعصاب لا يبالي بهذا الأمر. وقوله: فهذا بخلاف من يتثاقل ويتبارد على ضيفه، ثم يبرز بمرأى منه، ويحل صرة النفقة ويزن ما يأخذ. هذا من قبل حيث كانت الأموال من الدراهم والدنانير توزن، وفي معناها الآن الريالات والفلوس كأن يفتح الدرج أو المحفظة ويخرج الفلوس ليشتري بها الطعام للضيف أمام الضيف. فيقول: وهذا بخلاف من يتثاقل ويتبارد على ضيفه ثم يبرز بمرأى منه، ويحل صرة النفقة ويزن ما يأخذ، ويتناول الإناء بمرأى منه، ونحو ذلك مما يتضمن تخجيل الضيف وحياءه، فلفظة (راغ) تنفي هذين الأمرين. وفي قوله تعالى: ((فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ)) مدح آخر له لما فيه من الإشعار أن كرامة الضيف معدة حاصلة عند أهله، وأنه لا يحتاج أن يستقرض من جيرانه ولا يذهب إلى غير أهله؛ إذ قرى الضيف حاصل عندهم.

стр. 2376

وجه الثناء والمدح لإبراهيم في قوله: (فجاء بعجل سمين) وتنوع ذلك وقوله: ((فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ)) [الذاريات:٢٦] هذا يتضمن ثلاثة أنواع من المدح. أحدها: خدمة ضيفه بنفسه فإنه لم يرسل به وإنما جاء به بنفسه. الثاني: أنه جاءهم بحيوان تام لم يأتهم ببعضه ليتخيروا من أطيب لحمه ما شاءوا. الثالث: أنه سمين ليس بمهزول، وهذا من نفائس الأموال، فإنهم يعجبون بولد البقر السمين، فمن كرمه هان عليه ذبحه وإحضاره.

стр. 2377

وجه الثناء والمدح لإبراهيم في قوله: (فقربه إليهم فقال ألا تأكلون) قوله: ((فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ)) متضمن المدح وآداباً أخرى، وهو إحضار الطعام بين يدي الضيف، بخلاف من يهيئ الطعام في موضع ثم يقيم ضيفه فيورده عليه. وقوله: ((أَلا تَأْكُلُونَ)) فيه مدح وآداب أخر، فإنه عرض عليهم الأكل بقوله: ((أَلا تَأْكُلُونَ))، وهذه صيغة عرض مؤذنة بالتلطف، بخلاف من يقول: ضعوا أيديكم في الطعام كلوا تقدموا ونحو هذا. قوله: ((فأوجس منهم خيفة)) لأنه لما رآهم لا يأكلون من طعامه أضمر منهم خوفاً أن يكون معهم شر؛ فإن الضيف إذا أكل من طعام رب المنزل اطمأن إليه وأنس به، فلما علموا منه ذلك ((قالوا لا تخف)) أي: قد فهمنا أنك قد خفت منا، وأفهموه أنهم ملائكة والملائكة لا تأكل ولا تشرب، وهذا هو السبب والعذر الذي من أجله لم يأكلوا ((قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم)).

стр. 2378

حقيقة الغلام المبشر به في قوله تعالى: (وبشروه بغلام عليم) يقول ابن القيم: وهذا الغلام إسحاق لا إسماعيل. موضوع الآيات التي فيها الخلاف هي الآيات المتعلقة بالذبيح هل هو إسماعيل أم إسحاق؟ قطعاً هو إسماعيل ﵇ بخلاف ما يقوله أهل الكتاب، ووافقهم للأسف بعض العلماء. قوله: وهذا الغلام إسحاق لا إسماعيل؛ لأن امرأته عجبت من ذلك فقالت: عجوز عقيم لا يولد لمثلي، فأنى لي بالولد، وأما إسماعيل فإنه من سريته هاجر، وكان بكره وأول ولده، وقد بين سبحانه هذا في سورة هود في قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١]. أي: بشرناه بإسحاق وزيادة على إسحاق أنه سوف يرزق من إسحاق ولداً ويعيش حتى يرى هذا الولد الذي هو يعقوب ((فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ)) وهذا يفهم منه أن إسحاق سيعيش حتى يبلغ مبلغ الرجال وينكح ويولد له. أما الذبيح فقد كان غلاماً وهو إسماعيل، قال الله : ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢] فلو كان هو إسحاق لتنافى مع هذه الآية؛ لأن البشارة أخبرت أن إسحاق سوف يعيش إلى أن يتزوج بل ويولد له يعقوب، فيصدق هذا على إسماعيل وليس على إسحاق، وهذه القصة التي في سورة هود: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١] هي نفس هذه القصة التي وردت في سورة الذاريات من الإكرام لهؤلاء الضيفان.

стр. 2379

ظهور ضعف المرأة من خلال قوله: (فصكت وجهها) قوله تعالى: ((فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا)) يقول ابن القيم: فيه بيان ضعف عقل المرأة وعدم ثباتها إذ بادرت إلى الندبة فصكت الوجه عند هذا الإخبار. كما قال القاسمي رحمه الله تعالى في تفسيره هنا: ((فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ)): أي: في صيحة. ((فَصَكَّتْ وَجْهَهَا)) أي: لطمت وجهها تعجباً. وليس هذا من اللطم الذي هو من النياحة، وإنما هذا على سبيل التعجب. ثم يقول القاسمي: على عادة النساء في كل غريب عندهن لم تتمالك نفسها من شدة التعجب من هذه البشارة فلطمت وجهها. فيقول ابن القيم: فيه بيان ضعف عقل المرأة وعدم ثباتها. أي: أن المرأة كتلة من العاطفة فتنفعل أحياناً ولا تنضبط في انفعالها، لذلك يشترط دائماً إبعادها عما يهيج عواطفها، مثل: اتباع الجنائز وقد نهاها الشرع عن ذلك؛ لأنه من الممكن أنها إذا حضرت الجنائز أو حضرت عند الدفن ألا تتمالك نفسها، ومعلوم ما يحصل من بعض النساء من الصراخ والعويل وهذه الأشياء، وحتى عند الفرح لا تتمالك المرأة نفسها إلا من رحم الله، فترى النساء عند الفرح يأتين بهذه الأصوات المنكرة التي يفعلنها، ولذلك الشريعة لا تقبل شهادتها في الجنايات، مثل: حوادث القتل والذبح والحرق، وكذا لا تقبل شهادتها لوحدها في المعاملات؛ لعجزها عن أن تضبط الشهادة على وجهها بخلاف الرجل.

стр. 2380

وقفة مع أدب الاقتصار في الكلام على ما تؤدى به الحاجة ثم قال: وقوله: ((وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ)) فيه حسن أدب المرأة عند خطاب الرجال واقتصارها من الكلام على ما يتأدى به الحاجة. مم أخذ أن المرأة إذا خاطبت الرجال تختصر الكلام بقدر المستطاع؟ أُخذ من حذف المبتدأ فهي لم تقل: أنا عجوز عقيم، وإنما قالت: عجوز عقيم، فاختصرت في الكلام جداً، لكن لو أنها واحدة من بنات هذا الزمان أو من نساء هذا الزمان إلا من عصم الله وسئلت: أين فلان؟ لقالت: فلان والله جاء له كذا وكذا وذهب إلى كذا، لكن تفضل وانتظره، إلى آخر هذا الكلام. بينما المفروض على المرأة إذا خاطبت الرجال أن تختصر جداً في الكلام، وأن تقتصر على ما تتأدى به الحاجة، أما الإطالة في الكلام والإكثار من القيل والقال فهذا مما لا ينبغي. بالمناسبة نتوقف وقفة يسيرة مع أحد التنبيهات، وهو الكلام على التدخل في خصائص الناس وتحري أسرار البيوت ونحو ذلك من وسائل استنطاق الناس بما عندهم من الأسرار، بعض الناس يكون لهم ظروف خاصة بهم فتأتي بعض النساء فتريد أن تكتنف وتنبش أسرار البيوت وخصائص الناس وأحوالهم الخاصة، فتأتي تكلمها بصورة أو بأخرى حتى تستخرج منها ما لا يعنيها، والرسول ﵊ قال: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) يعني: أن الإعراض عما لا يعني من علامات أن الإنسان قد حسن إسلامه، وهذا ليس خاصاً بالنساء بل يدخل فيه الرجال أيضاً. ما دمت أيها المسلم لا تسأل أمام الله يوم القيامة عن هذا الشيء فهو مما لا يعنيك فلا تنشغل به، لكن إذا أتاك الناس واختصموا إليك وسمعت من الخصوم فهذا واجبك، لكن على أن تعدل بين الخصمين ولا يجوز لك أن تتكلم أبداً مع طرف واحد أو تنصت إلى حجج طرف واحد، بل لابد أن تحضر الطرف الآخر وتسمع من الطرفين مباشرة، حينئذ يحق لك أن تتكلم، هذا إذا طلب منك أن تقوم بدور القاضي أو المصلح بين الناس، أما إذا لم يطلب منك أحد أن تتدخل في أحوال الناس فينبغي أن تستحضر قول النبي ﷺ : (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) وينبغي أن نتعبد بهذا الأمر. إذاً: على الإنسان ألا يتدخل في أسرار الناس وخصوصياتهم؛ لأنه كما يقولون: البيوت أسرار، ويقول الشاعر في هذا: ما يريد الناس منا ما ينام الناس عنا لو سكنا باطن الأرض لكانوا حيث كنا إنما همهم أن ينشروا ما قد دفنا وهذا أحد السلف الصالحين لما سألته ابنته يوماً وقالت له: يا أبتاه! أين هذا الجذع الذي كان على بيت جيراننا؟ يعني: مرت سنوات طويلة وهذه البنت من صغرها كانت إذا نظرت إلى بيت الجار تلاحظ فوق سطح الجار في الليل مثل جذع شجرة ثابت دائماً فقالت له: يا أبتاه أين هذا الجذع الذي كنا نراه على سطح الجيران؟ قال: يا بنتاه هذا منصور بن زاذان العابد الجليل كان يقوم الليل وقد توفي. نفهم من هذا أن أباها ما اشتغل بالكلام عن حال هذا الجار، مع أنه كان في مثل هذا الأمر من العبادة، فهذا يدل على أن السلف ما كانوا يشتغلون بتتبع أسرار الناس واستنطاق الناس بأسرارهم الشخصية؛ لأن الإنسان قد يكتم أموراً ولا يريد أن يظهرها، فأنت تستنطقه وتستخرج منه ما قد يسوءك، فالسلامة أن الإنسان لا يتدخل فيما لا يعنيه إلا إذا كان قاضياً فله أن يسمع من الأطراف كلها، حينئذ يضمن العدل والإنصاف، وإلا لا تجبر الناس على أن يتحدثوا بما يكرهون.

стр. 2381

وقفة مع ضوابط كلام المرأة الأجنبية مع الرجل الأجنبي قوله تعالى: ((وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ)) فيه حسن أدب المرأة عند خطاب الرجال واقتصارها من الكلام على ما يتأدى به الحاجة، فإنها حذفت المبتدأ ولم تقل: أنا عجوز عقيم. نحن في الحقيقة بصفتنا مسلمين نفترق تماماً عن غيرنا ممن ارتضوا مناهج أحفاد القردة والخنازير وعبدة الطاغوت من اليهود والنصارى والكفار، مما يسمونها: آداب التعامل أو (الإتكيت) أو كذا أو كذا، فعندهم أن على المرأة أن تكون لطيفة ورقيقة ومهذبة، بحيث تكلم الرجل بميوعة وبخضوع قول وغير ذلك؛ حتى تكون امرأة متحضرة. نقول: نحن لا نريد هذه الحضارة؛ لأن المرأة المسلمة إذا خاطبت الرجال الأجانب ينبغي أن تتكلم معهم بحزم وخشونة، وأن تختصر وتقتصر على الكلام الذي تحتاج إليه. أي: إن كانت الحاجة تقضى بثلاث كلمات فلا يجوز لها أن تجعلها خمس كلمات مثلاً، بل تقتصر فقط على مقدار ما تحتاج من الكلام، أما المقاولة والمحاورة فهذا يخرجها من آداب الإسلام، ويفتح أبواب الشيطان على مصارعه، والحوار في الهواتف مع رجل أجنبي في أي حاجة لابد أن تقتصر المرأة فيه على الكلام الجاد والمختصر جداً الذي تؤدى به الحاجة؛ لأن مقصود الشريعة أن تبني علاقة الرجال والنساء الأجانب عنهن على أساس نظام الأسلاك الشائكة، وأن هنا منطقة محظورة فيها الاختلاط إلا بضوابط معينة في المخاطبة أو الكلام إلى آخره، حيث لا خلوة، ولا خضوع في القول. فأي بلية حصلت في الوجود بين رجل وامرأة إذا تتبعت الخيوط الأولى التي أنتجت هذه البلية ستجدها ثغرة حصلت في الأسلاك الشائكة، ومنها نفذ الشيطان وعبر، لكن متى ما حصلت على نظام الأسلاك الشائكة بين النساء والرجال الأجانب عنهن كانت السلامة من الفتن ومن البلاء، فالمرأة مع الرجال تقتصر على قدر الحاجة، أما أن يستنطقها الرجال أو أن يقولوا: إنها مهذبة وإنها كذا فهذا يتصادم مع مقاصد الشريعة. وقد تكلمنا من قبل على قصة ذلك الرجل الذي وجد أخته تلبس ثياباً قاتمة داكنة اللون ساترة فقال لها: من رآك في هذا ينفر منك، فكان الجواب أن هذا هو المقصود. أما أن المرأة المسلمة تلبس الملابس المتناسقة والألوان المتجانسة والتي تشرح صدر من يراها فليس هذا هو مقصود الحجاب، إنما نقصد بالحجاب أن نعمق نظام الأسلاك الشائكة بين النساء الأجانب وبين الرجال الذين ليسوا بمحارم، فهذا هو المطلوب أن الرجل ينفر إذا رأى المرأة وليس أن تجذب نظره إليها، ولا أن تتزين بثياب فيها تناسق وألوان متجانسة، وإنما يكون هذا في البيت أمام المحارم أو أمام زوجها، أما أنها تتأنق في مظهرها وتتزين حتى تكون لطيفة ومهذبة وتريح عين الناظرين وتشرح صدورهم، فهذا مما يتصادم مع الحكمة التي من أجلها شرع الحجاب؛ لأن الله قال: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] فالحجاب جعل من أجل ستر الزينة، فهل يعقل أن يكون هو نفسه زينة؟! هو ما شرع إلا ليستر الزينة، سواء كانت الزينة الطبيعية أو الزينة المكتسبة، فكلاهما يستران، فلو افترضنا امرأة لبست ثياباً فضفاضة جداً مثل جلباب، لكن لونه أصفر مثلاً وفيه الورود والزينة والزخارف وكذا، هل هذا حجاب؟ لا، هذه صورة من صور التبرج؛ لأنه افتقد أحد شروط الحجاب، وهو ألا يكون الحجاب زينة في نفسه، سواء في نوع القماش أو طريقة التفصيل أو في ألوانه أو الأشياء الملحقة به من الزينة وهذه الأشياء، فلتتق الله النساء وليتذكرن أن الحجاب إنما شرع ليستر الزينة، فمن ثم لا يقبل أبداً أن يكون هو نفسه زينة؛ لأن هذا لا يكون حجاباً، بل هو صورة من صور التبرج.

стр. 2382

تفسير قوله تعالى: (قال فما خطبكم أيها المرسلون وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم) قال تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [الذاريات:٣١ - ٣٧]. قوله: ((قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ)) أي: قال إبراهيم لضيفه: ما أمركم وشأنكم أيها المرسلون؟ ((قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ)) أي: إنا أرسلنا لمؤاخذة قوم مجرمين ومعاقبتهم. ((لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ)) أي: رجماً لهم على فعلهم الفاحشة. قوله: ((مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ)) أي: مرسلة أو معلمة عند ربك للمعتدين حدود الله الكافرين به. ((فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا)) أي: في تلك القرية، وكان الخروج بإيحاء إليهم على لسان الملائكة. ((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)) وهم لوط وابنتاه ﵈. ((فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) أي: بيت لوط ﵇. ((وَتَرَكْنَا فِيهَا)) أي: في تلك القرية. ((آيَةً)) علامة تدل على إهلاكهم الدنيوي الدال على إهلاكهم الأخروي. ((لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ)) أي: في الآخرة. وقرية قوم لوط ﵇ هي قرية سدوم.

стр. 2383

تفسير قوله تعالى: (وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون فنبذناهم في اليم وهو مليم) قال تعالى: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الذاريات:٣٨ - ٤٠]. قوله: ((وَفِي مُوسَى)) عطف على (فيها)، في قوله: ((وتركنا فيها آية))؛ لأن المعطوف عليه ضمير مجرور، أي: وتركنا في قصة موسى بإهلاك أعدائه آية وحجة تبين لمن رآها حقية دعواه. ((وفي موسى)) أي: آية أيضاً. ((إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)) أي: ببرهان ظاهر. ((فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ)) أي: أعرض عن الإيمان، والركن جانب الشيء، ((فتولى بركنه)) أي: بجانب بدنه، والتولي به كناية عن الإعراض، والباء للتعدية؛ لأن معناه: ثنى عطفه، أو الباء للملابسة، وذهب بعض المفسرين إلى أنه تولى بركنه أي: تولى بجيشه؛ لأنه يركن إليه ويتقوى به، والباء للمصاحبة أو للملابسة. ((وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ)) أي: موسى ﵇ ساحر أو مجنون. ((فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ)) وكلمة (وجنوده) تقوي قول من قال: ((فتولى بركنه)) أنه جيشه. ((فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ)) أي: فأغرقناهم في البحر. ((وَهُوَ مُلِيمٌ)) أي: آت بما يلام عليه من الكفر والعناد.

стр. 2384

تفسير قوله تعالى: (وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم إلا جعلته كالرميم) قال تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات:٤١ - ٤٢]. قوله تعالى: ((وَفِي عَادٍ)) أي: وتركنا في عاد قوم هود ﵇ آية. ((إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ)) العقيم: هي الريح التي لا خير فيها من إنشاء مطر أو إلقاح شجر؛ لأن إنشاء المطر يكون فيه نوع من التزاوج بين الكهربية السالبة والموجبة، أو اللقاح؛ لأن الرياح لواقح لها دور في تكاثر النباتات كما هو معلوم، لكن هذه الريح التي أرسلت عليهم كانت ريح عذاب لا ينشأ منها مطر ولا تلقيح شجر. ((مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ)) والرميم هو: الشيء الهالك، وأصل الرميم: البالي المتفتت من عظم أو نبات أو غير ذلك.

стр. 2385

تفسير قوله تعالى: (وفي ثمود إذ قيل لهم فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين) قال تعالى: ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ * فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ * فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنتَصِرِينَ﴾ [الذاريات:٤٣ - ٤٥]. قوله: ((وَفِي ثَمُودَ)) أي: وتركنا في ثمود قوم صالح ﵇ آية. ((إِذْ قِيلَ لَهُمْ)) أي: بعد عقرهم الناقة، ((تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ)) أي: تمتعوا في داركم حتى حين، وقيل: هذا الحين ثلاثة أيام، كما بينته الآيات الأخرى. ((فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ)) أي: فاستكبروا عن امتثاله. ((فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ)) أي: العذاب الحال بهم المعهود. ((وَهُمْ يَنظُرُونَ)) أي: وهم ينظرون إليها؛ لأنها نزلت بهم في النهار. ((فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ)) أي: لما نزل بهم العذاب ما استطاعوا من نهوض، فضلاً عن أن يستطيعوا أن يدفعوا عن أنفسهم عذاب الله . ((وَمَا كَانُوا مُنتَصِرِينَ)) أي: ما كانوا ممتنعين من العذاب.
следующие страницы →