← Тафсир

Тафсир · id 37041

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (3 275 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

وقفة مع ضوابط كلام المرأة الأجنبية مع الرجل الأجنبي قوله تعالى: ((وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ)) فيه حسن أدب المرأة عند خطاب الرجال واقتصارها من الكلام على ما يتأدى به الحاجة، فإنها حذفت المبتدأ ولم تقل: أنا عجوز عقيم. نحن في الحقيقة بصفتنا مسلمين نفترق تماماً عن غيرنا ممن ارتضوا مناهج أحفاد القردة والخنازير وعبدة الطاغوت من اليهود والنصارى والكفار، مما يسمونها: آداب التعامل أو (الإتكيت) أو كذا أو كذا، فعندهم أن على المرأة أن تكون لطيفة ورقيقة ومهذبة، بحيث تكلم الرجل بميوعة وبخضوع قول وغير ذلك؛ حتى تكون امرأة متحضرة. نقول: نحن لا نريد هذه الحضارة؛ لأن المرأة المسلمة إذا خاطبت الرجال الأجانب ينبغي أن تتكلم معهم بحزم وخشونة، وأن تختصر وتقتصر على الكلام الذي تحتاج إليه. أي: إن كانت الحاجة تقضى بثلاث كلمات فلا يجوز لها أن تجعلها خمس كلمات مثلاً، بل تقتصر فقط على مقدار ما تحتاج من الكلام، أما المقاولة والمحاورة فهذا يخرجها من آداب الإسلام، ويفتح أبواب الشيطان على مصارعه، والحوار في الهواتف مع رجل أجنبي في أي حاجة لابد أن تقتصر المرأة فيه على الكلام الجاد والمختصر جداً الذي تؤدى به الحاجة؛ لأن مقصود الشريعة أن تبني علاقة الرجال والنساء الأجانب عنهن على أساس نظام الأسلاك الشائكة، وأن هنا منطقة محظورة فيها الاختلاط إلا بضوابط معينة في المخاطبة أو الكلام إلى آخره، حيث لا خلوة، ولا خضوع في القول. فأي بلية حصلت في الوجود بين رجل وامرأة إذا تتبعت الخيوط الأولى التي أنتجت هذه البلية ستجدها ثغرة حصلت في الأسلاك الشائكة، ومنها نفذ الشيطان وعبر، لكن متى ما حصلت على نظام الأسلاك الشائكة بين النساء والرجال الأجانب عنهن كانت السلامة من الفتن ومن البلاء، فالمرأة مع الرجال تقتصر على قدر الحاجة، أما أن يستنطقها الرجال أو أن يقولوا: إنها مهذبة وإنها كذا فهذا يتصادم مع مقاصد الشريعة. وقد تكلمنا من قبل على قصة ذلك الرجل الذي وجد أخته تلبس ثياباً قاتمة داكنة اللون ساترة فقال لها: من رآك في هذا ينفر منك، فكان الجواب أن هذا هو المقصود. أما أن المرأة المسلمة تلبس الملابس المتناسقة والألوان المتجانسة والتي تشرح صدر من يراها فليس هذا هو مقصود الحجاب، إنما نقصد بالحجاب أن نعمق نظام الأسلاك الشائكة بين النساء الأجانب وبين الرجال الذين ليسوا بمحارم، فهذا هو المطلوب أن الرجل ينفر إذا رأى المرأة وليس أن تجذب نظره إليها، ولا أن تتزين بثياب فيها تناسق وألوان متجانسة، وإنما يكون هذا في البيت أمام المحارم أو أمام زوجها، أما أنها تتأنق في مظهرها وتتزين حتى تكون لطيفة ومهذبة وتريح عين الناظرين وتشرح صدورهم، فهذا مما يتصادم مع الحكمة التي من أجلها شرع الحجاب؛ لأن الله قال: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] فالحجاب جعل من أجل ستر الزينة، فهل يعقل أن يكون هو نفسه زينة؟! هو ما شرع إلا ليستر الزينة، سواء كانت الزينة الطبيعية أو الزينة المكتسبة، فكلاهما يستران، فلو افترضنا امرأة لبست ثياباً فضفاضة جداً مثل جلباب، لكن لونه أصفر مثلاً وفيه الورود والزينة والزخارف وكذا، هل هذا حجاب؟ لا، هذه صورة من صور التبرج؛ لأنه افتقد أحد شروط الحجاب، وهو ألا يكون الحجاب زينة في نفسه، سواء في نوع القماش أو طريقة التفصيل أو في ألوانه أو الأشياء الملحقة به من الزينة وهذه الأشياء، فلتتق الله النساء وليتذكرن أن الحجاب إنما شرع ليستر الزينة، فمن ثم لا يقبل أبداً أن يكون هو نفسه زينة؛ لأن هذا لا يكون حجاباً، بل هو صورة من صور التبرج.

стр. 2382

تفسير قوله تعالى: (قال فما خطبكم أيها المرسلون وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم) قال تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [الذاريات:٣١ - ٣٧]. قوله: ((قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ)) أي: قال إبراهيم لضيفه: ما أمركم وشأنكم أيها المرسلون؟ ((قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ)) أي: إنا أرسلنا لمؤاخذة قوم مجرمين ومعاقبتهم. ((لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ)) أي: رجماً لهم على فعلهم الفاحشة. قوله: ((مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ)) أي: مرسلة أو معلمة عند ربك للمعتدين حدود الله الكافرين به. ((فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا)) أي: في تلك القرية، وكان الخروج بإيحاء إليهم على لسان الملائكة. ((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)) وهم لوط وابنتاه ﵈. ((فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) أي: بيت لوط ﵇. ((وَتَرَكْنَا فِيهَا)) أي: في تلك القرية. ((آيَةً)) علامة تدل على إهلاكهم الدنيوي الدال على إهلاكهم الأخروي. ((لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ)) أي: في الآخرة. وقرية قوم لوط ﵇ هي قرية سدوم.

стр. 2383

تفسير قوله تعالى: (وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون فنبذناهم في اليم وهو مليم) قال تعالى: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الذاريات:٣٨ - ٤٠]. قوله: ((وَفِي مُوسَى)) عطف على (فيها)، في قوله: ((وتركنا فيها آية))؛ لأن المعطوف عليه ضمير مجرور، أي: وتركنا في قصة موسى بإهلاك أعدائه آية وحجة تبين لمن رآها حقية دعواه. ((وفي موسى)) أي: آية أيضاً. ((إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)) أي: ببرهان ظاهر. ((فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ)) أي: أعرض عن الإيمان، والركن جانب الشيء، ((فتولى بركنه)) أي: بجانب بدنه، والتولي به كناية عن الإعراض، والباء للتعدية؛ لأن معناه: ثنى عطفه، أو الباء للملابسة، وذهب بعض المفسرين إلى أنه تولى بركنه أي: تولى بجيشه؛ لأنه يركن إليه ويتقوى به، والباء للمصاحبة أو للملابسة. ((وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ)) أي: موسى ﵇ ساحر أو مجنون. ((فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ)) وكلمة (وجنوده) تقوي قول من قال: ((فتولى بركنه)) أنه جيشه. ((فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ)) أي: فأغرقناهم في البحر. ((وَهُوَ مُلِيمٌ)) أي: آت بما يلام عليه من الكفر والعناد.

стр. 2384

تفسير قوله تعالى: (وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم إلا جعلته كالرميم) قال تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات:٤١ - ٤٢]. قوله تعالى: ((وَفِي عَادٍ)) أي: وتركنا في عاد قوم هود ﵇ آية. ((إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ)) العقيم: هي الريح التي لا خير فيها من إنشاء مطر أو إلقاح شجر؛ لأن إنشاء المطر يكون فيه نوع من التزاوج بين الكهربية السالبة والموجبة، أو اللقاح؛ لأن الرياح لواقح لها دور في تكاثر النباتات كما هو معلوم، لكن هذه الريح التي أرسلت عليهم كانت ريح عذاب لا ينشأ منها مطر ولا تلقيح شجر. ((مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ)) والرميم هو: الشيء الهالك، وأصل الرميم: البالي المتفتت من عظم أو نبات أو غير ذلك.

стр. 2385

تفسير قوله تعالى: (وفي ثمود إذ قيل لهم فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين) قال تعالى: ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ * فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ * فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنتَصِرِينَ﴾ [الذاريات:٤٣ - ٤٥]. قوله: ((وَفِي ثَمُودَ)) أي: وتركنا في ثمود قوم صالح ﵇ آية. ((إِذْ قِيلَ لَهُمْ)) أي: بعد عقرهم الناقة، ((تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ)) أي: تمتعوا في داركم حتى حين، وقيل: هذا الحين ثلاثة أيام، كما بينته الآيات الأخرى. ((فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ)) أي: فاستكبروا عن امتثاله. ((فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ)) أي: العذاب الحال بهم المعهود. ((وَهُمْ يَنظُرُونَ)) أي: وهم ينظرون إليها؛ لأنها نزلت بهم في النهار. ((فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ)) أي: لما نزل بهم العذاب ما استطاعوا من نهوض، فضلاً عن أن يستطيعوا أن يدفعوا عن أنفسهم عذاب الله . ((وَمَا كَانُوا مُنتَصِرِينَ)) أي: ما كانوا ممتنعين من العذاب.

стр. 2386

تفسير قوله تعالى: (وقوم نوح من قبل) قال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الذاريات:٤٦]. قوله: ((وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ)) قرئ بالجر عطفاً على ((وفي ثمود)) أي: (وقومِ نوح من قبل)، وبالنصب: (وقوم نوح) مفعولاً لمضمر دل عليه السياق والسباق، أي: وأهلكنا قوم نوح، أو عطفاً على مفعول (فأخذناه). ((إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ)) أي: مخالفين أمر الله خارجين عن طاعته؛ لأن الفسق هو الخروج، تقول: فسقت الرطبة، أي: خرجت.

стр. 2387

تفسير قوله تعالى: (والسماء بينيناها بأيد وإنا لموسعون والأرض فرشناها فنعم الماهدون) قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات:٤٨]. قوله: ((وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ)) يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية الكريمة: قوله تعالى: ((وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ)) ليس من آيات الصفات المعروفة بهذا الاسم؛ لأن قوله: ((بِأَيْيدٍ)) ليس جمع يد، وإنما الأيد القوة، فوزن قوله هنا (بأييد) فَعْل، ووزن الأيدي أفعل، فالهمزة في قوله: ((بِأَيْيدٍ)) في مكان الفاء، والياء في مكان العين، والدال في مكان اللام. ولو كان قوله تعالى: ((بِأَيْيدٍ)) جمع يد لكان وزنه أفعلا، فتكون الهمزة زائدة، والياء في مكان الفاء، والدال في مكان العين، والياء المحذوفة لكونه منقوصاً هي اللام. والأيد والآد في لغة العرب بمعنى القوة، ورجل أيد قوي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة:٨٧] أي: قويناه به. فمن ظن أنها جمع يد في هذه الآية فقد غلط غلطاً فاحشاً، والمعنى: والسماء بنيناها بقوة. قوله: ((وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ)) يقول القاسمي رحمه الله تعالى: أي: رفعناها بقوة، قوله: ((وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ)) أي: قادرون على الإيساع كما أوسعنا بناءها. هذه الآية الكريمة لو أتينا بواحد مختص في علوم الفلك لحدثنا حولها بالعجائب، من عملية التمدد المستمر للكون، وهناك صور لأجزاء في الفضاء تدل على استمرار تمدد الكون واتساعه بصورة مدهشة، فهذا مما يقر به الكفار. علماء الكفار الذين يهتمون بهذه العلوم لهم في ذلك بحوث كثيرة جداً، كلها تثبت هذه الحقيقة المعروفة عندهم بتمدد الكون. والقاسمي فسر الإيساع بالقدرة، أي: كما أوسعنا بناءها فإنا قادرون على إيساعها أكثر من ذلك، أما ما اكتشف حديثاً من التمدد الفعلي للكون فإنه يؤيد ذلك. قوله تعالى: ((وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا)) أي: مهدناها ليتمتعوا بها. ((فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ)) أي: لهم.

стр. 2388

تفسير قوله تعالى: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) قال ﵎: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات:٤٩] قوله: ((زَوْجَيْنِ)) أي: ذكراً وأنثى، أو نوعين متقابلين. قال ابن كثير: أي جميع المخلوقات أزواج: سماء وأرض، وليل ونهار، وشمس وقمر، وبر وبحر، وضياء وظلام، وإيمان وكفر، وموت وحياة، وشقاء وسعادة، وجنة ونار، حتى الحيوانات والنباتات. وقد دلت ذلك آيات كثيرة في القرآن الكريم على إثبات الزوجية في كل شيء، وأنا عندي بحث مستقل بعنوان: (الزوجية في كل مخلوق) وهو كتاب كبير يتناول الموضوع، فهناك ظاهرة الزوجية في كل شيء، الكهربية: سالبة وموجبة، المغناطيسية: شمال وجنوب وهكذا، كل شيء خلقه الله تتحقق ظاهرة الزوجية فيه. يقول ابن جرير: وأولى القولين في ذلك قول مجاهد وهو أن الله ﵎ خلق لكل ما خلق من خلقه ثانياً له مخالفاً في معناه، فكل واحد منهما زوج للآخر، ولذا قيل: ((خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ)). ((لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) يقول ابن جرير: أي: لتذكروا وتعتبروا بذلك، فتعلموا أيها المشركون بالله أن ربكم الذي يستوجب عليكم العبادة هو الذي يقدر على خلق الشيء وخلافه، وابتداء الزوجين من كل شيء لا ما لا يقدر على ذلك.

стр. 2389

تفسير قوله تعالى: (ففروا إلى الله ولا تجعلوا مع الله إلهاً آخر إني لكم منه نذير مبين) قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠ - ٥١]. قوله: ((فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ)) يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية الكريمة: حقيقة الفرار الهرب من شيء إلى شيء، وهو نوعان: فرار السعداء، وفرار الأشقياء، ففرار السعداء: الفرار إلى الله ، وفرار الأشقياء: الفرار منه لا إليه، وأما الفرار منه إليه فهو الفرار إلى الله بالتوبة والإنابة والإقبال والمسارعة في طاعته وهذا فرار السعداء، وأما الفرار منه لا إليه فهو بعمل المعاصي والإسراف فيها وهذا فرار الأشقياء. قال ابن عباس ﵄: ((فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ)) أي: فروا منه إليه واعملوا بطاعته. وكما قال ﵊: (وأعوذ بك منك) وقال : ﴿وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ [التوبة:١١٨] فهذا فرار الخلص والأولياء. وقال سهل بن عبد الله: فروا مما سوى الله إلى الله. وقال آخرون: اهربوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان والطاعة. يقول القاسمي: ((فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ)) أي: فروا من عقابه إلى رحمته بالإيمان به واتباع أمره والعمل بطاعته. قال الشهاب: الأمر بالفرار من العقاب المراد به الأمر بالإيمان والطاعة، كأنه فر لمأمنه. ((إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ)) أي: أنذركم وأخوفكم عذابه الذي أحله بهؤلاء الأمم الذين قص عليكم قصصهم والذي هو مذيقهم العذاب في الآخرة. ((وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ)) أي: قد أبان النذارة. قال أبو السعود: فيه تأكيد لما قبله من الأمر بالفرار من العقاب إليه تعالى، لكن لا بطريق التكليف كما قيل، بل بالنهي عن سببه وإيجاب الفرار منه. قوله: ((فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ)) أي: بالإيمان وعدم الشرك، وقوله: ((وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ)) فإن هذا هو مفتاح النجاة.

стр. 2390

تفسير قوله تعالى: (كذلك ما أتى الذين من قبلهم أتواصوا به بل هم قوم طاغون) قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات:٥٢ - ٥٣]. قوله: ((كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)) أي: كما ذكر من تكذيبهم الرسول ﷺ ، وتسميتهم له ساحراً أو مجنوناً، قال: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات:٥٢] أي: هم قالوا ذلك تقليداً لآبائهم واقتداءً لآثارهم، فمورد جهالتهم مؤتلف ومشرع تعنتهم متحد، فآباؤهم واجهوا الرسل السابقين بنفس الاتهام فقالوا: ساحر أو مجنون. ((أَتَوَاصَوْا بِهِ)) إنكار وتعجب من حالهم وإجماعهم على تلك الكلمة الشنيعة التي لا تكاد تخطر ببال أحد من العقلاء فضلاً عن التفوه بها. قوله: ((أَتَوَاصَوْا بِهِ)) أي: كأن كل جيل كان يوصي الجيل الآتي بقوله: إذا أتاكم رسول فقولوا له: أنت ساحر أو مجنون، أو ساحر كذاب. قوله: ((أَتَوَاصَوْا بِهِ)) أي: أأوصى بهذا القول بعضهم بعضاً حتى اتفقوا عليه؟! فأضرب الله عن كون مدار اتفاقهم على الشر تواصيهم بذلك فقال: ((بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ)) يعني التأريخ يعيد نفسه. ألا إنما الأيام أبناء واحد وتلك الليالي كلها أخوات فلا تطلبن من عند يوم ولا غد خلاف الذي مرت به السنوات هذه سنة ماضية، فهم لما اتحد جوابهم وتعنتهم مع الرسل لا لأنهم تواصوا به حقيقة؛ ولكن لأنهم يتفقون في صفة هي التي أثمرت لهم نفس الرد وهي أنهم قوم طاغون. ((بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ))، فهذا إضراب عن كون مدار اتفاقهم على الشر تواصيهم بذلك وإثبات لكونه أمراً أقبح من التواصي وأشنع منه وهو الطغيان الشامل للكل، الدال على أن صدور تلك الكلمة الشنيعة من كل واحد منهم بمقتضى جبلته الخبيثة لا بموجب وصية من قبلهم بذلك، فهذا هو السبب الحقيقي في أنهم ردوا نفس الرد، وقابلوا وجابهوا جميع الأنبياء والرسل بنفس التكذيب والإعراض. يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ((كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات:٥٢ - ٥٣] ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه ما أتى نبي قوماً إلا قالوا: ساحر أو مجنون، ثم قال: ((أَتَوَاصَوْا بِهِ)) ثم أضرب عن تواصيهم بذلك إضراب إبطال؛ لأنهم لم يجمعوا في زمن حتى يتواصوا، فقال: ((بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ)) أي: الموجب الذي جمعهم على اتفاقهم جميعاً على تكذيب الرسل ونسبتهم للسحر والجنون هو اتحاد الطغيان، الذي هو مجاوزة الحد في الكفر. وهذا يدل على أنهم إنما اتفقوا لأن قلوب بعضهم تشبه قلوب بعض في الكفر والطغيان، فتشابهت مقالاتهم للرسل لأجل تشابه قلوبهم. وقد أوضح تعالى هذا المعنى في سورة البقرة في قول الله ﵎: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة:١١٨]. فإذا كانت القلوب متشابهة، فإنه يصدر عنها نفس هذا الصد عن سبيل الله، وهذا ما نلاحظه ونشهده في آفاق الأرض كلها، الآن مثلاً يجتمع الجميع على الصد عن سبيل الله وتجد نفس الكلام من الشتم كقولهم: هؤلاء الإرهابيون المتطرفون المهووسون إلى غير ذلك من الشتائم التي يطلقونها علينا.

стр. 2391

تفسير قوله تعالى: (فتول عنهم فما أنت بملوم) قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات:٥٤]. قوله: ((فَتَوَلَّ عَنْهُمْ)) أي: أعرض عن مقابلتهم بالأسوأ كقوله تعالى: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ [الأحزاب:٤٨]، وقوله: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل:١٠]. ((فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ)) أي: ما أنت بملوم ولن نحاسبك لأنهم أعرضوا، إنما أنت تؤدي ما عليك: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [المائدة:٩٩]، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢١ - ٢٢]. ((فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ)) أي: لست مسئولاً عن استجابتهم، إنما أنت مسئول عن البيان والبلاغ، ففي هذه العبارة أوضح رد على ما تفوه به بعض المفسرين المعاصرين وأحسبه الأستاذ المودودي رحمه الله تعالى، حيث يقول: إن الهدف والغاية من بعث الرسل هو إقامة الحكومة الإسلامية. فبعض الكتاب تصدر منهم تعبيرات مرفوضة، فنحن فقط ننكرها من باب النصيحة ونسأل الله أن يعفو عنهم في ذلك، فكان من تعبير بعض هؤلاء الكتاب ومن يسمونهم مفكرين: أن بعض الرسل فشلوا في إقامة الحكومة الإسلامية والبعض الآخر نجح، فنسبة الفشل لبعض الأنبياء هذا شيء فظيع وشيء عجيب! والذي يوضح ويظهر بطلان هذه النظرية وهذا الكلام هذه الآية: ((فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ)) والرسول ما عليه إلا البلاغ وقد أدى ما عليه، أما أن الرسول يحاسب ويلام لأن قومه لم يستجيبوا له فلا؛ لأنه لا يملك قلوب الناس، ولا يملك هداية القلوب، إذ هداية القلوب فقط بيد الله ، فلذلك قال سبحانه: ((فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ)) أي: قد أديت ما عليك، وجاء في الحديث: (أن النبي يأتي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي يأتي وليس معه أحد) لم يستجب له أحد، فهل يطلق على هذا أنه نبي فاشل والعياذ بالله؟! وهل النبي أصلاً يوصف بالفشل؟! فهذا من جراء إطلاق بعض الأدباء العنان لأقلامهم، فيأتون بمثل هذه العبارات السخيفة؛ بسبب عدم معرفتهم لقضية التوحيد وصفات الله ، وما ينبغي أن ينسب إلى الله وما ينبغي أن ينزه الله عنه، كذلك تنزيه الرسل والأنبياء عن أمثال هذه العبارات الفضيعة التي جرت على ألسنتهم. فمعرفة وإتقان هذه الضوابط أمر مهم جداً. فلا يطلق أبداً على النبي أنه فشل -والعياذ بالله- في إقامة حكومة إسلامية؛ لأن الغاية والهدف من إرسال الرسل هو تعبيد الناس لربهم . يقول العلامة النسفي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ((فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ)) نفيه جل وعلا في هذه الآية الكريمة اللوم عن نبيه ﷺ يدل على أنه أدى الأمانة ونصح الأمة، وقد أوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد:٤٠]. يقول القاسمي: وقول بعض المفسرين: ((فَتَوَلَّ عَنْهُمْ)) أي: فأعرض عن مجادلتهم بعدما كررت عليهم الدعوة، يقول: هذا بعيد عن المعنى بمراحل؛ لأن مجادلتهم مما كان مأموراً به على المدى. قلنا في تفسير قوله: ((فَتَوَلَّ عَنْهُمْ)): أعرض عن مقابلتهم بالأسوأ فقط، أي: ليس أعرض عن مجادلتهم وعن إقامة الحجة عليهم وعن دعوتهم فهذا تفسير غير صحيح وإنما الصحيح: أعرض عن مقابلتهم بالأسوأ، لكن فيما يتعلق بوظيفة الدعوة لابد أن يستمر في إقامة الحجة، ولذلك قلنا: إن هذه الآية يفسرها قوله: ((وَدَعْ أَذَاهُمْ))، وقوله: (وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا)، وقوله: ((فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ)) ثم قال بعدها: ((لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ)) أي: عليك هداية البيان والتوضيح وإقامة الأدلة، لكن هداية القلوب للحق هذه لا يملكها إلا الله، وهي التي قال الله فيها: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]، وقال الله تعالى فيها: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:١٧]. إذاً: الرسول ﵊ كان مكلفاً بهداية البلاغ والبيان على الوجه الأكمل؛ لأن المجادلة والمناقشة وإظهار الحجة وإبطال كلام أعداء التوحيد هو العامل الأكبر لإظهار الحق، كما قال تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٢]، وقد قلنا من قبل: إن المسلمين لا يمكن أن ينهزموا في مناظرة أو في مناقشة علمية نزيهة، فلأهل الحق الظهور على الإطلاق، وإذا حصل ظهور من الكفار فليس ظهور حجة وإنما هو ظهور قهر وكبت وتشنيع وشغب بالشبهات وغير هذه الأشياء، لكن بظهور حجة لا يمكن أن يحصل هذا، لأن الحجة ظاهرة على الإطلاق، فظهور أهل السنة والجماعة كما قال النبي ﵊: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين). إذاً: أدلة الحق هي أوضح من الشمس ولا ينكرها إلا مطموس البصيرة، ولا يمكن للمبطل أن يكون له دليل على باطله، فمن ثم أوجب الله على كل إنسان منذ بعث النبي محمداً ﵊ إلى أن تقوم الساعة أمرين: الأول: أن يجتهد في البحث عن الحق. الثاني: أن يصيب الوصول إلى الحق، ولا يعتبر عذراً له إذا قال: بحثت وتحريت فوجدت -مثلاً-: النصرانية هي دين الحق أو اليهودية أو البوذية إلى آخره؛ لأن الأدلة واضحة وضوحاً بحيث لا يجحدها إلا مكابر، أما الباحث عن الحقيقة بإخلاص فحتماً لابد أن يصل، والواقع يؤيد هذا كما تعلمون. فقوله تعالى: ((وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا)) أي: جهاداً ممتداً بالقرآن، وذلك بإقامة الحجج القرآنية على القضايا الكلية، وبالذات قضايا العقيدة والتوحيد.

стр. 2392

تفسير قوله تعالى: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]. قوله: ((وَذَكِّرْ)) أي: عظهم. ((فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)) أي: من قدر الله إيمانه أو الذين آمنوا؛ فإنهم المقصودون من الخلق لا من سواهم إذ هم العادلون. يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية الكريمة: قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يجعل الله شيئاً لحكم متعددة، فيذكر بعض حكمه في بعض المواضع، فإنا نذكر بعض حكمه، والآيات الدالة عليها، وقد قدمنا أمثلة ذلك، ومن ذلك القبيل هذه الآية الكريمة فإنها تضمنت واحدة من حكم التذكير، وهي رجاء انتفاع المذكَّر. هنا اقتصر الشنقيطي على ذكر فائدة واحدة وهي التذكير، لكن هناك فوائد أخرى ثبتت من خلال أدلة أخرى منها: إقامة الحجة على العباد، وهذا هو المطلوب في مجادلة الكفار أنك تبلغهم الحق، وأنت غير مسئول عن استجابتهم، عليك فقط أن تبلغ حجة الله وأن تقيم الشهادة لله على هؤلاء الناس أنه وصلهم الحق وهم الذين أعرضوا عنه، وأوضح دليل على ذلك قول الله : ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٤]. ولذلك يقول الشنقيطي: ومن ذلك القبيل هذه الآية الكريمة فإنها تضمنت واحدة من حكم التذكير، وهي رجاء انتفاع المذكر؛ لأنه تعالى قال هنا: ((وَذَكِّرْ)) ورتب عليه قوله: ((فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)). إذاً: هذا تعرض لفائدة من فوائد التذكير. ثم يقول: ومن حكم ذلك أيضاً: خروج المذكِّر من عهدة التكليف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد جمع الله هاتين الحكمتين في قوله: ((قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)). إذاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تبرأ عهدتك أمام الله ولا يشترط أن يستجيب الناس لنصيحتك، لكن ما دمت أنت لم تقصر وأديت ما عليك، في هذه الحالة تكون قد أعذرت إلى ربك ، ولذلك كثير من الناس يتخاذل عن أن ينكر المنكرات، وبالتالي تزداد شيوعاً ويقول: لا فائدة، الناس لا تستجيب وكلامي كعدمه، فيرد على مثل هذا بالقول: إن من حكمة التذكير والنصيحة والوعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن تقيم حجة الله على هذا العبد بإيصال الحق له. ((وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)) لعلك تصادف قلباً مقبلاً على الله فيتأثر بالنصيحة كما يحصل لكثير من الناس.

стр. 2393

وقفة مع المتخاذلين عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحقيقة وردت شكوى من أحد إخواننا الأفاضل الأسبوع الماضي يقول فيها: توجد الآن منكرات كثيرة، خاصة فيما يتعلق بالاختلاط القبيح جداً بين الفتيان والفتيات، والمصيبة أن بعض الإخوة يمرون على المنكرات مرور الكرام ولا يتكلمون، مع أنه من المؤكد أنه لن يتعرض لضرر إذا نصح ولن يقبض عليه ولن يعذب ولن يعتقل، ولو كل واحد مر بفتاة وبجانبها شاب أجنبي عنها وغضضت البصر وقال لهما: اتقيا الله ، توبا إلى الله، هذا الاختلاط حرام، إذا كنت أجنبية عنه وهكذا، ونصحهما وأدى ما عليه ومضى فإنه يرجى إن شاء الله تعالى أنه مع الوقت سيشعران بأنهما يفعلان شيئاً خطأ ويبد كل منهما في تحاشي مثل ذلك الاختلاط، لكن سكوتنا مما يعمق ظهور هذه الفتن وهذه المنكرات، وبالتالي نستحق الوعيد الذي قال في شأنه الرسول ﵊: (إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه). فالشاهد: أن الإنسان عليه ينصح، وليس عليه مسئولية الاستجابة، وإنما عليه مسئولية إذا نفر المدعو، وإذا أمر بجهل أو نهى بجهل، أو أخطأ في مراعاة الآداب الشرعية والضوابط الشرعية للنصيحة، لكن ما دام أنه يراعي هذه الضوابط ويتكلم عن علم، ويعظ بالحكمة والموعظة الحسنة فهو غير مسئول، عليه فقط أن يقيم الحجة، فانتبهوا لهذا، حتى لو كان الناس لا يستجيبون فسنظل مطالبين بنصيحتهم. ثم يقول الشنقيطي: ومن حكم ذلك أيضاً: النيابة عن الرسل في إقامة حجة الله على خلقه في أرضه. يعني: هذه الأمة وظيفتها أنها نائبة عن الرسول ﷺ ، لأن الرسول ﵊ هو خاتم الأنبياء والمرسلين ولا نبي بعده، مع أننا نؤمن بأن كل ذكر مولود على الأرض منذ بعثته إلى يوم القيامة مسئول عن دين محمد، وسيسأل في القبر الأسئلة الثلاثة المعروفة: من ربك؟ وما دينك؟ وماذا تقول في رسول الله ﷺ ؟ وقال ﵇: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بي إلا كان من أصحاب النار) كما في صحيح مسلم. فإذاً: علينا أن نعي واجبنا في الدعوة إلى الله في ضوء قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] أي: عدولاً، ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]، فهذه الأمة من مسئوليتها القيام بالشهادة وتحمل دعوة الإسلام وإيصالها إلى كل البشر على وجه الأرض؛ لأنها تخلف الرسول ﵇ في إقامة الحجة على الخلق، يقول الله ﵎: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، فبالنسبة لأمتنا بالذات العلماء ورثة الأنبياء وكل مسلم مطالب بأن يبلغ ما استطاع، يقول النبي ﵊: (بلغوا عني ولو آية) لأنه بهذا البلاغ تقوم الحجة على الخلق، وتظل وظيفة الرسول ﷺ في إقامة الحجة على البشر من خلال القرآن والسنة قائمة عن طريق الأمة التي تبلغ الناس. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه:١٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:٤٧]. وقال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥]، هذه الآية تفهم خطأً كالآية التي نحن بصددها، فقوله: ((عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ)) يظن المتخاذل عن الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنها حجة له في أن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. نقول: المقصود بقوله: ((عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ)) أي: الزموا أنفسكم الحق إن لم يستجب الآخرون. قوله: ((لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)) من ضمن التفاسير التي تبطل هذا المذهب قول من قال: لا يضركم من ضل بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا اهتديتم.

стр. 2394

تفسير قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) قال الله ﵎: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، أي: إلا لهذه الحكمة وهي عبادته تعالى بما أمر على لسان رسوله ﷺ ، إذ لا يتم صلاح ولا تنال سعادة في الدارين إلا بها. يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: اختلف العلماء في معنى قوله: ((إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)) فقال بعضهم: المعنى: ما خلقتهم إلا ليعبدني السعداء منهم ويعصيني الأشقياء، فالحكمة المقصودة من إيجاد الخلق التي هي عبادة الله حاصلة بفعل السعداء منهم كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام:٨٩]، وهذا القول نقله ابن جرير عن زيد بن أسلم وسفيان. وغاية ما يلزم على هذا القول أنه أطلق فيها المجموع وأراد بعضهم، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن، ومن أوضحها قراءة حمزة والكسائي: (فإن قتلوكم فاقتلوهم) من القتل لا من القتال. أما القراءة الأخرى وهي قراءة حفص عن عاصم ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة:١٩١] ليس فيها إشكال، لكن إذا قلنا: (فإن قتلوكم فاقتلوهم) على هذه القراءة يكون المعنى: فإن قتلوا بعضكم، فأطلق الكل وأراد البعض. ثم يقول: ومن شواهده العربية قول الشاعر: فسيف بني عبس وقد ضربوا به نبا من يدي ورقاء عن رأس خالد فقوله هنا: (فسيف بني عبس وقد ضربوا به) يفهم من الشطر الثاني أن المقصود بسيف بني عبس الذي ضربوا به هو أن الذي ضرب به هو واحد، لكن نسب السيف إليهم جميعاً. يقول: فتراه نسب الضرب لبني عبس مع تصريحه أن الضارب الذي نبا بيده السيف عن رأس خالد يعني ابن جعفر الكلابي هو ورقاء يعني ابن زهير العبسي. من ذلك أيضاً قوله تعالى في سورة الحجرات: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات:١٤]، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:٩٩]. وقال بعض العلماء: معنى قوله: ((إلا ليعبدون)) أي: إلا ليقروا لي بالعبودية طوعاً أو كرهاً؛ لأن المؤمن يطيع باختياره، والكافر مذعن منقاد لقضاء ربه جبراً عليه. وهذا كما قلنا: عبودية اختيارية، وعبودية اضطرارية، ومعنى العبودية الاضطرارية: أن سنن الله وأحكام الله تنفذ على الكافر رغماً عنه، إذا شاء الله له أن يولد يولد، وإذا شاء الله له أن يمرض يمرض، وإذا شاء الله له أن يموت في وقت معين يموت في نفس هذا الوقت، وإذا شاء الله أن يعزه يعتز، أو يذله يذل وهكذا، فأفعال الله وقضاء الله ماضية فيه لا انفكاك له عنها، فهذه هي العبودية الاضطرارية. ثم يقول: ويدل له قوله ﵎: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد:١٥] والسجود والعبادة كلاهما خضوع وتذلل لله ، وقد دلت الآية على أن بعضهم يفعل ذلك طوعاً وبعضهم يفعله كرهاً. أي: فالجميع في حالة العبودية، فعلى هذا الأساس اللام في قوله: (إلا ليعبدون) لام التعليل، أي: لإرادة أن يعبدون. إذاً: الإرادة هنا إرادة شرعية. يقول الشنقيطي: وعن مجاهد أنه قال: ((إلا ليعبدون)) أي: إلا ليعرفوني، واستدل بعضهم لهذا القول بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧] ونحو ذلك من الآيات. وعن مجاهد أيضاً في معنى قوله: ((إلا ليعبدون)) أي: إلا لآمرهم بعبادتي، فيعبدني من وفقته منهم لعبادتي دون غيره. وعلى هذا القول: فإرادة عبادتهم المدلول عليها باللام في قوله: ((ليعبدون)) إرادة دينية شرعية، وهي الملازمة للأمر، وهي عامة لجميع من أمرتهم الرسل بطاعة الله، لا إرادة كونية قدرية؛ لأنها لو كانت كذلك لعبده جميع الإنس والجن، والواقع خلاف ذلك، بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:١ - ٣] إلى آخر السورة.

стр. 2395

القول الفصل في معنى قوله تعالى: (إلا ليعبدون) يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: التحقيق إن شاء الله في معنى هذه الآية الكريمة: ((إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)) أي: إلا لآمرهم بعبادتي، وأبتليهم أي: أختبرهم بالتكاليف ثم أجازيهم على أعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر. وإنما قلنا إن هذا هو التحقيق في معنى الآية؛ لأنه تدل عليه آيات محكمات من كتاب الله، فقد صرح تعالى في آيات من كتابه أنه خلقهم ليبتليهم أيهم أحسن عملاً، وأنه خلقهم ليجزيهم بأعمالهم. قال تعالى في أول سورة هود: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧] ثم بين الحكمة من هذا الخلق، بقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:٧]. إذاً: كلمة: (لِيَعْبُدُونِ) تساوي في التفسير: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [هود:٧]. ثم قال الشنقيطي: وقال تعالى في أول سورة الملك: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢]، وقال تعالى في أول الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف:٧]، فتصريحه جل وعلا في هذه الآيات المذكورة بأن حكمة خلقه للخلق هي ابتلاؤهم أيهم أحسن عملاً، يفسر قوله: (لِيَعْبُدُونِ)، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. ومعلوم أن نتيجة العمل المقصود منه لا تتم إلا بجزاء المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ولذا صرح تعالى بأن حكمة خلقهم أولاً وبعثهم ثانياً هو جزاء المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته؛ وذلك في قوله تعالى في أول سورة يونس: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس:٤]، وقوله في النجم: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:٣١]. وقد أنكر تعالى على الإنسان حسبانه وظنه أنه يترك سدى أي: مهملاً لم يؤمر ولم ينه، وبين أنه ما نقله من طور إلى طور حتى أوجده إلا ليبعثه بعد الموت، أي: ويجازيه على عمله، قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٣٦ - ٤٠]، والبراهين على البعث دالة على الجزاء. يعني: جميع الأدلة التي تدل على البعث والنشور هي نفسها تدل على الجزاء؛ لأن البعث والنشور لحكمة الجزاء. ثم يقول الشنقيطي: وقد نزه الله نفسه عن هذا الظن الذي ظنه الكفار به تعالى، وهو أنه لا يبعث الخلق ولا يجازيهم، منكراً ذلك عليهم في قوله ﵎: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦]. ثم يقول: اعلم أن الآيات الدالة على حكمة خلق الله للسماوات والأرض وأهلهما وما بينهما، قد يظن غير المتأمل أن بينهما اختلافاً، والواقع خلاف ذلك؛ لأن كلام الله لا يخالف بعضه بعضاً، وإيضاح ذلك: أن الله ﵎ ذكر في بعض الآيات أن حكمة خلقه للسماوات والأرض هي إعلام خلقه بأنه قادر على كل شيء، وأنه محيط بكل شيء علماً، يقول تعالى في آخر سورة الطلاق: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢]. إذاً: هذه الآية نصت على حكمة خلق الله للسماوات والأرض لماذا؟ ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢]. وذكر في مواضع كثيرة من القرآن الكريم أنه خلق الخلق ليبين للناس كونه هو المعبود وحده، كقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣] ثم أقام البرهان على أنه إله واحد بقوله بعده: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة:١٦٤] إلى قوله: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٤] ولما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١] بين أن خلقهم برهان على أنه المعبود وحده، بقوله بعده: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]. والاستدلال على أن المعبود واحد بكونه هو الخالق كثير جداً في القرآن، يقول تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان:٢ - ٣] وقال تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦] وذكر في بعض الآيات أنه خلق السماوات والأرض ليبتلي الناس، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:٧]. وذكر في بعض الآيات أنه خلقهم ليجزيهم بأعمالهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ [يونس:٤] وذكر في آية الذاريات هذه أنه ما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه. فقد يظن غير العالم أن بين هذه الآيات اختلافاً، مع أنها لا اختلاف بينها؛ لأن الحكم المذكور فيها كلها راجع إلى شيء واحد، وهو معرفة الله وطاعته، ومعرفة وعده ووعيده، فقوله: ((لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))، وقوله: ((اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ)) راجع إلى شيء واحد هو العلم بالله؛ لأن من عرف الله أطاعه ووحده. وهذا العلم يعلمهم الله إياه، ويرسل لهم الرسل بمقتضاه، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، فالتكليف بعد العلم، والجزاء بعد التكليف، فظهر بهذا اتفاق الآيات بأن الجزاء لابد له من تكليف. هل يحاسب الله من هو غير مكلف؟ لا، لا يحاسب الله إلا من هو مكلف، والإنسان لا يصير مسئولاً عن الحق إلا بعد أن يعلمه، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، فإذاً: هناك تلازم بين هذه الأمور كلها. ثم يقول الشنقيطي ﵀: فظهر بهذا اتفاق الآيات بأن الجزاء لابد له من تكليف، وهو الابتلاء المذكور في الآيات، والتكليف لابد له من علم، ولذا دل بعض الآيات على أن حكمة الخلق للمخلوقات هي العلم بالخالق، ودل بعضها على أنها الابتلاء، ودل بعضها على أنها الجزاء، وكل ذلك حق لا اختلاف فيه، وبعضه مرتب على بعض. وقد بينا معنى قوله تعالى: (إلا ليعبدون) في كتابنا: (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩] أي: ولأجل الاختلاف إلى شقي وسعيد خلقهم، وفي قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأعراف:١٧٩] فهذه إرادة كونية قدرية، وأن الإرادة المدلول عليها باللام في قوله تعالى: ((إلا ليعبدون)) إرادة دينية شرعية. وبينا هناك أيضاً الأحاديث الدالة على أن الله خلق الخلق منقسماً إلى شقي وسعيد، وأنه كتب ذلك وقدره قبل أن يخلقهم، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢]، وقال: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]. والحاصل: أن الله دعا جميع الناس على ألسنة رسله إلى الإيمان به وعبادته وحده، وأمرهم بذلك، وأمره بذلك مستلزم للإرادة الدينية الشرعية. يعني: أنه قد يقع وقد لا يقع، وأن الله يحب هذا الذي يأمر به ويرضاه بخلاف الإرادة التكوينية القدرية. ويقول ﵀: ثم إن الله جل وعلا يهدي من يشاء منهم ويضل من يشاء بإرادته الكونية القدرية، فيصيرون إلى ما سبق به العلم من شقاوة وسعادة. وبهذا تعلم وجه الجمع بين قوله تعالى: ((وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ))، وقوله: ((وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)) وبين قوله: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)). إذاً: قوله: ((وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)) اللام فيها تدل على الإرادة الكونية القدرية، لكن قوله: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)) اللام فيها تدل على الإرادة الشرعية الدينية. ثم قال رحمه الله تعالى: وإنما ذكرنا أن الإرادة

стр. 2396

تفسير قوله تعالى: (ما أريد منهم من رزق إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) قال الله ﵎: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٧ - ٥٨] بيان لعظمته ، وأن شأنه مع عبيده لا يقاس به شأن عبيد الخلق معهم، فإن عبيدهم مطلوبون للخدمة والتكسب للسادة، والسيد يجعل العبيد يعملون ثم يعودون عليه بحاصل ما عملوا به، أما الله فهو غني عن العالمين، ولا يطلب من عباده رزقاً ولا إطعاماً، بل هو الذي يرزقهم، وإنما يطلب منهم عبادته ليصرفوا ما أنعم به عليهم إلى ما خلقوا لأجله.

стр. 2397

تفسير قوله تعالى: (فإن للذين ظلموا ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم) قال تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات:٥٩]. قوله: ((فإن للذين ظلموا)) أي: ظلموا أنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد بتكذيب الرسول والإصرار على الشرك والبغي والفساد. ((ذنوباً)) أي: نصيباً وافراً من العذاب. وأصل الذنوب في لغة العرب: الدلو، وعادة العرب أنهم يقتسمون ماء الآبار والقُلُب بالدلو، فيأخذ هذا منه ملء دلو، ويأخذ الآخر كذلك، ومن هنا أطلقوا اسم الذنوب التي هي الدلو على النصيب، فأصل الذنوب النصيب، لكن لما كان هذا النصيب لا يحصل عليه إلا بالدلو صارت تأخذ معنى النصيب. قال الراجز في اقتسامهم الماء بالدلو: لنا ذنوب ولكم ذنوب فإن أبيتم فلنا القليب يعني: لنا نصيب ولكم نصيب، فإن أبيتم فلنا القليب. أي: سنأخذ نحن كل البئر. ويروى أيضاً: إنا إذا سار بنا سريب له ذنوب ولنا ذنوب فإن أبى كان لنا القليب ومن إطلاق الذنوب على مطلق النصيب قول علقمة بن عبدة التميمي، وقيل: عبيد: وفي كل حي قد خبطت بنعمة فحق لكأس من نداك ذنوب وقول أبي ذؤيب: لعمرك والمنايا طارقات لكل بني أب منها ذنوب (المنايا): الموت. وقوله: (لكل بني أب منها ذنوب) أي: لكل إنسان منها نصيب، ولابد أن يشرب من كأس الموت نصيبه. إذاً: الذنوب في البيتين النصيب. قوله: ((فإن للذين ظلموا)) أي: بتكذيب النبي ﷺ . (ذنوباً) أي: نصيباً من عذاب الله. ((مثل ذنوب أصحابهم)) أي: من الأمم الماضية من العذاب لما كذبوا رسلهم، كما قال تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر:٥٠ - ٥١]، أي: سيحصلون على نفس النصيب من العذاب. وقال تعالى هنا: ((فلا يستعجلون)) كما قال: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ﴾ [الرعد:٦]، وقال تعالى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤]. يقول القاسمي: ((ذنوباً)) أي: نصيباً وافراً من العذاب. ((مثل ذنوب أصحابهم)) أي: مثل أنصباء نظرائهم من الأمم المحكية، وقوله: ((أصحابهم)) أي: أزواجهم وأصنامهم أو نظرائهم، وليس أصحابهم الذين يعيشون معهم. وأصل الذنوب الدلو العظيمة الممتلئة ماء، أو القريبة من الامتلاء، وهي تذكر وتؤنث فاستعيرت للنصيب مطلقاً، في الشر كالنصيب من العذاب كما في الآية، أو في الخير كما في العطاء في الشعر الذي ذكرناه، وهو مأخوذ من مقاسمة السقاة الماء بالذنوب، فيعطى لهذا ذنوب والآخر مثله. ((فلا يستعجلون)) أي: لا يطلبوا مني أن أعجل هذا الذنوب قبل أجله، فإنه لابد آتيهم، ولكن في حينه المؤخر لحكمة.

стр. 2398

تفسير قوله تعالى: (فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون) قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٦٠]، كما قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧]، وقال : ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [إبراهيم:٢]، وقال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:١٥]، فكلمة (ويل) قال بعض أهل العلم: إنها مصدر لا فعل له من لفظه، ومعناها: الهلاك الشديد. وقيل: هو واد في جهنم تستعيذ من حره. والذي سوغ الابتداء بهذه النكرة أن فيها معنى الدعاء عليهم بهذا الويل. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ)) أي: توعدوا فيه نزول العذاب بهم، وماذا يلقون فيه من البلاء والجهد، واليوم يوم القيامة، أو يوم بدر. قال أبو السعود: والأول هو الأنسب؛ لما في صدر السورة الكريمة الآتية؛ لأنه كما تعلمون أن هناك علم التناسب والترابط بين سور القرآن بعضها ببعض من حيث الترتيب، فالسورة التالية التي هي سورة الطور في صدرها جاء قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ * يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطور:٧ - ١٠]، فقوله: (يوم) كأن هذا اليوم الذي ورد ذكره هنا في صدر سورة الطور هو الذي اختتم به سورة الذاريات التي قبل هذه السورة مباشرة، ((فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ))، أي يوم هو؟ إنه يوم تمور السماء موراً، وتسير الجبال سيراً. فإذاً: هذا يكون أقرب من القول أن اليوم هو يوم بدر، ((فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ)). قال أبو السعود: هو الأنسب؛ لما في صدر السورة الكريمة الآتية، والثاني هو الأوفق لما قبله، منه قوله تعالى: ((فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ)) فيكون هنا أنسب لما قبله؛ لأن كفار قريش أخذوا نصيبهم من الهلاك يوم بدر، والله تعالى أعلم.

стр. 2399

تفسير سورة الطور [١ - ٣٤]

стр. 2400

بين يدي سورة الطور قال المهايمي: سميت هذه السورة بالطور لما تضمن من تعظيم مهبط الوحي، فالوحي أولى بالتعظيم. والطور هو مكان مهبط الوحي على موسى ﵇، فإذا بلغ من شرف هذا الجبل الذي كلم الله عليه موسى أن أقسم الله به، وسميت السورة به تعظيماً لمهبط الوحي، فكيف بالوحي نفسه؟! لا شك أنه أولى بالتعظيم. فيعظم الاهتمام بالعمل، لاسيما وقد عظم مصعد العمل وثمرته، وهذا من أعظم مقاصد القرآن. وهذه السورة مكية، وآيها تسع وأربعون، وترتيبها في المصحف الثانية والخمسون. روى الشيخان ومالك عن جبير بن مطعم قال: (سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فما سمعت أحداً أحسن صوتاً أو قراءةً منه)، وعلى هذا فهذه السورة من السور التي تتلى في صلاة المغرب؛ لهذا الحديث. وروى البخاري عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: (شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي -يعني: أنها مريضة- فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة، فطفت ورسول الله ﷺ يصلي إلى جنب البيت يقرأ بـ ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور:١ - ٢]).

стр. 2401

تفسير قوله تعالى: (والطور وكتاب مسطور في رق منشور) يقول الله : ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور:١ - ٦]. قوله: ((وَالطُّورِ)) قيل: إن المقصود به: طور سينين، وطور سينين أقسم الله به في سورة أخرى من القرآن الكريم. فقوله: ((وَالطُّورِ)) أي: وطور سينين. وهو جبل بمدين سمع فيه موسى صلوات الله عليه كلام الله تعالى، واندك بنور تجليه ﵎. وكتب التفسير تذكر أن هذا الجبل جبل بمدين، وقيل: إن اسمه الزَّبير، قال الجوهري: والزَّبير: الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. وقيل: الطور كل جبل أنبت، وما لا ينبت فليس بطور. وأما مدين فهي مدينة قوم شعيب، وهي تجاه تبوك على بحر القُلزم، يعني: على البحر الأحمر، وبتعبير أدق على خليج العقبة، وبين تبوك ومدين ست مراحل، وهي أكبر من تبوك، وبها البئر التي استقى منها موسى لغنم شعيب. فعلى هذا فالظاهر أن الجبل هو جبل طور سينين أو جبل الطور الذي في مدين الذي كلم الله عليه موسى. ويتضح من سياق هذا الكلام أن هذا الجبل يقع في الحد الشمالي الغربي من جزيرة العرب، فما أدري ما هو التحقيق في ذلك، خاصة وأنه يشيع عندنا: أن هذا الجبل في سيناء! وحتى الآن ما وقفت على كلام قاطع يوضح هذه المسألة، هل هو الجبل الذي في سيناء أم أنه الجبل الذي في مدين؟ ولكن الظاهر أنه الذي في مدين، والله ﵎ أعلم.

стр. 2402

كلام الشنقيطي في أول سورة الطور يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: هذه الأقسام التي أقسم الله بها في أول هذه السورة الكريمة، أقسم ببعضها بخصوصه وأقسم بجميعها في آيات عامة لها ولغيرها. أما الذي أقسم به منها إقساماً خاصاً فهو: الطور والكتاب المسطور والسقف المرفوع. يقول الشنقيطي: والأظهر: أن الطور الجبل الذي كلم الله عليه موسى، فقد أقسم الله تعالى بالطور في قوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين:١ - ٢]. والأظهر أن الكتاب المسطور هو: القرآن العظيم، وقد أكثر الله من الإقسام به في كتابه، كقوله تعالى: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الدخان:١ - ٢]، وقوله تعالى: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس:١ - ٢]. وقيل: (الكتاب المسطور) هو كتاب الأعمال، يعني: الذي تسجل فيه أعمال العباد. وقيل غير ذلك. وقوله: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ [الطور:٥] هو السماء، وقد أقسم الله بها في كتابه في آيات متعددة، كقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [الذاريات:٧]، وقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج:١]، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس:٥]. و (الرَّق) في قوله: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:٣] بفتح الراء: كل ما يكتب فيه من صحيفة وغيرها، وقيل: هو الجلد المرقق ليكتب فيه. وقوله: ((مَنْشُورٍ))، يعني: مكتوب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء:١٣] يعني: يلقاه مبسوطاً، وقوله تعالى أيضاً: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر:٥٢]. وقوله: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ [الطور:٤]: هو البيت المعروف في السماء، المسمى بالضراح، وقيل فيه: معمور لكثرة ما يغشاه من الملائكة المتعبدين، فقد جاء في الحديث: (يزوره كل يوم سبعون ألف ملك ولا يعودون إليه بعدها) يعني: أنه يطوف يومياً بالبيت المعمور في السماء سبعون ألف ملك، والذي يحج إليه مرة لا يحج إليه بعد ذلك، بمعنى: أنه يزوره في كل يوم سبعون ألف ملك جديد، ولا يعودون إلى البيت بعد ذلك، وإنما يأتي كل يوم سبعون ألف ملك لم يسبق لهم أن أتوا إلى هذا البيت المعمور في السماء من قبل. وأما قوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور:٦]: ففيه وجهان من التفسير للعلماء: أحدهما: أن المسجور هو الموقد ناراً، قالوا: وسيضطرم البحر يوم القيامة ناراً، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر:٧٢] يعني: توقد عليهم النار، فالبحر ماء، ومع ذلك يوصف بأنه مسجور. وكنا من قبل يصعب علينا جداً تصور كيف يكون البحر مسجوراً والبحر ماء، والمسجور هو الموقد ناراً، فكيف يجتمع الماء والنار؟! وقربت هذه الصورة إلى أذهاننا شيئاً ما حينما حصلت الكارثة منذ عدة سنوات في الصعيد، وذلك لما حصلت سيول شديدة جداً مع حصول احتراق في مستودع بترول، فكانت السيول تحمل البترول، ولأن كثافته أخف كان يرتفع إلى سطح الماء، فالكارثة كانت شديدة بسبب أن الماء كان يتحرك ويحمل فوق ظهره النار، وذلك هو الذي أشاع الدمار والحريق في كل المباني والبيوت، فهذا مما قرب إلينا شيئاً مما كنا لا نتصوره من كون البحر يحمل النار، فاجتمع الماء والنار معاً في الدنيا، فكيف لا يجتمعان حينما تنتهي هذه الحياة؟! إذاً: التفسير الأول: أن المسجور بمعنى الموقد ناراً، أي: أن البحر نفسه يتحول إلى نار، قال العلماء: وسيضطرم البحر يوم القيامة ناراً، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر:٧٢]. الوجه الثاني في تفسير المسجور: أنه بمعنى المملوء، ويسمى البحر بالمسجور؛ لأنه مملوء ماءً، ومن إطلاق المسجور على المملوء قول لبيد بن ربيعة في معلقته: فتوسطا عرض السري وصدعا مسجورةً متجاوراً قلامها فقوله: مسجورة، أي: عين مملوءة ماءً. وقول النمر بن تولب العكلي: إذا شاء طالع مسجورة ترى حولها النبع والسماسما والسماسم شجر يتخذ منه القسي والسهام، ومثله أيضاً النبع، فقوله: إذا شاء طالع مسجورة، يعني: عيناً مملوءة ماءً. هذان الوجهان مذكوران في معنى المسجور، وهما أيضاً مذكوران في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير:٦]، فقوله: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير:٦] يعني: إما أنها سجرت بامتلاءها بالماء، وإما سجرت بمعنى: أوقدت وأضرمت ناراً. فهذه الجملة السابقة من الآيات في كل قسم من هذه الأقسام أتينا بالأدلة على أنه أقسم الله بها في موضع آخر، لكن هناك قسم عام أقسم به الله يشمل هذه الأشياء وكل ما أقسم الله به، وهو قول الله ﵎: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة:٣٨ - ٣٩]، فالإقسام في هذه الآية عام بكل شيء.

стр. 2403

كلام القاسمي في أول سورة الطور يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ﴿وَالطُّورِ﴾ [الطور:١] أي: وطور سينين، جبل بمدين، سمع فيه موسى صلوات الله عليه كلام الله تعالى، واندك بنور تجليه تعالى. ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور:٢] مكتوب، والمراد به القرآن، أو ما يعم الكتب المنزلة. ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:٣] يعني: أن الكتاب مسطور في رق منشور. إذاً: قوله: ((فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ)) متعلق بقوله: ((مَسْطُورٍ)) أي: وكتاب سطر في رق منشور يقرأ على الناس جهاراً، والرق: الصحيفة أو الجلد الذي يكتب فيه. وغلَّط الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى من قال إن الكتاب المسطور في رق منشور هو: اللوح المحفوظ، قال: لأن اللوح المحفوظ ليس برق. يعني: ليس عبارة عن جلد معد للكتابة عليه، فلا يطلق عليه وصف الرق. أيضاً غلَّط بعض العلماء قول من قال: إن قوله تعالى: ((وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ)) المقصود به التوراة؛ لأن التوراة كانت في ألواح، كما قال تعالى: ﴿وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ﴾ [الأعراف:١٥٠]، ولم تكن في رق. فبالتالي لا يصح تفسير قوله: ((وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ)) بأنه التوارة. ومما أُيّد به التفسير الذي ذكرناه وأنه هو الراجح -وهو أن الكتاب المسطور المقصود به القرآن الكريم- الربط دائماً بين موسى ﵇ وبين محمد ﵊، وبين الأمة المحمدية وأمة بني اسرائيل، وبين التوراة وبين القرآن الكريم، وهذا كثير في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف:٣٠]. والكتاب الأساسي هو التوارة، أما الإنجيل فجاء مكملاً فقط للتوراة، لذلك قالت الجن كما حكى الله عنهم: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣٠]، فهنا حصل الربط بين القرآن وبين موسى ﵇. كذلك لما اصطحبت خديجة رضي الله تعالى عنها النبي ﷺ إلى ورقة بن نوفل، قال له: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، فربط بين موسى وبين محمد ﵊. كذلك قول النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة. كذلك في صدر سورة الإسراء، نلاحظ هذا الربط بين موسى وبين محمد عليهما الصلاة والسلام، وذلك في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء:١] إلى قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الإسراء:٢]. فيلاحظ في القرآن الكريم: التشابه الشديد بين موسى وبين محمد صلى الله عليهما وسلم، سواء في النشأة أو أطوار الرسالة، وهذا كله مصداق ما جاء من البشارة في التوراة. وقد ذكرت الملائكة لـ هاجر أن الله سوف يجعل من نسلها ولداً مباركاً، وهو إسماعيل ﵇، وهذه البشارة ما زالت موجودة بين أيدي اليهود والنصارى إلى اليوم، وفيها: (وأقيم لهم من إخوتك نبياً مثلك) أي: مثل موسى، فهذه المثلية هي التي نشير إليها؛ لوجود صور كثيرة من التشابه بينهما، ولا يوجد هذا التشابه الكبير بين المسيح وبين محمد ﵊، وإنما دائماً التشابه يكون بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وهذا كله مصداق هذه البشارة التي فيها: (أقيم لهم من إخوتك نبياً مثلك). يعني: مثل موسى ﵇. فمما يرجح أن الكتاب المسطور المراد به القرآن؛ هذا المبدأ الذي أشرنا إليه، وهو الربط والارتباط الوثيق بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وبين التوراة وبين القرآن، ومن ذلك قوله ﵎: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين:١ - ٣]، حلف الله تعالى وأقسم بالمواضع الثلاثة التي أنزل فيها الوحي على الأنبياء. فقوله: ((وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ))، هذا إقسام ببلاد الشام، حيث ينبت التين والزيتون. وقوله: ((وَطُورِ سِينِينَ))، حيث كلم الله موسى ﵇. وقوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين:٣]، يعني: مكة، حيث أنزل الوحي على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكذلك هنا قرن بين الطور الذي هو مهبط كلام الله على موسى، وبين القرآن الكريم.

стр. 2404

معنى قوله تعالى: (والبيت المعمور) قوله تعالى: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ [الطور:٤] أي: الذي هو معمور بكثرة من يغشاه، وهو الكعبة المعمورة بالحجاج والعمار والطائفين والعاكفين والمجاورين، وهذا هو الذي اعتمده القاسمي، فقد رجح أن البيت المعمور هو البيت الحرام بمكة المكرمة، والذي لا يوجد على سطح الأرض بيت يعبد الله ويوحد كما ينبغي له إلا في هذا المكان وحده والعاكفين والمجاورين وغير ذلك. وهناك قول آخر وهو: أن البيت المعمور هو بيت في السماء بحيال الكعبة في الأرض، يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة ثم لا يعودون إليه أبداً. قال القاسمي: والأول أظهر، أي: أن البيت المعمور المقصود به الحرم الشريف؛ لأنه يناسب ما جاء في سورة التين من عطف البلد الأمين على طور سينين، والقرآن يفسر بعضه بعضاً؛ لتشابه آياته كثيراً، وإن تنوعت بلاغة الأسلوب. أما القول: بأن البيت المعمور هو البيت الذي في السماء، فدليله ما ثبت في صحيح مسلم عن مالك بن صعصعة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في حديث الإسراء: (ثم رفع لي البيت المعمور، فقلت: يا جبريل! ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا إليه آخر ما عليهم). ويمكن أن تقرأ (آخرُ ما عليهم)، إن قلنا: (آخرَ ما عليهم) فالنصب على الظرفية، وإن قلنا: (آخرُ ما عليهم) فالرفع على تقدير: ذلك آخرُ ما عليهم، وهذا أولى. وفي حديث أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: (ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل ﵇، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ . قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم ﵇ مسنداً ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه). قال المهايمي: أورده بعد الكتاب الذي هو الوحي، يعني: بعدما أقسم الله بالكتاب بقوله: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور:٢]، وهو الوحي، أورد بعد ذلك البيت المعمور، فربط بين الوحي وبين البيت المعمور، وعلى القول بأن البيت المعمور هو الكعبة، فكأن الربط هنا بين الوحي نفسه وبين مكان الوحي الذي هو البيت المعمور في مكة المكرمة. يقول: أورده بعد الكتاب الذي هو الوحي؛ لأنه محل أعظم الأعمال المقصودة منه؛ ولأنه مظهر الوحي ومصدر الرحمة العامة المهداة للعالمين؛ ولأنه من أجل الآيات وأكبرها، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٦٧]، وآيات أخر.

стр. 2405

معنى قوله تعالى: (والسقف المرفوع والبحر المسجور) قوله تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ [الطور:٥] يعني: السماء، وجعلها سقفاً لأنها للأرض كسماء البيت الذي هو سقفه، يقول تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء:٣٢]. وقيل: إن السقف المرفوع هو العرش، على أساس ما ثبت من كون العرش هو سقف الجنة. وقوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور:٦] المسجور هو المملوء، أو: المسجور هو الذي يوقد، ويصير ناراً، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير:٦]. قال ابن جرير: والأول أولى. فشيخ المفسرين رجح أن المقصود بالبحر المسجور: المملوء. يعني: أن معناه البحر المملوء المجموع ماؤه بعضه في بعض؛ لأن الأغلب أن من معاني السجر الإيقاد أو الامتلاء. والبحر غير موقد اليوم، وثبتت له الصفة الثانية وهي الامتلاء؛ لأنه كل وقت ممتلئ، وهذه الأقسام كلها دلائل أخرجت في صورة الأيمان؛ لأن الله لا يقسم من مخلوقاته إلا بما كان عظيماً. وفيه إشارة إلى دلائل وحدانيته وقدرته .

стр. 2406

تفسير قوله تعالى: (إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع) ما مضى هو القسم، أما المقسم عليه فهو قوله ﵎: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور:٧ - ٨] يعني: ما له من دافع يدفعه عن المكذبين، فينقذهم منه إذا وقع. ومثل هذا آيات أخر تثبت نفس هذه الحقيقة، كقول الله ﵎: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات:٥ - ٦]. وقوله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران:٩]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام:١٣٤]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة:٢]. وقوله: ((إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ)) [الطور:٧ - ٨]. قال جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه: (قدمت المدينة لأسأل رسول الله ﷺ في أسارى بدر، -يعني: كان مشركاً في ذلك الوقت، وأتى لفداء أسرى بدر- فوافيته، -يعني: وصل إلى النبي ﵊ يقرأ في صلاة المغرب: ﴿وَالطُّورِ﴾ [الطور:١]، إلى قوله: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ) [الطور:٧ - ٨]، -فكأنما صدع قلبي)، يعني: كأنما تشقق قلبه إشفاقاً وخوفاً من هذه الآية الكريمة ((إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ))، يقول جبير رضي الله تعالى عنه: (فكأنما صدع قلبي، فأسلمت خوفاً من نزول العذاب، وما كنت أظن أن أقوم من مقامي حتى يقع بي العذاب). وعن هشام بن حسان قال: انطلقت أنا ومالك بن دينار إلى الحسن، وعنده رجل يقرأ: ((وَالطُّورِ))، حتى بلغ: ((إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ)) [الطور:٧ - ٨]، فبكى الحسن وبكى أصحابه، فجعل مالك يضطرب حتى غشي عليه. فهذه الآية من أخوف الآيات في كتاب الله ﵎؛ ولذلك جاء أن عمر رضي الله تعالى عنه قرأها في الصلاة فغشي عليه خوفاً وشفقةً من هذا الوعيد الشديد، ولما سقط حمل إلى بيته وظل يعاد أياماً، يزوره الناس يحسبونه مريضاً، وما به مرض، وإنما به الخوف من مما دلت عليه هذه الآية الكريمة! ولما ولي بكار القضاء، جاء إليه رجلان يختصمان، فتوجهت على أحدهما اليمين، فرغب إلى الصلح بينهما، يعني: أن القاضي رغب الشخص الذي حق عليه أن يحلف بالصلح؛ لأن الآخر ليس عنده بينه، فالبينة على من ادعى واليمين على من أنكر، فحاول القاضي أن يحرض هذين الخصمين على الصلح، وحرض الذي قبل أن يحلف أنه يعطي خصمه من عنده عوضاً عن يمينه! يضحي بشيء من ماله عوضاً عن أن يحلف، فأبى إلا أن يحلف أنه ليس عنده شيء، فأحلفه بأول ((وَالطُّورِ))، إلى أن قال له: قل: ((إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ)) [الطور:٧] إن كنت كاذباً. وفي بعض الروايات: قل: إن عذاب الله بي لواقع إن كنت كاذباً، فقالها، وحلف هذا اليمين، فخرج فكسر من حينه، ولم يفصل، يعني: لم يبين الراوي هل انكسرت رقبته مثلاً فمات أم انكسر منه شيء آخر، على أي الأحوال هذا مما يدل على عظم هذه اليمين. فقوله تعالى: ((إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ)) [الطور:٧ - ٨]، يعني: لا يدفعه دافع عن المكذبين، فينقذهم منه إذا وقع.

стр. 2407

تفسير قوله تعالى: (يوم تمور السماء موراً وتسير الجبال سيراً) قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطور:٩ - ١٠]. العامل في ((يوم)) قوله: ((واقع)) يعني: واقع يوم. وقوله: ((تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا)) أي: تضطرب. وقوله: ((وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا)) أي: تسير عن وجه الأرض، فتصير هباءً منثوراً، واستدل على هذا التفسير بقوله ﵎: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل:٨٨].

стр. 2408

تفسير قوله تعالى: (فويل يومئذٍ للمكذبين) قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور:١١] أي: المكذبين بالحق الجاحدين له. وقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور:١٢] يعني: في خوض من التكذيب والاستهزاء، يلعبون بآيات الله ودلائله. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور:١٣] أي: يدفعون إليها بعنف، يقال: دععت في قفاه، إذا دفعته في قفاه بإزعاج وشدة، كما يفعل الشرطي بالمجرم الذي يقبض عليه، فإنه يدفعه من الظهر أو من قفاه بشدة إلى الأمام. وقوله تعالى: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور:١٤] يعني: يقال لهم: (هذه النار التي كنتم بها تكذبون). وقوله تعالى: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥] يعني: الذي وردتموه الآن، أهذا سحر؟ والفاء هنا للسببية؛ لتسبب هذا عما قالوه في الوحي؛ لأنهم لما وصفوا الوحي بأنه سحر وردوا العذاب نتيجة هذا القول؛ تسبب لهم فيما هم فيه من الدع ومن العذاب. فقوله: ((أَفَسِحْرٌ هَذَا)) أي: أم هذا الذي تردونه الآن من النكال والعذاب، هل هذا سحر؟ وقوله: ((أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ)) أي: أم كما كنتم لا تبصرون في الدنيا، لا تبصرون في الآخرة أيضاً؟ قال الزمخشري: يعني: أم أنتم عمي عن المخبر عنه كما كنتم عمياً عن الخبر؟ وهذا تقريع وتهكم. ثم قال تعالى لهم: ﴿اصْلَوْهَا﴾ [الطور:١٦] أي: ذوقوا حر هذه النار. وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا﴾، يعني: على ألمها. ﴿أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: سواء عليكم الأمران ((سواء)) مبتدأ، والخبر ((عليكم))، أي: الصبر والجزع كلاهما عليكم سواء، كما قال الله ﵎: ﴿قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١]. فقوله: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور:١٦] أي: الأمران: الصبر وعدمه سواء عليكم. وقوله: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: لا تعاقبون إلا على معصيتكم في الدنيا لربكم وكفركم به. والإتيان بهذه الصيغة هنا المقصود بها التعليل، يعني: علة هذا التعذيب ما عملتموه من قبل. قال الزمخشري: فإن قلت: لمَ علل استواء الصبر وعدمه بقوله: ((إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ))؟ قلت: لأن الصبر إنما يكون له مزية على الجزع؛ لنفعه في العاقبة، بأن يجازى عليه الصابر جزاء الخير. فأما الصبر على العذاب -الذي هو الجزاء- ولا عاقبة له ولا منفعة، فلا مزية له على الجزع. يعني: أنه علل قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور:١٦]، بأن المقصود: اصبروا على ألمها أو لا تصبروا، فالصبر والجزع كلاهما سواء، وذكر العلة بقوله: ((إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ))، إشارة إلى أن الصبر والجزع لا يستويان في دار الدنيا، التي هي دار العمل والكسب والسعي، فالإنسان يصبر ولا يجزع، فإذا صبر فإنه يثاب على هذا الصبر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]، فالصبر يكون مراً، لكن عاقبته عاقبة طيبة. والإنسان عليه أن يصبر على مرارة الصبر؛ لأنه يرى ببصيرته حلاوة العاقبة، سواء في الدنيا أو في الآخرة، فالصبر له ثمرة وعاقبة حسنة في الدنيا وفي الآخرة. أما الجزع في الدنيا فلا شك أن الصبر أفضل منه؛ لأن الصبر يرجى من ورائه عاقبة حلوة، أما في دار الجزاء بعدما انتهت الدنيا، فليس فيها أي كسب جديد، فقد انتهى العمل، وانقطعت الأسباب وانقطع العمل. فحينما ينتقل الإنسان إلى دار الجزاء، فيدخل النار ويعذب، فيصبر أو لا يصبر، لا فرق بين الاثنتين؛ لأن الصبر هنا في هذه الحالة لا يرجى من ورائه فائدة؛ لأنه في دار الجزاء، ودار الثواب أو العقاب، وليس في دار العمل.

стр. 2409

تفسير الشنقيطي لقوله تعالى: (يوم يدعون إلى نار جهنم دعاً) يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور:١٣]: الدع في لغة العرب: الدفع بقوة وعنف، ومنه قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون:٢] أي: يدفعه عن حقه بقوة وعنف. وقد تضمنت هذه الآية الكريمة أمرين: أحدهما: أن الكفار يدفعون إلى النار بقوة وعنف يوم القيامة. الثاني: أنهم يقال لهم يوم القيامة توبيخاً وتقريعاً: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور:١٤]، كقوله ﵎: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:٢٢]. وقال تعالى في سورة سبأ: ﴿فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [سبأ:٤٢]. وقال تعالى في سورة المرسلات: ﴿انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ * إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات:٢٩ - ٣٢]. وقوله : ((يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا))، يبينه قوله في سورة الدخان: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان:٤٧] يعني: جروه بقوة وعنف إلى وسط النار. والعتل في لغة العرب: الجر بعنف وقوة. ومنه قول الفرزدق: ليس الكرام بناحليك أباهم حتى ترد إلى عطية تعتل وقال : ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ﴾ [الرحمن:٤١]، وهذه الصورة من صور العتل أو الدفع بعنف والدع الشديد وبقوة تكون داخل النار. وقوله : ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ﴾ [الرحمن:٤١]، هذا فيه تفصيل أكثر وتوضيح أكثر لكيفية الدع بعنف، يعني: أن الزبانية تجمع بين ناصية الواحد منهم وبين قدمه، والناصية هي: مقدم شعر الرأس، فتمسك الملائكة بمقدم شعر رأسه وتجمعه مع قدمه. فيا له من منظر فظيع: أن يأتي الملك ويقبض على قدم الإنسان مع ناصيته، ثم يدفعه في النار بقوة وشدة. وبين الله أيضاً: أن من صور هذا الدع أو العتل الشديد: أنهم يسحبون في النار على وجوههم، كما قال ﵎: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر:٤٨]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر:٧٠ - ٧٢]. وقوله هنا في هذه الآية: ((يَوْمَ يُدَعُّونَ)) بدل من قوله تعالى: ((يَوْمَئِذٍ))، فإنه تعالى قال: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور:١١]، ثم قال: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور:١٣].

стр. 2410

تفسير قوله تعالى: (إن المتقين في جنات ونعيم فاكهين بما آتاهم ربهم) قال ﵎: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الطور:١٧ - ١٨] يعني: متلذذين بما لديهم من الفواكه الكثيرة. وقوله تعالى: ((فَاكِهِينَ)) مفردها: فاكه، وفاكه معناها: ذو فاكهة، كتامر ذو تمر، ولابن ذو لبن، كذلك فاكه، يقال: رجل فاكه: يعني: ذو فاكهة. ويقول الشاعر: وغررتني وزعمت أنك لابن بالصيف تامر يعني: أنك ذو لبن وذو تمر.

стр. 2411

تفسير قوله تعالى: (كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون متكئين على سرر مصفوفة) قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور:١٩ - ٢٠]. قوله تعالى: ((مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ))، زوجناهم هنا بمعنى قرناهم بالحور العين، فهي مثل قول الله ﵎: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات:٢٢] يعني: قرناءهم أو أشكالهم، وليس من كلام العرب: تزوجت بامرأة، ولا زوجته بامرأة. إذاً: قوله تعالى هنا: ((وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ)) الفعل هنا تعدى بالباء، وليس في كلام العرب (زوّج بـ). ولذلك في التفسير نقول: إن قوله تعالى: ((وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ)) أي: قرناهم بحور عين، وهذا كقوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات:٢٢] يعني: قرناءهم، وقال بعضهم: إن (زوجت بـ) لغة أزد شنوءة أو قبيلة معينة من العرب، والله تعالى أعلم. وقوله: ((بِحُورٍ عِينٍ)) عين: جمع عيناء، وهي الواسعة العين في حسن.

стр. 2412

تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم) قال ﵎: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١]. قوله: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ)) يعني: أنهم آمنوا، ثم إن ذريتهم من بعدهم اقتفت آثارهم في الإيمان والعمل الصالح. وقوله: ((أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ)) يعني: في الجنات والنعيم. والخطاب لما كان مع الصحابة رضي الله تعالى عنهم وهم واثقون بوعد الله، تمت لهم البشارة بالموعود به بأنه سوف ينال ذريتهم أيضاً، ولكن هذا بشرط أن يتبعوا آباءهم بإحسان، فإذا جاءت الذرية واتبعت الآباء بإحسان، فيكافئ الله هؤلاء الآباء بأن يضم إليهم ذريتهم في الجنات والنعيم، هذا هو المراد من الآية، والقاسمي رحمه الله تعالى يرجح هذا التفسير. فقوله: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ)) يعني: بشرط أن تتبعهم ((بِإِيمَانٍ)) والجزاء هو: ((أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ)). فشرط استحقاق أن يلحق بالآباء الأبناء والذرية أن يتبعوا آباءهم بإحسان على نفس الطريقة، هذا هو المراد من الآية، وأما من قال في معناها: إن المؤمن ترفع له ذريته، فيلحقون به، وإن كانوا دونه في العمل، فلا تقتضيه الآية تصريحاً ولا تلويحاً، وهذا شائع في كتب التفسير، حيث يذكر كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية: إن الذرية تلحق بالآباء ولو كانت الذرية دون الآباء في العمل، فإن من النعيم الذي ينعم الله به على الآباء أن يرفع الذرية وإن كانوا دون آبائهم في العمل إلى مقامهم؛ لأنهم يقولون: إنما كنا نعمل لأولادنا، يعني: نعمل العمل الصالح حتى تكون عاقبته في أولادنا، ويوردون في ذلك كثيراً من الآثار، وهذا المعنى إذا صح في الحديث فعلى العين والرأس، أما إن لم يصح في الحديث فلا يصح أن نفسر به هذه الآية؛ لأن الآية لا تدل على هذا المعنى الذي يذكرونه، وإنما تدل على ما ذكره القاسمي هنا: أن ذلك إنما هو بشرط أن يتبع الأبناء آباءهم بإحسان، ويتبعوهم بإحسان. فأما قول من قال: إن المؤمن ترفع له ذريته، فيلحقون به، وإن كانوا دونه في العمل! فلا تقتضيه الآية تصريحاً ولا تلويحاً. وقوله: ((وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ)) يعني: وما نقصناهم من ثواب عملهم شيئاً. وقوله: ((كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ)) أي: بما عمل من خير أو شر مرتهن به، لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، وإنما يعاقب بذنب نفسه، و (كل) تفيد العموم، فكل إنسان حبيس أو رهين بما عمل من خير أو شر، ولا يؤاخذ إلا بعمله، فلا يؤاخذ أحد بذنب غيره، وإنما يعاقب بذنب نفسه، وهذا مبدأ المسئولية الفردية، وهو من أحد الخصائص الواضحة جداً في دين الإسلام، كما قال : ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٣ - ١٥]. وقول الله ﵎ هنا: ((كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ)) يؤكد هذا المعنى، فلا يؤاخذ أحد بذنب غيره.

стр. 2413

تفسير الشنقيطي لقوله تعالى: (وما ألتناهم من عملهم من شيء) يقول العلامة الشنقيطي في تفسيرها: ظاهر هذه الآية الكريمة العموم في جميع الناس، وقد بين الله تعالى في آيات أخرى، أن أصحاب اليمين خارجون من هذا العموم، وذلك في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨] وهذا على تفسير قوله: ((رَهِينَةٌ)) بمعنى حبيسة بما كسبت. وعلى هذا المعنى فالذي حبس هم كل المجرمين أو الكفار؛ ولذلك استثنى فقال: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [المدثر:٣٩ - ٤١]، ومن المعلوم أن التخصيص بيان كما تقرر في الأصول. وهذا كما قال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة:٣٢ - ٣٣]، وقال أيضاً: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [محمد:١٥]، وقال: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة:٢٥]، وقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات:٤١ - ٤٢]. أما اللحم المذكور: فوصف بأنه من الطير، قال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:٢٠ - ٢١]، والإنسان روح وجسد، فكما تتنعم الروح كذلك يتنعم الجسد. فلا يوجد أي إشكال في هذا، بل بالعكس هذا من أساليب الترغيب التي تتوافق مع الفطرة السليمة، فالإنسان روح وجسد، وكما أن الجسد يتنعم كذلك الروح تتنعم. ثم قد دلت الأدلة على أن المتاع الروحي لأهل الجنة أعلى بكثير من المتاع الحسي، بدليل قوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢]، وبدليل أنهم إذا تجلى لهم الله وكشف لهم وجهه الكريم في الجنة، فإنهم يتلهون وينسون كل ما هم فيه من النعيم. واليهود والنصارى في موضوع الجنة أو النار ليس عندهم أي نوع من التفصيل، فمن منة الله ونعمته علينا أن جعلنا من هذه الأمة التي جاء فيها هذا العلم الوافر من القرآن ومن السنة، وأعلمنا بكثير من الغيبيات التي امتازت الأمة الإسلامية بها على من عداها من الأمم، فجاء التوضيح الشافي لأمور كثيرة من المغيبات بفضل الوحي، فعرفنا تفاصيل ما يحصل في الغيب، وبالذات ما نحن بصدده من الكلام في تفاصيل نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار.

стр. 2414

تفسير قوله تعالى: (وأمددناهم بفاكهة ولهم مما يشتهون يتنازعون فيها كأساً) قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الطور:٢٢] قوله: ((وأمددناهم)) في هذا أن المدد مستمر، يعني: زدناهم وقتاً بعد وقت، فهو مدد متجدد ومستمر. قوله تعالى: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾ [الطور:٢٣] يعني: يتعاطون فيها كأس الشراب ويتجاذبونها، ويتناول بعضهم من بعض كأساً، والمقصود بالكأس ما فيه من خمر الجنة، وخمر الجنة يشربها من امتنع من خمر الدنيا، وخمر الدنيا بالعكس تماماً في كل صفاتها بالنسبة لخمر الجنة، فخمر الجنة قال الله فيها: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد:١٥] وخمر الجنة لا تذهب العقل، وليست خبيثة في الرائحة كخمر الدنيا، وهي طاهرة وليست نجسة كخمر الدنيا، وهكذا كل صفات خمر الدنيا تنافي الصفات الثابتة لخمر الجنة، فمن شرب الخمر ولبس الحرير في الدنيا، فإنه يحرم من ذلك في الآخرة، ولا يشرب من خمر الجنة، ومن امتنع من خمر الدنيا ابتغاء رضوان الله فإنه يكافئ بأن يشربها في الجنة. قوله: ((يَتَنَازَعُونَ فِيهَا))، كأن المؤمنين ومن ألحق بهم من ذريتهم، أو أهل الإيمان مع بعضهم البعض يتعاطون في الجنة كأس الشراب ويتجاذبونها ويتناول بعضهم من بعض. وقوله: ((كَأْسًا)) المقصود بالكأس: الخمر؛ لأن الإناء الفارغ لا يطلق عليه كأس في لغة العرب، فلا تكاد العرب تستعمل كلمة كأس إلا فيما هو مملوء، فكأس هنا المقصود به كأس خمر. والتنازع لغة: يطلق على كل تعاط وتناول، فكل قوم يعطي بعضهم بعضاً شيئاً ويناوله أياه، فهم يتنازعونه كتنازع كئوس الشراب والكلام، وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه في الشراب قول الأخطل: وشارب مربح بالكأس نادمني لا بالحصور ولا فيها بسوار نازعته طيب الراح الشمول وقد صاح الدجاج وحانت وقعة الساري قوله: (وشارب مربح) المربح هو: الذي ينحر لضيفانه الربح وهي الفصلان. وقوله: (بالكأس نادمني لا بالحصور) يعني: ليس بخيلاً ضيقاً كالحصير. وقوله: (ولا فيها بسوار) السوار هو: المعربد الوثاب، يعني: أنهم يعيبونه بأنه إذا شرب ترك بقية في قعر الإناء. وقوله: (نازعته طيب الراح الشمول وقد) نازعته يعني: ناولته، وهذا هو الشاهد، فالمناولة يطلق عليها المنازعة، ونحن دائماً نظن أن المنازعة هي العراك على شيء معين، ولكن المنازعة قد تطلق على المناولة بين القوم، فهذه تسمى منازعة، وهذا هو الشاهد من البيت. وقوله: (طيب الراح الشمول) يقصد بذلك الخمر. وقوله: (وقد صاح الدجاج وحانت وقعة الساري) يعني: صاح الدجاج وقت السحر، والمقصود بالدجاج هنا الديكة، لكن إذا قيل: هذه دجاجة، فالمقصود الأنثى. وقوله: (وحانت وقعة الساري) أي: وقعة الإبل إذا بركت، والساري: هو السائر بالليل. إذاً: قوله: (نازعته طيب الراح الشمول) يعني: ناولته كئوس الخمر وناولنيها، فإذا كان كل واحد يناول الآخر، فهذا يطلق عليه منازعة. ومنه المنازعة في الكلام، وذلك بأن يتكلم رجل والآخر يرد عليه، ومنه قول امرئ القيس: ولما تنازعنا الحديث وأسمحت هصرت بغصن ذي شماريخ ميال والكأس تطلق على إناء الخمر، ولا تكاد العرب تطلق الكأس إلا على الإناء المملوء، وهي مؤنثة، فلا يقال: هذا كأس، ولكن يقال: هذه كأس. وقوله تعالى: ﴿لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور:٢٣]، نلاحظ في القرآن الكريم أنه حيثما ذكر خمر الجنة تجدها دائماً توصف بصفات تتناقض تماماً مع خمر الدنيا، وليس بينهما تشابه إلا في الاسم فقط، وأما الحقيقة فيا بعد ما بينهما! فخمر الجنة التي يتعاطها المؤمنون فيها مخالفة في جميع الصفات لخمر الدنيا، فخمر الآخرة لا لغو فيها، واللغو هو: كل كلام ساقط لا خير فيه، فخمر الآخرة لا تحمل شاربيها على الكلام الخبيث والهذيان؛ لأنها لا تؤثر في عقولهم، بخلاف خمر الدنيا، فإنهم إن شربوها سكروا وطاشت عقولهم، فتكلموا بالكلام الخبيث والهذيان، وكل ذلك من اللغو. والتأثيم هو: ما ينسب به فاعله إلى الإثم، فخمر الآخرة لا يأثم شاربها بشربها؛ لأنها مباحة له، فيتنعم بلذتها، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد:١٥]، ولا تحمل شاربها على أن يفعل إثماً، بخلاف خمر الدنيا، فشاربها يأثم بشربها، ويحمله السكر على الوقوع في المحرمات كالقتل والزنا والقذف. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من مخالفة خمر الآخرة لخمر الدنيا، جاء موضحاً في آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ [الصافات:٤٥ - ٤٧]. فقوله: ((لا فِيهَا غَوْلٌ)) يعني: ليس فيها غول يغتال العقول فيذهبها كخمر الدنيا. وقوله: ((وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ)) يعني: لا يسكرون. وكقوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ﴾ [الواقعة:١٧ - ١٩]. وقوله: ((لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا)) يعني: لا يصيبهم الصداع الذي هو وجع الرأس بسببها. فخلاصة الكلام: أننا ننتبه لهذا دائماً في القرآن، وهو أنه متى ذكرت خمر الجنة نجدها توصف بصفات مناقضة تماماً لصفات خمر الدنيا. ومن وصف خمر الدنيا قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠]، ولذلك فسر بعض العلماء الرجس بأنه النجس، وذهبوا إلى أن الخمر نجسة؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان:٢١]، فقالوا: هذا الشراب الطهور هو الخمر، فخمر الجنة طهور، والقاعدة: أن صفات خمر الجنة بالعكس من صفات خمر الدنيا، فإذا وصف الله ذلك الشراب بأنه طهور فيفهم منه أن خمر الدنيا ليست بطهور، يعني: أنها نجسة؛ ولذلك عامة أهل المذاهب يفتون في الخمر بأنها نجسة، ويعتبرون الخمر نجسة نجاسة حسية، وفي المسألة نزاع مشهور، وعلى الأقل فالأحوط للإنسان أن يجتنب استعمال الكحول، فما الذي يلجئك أن تتعاطى الكولونيا مثلاً أو العطور التي فيها الكحول، وقد وسع الله عليك بوجود الزيوت العطرية التي تغني عن هذه الخمر المختلف في نجاستها؟ فهل تريد تطييب نفسك أم توسيخها بما هو نجس في رأي المذاهب الأربعة؟! فالاحتياط على الأقل أن الإنسان يتجنب العطور التي فيها هذه الكحول.

стр. 2415

تفسير قوله تعالى: (ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون) قال الله ﵎: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور:٢٤] أي: مصون في كن، وهذا أنقى له وأصفى لبياضه. يقول الشنقيطي: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن أهل الجنة يطوف عليهم غلمان، جمع غلام، والمقصود: خدم لهم، وقد قدمنا إطلاقات الغلام وشواهدها العربية في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر:٥٣]. وقوله: ((وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ)) لم يبين هنا ما يطوفون عليهم به، وذكر هنا حسنهم، فقال: ((غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ)) أي: مكنون في أصدافه؛ لأن ذلك أبلغ في صفائه وحسنه، وقيل: ((مكنون)) أي: مخزون لنفاسته؛ لأن النفيس هو الذي يخزن ويكن. وبين تعالى في سورة الواقعة بعض ما يطوفون عليهم به في قوله: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة:١٨]، وزاد في هذه الآية كونهم مخلدين. وذكر بعض ما يطاف عليهم به في قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ [الزخرف:٧١]، وقال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان:١٥ - ١٦]. وبعض هذه الآيات نلاحظ أن الفعل فيها مبني للمجهول، يعني: حذف فاعله، فالظاهر أن الفاعل المقصود به هؤلاء الغلمان، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ [الإنسان:١٩].

стр. 2416

تفسير قوله تعالى: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين) قال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الطور:٢٥] يعني: يتجاذبون أطراف الأحاديث المفضية إلى شكر المنعم، يعني: أن كلامهم ذكر وشكر لله ، ومن تمام النعيم حصول المواجهة كما قال تعالى: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]، والتقابل هو: أن يكون الإنسان وجهه في وجه محدثه، وهذا أتم للنعيم وللسرور، فيجلسون يتحادثون، ويسترجعون ذكريات ما كانوا يعانونه في الدنيا، وكيف أنهم صبروا ابتغاء وجه الله، ويسترجعون ما رأوا في الدنيا من البلاء، وحسن صبرهم على هذا البلاء. فقوله: ((وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ)) يعني: يتجاذبون أطراف الأحاديث التي تفضي في النهاية إلى شكر المنعم والتحدث بنعمة الله، وذلك فيه مساءلة بعضهم بعضاً عما مضى لهم في الدنيا، أو مساءلة بعضهم بعضاً: ما الذي أبلغك هذه المنزلة من الأعمال؟ وهكذا. ومن نماذج هذا الحديث الذي يدور بين أهل الجنة -جعلنا الله وإياكم منهم- ما ذكره الله في قوله: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور:٢٦]، قوله: ((قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ)) أي: في الدنيا، ((فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ)) أي: خائفين من عذاب الله؛ فإن الخوف من عذاب الله هو الذي أوصلهم إلى الأمن من هذا العذاب، وإلى هذا النعيم المقيم. وقوله تعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] أي: فلم ينج أحد إلا بمنة الله ، وقوله: ((وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ)) يعني: عذاب النار. وأصل السموم: الريح الحارة التي تدخل المسام، سميت بها نار جهنم لمشابهتها لها، وإن كان وجه الشبه في النار أقوى، لكنهم لريح السموم أعرف؛ لمشاهدتهم لها في الدنيا، فهذا هو سر تسمية نار جهنم بريح السموم؛ لأن الناس في الدنيا يعرفون ريح السموم ويحسون بها. وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ [الطور:٢٨] أي: نعبده مخلصين له الدين، وقد سبق مراراً وتكراراً لفظ الدعاء يأتي كثيراً جداً مرادفاً للفظ العبادة، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]، وكقوله سبحانه: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم:٤٨] يعني: وما تعبدون، فكثيراً جداً ما يتناوب هذان اللفظان، فيعبر عن العبادة بالدعاء، وعن الدعاء بالعبادة، وقد صح في الحديث: (الدعاء هو العبادة) وأما حديث: (الدعاء مخ العبادة) فحديث ضعيف. وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٨] البر: المحسن لمن دعاه، وقيل: البر هو: الصادق فيما وعد، أي: لمن عبده وخافه بالهداية والتوفيق.

стр. 2417

تفسير الشنقيطي لقوله تعالى: (قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين) يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى في قوله : ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٦ - ٢٧]: ذكر جل وعلا في هذه الآيات الكريمة: أن أهل الجنة يسأل بعضهم بعضاً، وأن المسئول عنهم يقول للسائل: ((إِنَّا كُنَّا قَبْلُ)) يعني: في دار الدنيا، ((فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ)) أي: خائفين من عذاب الله، ونحن بين أهلنا أحياء، ((فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا)) أي: أكرمنا وتفضل علينا بسبب الخوف منه في دار الدنيا فهدانا ووفقنا في الدنيا ووقانا في الآخرة من عذاب السموم، والسموم: النار ولفحهها ووهجها، وأصله الريح الحارة التي تدخل المسام، والجمع سمائم، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: معاصم لم تضرب على البهم بالضحى عصاها ووجه لم تلحه السمائم وقد يطلق السموم على الريح الشديدة البرد، فهو من الأضداد، ومنه قول الراجز: اليوم يوم بارد سمومه من جزع اليوم فلا ألومه فهذه الفاء في قوله تعالى: ((فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا)) تدل على أن علة ذلك هي الخوف من الله في دار الدنيا، يعني: كنا نخاف الله ونشفق ونحن في أهلنا من عذاب الله، ((فمن الله علينا)) يعني: أن سبب النجاة من العذاب هو هذه الخشية التي كانت في الدنيا. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الإشفاق الذي هو الخوف الشديد من عذاب الله في دار الدنيا سبب للسلامة في الآخرة، يفهم من دليل خطابه -يعني: من مفهوم المخالفة- أن من لم يخف من عذاب الله في الدنيا لم ينج منه في الآخرة. فقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٦ - ٢٧]، هذا هو المنطوق، ومفهوم المخالفة: أن من لم يكن مشفقاً في الدنيا من عذاب الله، فإنه لا ينجو من هذا العذاب في الآخرة، ويوضحه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق:١٠ - ١٤]. يعني: أننا وصلنا إلى هذا المعنى عن طريق الاستنتاج من طريق مفهوم المخالفة في الآية هنا: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٦ - ٢٧]، فأخذنا من منطوق الآية: أن من خاف عذاب الله في الدنيا فإن عاقبته النجاة منه في الآخرة، هذا هو المنطوق، وأما المفهوم فهو: أن من لم يخف ولم يبال بعذاب الله في الدنيا، فإنه لن ينجو منه في الآخرة، وهذا المفهوم يدل عليه المنطوق صراحةً في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق:١٠ - ١٢]. وقوله: (وراء ظهره) لا تتعارض مع أنه يأخذ كتابه بشماله؛ فإنه يأخذه بشماله من وراء ظهره، فتمد يده إلى وراء ظهره، ويأخذ كتابه بشماله التي تمتد إلى وراء ظهره. وقوله: ((فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا)) يعني: يقول: واثبوراه! واهلاكاه! وقوله: ((وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ)) هذا مسلك من مسالك التعليل، ومعروف في بحث الإيماء والتنبيه أن (إنَّ) المكسورة المشددة من حروف التعليل، فقوله تعالى هنا: ((إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا)) علة لقول الله ﵎: ((فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا))، وكأن سائلاً بعدما سمع قوله تعالى: ((فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا)) يسأل ويقول: لماذا يدعو ثبوراً؟ ولماذا يصلى سعيراً؟ فالجواب والعلة والسبب: ((إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا)) بخلاف حال المؤمنين: ((إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ))، أما هذا: ((إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا))، والمسرور في أهله في دار الدنيا ليس بمشفق ولا خائف. ويؤيد ذلك قوله سبحانه بعد هذه الآية: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق:١٤]؛ لأن معناه: أنه ظن ألن يرجع إلى الله حياً يوم القيامة، وهذا بخلاف المؤمن الذي يذكر نفسه دائماً: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦]، وهذا من شؤم الكفر باليوم الآخر، كما بين الله تعالى ذلك في قوله: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل:١٠٥]، فالكذب لا يصدر إلا عمن لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وكذلك السرور والبطر والفرح في الدنيا، والاطمئنان والأمان في الدنيا وعدم الخوف من عذاب الله في الدنيا؛ كل هذا ثمرة من ثمار عدم الإيمان باليوم الآخر؛ ولذلك قال هنا: ((إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ)) أي: أنه لن يرجع إلى الله . ولا شك أن من ظن أنه لن يبعث بعد الموت لا يكون مشفقاً في أهله خوفاً من العذاب؛ لأنه لا يؤمن بالحساب والجزاء. وقوله: ((لن يحور)) بمعنى: لن يرجع، وهذا معروف في لغة العرب، ومنه قول المهلهل بن ربيعة التغلبي: أليلتنا بذي حسم أنيري إذا أنت انقضيت فلا تحوري يعني: لا ترجعي، أي: أنها كانت ليلة شقاء وبؤس وضنك، فهو يخاطب هذه الليلة الطويلة المؤلمة بقوله: لا تعودي علينا، أي: كما كنت في الأيام التي لا تدور، كما تقول: هذه أيام كذا الله لا يرجعها، فكذلك هنا يقول: إذا أنت انقضيت فلا تحوري. يعني: فلا ترجعي. وكذلك منه قول لبيد بن ربيعة العامري: وما المرء إلا كالشهاب وضوءه يحور رماداً بعد إذ هو ساطع أي: أنه كالنار التي تشتعل ثم تخمد. فقوله: (يحور) بمعنى يرجع، وقيل: بمعنى يصير، والمعنى واحد. وقال ﵎: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة:٤١ - ٤٤]، لماذا؟ ﴿إِنَّهُمْ﴾ [الواقعة:٤٥] انظر إلى (إنَّ) التي تأتي للتعليل، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة:٤٥ - ٤٧]. وتنعمهم في الدنيا المذكور في قوله تعالى: ((إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ)) هو في نفس معنى قوله تعالى: ((إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا)). وإنكارهم للبعث المذكور في قوله تعالى: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ﴾ [الواقعة:٤٧ - ٤٨]، دليل على أنهم لم يكونوا مشفقين في الدنيا من عذاب الآخرة؛ لأنهم ما كانوا أصلاً يؤمنون بالآخرة ولا بالبعث ولا بالنشور، فهذا هو علة كونهم في سموم وحموم، فقوله تعالى: ((فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة:٤٢ - ٤٣] السبب: ((إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)) [الواقعة:٤٥ - ٤٧]. وقد قدمنا قريباً أن: (إنَّ) المكسورة المشددة من حروف التعليل، فقوله تعالى: ((إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ))، علة لقوله: ((فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ)). وقد ذكر جل وعلا: أن الإشفاق من عذاب الله من أسباب دخول الجنة والنجاة من العذاب يوم القيامة، كما دل عليه منطوق آية الطور هذه، قال تعالى في سورة المعارج: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ [المعارج:٢٧ - ٢٨]، إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج:٣٥]، فمن خاف الله في الدنيا أمن من عذابه يوم القيامة. ومن أمن في الدنيا أخافه الله يوم القيامة. وذكر الله أن ذلك من صفات أهل الجنة في قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧]، إلى قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٦١]. وقد قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة:١١ - ١٢]. وقوله تعالى في الآية السابقة في سورة الواقعة: ((وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ)) يعني: يديمون ويعزمون على الذنب الكبير، كالشرك وإنكار البعث، وقيل: المراد بالحنث: حنثهم في اليمين الفاجرة التي كانوا يحلفونها، كما في قوله تعالى حاكياً عنهم: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل:٣٨]. وثبت في الحديث أن أحد الصحابة أتى أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، فوجدها تصلي وتقرأ هذه الآية: ((إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ))، فانصرف لما سمعها تردد هذه الآية، وذهب إلى السوق، وقضى حاجته، وغاب مدة طويلة ثم رجع، وهي قائمة تصلي بنفس الآية، ترددها وتتدبر

стр. 2418

تفسير قوله تعالى: (فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون أم يقولون شاعر) قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ [الطور:٢٩]. قوله: ((فَذَكِّرْ)) أي: من أرسلت إليهم وعظهم. وقوله: ((فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ)) يعني: تتكهن فيما تدعو إليه، والتكهن هو: أن يخبر الإنسان بما في غد من غير وحي. وقوله: ((وَلا مَجْنُونٍ)) يعني: ما لك رئي من الجن يخبر قومه كما يعتقد العرب في بعضهم، ولكنك رسول الله حقاً. يقول الشنقيطي: نفى الله جل وعلا عن نبيه ﷺ في هاتين الآيتين الكريمتين ثلاث صفات قبيحة رماه بها الكفار، وهي الكهانة والجنون والشعر، فقال: ﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ * أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور:٢٩ - ٣٠]. أما دعواهم أنه كاهن أو مجنون فقد نفاهما صريحاً بحرف النفي، الذي هو (ما) في قوله: ((فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ))، وأكد النفي بالباء في قوله: ((بِكَاهِنٍ)). وأما كونه شاعراً فقد نفاه ضمناً بـ (أم) المنقطعة في قوله: ((أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ))؛ لأنها تدل على الإضراب والإنكار المتضمن النفي؛ لأن (أم) المنقطعة تقدر ببل والهمزة، والمعنى: بل أيقولون: شاعر؟ فـ (بل): للإضراب، و (أيقولون) هذه همزة الاستفهام التي فيها معنى الإنكار. وقد جاءت آيات بنفي هذه الصفات عنه ﷺ ، كقوله تعالى في نفي الجنون عنه في أول سورة القلم: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم:٢]، وقال في التكوير: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:٢٢]، وكقوله في نفي الصفتين الأخيرتين -أعني: الكهانة والشعر-: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة:٤١ - ٤٢]. وقوله: ((أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ))، يعني: حوادث الدهر أو الموت؛ لأن المنون قد يراد به الدهر، وريبه: صروفه، وقد يراد به الموت، وريبه: نزوله. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور:٣١] أي: حتى يأتي أمر الله فيكم، والأمر للتهكم بهم والتهديد. فقوله: ((أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ))، أي: ننتظر به حوادث الدهر حتى يحدث له منها الموت، فالمنون: الدهر، وريبه: حوادثه، التي يطرأ فيها الهلاك والتغيير، والتحقيق أن الدهر هو المراد في قول أبي ذؤيب الهذلي: أمن المنون وريبه تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع لأن الضمير في قوله: (وريبه)، يدل على أن المنون هو الدهر. ومن ذلك أيضاً قول آخر: تربص بها ريب المنون لعلها تطلق يوماً أو يموت حليلها وقال بعض العلماء: المنون في الآية: الموت. إذاً: القول الأول: المنون في الآية هو الدهر. وريبه: هي حوادث الدهر. القول الآخر: المنون: الموت، وإطلاق المنون على الموت معروف في كلام العرب. ومنه قول أبي الغول الطهوي: هم منعوا حمى الوقبى بضرب يؤلف بين أشتات المنون لأن الذين ماتوا عند ذلك الماء المسمى بالوقبى، جاءوا من جهات مختلفة، فجمع الموت بينهم في محل واحد، ولو ماتوا في بلادهم لكانت مناياهم في بلاد شتى، فالمنون هنا بمعنى: الموت. والوقبى اسم مكان من بلاد بني مالك تجمعوا فيه، ثم جاءت ضربة الموت وأخذتهم كلهم ضربة واحدة، فجمعت هذه الضربة بينهم في مكان واحد، ولو كان كل واحد منهم مات في بلده، لماتوا أماكن شتى، لكن الموت هنا جمعهم. قوله تعالى: ((قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ)) يعني: حتى يأتي أمر الله فيكم، والأمر للتهكم بهم والتهديد. وقوله: ((فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ)) يعني: فما أنت وقد أنعم الله عليك بالإسلام وبالنبوة وبالوحي: ((بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ)). وهناك قول آخر: أن قوله: ((بِنِعْمَةِ رَبِّكَ)) هنا قسم، لكن الأظهر هو القول الأول، والله أعلم.

стр. 2419

تفسير قوله تعالى: (أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون) قال تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الطور:٣٢] أي: هل هذا التناقض في كلامهم أمرتهم به أحلامهم وعقولهم أم هم قوم طاغون؟ ونلاحظ هنا: نسبة الأحلام -أي: العقول- إلى هؤلاء الكفار، وقد ورد في بعض الآثار -ومنها أحاديث مرفوعة، لكنها لا تصح- أن الكافر لا يوصف بالعقل، فلا يقال للكافر: عاقل، فهل معنى ذلك أن الكافر مجنون؟ الجواب لا، بل الكافر ميزه الله بالعقل؛ لأن كل إنسان عاقل مميز عن البهائم والجمادات بالعقل والحياة، فالكافر أعطي العقل، لكنه استعمل العقل في غير ما خلق من أجله، استعمله في محاربة الله، وفي الصد عن سبيل الله، وفي الكيد للمسلمين، ونحو ذلك، أو في خدمة الدنيا كما يفعل الكفار الذين يتقلبون في البلاد، ويسخرون عقولهم في كل شيء إلا الشيء الذي خلقوا من أجله! فالعقول يستعملونها في كل ضرب ونوع من أنواع خدمة الدنيا والتبتل في عبادتها وعبادة الشهوات، وهم لهم أحلام ولهم عقول، بدليل قوله تعالى هنا: ((أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا))، لكنهم لما لم يستعملوها فيما خلقت من أجله، صح نفيها عنهم، كما وصفهم الله بأنهم لا يعقلون، ووصفهم بأنهم لا يسمعون، ويوضح هذا قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ﴾ [الأعراف:١٧٩] يعني: عقول، ﴿لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩]، فصح نفي العقل عنهم؛ لأنهم وإن أوتوا عقولاً، لكنهم عطلوها عن الوظيفة التي خلقت من أجلها، وهي التدبر في آيات الله وفي الآفاق وفي أنفسهم حتى يصلوا إلى توحيد الله ﵎، سواء في ذلك الآيات الكونية أو الآيات التنزيلية. قيل لـ عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه: ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم الله بالعقل؟! يعني: في مثل هذه الآية: ((أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا))، فقال: تلك عقول كادها الله يعني: لم يصحبها التوفيق، فخذلت، فالله وهبهم العقول، لكنه حرمهم نعمة التوفيق، وهي إرادة الحق وحب الحق والانقياد له في القلب. فالإنسان يرى الحق واضحاً ويعلم تماماً أنه حق من عند الله، لكن لا يوفقه الله للانقياد لهذا الحق، والتوفيق لا يكون إلا من عند الله ، كما قال : ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود:٨٨]. فانظر إلى تعبير عمرو بن العاص ﵁، وعمرو بن العاص من أعقل عقلاء العرب، فيقول هذا الكلام الرائع؛ فإنه لما قيل له: ما بال قومك لم يؤمنوا، وقد وصفهم الله بالعقل؟ رد قائلاً: تلك عقول كادها الله. يعني: لم يوفقها، فإذا وكل الإنسان إلى عقله وإلى نفسه، فأول ما يجني عليه هو هذا العقل إذا حرم من توفيق الله؛ ولذلك كان من دعاء الصديق اللهم أرني الحق حقاً، وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلاً، وارزقني اجتنابه. فالخطوة الأولى: أن يرى الإنسان الشيء على حقيقته؛ لأن أكثر الناس يرون الحق باطلاً، ومنهم من يرى اتباع السنة تطرفاً، ومنهم من يرى التزام شرائع الإسلام تعصباً ورجعية وهمجية وهوس وأصولية وتطرف إلى آخر هذه الشتائم، هكذا زين لهم سوء أعمالهم! فرأوا الحق باطلاً، فحرموا من البداية من منبع التوفيق. فحتى هذه المرحلة حرموا منها، ولم يوفقهم الله لأن يروا الحق حقاً، وإنما رأوا الحق تطرفاً وتعصباً ورجعيةً وتخلفاً وأصولية وإرهاباً إلى آخره. وممكن أن الإنسان يرى الحق حقاً، لكن يستكبر عن أن يتبع هذا الحق، كحال اليهود الذين عرفوا النبي ﵊ وعرفوا القرآن كما يعرفون أبناءهم. وهل يضل الرجل عن ابنه؟! الجواب لا يضل أبداً، فكذلك كانوا يعرفون أن القرآن حق، وأن الرسول مرسل من عند الله، ومع ذلك كفروا جحوداً وحسداً واستكباراً! فليس معنى أن الإنسان يعرف الحق يصير مؤمناً، بل لابد أن ينقاد لهذا الحق، كما هو معروف في الشروط السبعة لشهادة (لا إله إلا الله). فالعقل الذي يضل عن توفيق الله لا يأخذ صاحبه إلا إلى الضياع والدمار. فقوله: ((أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا)) يعني: بهذا التناقض، وهل يقوله عاقل؟ أو هل يأمر به عقل؟ وقوله: ((أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ)) (أم) هنا بمعنى بل، والمعنى: بل هم قوم طاغون، أي: مجاوزون الحد في العناد مع ظهور الحق.

стр. 2420

تفسير قوله تعالى: (أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون) قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ [الطور:٣٣] أي: اختلق هذا القرآن من عند نفسه. قال تعالى: ﴿بَل لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور:٣٣] أي: لا يريدون أن يؤمنوا حسداً وتقليداً؛ فلذلك يرمونه بتلك الفرى. وقوله سبحانه: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور:٣٣] أي: في الهداية بذلك الأسلوب الذي ملك ناصية الفصاحة والبلاغة، وهذا كقوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ﴾ [القصص:٤٩]، فليأتوا بحديث مثل القرآن إن كانوا صادقين في زعمهم؛ فإنهم من أهل لسان الرسول صلوات الله عليه، ولا يتعذر عليهم مضاهاة بعضهم لبعض في ميدان التساجل والتراسل. يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور:٣٤]: قد قدمنا أن الله تحداهم بسورة واحدة من هذا القرآن في سورة البقرة، في قوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٢٣]، وفي سورة يونس في قوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس:٣٨]. وتحداهم في سورة هود بعشر سور منه، في قوله: ﴿ُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [هود:١٣]. وتحداهم هنا في سورة الطور بأن يأتوا بمثله كله، في قوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور:٣٤]. وبين في سورة بني إسرائيل أنهم لا يقدرون على شيء من ذلك في قوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]. وقد أطلق جل وعلا اسم الحديث على القرآن في قوله هنا: ((فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ))، كما أطلق عليه ذلك في قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر:٢٣]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [يوسف:١١١]. وقد وصف القرآن بأنه محدث، كما في قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء:٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء:٥]. وليس في هذا دليل للمعتزلة على ما زعموه من كون القرآن مخلوقاً، فإنهم يستدلون على ذلك بكونه وصف بأنه محدث، و الجواب أن الحدوث هنا حدوث نسبي، يعني: أن القرآن في حد ذاته ليس حادثاً؛ لأنه صفة الله وكلام الله، ولا يمكن أن يكونه مخلوقاً، وإنما الحدوث بالنسبة إلى المخلوقين، بمعنى: أنه من الحدوث، وهو كون الشيء بعد أن لم يكن. فالقرآن العظيم حينما كان ينزل كان كلما نزل منه شيء كان جديداً على الناس، ولم يكونوا علموه من قبل، فهو محدث بالنسبة إلى الناس، ألا تراه قال: ((مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ))، فقوله: ((مَا يَأْتِيهِمْ)) إشارة إلى هذا التجدد الذي هو بالنسبة إلينا نحن المخلوقين، فهو محدث إليهم حين يأتيهم. وفي الحديث يقول ﵊: (إن الله يحدث لنبيه ما شاء، وإن مما أحدث لنبيه ألا تكلموا في الصلاة). قال أبو عبيد إمام اللغة: (محدث) أي: حدث عند النبي ﷺ وأصحابه، لما علم الله ما لم يكن يُعلم.
следующие страницы →