← Тафсир

Тафсир · id 37041

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (3 275 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

تفسير قوله تعالى: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين) قال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الطور:٢٥] يعني: يتجاذبون أطراف الأحاديث المفضية إلى شكر المنعم، يعني: أن كلامهم ذكر وشكر لله ، ومن تمام النعيم حصول المواجهة كما قال تعالى: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]، والتقابل هو: أن يكون الإنسان وجهه في وجه محدثه، وهذا أتم للنعيم وللسرور، فيجلسون يتحادثون، ويسترجعون ذكريات ما كانوا يعانونه في الدنيا، وكيف أنهم صبروا ابتغاء وجه الله، ويسترجعون ما رأوا في الدنيا من البلاء، وحسن صبرهم على هذا البلاء. فقوله: ((وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ)) يعني: يتجاذبون أطراف الأحاديث التي تفضي في النهاية إلى شكر المنعم والتحدث بنعمة الله، وذلك فيه مساءلة بعضهم بعضاً عما مضى لهم في الدنيا، أو مساءلة بعضهم بعضاً: ما الذي أبلغك هذه المنزلة من الأعمال؟ وهكذا. ومن نماذج هذا الحديث الذي يدور بين أهل الجنة -جعلنا الله وإياكم منهم- ما ذكره الله في قوله: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور:٢٦]، قوله: ((قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ)) أي: في الدنيا، ((فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ)) أي: خائفين من عذاب الله؛ فإن الخوف من عذاب الله هو الذي أوصلهم إلى الأمن من هذا العذاب، وإلى هذا النعيم المقيم. وقوله تعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] أي: فلم ينج أحد إلا بمنة الله ، وقوله: ((وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ)) يعني: عذاب النار. وأصل السموم: الريح الحارة التي تدخل المسام، سميت بها نار جهنم لمشابهتها لها، وإن كان وجه الشبه في النار أقوى، لكنهم لريح السموم أعرف؛ لمشاهدتهم لها في الدنيا، فهذا هو سر تسمية نار جهنم بريح السموم؛ لأن الناس في الدنيا يعرفون ريح السموم ويحسون بها. وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ [الطور:٢٨] أي: نعبده مخلصين له الدين، وقد سبق مراراً وتكراراً لفظ الدعاء يأتي كثيراً جداً مرادفاً للفظ العبادة، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]، وكقوله سبحانه: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم:٤٨] يعني: وما تعبدون، فكثيراً جداً ما يتناوب هذان اللفظان، فيعبر عن العبادة بالدعاء، وعن الدعاء بالعبادة، وقد صح في الحديث: (الدعاء هو العبادة) وأما حديث: (الدعاء مخ العبادة) فحديث ضعيف. وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٨] البر: المحسن لمن دعاه، وقيل: البر هو: الصادق فيما وعد، أي: لمن عبده وخافه بالهداية والتوفيق.

стр. 2417

تفسير الشنقيطي لقوله تعالى: (قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين) يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى في قوله : ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٦ - ٢٧]: ذكر جل وعلا في هذه الآيات الكريمة: أن أهل الجنة يسأل بعضهم بعضاً، وأن المسئول عنهم يقول للسائل: ((إِنَّا كُنَّا قَبْلُ)) يعني: في دار الدنيا، ((فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ)) أي: خائفين من عذاب الله، ونحن بين أهلنا أحياء، ((فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا)) أي: أكرمنا وتفضل علينا بسبب الخوف منه في دار الدنيا فهدانا ووفقنا في الدنيا ووقانا في الآخرة من عذاب السموم، والسموم: النار ولفحهها ووهجها، وأصله الريح الحارة التي تدخل المسام، والجمع سمائم، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: معاصم لم تضرب على البهم بالضحى عصاها ووجه لم تلحه السمائم وقد يطلق السموم على الريح الشديدة البرد، فهو من الأضداد، ومنه قول الراجز: اليوم يوم بارد سمومه من جزع اليوم فلا ألومه فهذه الفاء في قوله تعالى: ((فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا)) تدل على أن علة ذلك هي الخوف من الله في دار الدنيا، يعني: كنا نخاف الله ونشفق ونحن في أهلنا من عذاب الله، ((فمن الله علينا)) يعني: أن سبب النجاة من العذاب هو هذه الخشية التي كانت في الدنيا. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الإشفاق الذي هو الخوف الشديد من عذاب الله في دار الدنيا سبب للسلامة في الآخرة، يفهم من دليل خطابه -يعني: من مفهوم المخالفة- أن من لم يخف من عذاب الله في الدنيا لم ينج منه في الآخرة. فقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٦ - ٢٧]، هذا هو المنطوق، ومفهوم المخالفة: أن من لم يكن مشفقاً في الدنيا من عذاب الله، فإنه لا ينجو من هذا العذاب في الآخرة، ويوضحه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق:١٠ - ١٤]. يعني: أننا وصلنا إلى هذا المعنى عن طريق الاستنتاج من طريق مفهوم المخالفة في الآية هنا: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٦ - ٢٧]، فأخذنا من منطوق الآية: أن من خاف عذاب الله في الدنيا فإن عاقبته النجاة منه في الآخرة، هذا هو المنطوق، وأما المفهوم فهو: أن من لم يخف ولم يبال بعذاب الله في الدنيا، فإنه لن ينجو منه في الآخرة، وهذا المفهوم يدل عليه المنطوق صراحةً في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق:١٠ - ١٢]. وقوله: (وراء ظهره) لا تتعارض مع أنه يأخذ كتابه بشماله؛ فإنه يأخذه بشماله من وراء ظهره، فتمد يده إلى وراء ظهره، ويأخذ كتابه بشماله التي تمتد إلى وراء ظهره. وقوله: ((فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا)) يعني: يقول: واثبوراه! واهلاكاه! وقوله: ((وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ)) هذا مسلك من مسالك التعليل، ومعروف في بحث الإيماء والتنبيه أن (إنَّ) المكسورة المشددة من حروف التعليل، فقوله تعالى هنا: ((إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا)) علة لقول الله ﵎: ((فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا))، وكأن سائلاً بعدما سمع قوله تعالى: ((فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا)) يسأل ويقول: لماذا يدعو ثبوراً؟ ولماذا يصلى سعيراً؟ فالجواب والعلة والسبب: ((إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا)) بخلاف حال المؤمنين: ((إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ))، أما هذا: ((إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا))، والمسرور في أهله في دار الدنيا ليس بمشفق ولا خائف. ويؤيد ذلك قوله سبحانه بعد هذه الآية: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق:١٤]؛ لأن معناه: أنه ظن ألن يرجع إلى الله حياً يوم القيامة، وهذا بخلاف المؤمن الذي يذكر نفسه دائماً: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦]، وهذا من شؤم الكفر باليوم الآخر، كما بين الله تعالى ذلك في قوله: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل:١٠٥]، فالكذب لا يصدر إلا عمن لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وكذلك السرور والبطر والفرح في الدنيا، والاطمئنان والأمان في الدنيا وعدم الخوف من عذاب الله في الدنيا؛ كل هذا ثمرة من ثمار عدم الإيمان باليوم الآخر؛ ولذلك قال هنا: ((إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ)) أي: أنه لن يرجع إلى الله . ولا شك أن من ظن أنه لن يبعث بعد الموت لا يكون مشفقاً في أهله خوفاً من العذاب؛ لأنه لا يؤمن بالحساب والجزاء. وقوله: ((لن يحور)) بمعنى: لن يرجع، وهذا معروف في لغة العرب، ومنه قول المهلهل بن ربيعة التغلبي: أليلتنا بذي حسم أنيري إذا أنت انقضيت فلا تحوري يعني: لا ترجعي، أي: أنها كانت ليلة شقاء وبؤس وضنك، فهو يخاطب هذه الليلة الطويلة المؤلمة بقوله: لا تعودي علينا، أي: كما كنت في الأيام التي لا تدور، كما تقول: هذه أيام كذا الله لا يرجعها، فكذلك هنا يقول: إذا أنت انقضيت فلا تحوري. يعني: فلا ترجعي. وكذلك منه قول لبيد بن ربيعة العامري: وما المرء إلا كالشهاب وضوءه يحور رماداً بعد إذ هو ساطع أي: أنه كالنار التي تشتعل ثم تخمد. فقوله: (يحور) بمعنى يرجع، وقيل: بمعنى يصير، والمعنى واحد. وقال ﵎: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة:٤١ - ٤٤]، لماذا؟ ﴿إِنَّهُمْ﴾ [الواقعة:٤٥] انظر إلى (إنَّ) التي تأتي للتعليل، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة:٤٥ - ٤٧]. وتنعمهم في الدنيا المذكور في قوله تعالى: ((إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ)) هو في نفس معنى قوله تعالى: ((إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا)). وإنكارهم للبعث المذكور في قوله تعالى: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ﴾ [الواقعة:٤٧ - ٤٨]، دليل على أنهم لم يكونوا مشفقين في الدنيا من عذاب الآخرة؛ لأنهم ما كانوا أصلاً يؤمنون بالآخرة ولا بالبعث ولا بالنشور، فهذا هو علة كونهم في سموم وحموم، فقوله تعالى: ((فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة:٤٢ - ٤٣] السبب: ((إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)) [الواقعة:٤٥ - ٤٧]. وقد قدمنا قريباً أن: (إنَّ) المكسورة المشددة من حروف التعليل، فقوله تعالى: ((إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ))، علة لقوله: ((فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ)). وقد ذكر جل وعلا: أن الإشفاق من عذاب الله من أسباب دخول الجنة والنجاة من العذاب يوم القيامة، كما دل عليه منطوق آية الطور هذه، قال تعالى في سورة المعارج: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ [المعارج:٢٧ - ٢٨]، إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج:٣٥]، فمن خاف الله في الدنيا أمن من عذابه يوم القيامة. ومن أمن في الدنيا أخافه الله يوم القيامة. وذكر الله أن ذلك من صفات أهل الجنة في قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧]، إلى قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٦١]. وقد قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة:١١ - ١٢]. وقوله تعالى في الآية السابقة في سورة الواقعة: ((وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ)) يعني: يديمون ويعزمون على الذنب الكبير، كالشرك وإنكار البعث، وقيل: المراد بالحنث: حنثهم في اليمين الفاجرة التي كانوا يحلفونها، كما في قوله تعالى حاكياً عنهم: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل:٣٨]. وثبت في الحديث أن أحد الصحابة أتى أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، فوجدها تصلي وتقرأ هذه الآية: ((إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ))، فانصرف لما سمعها تردد هذه الآية، وذهب إلى السوق، وقضى حاجته، وغاب مدة طويلة ثم رجع، وهي قائمة تصلي بنفس الآية، ترددها وتتدبر

стр. 2418

تفسير قوله تعالى: (فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون أم يقولون شاعر) قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ [الطور:٢٩]. قوله: ((فَذَكِّرْ)) أي: من أرسلت إليهم وعظهم. وقوله: ((فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ)) يعني: تتكهن فيما تدعو إليه، والتكهن هو: أن يخبر الإنسان بما في غد من غير وحي. وقوله: ((وَلا مَجْنُونٍ)) يعني: ما لك رئي من الجن يخبر قومه كما يعتقد العرب في بعضهم، ولكنك رسول الله حقاً. يقول الشنقيطي: نفى الله جل وعلا عن نبيه ﷺ في هاتين الآيتين الكريمتين ثلاث صفات قبيحة رماه بها الكفار، وهي الكهانة والجنون والشعر، فقال: ﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ * أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور:٢٩ - ٣٠]. أما دعواهم أنه كاهن أو مجنون فقد نفاهما صريحاً بحرف النفي، الذي هو (ما) في قوله: ((فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ))، وأكد النفي بالباء في قوله: ((بِكَاهِنٍ)). وأما كونه شاعراً فقد نفاه ضمناً بـ (أم) المنقطعة في قوله: ((أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ))؛ لأنها تدل على الإضراب والإنكار المتضمن النفي؛ لأن (أم) المنقطعة تقدر ببل والهمزة، والمعنى: بل أيقولون: شاعر؟ فـ (بل): للإضراب، و (أيقولون) هذه همزة الاستفهام التي فيها معنى الإنكار. وقد جاءت آيات بنفي هذه الصفات عنه ﷺ ، كقوله تعالى في نفي الجنون عنه في أول سورة القلم: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم:٢]، وقال في التكوير: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:٢٢]، وكقوله في نفي الصفتين الأخيرتين -أعني: الكهانة والشعر-: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة:٤١ - ٤٢]. وقوله: ((أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ))، يعني: حوادث الدهر أو الموت؛ لأن المنون قد يراد به الدهر، وريبه: صروفه، وقد يراد به الموت، وريبه: نزوله. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور:٣١] أي: حتى يأتي أمر الله فيكم، والأمر للتهكم بهم والتهديد. فقوله: ((أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ))، أي: ننتظر به حوادث الدهر حتى يحدث له منها الموت، فالمنون: الدهر، وريبه: حوادثه، التي يطرأ فيها الهلاك والتغيير، والتحقيق أن الدهر هو المراد في قول أبي ذؤيب الهذلي: أمن المنون وريبه تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع لأن الضمير في قوله: (وريبه)، يدل على أن المنون هو الدهر. ومن ذلك أيضاً قول آخر: تربص بها ريب المنون لعلها تطلق يوماً أو يموت حليلها وقال بعض العلماء: المنون في الآية: الموت. إذاً: القول الأول: المنون في الآية هو الدهر. وريبه: هي حوادث الدهر. القول الآخر: المنون: الموت، وإطلاق المنون على الموت معروف في كلام العرب. ومنه قول أبي الغول الطهوي: هم منعوا حمى الوقبى بضرب يؤلف بين أشتات المنون لأن الذين ماتوا عند ذلك الماء المسمى بالوقبى، جاءوا من جهات مختلفة، فجمع الموت بينهم في محل واحد، ولو ماتوا في بلادهم لكانت مناياهم في بلاد شتى، فالمنون هنا بمعنى: الموت. والوقبى اسم مكان من بلاد بني مالك تجمعوا فيه، ثم جاءت ضربة الموت وأخذتهم كلهم ضربة واحدة، فجمعت هذه الضربة بينهم في مكان واحد، ولو كان كل واحد منهم مات في بلده، لماتوا أماكن شتى، لكن الموت هنا جمعهم. قوله تعالى: ((قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ)) يعني: حتى يأتي أمر الله فيكم، والأمر للتهكم بهم والتهديد. وقوله: ((فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ)) يعني: فما أنت وقد أنعم الله عليك بالإسلام وبالنبوة وبالوحي: ((بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ)). وهناك قول آخر: أن قوله: ((بِنِعْمَةِ رَبِّكَ)) هنا قسم، لكن الأظهر هو القول الأول، والله أعلم.

стр. 2419

تفسير قوله تعالى: (أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون) قال تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الطور:٣٢] أي: هل هذا التناقض في كلامهم أمرتهم به أحلامهم وعقولهم أم هم قوم طاغون؟ ونلاحظ هنا: نسبة الأحلام -أي: العقول- إلى هؤلاء الكفار، وقد ورد في بعض الآثار -ومنها أحاديث مرفوعة، لكنها لا تصح- أن الكافر لا يوصف بالعقل، فلا يقال للكافر: عاقل، فهل معنى ذلك أن الكافر مجنون؟ الجواب لا، بل الكافر ميزه الله بالعقل؛ لأن كل إنسان عاقل مميز عن البهائم والجمادات بالعقل والحياة، فالكافر أعطي العقل، لكنه استعمل العقل في غير ما خلق من أجله، استعمله في محاربة الله، وفي الصد عن سبيل الله، وفي الكيد للمسلمين، ونحو ذلك، أو في خدمة الدنيا كما يفعل الكفار الذين يتقلبون في البلاد، ويسخرون عقولهم في كل شيء إلا الشيء الذي خلقوا من أجله! فالعقول يستعملونها في كل ضرب ونوع من أنواع خدمة الدنيا والتبتل في عبادتها وعبادة الشهوات، وهم لهم أحلام ولهم عقول، بدليل قوله تعالى هنا: ((أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا))، لكنهم لما لم يستعملوها فيما خلقت من أجله، صح نفيها عنهم، كما وصفهم الله بأنهم لا يعقلون، ووصفهم بأنهم لا يسمعون، ويوضح هذا قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ﴾ [الأعراف:١٧٩] يعني: عقول، ﴿لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩]، فصح نفي العقل عنهم؛ لأنهم وإن أوتوا عقولاً، لكنهم عطلوها عن الوظيفة التي خلقت من أجلها، وهي التدبر في آيات الله وفي الآفاق وفي أنفسهم حتى يصلوا إلى توحيد الله ﵎، سواء في ذلك الآيات الكونية أو الآيات التنزيلية. قيل لـ عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه: ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم الله بالعقل؟! يعني: في مثل هذه الآية: ((أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا))، فقال: تلك عقول كادها الله يعني: لم يصحبها التوفيق، فخذلت، فالله وهبهم العقول، لكنه حرمهم نعمة التوفيق، وهي إرادة الحق وحب الحق والانقياد له في القلب. فالإنسان يرى الحق واضحاً ويعلم تماماً أنه حق من عند الله، لكن لا يوفقه الله للانقياد لهذا الحق، والتوفيق لا يكون إلا من عند الله ، كما قال : ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود:٨٨]. فانظر إلى تعبير عمرو بن العاص ﵁، وعمرو بن العاص من أعقل عقلاء العرب، فيقول هذا الكلام الرائع؛ فإنه لما قيل له: ما بال قومك لم يؤمنوا، وقد وصفهم الله بالعقل؟ رد قائلاً: تلك عقول كادها الله. يعني: لم يوفقها، فإذا وكل الإنسان إلى عقله وإلى نفسه، فأول ما يجني عليه هو هذا العقل إذا حرم من توفيق الله؛ ولذلك كان من دعاء الصديق اللهم أرني الحق حقاً، وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلاً، وارزقني اجتنابه. فالخطوة الأولى: أن يرى الإنسان الشيء على حقيقته؛ لأن أكثر الناس يرون الحق باطلاً، ومنهم من يرى اتباع السنة تطرفاً، ومنهم من يرى التزام شرائع الإسلام تعصباً ورجعية وهمجية وهوس وأصولية وتطرف إلى آخر هذه الشتائم، هكذا زين لهم سوء أعمالهم! فرأوا الحق باطلاً، فحرموا من البداية من منبع التوفيق. فحتى هذه المرحلة حرموا منها، ولم يوفقهم الله لأن يروا الحق حقاً، وإنما رأوا الحق تطرفاً وتعصباً ورجعيةً وتخلفاً وأصولية وإرهاباً إلى آخره. وممكن أن الإنسان يرى الحق حقاً، لكن يستكبر عن أن يتبع هذا الحق، كحال اليهود الذين عرفوا النبي ﵊ وعرفوا القرآن كما يعرفون أبناءهم. وهل يضل الرجل عن ابنه؟! الجواب لا يضل أبداً، فكذلك كانوا يعرفون أن القرآن حق، وأن الرسول مرسل من عند الله، ومع ذلك كفروا جحوداً وحسداً واستكباراً! فليس معنى أن الإنسان يعرف الحق يصير مؤمناً، بل لابد أن ينقاد لهذا الحق، كما هو معروف في الشروط السبعة لشهادة (لا إله إلا الله). فالعقل الذي يضل عن توفيق الله لا يأخذ صاحبه إلا إلى الضياع والدمار. فقوله: ((أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا)) يعني: بهذا التناقض، وهل يقوله عاقل؟ أو هل يأمر به عقل؟ وقوله: ((أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ)) (أم) هنا بمعنى بل، والمعنى: بل هم قوم طاغون، أي: مجاوزون الحد في العناد مع ظهور الحق.

стр. 2420

تفسير قوله تعالى: (أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون) قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ [الطور:٣٣] أي: اختلق هذا القرآن من عند نفسه. قال تعالى: ﴿بَل لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور:٣٣] أي: لا يريدون أن يؤمنوا حسداً وتقليداً؛ فلذلك يرمونه بتلك الفرى. وقوله سبحانه: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور:٣٣] أي: في الهداية بذلك الأسلوب الذي ملك ناصية الفصاحة والبلاغة، وهذا كقوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ﴾ [القصص:٤٩]، فليأتوا بحديث مثل القرآن إن كانوا صادقين في زعمهم؛ فإنهم من أهل لسان الرسول صلوات الله عليه، ولا يتعذر عليهم مضاهاة بعضهم لبعض في ميدان التساجل والتراسل. يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور:٣٤]: قد قدمنا أن الله تحداهم بسورة واحدة من هذا القرآن في سورة البقرة، في قوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٢٣]، وفي سورة يونس في قوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس:٣٨]. وتحداهم في سورة هود بعشر سور منه، في قوله: ﴿ُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [هود:١٣]. وتحداهم هنا في سورة الطور بأن يأتوا بمثله كله، في قوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور:٣٤]. وبين في سورة بني إسرائيل أنهم لا يقدرون على شيء من ذلك في قوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]. وقد أطلق جل وعلا اسم الحديث على القرآن في قوله هنا: ((فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ))، كما أطلق عليه ذلك في قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر:٢٣]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [يوسف:١١١]. وقد وصف القرآن بأنه محدث، كما في قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء:٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء:٥]. وليس في هذا دليل للمعتزلة على ما زعموه من كون القرآن مخلوقاً، فإنهم يستدلون على ذلك بكونه وصف بأنه محدث، و الجواب أن الحدوث هنا حدوث نسبي، يعني: أن القرآن في حد ذاته ليس حادثاً؛ لأنه صفة الله وكلام الله، ولا يمكن أن يكونه مخلوقاً، وإنما الحدوث بالنسبة إلى المخلوقين، بمعنى: أنه من الحدوث، وهو كون الشيء بعد أن لم يكن. فالقرآن العظيم حينما كان ينزل كان كلما نزل منه شيء كان جديداً على الناس، ولم يكونوا علموه من قبل، فهو محدث بالنسبة إلى الناس، ألا تراه قال: ((مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ))، فقوله: ((مَا يَأْتِيهِمْ)) إشارة إلى هذا التجدد الذي هو بالنسبة إلينا نحن المخلوقين، فهو محدث إليهم حين يأتيهم. وفي الحديث يقول ﵊: (إن الله يحدث لنبيه ما شاء، وإن مما أحدث لنبيه ألا تكلموا في الصلاة). قال أبو عبيد إمام اللغة: (محدث) أي: حدث عند النبي ﷺ وأصحابه، لما علم الله ما لم يكن يُعلم.

стр. 2421

تفسير سورة الطور [٣٤ - ٤٩]

стр. 2422

تفسير قوله تعالى: (أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين) قال الله : ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ * أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ * أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور:٢٩ - ٣٤]. قوله تعالى: ((أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا)) أي: أتأمرهم عقولهم بهذا التناقض في القول؟ ((أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ)) يعني: بل هم قوم طاغون، أي: مجاوزون الحد في العناد مع ظهور الحق. وهذه الآية: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا﴾ فيها إثبات الأحلام والعقول للكافرين يعني: أن لهم عقولاً ولهم أحلاماً، في حين أن كثيراً من الآيات تنفي عن الكفار صفة العقل، ولا تعارض على الإطلاق، وإنما المقصود: أن الله آتاهم العقول، ولكنهم عطلوها، واستعملوا العقول في كل شيء إلا فيما خلقوا من أجله، وهو التفكر في آيات الله التكوينية والتنزيلية للاستدلال بها على توحيده وعبادته وحده . وقد قيل لـ عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه: ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم الله بالعقل؟ يعني: بمثل هذه الآية: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا﴾، فقال: تلك عقول كادها الله. يعني: لم يصحبها توفيق الله، وإنما خذلها الله ، وحرمها من الهداية، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]. والجواب الأوضح عن هذا السؤال في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] يعني: عندهم العقول؛ لكنهم لا يُعملونها ولا يستعملونها في الاهتداء إلى التوحيد. وقوله تعالى: ((أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ)) يعني: اختلق هذا القرآن من عند نفسه، ((بَل لا يُؤْمِنُونَ)) يعني: لا يريدون أن يؤمنوا حسداً وتقليداً، فلذلك يرمونه بتلك الفِرى. قوله: ((فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ)) أي: في الهداية بذلك الأسلوب الذي ملك ناصية الفصاحة والبلاغة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ﴾ [القصص:٤٩]، وهنا قال: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾، ووصف القرآن بأنه حديث أو محدث كما في قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء:٢] هو محدث بالنسبة للبشر، أما بصفته كلام الله فلا شك أنه كلام الله غير مخلوق، بدليل أننا نستعيذ بكلمات الله فنقول: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، ولا يستعاذ إلا بالخالق أو بصفاته ، أما المخلوق فلا يصح بحال الاستعاذة به، فإثبات الحداثة هنا هو بالنسبة للبشر حينما يأتيهم ما لم يعرفوه من قبل. وقوله: ((فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ)) أي: في الهداية بذلك الأسلوب الذي ملك ناصية الفصاحة والبلاغة، ((إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ)) أي: في زعمهم؛ فإنهم من أهل لسان الرسول ﷺ ، ولا يتعذر عليهم مضاهاة بعضهم لبعض في ميدان التساجل والتراسل، فلو كان هو كلامَ بشر فعادتهم أن يتساجلوا ويتراسلوا ويضاهي بعضهم قول بعضهم، فإنهم ملكوا زمام الفصاحة والبلاغة، ومع ذلك عجزوا عن أن يقبلوا هذا التحدي، مما يثبت أنه كلام فوق مستوى البشر، وأنه تنزيل من عند الله ﵎.

стр. 2423

تفسير قوله تعالى: (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون * أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون) قال ﵎: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦]. قوله: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ) قال ابن جرير: أي: أخلق هؤلاء المشركون من غير آباء ولا أمهات فهم كالجماد لا يعقلون، ولا يفهمون لله حجة، ولا يعتبرون له بعبرة، ولا يتعظون بموعظة؟! وقد قيل: إن قوله تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ) تفسيرها: أم خلقوا لغير شيء؟! يعني: لا لحكمة، وإنما خلقوا عبثاً! كقول القائل: فعلت كذا وكذا من غير شيء، بمعنى: لغير شيء. وقوله: (أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) أي: أنفسهم، أو هذا الخلق، فهل هم الذين خلقوا أنفسهم أو خلقوا هذه المخلوقات، فهم لذلك لا يأتمرون لأمر الله ولا ينتهون عما نهاهم الله؟ فالله بما أن له الخلق فلا بد أن يكون له الأمر، فالذي يخلق هو الذي يشرع، وهو الذي يأمر، وهو الذي يحلل، وهو الذي يحرم، فهناك ارتباط وثيق بين صفة الخلق وبين توحيد الله ﵎، فالله وحده هو الخالق، وهذا مظهر توحيد الربوبية، وهو الذي ينبغي أن يُعبد وحده، وهذا تحقيقٌ لتوحيد الألوهية، فلا يعبد إلا الله، فكما أنه لا يخلق إلا الله فلا ينبغي أن يُعبد إلا الله؛ لأن الله له الخلق وله الأمر . فقوله ﵎ هنا: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ * ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ يعني: لا يوقنون بوعيد الله وما أعد لأهل الكفر به من العذاب في الآخرة، فلذلك فعلوا ما فعلوا.

стр. 2424

أسلوب السبر والتقسيم ودليله من القرآن الكريم هذا الأسلوب الذي احتج الله به على المشركين هو مما يسمى بالسبر والتقسيم عند الأصوليين. والدليل الأصولي متركب من أصلين: الأصل الأول: حصر أوصاف المحل بطريق من طرق الحصر، وهذا هو التقسيم. الأصل الثاني: بعدما نحصر الأقسام التي ينقسم إليها هذا الشيء أو الاحتمالات التي ينحصر فيها نختبر تلك الأوصاف المحصورة ثم نبطل ما هو باطل منها، ونبقي ما هو صحيح منها، وهذا هو الذي يسمى بالسبر، يقول في مراقي السعود: والسبر والتقسيم قسمٌ رابعُ أن يحصر الأوصاف وصفٌ جامعُ ويبطل الذي لها لا يصلحُ فما بقى تعجيله مصطلحُ ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم: هذه الآية الكريمة: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦]، فكأن الله يقول: لا يخلو الأمر من واحدة من ثلاث حالات بالتقسيم الصحيح، فنقسم تقسيماً صحيحاً ونضع كل الاحتمالات ونحصرها: الاحتمال الأول: أن يكونوا خلقوا من غير شيء، يعني: بدون خالق أصلاً. الاحتمال الثاني: أن يكونوا هم خلقوا أنفسهم أو خلقوا هذا العالم. ولا شك أن هذين الاحتمالين باطلان قطعاً بالضرورة، ولا يحتاج إلى إقامة دليل على بطلانهما. الاحتمال الثالث: أن يكون قد خلقهم خالق غير أنفسهم، فهذا هو الحق الذي لا شك فيه، وهو أن الله جل وعلا هو خالقهم المستحق منهم أن يعبدوه وحده جل وعلا. وفي هذه الآية الكريمة صرح الله بالقسمين الأولين فقال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ * ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾، أما الاحتمال الثالث فسيأتي لوحده. هناك مثال آخر في القرآن الكريم أيضاً حصل فيه استرسال بنفس دليل السبر والتقسيم، وذلك في سورة مريم في قول الله ﵎: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالَاً وَوَلَدَاً * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدَاً * كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدَّاً * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدَاً﴾ [مريم:٧٧ - ٨٠]، فقول الله ﵎: ((أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا)) هو العاص بن وائل السهمي، ((وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالَاً وَوَلَدَاً)) يعني: لأوتين يوم القيامة مالاً وولداً، فهذا الزعم الذي زعمه العاص بن وائل حينما أعطاه الله في الدنيا المال والولد فأقسم وحلف على سبيل القطع أن الله كما كرمه في الدنيا بهذه الأعراض الدنيوية فسوف يعطيه نفس الشيء أيضاً في الآخرة، ولذا قال: ((لَأُوتَيَنَّ)) يعني: يوم القيامة، ((مَالَاً وَوَلَدَاً)). وهذا القول لا يخلو مستند قائله في هذا الزعم من واحد من ثلاثة احتمالات: الاحتمال الأول: قال تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ أي: أنه قد قال ذلك افتراءً على الله من غير عهد ولا اطلاع غيب، فمن أين له أن يقسم على أن الله سوف يؤتيه يوم القيامة مالاً وولداً؟! فأول احتمال: أن عنده اطلاعاً على الغيب استطاع به أن يطلع على ما كتبه الله في اللوح المحفوظ، فعلم أن هذا مما كتبه الله في اللوح المحفوظ، وهذا الاحتمال أبطله الله في نفس الآية، بأداة الإنكار في قول الله ﵎: ((أَطَّلَعَ الْغَيْبَ)) فالإنكار يبطل هذا الاحتمال، فإن قوله تعالى: ((أَطَّلَعَ الْغَيْبَ)) يدل على أنه ما اطلع الغيب، ولذلك أنكر الله بأداة الإنكار. الاحتمال الثاني: قال تعالى: ((أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدَاً)) يعني: أنه يقول ذلك مستنداً ومعتمداً على أن الله أعطاه عهداً، والله لا يخلف الميعاد، ولا يخلف عهده، فهو يقول: إن الله أعطاه عهداً أنه سوف يؤتيه يوم القيامة مالاً وولداً، وهذا أيضاً أبطله الله بأداة الإنكار. الاحتمال الثالث والأخير: أن يكون قد قال ذلك افتراءً على الله من غير عهد ولا اطلاع غيب، وهذا الاحتمال هو المتعيِّن، وما سواه باطل؛ فإنه قال ذلك افتراءً على الله من غير عهد ولا اطلاع غيب، والدليل قوله تعالى: ((كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ))؛ فإن (كلا) حرف زجر وردع، فدل على أن هذا الاحتمال الثالث هو الاحتمال المتعيِّن، وهو أنه ما قال ذلك إلا افتراءً على الله من غير عهد ولا اطلاع غيب، قال تعالى: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدَّاً﴾ * ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدَاً﴾ فيلزم أن الأمر ليس كذلك؛ فإنه لم يطلع الغيب، ولم يتخذ عند الرحمن عهداً، بل قال ذلك افتراءً على الله؛ لأنه لو كان أحدهما حاصلاً -أي: لو أنه استند إلى اطلاعٍ على الغيب أو استند إلى عهدٍ- لم يستوجب الردع عن مقالته بلفظة: (كلا). وبنفس الدليل أبطل الله دعوى اليهود حينما ادَّعوا: ((وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامَاً مَعْدُودَةً)) قالوا: هي الأربعون يوماً التي عبدوا فيها العجل، فأبطل الله هذه الدعوى من اليهود -لعنهم الله- بقوله : ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدَاً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٨٠]. والاحتمال الثاني لم ينص الله عليه هنا، فقوله تعالى عنهم: ((وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامَاً مَعْدُودَةً)) فيه التقسيم: أنهم يدعون هذه الدعوى؛ وهي: أن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة. فإن قيل: ما مستندهم في ذلك القول؟ فنقول: إذا حاولنا حصر الاحتمالات سنجدها تنحصر أيضاً في نفس الثلاثة الأقسام التي تكلمنا عنها في سورة مريم: الاحتمال الأول: قوله تعالى: ((قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدَاً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ)). الاحتمال الثاني: لم يذكره الله هنا، وإنما دلت عليه الآية السابقة في سورة مريم في قوله سبحانه: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدَاً﴾، فالاحتمال الثاني هو: أن يكون اليهود قد اطلعوا على اللوح المحفوظ وعرفوا أو علموا الغيب، وعلموا أن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة، فحذف هنا هذا الاحتمال الثاني لدلالة ما هناك عليه؛ لأن هذا هو الحصر الطبيعي. الاحتمال الثالث: قوله تعالى: ((أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)). فلا شك أن الاحتمالين الأولين باطلان: الاحتمال الأول: قوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامَاً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدَاً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾، وليس عندهم عهد. الاحتمال الثاني: أنهم اطلعوا الغيب وعلموا ذلك من خلاله، وهم لم يطلعوا على الغيب. إذاً: كلا الاحتمالين باطل. وبقي الاحتمال الأخير وهو: قوله تعالى: ((أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)) يعني: أنكم تفترون على الله الكذب، وهذا هو الواقع والمتعين. فهذا هو دليل السبر والتقسيم في هذه الآيات الكريمات.

стр. 2425

تفسير قوله تعالى: (أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون * أم لم لهم سلم يستمعون فيه) قال الله ﵎: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾ [الطور:٣٧] أي: خزائن رزقه، فهم لاستغنائهم معرضون، ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور:٣٧] أي: الجبابرة المتسلطون. قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ﴾ [الطور:٣٨] أي: مرتقىً إلى السماء، ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور:٣٨] يعني: الوحي فيدعون أنهم سمعوا هنالك من الله: أن الذي هم عليه حق، فقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ يعني: مرتقى يرتقون به إلى السماء، فيستمعون الوحي من الله يخبرهم ويطمئنهم أن ما هم عليه من الدين هو الحق. قال تعالى: ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور:٣٨] يعني: الذي يدعي ذلك عليه أن يأتي بحجة واضحة تصدق دعواه.

стр. 2426

تفسير قوله تعالى: (أم له البنات ولكم البنون * أم تسألهم أجراً) قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطور:٣٩]: حيث جعلوا لتفاهة رأيهم الملائكةَ إناثاً وأنها بناته تعالى! مع أنه كان حالهم: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدَّاً وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل:٥٨]. ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرَاً﴾ [الطور:٤٠] أي: أجرة على إبلاغك إياهم رسالة الله تعالى؟ ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور:٤٠] أي: فهم من التزام الغرامة وهذه الأجرة مثقلون من أدائها حتى زهدهم ذلك في اتباعك؟ قال تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الطور:٤١] أي: يكتبون منه ما شاءوا وينبئون الناس عنه بما أرادوا؟ قال تعالى: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدَاً﴾ [الطور:٤٢] أي: بالرسول ﷺ وما جاء به؟ ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ [الطور:٤٢] أي: هم الممكور بهم دونك، فثق بالله وامضِ لما أمرك به. قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [الطور:٤٣] أي: له العبادة على جميع خلقه؟ ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور:٤٣] أي: تنزيهاً له عن شركهم وعبادتهم معه غيره.

стр. 2427

تفسير قوله تعالى: (وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سحاب مركوم) قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفَاً مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطَاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور:٤٤]: هذا جواب لمشركي قريش حيث كانوا يستعجلون العذاب ويقترحون الآيات، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعَاً﴾ [الإسراء:٩٠] إلى قوله: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفَاً﴾ [الإسراء:٩٢] يعني: قطعاً، وفي الآية الأخرى: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفَاً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الشعراء:١٨٧]، فالله يقول لهم: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفَاً مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطَاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ يعني: لو أن الله استجاب استعجالهم هذا العذاب ونزوله بهم، وحقق لهم ما اقترحوه؛ لعاندوا ولجادلوا ولقالوا: ليس هذا عذاباً لكنه: ((سَحَابٌ مَرْكُومٌ)) يعني: متراكم بعضه فوق بعض. يقول الزمخشري: يريد أنهم لشدة طغيانهم وعنادهم لو أسقطناه عليهم لقالوا: هذا سحاب مركوم بعضه فوق بعض يمطرنا، ولم يصدقوا أنه كسف ساقط من عذاب! قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ [الطور:٤٥] أي: يخوضوا ويلعبوا ويلههم الأمل، ﴿حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور:٤٥] أي: يموتون. قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [الطور:٤٦] أي: لا يدفع عنهم مكرهم من عذاب الله شيئاً: ﴿وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [الطور:٤٦].

стр. 2428

تفسير قوله تعالى: (وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك) قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابَاً دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور:٤٧] أي: دون يوم القيامة، يعني: عذاباً أقل من عذاب يوم القيامة، أو عذاباً قبل يوم القيامة. وهذا يكون إما عذاباً في الدنيا بالقحط أو النوازل التي تذهب بأموالهم وأنفسهم. وهناك قولٌ آخر: إن قوله تعالى: ﴿عَذَابَاً دُونَ ذَلِكَ﴾ المقصود به: عذاب القبر. فقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابَاً دُونَ ذَلِكَ﴾ المقصود به: إما عذاب القبر أو القحط أو النوازل والمصائب التي تذهب بأموالهم وأنفسهم. وهذه كلها أقوال للسلف، واللفظ صادق للجميع؛ لأن قوله: (عذاباً) نكرة فيعم هذه الأقوال كلها، سواءً كان عذاباً في الدنيا كالنوازل والزلازل وغير ذلك أو كان في القبر؛ لأن هذا كله دون يوم القيامة. وقوله: ((دُونَ ذَلِكَ)) يعني: دون ذلك اليوم المشار إليه في قوله: ﴿حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ * يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئَاً وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [الطور:٤٥ - ٤٦]. وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور:٤٧] يعني: لا يعلمون سنة الله في أمثالهم من الفجرة.

стр. 2429

تفسير قوله تعالى: (واصبر لحكم ربك فإن بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم) قال ﵎: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الطور:٤٨] أي: الذي حكم به عليك وامضِ لأمره ونهيه وبلغ رسالاته. ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] قال ابن جرير: أي: بمرأىً منا نراك ونرى عملك، ونحن نحوطك ونحفظك، فلا يصل إليك من أرادك بسوء من المشركين. وقال الشهاب: يعني: أن العين لما كان بها الحفظ والحراسة استعيرت لذلك وللحافظ نفسه، فالحافظ نفسه يسمى عيناً، والحارس يسمى عيناً، وتسمية الحافظ عيناً هو استعمال فصيح مشهور. والله جمع العين هنا فقال: (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) وأفردها في قصة الكليم موسى في قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، فأفردها في قصة الكليم ﵇، وجمعها هنا فقال: (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)، وأضافها إلى ضمير الجمع؛ وذلك لأن الآية هنا مضافة إلى ضمير الجمع: ((فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا))، فناسب أن تأتي أيضاً مجموعة. ولما كانت في قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ مضافة إلى ضمير الواحد ناسب أن تكون واحدة. ويوجد معنىً آخر ونكتة أخرى لهذا الجمع هنا، يقول الشهاب: ونكتة جمع العين هنا وإفرادها في قصة الكليم عدا أنه جُمع هنا لما أضيف لضمير الجمع، ووحد ثمة عند إضافته لضمير الواحد؛ هو المبالغة في الحفظ، حتى كأن معه جماعة حفظة له بأعينهم. إذاً: النكتة هي: بيان المبالغة في حفظ الرسول ﷺ حتى كأن معه جماعة حفظة له بأعينهم، لأن المقصود: تصبير حبيبه على المكايد ومشاق التكاليف والطاعة، فناسب الجمع؛ لأن أفعال الطاعة التي يمتثلها الرسول ﷺ كثيرة، ويحتاج كل منها إلى حارس بل حراس، بخلاف ما ذكر هناك من حفظه لموسى ﵇ في قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾.

стр. 2430

معنى قوله تعالى: (وسبح بحمد ربك حين تقوم) قوله ﵎: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور:٤٨] يعني: حين تقوم من منامك. روى الإمام أحمد والبخاري في صحيحه وأهل السنن عن عبادة بن الصامت ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (مَن تعارَّ -أي: استيقظ من الليل- فقال -يعني: هذا المستيقظ-: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: رب اغفر لي. أو قال: ثم دعا، استجيب له)، فهذا دعاء إذا قاله الإنسان ووفق إليه يستجيب الله له دعاءه، بشرط أنه أول ما ينتبه من النوم يتذكر هذا الحديث ويقول هذا الدعاء: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله)، ثم يقول: رب اغفر لي، أو يدعو أيَّ دعاء، ففي هذه الحالة يستجاب له. قال ﷺ : (فإن عزم -أي: نهض من فراشه- فتوضأ ثم صلى قُبلت صلاته). وورد من أذكار الاستيقاظ من النوم دعاء: (سبحان الله وبحمده، سبحان القدوس، ولا إله إلا أنت سبحانك، اللهم أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمتك، اللهم زدني علماً، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب)، والحقيقة أن هذا الدعاء بعينه لا نظن أنه ثبت في أحاديث الاستيقاظ من النوم؛ لكن تكفي الأحاديث الأخرى الثابتة، ومنها قوله ﷺ : (الحمد الله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور، الحمد لله الذي رد علي روحي، وعافاني في جسدي، وأذن لي بذكره) وهذا يعتبر امتثالاً لقول الله ﵎: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾. فيمكن أن تكون الآية نفسها دليلاً على أن الإنسان يقول: (سبحانك الله وبحمدك)؛ لأن التعليق هنا جاء بوظيفة القيام: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾، ومن ذلك أيضاً هذا الحديث؛ لأن فيه: (مَن تعارَّ من الليل فقال: وذكر من ضمن ما يقوله: سبحان الله والحمد لله)، وهذا يدخل في امتثال الآية الكريمة. وأيضاً مما يقال عند القيام من النوم: المعوذتان؛ لأن الرسول ﵇ قال لـ عقبة بن عامر: (اقرأ بهما إذا نمت، وإذا استيقظت، وإذا أخذت مضجعك). وقيل في تفسير قوله ﵎: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور:٤٨] يعني: حين تقوم إلى الصلاة، روى مسلم في صحيحه عن عمر ﵁ أنه كان يقول في ابتداء الصلاة: (سبحانك الله وبحمدك! وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، وهذا على احتمال أن قوله: ((حِينَ تَقُومُ)) يعني: إلى الصلاة. وهذا الحديث رواه أحمد وأهل السنن عن أبي سعيد ﵁ وغيره عن النبي ﷺ أنه كان يقول ذلك. وعن مجاهد قال في قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾: حين تقوم من كل مجلس، وكذا قال عطاء وأبو الأحوص، ولعل في هذا التفسير الإشارة إلى الدعاء المشهور في كفارة المجلس، وهو في الحديث الذي رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه -يعني: اللغو أو الكلام الذي لا يفيد- فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك! أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر الله له ما كان في مجلسه ذلك) رواه الترمذي وصححه، وكذا الحاكم. وأخرج أبو داود والنسائي والحاكم عن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يقول بأخرة إذا أراد أن يقوم من المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، فقال رجل: يا رسول الله! إنك لتقول قولاً ما كنتَ تقوله فيما مضى، فقال ﷺ : كفارة لما يكون في المجلس) وقد أفرد الحافظ ابن كثير في هذا الحديث جزءاً على حدة، وذكر فيه طرقه وألفاظه وعلله، فرحمه الله. ولا يخفى أن لفظ الآية يصدق على المواضع المذكورة كلها، وتدل الأحاديث المذكورة على الأخذ بعمومها، فإن السنة بيان للكتاب الكريم. إذاً: كما بينت هذه الأحاديث الآية: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾، فيدخل في حكم الآية كل ما ثبت في السنة مما يبين هذا التسبيح، فيدخل فيها أولاً حديث: (مَن تعارَّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، سبحان الله، والحمد لله). وكذلك يدخل فيها أذكار الاستيقاظ من النوم على أن قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور:٤٨] يعني: من النوم عند الاستيقاظ. وأيضاً قوله: ((حِينَ تَقُومُ)) يعني: إلى الصلاة، وهذا ثابت في أدعية الاستفتاح. وأيضاً: ((حِينَ تَقُومُ)) يعني: في القيام من المجلس، فيدخل فيها دعاء كفارة المجلس: (سبحانك اللهم وبحمدك) إلخ.

стр. 2431

تفسير قوله تعالى: (ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم) قال ﵎: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور:٤٩]. قوله: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ) أي: اذكره واعبده بالتلاوة والصلاة بالليل، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامَاً مَحْمُودَاً﴾ [الإسراء:٧٩]، وقد روي في أذكار الليل من التسابيح ما هو معروف في كتب الحديث، وقد جمعت ذلك مُعَرَّىً عن الأسانيد في كتاب الأوراد المأثورة. هذا كلام القادري رحمه الله تعالى. وقوله: وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ أي: وسبحه وقت إدبارها، وذلك بميلها إلى الغروب عن الأفق بانتشار ضوء الصبح. وأما المقصود بقوله تعالى: (وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) فقيل: عَنَى بذلك فريضة الفجر، أو نافلته، أو ما يشملهما. إذاً: قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور:٤٨ - ٤٩] يعني: فسبحه أيضاً، والتسبيح في إدبار النجوم: إما أن المقصود به صلاة الفجر، أو سنة الفجر، أي: الركعتان اللتان قبل صلاة الفجر. وبعض الناس يضطرب عندهم الأمر ويسألون كثيراً: ما هو الفرق بين الصبح والفجر؟ و الجواب أنه يقال: صلاة الصبح أو صلاة الفجر، وسنة الفجر أو سنة الصبح، فاللفظان مترادفان، ولا إشكال في إطلاق أي واحد منهما. فإن قيل: هذه صلاة، والأمر هنا بالتسبيح فكيف ذلك؟ فنقول: إن الصلاة يطلق عليها: تسبيح؛ لأن الصلاة تسمى بأجزائها، كما تقول: صليت ركعة، أو صليت ركعتين، فتعبر عن الصلاة كلها بجزء منها وهو الركوع؛ مع أن الصلاة ليست ركوعاً فقط، فالصلاة تسمى بجزء من أجزائها كالفاتحة مثلاً، فقد سمى الله الفاتحة صلاة، كما قال ﵎ في الحديث القدسي: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي) وذكر الفاتحة فقط، إشارة إلى أنها من أركان الصلاة المهمة، وإن كانت الصلاة فيها أركان أخرى غير مجرد قراءة الفاتحة، فأطلق الجزء وأراد به الكل، وكذلك تقول: سجدة الضحى وتعني: صلاة الضحى، وهكذا. وفي الحديث أيضاً: (جمع بين المغرب والعشاء جمع تأخير في مزدلفة ولم يسبح بينهما شيئاً) أي: جمعهما ولم يصل بينهما نافلة. ومن ذلك أيضاً قول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (لو كنتُ مسبحاً لأتممت) يعني: لو كان لي أن أتنفل في السفر لكان الأولى أن أتم الصلاة، وليس أقصر الصلاة وأصلي النوافل الأخرى، أي: غير الوتر وركعتي الفجر، فقوله: (لو كنتُ مسبحاً لأتممت)، أي: لو كنتُ متنفلاً، فأطلق التسبيح على صلاة النافلة. فالصلاة تطلق وتسمى أحياناً ببعض أجزائها، وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور:٤٩] يعني: وسبحه وقت إدبار النجوم بالصلاة، إما صلاة الفريضة وإما صلاة النافلة في الفجر. قال قتادة: كنا نُحَدَّث أنهما الركعتان عند طلوع الفجر. وقد ثبت في الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (لم يكن رسول الله ﷺ على شيء من النوافل أشد تعهداً منه على ركعتي الفجر)، وفي لفظ لـ مسلم: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها). وأوصانا الرسول ﵊ بالمحافظة عليهما، فقال: (ولو طاردتكم الخيل) يعني: لو كنتم تطاردكم خيل الأعداء فلا تضيعوا ركعتي الفجر أبداً. قال الزمخشري: وقرئ: ﴿وَأَدْبَارَ النُّجُومِ﴾ بالفتح، بمعنى: في أعقاب النجوم وآثارها إذا غربت.

стр. 2432

الاستدلال بالآية على أفضلية الإسفار بصلاة الصبح، وذكر الخلاف في ذلك قال في الإكليل: قال الكرماني: إن بعض الفقهاء استدل بهذه الآية على أن الإسفار بصلاة الصبح أفضل؛ لأن النجوم لا إدبار لها، وإنما ذلك بالاستتار عن العيون، ثم علق صاحب الإكليل على هذا فقال: وهو استدلال متين. يعني أن الإسفار بصلاة الصبح أفضل من التغليس، والغلس هو: ما تبقَّى من الظلمة في آخر الليل عند بداية طلوع الفجر، حيث يكون هناك بقايا ظلمة منتشرة، فالتغليس بالصلاة هو: أداؤها في وقت الغلس، يعني: حين يطلع الفجر، لكن بقيت ظلمة من آخر الليل. فيقول الكرماني: إن بعض الفقهاء استدل بقوله تعالى: ((وَإِدْبَارَ النُّجُومِ)) على أن الإسفار بصلاة الصبح أفضل؛ لأن النجوم لا إدبار لها، وإنما ذلك بالاستتار عن العيون. يعني: أن صلاة الصبح تكون وقت إدبار النجوم، والنجوم لما ينتشر ضوء الصباح تختفي؛ لأن الضوء ينتشر فيسترها. فهذا الفريق من الفقهاء قالوا: إذا قلنا: إن (إدبار النجوم) صلاة الفجر، ففي هذه الحالة يكون المعنى: صل صلاة الصبح وقت استتار النجوم، ومتى تستتر؟ تستتر بانتشار الضوء الذي هو الإسفار. وهذه المسألة فيها خلاف بين الفقهاء، على ثلاثة أقوال: القول الأول: إنه يغلس بصلاة الفجر، يعني: تصلى في أول الوقت. القول الثاني: إنه يصلى في وقت الإسفار. القول الثالث: -وهو الراجح-: أن أدلة كلا الفريقين صحيحة؛ لكن المقصود: أنه يدخل في الصلاة في وقت الغلس ثم يطيل الصلاة حتى ينصرف منها وقت الإسفار، هذا هو الجمع، والله تعالى أعلم.

стр. 2433

تفسير سورة النجم [١ - ٤]

стр. 2434

فضل صيام تاسوعاء وعاشوراء من السنة صيام يوم عاشوراء الذي هو العاشر من شهر الله المحرم، فقد روى مسلم بسنده عن أبي قتادة ﵁: (أن رسول الله ﷺ سئل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: يكفر السنة الماضية). وأيضاً وردت أحاديث في صحيح مسلم تحث على أنه يُصام يوم بعده أو يوم قبله، فمن ذلك قول النبي ﵌: (صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده، خالفوا اليهود)؛ وذلك لأن اليهود تعظم هذا اليوم؛ لأنه اليوم الذي نجى الله فيه موسى وقومه من فرعون. يقول ابن حجر رحمه الله تعالى في (فتح الباري): وعلى هذا فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب: أدناها -يعني: أقلها-: أن يُصام وحده. أي: أن يصوم الإنسان يوم عاشوراء وحده، فهذا ينال الثواب والأجر وتكفير ذنوب السنة الماضية إذا صام هذا اليوم. ولا يكره في هذه الحالة إفراد يوم السبت بصيام؛ لأنه هنا يقصد صيام يوم عاشوراء. أما المرتبة الثانية: فأن يصام التاسع معه. يعني: أن يصوم تاسوعاء وعاشوراء. وفوقه -وهي المرتبة العليا-: أن يصام التاسع والعاشر والحادي عشر. فصيام الأيام الثلاثة بلا شك أفضل، وتكون فيه فوائد متعددة: منها: أنه إذا صام الأيام الثلاثة فيرجى أن يكتب له أجر صيام الشهر كله، على أساس القاعدة العامة وهي: أن الحسنة بعشر أمثالها، (كان النبي ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ويأمر بها). ومنها: أن صوم هذا الشهر أفضل الصوم بعد رمضان: كما صح عن النبي ﵌ قوله: (أفضل الصوم بعد رمضان شهر الله المحرم)، فهذا الشهر من الأشهر الحرم، وله حرمة عظيمة، وصيامه من أفضل الصيام بعد صيام شهر رمضان. وأيضاً من بركات هذا الصيام: أنه يكفر ذنوب سنة كاملة. وفي مثل هذا يراد -والله تعالى أعلم- أنه يكفر صغائر الذنوب، أما كبائر الذنوب فلابد لها من توبة خاصة. وقولنا: إنه يكفر الصغائر لا يعني أن الباب قد سُد أمام الكبائر؛ ولكن يعني أن على الإنسان أن يجدد التوبة من الكبائر، والتوبة منها لابد أن تستوعب أربعة أركان أو شروط: الأول: ترك الذنب والبعد عنه، يعني: الانقطاع عن التمادي في الذنب. ثانياً: الندم على ما سلف من الذنوب والمعاصي. ثالثاً: العزم على عدم الرجوع في المستقبل إلى هذا الذنب. رابعاً: رد الحقوق إلى أهلها إذا كانت المعصية تتعلق بحق آدمي. ونشرع -بإذن الله ﵎ في تفسير سورة النجم.

стр. 2435

ترتيب سورة النجم ونزولها وعدد آياتها وسجودها وسورة النجم ترتيبها في المصحف: الثالثة والخمسون، وهذه السورة مكية، قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: هي أول سورة أعلنها رسول الله ﷺ بمكة. وآيُها: ثنتان وعشرون آية. روى البخاري بسنده عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: (أول سورة أنزلت فيها سجدة: ((وَالنَّجْمِ))، فسجد رسول الله ﷺ ، وسجد مَن خلفه، إلا رجلاً رأيته أخذ كفاً من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافراً)، وهو أمية بن خلف، ووقع في رواية غيره تسمية غير أمية. والمقصود أنه سجد لما فرغ من قراءتها؛ لأن السجدة في هذه السورة في آخرها. والرجل الذي أخذ كفاً من تراب معناه أنه استكبر عن أن يسجد لله ﵎، فأخذ كفاً من تراب فسجد عليه. وفي رواية: (فرفعه إلى وجهه فقال: يكفيني هذا)، يقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: (فرأيته بعد ذلك قتل كافراً)، وهو أمية بن خلف، وقيل: غيره.

стр. 2436

تفسير قوله تعالى: (والنجم إذا هوى) قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١]. قوله ﵎: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)، قيل: النجم المقصود به هنا: الثريا، والثريا إذا سقطت تسقط مع الفجر، والعرب تسمي الثريا نجماً وإن كانت في العدد نجوماً، من باب إطلاق المفرد على الجمع. وقيل: إن المقصود بالنجم النبات الذي ليس له ساق، كما قيل أيضاً في قوله ﵎: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن:٦]. ((إِذَا هَوَى))، يعني: إذا سقط على الأرض. وقيل: النجم نجوم القرآن، وعلى هذا فالمعنى: والقرآن إذا نزل؛ لأن القرآن الكريم كان ينزل نجوماً. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) أي: إذا غرب وغاب عن الأبصار، أو إذا انتثر يوم القيامة، أو انقض. والحقيقة: أنه مر مرور الكرام على كلمة (انقض) مع أنها مفتاح لقول رجحه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، وهو: أن المقصود من قوله: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى): الإشارة إلى حفظ السماء بسبب نزول القرآن الكريم؛ حيث حُرست السماء، وكانت الشياطين تُرجم بالنجوم وبالشهب إذا أرادت أن تسترق السمع، كما سيأتي بيانه.

стр. 2437

تفسير الإمام ابن القيم لقوله تعالى: (والنجم إذا هوى) يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية الكريمة في كتابه (التبيان في أقسام القرآن): ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:١ - ٣]، أقسم سبحانه بالنجم عند هَوِيه على تنزيه رسوله وبراءته مما نسبه إليه أعداؤه من الضلال والغي. واختلف الناس في المراد بالنجم، فقال الكلبي عن ابن عباس ﵄: أقسم بالقرآن إذا نزل منجماً على رسوله ﷺ ، يعني: أن النجم هنا هو القرآن، حينما كان ينزل منجماً، يعني: متفرقاً؛ وذلك بأن تنزل أربع آيات، وثلاث آيات، وتنزل سورة كاملة، وكان بين نزول أوله وآخره ثلاث وعشرون سنة. وكذلك روى عطاء عنه، وهو قول مقاتل والضحاك ومجاهد، واختاره الفراء، وعلى هذا فسمي القرآن نجماً لتفرقه في النزول. فيكون أحد أسماء القرآن الكريم نجماً، لقوله: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)، يعني: والقرآن الكريم؛ لتفرقه في النزول. والعرب تسمي التفرق تنجماًً، والمفرق نجماً، ونجوم الكتاب أقساطها، ويقال: جعلت مالي على فلان نجوماً ومنجماً، كل نجم كذا وكذا. هذا هو الاستعمال اللغوي لهذا التعبير، فقول القائل: جعلتُ مالي على فلان نجوماً، يعني: أقساطاً، وقوله: كل نجم كذا وكذا، يعني: كل قسط كذا وكذا. وأصل هذا أن العرب كانت تجعل مطالع منازل القمر ومساقطها مواقيت لحلول ديونها وآجالها، فيقولون: إذا طلع النجم -يريدون بذلك الثريا- حل عليك الدين. ومنه قول زهير في دية جُعلت نجوماً على العاقلة: ينجمها قوم لقوم غرامة ولم يهرقوا ما بينهم ملء محجم يعني: أنهم عدلوا عن الثأر وعن القصاص والقتل بأن قبلوا أن تدفع عاقلة الجاني الدية منجمة مقسطة، ولم يسفكوا دماً ولو قليلاً. ثم جعل كل تنجم تقسيطاً وإن لم يكن مؤقتاً بطلوع نجم، فشاع استعمال كلمة (التنجم) على أنها تساوي التفريق، ولم يشترط أن تكون مرتبطة بالفعل بطلوع النجم. وقوله: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) إذا كان النجم إذا هوى هو: القرآن الكريم؛ لنزوله منجماً أو على نجوم، فما معنى: (هوى) على هذا القول؟ الجواب معناه: نزل من علو إلى سفل، أي: والقرآن المنزل المقسط أو الذي جزئ أجزاءً وتفرق إنزاله. قال أبو زيد: هوت العقاب تهوي هَوِياً -بفتح الهاء- إذا انقضت على صيد أو غيره. وكذلك قال ابن الأعرابي، وفرق بين الهَوِي لقوله: والدلو في إقعادها عجل الهَوِي وقال الليث: العامة تقول: الهُوِي -بضم الهاء- في لفظة: هَوَى يهوي. وكذلك قال الأصمعي: هوى يهوي هو بفتح الهاء إذا سقط إلى أسفل، قال: وكذلك الهَوِي في السير إذا مضى. وهاهنا أمر يجب التنبيه عليه غلط فيه أبو محمد بن حزم أقبح غلط، فإنه ذكر في ضمن أسماء الرب ﵎ الهَوِي، واحتج بما في الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﵌ كان يقول في سجوده: (سبحان ربي الأعلى الهَوِي)، وهذا -والله تعالى أعلم- لأن ابن حزم لم يخالط العلماء مخالطة كاملة كما ينبغي لمن يسلك هذا الطريق، فربما كانت هذه إحدى سقطاته التي تنشأ من مثل هذا، وهذا من الوهم في فهم بعض الأحاديث؛ لعدم التلقي على الشيوخ؛ لأنه ربما لو تلقى هذا عن شيخ ما كان يقع في هذا الفهم الذي استبد به وأوقعه في الخطأ الفاحش، فـ عائشة تقول: إن رسول الله ﷺ كان يقول في سجوده: (سبحان ربي الأعلى الهَوِي)، فظن أبو محمد أن (الهَوِي) صفة للرب، وليس كذلك؛ فإنه يقال: مضى هَوِي من الليل على وزن فعيل، ومضى هزيع من الليل أي: طرف وجانب، والمقصود بالحديث: أنه كان يقول في سجوده: (سبحان ربي الأعلى) في قطعة من الليل وجانب منه، فالهَوِي هو قطعة ووقت طويل من الليل، فكان يقول ذلك ﵌ في هذه المدة، ويفسر ذلك ما صرحت به أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها في اللفظ الآخر حيث قالت: (كان يقول: سبحان ربي الأعلى، الهَوِي من الليل). إذاً: إعراب (الهَوِي) أنه ظرف زمان. يقول الحافظ الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١]: وقال ابن عباس ﵄ في رواية علي بن أبي طلحة وعطية: يعني: الثريا إذا سقطت وغابت. وهذه هي الراوية الأخرى عن مجاهد، والعرب إذا أطلقت النجم تعني به الثريا، قال الراعي: فباتت تعد النجم في مستحيرة سريع بأيدي الآكلين جمودها وقال أبو حمزة اليماني: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) يعني: النجوم إذا انتثرت أو إذا انتشرت يوم القيامة. وقال ابن عباس في رواية عكرمة: يعني: النجوم التي تُرمى بها الشياطين إذا سقطت في آثارها عند استراق السمع. يقول ابن القيم: وهذا قول الحسن، وهو أظهر الأقوال. فالإمام ابن القيم يرجح قول الحسن، وهو أيضاً قول ابن عباس في رواية عكرمة عنه. يقول ابن القيم: ويكون سبحانه قد أقسم بهذه الآية الظاهرة المشاهدة التي نصبها سبحانه آية وحفظاً للوحي من استراق الشياطين له على أن ما أتى به رسول الله ﷺ حق وصدق. يعني: كقوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء:٢١١ - ٢١٢]، وذلك بعدما ذكر صفات القرآن الكريم وأنه تنزيل من الله ﵎، وفي هذا ربطٌ بين رجم الشياطين بالنجوم وبين حفظ القرآن؛ كما قالت الجن أيضاً: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسَاً شَدِيدَاً وَشُهُبَاً * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابَاً رَصَدَاً﴾ [الجن:٨ - ٩]، فحرست السماء إرهاصاً لبعثة النبي محمد ﷺ لأجل صيانة القرآن الذي كان ينزل. فبين الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى معللاً سبب ترجيحه هذا القول أن المقسم عليه مرتبط ارتباطاً وثيقاً بهذا القسم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:١ - ٤]، يعني: أن المقصود أنه وحي محفوظ، وليس للشياطين أبداً طريق إليه. يقول ابن القيم: ويكون سبحانه قد أقسم بهذه الآية الظاهرة المشاهدة التي نصبها الله آية وحفظاً للوحي من استراق الشياطين له على أن ما أتى به رسوله حق وصدق، لا سبيل للشيطان ولا طريق له إليه، بل قد حُرس بالنجم إذا هوى إرهاصاً بين يدي الوحي -مقدمة بين يدي الوحي-، وحرساً له، وعلى هذا فالارتباط بين المقسم به والمقسم عليه في غاية الظهور، وفي المقسم به دليل على المقسم عليه. فالمقسم به هو: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾، والمقسم عليه هو ما ضل صاحبكم وما غوى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]. يقول ابن القيم: وليس بالبين تسمية القرآن عند نزوله بالنجم إذا هوى. يعني: أن هذا معنىً غير واضح، فهو يرى أن هذا القول مرجوح. وكذلك يقول: وليس بالبين أيضاً تسمية نزوله هَوِياً، ولا عهد في القرآن ذلك، فيحمل هذا اللفظ عليه. أي: أن القرآن يوصف بأنه نزل أو أنزل، لكن لا يصح أن يقال: إن القرآن هوى، بمعنى: أن القرآن نزل. يقول ابن القيم: وليس بالبين تخصيص هذا القسم بالثريا وحدها إذا غابت، وليس بالبين أيضاً القسم بالنجم أو بالنجوم عند انتشارها يوم القيامة، بل هذا مما يقسم الرب عليه، ويدل عليه بآياته، فلا يجعله نفسه دليلاً لعدم ظهوره للمخاطبين. أي: أن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى يستبعد أيضاً القول بأن المعنى: والنجوم إذا انتثرت أو إذا انتشرت يوم القيامة، يقول: لأن العادة في القرآن أن الله يقسم بالآيات الظاهرة البينة للناس. أي: يبعد أن يكون المقصود: والنجوم إذا انتثرت وانتشرت يوم القيامة، ويقول: لأن هذا مما يقسم الرب عليه، والله يقسم على أن النجوم سوف تنتثر، ولا يحلف بالنجوم إذا انتثرت. ويقول ابن القيم: بل هذا مما يقسم الرب عليه، ويدل عليه بآياته، فلا يجعله نفسه دليلاً لعدم ظهوره للمخاطبين، ولا سيما منكرو البعث، فإنه سبحانه إنما استدل بما لا يمكن جحده ولا المكابرة فيه، فأظهر الأقوال قول الحسن. والله ﵎ أعلم. هذا فيما يتعلق بتحقيق الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى للقول الراجح في تفسير هذه الآية.

стр. 2438

تفسير العلامة الشنقيطي لقوله تعالى: (والنجم إذا هوى) أما العلامة القرآني محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى فقد تكلم أيضاً في تفسير هذه الآية بقوله: اختلف العلماء في المراد بهذا النجم الذي أقسم الله به في هذه الآية الكريمة، فقال بعضهم: المراد به النجم إذا رجمت به الشياطين، وقال بعضهم: إن المراد به الثريا، وهو مروي عن ابن عباس ﵄ وغيره، وتطلق لفظة (النجم) على الثريا بالغلبة، فلا تكاد العرب تطلق لفظ النجم مجرداً إلا عليها، ومنه قول نابغة ذبيان: أقول والنجم قد مالت أواخره إلى المغيب تثبت نظرة حار يعني بذلك: الثريا. وقوله تعالى: (إِذَا هَوَى)، أي: سقط مع الصبح، وهذا اختيار ابن جرير. وقيل: النجم الزهرة. أي: كوكب الزهرة، وخصه بالذات؛ لأنه كان هناك قوم يعبدونه. وقيل: المراد بالنجم نجوم السماء، وعليه فهو من إطلاق المفرد وإرادة الجمع، كقوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر:٤٥])، فأطلق المفرد والمقصود الجمع، أي: ويولون الأدبار. وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّاً صَفَّاً﴾ [الفجر:٢٢]، والمقصود بالملك الملائكة. وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان:٧٥]، أي: الغرف. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلَاً﴾ [الحج:٥]، يعني: أطفالاً. وإطلاق النجم مراداً به النجوم معروف في اللغة، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: ثم قالوا تحبها قلت بهراً عدد النجم والحصى والتراب وقال الراعي: فباتت تعد النجم في متسحيرة سريع بأيدي الآكلين جمودها أي: ولو كان النجم واحداً فقط كما هو في اللفظ المفرد لما كانت ستعد النجوم. وإنما هو من باب إطلاق المفرد والمراد به الجمع. وعلى هذا القول فمعنى هَوِي النجوم: سقوطها إذا غربت، أو انتثارها يوم القيامة. وقيل: النجم النبات الذي لا زرع له. وقال بعض أهل العلم: المراد بالنجم: الجملة النازلة من القرآن، فإنه نزل على النبي ﷺ أنجماً منجماً في ثلاث وعشرين سنة، وكل جملة منه وقت نزولها يصدق عليها اسم النجم صدقاً عربياً صحيحاً، كما يطلق على ما حان وقته من الدية المنجمة على العاقلة، والكتابة المنجمة على العبد المكاتَب. وعلى هذا فقوله: (إِذَا هَوَى)، أي: نزل به الملك من السماء إلى النبي ﷺ ، وقوله: هوى يهوي هُوِياً إذا اخترق الهواء نازلاً من أعلى إلى أسفل. ثم يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: اعلم أولاً: أن القول بأنه الثريا وأن المراد بالنجم خصوصها وإن اختاره ابن جرير وروي عن ابن عباس وغير واحد ليس بوجيه عندي. وكما قلنا مراراً: العلامة الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى لما يقول كلمة: (عندي) فهو أهل لأن يقول (عندي)، لأنه يعتبر -والله تعالى أعلم- من أعلم الناس بالقرآن في هذا العصر المتأخر، صحيح أن الشيخ توفي سنة ١٣٩٣هـ رحمه الله تعالى؛ ولكن بشهادة جميع تلامذته أنه ما رئي أعلم بكتاب الله منه على الإطلاق، والشيخ الشنقيطي من الذين علمهم أكبر من كتبهم، يعني: الكتب هذه التي نقرؤها وبخاصة هذا الكتاب المبارك: (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن)، لا يدل على سعة علمه الحقيقية، ومن الناس من تكون كتبه أكبر من علمه، ومنهم من يكون علمه أكبر من كتبه، كالإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى، ومن سمع تسجيلات الشيخ الشنقيطي يظن أنه يقرأ، وإنما كان يتناثر العلم منه كالدرر التي لا تنقطع، كالسيل الهادر إذا هجم، ولا يتوقف عن الكلام إلا لسعلة تصيبه أو كحة أو شيء من هذا أو يأخذ نفساً أثناء الكلام، فعندئذ فقط يتوقف. أما علمه الغزير الذي ما عرف له نظير فهو في علم القرآن الكريم في هذا الزمان بشهادة تلاميذه، وهم أنفسهم أئمة، كالشيخ بكر أبو زيد والشيخ عبد الخالق وغيرهم ممن تتلمذوا على يديه، بل ممن تتلمذ عليه الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، مع جلالة قدره؛ لكنه أخذ عنه شيئاً من العلوم، خاصة في البلاغة واللغة وهذه الأشياء، فالمهم أن العلامة الشنقيطي وإن كان معاصراً حينما يقول هذا القول: (ليس بوجيه عندي) فهذه كلمة مقبولة، لا كما يتشدق بها الكثير من الأفراخ من طلبة العلم الذين يقول أحدهم: عندي في هذه المسألة القول الراجح كذا، وعندي كذا، فهؤلاء حقيق أن يقال لهم قول الشاعر: يقولون هذا عندنا غير جائز فمن أنتم حتى يكون لكم عند يقول الشيخ رحمه الله تعالى: والأظهر أن النجم يراد به النجوم، وإن قال ابن جرير بأنه لا يصح، والدليل على ذلك جمعه تعالى للنجوم في القسم في قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥]؛ لأن الظاهر أن المراد بالنجم إذا هوى هنا كالمراد بمواقع النجوم في الواقعة. وقد اختلف العلماء أيضاً في المراد بمواقع النجوم، فقال بعضهم هي: مساقطها إذا غابت، وقال بعضهم: انتثارها يوم القيامة، وقال بعضهم: منازلها في السماء؛ لأن النازل في محل واقع فيه، وقال بعضهم: هي مواقع نجوم القرآن النازل بها الملك إلى النبي ﷺ . قال مقيده عفا الله عنه وغفر له -أي: العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى-: أظهر الأقوال عندي وأقربها للصواب في نظري، أن المراد بالنجم إذا هوى هنا في هذه السورة وبمواقع النجوم في الواقعة هو نجوم القرآن التي نزل بها الملك نجماً فنجماً، وذلك لأمرين: أحدهما: أن هذا الذي أقسم الله عليه بالنجم إذا هوى الذي هو أن النبي ﷺ على حق، وأنه ما ضل وما غوى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، موافق في المعنى لما أقسم عليه بمواقع النجوم. يقول: والإقسام بالقرآن على صحة رسالة النبي ﷺ وعلى صدق القرآن العظيم وأنه منزل من الله جاء موضحاً في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس:١ - ٥]. وقال تعالى: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنَاً عَرَبِيَّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف:١ - ٤]. وخير ما يفسر به القرآن القرآن. إذاً: هذا هو الدليل الأول، استدل بأن المقسم عليه هو هذا القرآن الكريم. والثاني: أن كون المقسم به المعبر عنه بالنجوم هو القرآن العظيم أنسب؛ لقوله بعده: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٦]. أي: أنه يفسر آية النجم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١] بقوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥]. يقول: كون المقسم به المعبر عنه بالنجوم هو القرآن العظيم أنسب؛ لقوله بعده: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٦]؛ لأن هذا التعظيم من الله يدل على أن هذا المقسم به في غاية العظمة، ولا شك أن القرآن الذي هو كلام الله أنسب لذلك من نجوم السماء ونجم الأرض، والعلم عند الله ﵎.

стр. 2439

تفسير قوله تعالى: (ما ضل صاحبكم وما غوى) يقول الله ﵎: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢]. هذا هو جواب القسم، يعني: أن محمداً رسول الله ﷺ ما حاد عن الحق ولا زال عنه. والضلال -كما قال بعض العلماء-: يقع من الجهل بالحق، فيطلق على الشخص إذا جهل الحق وما علم به ولا سمعه. أما الغي فهو العدول عن الحق مع معرفته. يقول القاسمي: ((مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ)) أي: ما حاد عن الحق ولا زال عنه، ((وَمَا غَوَى))، أي: ما صار غوياً؛ ولكنه على استقامة وثبات ورَشَد وهدىً، وفيه تعريض بأنهم أهل الضلال والغي، وذِكره ﷺ بعنوان ((صاحبهم)) للإعلام بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة، وإحاطتهم بمحاسن شئونه المنيفة، فهو تبكيت لهم على وجه أبلغ من أن يصرَّح باسمه، وإشارة إلى أنه كان أبداً موحداً لله، فما ضل ﵌ وما غوى. ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية الكريمة: وبين المقسم به والمقسم عليه من التناسب ما لا يخفى. والمقسم به في رأي ابن القيم هو قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١]، أي: النجوم التي ترجم بها الشياطين لحراسة الوحي، وحراسة السماء، والمقسم عليه هو قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٢ - ٣]. فيقول: بين المقسم به والمقسم عليه من التناسب ما لا يخفى، فإن النجوم التي ترمي الشياطين آيات من آيات الله يحفظ بها دينه ووحيه وآياته المنزلة على رسوله ﷺ ، بها ظهر دينه وشرعه وأسماؤه وصفاته، وجعلت هذه النجوم المشاهَدة خدماً وحرساً لهذه النجوم الهاوية، ونفى سبحانه عن رسوله ﷺ الضلال المنافي للهدى والغي المنافي للرشاد، ففي ظل هذا النفي الشهادةُ له بأنه على الهدى مرتين: فالهدى في علمه. والرشاد في عمله. ﷺ وهذا الأصلان هما غاية كمال العقل، وبهما سعادته وفلاحه، وبهما وصف النبي ﷺ خلفاءه فقال ﵊: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)، كما في حديث العرباض بن سارية - فالراشد ضد الغاوي، والمهدي ضد الضال، وهو الذي زكت نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، وهو صاحب الهدى ودين الحق، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة:٣٣]، ولا يشتبه الراشد المهدي بالضال الغاوي إلا على أجهل خلق الله وأعماهم قلباً وأبعدهم من حقيقة الإنسانية، ولله در القائل: وما انتفاع أخي الدنيا بناظره إذا استوت عنده الأنوار والظلم فالناس أربعة أقسام: القسم الأول: ضال في علمه غاوٍ في قصده وعمله، وهؤلاء شرار الخلق، وهم مخالفو الرسل. الثاني: مهتدٍ في علمه غاوٍ في قصده وعمله، وهؤلاء هم الأمة الغضبية. وهي أمة اليهود لعنهم الله؛ فعندهم العلم، لكن ليس عندهم العمل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) [المائدة:٦٠]، وهكذا حينما وصف الله الصراط المستقيم قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ * غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٥ - ٧] وهم اليهود لفسادهم العملي، ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]؛ لفسادهم الاعتقادي والعلمي. يقول ابن القيم: الثاني: مهتدٍ في علمه غاوٍ في قصده وعمله، وهؤلاء هم الأمة الغضبية ومن تشبه بهم، وهو حال كل من عرف الحق ولم يعمل به. الثالث: ضال في علمه، ولكن قصده الخير وهو لا يشعر. الرابع: مهتدٍ في علمه راشد في قصده، وهؤلاء ورثة الأنبياء، وهم إن كانوا الأقلين عدداً فهم الأكثرون عند الله قدراً، وهم صفوة الله من عباده وحزبه من خلقه. وتأمل كيف قال : ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ [النجم:٢] ولم يقل: ما ضل محمد ﷺ ، تأكيداً لإقامة الحجة عليهم بأنه صاحبهم، كما قال تعالى آمراً نبيه أن يقول: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرَاً مِنْ قَبْلِهِ) [يونس:١٦]، فهم يعرفونه، وهم أعلم الخلق به وبحاله وأقواله وأعماله، ويقرون أنهم لا يعرفونه بكذب ولا غي ولا ضلال، ولا ينقمون عليه أمراً قط، وقد نبه على هذا المعنى ﵎ بقوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٩] وبقوله ﵎: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:٢٢]، أي: وأنتم تعرفون ذلك؛ لأنه صاحبكم، وقد عاشرتموه عمراً مديداً طويلاً. ويقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢]: قال بعض العلماء: الضلال يقع من الجهل بالحق، والغي هو العدول عن الحق مع معرفته، أي: ما جهل الحق وما عدل عنه، بل هو عالم متبع له. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كونه ﷺ على هدى مستقيم جاء موضحاً في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل:٧٩]، وقال تعالى: ﴿فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج:٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف:٤٣]. وقول الله ﵎ هنا في هذه الآية: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤] استدل به علماء الأصول على أن النبي ﷺ لم يكن يجتهد، والذين قالوا: إنه قد يقع منه الاجتهاد استدلوا بقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣] إلى آخر الآية، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧] إلى آخر الآية، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى﴾ [التوبة:١١٣] إلى آخر الآية. قالوا: فلو لم يكن هذا عن اجتهاد لما قال الله : ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣]، ولما قال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال:٦٧]. يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: ولا منافاة بين الآيات؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤] معناه: أن النبي ﷺ لا يبلغ عن الله إلا شيئاً أوحى الله إليه أن يبلغه، فمن يقول: إنه فعل أو سحر أو كهانة أو أساطير الأولين هو أكذب خلق الله وأكفرهم، ولا ينافي ذلك أنه أذن للمتخلفين عن غزوة تبوك، وأسَر الأسارى يوم بدر، واستغفر لعمه أبي طالب من غير أن ينزل عليه وحي خاص في ذلك. يعني: أنه ﷺ في هذه المواقف ما نزل عليه وحي خاص، وإلا لو أوحى الله إليه وحياً خاصاً في هذه المواقف لكان سوف يبلغه عن الله كما أنزله الله، أما ما وقع في هذه المواقف فلأنه ﷺ لم ينزل عليه وحي خاص في ذلك.

стр. 2440

تفسير قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى . إن هو إلا وحي يوحى) قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣]. قال قتادة: أي: وما ينطق بهذا القرآن عن هواه ورأيه ﵌. وهذا أيضاً فيه تعريض بهم أنهم هم الذين ينطقون عن الهوى. قال أبو عبيدة (عن الهوى) أي: بالهوى. ففسر (عن) بـ (الباء)، فتكون كقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرَاً﴾ [الفرقان:٥٩]، أي: فاسأل عنه خبيراً، فجاءت (الباء) بمعنى: (عن). قال النحاس: قول قتادة أولى، وتكون (عن) على بابها، أي: ما يخرج نطقه عن رأيه إنما هو بوحي من الله ؛ لأن بعده: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤].

стр. 2441

بيان أن السنة وحي من الله وقوله: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) حرف (عن) فيه تنزيه لمصدر كلامه في الدين، وأنه لا يصدر عنه كلام في الدين إلا عن الوحي لا غير، ولا يمكن أن يكون صادراً عن هواه، فقوله هذا أبلغ من القول بأن (عن) بمعنى الباء، وأقوى من هذا القول قول من قال في معنى الآية: ما ينطق في أي شأن من شئون الدين عن الهوى، فيستدل بهذا على أن السنة وحي كالقرآن؛ لقول الله ﵎ بعده مباشرة: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤] وجملة ((يُوحَى)) صفة مؤكدة لـ (وحي)؛ لأنه إذا جاءت ((يُوحَى)) بعد (وحي) فإنها قطعاً تقطع وتمنع وترفع احتمال أي مجاز. وأيضاً لتفيد الاستمرار التجددي؛ لأن الوحي كان عند نزول هذه السورة مستمر، فقوله: (يوحى)، يعني: سوف يستمر ويتجدد نزوله إلى أن ما شاء الله . وقوله: ((إِنْ هُوَ))، أي: القرآن، مع أن القرآن لم يذكر آنفاً؛ لكن فُهم من السياق، ولأن كلام المنكرين كان في شأن القرآن الكريم، وأرجعه بعضهم إلى ما ينطق به ﷺ مطلقاً، أي: أن كل ما ينطق به النبي ﷺ متعلقاً بالدين فما هو إلا وحي يُوحى، واستُدل بذلك على أن السنن القولية من الوحي، وقواه بما في مراسيل أبي داود عن حسان بن عطية قال: (كان جبريل ينزل على رسول الله ﷺ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن، ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن). واستُدل بهذه الآية أيضاً على منع الاجتهاد له ﷺ ، والصواب هو الأول. والقاسمي ﵀ يرجح أن الضمير يعود إلى القرآن الكريم؛ لفهمه من السياق؛ ولأن كلام المنكرين كان في شأن القرآن الكريم، أي: أنه رد لقولهم: (افتراه)، والقرينة من أكبر المخصصات، وجلي أنه ﷺ كثيراً ما يقول بالرأي في أمور الحرب وأمور أخرى، فلابد من التخصيص قطعاً، وبأنه لا قوة في المراسيل لما تقرر في الأصول. يعني: مرسل حسان بن عطية. وكلام الإمام القاسمي رحمه الله تعالى فيه نظر، فقوله: (إنه لا قوة في المراسيل لما تقرر في الأصول) هذا لو كنا نحتج على أن السنة وحي فقط بهذا المرسل، ونحن في الحقيقة غير محتاجين وغير مفتقرين للمرسل؛ لأنه من أقسام الضعيف؛ لكن عندنا ما هو أقوى؛ عندنا أدلة من القرآن نفسه، وعندنا أدلة من السنة، كما سنبين إن شاء الله ﵎. والحقيقة أننا نحتاج إلى أن نقف وقفة يسيرة مع هذه القضية؛ لكن بعد أن نذكر أيضاً كلاماً للإمام ابن القيم في تفسير هذه الآية. يقول ابن القيم ﵀: ثم قال سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، ينزه نطق رسوله ﷺ أن يصدر عن الهوى، وبهذا الكمال هداه ورشده، وقال: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) ولم يقل: وما ينطق بالهوى؛ لأن نطقه عن الهوى أبلغ، فإنه يتضمن أن نطقه لا يصدر عن هوى، وإذا لم يصدر عن هوى فكيف ينطق به؟! فتضمن نفي الأمرين: نفي الهوى عن مصدر النطق. ونفيه عن نفسه. فنطقه بالحق، ومصدره الهدى والرشاد لا الغي والضلال. يعني: ما يصدر عنه ما هو إلا بالوحي لا عن الهوى، وهذا أقوى من قولك: وما ينطق بالهوى؛ لأنه في هذه الحالة إذا قلنا: (بالهوى) فإن فيه تنزيهاً لنفس النبي ﵇ أنه لا ينطق بالهوى، وإنما ينطق بالحق؛ لكن حينما نقول: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) يتضمن أمرين: يتضمن نفي الهوى عن مصدر نطقه. ثم أيضاً نفي الهوى عن نفسه. يقول ابن القيم ثم قال تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى): فأعاد الضمير على المصدر المفهوم من الفعل. وآنفاً ذكرنا أن القاسمي يرجع أن الضمير في قوله تعالى: ((إِنْ هُوَ)) يعود إلى القرآن الكريم، وقال: لأن هذا هو الذي كان الكفار يزعمون أنه مفترى، وذكر أن القرآن هو المفهوم من السياق. فيقول ابن القيم رحمه الله تعالى: فأعاد الضمير على المصدر المفهوم من الفعل. يعني المصدر المفهوم من الفعل ((يَنْطِقُ)) وهو النطق، فمعنى قوله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) وما نطقه إلا وحي يُوحى، هذا معنى كلامه. يقول: وهذا أحسن من قول من جعل الضمير عائداً إلى القرآن؛ فإنه يعم نطقه بالقرآن والسنة، وأن كليهما وحي يُوحى، وقد احتج الشافعي لذلك. يعني: أن الإمام الشافعي ينتصر لهذا القول، لأن الآية: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) تفسَّر بمعنى: أن كل ما نطق به النبي ﵇ في الدين فهو وحي، سواء كان في القرآن أو في السنة.

стр. 2442

الحجج على أن السنة وحي من عند الله يقول ابن القيم: وقد احتج الشافعي لذلك بقوله: لعل من حجة من قال بهذا قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء:١١٣]، والعطف هنا يدل على المغايرة، أي: أن الكتاب غير الحكمة، وأرسى قاعدة، وهي: أنه متى ما ورد الكتاب مقترناً بالحكمة في القرآن الكريم في سياق الامتنان على هذه الأمة أو على النبي ﷺ ، فالحكمة هي السنة باتفاق السلف. فـ الشافعي قال: لعل من حجة من قال بهذا قوله: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء:١١٣]. إذاً: (الحكمة) معطوفة على (كتاب)، والكتاب أنزله الله، فتكون الحكمة أيضاً أنزلها الله. قال: ولعل من حجته أن يقول: قال رسول الله ﷺ لأبي الزاني بامرأة الرجل الذي صالحه على الغنم والخادم-: (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله: الغنم والخادم ردٌّ عليك) إلخ الحديث. وذكر أيضاً جملة من الأحاديث والآثار سوف نذكرها. وقال الشافعي: أخبرنا مسلم -يعني: ابن خالد الزنجي - عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه: أن عنده كتاباً نزل به الوحي، وما فرض رسول الله ﷺ من صدقه وعقول فإنما نزل به الوحي. والعقول: جمع عقل، والمقصود بها الدية. وذكر الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: كان جبريل ينزل على رسول الله ﷺ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن، ويعلمه إياه. وذكر الأوزاعي أيضاً عن أبي عبيد صاحب سليمان قال: أخبرني القاسم بن مخيمرة قال: حدثني ابن نضيلة قال: قيل لرسول الله ﷺ : (سعر لنا، قال: لا تسألني عن سنة أحدثها فيكم لم يأمرني الله بها، ولكن سلوا الله من فضله) وابن نضيلة هذا يسمى طلحة. وقد صح عنه ﵊ أنه قال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه)، وهذا هو السنة بلا شك، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء:١١٣]، وهما القرآن والسنة. فنحن نقول: إن (هو) تعود إلى المصدر المفهوم من الفعل (ينطق)، فقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ﴾ [النجم:٣ - ٤] يعني: إن نطقه ﴿إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]، وهذا أرجح من قول من قال: إن الضمير يعود إلى القرآن الكريم، وهذا هو أولى الأدلة على أن السنة وحي؛ لأن الأدلة على هذا أدلة من القرآن وأدلة من السنة، وليس فقط مرسل حسان بن عطية، إذ ليس هناك أي قضية متوقفة على كلمة حسان بن عطية. ومن الأدلة قول الله ﵎: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولَاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:١٥١]، الكتاب: القرآن، والحكمة: السنة. يقول الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى في كتاب (الإحكام): قال الله عن نبيه ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، وقال تعالى آمراً لنبيه ﷺ أن يقول: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام:٥٠] وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]. وبعض المفسرين وبعض الأئمة كالإمام عبد الله بن المبارك فهم أن الذكر هنا أيضاً يعم القرآن والسنة، ولذلك لما جاء رجل إلى الإمام عبد الله بن المبارك يذكر له الأحاديث الموضوعة التي يضعها بعض الناس، فرد عليه قائلاً: (تعيش لها الجهابذة، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩])، فيفهم من ذلك أن الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى كان يرى أن (الذكر) يشمل القرآن ويشمل السنة. إذاً: هناك تنزيلان: تنزيل نزل أولاً. ثم تنزيل آخر أتى مبيناً لهذا الذي أنزل أولاً، فقوله: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ)، أي: السنة (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) أي: القرآن الكريم، يعني: أن السنة تبين القرآن. يقول ابن حزم بعدما ذكر هذه الجملة من الآيات: فصح أن كلام رسول الله ﷺ كله في الدين وحي من عند الله لا شك في ذلك. وتأملوا في هذا الضابط وهذا القيد في قوله: (أن كلام رسول الله ﷺ كله)، ثم قال هنا: (في الدين)، ليخرج الكلام الذي يكون في الدنيا، كما قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، ويخرج أيضاً الأمور التي حصل فيها اجتهاد، يعني: وإذا قلنا: إنه يجتهد ويخطئ في الاجتهاد فالوحي لا يسكت أبداً على هذا، وإنما يصحح له ويبين له الحقيقة. يقول: فصح أن كلام رسول الله ﷺ كله في الدين وحي من عند الله لا شك في ذلك، ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله فهو ذكر منزل، فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالى له بيقين، وكل ما تكفل الله بحفظه فمضمون ألا يضيع، وألا يحرف منه شيء أبداً تحريفاً لا يأتي البيان ببطلانه. وربما يقول قائل: كيف تقول: إن السنة كلها محفوظة أيضاً كالقرآن، ولا يمكن أن تضيع على جميع الأمة؟ والجواب هو: أن الأحاديث قد تلتبس على بعض الناس، إذ قد يلتبس الضعيف بالصحيح، ولكن نقول: إنما يلتبس على الجهلاء، أما المختصون وأما أهل الحديث فإنها لا تلتبس عليهم. وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (الروح): والكتاب هو القرآن، والحكمة هي السنة باتفاق السلف، وما أخبر به الرسول ﷺ عن الله فهو في وجوب تصديقه والإيمان به كما أخبر به الرب تعالى على لسان رسوله ﷺ ، وهذا أصل متفق عليه بين أهل الإسلام، ولا ينكره إلا من ليس منهم، فيا ويل أعداء السنة! وقد سئل ابن المبارك عن هذه الأحاديث الموضوعة! فقال: (تعيش لها الجهابذة، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]) وإذا كانت حجة الله على عباده لا تقوم إلا بحفظ رسالته وشرعه فإن هذا الحفظ لا يتم إلا بحفظ القرآن والسنة التي تبينه وتشرحه للناس. وتخيلوا إذاً ما قاله العقيد القذافي مثلاً من الضلالات التي قالها في شأن السنة، وأنه يريد أن يفهم القرآن فقط. ولا يخرج هذا الكلام إلا من ناس مهووسة ومتهمة في عقولها، سواء كانوا من الكتَّاب أو المفكرين أو الضالين، بل كثيراً ما كانت تبدأ فكرة ادعاء النبوة بنفي السنة أولاً، بل هذا شأن كل من يدعون النبوة تقريباً، وهذا ما قاله شيخنا العلامة الشيخ بديع الدين السندي رحمه الله تعالى، فإنه كان يقول: إن تفتش في سيرة الذين يدعون النبوة تجد كثيراً منهم تقدم ادعاء النبوة بالتكذيب بالسنة. وهذا فعلاً نجده كثيراً، كما في مسيلمة السودان المدعو: رشاد خليفة، فهو بدأ بإنكار السنة، وقال: هذه السنة وحي من الشيطان! إلى آخر خزعبلاته، ولا نضيع الوقت بذكرها. فكثير ممن يدعون النبوة يبدءون أولاً بهدم السنة؛ لأن السنة سوف تأتي له بصداع، فإنه يسمع الناس تقول له: قال رسول الله ﷺ : (لا نبي بعدي)، وغير هذا من الأدلة، بخلاف أدلة القرآن فإنها قد تكون طيعة في يد صاحب الهوى، كما يقول الشاعر: وكم من فقيه خابط في ضلالة وحجته فيها الكتاب المنزل لأن القرآن يحمل أوجهاً شتى، فالقرآن محتاج إلى السنة كي تبينه وتفصله وتوضحه، فمن أجل ذلك فهم يريدون أن يسدوا باب السنة؛ ليبتدعوا ما يريدون، ولذلك وجدنا بعض هؤلاء الضالين يقول: إن الصلاة لا تجب إلا ركعتين في الصبح وركعتين في الليل! ويزعمون أنهم يستدلون بفهمهم السقيم للقرآن. فحفظ الإسلام لا يتم ولا يُحفظ إلا بحفظ القرآن، والقرآن لا يُحفظ إلا بحفظ السنة، ولا شك في ذلك. يقول: فإذا كانت حجة الله على عباده لا تقوم إلا بحفظ رسالته وشرعه، فإن هذا الحفظ لا يتم إلا بحفظ القرآن والسنة التي تبينه وتشرحه للناس، فلزم من ذلك لزوماً حتمياً أن يحفظ الله السنة، وأن يتعهد ببقائها. فلابد أن تُحفظ السنة أيضاً كي يُحفظ القرآن، وحتى لا يحصل إلحاد في فهم آيات الله ﵎.

стр. 2443

الأدلة من القرآن على أن السنة وحي من الله ومن الآيات التي اقترن فيها الكتاب بالحكمة، وهي حتماً -بالشروط التي ذكرناها- يُقصد بها السنة: قول الله ﵎: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولَاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:١٥١]. ومنها: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولَاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:١٢٩]، يعني: القرآن والسنة، وهي دعوة إبراهيم، وقد استجيبت. وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء:١١٣]، فالكتاب مقترن بالحكمة في سياق الامتنان مخاطباً به الرسول ﵇، ولهذا لابد أن تفسر الحكمة بأنها السنة. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِه﴾ [البقرة:٢٣١]. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولَاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢]. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]، والذي كان يتلى في بيوت نساء النبي ﵇ هو القرآن والسنة. قال الشافعي رحمه الله تعالى: سمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله ﷺ . ومن الآيات القرآنية التي تدل على أن السنة وحي: قوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٩]. والشاهد هنا في قوله: (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)، فهذا تعهد وضمان من الله أنه سوف ينزل أيضاً ما يبين القرآن الكريم، أي: إن علينا إظهاره بلسانك فتقرأه كما أقرأك جبريل، وعلينا كذلك تبيين ما فيه من الأحكام وما يتعلق بها من الحلال والحرام، والتفصيل والإجمال، والتقييد والإطلاق، وما إلى ذلك، وهذا ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. من ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام:٥٠]. وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣]، وهل هداية الرسول ﵇ إلى القرآن فقط أم أنه يهدينا إلى القرآن وإلى السنة؟ الجواب يهدينا إلى القرآن وإلى السنة، كما قال ﷺ : (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي). فالعصمة من الضلال مشروطة بشرطين، فكل من ادعى أنه مهتدٍ وأنه بعيد عن الضلال، وفي نفس الوقت يدعي أنه يتبع القرآن فقط فنقول له: أنت ضال، ولذلك قال أيوب السختياني: إذا حدثت الرجل بسنة، فقال لك: دعنا من هذا وأجبني عن القرآن، فاعلم أنه ضال. أي: أعطه هذا الختم فوراً، فمثل هذا ضال، ولا كلام في ذلك، فأي واحد يقول: إنه يأخذ القرآن فقط، ويظن أن هذه الكلمة سوف تشفع له، نقول له: أنت ضال قطعاً؛ لأن العصمة من الضلال لا تكون إلا بالقرآن مع السنة معاً، كما قال ﷺ : (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وسنتي). ومعروف أن ما علق على شرطين لا يقوم بأحدهما؛ لأن الشرط إذا عدم لا يوصل إلى الحقيقة أو الذات، فبالتالي لا يمكن أن يعصم من الضلال من قال: آخذ القرآن فقط، بل نحن نقطع جزماً بأنه ضال، أما من قال: آخذ القرآن والسنة فهو المهتدي. ودليل آخر من أدلة القرآن الكريم على أن السنة وحي: قول الله ﵎: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطَاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدَاً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا﴾ [البقرة:١٤٢ - ١٤٣]، هل الجعل هنا شرعي أم كوني قدري؟ الجواب الجعل هنا شرعي، فقوله: ((وَمَا جَعَلْنَا))، يعني: ما شرعنا. ويُفهم من الآية أن الذي أمر باستقبال بيت المقدس هو الله . فالله يقول: ((وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا))، يعني: ما شرعنا وما أمرناكم باستقبال القبلة التي كنتم عليها ((إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ)). ولهذا نسأل سؤالاً: أين يوجد في القرآن الكريم الأمر باستقبال بيت المقدس؟ الجواب: لا يوجد في القرآن، ومع أنها غير موجودة في القرآن فالله يقول هنا: ((وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ))، وهذا دليل قرآني واضح وضوح الشمس على أن السنة وحي كالقرآن؛ لأن هذا (الجَعل) ما حصل في القرآن، وإنما حصل في السنة، وعرفناه من السنة، وما وجدناه في القرآن على الإطلاق. قال : ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة:١٤٣ - ١٤٤] إلخ الآيات، فهذه الآيات نزلت عند تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وهي تدلنا على أن التوجه إلى بيت المقدس كان مشروعاً من قبل، وأن النبي ﷺ مع ميله الشديد إلى التوجه إلى الكعبة لكونها قبلة آبائه إبراهيم وإسماعيل ﵉ لم يتوجه إليها، بل كان ملتزماً بالتوجه إلى بيت المقدس هو وأصحابه، وإن كان ذلك بخلاف رغبته، لكن استقبلها انقياداً لأمر الله. وتدلنا أيضاً على أن التزامهم لذلك كان حقاً وصواباً واجباً عليهم قبل التحويل، وهذه الآية مع ذلك لم تشرِّع التوجه إلى بيت المقدس؛ لأنها إنما أنزلت في نهاية العمل، فهي تشرع التوجه إلى الكعبة، وليس هناك آية أخرى في القرآن تبين لنا حكم التوجه إلى بيت المقدس، فدلنا هذا كله على أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا عاملين بحكم لم ينزل به القرآن، وأن عملهم كان حقاً وواجباً عليهم. إذاً: كان التوجه إلى بيت المقدس وحياً من الله، لكن ليس في القرآن، فلم يبق إلا أنه وحي السنة. وقال ﵎: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم:٣]، والذي أخبره عن زوجته لا نجده في القرآن، وإنما نجد في القرآن إشارة مجملة فقط.

стр. 2444

الأدلة من السنة على أن السنة وحي ثم نتحول إلى أدلة السنة نفسها على أن السنة وحي: فعن المقدام بن معد يكرب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، وإن ما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهَد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعاقبهم بمثل قراه)، وهذا الحديث صحيح؛ رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه. فنلاحظ هنا قوله ﵊: ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه. أوتيت: فعل مبني للمجهول، والمعلوم منه (آتى)، يتعدى إلى مفعولين، مثل: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [مريم:٣٠] (الياء) مفعولاً أولاً، و (الكتاب) مفعولاً ثانياً، فمعنى قوله ﵊ هنا: ألا إني أوتيت القرآن آتاني الله القرآن، فيكون المفعول الأول هو (الياء)، والمفعول الثاني هو (القرآن) والمعنى: أوحي إلي القرآن ومثله معه، وهذا يدل على أن مصدر الكتاب ومصدر المماثل له واحد، وحيث إن الله هو الذي آتى نبيه الكتاب فهو سبحانه الذي آتى نبيه الشيء المماثل لهذا الكتاب، وهو السنة الشريفة. فمعنى هذه المماثلة في قوله: (ومثله معه): إما أن تكون مماثلة في كونه وحياً، أي: كما أن القرآن وحي فالسنة مثله في كونها وحياً. وإما أن تكون مماثلة في وجوب العمل بالسنة كالكتاب العزيز. غير أن الاحتمال الأول تؤيده وترجحه الأدلة السابقة من القرآن الكريم، وأيضاً الأدلة التي سوف تأتي. فحديث المقدام بن معد يكرب رضي الله تعالى عنه أفاد أن السنة وحي مع القرآن، وأفاد التشنيع على من يقتصر على القرآن ويرفض السنة، كأفراخ هذا الزمان كـ مصطفى محمود وأمثاله من الجهلة الذين ما عُرفوا على الإطلاق بطلب العلم الشرعي، وليس لهم أي شيء في هذا الصناعة، فهؤلاء الذين يتطفلون على العلم الشرعي ولا يهتمون بذلك بل يتسورون عليه، يريدون أن يهدموا أصول الدين بالطعن في أحاديث متواترة كأحاديث الشفاعة، ويأتون بأشياء غير ذلك من ضلالات هذا الزمان التي لم نعد نستغربها؛ لكثرة ما نسمع المنحرفين والضالين عن هدي النبي ﵊. وهذا الحديث أيضاً علم من أعلام النبوة؛ لأنه إخبار عن غيب، وقد وقع كما أخبر، وذلك أنه ﵊ أخبر أن هناك فرقة ضالة سوف تظهر اسمها: فرقة القرآنيين، وقد ظهرت كما تنبأ النبي ﵊. وهؤلاء الذين يظهرون بين يوم وآخر ويطعنون في السنة ينطبق عليهم هذا الحديث. وقوله: يوشك رجل شبعان على أريكته، هذه العبارة مفهومها يدل على منقبة عظمى لأهل الحديث، فأهل الحديث جهادهم ورحلاتهم في طلب العلم منصب في حراسة حديث الرسول ﵇، ولو تتبع الإنسان جهد أهل الحديث لوجد فيه الأعاجيب، وكيف أن الله حفظ الدين بتسخير أهل الحديث، وجهادهم الدءوب في حفظ سنة النبي ﷺ . وقد اتصف أهل الحديث بأمور أساسية جداً، من ضمنها: الجوع والعطش، والفقر، والمعاناة الشديدة في الرحلة لطلب العلم، وفي هذا مصنفات مستقلة تبين أنهم عانوا الفقر والجوع والمرض والنصب في سبيل الرحلة؛ حيث كانوا يمشون آلاف الأميال على أقدامهم، كما فعل بقي بن مخلد حينما رحل على قدميه من الأندلس إلى بغداد؛ ليسمع من الإمام أحمد، فتخيلوا هذه المسافة! والأمثلة في ذلك كثيرة، فهم كانوا يرحلون في طلب العلم، وكانوا يقاسون في هذه الرحلة الشدائد، ويعانقون الفقر والجوع، وهناك قصص طويلة لا نريد أن نخرج عن الموضوع بذكرها. لكن هؤلاء المكذبون الضالون الذين يطعنون في سنة النبي ﵊ جمعوا النقيضين، فقوله: (رجل شبعان) فيه إشارة إلى أنهم مترفون، فلا سافروا، ولا جاهدوا، ولا نصبوا، ولا عطشوا، ولا مرضوا في طلب الحديث، فإلى أين رحل هؤلاء المكذبون الذين يطعنون في السنة؟ ما عرفوا بالرحلة على الإطلاق، ولا جثوا على ركبهم أمام العلماء أبداً، لكن سهل على أحدهم أن يتسور ويقفز من السور ويدَّعي أنه دخل في حوزة العلم الشرعي. وقوله: (متكئ على أريكته) كما في بعض الروايات فيه إشارة إلى البطر، وأنهم ناس مترفون لا يسافرون، ولا هم مستعدون لأن يتعبوا، بل يريد أحدهم لكتاب البخاري أن يرميه في المحرقة، ويريد أن يطمس كل هذه الجهود بجرة قلم أو بكلمة تصدر منه أو بمقالة يكتبها في جريدة ترحب به وبأمثاله من الأبواق الضالة المنحرفة، وتشجعه على أن يمضي في الطعن، ثم يحدثون بالآراء الشاذة التي تدل على ضلالاتهم وشبهاتهم. فتأملوا كلمة: (شبعان على أريكته)! يعني: أنه إنسان مترف ليس متفرغاً لطلب العلم، ولا يسهر، ولا يرحل ولا يسافر، ولا يمرض، ولا يفتقر، ولا يشرب بوله كما حصل من بعض علماء الحديث، حتى ينقذ نفسه وينقذ حياته وهو راحل في طلب العلم، فهو (شبعان) وجهاده (على أريكته)، فهو متكئ على الأريكة، ويكذب أحاديث النبي ﷺ ، فهذا الرجل تنبأ الرسول ﵊ بظهوره، ومع هذا يقول: عليكم بهذا القرآن؛ فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه! والرسول ﵊ يرد على هذا المبطل الكذاب بقوله: (وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله، بعدما قال: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، فأكد أن السنة مثل القرآن، فهي وحي آتاه الله إياه، ثم بعد ذلك تنبأ بهؤلاء القرآنيين الضالين. ثم أعطى قاعدة عامة أيضاً مؤكداً ذلك فقال: إن ما حرم رسول الله كما حرم الله، ثم زاد على ذلك بأن أتى بقسم مهم جداً من أقسام السنة الثلاثة؛ لأن السنة على ثلاثة أقسام: إما أن تأتي مؤكدة لما ورد في القرآن، فيكون هذا من باب توارد الأدلة على المعنى الواحد. وإما أن تأتي مفسرة للقرآن مبينة له، مقيدة للمجمل، مخصصة للعام، إلخ. وإما أن تأتي السنة -وهذا أغرب الأقسام إلى أعداء السنة- بحكم مستقل غير موجود أصلاً في القرآن. فمن ذلك ما ذكره هنا بقوله: (ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهَد، إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه -لم يبذلوا حق الضيافة- فله أن يعاقبهم بمثل قراه)، أي: يكون له حق فيما يماثل القرى والضيافة. فالحديث أفاد أن السنة وحي مع القرآن، وأفاد التشنيع على من يقتصر على القرآن ويرفض السنة، وبين أحكاماً فرعية تستقل السنة بتشريعها وهي لم ترد في القرآن الكريم نصاً، وإنما جاءت في القرآن إحالة، بمثل قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. ومن ذلك أيضاً: قول النبي ﵊: (أيحسب أحدكم متكئاً على أريكته يظن أن الله لم يحرم شيئاً إلا ما في هذا القرآن؟! ألا إني قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء، إنها مثل القرآن أو أكثر). وعن طلحة بن نضيلة قال: (قيل لرسول الله ﷺ في عام سنة -عام قحط-: سعِّر لنا يا رسول الله! قال: لا يسألني الله في سنة أحدثها فيكم لم يأمرني بها؛ ولكن اسألوا الله من فضله). ففي هذا أن الرسول امتنع من التسعير؛ لأنه لم ينزل عليه وحي بهذا التسعير، فيخشى أنه لو قال من عنده بدون وحي يكون قد أحدث فيهم شيئاً لم يأمره الله به، ومع ذلك سن رسول الله ﷺ سنناً وبين أحكاماً ليست في القرآن، فدل هذا الحديث على أن ما تكلم به وحي، وأنه لم يحدثه من تلقاء نفسه. ويقول الرسول ﵊: (غفار غفر الله لها، وأسلم سلمها الله، ما أنا قلته؛ ولكن الله قاله)، وهل توجد آية في القرآن نصها: (غفار غفر الله لها، وأسلم سلمها الله)؟ الجواب لا، ومع ذلك يقول الرسول ﵊: (ما أنا قلته؛ ولكن الله قاله). وعن أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄ قالا: (إن رجلاً من الأعراب أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله -يعني: بحكم الله-، وقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم. فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي، فقال رسول الله ﷺ : قل، قال: إن ابني كان عسيفاً عند هذا -يعني: أجيراً- فزنى بامرأته، وإني أُخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة -يعني: استعاض بدل رجمه بمائة شاة وجارية- فسألت أهل العلم، فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده! لأقضين بينكما بكتاب الله: الغنم والخادم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس -لرجل من أسلم- إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، قال: فغدا عليها فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت). وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. وهذا واضح تماماً أن هذا الحكم غير موجود في القرآن، وإنما هو في السنة، ومع هذا قال الرسول ﷺ : (لأقضين بينكما بكتاب الله). وعن يعلى بن أمية ﵁ أنه كان يقول لـ عمر ﵁: (ليتني أرى رسول الله ﷺ حين ينزل عليه الوحي، فلما كان بالجعرانة سأله رجل فقال: كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبته بعدما تضمخ بالخلوق -يعني: لطخ نفسه بالطيب- حتى كأنه يقطر منه؟ فنظر إليه النبي ﷺ ساعة ثم سكت، فجاء ا

стр. 2445

تفسير سورة النجم [٥ - ١٨]

стр. 2446

تفسير قوله تعالى: (علمه شديد القوى) قال : ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥]. قوله تعالى: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) أي: علم محمداً ﷺ ملَكٌ شديدٌ قواه، يعني: جبريل ﵇، وقد دلت هذه الآية الكريمة على أمرين: أولاً: أن جبريل ﵇ هو الذي علم النبي ﷺ هذا الوحي. الأمر الثاني: أن جبريل شديد القوى، وهذا ما أوضحه قول الله ﵎ مبيناً أن جبريل هو الذي علم النبي ﷺ ، وهو الذي كان سفيراً بينه وبين الله في إيحاء هذا القرآن الكريم إليه، كما قال ﵎: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوَّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقَاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة:٩٧]، ففي هذا إثبات أن جبريل ﵇ هو الذي نزله، والمقصود أن الذي أتاه بالوحي ملَكٌ هذا شأنه، لا شيطان كما يزعم المشركون. وقال ﵎ أيضاً مبيناً أن جبريل هو الذي علمه: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٥]. وفي نفس السياق في سورة الشعراء قال ﵎: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء:٢١٠ - ٢١٢]، فنفى أن يكون مصدر القرآن الشياطين، وأثبت أن مصدره هو تعليم جبريل الأمين. وقال ﵎: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه:١١٤]. وقال ﵎: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٨]، يعني: إذا قرأه عليك الملك المرسل به إليك من عند الله مبلغاً له عنه: ((فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ))، أي: اقرأ كما سمعت الملك يقرأ، وهذا كله يؤكد أن الذي علم النبي ﷺ هو جبريل ﵇. فهذه الآية دلت على أن جبريل ملك الوحي ((شَدِيدُ الْقُوَى)) * ((ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى))، وهذا بينه قوله ﵎ في سورة التكوير بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢١]، وهذه كلها صفات جبريل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. و (القُوى) جمع قوة، ومن العرب من يكسرها فيقول: القوى بكسر (القاف) كالرِّشا بكسر الراء في الرِّشوة جمع رُشوة بضمها، والحِجا جمع حُجوة. وقوى الحبل: طاقاته، والواحدة قوة.

стр. 2447

تفسير قوله تعالى: (ذو مرة فاستوى) قال ﵎: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم:٦]. قوله: ((ذُو مِرَّةٍ)): المِرة بكسر (الميم) أي: ذو متانة وإحكام في علمه، لا يمكن تغيره ونسيانه، والعرب تقول لكل قوي العقل والرأي: ذو مِرَّة، من أمررت الحبل إذا أحكمت فتله. وكان من قوة جبريل ﵇ أنه قلع قرى قوم لوط وحملها على جناحيه فقلبها، وصاح بثمود فأصبحوا خامدين، وهذه كلها من شدة قوة جبريل ﵇. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية الكريمة: ثم أخبر تعالى عن وصف مَن علمه الوحي والقرآن مما يُعلم أن صفات هذا الملك الذي علمه القرآن الكريم مضادة لأوصاف الشيطان معلم الضلال والغواية. فقال ﵎: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥]، وهذا نظير قوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير:٢٠].

стр. 2448

السر في وصف جبريل بالقوة، ووجه إضافة القرآن الكريم تارة إلى جبريل وتارة إلى النبي ﷺ أما السر في وصف جبريل ﵇ بالقوة فقد وضحه الإمام ابن القيم أيضاً في كتابه المبارك: (التبيان في أقسام القرآن) أثناء شرحه سورة التكوير فقال: ثم ذكر سبحانه المقسم عليه، وهو القرآن الكريم وأخبر أن هذا القرآن قول رسول كريم. والرسول الكريم هو جبريل ﵇؛ لأن الله ذكر في سياق هذه الآيات الكريمة من الصفات ما يعيِّن ويحتِّم أنه جبريل، فقد قال ﵎: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢١]، فهذا كله لا شك أنه في شأن جبريل ﵇. وأما الرسول الكريم في الحاقة فهو: النبي محمد ﷺ ، وذلك في قوله سبحانه: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلَاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلَاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة:٣٨ - ٤٧]؛ لأنه عندما قال ﵎: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) نفى بعد ذلك مباشرة قول من زعم من أعدائه أنه قوله، فقال: (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ) رداً على من قالوا: إنه قول شاعر، يعنون بذلك النبي ﷺ ، (وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ) يعني: كما تزعمون، فيلاحظ هنا أن الله حينما أقسم على أن القرآن قول رسول نسبه إلى الرسول الكريم مرتين: مرة عنى بها جبريل ﵇، كما في سورة التكوير، وأيضاً هنا في سورة النجم. ومرة أخرى في سورة الحاقة، وأراد به النبي ﷺ . يقول ابن القيم: فنسب هذا القول -القرآن الكريم- تارةً إلى الرسول الملكي، وتارة إلى الرسول البشري، وإضافته إلى كل واحد من الرسولين إضافة تبليغ لا إضافة إنشاء من عنده، وإلا تناقضت النسبتان. فلا يمكن أن يفهم أحد أن إضافة القول إلى أحد الرسولين تعني أنه كلام من عنده، وإلا تناقضت النسبتان، لأنه لو قلنا إن المتكلم به أو المصدر له هو جبريل أو هو الرسول ﵊ ففي هذه الحالة سوف يظن القارئ أن القرآن صدر عن هذين المصدرين، وبهذا تتناقض النسبتان. لكن القول الصحيح أن هذه الإضافة إضافة تبليغ، يعني: إنه لقول الله الذي بلغه جبريل إلى النبي ﵌ ثم بلغه النبي ﵊ إلى الناس. يقول: فأضافه إلى الرسول الملكي تارة، وإلى البشري تارة، وإضافته إلى كل واحد من الرسولين إضافة تبليغ لا إضافة إنشاء من عنده، وإلا تناقضت النسبتان، ولفظ (الرسول) يدل على ذلك. يعني: أن كلمة (الرسول) في حد ذاتها تؤيد هذا المعنى، وهو أن الإضافة إضافة تبليغ؛ لأن الرسول من شأنه أن يكون مرسلاً بالإبلاغ. يقول: فإن الرسول هو الذي يبلغ كلام من أرسله، وهذا صريح في أنه كلام مَن أرسل جبريل، وأرسل محمداً ﷺ ، وأن كلا منهما بلغه عن الله، فهو قوله مبلغاً، وقول الله الذي تكلم به حقاً، فلا راحة لمن أنكر أن يكون الله متكلماً بالقرآن، وهو كلامه حقاً في هاتين الآيتين، بل هما من أظهر الأدلة على كونه كلام الرب ﵎. يعني: أن الجهمية الذين يقولون: إن القرآن ليس كلام الله، وإنما هو مخلوق، قد يفرحون ويجدون متنفساً في هاتين الآيتين وفي هاتين النسبتين؛ لكن نقول كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: إنه لو صح أن هذه إضافة إنشاء لتناقضت النسبتان، فلا ينبغي لأهل البدع أن يفرحوا بهذه النسبة إلى الرسول البشري أو إلى الرسول الملكي؛ لأن نفس الآية دليل عليهم، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وأرسى قاعدة عامة فقال: (أنا ألتزم -يعني: أنا أضمن- أنه لا يحتج مبتدع بآية أو حديث لتأييد باطله إلا وكان في نفس الآية أو الحديث ما يدل على نقيض ما ذهب إليه)، فهنا نفس هذه الآية فيها دليل يبطل كلام هؤلاء الجهمية، وهو قوله : (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ)، أي: رسول مبلغ وليس منشئاً الكلام من عنده. يقول ابن القيم: فهما من أظهر الأدلة على كون هذا القرآن كلام الرب ﵎، وأنه ليس للرسولين الكريمين منه إلا التبليغ، فجبريل سمعه من الله، ومحمد ﷺ سمعه من جبريل، ووصف رسوله الملكي في هذه السورة بأنه كريم قوي مكين: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢٠]، فوصفه أنه كريم قوي مكين عند الرب ﵎، وأنه مطاع ثم أمين فهذه خمس صفات تتضمن تزكية سند القرآن. أي: أن السند الذي وصل به القرآن إلينا هو عن جبريل، وجبريل تلقاه مباشرة عن الله ، ثم بلغه جبريل إلى النبي ﵌، ثم بلغه النبي ﷺ إلى الصحابة رضي الله ﵎ عنهم أجمعين، فهذه الصفات الخمس فيها تزكية لسند القرآن، فالسند الأول: هو السند الملكي جبريل، وجبريل رسول كريم قوي مكين مطاع في السماوات أمين، فلا شك أن هذا كله تزكية لسند القرآن الكريم. يقول: ثم إنه سماع محمد ﵌ من جبريل، وسماع جبريل من رب العالمين، فناهيك عن هذا السند علواً وجلالة. فالله هو الذي زكى هذا السند العظيم، فلذلك كان من أشرف الأنساب أن يحمل المرء القرآن الكريم عن الشيوخ بالأسانيد، فإذا تلقيت القرآن فتلقه عن شيخ شفاهاً كما ينبغي أن يكون؛ لأن الإنسان لا يصدق عليه وصف قارئ إلا إذا تلقى القرآن مشافهةً من شيخ مسند، تلقاه عن مشايخه، حتى ينتهي هذا السند إلى التابعين، ثم إلى الصحابة، ثم إلى النبي ﵊، ثم إلى جبريل ﵇، ثم إلى الله . فينبغي للإنسان إذا أراد أن يحوز هذا الشرف العظيم أن ينضم إلى هذه السلسلة التي سوف تبدأ باسمه وتنتهي إلى الله ، والإسناد من خصائص هذه الأمة، فالذي ينبغي على طالب العلم أن يجتهد في تلقي القرآن شفاهاً، أما تلقي القرآن عن طريق الأشرطة أو عن طريق قراءة كتب التجويد فكل هذا هروب من الحقيقة، وليس هذا هو الصحيح في تلقي القرآن، بل القرآن يُتلقى مباشرة عن الشيخ المقرئ، إذ لابد أن يكون الشيخ المقرئ قد تلقاه أيضاً عن مشايخ، كما قال : ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٨] يعني: اقرأه كما سمعته من جبريل ﵇.

стр. 2449

أهمية تلقي القرآن الكريم بالمشافهة فالأمة تلقت القرآن بهذه الأسانيد المتواترة طوال هذه القرون التي مرت بطريق التلقي الشفاهي، والقرآن نفسه اسمه: القرآن، ومعناه: القراءة، أي: أنه يُقرأ. فجزءٌ أساسي في تعريف القرآن هو الكيفية التي يُتلى بها القرآن، فإنه يُتلى بطريقة معينة، وهي: مراعاة أحكام التجويد وصفات الحروف ومخارجها ونحو ذلك. فالعدول عن ذلك بأن يتلقى الإنسان القرآن عن طريق سماع الأشرطة ليرضي ضميره غير صحيح. وبعض الناس يقول: أنا لست مقصراً مع القرآن، بل إنني طوال النهار متابع لإذاعة القرآن الكريم، ومعي الأشرطة أسمعها، وهذا هروب، فإن التعبد بالقرآن ليس بسماعه فقط، فهل أنت الذي تتعبد أم جهاز التسجيل أو الراديو الذي يتعبد؟ لابد أن يكون لك ورد تقرؤه من القرآن، ولا بأس أن تسمع، لكن لابد أن يكون هناك تعبد بلسانك أنت وبقلبك أنت وبعقلك أنت، حتى لو كنت تتعتع في قراءة القرآن فاستمر وجاهد فلك في ذلك الأجر العظيم، كما قال النبي ﷺ فيما معناه: (الماهر بالقرآن مع السَّفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن وهو يتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران)، فحتى الشخص الذي لا يعرف التجويد ولا يحسن قراءة القرآن يقرأ؛ فإن له أجرين على ذلك. فالمطلوب أن الإنسان لابد أن يتلقى القرآن، هذا إذا كان يريد أن يكون طالب علم حقيقياً وليس طالب علم مزوراً، فإن أول خطوات طلب العلم أن تقرأ القرآن الكريم على شيخ مشافهةً، فإن لم يكن مشافهةً لم يسم تلقياً؛ لأن المشافهة أن تتلقى عن الشيخ -ليس فقط من صوته- لكن تتلقى بنظرك بعينيك وبلحظك أيضاً، ولا تأخذ منه اللفظ فقط لكن أيضاً تأخذ عن طريق اللحظ، فهناك من صفات الحروف ومن أحكام التجويد ما يدرك بالنظر، ولذلك منع العلماء أن يتلقى أعمى عن أعمى، لأن هناك أحكاماً لا تفهم إلا بالنظر، مثل: الروم والإشمام، ونحو هذه الأشياء، فلابد من النطق بالحرف مع النظر إلى كيفية نطقه، ومعرفة كيف يخرج الحرف مرققاً، وكيف يخرج مفخماً، وهذه لا تدرك إلا بالنظر إلى الشيخ. فينبغي أن يُجتهد في هذا الأمر. فإن كان الإنسان يعجز عن تلقي التجويد أو القرآن عن شيخ مشافهة فهناك حل بديل ينفع لمن عجز عن الحصول على شيخ، وذلك لو أمكن مشاهدة بعض الأشرطة البصرية السمعية، إن أمكن استعمالها في التعلم؛ لأنه توجد أشرطة فيها بعض الشيوخ يعلمون التجويد بأشرطة فيديو تقريباً، فهذه يمكن النظر إليها مؤقتاً إلى أن يتوفر الشيخ؛ ولكن نحن نعيش في مصر، ولسنا نعيش في بلاد واق الواق حيث لا يوجد فيها شيوخ ولا كذا، فعندنا شيوخ وبالذات الشيوخ الأزهريون، فإنهم يتقنون جداً أحكام التجويد، فينبغي أن يلوذ كل واحد منكم بشيخ يتلقى عنه القرآن شفاهاً، ولا يلجأ إلى هذه الوسائل البديلة؛ لأن هذا لا يطلق عليه قارئاً، إنما القارئ من يتلقى القرآن مشافهة.

стр. 2450

ذكر صفات جبريل ﵇ يقول الإمام ابن القيم ﵀ ﵎ مفصلاً هذا المديح وهذا الثناء الذي تضمنته هذه الآيات الكريمة في وصف الملك جبريل ﵇:

стр. 2451

الكرم الصفة الأولى: كون الرسول الذي جاء به إلى رسول الله محمد ﷺ كريماًً: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير:١٩]، فهو ليس كما يقول أعداؤه: إن الذي جاء به شيطان، فإن الشيطان خبيث مخبَّث لئيم قبيح المنظر عديم الخير. أي: أن الشيطان سيئ وقبيح في كل ما يتعلق به، ولذلك لما وصف الله شجرة الزقوم قال: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات:٦٥]، إشارة إلى أن الشيطان أقبح ما يكون. وهنا إشارة عابرة: بالنسبة لهذه الأمور الغيبية نجد أحياناً عدواناً يحصل من بعض المتسمَّين بأسماء المسلمين حيث تصدر منهم أشياء فظيعة، مثلاً: نجد تصميمات لأغلفة للكتب، كأن يكون كتاب يتكلم عن الشياطين، فتجدهم يحاولون أن يرسموا منظراً معيناً للشيطان، ويجتهدون في كونه قبيح الصورة ذا قرون ونحو ذلك، فنقول: ما أدراكم أن هذه هي صورة الشيطان الحقيقية؟! أليس هذا عدواناً على الغيب؟! ويأتي كتاب يتكلم عن الجنة، فيرسمون على غلافه من بساتين الدنيا، صحيح أنه بستان جميل أو حديقة جميلة؛ لكن هل يجوز أن تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟! اترك الغلاف خالياً خالصاً وضع أي لون آخر، غير أنك لا تحاول أن تقرب الجنة إلى أذهان الناس بأن تصور لهم صورة من زينات الدنيا، فماذا تكون هي في جنة الآخرة؟ فهذا عدوان على الغيب، وهذا تحقير للجنة؛ لأن الله قال في شأنها: (أعددت فيها لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، بمعنى: أنك مهما حاولت أن تتخيل كيف هي الجنة وكيف هو جمالها ونعيمها، فإنك مخطئ في التخيل، فإذا كان هذا أمراً نحن نجزم به ونقطع به، وهو أن الجنة ما خطر شكلها وحسنها على قلب بشر، فكيف يتجرأ هؤلاء الناس على أن يرتكبوا هذا الكذب وهذا العدوان على حقيقة من حقائق الغيب؟! وهكذا نفس الشيء في النار، حيث يأتون بصور نار مشتعلة، وما أدراكم أن هذه هي النار؟! هذه النار غيب، ونحن نعرفها الآن بالوصف فقط، أما المعاينة فنسأل الله أن يعافينا جميعاً من رؤيتها ومن مسيسها وحرها، فهذا أيضاً عدوان على الغيب، ناهيك عما يحصل من بعض الناس الذين يزينون الجدران أو الستائر أو كذا ببعض الأشياء فيها صورة الملائكة على هيئة بنت صغيرة لها جناحان، وهذا أيضاً عدوان! وأنتم تعرفون جميعاً التشنيع الذي شنعه القرآن على هؤلاء الذين اعتدوا على الغيب حينما زعموا أن الملائكة بنات الله، فتجيء أنت أيها المسلم! فتقول بقول المشركين، وتأتي بصورة بنت صغيرة على أن هذه هي من الملائكة وهذه صورة الملائكة! فهذا عدوان ولا ينبغي أن يصدر من المسلمين، فإن صدر من غير المسلمين فليس بعد الكفر ذنب، أما مسلم ويضاهي بفعله أو بقوله أو بصوره أفعال المشركين فهذا ما لا ينبغي ولا يليق. فهذا جبريل ﵇ رسول كريم، وليس كما يقول أعداء الله وأعداء جبريل: إن الذي جاء بالقرآن شيطان. يقول ابن القيم: فإن الشيطان خبيث مخبَّث لئيم قبيح المنظر عديم الخير، باطنه أقبح من ظاهره، وظاهره أشنع من باطنه، وليس فيه ولا عنده خير، فهو أبعد شيء عن الكرم، والرسول الذي ألقى القرآن إلى النبي محمد ﷺ كريم جميل المنظر بهي الصورة كثير الخير، طيب مطيَّب معلم الطيبين، وكل خير في الأرض من هدى وعلم ومعرفة وإيمان وبر، فهو مما أجراه ربه على يديه، وهذا غاية الكرم الصوري والمعنوي.

стр. 2452

القوة الوصف الثاني: أنه ذو قوة، كما قال في سورة النجم: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥]. وفي هذا تنبيه على أمور: أحدها: أن جبريل ﵇ وصفه الله الجبار القوي المتين بأنه ذو قوة، وبأنه شديد القوى، فإذا وصفه الله بذلك فأي قوة تكون قوة جبريل ﵇؟! ووصف جبريل بأنه شديد القوى أو ذو قوة يفيد أنه بقوته يمنع الشياطين أن تدنو من هذا القرآن الكريم، أو أن ينالوا منه شيئاً أو أن يزيدوا فيه أو أن ينقصوا منه، بل إذا رآه الشيطان هرب منه ولم يقرأ. الثاني: أنه موالٍ لهذا الرسول الذي كذبتموه ومعاضد له وموادٌّ له وناصر، وإذا كان جبريل ﵇ ذا قوة وشديد القوى فهو نصير، كما قال الله ﵎: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم:٤]، فجبريل يوالي رسول الله ﷺ وينصره ويؤيده ويعضده، ومن كان هذا القوي وليه ومن أنصاره وأعوانه ومعلمه فهو المهدي المنصور، والله هاديه وناصره. الأمر الثالث: أن من عادى هذا الرسول فقد عادى صاحبه ووليه جبريل، ومن عادى ذا القوة والشدة فهو عرضة للهلاك. الأمر الرابع: أنه قادر على تنفيذ ما أُمر به، فإذا كلف جبريل ﵇ بأمر من الله فلأنه شديد القوى فهو قادر على أن ينفذ ما أُمر به لقوته، ولا يعجز عن ذلك، وهو مؤد له كما أمر به لأمانته، كما قال سبحانه: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:٢٠ - ٢١] وأحدنا إذا انتدب غيره في أمر من الأمور لرسالة أو ولاية أو وكالة أو غيرها فإنما ينتدب لها القوي عليها الأمين على فعلها، كما قالت ابنة الرجل الصالح: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]، فيمكن أن يوجد إنسان قوي على الوظيفة لكنه خائن غير أمين، ويمكن أن يوجد أمين تقي وورع؛ لكنه غير قوي، ولا يستطيع أن يؤدي هذه الوظيفة، وفقدان هاتين الصفتين هو الذي ألجأ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ إلى الشكوى في قوله: (أشكو إلى الله جَلَد الفاجر وعَجْز الثقة). فقوله: (جَلَد الفاجر)، يعني: الشخص قد يكون فاجراً لكن عنده جَلَد وقوة بحيث يستطيع أن يجاهد ويُحدث انتكاساً في صفوف الأعداء، فهو فاجر، ولكنه مع ذلك قوي في الحرب مثلاً، وقوله: (وعَجْز الثقة)، يعني: الشخص قد يكون ثقة لكنه عاجز، فإذا وجدت القوة مع الأمانة فهذا هو أكمل الأمور، كما قال تعالى حاكياً عن يوسف ﵇: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥]. يقول ابن القيم: وأحدكم إذا انتدب غيره في أمر من الأمور لرسالة أو ولاية أو غيرها فإنما ينتدب لها القوي عليها الأمين على فعلها، وإن كان ذلك الأمر من أهم الأمور عنده انتدب له قوياً أميناً معظماً ذا مكانة عنده مطاعاً في الناس، كما وصف الله عبده جبريل بهذه الصفة، وهذا يدل على عظمة شأن المرسِل والرسول والرسالة والمرسَل إليه. أي: أن هذا الاصطفاء وهذا الاختيار لجبريل ﵇ وهو القوي الأمين شديد القوى المكين المطاع في أهل السماوات، كل هذه الصفات تدل على عظمة شأن المرسِل وهو الله ، بحيث إذا كان هذا رسول الله سواء كان الرسول البشري أو الرسول الملكي فالله أعظم، فيدل على عظمة شأن المرسِل، وشأن الرسول، وهو جبريل، وشأن الرسالة نفسها لأنها هي القرآن الكريم، والمرسَل إليه وهو النبي محمد ﷺ (حيث انتدب له الكريم القوي المتين عنده المطاع في الملإ الأعلى الأمين حقاً؛ فإن الملوك لا ترسل في مهماتها إلا الأشراف ذوي الأقدار والرتب العالية. هذا فيما يتعلق بقوله ﵎: ((ذِي قُوَّةٍ)).

стр. 2453

الوجاهة عند الله تعالى يقول الإمام ابن القيم ﵀ ﵎ مفصلاً هذا المديح وهذا الثناء الذي تضمنته هذه الآيات الكريمة في وصف الملك جبريل ﵇: وقوله تعالى: (عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ)، أي: له مكانة ووجاهة عند الله ، وهو أقرب الملائكة إليه، وفي قول الله ﵎: ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ [التكوير:٢٠]، إشارة إلى علو منزلة جبريل إذ كان قريباً من ذي العرش .

стр. 2454

معنى قوله تعالى: (مطاع ثم أمين) ثم قال ﵎: ((مُطَاعٍ ثَمَّ))، (ثم) بمعنى: هناك، وفي هذا إشارة إلى أن جنود جبريل ﵇ وأعوانه يطيعونه إذا ندبهم لنصر صاحبه وخليله محمد ﵌، وفيه إشارة أيضاً إلى أن هذا الذي تكذبونه وتعادونه سيصير مطاعاً في الأرض، كما أن جبريل مطاع في السماء، وأن كلاً من الرسولين مطاع في محله وقومه، وفيه تعظيم له بأنه بمنزلة الملوك المطاعين في قومهم، فلم ينتدب لهذا الأمر العظيم إلا مثل هذا الملك المطاع، وفي وصفه بالأمانة إشارة إلى حفظه ما حُمِّله وأدائه له على وجهه. ثم نزه الله رسوله البشري وزكاه عما يقول فيه أعداؤه فقال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:٢٢] وهذا أمر يعلمونه ولا يشكون فيه، وإن قالوا بألسنتهم خلافه فهم يعلمون أنهم كانوا كاذبين. فهذا فيما يتعلق بما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كون قوله تعالى في سورة النجم: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥] نظير قوله تعالى: في سورة التكوير: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير:٢٠].

стр. 2455

إضافة في تفسير قوله تعالى: (علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى) أما قول الله ﵎ هنا: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم:٥ - ٦] أي: جميل المنظر حسن الصورة ذو جلالة، ليس شيطاناً، فهذا تعديل لسند الوحي والنبوة وتزكية له، كما تقدم نظيره في سورة التكوير، فوصفه بالعلم والقوة وجمال المنظر وجلاله، وهذه كانت أوصاف الرسول البشري والملكي، فكان رسول الله ﷺ أشجع الناس وأعلمهم وأجملهم وأجلهم، كما أن هذه منزلة جبريل في أهل السماوات، فكذلك فيها إشارة -كما قال ابن القيم - إلى أن النبي ﵊ سوف يصير رسولاً نبياً مطاعاً في أهل الأرض، ويعلو دينه على كل الأديان، وكما كانت هذه أوصاف الرسول الملكي كذلك كانت أوصاف الرسول البشري ﵌، فقد كان النبي ﵊ شديد القوة؛ حتى إن رجلاً مصارعاً أبى أن يسلم إلا أن يصارع النبي ﷺ ، فإن غلبه فهو رسول الله حقاً، فصارعه النبي ﷺ فصرعه وغلبه فأسلم، وكان الصحابة يقولون (كنا إذا حمي الوطيس واشتد البأس اتقينا برسول الله ﷺ ، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه)، أي: كانوا يختبئون خلفه، ويجعلونه هو الدرع والترس في مواجهة الأعداء وهم وراءه، فإن النبي ﵌ كان أشجع الناس وأعلمهم وأجملهم وأجلهم، وكل هذه الصفات لو تكلمنا على كل صفة على حدة لطال الكلام جداً، فالرسول ﵊ جمع كل ما يمكن من أوصاف الكمال البشري، كما قال الشاعر: فغاية القول فيه أنه بشر وأنه خير خلق الله كلهمُ وقوله تعالى: ((ذُو مِرَّةٍ))، أي: مكانة وإحكام في علمه، لا يمكن تغيره ونسيانه، والعرب تقول لكل قوي العقل والرأي: ذا مرة، من أمررت الحبل يعني: إذا أحكمت فتله.
следующие страницы →