Полный текст (3 275 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
الكرم
الصفة الأولى: كون الرسول الذي جاء به إلى رسول الله محمد ﷺ كريماًً: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير:١٩]، فهو ليس كما يقول أعداؤه: إن الذي جاء به شيطان، فإن الشيطان خبيث مخبَّث لئيم قبيح المنظر عديم الخير.
أي: أن الشيطان سيئ وقبيح في كل ما يتعلق به، ولذلك لما وصف الله شجرة الزقوم قال: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات:٦٥]، إشارة إلى أن الشيطان أقبح ما يكون.
وهنا إشارة عابرة: بالنسبة لهذه الأمور الغيبية نجد أحياناً عدواناً يحصل من بعض المتسمَّين بأسماء المسلمين حيث تصدر منهم أشياء فظيعة، مثلاً: نجد تصميمات لأغلفة للكتب، كأن يكون كتاب يتكلم عن الشياطين، فتجدهم يحاولون أن يرسموا منظراً معيناً للشيطان، ويجتهدون في كونه قبيح الصورة ذا قرون ونحو ذلك، فنقول: ما أدراكم أن هذه هي صورة الشيطان الحقيقية؟! أليس هذا عدواناً على الغيب؟! ويأتي كتاب يتكلم عن الجنة، فيرسمون على غلافه من بساتين الدنيا، صحيح أنه بستان جميل أو حديقة جميلة؛ لكن هل يجوز أن تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟! اترك الغلاف خالياً خالصاً وضع أي لون آخر، غير أنك لا تحاول أن تقرب الجنة إلى أذهان الناس بأن تصور لهم صورة من زينات الدنيا، فماذا تكون هي في جنة الآخرة؟ فهذا عدوان على الغيب، وهذا تحقير للجنة؛ لأن الله قال في شأنها: (أعددت فيها لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، بمعنى: أنك مهما حاولت أن تتخيل كيف هي الجنة وكيف هو جمالها ونعيمها، فإنك مخطئ في التخيل، فإذا كان هذا أمراً نحن نجزم به ونقطع به، وهو أن الجنة ما خطر شكلها وحسنها على قلب بشر، فكيف يتجرأ هؤلاء الناس على أن يرتكبوا هذا الكذب وهذا العدوان على حقيقة من حقائق الغيب؟! وهكذا نفس الشيء في النار، حيث يأتون بصور نار مشتعلة، وما أدراكم أن هذه هي النار؟! هذه النار غيب، ونحن نعرفها الآن بالوصف فقط، أما المعاينة فنسأل الله أن يعافينا جميعاً من رؤيتها ومن مسيسها وحرها، فهذا أيضاً عدوان على الغيب، ناهيك عما يحصل من بعض الناس الذين يزينون الجدران أو الستائر أو كذا ببعض الأشياء فيها صورة الملائكة على هيئة بنت صغيرة لها جناحان، وهذا أيضاً عدوان! وأنتم تعرفون جميعاً التشنيع الذي شنعه القرآن على هؤلاء الذين اعتدوا على الغيب حينما زعموا أن الملائكة بنات الله، فتجيء أنت أيها المسلم! فتقول بقول المشركين، وتأتي بصورة بنت صغيرة على أن هذه هي من الملائكة وهذه صورة الملائكة! فهذا عدوان ولا ينبغي أن يصدر من المسلمين، فإن صدر من غير المسلمين فليس بعد الكفر ذنب، أما مسلم ويضاهي بفعله أو بقوله أو بصوره أفعال المشركين فهذا ما لا ينبغي ولا يليق.
فهذا جبريل ﵇ رسول كريم، وليس كما يقول أعداء الله وأعداء جبريل: إن الذي جاء بالقرآن شيطان.
يقول ابن القيم: فإن الشيطان خبيث مخبَّث لئيم قبيح المنظر عديم الخير، باطنه أقبح من ظاهره، وظاهره أشنع من باطنه، وليس فيه ولا عنده خير، فهو أبعد شيء عن الكرم، والرسول الذي ألقى القرآن إلى النبي محمد ﷺ كريم جميل المنظر بهي الصورة كثير الخير، طيب مطيَّب معلم الطيبين، وكل خير في الأرض من هدى وعلم ومعرفة وإيمان وبر، فهو مما أجراه ربه على يديه، وهذا غاية الكرم الصوري والمعنوي.
стр. 2452
القوة
الوصف الثاني: أنه ذو قوة، كما قال في سورة النجم: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥].
وفي هذا تنبيه على أمور: أحدها: أن جبريل ﵇ وصفه الله الجبار القوي المتين بأنه ذو قوة، وبأنه شديد القوى، فإذا وصفه الله بذلك فأي قوة تكون قوة جبريل ﵇؟! ووصف جبريل بأنه شديد القوى أو ذو قوة يفيد أنه بقوته يمنع الشياطين أن تدنو من هذا القرآن الكريم، أو أن ينالوا منه شيئاً أو أن يزيدوا فيه أو أن ينقصوا منه، بل إذا رآه الشيطان هرب منه ولم يقرأ.
الثاني: أنه موالٍ لهذا الرسول الذي كذبتموه ومعاضد له وموادٌّ له وناصر، وإذا كان جبريل ﵇ ذا قوة وشديد القوى فهو نصير، كما قال الله ﵎: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم:٤]، فجبريل يوالي رسول الله ﷺ وينصره ويؤيده ويعضده، ومن كان هذا القوي وليه ومن أنصاره وأعوانه ومعلمه فهو المهدي المنصور، والله هاديه وناصره.
الأمر الثالث: أن من عادى هذا الرسول فقد عادى صاحبه ووليه جبريل، ومن عادى ذا القوة والشدة فهو عرضة للهلاك.
الأمر الرابع: أنه قادر على تنفيذ ما أُمر به، فإذا كلف جبريل ﵇ بأمر من الله فلأنه شديد القوى فهو قادر على أن ينفذ ما أُمر به لقوته، ولا يعجز عن ذلك، وهو مؤد له كما أمر به لأمانته، كما قال سبحانه: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:٢٠ - ٢١] وأحدنا إذا انتدب غيره في أمر من الأمور لرسالة أو ولاية أو وكالة أو غيرها فإنما ينتدب لها القوي عليها الأمين على فعلها، كما قالت ابنة الرجل الصالح: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]، فيمكن أن يوجد إنسان قوي على الوظيفة لكنه خائن غير أمين، ويمكن أن يوجد أمين تقي وورع؛ لكنه غير قوي، ولا يستطيع أن يؤدي هذه الوظيفة، وفقدان هاتين الصفتين هو الذي ألجأ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ إلى الشكوى في قوله: (أشكو إلى الله جَلَد الفاجر وعَجْز الثقة).
فقوله: (جَلَد الفاجر)، يعني: الشخص قد يكون فاجراً لكن عنده جَلَد وقوة بحيث يستطيع أن يجاهد ويُحدث انتكاساً في صفوف الأعداء، فهو فاجر، ولكنه مع ذلك قوي في الحرب مثلاً، وقوله: (وعَجْز الثقة)، يعني: الشخص قد يكون ثقة لكنه عاجز، فإذا وجدت القوة مع الأمانة فهذا هو أكمل الأمور، كما قال تعالى حاكياً عن يوسف ﵇: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥].
يقول ابن القيم: وأحدكم إذا انتدب غيره في أمر من الأمور لرسالة أو ولاية أو غيرها فإنما ينتدب لها القوي عليها الأمين على فعلها، وإن كان ذلك الأمر من أهم الأمور عنده انتدب له قوياً أميناً معظماً ذا مكانة عنده مطاعاً في الناس، كما وصف الله عبده جبريل بهذه الصفة، وهذا يدل على عظمة شأن المرسِل والرسول والرسالة والمرسَل إليه.
أي: أن هذا الاصطفاء وهذا الاختيار لجبريل ﵇ وهو القوي الأمين شديد القوى المكين المطاع في أهل السماوات، كل هذه الصفات تدل على عظمة شأن المرسِل وهو الله ، بحيث إذا كان هذا رسول الله سواء كان الرسول البشري أو الرسول الملكي فالله أعظم، فيدل على عظمة شأن المرسِل، وشأن الرسول، وهو جبريل، وشأن الرسالة نفسها لأنها هي القرآن الكريم، والمرسَل إليه وهو النبي محمد ﷺ (حيث انتدب له الكريم القوي المتين عنده المطاع في الملإ الأعلى الأمين حقاً؛ فإن الملوك لا ترسل في مهماتها إلا الأشراف ذوي الأقدار والرتب العالية.
هذا فيما يتعلق بقوله ﵎: ((ذِي قُوَّةٍ)).
стр. 2453
الوجاهة عند الله تعالى
يقول الإمام ابن القيم ﵀ ﵎ مفصلاً هذا المديح وهذا الثناء الذي تضمنته هذه الآيات الكريمة في وصف الملك جبريل ﵇: وقوله تعالى: (عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ)، أي: له مكانة ووجاهة عند الله ، وهو أقرب الملائكة إليه، وفي قول الله ﵎: ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ [التكوير:٢٠]، إشارة إلى علو منزلة جبريل إذ كان قريباً من ذي العرش .
стр. 2454
معنى قوله تعالى: (مطاع ثم أمين)
ثم قال ﵎: ((مُطَاعٍ ثَمَّ))، (ثم) بمعنى: هناك، وفي هذا إشارة إلى أن جنود جبريل ﵇ وأعوانه يطيعونه إذا ندبهم لنصر صاحبه وخليله محمد ﵌، وفيه إشارة أيضاً إلى أن هذا الذي تكذبونه وتعادونه سيصير مطاعاً في الأرض، كما أن جبريل مطاع في السماء، وأن كلاً من الرسولين مطاع في محله وقومه، وفيه تعظيم له بأنه بمنزلة الملوك المطاعين في قومهم، فلم ينتدب لهذا الأمر العظيم إلا مثل هذا الملك المطاع، وفي وصفه بالأمانة إشارة إلى حفظه ما حُمِّله وأدائه له على وجهه.
ثم نزه الله رسوله البشري وزكاه عما يقول فيه أعداؤه فقال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:٢٢] وهذا أمر يعلمونه ولا يشكون فيه، وإن قالوا بألسنتهم خلافه فهم يعلمون أنهم كانوا كاذبين.
فهذا فيما يتعلق بما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كون قوله تعالى في سورة النجم: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥] نظير قوله تعالى: في سورة التكوير: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير:٢٠].
стр. 2455
إضافة في تفسير قوله تعالى: (علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى)
أما قول الله ﵎ هنا: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم:٥ - ٦] أي: جميل المنظر حسن الصورة ذو جلالة، ليس شيطاناً، فهذا تعديل لسند الوحي والنبوة وتزكية له، كما تقدم نظيره في سورة التكوير، فوصفه بالعلم والقوة وجمال المنظر وجلاله، وهذه كانت أوصاف الرسول البشري والملكي، فكان رسول الله ﷺ أشجع الناس وأعلمهم وأجملهم وأجلهم، كما أن هذه منزلة جبريل في أهل السماوات، فكذلك فيها إشارة -كما قال ابن القيم - إلى أن النبي ﵊ سوف يصير رسولاً نبياً مطاعاً في أهل الأرض، ويعلو دينه على كل الأديان، وكما كانت هذه أوصاف الرسول الملكي كذلك كانت أوصاف الرسول البشري ﵌، فقد كان النبي ﵊ شديد القوة؛ حتى إن رجلاً مصارعاً أبى أن يسلم إلا أن يصارع النبي ﷺ ، فإن غلبه فهو رسول الله حقاً، فصارعه النبي ﷺ فصرعه وغلبه فأسلم، وكان الصحابة يقولون (كنا إذا حمي الوطيس واشتد البأس اتقينا برسول الله ﷺ ، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه)، أي: كانوا يختبئون خلفه، ويجعلونه هو الدرع والترس في مواجهة الأعداء وهم وراءه، فإن النبي ﵌ كان أشجع الناس وأعلمهم وأجملهم وأجلهم، وكل هذه الصفات لو تكلمنا على كل صفة على حدة لطال الكلام جداً، فالرسول ﵊ جمع كل ما يمكن من أوصاف الكمال البشري، كما قال الشاعر: فغاية القول فيه أنه بشر وأنه خير خلق الله كلهمُ وقوله تعالى: ((ذُو مِرَّةٍ))، أي: مكانة وإحكام في علمه، لا يمكن تغيره ونسيانه، والعرب تقول لكل قوي العقل والرأي: ذا مرة، من أمررت الحبل يعني: إذا أحكمت فتله.
стр. 2456
رؤية النبي ﷺ جبريل في صورته التي خلقه الله عليها
وقوله: ﴿فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى﴾ [النجم:٦ - ٧]، يقول القاسمي رحمه الله تعالى: قال الزمخشري: فاستقام على صورة نفسه الحقيقية دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي؛ وكان ينزل في صورة دحية الكلبي رضي الله تعالى عنه.
يعني: كان جبريل ﵇ إذا أتى في صورة بشرية يتمثل في صورة دحية الكلبي؛ لكن في هذه الآية: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى﴾ [النجم:٦ - ٧] هذه المرة رآه على صورته الحقيقة وكانت هذه إحدى المرتين اللتين رأى فيهما النبي ﵌ جبريل في صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها، فما أدري كيف يتخيل لنا هذا هؤلاء الرسامون الذين يرسمون ويخترعون صوراً للشياطين، وتارةً صوراً للجنة، وصوراً لعذاب جهنم، وصوراً ليوم القيامة، وهذا كله غيب؟! فالعقل البشري لا يمكن أن يصل إلى إدراك كنهه مهما اجتهد في ذلك، فكيف يصورون لنا صورة جبريل ﵇ وقد سد الأفق تماماً؟! فإن كل القبة السماوية امتلأت بصورة جبريل ﵇، كما قال النبي ﷺ : (رأيت جبريل وله ستمائة جناح) فهؤلاء العباقرة كيف يتخيلون لنا وكيف يركبون ستمائة جناح؟! ولكن نقول كما قال أحد العلماء لما أراد أن يعجِّز من وقع في عملية تشبيه الغيب بالمنظور وبالمجسم قال له: صف لي خلقاً من خلق الله له ستمائة جناح، فعجز، فقال له: أضع عنك سبعاً وتسعين وخمسمائة جناح، فالباقي ثلاثة من الستمائة، فتخيل لي خلقاً من خلق الله له ثلاثة أجنحة، كيف ستركب هذه الأجنحة؟! فعجز! فالشاهد: أن سياق الآية هنا يتحدث عن إحدى المرتين اللتين تجلى فيهما جبريل ﵇ بصورته الحقيقية.
وقوله تعالى: ((ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى))، قال بعض العلماء: الفاء فاء السببية، والمعنى الذي تفيده في هذه الحالة هو: أن تشكل جبريل ﵇ يتسبب عن قوته وعن قدرته على الخوارق.
وهناك قول آخر بأن (الفاء) عاطفة على (علَّمه) في قوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥] يعني: علَّمه على غير صورته الأصلية، ثم استوى على صورته الأصلية.
стр. 2457
تفسير قوله تعالى: (وهو بالأفق الأعلى)
قال تعالى: ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى﴾ [النجم:٧].
الأفق: الناحية، وجمعه: آفاق، والمراد: الجهة العليا من السماء المقابلة للناظر، لا مصطلح أهل الهيئة؛ لأن أهل الهيئة -علماء الفلك- يقولون: الأفق هو الملتقى الذي يلتقي فيه مد البصر أقصى شيء يلتقي من الأرض بالسماء، أو من البحر مثلاً بالسماء، فهذا الجزء يُسمى الملتقى لا يُسمى الأفق؛ لكن المقصود بالأفق هنا: الجهة العليا من السماء المقابلة للناظر، يعني: ما يعبر عنه أحياناً بالقبة السماوية.
وقال ابن كثير: قوله تعالى: ((فَاسْتَوَى))، يعني: جبريل ﵇.
قاله الحسن ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس.
وقيل: جبريل ﵇ استوى في الأفق الأعلى، قاله عكرمة وغير واحد.
стр. 2458
تفسير قوله تعالى: (ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٨ - ٩].
قوله: ((ثُمَّ دَنَا)) يعني: أنه دنا بعدما استوى في أفق السماء، أي: اقترب جبريل ﵇ من محمد ﷺ .
قال ابن جرير: هذا من المؤخر الذي معناه التقديم، وإنما هو: ثم تدلى فدنا، ولكنه حَسُنَ تقديم قوله: ((دَنَا)) إذ كان الدنو يدل على التدلي والتدلي على الدنو، كما يقال: زارني فلان فأحسن، أو تقول: أحسن إلي فزارني.
وقال الشهاب: التدلي: مجاز عن التعلق بالنبي ﷺ بعد الدنو منه، لا بمعنى التنَزُّل من علو كما هو المشهور، أو هو: دنو خاص بحالة التعلق فلا قلب ولا تأويل بإرادة الدنو.
ونقول: لا داعي لافتراض المجاز؛ لأن الأصل حمل كل شيء في القرآن الكريم على الحقيقة.
وقوله تعالى: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى)، أي: كأن مسافة ما بينهما مقدار قوسين أي: بقدرهما إذا مدا، أو أقرب، أو الضمير لجبريل بأن قربه قدر ذلك.
يقول الشهاب: وقاب القوس وقيده: ما بين الوتر ومقبضه.
والمراد به هنا المقدار، فإنه يقدر بالقوس كالذراع، فهذه إشارة إلى ما كانت العرب في الجاهلية تفعله إذا تحالفوا -يعني: إذا أجروا وعقدوا حلفاً فيما بينهم- أخرجوا قوسين، ويمسكون أحداهما بالأخرى، فيكون القاب ملاصقاً للآخر، حتى كأنهما ذوا قاب واحد، ثم ينزعانهما معاً ويرميان بهما سهماً واحداً، فيكون ذلك إشارة إلى أن رضا أحدها رضا الآخر، وسخطه سخطه، لا يمكن خلافه، كما قال مجاهد، وارتضاه عامة المفسرين.
فهذا هو السر في هذا التعبير عن القرب بـ ((قَابَ قَوْسَيْنِ))، فالعرب كانوا يتحالفون في الجاهلية، والحلف في الجاهلية: أن تنصر هذه القبيلة القبيلة الأخرى سواء كانت ظالمة أم مظلومة؛ ولذلك قال النبي ﷺ : (لا حلف في الإسلام)، يعني: مثل هذا الحلف الذي كان يقع في الجاهلية، فكانوا يأتون بقوسين، فيلصقون أحد القوسين بالآخر، فيشكلان نصف دائرة، ثم يضعون فيهما سهماً واحداً ويرمون هذا السهم معاً، يعني: أنها عملية رمزية في صورة حسية تؤكد التزامهم بهذا الحلف، ولذلك يقال دائماً لما يُعبر عن الوحدة: يرمون عن قوس واحدة، للدلالة على وحدة إرادتهم وتوحدهم ضد أعدائهم.
وقوله ﵎: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) (أو) هنا لا تفيد الشك؛ لأنه لا يمكن أن يصدر عن الله شك، وإنما المقصود تحقيق قدر المسافة، وأن هذه المسافة لا تزيد على قوسين البتة.
وهذا تماماً مثل قول الله ﵎: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات:١٤٧]، وليس هذا على الشك؛ ولكن المعنى: أنه إذا رآهم الرائي يقول: هم مائة ألف أو يزيدون؛ لكنه لا يرى احتمالاً أنهم يكونون أقل من مائة ألف، فهذا فيه تأكيد أنهم مائة ألف، كذلك هذه الآية الكريمة: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٩]، ليست على وجه الشك، بل فيه تحقيق لقدر المسافة، وأنها لا تزيد على قوسين البتة، فالمعنى: ((فَكَانَ)) يعني: بأحد هذين المقدارين في رأي الرائي، أي: لتقارب ما بينهما يشك الرائي في ذلك، فهو تمثيل لشدة القرب وتحقيق استماعه لما أوحي إليه.
وقيل: (أو) بمعنى: بل، أي: بل أدنى، على أنها للإضراب، وأدنى: أفعل تفضيل، والمفضل عليه محذوف، يعني: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) من قاب قوسين.
стр. 2459
تفسير قوله تعالى: (فأوحى إلى عبده ما أوحى)
قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠].
قوله: ((فأوحى))، أي: جبريل ﵇؛ لأننا نفسر ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ بجبريل، وإن كان هناك رأي آخر فهو رأي مرجوح غير معتمد، وهو: أن الذي دنا هو الله ، كما ورد في بعض الأحاديث؛ وسيأتي ذكر هذا؛ لكن الظاهر هنا أن المقصود بقوله: ((فَأَوْحَى)) يعني: جبريل ﵇.
وقوله: ((إِلَى عَبْدِهِ))، أي: إلى عبد الله وهو النبي محمد ﷺ ، وإنما أضمر اسمه تعالى لعدم اللبس وغاية ظهوره، والفاعل هنا هو الله ؛ لكن أوحى بواسطة جبريل، فهذا بما أنه في غاية الوضوح ولأن اللبس مأمون، عبر الله عن نفسه الشريفة بالضمير.
أو فأوحى الله بواسطة جبريل الذي تدلى إليه، ((مَا أَوْحَى)) أي: مما أمره به، وفيه تفخيم للمُوحى به، إذ الإبهام يفيد تعظيم وتفخيم هذا الذي أوحي إليه ﷺ ؛ كأنه أعظم من أن يحيط به بيان.
وسياق الآيات إلى الآن هو في توثيق الوحي وتعديله وتزكيته، كما بين ذلك الإمام ابن القيم.
стр. 2460
تفسير قوله تعالى: (ما كذب الفؤاد ما رأى)
قال تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١].
أي: ما كذب فؤاد محمد ﷺ ما رآه من الملك الذي جاءه بالوحي من ربه، يعني: أنه رآه بعينه وتيقنه بقلبه، ولم يشك في أن ما رآه حق وصدق، يعني: أن قلب النبي ﷺ وافق عينه، وكان على يقين بكل وسائل التيقن، فقد رأى جبريل بعينه، وأيضاً قلبُه كان على يقين أنه يرى جبريل ﵇، ولم يشك في أن ما رآه حق وصدق.
وقرئ: (ما كذَّب) بالتشديد، يعني: أنه صدقه، ولم يشك أنه ملك رباني لا خيال شيطاني، كما قال ﵎: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير:٢٥].
وقد ذكر ابن كثير أن هذه الرؤية في أوائل البعثة، كما سبق الكلام عنه.
стр. 2461
تفسير قوله تعالى: (أفتمارونه على ما يرى)
قال تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم:١٢].
أي: أفتجادلونه وتلاحونه على ما يراه معاينة من رؤية الملك المنزل عليه.
قال القاشاني: (أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى)، أي: أفتخاصمونه على شيء لا تفهمونه ولا يمكنكم معرفته وتصوره؟! فكيف يمكنكم إقامة الحجة عليه؟!.
ويقول: وإنما المخاصمة حيث يمكن تصور الأمر المختلف فيه، ثم الاحتجاج عليه بالنفي والإثبات، فحيث لا تصور فلا مخاصمة حقيقةً.
انتهى كلامه.
ويقول القاسمي: وذلك لأن رؤية الملك وتنزله بالوحي حالة خاصة بالأنبياء لا يمكن لغيرهم اكتناهها.
فكل من ليس بنبي من البشر فواجبه الإيمان بهذا الأمر والإذعان له؛ لقيام الدليل عليه، يعني: هذا خبر أتانا فنحن نصدقه ونؤمن به؛ لكن هل لا نصدقه إلا إذا رأينا جبريل ورأينا الملك؟
الجواب
لا؛ لأن رؤية الملك ورؤية جبريل ﵇ هي حالة خاصة بالأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، أما أنتم فلا تماروا في شيء، ولا سبيل لكم إلى رؤيته، وإنما المقصود منكم جميعاً أيها البشر! أن تؤمنوا بهذا الخبر؛ لأن هذا الخبر قصص القرآن، والقرآن ثبت بالمعجزات والأدلة أنه كلام الله لا ريب في ذلك.
فيقول: وذلك لأن رؤية الملك وتنزله حالة خاصة بالنبي ﷺ وإخوانه الأنبياء ﵈، لا يمكن لغيرهم اكتناهها، وإنما عليهم الإيمان بها والإذعان لها، لقيام الدليل عليها، وبالجملة: فالمراد أنه لا يصح المجادلة في المرئي؛ لأنه لا يجوز الجدال في المحسوسات، لا سيما إذا تعددت المشاهدة لها؛ فالرسول ﵊ لم يره مرة واحدة وإنما رآه مرتين في صورته الحقيقية.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ثم أخبر تعالى عن تصديق فؤاده لما رأته عيناه، وأن القلب صدق العين، وليس كمن رأى شيئاً على خلاف ما هو به، فكذب فؤادُه بصرَه.
يعني: يمكن للإنسان أن يرى شيئاً على خلاف ما هو عليه في الحقيقة، لسبب أو لآخر، وهذا معروف، وفي بعض الأمراض النفسية يكون من ضمن الأعراض أن يرى شيئاً على خلاف حقيقته، فنفي الله هنا عن نبيه ﷺ أن يتعارض قلبه مع عينه، وإنما توافَق القلب مع العين في إثبات رؤية الملك، فقلب الرسول ﵊ صدق ما رأته عيناه.
يقول: وليس كمن رأى شيئاً على خلاف ما هو به، فكذب فؤادُه بصرَه، بل ما رآه ببصره صدقه الفؤاد، وعلم أنه كذلك.
وفيها قراءتان: إحداهما بتخفيف: كَذَبَ والثانية بتشديدها يقال: كَذَبَتْه عينُه وكَذَبَه قلبُه وكَذَبَه جسدُه إذا أخلف ما ظنه وحدثه، قال الشاعر: كَذَبَتْك عينُك أن رأيت بواسط غلس الظلام من الرماد خيالاً أي: أرتك ما لا حقيقة له.
فنفى هذا عن رسوله ﷺ ، وأخبر أن فؤاده لم يكذِّب ما رآه.
و (ما) في قوله: ((مَا رَأَى)) إما أن تكون مصدرية؛ يعني: ما كذب الفؤاد رؤيته، وإما أن تكون موصولة، يعني: ما كذب الفؤاد الذي رآه بعينه، وعلى التقديرين فهو إخبار عن تطابق رؤية القلب لرؤية البصر وتوافقهما، وتصديق كل منهما لصاحبه، وهذا ظاهر جداً في قراءة التشديد: ﴿مَا كَذَّبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، ثم أنكر الله عليهم مكابرتهم وجحدهم له على ما رآه، كما ينكر على الجاهل مكابرته للعالم ومماراته على ما علمه.
وقوله تعالى: ((أفتمارونه)) فيها قراءتان: ((أَفَتُمَارُونَهُ)) و ((أَفَتَمْرُونَهُ)) وهذه المماراة أصلها من الجحد والدفع، يقال: مريت الرجل حقه إذا جحدته، كما قال الشاعر: لإن هجرت أخا صدق ومكرمة لقد مريت أخاً ما كان يمريكا ومنه المماراة، وهي: المجادلة والمكابرة، ولهذا عُدِّي هذا الفعل بـ (على)، وهي على بابها وليست بمعنى: (عن) كما قاله المبرد؛ لأن المماراة هنا فيها معنى المجادلة والمكابرة.
ومن قرأ: ((أَفَتَمْرُونَهُ)) فمعناها: أفتجحدونه؟.
стр. 2462
تفسير قوله تعالى: (ولقد رآه نزلة أخرى الكبرى)
يقول الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٣ - ١٨].
قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى)، أي: مرة أخرى من النزول، وتأكيد الخبر عن الرؤية التالية هذه بنفي الريبة والشك عنها أيضاً، وأنه لم يكن فيها التباس واشتباه، فهذا تأكيد للرؤيتين كلتيهما.
وقوله: (عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى)، أي: موضع الانتهاء، فالمنتهى اسم مكان أو مصدر ميمي، وقد جاء في الصحيح: (أنها شجرة نبْق في السماء السابعة إليها ينتهي ما يُعرج به من أمر الله من الأرض، فيقبض منها، وما يهبط به من فوقها فيقبض منها)، ولعلها شبهت بالسدرة، كما قال القاضي، لأنهم يجتمعون في ظلها.
يعني: أن شجر النبْق يجتمع الناس في ظله، وهذه الشجرة أيضاً يجتمع عندها الملائكة، فشبهت بها، وسميت سدرة لذلك، والله تعالى أعلم.
لكن ورد في الحديث: (أن كل نبْقة فيها كقلة من قلال هجر)، فهي على هذا حقيقةٌ، وهو الأظهر.
ولا شك أنها حقيقة؛ لأن الحديث صحيح، وكان الأولى بـ القاسمي ﵀ أن ينزه تفسيره من ذكر حكايات بعض العلماء الذين يزعمون المجاز في مثل هذه الأشياء؛ فإذا كان الرسول ﵊ وصف سدرة المنتهى بأن كل نبَقة فيها كقلة من قلال هجر، فهذا يرفع أي احتمال للمجاز كما يزعمون.
(عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى)، أي: التي تأوي إليها أرواح المقربين.
وقوله: (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى)، أي: من جلال الله وعظمته، ومعناه: أنه رأى جبريل ﵇ عند سدرة المنتهى حينما كانت الأرواح والملائكة تغشاها، وتهبط عليها، وتحف من حولها.
(مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى)، هذا تنزيه لبصره ﷺ ، أي أنه ما مال بصر رسول الله ﷺ عما رآه.
((وَمَا طَغَى))، يعني: ما تجاوز مرئيه المقصود له، بل أثبت ما رآه إثباتاً مستيقناً صحيحاً لا شبهة فيه.
وفيه وصف لأدبه ﷺ ؛ إذ لم يتجاوز ما أمر برؤيته.
(لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) في هذا إشارة إلى أنه رأى الكبرى من آيات الله، وهو جبريل ﵇، أي: رأى الملك الذي عاينه وأخبره برسالته، وفيه غاية التفخيم لمقامه، وأنه من الآيات الكبرى، ويحتمل أن تكون ((الكبرى)) صفة لآيات في قوله: (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ) أي: الآيات التي هي الكبرى، وعلى هذا يكون المرئي محذوفاً.
يعني: إذا قلنا إن (الكبرى) المقصود بها جبريل، فتكون هي المفعول به؛ لكن إذا قلنا: إن (الكبرى) صفة لـ (آيات)، ففي هذه الحالة يكون المفعول به محذوفاً، وحُذف لتفخيم الأمر وتعظيمه، وكأنه قال: لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى أموراً عظاماً لا يحيط بها الوصف، والحذف في مثل هذا أبلغ وأهول.
стр. 2463
كلام ابن القيم على أوائل سورة النجم
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ثم أخبر سبحانه عن رؤيته لجبريل مرة أخرى عند سدرة المنتهى.
فالمرة الأولى: كانت دون السماء: ((بِالأُفُقِ الأَعْلَى)).
والثانية: كانت فوق السماء (عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى).
وقد صح عنه ﷺ أنه رأى جبريل ﵇ على صورته التي خلق عليها مرتين: كما في الصحيحين عن زر بن حبيش ﵁ أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٩]، فقال: أخبرني ابن مسعود ﵁: (أن النبي ﷺ رأى جبريل له ستمائة جناح).
وفي الصحيحين أيضاً عن عبد الله بن مسعود ﵁ في قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] قال: (رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح)، وقال البخاري عنه: (أي: رأى رفرفاً أخضر يسد الأفق).
قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): والحاصل أن ابن مسعود كان يذهب في ذلك إلى أن الذي رآه النبي ﷺ هو جبريل، كما ذهبت إلى ذلك عائشة.
والتقدير على رأي ابن مسعود: ((فَأَوْحَى)) أي: جبريل، ((إِلَى عَبْدِهِ)) أي: إلى عبد الله محمد ﷺ ؛ لأنه يرى أن الذي ((دَنَا فَتَدَلَّى)) هو جبريل، وأنه هو أوحى إلى محمد ﷺ ، وكلام أكثر المفسرين من السلف يدل على أن الذي أوحى هو الله؛ أوحى إلى عبده محمد ﷺ ، ومنهم من قال: إلى جبريل.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى) قال: رأى جبريل ﵇.
وفي صحيحه أيضاً عن مسروق قال: (كنت متكئاً عند عائشة ﵂ فقالت: ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية، قلت: ما هن؟ قالت: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، قال: وكنت متكئاً فجلست، فقلت: يا أم المؤمنين! أنظريني ولا تعذليني، ألم يقل الله : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير:٢٣]، وقال: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى)؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عِظَمُ خلقه ما بين السماء والأرض.
ثم قالت: أوَلم تسمع أن الله يقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣]؟ أوَلم تسمع أن الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيَاً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولَاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى:٥١]؟ قالت: ومن زعم أن محمداً ﷺ كتم شيئاً من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧].
قالت: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]، ولو كان محمد ﷺ كاتماً شيئاً مما أنزل عليه لكتم هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب:٣٧]).
وفي الصحيحين عن مسروق أيضاً قال: سألت عائشة ﵂: هل رأى محمد ربه؟ فقالت: سبحان الله! لقد قف شعري مما قلتَ.
وفيهما أيضاً قال: قلت لـ عائشة: فأين قول الله : ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٨ - ٩]؟ قالت: (إنما ذاك جبريل كان يأتيه في صورة الرجال، وإنه أتاه في هذه المرة في صورته التي هي صورته فسد الأفق).
وفي صحيح مسلم أن أبا ذر ﵁ سأل النبي ﷺ : (هل رأيت ربك؟ فقال: نور، أنى أراه؟!).
وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: (قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات: فقال: إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه).
وهذا الحديث ساقه مسلم بعد حديث أبي ذر المتقدم، وهو كالتفسير له.
فالحجاب هو النور الذي رآه النبي ﵌، وهذا الحجاب قابل لأن يكشف، كما سنبين.
ولا ينافي هذا قوله في حديث الصحيح -حديث الرؤية يوم القيامة-: (فيكشف الحجاب فينظرون إليه)، فإن النور الذي هو حجاب الرب ﵎ يراد به الحجاب الأدنى إليه، وهو لو كشف لم يقم له شيء، كما قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] قال: (ذاك نوره الذي هو نوره -يعني: الذي هو نور الله- إذا تجلى به لم يقم له شيء).
وهذا الذي ذكره ابن عباس يقتضي أن قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] على عمومه وإطلاقه في الدنيا والآخره؛ لكن هل يلزم من نفي الإدراك نفي الرؤية؟
الجواب
لا يلزم من ذلك أن الله لا يُرى، بل يُرى في الآخرة بالأبصار من غير إدراك.
يعني: لا يُحاط بالله أبداً، وإنما يُرى بالأبصار، كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة؛ وأبصارنا لا تقوم بإدراك الشمس على ما هي عليه؛ فهل نستطيع نحن أن نحدق في الشمس وننظر إلى قرص الشمس في وقت الضحى مثلاً ونحملق فيه؟
الجواب
لا، بل لو حصل ذلك قد يعمى الإنسان، فإذا كانت الشمس وهي مخلوقة لا نستطيع أن ندركها على ما هي عليه بأعيننا مع القرب الذي بين المخلوق والمخلوق، فالتفاوت الذي بين الخلائق وذات الرب ﷻ أعظم وأعظم، ولهذا لما حصل للجبل أدنى شيء من تجلي الرب ساخ الجبل واندك بسبحات ذلك القدر من التجلي، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكَّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقَاً﴾ [الأعراف:١٤٣].
وفي الحديث الصحيح المرفوع: (جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)، فهذا يدل على أن رداء الكبرياء على وجهه ﵎ هو المانع من رؤية الذات، ولا يمنع من أصل الرؤية، فإن الكبرياء والعظمة أمر لازم لذاته تعالى، فإذا تجلى سبحانه لعباده يوم القيامة وكشف الحجاب بينهم وبينه فهو الحجاب المخلوق، وليس هو نور الله ؛ لأن نور الله لا يزول أبداً، فإذا تجلى سبحانه لعباده يوم القيامة وكشف الحجاب بينه وبينهم فهو الحجاب المخلوق، وأما أنوار الذات التي يحجب عن إدراكها، فذاك صفة للذات لا تفارق ذات الرب ﷻ ، ولو كشف ذلك الحجاب الذي هو من نور الله لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه، وتكفي هذه الإشارة في هذا المقام للمصدق الموقن، وأما المعطل الجهمي فكل هذا عنده باطل ومحال.
والمقصود أن المخبر عنه بالرؤية في سورة النجم هو جبريل ﵇، فقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم:٨] أي: جبريل ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٩] * ((فَأَوْحَى)) أي: فأوحى الله، ((إِلَى عَبْدِهِ)) يعني: إلى عبده محمد ﵇، والمفهوم: أن الوحي إنما يكون بواسطة جبريل، أو ((فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ)) يعني: أوحى بواسطة جبريل إلى عبده محمد ﷺ ((مَا أَوْحَى)).
وأما قول ابن عباس: (رأى محمد ربه بفؤاده مرتين) فالظاهر أن مستنده هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣]، وقد تبين أن المرئي فيها جبريل، فلا دلالة فيها على ما قاله ابن عباس.
وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي الإجماع على ما قالته عائشة من أن النبي ﷺ لم ير ربه، فقال في نقضه على بشر المريسي الكلام على حديث ثوبان ومعاذ أن رسول الله ﷺ قال: (رأيت ربي البارحة في أحسن صورة)، فحكى تأويل المريسي الباطل، ثم قال: ويلك! إن تأويل هذا الحديث على غير ما ذهبتَ إليه، أما إن رسول الله ﷺ قال في حديث أبي ذر: (إنه لم ير ربه)، وقال رسول الله ﷺ : (لن تروا ربكم حتى تموتوا)، وقالت عائشة ﵂: (من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية)، وأجمع المسلمون على ذلك، مع قول الله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] يعنون: أبصار أهل الدنيا، وإنما هذه الرؤية كانت في المنام.
يعني: أن حديث ثوبان ومعاذ كانت رؤيا منام
стр. 2464
أدب النبي ﷺ مع ربه
ثم قال الله ﵎: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧]: قال ابن عباس: (ما زاغ البصر يميناً ولا شمالاً، ولا جاوز ما أُمر به)، وعلى هذا المفسرون، فنفى عن نبيه ﷺ ما يعرض للرائي الذي لا أدب له بين يدي الملوك والعظماء من التفاته يميناً وشمالاً، ومجاوزة بصره لما بين يديه، وأخبر عنه بكمال الأدب في ذلك المقام، وفي تلك الحضرة، إذ لم يلتفت جانباً، ولم يمد بصره إلى غير ما رأى من الآيات وما هناك من العجائب، بل قام مقام العقل الذي أوجب أدبُه إطراقَه وإقبالَه على ما رأى دون التفاته إلى غيره، ودون تطلعه إلى ما لم يره، مع ما في ذلك من ثبات الجأش وسكون القلب وطمأنينته، وهذا غاية الكمال.
وزيغ البصر: التفاته جانباً.
وطغيانه: مده أمامه إلى حيث ينتهي.
فنزه في هذه السورة علمه عن الضلال: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١]، ونزه عمله عن الغي، ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢] ونطقه عن الهوى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣]، ونزه فؤاده عن تكذيب بصره: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]، ونزه بصره عن الزيغ والطغيان: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧]، وهكذا يكون المدح: تلك المكارم لا قعبان من لبن شبن بماء فعادت بعد أبوالا
стр. 2465
أنواع الاستطراد في القرآن الكريم
ولما ذكر رؤيته لجبريل عند سدرة المنتهى استطرد، وذكر أن جنة المأوى عندها، وأنه يغشاها من أمره وخلقه ما يغشى، وهذا من أحسن الاستطراد، وهو أسلوب لطيف جداً في القرآن الكريم, والاستطراد في القرآن الكريم يأتي على نوعين: أحدهما: أن يستطرد من الشيء إلى لازمه، مثل هذه الآية.
فالسياق أساساً في الكلام على رؤية النبي ﵊ لجبريل، قال ﵎: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم:١٢] إلى أن قال الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣]، وهذا كله في إثبات رؤية جبريل، ثم قال: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٤]، هذا هو الموضع الذي رآه فيه، ثم استطرد القرآن الكريم إلى شيء من التفصيل عن سدرة المنتهى، وهذا من الاستطراد الذي يكون أحسن ما يكون وأفخم ما يكون وأبدع ما يكون، فحينما ذكر سدرة المنتهى استطرد في وصفها وأحوالها: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم:١٥ - ١٦].
ومثل ذلك قوله ﵎: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩]، ثم استطرد من جوابهم إلى قوله ﵎: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدَاً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلَاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتَاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ * وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف:١٠ - ١٣] إلى آخر الآيات، فهذا ليس من جوابهم؛ ولكنه تقرير له وإقامة للحجة عليهم.
فهل الكفار لما يوجه إليهم
السؤال
(( مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ)) هل هم يقولون: ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدَاً﴾ [الزخرف:٩ - ١٠]؟
الجواب
لا، بل انتهى جوابهم عند: ((خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ))، فاستطرد القرآن الكريم من هذا إلى ما يلزم منه، وهو ذكر صفات الله ﵎ وأفعاله.
ومن ذلك أيضاً -من هذا النوع من الاستطراد-: قول الله ﵎: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٤٩ - ٥٢] فهذا جواب موسى، ثم استطرد من جواب موسى فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدَاً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلَاً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجَاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى * مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه:٥٣ - ٥٥]، ثم عاد إلى الكلام الذي استطرد منه: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾ [طه:٥٦] إلخ.
النوع الثاني: أن يحصل استطراد من الشخص إلى النوع، كقول الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٣] فـ (الهاء) في قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ تعود إلى الإنسان.
فهنا استطرد، فـ (الهاء) لا تعود على المذكور من في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ﴾ [المؤمنون:١٢]؛ لأن الإنسان هنا هو آدم ﵇.
فقوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ)، الذي خلق من طين هو آدم فقط، وقوله: ((ثُمَّ جَعَلْنَاهُ)) المقصود هنا من بعد آدم ﵇، وهذا استطراد من الشخص الذي هو آدم إلى النوع الإنساني بعد آدم وهو سائر البشر.
ومن هذا النوع من الاستطراد أيضاً: قول الله ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلَاً خَفِيفَاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحَاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحَاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئَاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف:١٨٩ - ١٩١]، فسياق آخر الآيات في المشركين، وليس في آدم وحواء، فآدم نبي، وحواء كانت مسلمة، فإذا أحسنا فهم القرآن لم نقع في الاشتباه الذي يقع من بعض الناس، حتى إن بعض المفسرين زعموا أن المقصود بقوله ﵎: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحَاً) يعني: لما آتى الله آدم وحواء صالحاً كانت حواء -فيما يزعمون ولم يصح- كلما رزقت بولد لا يعيش، فأتاها الشيطان وقال لها: لو أردته أن يعيش فسميه عبد الحارث، فلما رزقت بولد سمته عبد الحارث، والحارث شيطان، فلذلك قالوا: إن هذا هو المقصود بقوله تعالى: ((جَعَلاَ)) أي: جعلا -أي: آدم وحواء - (لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئَاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ)، وهذا السياق لا يمكن أن يكون في آدم وهو نبي معصوم، ولا في حواء وهي أول مسلمة على وجه الأرض، وإنما الصحيح أن هذا نوع من الاستطراد في القرآن الكريم، وهو استطراد من الشخص إلى النوع، وذلك في قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٣] وفي الآية الأخرى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة:٨] لكن هنا قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ فـ (الهاء) لا تعود على آدم، إنما هذا استطراد في نوع آدم، وهم بنوه.
أما هذه الآية الكريمة: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) وهو آدم (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) لأن حواء خلقت من آدم (لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلَاً خَفِيفَاً فَمَرَّتْ بِهِ)؛ لأن الحمل في البداية يكون خفيفاً؛ ولذلك تستطيع أن تتنقل وتروح وتجيء بلا عبء ((فَلَمَّا أَثْقَلَتْ)) معناه: فرغت من الوضع (دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحَاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحَاً) هنا السياق بدأ ينتقل استطراداً من الشخص إلى النوع، وأما الكلام عن آدم وحواء فقد انتهى، وصار الكلام هنا عن المشركين من ذريتهما، ولا بد أن تفهم الآية على هذا النحو.
وعلى هذا فقوله: ((فَلَمَّا آتَاهُمَا صالحاً)) يعني: لما آتى الله آدم وحواء صالحاً كفر به بعد ذلك كثير من ذريتهما، هذا هو معنى الآية، وأسند فعل الذرية إلى آدم وحواء لأنهما أصل لذريتهما، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف:١١]، يعني: بتصويرنا لأبيكم آدم؛ لأنه أصلكم، بدليل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف:١١] فخاطبنا نحن وإن كان المقصود آدم لأنه أصل الذرية، فكذلك هنا في قوله: (جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا) يعني: جعل كثير من ذرية آدم وحواء بعد ذلك شركاء فيما آتاهما، فهنا استطرد من ذكر الأبوين إلى ذكر المشركين من أولادهما، والدليل: قوله تعالى -مباشرة بعد هذه الآية-: (فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) * (أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئَاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ)، فهذا نص صريح بأن المراد المشركون من بني آدم.
والله أعلم.
стр. 2466
تفسير سورة النجم [١٩ - ٤١]
стр. 2467
تفسير قوله تعالى: (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى)
قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠].
سبق تفسير قول الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٣ - ١٨].
ثم قال ﵎ منكراً على المشركين عبادتهم الأوثان واتخاذهم لها البيوت مضاهاةً للكعبة التي بناها خليل الرحمن لعبادته تعالى وحده لا شريك له: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠].
قال ابن كثير: اللات صخرة بيضاء منقوشة، وعليها بيت في الطائف له أستار وسدنة -يعني خادماً- وحوله فناء معظم عند أهل الطائف وهم ثقيف ومن تابعها، يفتخرون بها -أي: باللات- على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش.
قال ابن جرير: وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم الله ﵎ فقالوا: اللات، يعنون مؤنثة من لفظه تعالى، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
أي: زعم المشركون أن اللات -والعياذ بالله- مؤنث لفظة الجلالة (الله)، فهذا من افترائهم الذي نسبوه إلى الله ، كما قالوا: عمرو وعمرة، فكذلك قالوا: الله، فزعموا أن اسم اللات مؤنث لفظ الجلالة.
وقال الزمخشري: هي فعلة من لوى؛ لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون بالعبادة أو يلتوون عليها، يعني: يطوفون بها.
وحكي عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس أنهم قرءوا: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَّ وَالْعُزَّى﴾ [النجم:٢٠]-بتشديد التاء- وفسروه بأنه كان رجلاً يلتُّ للحجيج في الجاهلية السويق، يعني: يعد للحجاج هذا الطعام ويقدمه لهم، والسويق طعام يتخذ من مدقوق الحنطة والشعير، سمي سويقاً لانسياقه في الحلق، ويقال: لتَّ السويق، يعني: خلطه بسمن وغيره، ويقال: لتَّ العجين، يعني: بلَّه بشيء من الماء، ومن كلام العرب: فلان يلُتُّ ويعجن، يعني: إذا كان ثرثاراً يبدئ ويعيد فيما يقول.
فإذاً: من قرأ (اللَّاتَّ) بتشديد التاء فسره بأنه كان رجلاً يلت للحجيج في الجاهلية السويق، فلما مات عكفوا على قبره وعبدوه.
وَالْعُزَّى: هي شجرة عليها بناء وأستار بنخلة، وهي بين مكة والطائف.
قال ابن جرير: اشتقوا اسمها من اسمه تعالى: العزيز.
وقال الزمخشري: أصلها تأنيث الأعز.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ هي: صخرة كانت بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة، وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتها يعظمونها، ويهلون منها للحج إلى الكعبة، روى البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها نحوه.
وقال ابن جرير: وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول: اللات والعزة ومناة الثالثة أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها.
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: كانت بجزيرة العرب وغيرها طواغيت أخر، تعظمها العرب كتعظيم الكعبة غير هذه الثلاثة التي نص الله عليها في كتابه العزيز؛ وإنما أفرد هذه بالذكر لأنها أكثر من غيرها.
وقال ابن إسحاق في السيرة: وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجَّاب، ويُهدى لها كما يُهدى للكعبة، وتطوف بها -أي: العرب- كطوافها بالكعبة، وتنحر عندها، وهي تعرف فضل الكعبة عليها؛ لأنها عرفت أنها بيت إبراهيم ﵇ ومسجده، فكانت لقريش ولبني كنانة العزى بنخلة، وكانت سدنتها وحجَّابها من بني شيبان من سليم حلفاء بني هاشم، وبعث إليها رسول الله ﷺ خالداً وأمره بهدم العزى فهدمها رضي الله تعالى عنه، وجعل يقول: يا عزى كفرانكِ لا سبحانكِ إني رأيت الله قد أهانكِ وروى النسائي عن أبي الطفيل قال: (لما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العزى، فأتاها خالد وكانت على ثلاث سَمُرات -شجر السَّمُر المعروف- فقطع السَّمُرات، وهدم البيت الذي كان مبنياً عليها، ثم أتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: ارجع فإنك لم تصنع شيئاً، فرجع خالد فلما أبصرته السندة -وهم حجبتها- أمعنوا في الحيل، وهم يقولون: يا عزى! -أي: يستغيثون بها كي تنقذ نفسها من أن يحطمها خالد أو يقتلها- فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها، فغمسها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: تلك العزى).
فإن صح هذا فإنه يبين أن من الشياطين من يكون في هذه التماثيل وهذه المعبودات من دون الله ، وقد يتكلم بكلام أو يفعل أشياء ليزيد فتنة الذين يعبدون هذه الأصنام، والله ﵎ أعلى وأعلم.
ولذلك كان من الشعر الذي قيل في هذا الموقف: قول بعض السدنة لها: أعزى إن لم تقتلي المرء خالداً فموتي بإثم عاجل أو تنصري فأقبل خالد وجعل يهدمها وهو يقول: يا عزى كفرانكِ لا سبحانكِ إني رأيت الله قد أهانكِ قال ابن إسحاق: وكانت اللات لثقيف بالطائف، وكان سدنتها وحجَّابها بني معتب، وقد بعث إليها رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة وأبا سفيان صخر بن حرب فهدماها، وجعلا مكانها مسجداً بالطائف.
وقال ابن إسحاق: وكانت مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل يثرب على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد، فبعث إليها النبي ﷺ أبا سفيان صخر بن حرب فهدمها، ويقال: علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
стр. 2468
تفسير قوله تعالى: (ألكم الذكر وله الأنثى)
قال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى﴾ [النجم:٢١].
قال الزمخشري: كانوا يقولون: إن الملائكة وهذه الأصنام بنات الله، وكانوا يعبدونهم ويزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله ﵎ مع وأدهم البنات أي أن قول الله لهم: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى﴾ يعني: أنهم كانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله، وأن هذه الأصنام بنات الله، فلذلك كانوا أحياناً يئدون البنات لشدة بغض البنات، ويقولون: نحن نلحقهن ببنات الله، كي ينتقلن إلى جوار الملائكة؛ لأن هؤلاء بنات والملائكة بنات الله! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، فكانوا يعبدونهم ويزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله ﵎ مع وأدهم البنات، فقيل لهم: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى)، يعني: أنتم تبغضون البنات -وحالهم في ذلك معروف- ومع ذلك رضيتم أن تنسبوا إلى الله أسوأ الحظين في نظركم! وإلا فإن بغض البنات جاهلية بغيضة، وليس من الإسلام على الإطلاق بغض البنات، وإنما هو من خصال أهل الجاهلية.
ويجوز أن يُراد أن اللات والعزى ومناة إناث، وقد جعلتموهن لله شركاء، ومن شأنكم أن تحتقروا الإناث، وتستنكفوا من أن يولدن لكم وينسبن إليكم، فكيف تجعلون هؤلاء الإناث أنداداً لله وتسمونهن آلهة؟!.
وفي قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠] (أرأيت) اسم فعل أمر بمعنى: أخبرني، واختلف العلماء في فعل الرؤية في قوله: (أَفَرَأَيْتُمُ) هل هو الرؤية البصرية أم أنها الرؤية العلمية؟ وكأن أصل التركيب: ألكم الذكر وله هن، أي: تلك الأصنام؟ وإنما أوثر هذا الاسم في قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى﴾ لوقوعه رأس فاصلة، أي: لأنه في فاصلة الآية.
стр. 2469
تفسير قوله تعالى: (تلك إذاً قسمة ضيزى)
قال الله ﵎: ﴿تِلْكَ إِذَاً قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم:٢٢].
(تلك) إشارة إلى القسمة المفهومة من الجملة الاستفهامية في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى﴾ [النجم:١٩ - ٢١]، فهذا يفهم منه أن هناك قسمة هم قسموها، حيث جعلوا لهم الذكر وله الأنثى، فهذه القسمة فهمت من الجملة الاسمية.
(قِسْمَةٌ ضِيزَى)، أي: قسمة جائرة غير مستوية، ناقصة غير تامة؛ لأنكم جعلتم لربكم من الولد والند ما تكرهون لأنفسكم وآثرتم أنفسكم بما ترضونه.
وقال ابن جرير: والعرب تقول: ضِزْتُه حقَّه، بكسر الضاد، وضُزْتُه بضمها، فأنا أضيزه وأضوزه، وذلك إذا نقصته حقه ومنعته.
стр. 2470
تفسير قوله تعالى: (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم)
قال ﵎: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم:٢٣].
(إِنْ هِيَ إلا أسماء) يعني: هذه الأصنام المذكورة باعتبار الألوهية التي يدعونها لها ليس لها من الألوهية إلا الأسماء المزعومة فقط؛ لكن ليس لها أي نصيب من الألوهية، فهي اسم بلا مسمى.
قال الشهاب: والمراد من قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾، يعني: لا نصيب لها أصلاً ولا وجه لتسميتها بذلك، ولو كانت الألوهية متحققة بمجرد التسمية كانت آلهة، فهو من نفي الشيء بإثباته.
أي: وإن كان ظاهر الآية إثبات أنها أسماء، لكن المقصود نفي حقيقتها، يعني: لولا أنكم أسميتموها آلهة -مع أنها لا حظ لها من الألوهية على الإطلاق، لما كانت شيئاً على الإطلاق، وإنما هي مجرد أسماء فقط أنتم زعمتومها، فهذا ادعاء محض لا طائل تحته.
(أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ)، يعني: سميتموها أنتم وآباؤكم بمقتضى أهوائكم وتقليد التابع للمتبوع وبدون وحي إلهي.
(مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ)، أي: من برهان يتعلق به.
(إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ)، يعني: إلا توهماً أن ما هم عليه حق.
(وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ)، أي: ما تشتهيه أنفسهم.
قال ابن جرير: لأنهم لم يأخذوا ذلك عن وحي جاءهم من الله ﵎، ولا عن رسول من الله أخبرهم به، وإنما هو اختلاق من قبل أنفسهم.
ولذلك قلنا مراراً: دائماً يأتي الهوى والوحي متفاصلين، فالهوى ضد الوحي، والإنسان إما أن يتبع الهوى وإما أن يتبع الوحي الإلهي، والأدلة على ذلك كثيرة في القرآن الكريم أشرنا إليها مراراً، منها الآية التي في صدر السورة: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ [القصص:٥٠] يعني: للوحي ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص:٥٠]، وقوله سبحانه: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص:٢٦] أي: بالوحي ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦]، ومنها أيضاً قول الله ﵎ في هذه الآية: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ﴾ وهذا هو الهوى ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ وهو: الوحي، فالهوى يأتي في مقابلة الوحي، وعبر عن الوحي هنا بالمعنى.
فهم لم يأخذوا ذلك عن وحي جاءهم عن الله ولا عن رسول من الله أخبرهم به، وإنما هو اختلاق من قبل أنفسهم، أو أخذوه عن آبائهم الذين كانوا من الكفر بالله على مثل ما هم عليه منه.
(وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى)، أي: الدليل الواضح والبيان بالوحي أن عبادتها لا تنبغي، وأنه لا تصلح العبادة إلا لله تعالى وحده.
وقوله: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى)، هذا تأكيد لبطلان اتباع الظن وهوى النفس وزيادة تقبيح لحالهم، فإن اتباعهما من أي شخص كان قبيح، وممن هداه الله تعالى بإرسال الرسول وإنزال الكتب أقبح.
يعني: هم بنزول الوحي وبدون إعراض عن الوحي مذمومون مقبحون بالافتراء على الله واتخاذ ألأصنام أنداداً من دون الله ، فما بالك وقد قامت الحجة عليهم؟! (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى)، يعني: مع أنه قد جاءهم من ربهم الهدى، ومع أن الوحي نزل والرسول أرسل وبعث ودعاهم إلى توحيد الله أعرضوا، فلا شك أن هذا يكون أقبح.
قال السيوطي في (الإكيل): استُدل بقوله: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ) إلخ، على أن اللغات توقيفية، ووجهه: أنه تعالى ذمهم على تسمية بعض الأشياء بما سموها به، ولولا أن تسمية غيرها من الله توقيف لما صح هذا الذم؛ لكون الكل اصطلاحاً منهم.
واستُدل بقوله تعالى: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ) إلخ، على إبطال التقليد في العقائد واستدل به الظاهرية على إبطاله مطلقاً -يعني: سواء في العقائد أو في الأمور العملية الفقهية العبادية - واستدلوا به أيضاً على إبطال القياس، ولهم في ذلك وجه معروف.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر ﵁ قال: (احذروا هذا الرأي على الدين، فإنما كان الرأي من رسول الله ﷺ مصيباً؛ لأن الله كان يريه، وإنما هو منا تكلف وظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً).
стр. 2471
تفسير قوله تعالى: (أم للإنسان ما تمنى)
يقول الله ﵎: ﴿أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ [النجم:٢٤].
يعني: ليس له ما يشتهيه من الأمور التي منها طمعه الفارغ في شفاعة الأنداد وتعنته في دفاع اليقين بالظن وتركه نفسه وهواها بلا شرع يقيده ولا علم يزعه، فإن ذلك من المحالات في نظر العقل السليم.
فهذه الآية كقوله ﵎: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء:١٢٣]، وأماني أهل الكتاب مثلاً كقول اليهود لعنهم الله: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامَاً مَعْدُودَةً) [البقرة:٨٠]، فيغرون أنفسهم ويخدعون أنفسهم بهذه الأماني، أو قول النصارى مثلاً: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانياً، وقول اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، أو قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]، فكذلك ليس للإنسان ما يشتهيه من الأمور، فالأمور لا تأتي بمجرد التشهِّي أو التمنِّي.
فهؤلاء المشركون يخدعون أنفسهم بالأماني الكاذبة، فمن هذه الأماني أنهم مع شركهم بالله واتخاذهم الأنداد يرجون أن تنفعهم هذه العبادة للأنداد، وأنها سوف تشفع لهم عند الله ﵎، فينساقون وراء أهوائهم وضلالهم، ويرفضون ويتأذون أن يُقادوا بقيود الشرع الشريف والوحي الإلهي، فهذا من المحالات في نظر العقل السليم، فالإنسان ينساق وراء الهوى، ثم يمني نفسه بأنه ناجٍ، وأنه كذا، كما يفعل كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام ممن يكثرون من قولهم: يا بَخْتِنا بالنبي! وهم في أحوالهم وأوضاعهم وتضييع الصلاة وتلبسهم بالشركيات على حال لا يخفى، أو من يعبدون الموتى والأضرحة ويذبحون لها وينذرون ويطوفون بها، ويمنون أنفسهم أن هذا نافعهم عند الله، ويقولون نفس حجة المشركين: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨]، يقولون لك: نحن لا نعبدهم، وإنما هؤلاء فقط نفوسهم طاهرة، وهم ناس صالحون، فهم وسائط عند الله ! وهذه هي نفس حجة المشركين فيما مضى، فلا شك أن الحجة أقوم على من أتاه الوحي، كما قال تعالى هنا: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾، ولذلك قال بعض العلماء: إن هذه الجملة حالية من قوله (يَتَّبِعُونَ)، يعني: يتبعون والحال أنه قد ((جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى)) ومع ذلك يعرضون عن الهدى ويتبعون أهواءهم.
стр. 2472
تفسير قوله تعالى: (فلله الآخرة والأولى)
قال تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى﴾ [النجم:٢٥].
أي: فمصير الأمر في الآخرة والأولى لله ﵎ لا للإنسان.
فانظر إلى الربط بين هذه الآية وما بعدها، فقوله: ﴿أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ [النجم:٢٤] أي: هل للإنسان الذي يظل يتمنى الأماني ويستمتع بأن يفترض ويتخيل ويمني نفسه بالأماني، هل له ما تمنى؟
الجواب
لا، لا ينال الإنسان الأمور بالأماني، بل لابد من العمل، فلذلك قال الله ﵎: ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى﴾، يعني: مصير الأمر في الدنيا وفي الآخرة بيد الله ﵎، وليس للإنسان من الأمر شيء، ولن تسير الأمور حسب ما تسول له نفسه الأمارة بالسوء؛ لأن الله لن يتبع أهواهم، ولن يتبع أمانيهم، كما قال : ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون:٧١]، ولذلك أرسل الله الرسل وأنزل الكتب قطعاً للمعاذير، وإقامة للحجة على هؤلاء الناس، وقد جاءتهم الحجة، ولذا قال: ((وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى)).
ونبه الله الإنسان بالعقل على سبل السعادة التي لا تخفى على بصير، فمن أراد الحق مخلصاً يصل إليه، ويوفقه الله إلى هذا الحق، ولن يجد شيئاً يكبله ويحول دونه ودون الانقياد لهذا الحق.
стр. 2473
تفسير قوله تعالى: (وكم من ملك في السماوات لا يغني من الحق شيئاً)
قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى * إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى * وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم:٢٦ - ٢٨].
ثم يقول ﵎ توبيخاً لعبدة الأوثان، وإقناطاً لهم عما علقوا به أطماعهم من شفاعة أوثانهم: ((وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ)) وكأن الله يقول لهم: إذا كانت الملائكة المكرمون الأطهار المعصومون لا يمكن أن يشفعوا عند الله إلا بإذن من الله، فكيف ستشفع لكم هذه الأحجار وهذه الأصنام عند الله ﵎؟! فالملائكة كائنات حية عاقلة مبرأة من السوء ومن الإثم ومنقادة لأمر الله .
ثم أشار تعالى إلى طغيان آخر للمشركين، فقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى﴾ يعني: تسمية الإناث، وذلك أنهم كانوا يقولون على الملائكة: هم بنات الله، فالأنثى هنا بمعنى: الإناث؛ لأنه اسم جنس يتناول الكثير والقليل.
وقيل في المعنى: تسمية الطائفة الأنثى، فلهذا أفردت.
وقيل: منصوب بنزع الخافض على التشبيه، فلا تمس الحاجة إلى الجمعية.
وقيل: أفرد لرعاية الفاصلة.
وقيل: الملائكة بمعنى: استغراق المفرد، على أساس أن (ال) هنا للاستغراق في (الملائكة)، يعني: أنهم يسمون كل واحد منهم بنتاً، وهي تسمية الأنثى، على وزن: كسانا الأمير حلة، يعني: كسا كل واحد منا حلة، وهنا أفردت لعدم اللبس.
ونلاحظ أن الله ﵎ علق هذا الأمر على عدم الإيمان بالآخرة، وفي هذا إشعار بالشناعة والفظاعة واستتباع العقوبة في الآخرة، بحيث لا يجترئ عليها إلا من لا يؤمن بها رأساً، يعني: لا يطاوع إنساناً قلبه أن يتفوه بهذا الزعم -وهو أن الملائكة بنات الله- إلا من كان كافراً بالله ، ولا يؤمن أصلاً بالآخرة، ولذلك علقها الله ﵎ على عدم الإيمان بالآخرة، وبين أنه لا يطاوع امرءاً قلبه على أن يتفوه بهذا الكلام إلا كافر موغر في الكفر والإلحاد مكذب باليوم الآخر.
(وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ)، أي: ليس عندهم أثارة من علم على صحة ما يزعمونه وينسبونه إلى الله ، ولذلك نفى عنهم العلم، وأثبت لهم اتباع الظن، فقال: (وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئَاً).
(وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً) يعني: لا يقوم مقام الحق، ولا يصلح بديلاً عن الحق، وذلك لأن حقيقة الشيء وما هو عليه إنما تُدرك إدراكاً معتداً به إذا كان عن يقين، لا عن ظن وتوهم.
стр. 2474
تفسير قوله تعالى: (فأعرض عن من تولى عن ذكرنا)
يقول ﵎: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم:٢٩].
يعني: من هؤلاء الكفرة الذين يرون غاية سعادتهم التنعم بلذائذها لقَصْر نظرهم على المحسوسات؛ لأن هؤلاء الكفار لا يريدون الآخرة، وهم يعرضون عن ذكر الله، وما يريدون إلا الحياة الدنيا، ولا شك أن هذا واقع نلمسه في حياة الكفار أجمعين، إذ ليس لهم همٌّ إلا شهواتهم، وما يعمرون به هذه الحياة الدنيا.
وكان في هذه الآية وحدها أعظم ما يقنع هؤلاء الذين ينبهرون بالكفار والملاحدة من الشرق والغرب، ويغترون بما هم عليه، مع أن الله قال: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ﴾ [آل عمران:١٩٦]، فكيف ننقاد ونتْبع هؤلاء حذو القذة بالقذة ونحن أهل التوحيد، حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعناهم؟! فحصل من الناس الآن افتتان شديد جداً بما عليه الكفار، في حين أن الكفار ليس عندهم إلا الدنيا بغدرها وبمفاسدها ونحو ذلك، فهذه الآية تكفي في نهي المسلمين عن الانسياق وراء الكفار ووراء مذاهبهم ومناهجهم، وكأنهم لم يسمعوا بقرآن ولا بسنة! وكأنهم لا يعتزون بدينهم وهويتهم الإسلامية! (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا)، في هذا أمر لنا بالإعراض عنهم، ولكن كثيراً من الناس الآن يلهثون وراءهم لهثاً، ويركضون وراءهم ركضاً، تقليداً لهم واتباعاً لشأنهم وبحثاً عن كل ما يرضيهم ويستجلب استحسانهم.
ويفهم من ذلك أن كل من تولى عن ذكر الله لا يُتخذ صاحباً، ولا يُتخذ أسوة ولا قدوة، كما قال الله ﵎: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطَاً﴾ [الكهف:٢٨]، وقال الله أيضاً لموسى ﵇: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١٥ - ١٦]، أي: تهلك مع هذا الهالك، فهؤلاء لا يصلحون أسوة، ولا يصلحون قدوة، ولكن مَن تبعهم قادوه إلى النار، كما قال النبي ﷺ : (دعاة على أبواب جهنم؛ من أجابهم إليها قذفوه فيها).
وفي هذه الآية غاية المذمة لمن جمع بين هذين الأمرين: لم يعش إلا للدنيا، وأعرض تماماً عن الآخرة، وأعرض أيضاً عن ذكر الله ﵎.
وقد فهِم الزمخشري فهماً باطلاً من هذه الآية الكريمة؛ فزعم أن معنى: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) يعني: أعرض عن دعوة من رأيته معرضاً عن ذكر الله، ولم يرد إلا الحياة الدنيا.
والصحيح: أن المقصود من الإعراض هنا هجرهم هجراً جميلاً، وترْك إيذائهم، ولا تعني الآية بحال من الأحوال أمره بأن يكف عن دعوة هؤلاء المعرضين، لأن الصدع بالحق لا تسامح فيه على الإطلاق، لا سيما والدعوة للمعرضين، وهي تستلزم أن يحاجوا به بمنتهى الطاقة، فالله الذي قال لنبيه ﷺ : (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) هو الذي قال: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادَاً كَبِيرَاً﴾ [الفرقان:٥٢]، وهؤلاء نفس الكفار المعرضين، ومع ذلك كان النبي ﷺ يجتهد أعظم الاجتهاد في تبليغهم الدعوة ومحاجتهم ومناظرتهم وإقامة الحجة عليهم، ونحو ذلك.
فمعنى الآية: أعرض عن أذيتهم، واصفح عنهم، ودع أذاهم في مقابلة ما يجهلون عليك، مع الاستمرار في الدعوة، كما بين ذلك في مواضع من التنزيل، والقرآن يفسر بعضه بعضاً.
стр. 2475
تفسير قوله تعالى: (ذلك مبلغهم من العلم)
((ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ)) يعني: أمر الدنيا منتهى علمهم، فلا علم لهم فوقه، وما يريدون إلا الدنيا، وما يعلمون إلا الدنيا، كما قال النبي ﵌: (إن الله يبغض كل جعظريٍّ، جواظٍ، صخابٍ في الأسواق، جيفةٍ بالليل، حمارٍ بالنهار، عالمٍ بأمر الدنيا، جاهلٍ بأمر الآخرة).
فهو يعلم أسماء لاعبي الكرة، وأسماء فرق الكرة في كل مكان في العالم، ومن هو الكابتن، وكم أحرز هدفاً! وإلى آخر هذا الكلام، حتى اللون الذي يحبه، والأكل الذي يحبه، والثياب التي يحبها، ويقلدونهم! ويعرف أسماء الممثلين والمطربين والفنانين، وكذا وكذا! ولا يعرف الأسئلة الثلاثة التي سوف يُسأل عنها أول ما يوضع في قبره: من ربك؟ وما دينك؟ وماذا تقول في النبي ﵌؟ فمع اجتهادهم وتسخيرهم العقول في كل ما يخدم الدنيا، لو صرفوا جزءاً يسيراً من عبادتهم وتبتلهم للدنيا لوجه الله لكانوا عباداً ورهباناً متبتلين؛ لكن انظر إلى اجتهادهم في الدنيا وتعظيمهم الدنيا، ومع ذلك يحاربون أهل الحق، ويريدون أن يطفئوا نور الله ، ويجتهدون في ذلك ليل نهار بكل الأساليب، سواءً بذبح المسلمين، أو إذلال المسلمين، أو تجويعهم وغير ذلك مما نلمسه من أعداء الله في مشارق الأرض ومغاربها، هذا مع أنهم على الباطل، ومع أنهم لا يتبعون إلا الظن، وما يتبعون إلا الأهواء، وأصبحوا مفلسين، وما عندهم شيء يقدمونه للبشرية، فليس لدى أمريكا وغيرها من أعداء الله ما يقدمونه لإصلاح البشرية، ما لديهم إلا الفساد والانحلال وتحطيم الخير في هذه الأرض ونشر الفساد فيها! فقوله تعالى: (ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ)، يعني أن الدنيا هي المحطة النهائية عندهم، ولا يوجد عندهم خط ثانٍ بعد هذا، ((ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ))؛ لأن المكان المعين وصلوه، فلا يوجد بعده مكان آخر.
و (ذَلِكَ) الإشارة فيه إلى أمر الدنيا الذي ورد في آخر الآية السابقة: ((وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)).
стр. 2476
التحذير من تحريف النصوص الشرعية لخدمة الأمور الدنيوية
والعجيب أن من مظاهر غربة الإسلام: أن علم الدنيا صار أشرف في نظر كثير من الناس من علم الدين! وهذا بلاء عظيم جداً، والرسول ﵊ جعل من أشراط الساعة: (أن يقل العلم، ويظهر الجهل) أي: يقل العلم الشرعي الشريف ويظهر الجهل بالعلم الديني، كما هو الحال الآن! وللأسف، وإلا لو كان المقصود بالعلم -كما يزعمون- علوم الدنيا لانعكس الأمر الآن؛ لأن الظاهر أن الناس قد ظهر فيهم القلم، والناس تتعلم كثيراً جداً من علوم الدنيا، فهل يقال: إنه قد ظهر العلم في هذا الزمن، بمعنى: ظهر العلم الذي قصده النبي ﵇ حينما جعل من علامات الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل؟!
الجواب
لا.
بل العلم المقصود به العلم الذي هو أشرف العلوم على الإطلاق وهو علم الدين، وأشرف علوم الدين هو علم التوحيد؛ لأن أي علم يُعرف شرفه بشرف معلومه، أي: المعلوم الذي تتعلمه من خلاله، فأشرف العلوم لا شك أنها علوم الدين.
فهناك محاولات مستميتة لتسخير النصوص الدينية التي تحث على الآخرة وتحث على العلم الشرعي لخدمة الدنيا، فهي عملية استخدامٍ للدين من الذين يريدون أن يحولوا الدين إلى خادم، والمفروض أن الدين مخدوم، ولو أن واحداً -مثلاً- أراد أن ينظف أسفل نعله فما لقي مكاناً ينظفه فيه إلا خده، فنظفه بخده! فهذا إنسان سفيه؛ لأنه قلَب الخادمَ مخدوماً، فالوجه شريف يُخدم، والنعل -وبالذات أسفل النعل- المفروض أنه خادم، فأنت تحوله إلى مخدوم والمخدوم إلى خادم! فاستعمال نصوص الشريعة لتلميع مفاهيم دنيوية يعتبر مضادة لشرع الله ﵎، فمثلاً: يدخل في هذا الذين يتكلمون عن العمل وزيادة الإنتاج، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]! صحيحٌ أن العمل من أجل الرزق أمر من الأمور التي حث الإسلام عليها؛ لكن هل هذا هو المقصود بقوله: (اعْمَلُوا) هنا؟! وهل هي تخاطب الشيوعيين والماركسيين والنصارى واليهود؟! فالآية تخاطب المسلمين المؤمنين، وقوله: (اعْمَلُوا)، يعني: اعملوا صالحاً، ((فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)).
فأشرف العلوم على الإطلاق هو علم الدين وعلوم الآخرة، فإذا نظرت إلى موضوعها أو إلى ثمرتها ستجدها هي التي تجلب للإنسان السعادة والفلاح في الدنيا وفي الآخرة.
إذاً: يجب ربط الدين بالنصوص، فإن العلم هو أقوى مؤيدات الإسلام، حتى العلم الحديث هو من أقوى مؤيدات الإسلام؛ لكن تركوه من جهة أنهم نسوا الخالق وذكروا المخلوق، حتى سموا أماكن معينة في جسم الإنسان بأسماء الخواجات، وكأنهم هم خلقوها! مثال ذلك: ما يسمونه بقناة استاكس، فأنا مسلم وفي جسمي حاجة اسمها: قناة استاكس باسم واحد كافر! وهكذا ما يُسمى بجزر لانجرهانز التي في البنكرياس، وهكذا صار جسم الإنسان مثل الشوارع التي تسمى بأسماء الكفار! فالشاهد: إذا كان هذا من أجل أن واحداً اكتشف، فما بالك بمن خلق وصنع؟! فالعلم الآن في حالة من الجحود والنكران لفضل الله ونعمة الله ﵎ على البشرية.
من الذي خلقها؟! ولماذا لا ينسبونها إلى الله ؟! ولماذا لا نقول: خلق الله في البذور قوة الإنبات، ورزقنا الله الماء كي تنبت البذور ويحصل كذا وكذا؟! وخلق الله الجمجمة وفيها من العظام كذا، وفيها ثقوب خلقها الله كي تمر من الأعصاب مثلاً، وكذا وكذا؟! ورتب كذا على كذا لأجل حماية كذا؟! فلماذا لا يُنسب الفضل لصانعه؟! ولماذا يمضي العلم بعيداً عن الله ؟! وليس هذا فحسب، بل ربما أحياناً ينصب هذا العلم في تأييد مذاهب كفرية وإلحادية لا تقوم إلا على الظن وما تهوى الأنفس، وهي أبرأ ما تكون من العلم، كنظرية فرويد أو نظرية داروين أو غيرها من هذه النظريات التي سخرت لخدمة الإلحاد.
فالعلم الآن صار يُستعمل آلة لخدمة الإلحاد، مع أنه أقوى ناصر ومؤيد للإسلام، وأوجه الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وهكذا في السنة النبوية الشريفة، كقوله ﵊: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً فكان منها)، وشمل الحديث تقسيم الأرض إلى الأنواع الثلاثة المعروفة، فيفسرون الحديث لطلبة المدارس ويقولون لهم: أرض الطائفة الأولى التي حبست الماء وأنبتت العشب والكلأ الكثير فانتفع بها الناس هي هذه التكنولوجيا! فأصبح الحديث يفسر أن هذا حث على التكنولوجيا، وليس على العلم الشرعي.
والأرض الأخرى هي التي أمسكت الماء فقط.
والأرض الثالثة التي غورت الماء، وتركت الماء يذهب سدىً، لم يُحبس ولم يُنتفع به للزرع وغيره، فيقولون: هذا دليل على أنه لا يجوز للمسلم أن يسرف في استعمال الماء، ولابد من ترشيد استعمال المياه! وما علاقة هذا بذاك؟! هذا النوع بعيد جداً، صحيحٌ أن الإسرافَ محذور، لكن هذا الحديث لا يحثنا على التكنولوجيا، ولا يحثنا على ترشيد استعمال المياه، وليس هذا هو المقصود بالحديث، وإنما هذا تسطيح للمعاني الإسلامية الرفعية والعالية.
فهذه الآية: (ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) من أقوى ما يوضح أنهم توقفوا عند علوم الدنيا، أما أخطر قسم من العلوم وهو العلم الذي يترتب عليه خلود إلى الأبد في جنة أو في نار فلا خبر عندهم عن هذا العلم، ومن كان هذا أقصى معارفه فما على داعيه إلا الصفح عنه، والصبر على جهله، فمثل هذا لا يستحق أنك ترد على جهله بجهل مثله، وإنما تصفح عنه، وتعرض عنه، فهذا هو المقصود من قوله: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا) يعني: أعرض عن أذيتهم، ولا تقابل سفاهتهم بمثلها، بل استمر في دعوتهم، ولا تلقِ بالاً للترهات والأذية والجهل ونحو ذلك.
وقوله ﷺ : (إن الله يبغض كل جعظريٍّ، جواظٍ)، الجعظري: الفظ الغليظ المتكبر، والجواظ: الجموع المنوع؛ يجمع المال ويبالغ في جمعه، ثم يمنع حقه من الصدقة والزكاة وغيرها.
وقوله: (صخابٍ في الأسواق)، أي: يرفع الصوت بالجلبة والصياح.
وقوله: (جيفةٍ بالليل، حمارٍ بالنهار)، يعني: لا يذكر الله ، ولا يصلي صلاة عشاء ولا فجر ولا غيرهما فضلاً عن النوافل، وأما في عمل الدنيا فهو كالحمار بالنهار، وطبعاً إذا رأينا هذا المثال في هذا الحديث يطرأ إلى أذهاننا الناس الذين يتفانون في خدمة الدنيا كاليابانيين؛ فإنهم يفنون تماماً أثناء الخدمة، وما عندهم خبر عن موضوع الآخرة أبداً، بل تراهم يعملون مظاهرات؛ لأن الحكومة لا تريد تشغيلهم في يوم إجازة، إذ كيف يتوقفون عن العمل؟! ولذلك تاتشر في يوم من الأيام عيرتهم في تصريحات رسمية فقالت: أنتم شعب كائن مثل النمل، فرد وزير الخارجية الياباني وقال لهم: وأنتم الأوربيون كائنون مثل الصراصير، فتبادلوا الاتهامات، فحتى الأوروبيون لم يعجبهم اليابانيون، ويقولون: أنتم تعيشون مثل النمل، يعني: ما وراءكم غير الشغل فقط، وسبحان الله! من ذهب إلى اليابان يرى الأماكن التي ينامون فيها مثل الصناديق، يعني: الغرف مثل الصناديق، كالجثة موضوعة في قبر أو صندوق أو كذا.
وقوله: (عالمٍ بأمر الدنيا، جاهلٍ بأمر الآخرة)، أي: تعلم من العلوم كثيراً مما لا ينفعه، والجهل به لن يضره، وفي نفس الوقت أعرض عن ذكر الله، وأعرض عن القرآن، وأعرض عن أن يتدبر في الغاية من خلقنا؟ ولماذا خلقنا؟ وإلى أين نسير؟ وكيف يجيب على هذا الامتحان الإجباري الذي سوف يُسأل عنه كل إنسان: (من ربك؟ وما دينك؟ وما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟)، وهو النبي ﵌.
فمن كان هذا قصارى علمه، فما على الداعية إلا الصفح عنه، والصبر على جهله.
وقوله: (ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ) اسم مكان، وكأنه محل وقف فيه علمهم ادعاءً، والجملة اعتراض مقرر لمضمون ما قبلها من قصر الإرادة على الحياة الدنيا، ثم علل الأمر بالإعراض، فقال تعالى: ((إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ))، فهذا تعليل لقوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، والسياق: ((إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ)) تعليل للإعراض؛ لكن جملة: ((ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ)) جملة اعتراضية، فقوله: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ﴾ يعني: أعرض؛ لأن ﴿رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾، وإذا كان الله أعلم بالفريقين فلابد أن يعاملهم بموجب علمه فيهم، فيجزي كلاً بما يقتضيه عمله.
والله سبحانه قدم قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيْلِهِ﴾ على قوله: ((بِمَنِ اهْتَدَى))؛ لأن هؤلاء الذين ضلوا هم المقصودون أساساً من الخطاب، وسياق الكلام في شأنهم.
стр. 2477
تفسير قوله تعالى: (ولله ما في السماوات وما في الأرض)
يقول الله ﵎: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:٣١].
قوله: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)، في هذا تنبيه على سعة ملكه وعظمة قدرته، وأن ما فيهما في قبضته، فلا يعجزه جزاء هؤلاء الفجرة، كما قال: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى)، يعني: بالمثوبة الحسنى وهي الجنة.
стр. 2478
تفسير قوله تعالى: (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش)
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢].
ثم لما ذكر المحسنين وجزاءهم الذي هو المثوبة الحسنى بيَّن صفات هؤلاء المحسنين، فقال : (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ) يعني: ما كبر الوعيد عليه من المناهي.
(وَالْفَوَاحِشَ)، يعني: ما فحش منها، والعطف: إما من عطف أحد المترادفين أو الخاص على العام.
وقوله: (إِلَّا اللَّمَمَ)، أي: إلا الصغائر من الذنوب.
ومثله أبو هريرة بالقبلة والغمزة والنظرة، فيما رواه ابن جرير.
وأصل معنى اللمم: ما قل قدره.
ومنه لمة الشَّعَر؛ لأنها دون الظفرة.
وقيل: معناه: الدنو من الشيء دون ارتكاب له.
والاستثناء في قوله سبحانه: (إِلَّا اللَّمَمَ) منقطع، بمعنى: (لكن).
واللمم أن يدنو الإنسان من الشيء؛ لكن لا يرتكبه، فهذا هو المقصود باللمم، يعني: إلا اللمم بما دون الكبائر والفواحش فإنه عفو، وهو أن يهم دون أن يفعل، وهو شيء أقل من الكبائر والفواحش، يدنو منه، ثم يعرض عن ذلك، فهذا يعفو الله عنه.
وقيل: إن الاستثناء في قوله سبحانه: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) متصل، والمراد: مطلق الذنوب.
وقيل: إنه لا استثناء فيه أصلاً، وإن (إلا) صفة بمعنى غير.
وحكى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ وغيره: أن معنى اللمم: ما قد سلف لهم مما ألموا به من الفواحش والكبائر في الجاهلية قبل الإسلام، وغفرها لهم حين أسلموا.
وعن ابن عباس ﵄ أيضاً قال: هو الرجل يلم بالفاحشة، ثم يتوب ولا يعود، وقد قال النبي ﷺ : (إن تغفر اللهم تغفر جماً، وأي عبد لك ما ألما؟!).
وقال الحسن: اللمم أن يقع في الوقعة ثم ينتهي.
يعني: ولا يعود إليها.
وكل هذا مما يتناوله اللفظ الكريم، والأقوى في معناه هو الأول، يعني: الصغائر من الذنوب، ولذلك استُدل بالآيات على تكفير الصغائر باجتناب الكبائر، فاجتناب الكبائر هو في حد ذاته كفارة للصغائر، والدليل الأصلح لذلك قول الله ﵎ في جملة شرطية: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١].
(إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) أي: واسعٌ عفوه للمذنبين الذين لم تبلغ ذنوبهم الفواحش وكبائر الإثم.
(هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ)، قال ابن جرير: أي: أحدثكم منها؛ بخلق أبيكم آدم منها.
فقوله: (إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ) الخطاب لنا والمقصود آدم ﵇، أي: إذ أنشأ أباكم آدم الذي هو أصلكم من الأرض.
(وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ)، أي: حينما أو حيثما يصوركم في الأرحام، فالله عليم بكم أيضاً في هذه الحال.
(فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ)، يعني: إذا كان الله عالم بكم حين أنشأ آدم من الأرض، وأعلم بكم (إذ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) فهو أعلم بكم فيما هو بعد ذلك، فقوله: (فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ)، يعني: لا تشهدوا لأنفسكم بأنها زكية بريئة من الذنوب والمعاصي، والمراد به النهي عن الثناء تمدحاً أو رياءً، كالإنسان الذي يثني على نفسه، ويمدح نفسه، أو يرائي بإظهار العمل الصالح وإظهار أنه تقي، فهذه كلها من تزكية الأنفس، يعني: مدح النفس والثناء عليها، والتجمل للناس بغير ما هي عليه في الحقيقة.
(هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى)، أي: بمن اتقاه؛ فعمل بطاعته، واجتنب معاصيه، وأصلح، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلَاً﴾ [النساء:٤٩].
وفي الصحيحين عن أبي بكرة ﵁ قال: (مدح رجل رجلاً عند النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : ويلك! قطعت عنق صاحبك مراراً، إذا كان أحدكم مادحاً صاحبه لا محالة فليقل: أحسب فلاناً والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحداً، أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك)، يعني: تمدحه بما فيه، وتعلقه على هذا اللفظ: (أحسبه كذلك)، ولا تقطع ولاتجزم؛ لأن الله هو أعلم بحقيقة هذا الإنسان، وهو المطلع على قلبه، فلا ينبغي للإنسان أن يجازف في المديح؛ لأن ذلك يكون فتنة لمن يمدحه، وقد أمر النبي ﵌ أن يُحثى التراب في وجوه المداحين.
ويدخل في تزكية الأنفس المنهي عنه في مثل هذه الآية: أن يُسمى الإنسان باسمٍ فيه تزكية، كما كانت زينب تُسمى برة، من البر، فغير النبي ﷺ اسمها إلى زينب، وقال: (الله أعلم بأهل البر منكم)، فينبغي للإنسان أن يتجنب التسميات التي يكون فيها مثل هذا المديح، ولذلك كان الإمام النووي رحمه الله تعالى يُلقب محيي الدين، فكان يقول: لا أجعل في حل -يعني: لا أسامح- من سماني محيي الدين.
стр. 2479
تفسير قوله تعالى: (أفرأيت الذي تولى ألا تزروازرة وزر أخرى)
قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى * أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى * أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم:٣٣ - ٣٨].
﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ [النجم:٣٣]، يعني: تولى عن الذكر بعد إذ جاءه، كما قال تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة:٣١ - ٣٢].
﴿وَأَعْطَى قَلِيلَاً وَأَكْدَى﴾ أي: قطع العطاء بخلاً وشحاً.
((أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى))، يعني: حتى يراه؟! وحتى يحكم على نفسه بالتزكية والنجاة والفوز؟! ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:٣٦ - ٣٧]، أي: بالغ في الوفاء بما عاهد الله عليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤].
ثم قال تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا تؤاخَذ نفس بذنب غيرها، فكل نفس آثمة فإن إثمها عليها، وهذا كان في صحف إبراهيم ﵇، وأيضاً في صحف موسى.
قال ابن جرير رحمه الله تعالى: إنما عنى بقوله: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الذي ضمن للوليد بن المغيرة أن يتحمل عنه عذاب الله يوم القيامة.
يعني: كما رُوي أن الوليد بن المغيرة همَّ بالدخول في الإسلام، فأتاه رجل من المشركين عيَّره بذلك وقال: كيف تدخل في الإسلام، وتضل عن دين آبائك وأجدادك؟! ثم ضمن له هذا الرجل المعيِّر أنك إن أعرضت عن الإسلام وأعطيتني من المال كذا وكذا أضمن لك ألا تعذب في الآخرة.
يعني: مثل نظرية (صكوك الغفران).
فقالوا: إن هذا السياق في هذه الآيات هو في هذا الشخص، فقوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وَأَعْطَى قَلِيلَاً وَأَكْدَى﴾ [النجم:٣٣ - ٣٤]، أي: حيث أعطاه بعض المال الذي وعده به.
قال ابن جرير: قيل: إن المقصود هو هذا الرجل الذي ضمن للوليد بن المغيرة أن يتحمل عنه عذاب الله يوم القيامة، يقول: ألم يخبر قائل هذا القول وضامن هذا الضمان بالذي في صحف موسى وإبراهيم مكتوب: أن لا تأثم آثمة إثم أخرى غيرها.
стр. 2480
تفسير قوله تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى الجزاء الأوفى)
قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ [النجم:٣٩ - ٤١].
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾.
أي: وأنه لا يُجازى عامل إلا بعمله خيراً كان أو شراً، وظاهر السياق يُشعر بلزوم الآيات رداً على ما كانوا يتخرصونه ويتمنونه ويتحكمون فيه على الغيب لجاجاً وجهلاً، ولذلك فمفهومها الشمولي جلي.
واستُدل بهذه الآية على عدم دخول النيابة في العبادات عن الحي والميت، يعني: لا يصح أن ينوب أحد عن أحد في صلاة ونحوها.
واستدل به الشافعي على أن ثواب القراءة لا يلحق الأموات؛ لأن الله قال: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾.
وقال ابن كثير: ومن هذه الآيات الكريمة استنبط الشافعي ﵀ ومن تبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب رسول الله ﷺ أمته إليها، ولا حثهم عليها، ولا أرشدهم إلى ذلك بنص ولا إيماء.
يعني: أن ثمة سنة تركية، فالشيء قد يكون مقتضاه موجوداً في عهد النبي ﵊، والمانع غير موجود، ومع ذلك لم يشرعه النبي ﷺ ؛ لأن الرسول ﵊ كان مأموراً بالبلاغ، وأي شيء له علاقه بالدين يقربنا وينفعنا عند الله ويبعدنا من النار أمر به النبي، وما كتم شيئاً؛ فهو مأمور بالتبليغ، ومعصوم من الكتمان، وهل الموتى من المسلمين في حاجة إلى إحسان أقاربهم أو إخوانهم إليهم بقراءة القرآن ثم إهداء الثواب، أم ليسوا في حاجة إلى هذا؟ فالناس محتاجون إلى أن يقرءوا القرآن ويهدوا ثوابه إلى الموتى، فالزمان كان زمان تشريع، والرسول ﵇ مأمور بالتبليغ، والوحي ينزل عليه، والداعي المقتضي موجود، والمانع مفقود، أي لا يوجد مانع يمنعهم من أن يشرع لهم ذلك، ومع ذلك لم يشرعه.
فإذاً: السنة في هذا أن نترك ما تركه النبي ﵌، فإن المقتضي كان موجوداً، والمانع غير موجود، ومع ذلك لم يشرعه، فدل على أنه ليس من الدين.
إذاً: من تعبد ببدعة فهو يرهق نفسه بما لا طائل من ورائه، كما قال ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
هذا أنموذج من المسائل التي فيها مثل هذا الكلام، وهو موضوع قراءة القرآن وإهداء ثوابه إلى الموتى، لكن يُستثنى من هذا الابن مع أبيه، كما ذكر ذلك العلامة الألباني رحمه الله تعالى في كتابه المبارك: (أحكام الجنائز) فقال: يُستثنى الابن فقط، الابن يقرأ ويهدي الثواب لأبيه؛ لأن الابن من كسب أبيه.
بل بعض العلماء يقول: إن الابن أصلاً لا يحتاج حتى لإهداء الثواب؛ لأن كل ما يعمله الابن من العمل الصالح يجازى الأب بمثله، وكل ما يعمله الابن من العمل يصل ثوابه إلى ميزان أعمال الأب؛ لأن الابن من سعي أبيه، فهو الذي تسبب في وجوده في هذه الدنيا.
فهذا كما يقول ابن كثير: ومن هذه الآيات الكريمة استنبط الشافعي رحمه الله تعالى ومن تبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله ﷺ أمته، ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم يُنقل ذلك عن أحد من الصحابة ﵃، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، وباب القربات يُقتصر فيه على النصوص -وإلا يُفتح باب الابتداع في الدين على مصراعيه- ولا يُتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة فذلك مُجمَع على وصولهما، ومنصوص من الشارع عليهما.
فالأدلة أتت بأن الدعاء ينفع الموتى، والصدقة تنفع الموتى، وبعض العبادات تنفع الموتى، كالحج ونحو ذلك.
وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده، أو علم يُنتفع به)، فهذه الثلاث-في الحقيقة- هي من سعيه وكده وعمله، كما جاء في الحديث: (إن أطيب ما أكل الرجل من كده، وإن ولده من كده)، والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس:١٢]، والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضاً من سعيه وعمله.
وثبت في الصحيح قول النبي ﷺ : (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء).
قال الرازي: المراد من الآية: بيان ثواب الأعمال الصالحة، أو بيان كل عمل.
ونقول: المشهور أنها لكل عمل؛ فالخير مثاب عليه، والشر معاقب به، أي أن قوله هنا: (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)، يعني: إلا سعيه وكسبه.
و (ما) هنا مصدرية.
فبعض العلماء يقول إنها تعم.
وبعضهم يقولون: إنما تعني الأعمال الصالحة.
يقول الرازي: والظاهر أنه لبيان الخيرات، يدل عليه (اللام) في قوله تعالى: ((لِلإِنسَانِ))، فإن (اللام) لعَود المنافع، و (على) لعَود المضار، تقول: هذا له، وهذا عليه، وتقول: هذا يشهد له، وهذا يشهد عليه، في المنافع والمضار.
وأيضاً مما يقوي هذا المذهب: قول الله ﵎: ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ [النجم:٤١] فهذا قطع بأن هذا الفعل سوف يُجزى عليه الإنسان الجزاء الأوفى، والأوفى لا يكون إلا في مقابلة الحسنة، أما في حالة السيئة فإنما يجزى بالمثل أو دونه أو العفو عن الإثم بالكلية، كما قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٨٩ - ٩٠]، وقد يعفو الله عن السيئة، بل قد يبدلها حسنات.
وقوله تعالى: (وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى) يعني: سوف يراه، ويُعرض عليه، ويُكشف له، مِن (أُريتُ الشيء).
أو سَوْفَ يُرَى للخلق وللملائكة، ففيه بشارة للمؤمن وإفراح له، ونذارة للكافر وإرهاب له.
أو هو مِن (رأى) المجرد، يعني: سوف يراه، كقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥].
(ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى)، أي: يُجزى سعيه جزاءً وافراً، لا يُبخس منه شيء.
стр. 2481
تفسير العلامة الشنقيطي لقوله تعالى: (أفرأيت الذي تولى)
يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآيات الكريمة: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى * أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى * أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ [النجم:٣٣ - ٤١].
(تولى) أي: رجعل وأدبر عن الحق.
(وَأَعْطَى قَلِيلَاً): قال بعضهم: أعطى قليلاً من المال.
وقال بعضهم: أعطى قليلاً من الكلام الطيب.
(وَأَكْدَى)، أي: قطع ذلك العطاء ولم يتمه، وأصله من أكدى صاحب الحفر، يقال: أكدى إذا ظل يحفر حتى اصطدم بصخرة لا يقدر على الحفر فيها، فينقطع عن الاستئناف وتكملة الحفر.
وأصله من الكُدَية، وهي: الحجارة تعترض حافر البئر ونحوه، فتمنعه الحفر.
وهذا الذي أعطى قليلاً وأكدى: اختلف فيه العلماء: فقيل: هو الوليد بن المغيرة؛ قارب أن يؤمن بالنبي ﷺ فعيَّره بعض المشركين، فقال: أتركت دين الأشياخ وضللتهم؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له الذي عاتبه إن هو أعطاه كذا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله، فرجع الوليد إلى الشرك، وأعطى الذي عيَّره بعض ذلك المال الذي ضمن، ومنعه باقي هذا المال، فأنزل الله هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾، يعني: بعدما كاد يقبل على الإسلام، ﴿وَأَعْطَى قَلِيلَاً وَأَكْدَى﴾، يعني: أعطى هذا الذي ضمن له أن يتحمل عنه عذاب الله يوم القيامة، (وَأَكْدَى) يعني: توقف عن استئناف العطاء وتكملة المال المتفق عليه.
وقيل: ((وَأَعْطَى قَلِيلَاً)) من الكلام الطيب، كمدحه للقرآن واعترافه بصدق النبي ﷺ ، ((وَأَكْدَى)) أي: انقطع عن ذلك ورجع عنه.
وقيل: هو العاص بن وائل السهمي، كان ربما وافق النبي ﷺ في بعض الأمور، وذلك هو معنى إعطائه القليل، ثم انقطع عن ذلك، وهو معنى إكدائه، وهذا قول السدي، ولم ينسجم مع قوله بعده: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ [النجم:٣٥] إلخ.
وعن محمد بن كعب القرظي قال: إنه أبو جهل، قال: والله! ما يأمرنا محمد ﷺ إلا بمكارم الأخلاق.
وذلك معنى إعطائه القليل، وقطعه لذلك معروف.
يعني: فيما حصل منه من أذية للنبي ﵌.
فلا ينبغي أن نفرح حينما نجد كافراً من الكفار ينطق ببعض الكلمات التي فيها بعض الإنصاف للإسلام أو للنبي ﷺ ، يعني: لا ينبغي أن نتجاوز بمثل هذا الإنسان قدره؛ لأنه حتى إذا أعطى قليلاً لكنه يُكدي، ولا يكمل الرحلة، فنجد بعض الناس يفرحون بقول بعض الكفار من الأمريكان في كتابه: العظماء مائة، أعظمهم محمد ﷺ ، وهل نحن نقول: لا إله إلا الله، محمد عظيم، ﵊؟! ونشهد أن محمداً عبقري، وأنه أعظم مائة عرفهم التاريخ؟! وهل عظمة النبي ﵇ وعبقريته محل خلاف؟! كل محور الخلاف هو: هل هو نبي يُوحى إليه أم لا؟! هذا هو جوهر القضية، فكل إنسان مهما نطق بمعسول من القول ولم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فهو من أعداء الله وأعداء رسول الله ﷺ ، وهو باقٍ في الكفر، صحيحٌ أنه أحياناً ينفع الاستدلال بهذا الكلام؛ لكن أقول: الناس تجازف وتغالي في المدح والثناء في حين أنه ينطبق عليه هذه الآية، فهو حينما يمدح الإسلام فهو يقرر أمراً واقعياً، فهذا دين الله وليس مذهباً أرضياً ولا مذهباً فكرياً، بل هذا نظام إلهي ووحي إلهي.
فحينما يفعل كافر شيئاً من هذا أو تسمعون تصريحاً لكافر تذكروا دائماً هذه الآية، خاصة على هذا التفسير.
أما الزمخشري فاقتصر على أن المقصود بالآيات -ولا حول ولا قوة إلا بالله! - عثمان بن عفان ﵁، فقال: روي أن عثمان بن عفان كان يعطي ماله في الخير، فقال له عبد الله بن سعد بن أبي سرح -وهو أخوه من الرضاعة- يوشك ألا يبقى لك شيء! فقال عثمان ﵁: إن لي ذنوباً وخطايا، وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى، وأرجو عفوه.
يعني: كأنه لم يستجب لهذا الكلام، كعادة الكريم؛ لأن الكريم لا يستفيد من التجارب، كما يقول البعض: الكريم لا تنفعه التجارب، ولا يستطيع أبداً أن يقاوم الرغبة في البذل والتضحية والإنفاق.
فقال عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها، فأعطاه وأشهد عليه، وأمسك عن العطاء، فنزلت الآية: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وَأَعْطَى قَلِيلَاً وَأَكْدَى﴾ [النجم:٣٣ - ٣٤]، يعني: لم يتم له العطاء.
يقول: فعاد عثمان إلى أحسن من ذلك وأجمل.
يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: ولا يخفى سقوط هذا القول وبطلانه، وأنه غير لائق بمنصب أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه.
أي: لا يليق هذا حتى وإن كان يمدح عثمان بالنفقة، لأن السياق يقول: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى * أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٥ - ٣٩]؟! فهذا شيء لا يُقبل في شأن أمير المؤمنين وثالث الخلفاء الراشدين المهديين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، فهذا قول ساقط، ولا يمكن أن يصح.
стр. 2482
تضمن الآيات لسبعة أمور يدل عليها القرآن
يقول العلامة الشنقيطي: تضمنت هذه الآيات الكريمة سبعة أمور: الأول: إنكار علم الغيب المدلول عليه بـ (الهمزة): (أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ)، والمقصود نفي علمه بالغيب.
الثاني: أن لكل من إبراهيم وموسى صحفاً لم ينبأ بما فيها هذا الكافر.
الثالث: أن إبراهيم وفَّى، أي: أتم القيام بالتكاليف التي كلفه ربه بها.
الرابع: أن في تلك الصحف: أنه لا ﴿تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
الخامس: أن فيها أيضاً: أنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى.
السادس: أنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى.
السابع: أنه يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى، أي: الأكمل والأتم.
وهذه الأمور السبعة قد جاءت كلها موضحة في غير هذا الموضع.
أما الأول منها -وهو: عدم علمهم بالغيب- فقد ذكره تعالى في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى هنا: ((أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ)).
وقال أيضاً: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [القلم:٤٧].
وقال: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدَاً﴾ [مريم:٧٨].
وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران:١٧٩].
وقال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدَاً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧].
وقال: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥].
الأمر الثاني: أن لكل من إبراهيم وموسى صحفاً لم يُنبأ بما فيها هذا الكافر، ولم يكن هذا المتولي المعطي قليلاً المكدي عالماً بها، قال الله ﵎ أيضاً: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:١٨ - ١٩].
وأما الثالث منها -وهو أن إبراهيم وفَّى في تكاليفه- فقد ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤] يعني: وفَّى.
وقد قدمنا أن الأصح في الكلمات التي ابتلي بها أنها التكاليف.
وأما الرابع: وهو أنه لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، فقد قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [العنكبوت:١٢].
وقال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) [فاطر:١٨].
أما الخامس منها -وهو أنه لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى فقد وضحه قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء:٧].
وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحَاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت:٤٦].
وقال: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحَاً فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم:٤٤].
وقوله هنا: (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) يدل على أن الإنسان لا يستحق أجراً إلا على سعيه بنفسه، ولم تتعرض هذه الآية لانتفاعه بسعي غيره بنفي ولا إثبات.
وهذا ما نفصله -إن شاء الله تعالى- فيما سيأتي، والله أعلم.
стр. 2483
تفسير سورة القمر [٦ - ٥٣]
стр. 2484
تفسير قوله تعالى: (فتول عنهم يوم عسر)
يقول ﵎: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ * خُشَّعَاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر:٦ - ٨].
((فَتَوَلَّ عَنْهُمْ)): هذا وقف التمام، يعني: هذا تمام الكلام المتصل بما مضى، فيقرأ المرء: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر:٥] * ((فَتَوَلَّ عَنْهُمْ))، ثم يبتدئ الكلام: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر:٦].
أو يكون الكلام متصلاً، ويكون المعنى كما سنبين إن شاء الله تعالى.
فقوله هنا: ((فَتَوَلَّ عَنْهُمْ)) أي: اصفح عن أذاهم، وانتظر ما يأتيهم من الوعيد الشديد.
ثم بين هذا اليوم الذي يلقون فيه الوعيد الشديد بقوله: ((يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ))، وكما ذكرنا إما أن نقف وقفاً تاماً: ((فَتَوَلَّ عَنْهُمْ))، ثم نبتدئ: ((يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ))، يعني: يخرجون من الأجداث ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ * خُشَّعَاً أَبْصَارُهُمْ)) [القمر:٦ - ٧] فتكون: (يومَ) منصوبة بقوله تعالى: ((يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ))، أو تكون منصوبة بفعل تقديره: واذكر يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ.
أما إذا قلنا: إنه لا وقف بعد قوله: ((فَتَوَلَّ عَنْهُمْ)) فيكون المعنى: أعرض عنهم يوم القيامة، ولا تسأل عنهم ولا عن أحوالهم، فإنهم يُدعَون إلى شيء نكر، وينالهم عذاب شديد، كما تقول لمن أخبرته بأمر عظيم وقع وجرى لشخص: لا تسأل عما جرى لفلان، لأنه أمر عظيم فظيع، فهذا نفس المعنى هنا: ((فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ)) يعني: أعرض عنهم يوم القيامة ولا تسأل عنهم ولا عن أحوالهم؛ فإن البلاء الذي يكونون فيه عظيم.
((يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ))، أي: داعي الله إلى موقف القيامة.
أو الداعي الذي يأمره الله أن يدعوهم إلى الحضور في موقف القيامة، وهذا الداعي هو ملَك.
وقيل الداعي هو إسرافيل يدعوهم بالنفخة الثانية.
أو الداعي هو الله كقوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة:١١٧]، فإذا دعاهم فإنهم يخرجون من الأجداث.
((إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ))، أي: شيء فظيع تنكره النفوس إعظاماً له، وهو موقف الحساب، وليس معنى تنكره النفوس أنهم يجحدونه ويكذبون به ساعتها، إنما تنكره النفوس من شدة إعظامهم لهذا الموقف، وهو موقف الحساب والجزاء والبلاء.
((خُشَّعَاً أَبْصَارُهُمْ)) [القمر:٧]، من الذل والصغار، وهذا حالهم حينما يُدعون إلى موقف القيامة أو حينما يخرجون من الأجداث.
يقال: خشع بصرُه إذا غَض طرْفَه.
ونلاحظ هنا أنه أضاف الخشوع إلى الأبصار؛ لأن أثر العز والذل يتبين في عين الإنسان، وهذا محمل دقيق، وهو أن عامة أحوال الإنسان تظهر في عينيه، فالعين تظهِر ما يخفيه الإنسان من الشعور بالعز أو بالانكسار أو بالذل أو بالفرح والسرور، فالعين آية من آيات الله تكشف عما في باطن الإنسان، وعن أحواله النفسيه الدفينة أو الكامنة في نفسه، فلهذا كان للنظر إلى العين أثر مهم جداً في انعكاسه على من يحادثه الإنسان وينظر إليه، ولذلك يقولون: إذا أردت أن تعرف صدق الشخص وهو يحدثك بحديث فانظر إلى عينيه، فإنه يظهر على عينيه الاضطراب إذا كان كاذباً فيما يقول.
هذا فيما يتعلق بإضافة الخشوع إلى الأبصار؛ لأن أثر العز والذل يتبين في عين الإنسان، كما قال ﵎: ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ [النازعات:٩]، وقال أيضاً: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى:٤٥].
((يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ)) يعني: من قبورهم، جمع جَدَث، ((يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ)) [القمر:٧] شبههم في الكثرة والتموج والانتشار بالجراد، والجراد مثلٌ في الكثرة، فإذا أردت أن تشبه شيئاً وأن تصفه بالكثرة الكاثرة فإنك تشبهه بالجراد، لأن أسراب الجراد إذا هاجمت الحقول والمزارع فإنها تكون كثيرة جداً.
والسر -والله أعلم- في تشبيههم بالجراد كما قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى أن الجراد لا جهة له يقصدها، فهو أبداً مختلط بعضه في بعض، فهم يخرجون فزعين ليس لأحد منهم جهة يقصدها.
وبين الإمام القرطبي رحمه الله تعالى هنا معنىً آخر: وهو أنه ربط بين قوله : ((يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ)) [القمر:٧] وبين قوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر:٨]، أما قوله : ((مُهْطِعِينَ)) فمعناه: مسرعين مادِّي أعناقهم إليه، بمعنى: أنهم شُبهوا أولاً بالجراد عند خروجهم من القبور، ليس لأحد منهم جهة يقصدها، ثم بعد ذلك تكون حال أخرى.
إذاً: هما صفتان في وقتين مختلفين: الوقت الأول: عند الخروج من الأجداث.
الوقت الثاني: حينما يدعوهم الداعي إلى موقف الحساب وهو موقف القيامة، فحينئذٍ يحددون جهة الداعي ويسرعون نحوه ((مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ)) [القمر:٨].
فقوله ﵎ هنا: ((خُشَّعَاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ))، كقول الله ﵎: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة:٤].
(يوم عسر) لشدة أهواله.
стр. 2485
تفسير قوله تعالى: (كذبت قبلهم قوم نوح)
قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ [القمر:٩]، ذكر الله ﵎ جملاً من وقائع الأمم الماضية تأليفاً للنبي ﷺ وتعزية له.
((كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ)) أي: قبل أهل مكة ((قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ))، هذا الفعل (وازدجر) معطوف على: ((وَقَالُوا))، والفعل ((وَقَالُوا)) معطوف على: ((فَكَذَّبُوا))، في قوله: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ [القمر:٩] أي: أن كلمة (وازدجر) ليست داخلة في مقول القول؛ بل هي جملة مستقلة جديدة ليست داخلة في الكلام الذي قالوه.
هم قالوا: ((مَجْنُونٌ)) حينما كذبوه، ((وَازْدُجِرَ)) نوح، بمعنى أنه زُجِرَ عن الإنذار والتبليغ بشدة وقساوة، كما تدل عليه صيغة (افتُعِل).
قال الناصر: وليس قوله: ((فَكَذَّبُوا)) الثاني تكراراً.
لأننا نلاحظ هنا تكرر مادة (التكذيب)، فقال: ((كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ))، ثم قال: ((فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا))، فيقول الناصر: وليس قوله ((فَكَذَّبُوا)) الثاني تكراراً؛ لأن الأول مطلق والثاني مقيد، فلا يكون تكراراً.
فهذا كقوله في نفس السورة: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر:٢٩]، فإن تعاطيه هو نفس عقره؛ ولكن ذكره من جهة عمومه، ثم من ناحية خصوصه إسهاباً، وهو بمثابة ذكره مرتين.
جواب آخر: هو أن المكذَّب أولاً محذوف دل عليه ذكر نوح، فكأنه قال: كذبت قوم نوح نوحاً، ثم جاء تكذيبهم بتكذيبهم ثانياً مضافاً إلى قوله: ((عَبْدَنَا))، فوصف نوحاً بخصوص العبودية لكونها صفة عالية شريفة، فالتكذيب المخبر عنه ثانياً أبشع عليهم من المذكور أولاً بتلك اللمحة، وكرر لأجل بيان عظم جريمتهم حينما لم يكذبوا شخصاً عادياً وإنما كذبوا عبد الله ورسوله نوحاً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
وقيل: لأنهم كذبوه تكذيباً عقب تكذيب؛ لأن نوحاً مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله ، فكلما مضى منهم قرن مكذب تبعه الجيل الذي يأتي بعده، ويأتي قرن آخر مكذب، فهذا هو السر في تكرار مادة (التكذيب)، ((كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا)) [القمر:٩].
وقيل: إنه لم يذكر المفعول به فيُقدر الضمير: كذبت قبلهم قوم نوح المرسلين، كما جاء في آيات آخرى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٢٣]، مع أن الذي أرسل إليهم هو نبي واحد، ولكن لأن القاعدة: الكفر بنبي واحد يستلزم الكفر بجميع الأنبياء وينقض الإيمان كله من أصله.
стр. 2486
تفسير قوله تعالى: (فدعا ربه أني مغلوب فانتصر)
قال ﵎: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٠ - ١٤].
((فَدَعَا رَبَّهُ))، يعني: فدعا عليهم نوح ربه، ((أَنِّي مَغْلُوبٌ))، أنهم غلبوني بتمردهم، ((فَانْتَصِرْ)).
يقول القاسمي: ((فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ))، أي: غلبني قومي تمرداً وعتواً فلم يسمعوا مني، واستحكم اليأس منهم؛ لأنهم جيل وراء جيل، وقرن وراء قرن، ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله، وما يأتي جيل إلا ويكون كافراً كالذي قبله، حينئذٍ دعا عليهم نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: (فاستحكم اليأس منهم، فانتقم منهم بعذاب ترسله عليهم).
فمعنى قوله تعالى: ((فَانْتَصِرْ))، يعني: فانتقم لي ممن كذبني.
((فَفَتَحْنَا))، هذه إشارة إلى أن الله استجاب دعاء نبيه نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بالطوفان الذي هلكوا فيه.
ونجد المفسرين لدقتهم في الفهم يقدرون هنا كلاماً تدل عليه المواضع الأخرى التي ذكرت قصة نوح، فيقولون: ((فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ))، فأجبنا دعاءه، وهذه دل عليها قوله في سورة الأنبياء: ((وَنُوحَاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ)) [الأنبياء:٧٦].
((فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ)) [القمر:١٠]، فأجبنا دعاءه وأمرناه باتخاذ السفينة؛ لأن الأمر باتخاذ السفينة كان قبل الطوفان.
((فَفَتَحْنَا))، وفي قراءة ابن عامر: ((فَفَتَّحْنَا)) بالتشديد ((بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ)) [القمر:١١]، أي: متدفق، والماء المنهمر هو الكثير السريع الانصباب، فشبه تدفق المطر من السحاب بانصباب أنهار انفتحت لها أبواب السماء، وشُق لها أديم الخضراء، يقول الشاعر: أعيني جودا بالدموع الهوامر على خير بادٍ من معد وحاضر (أعيني جودا بالدموع الهوامر) يعني: الغزار الكثيرة.
((وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونَاً)) [القمر:١٢]، أي: وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر، ((فَالْتَقَى الْمَاءُ))، أي: ماء السماء وماء الأرض، ماء من السماء كثير وسريع الانصباب، وماء ينبع ويتفجر من الأرض، ((عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ)) [القمر:١٢]، أي: على حالٍ قدَّره الله وقضاه في اللوح المحفوظ، وهذا الأمر هو هلاك قوم نوح وغرقهم.
وقيل: ((عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ)) [القمر:١٢]، يعني: كان قدر ماء السماء كقدر ماء الأرض بعلم الله ، أي: أن هذا الماء الذي نبع من الأرض وتفجر منها هو في كمه يساوي نفس كمِّ الماء الذي نزل من السماء.
لكن القول الأول أقرب.
وقال محمد بن كعب القرظي مشيراً إلى أن كل شيء إنما يجري بقضاء الله وقدره: كانت الأقوات قبل الأجساد، وكان القدر قبل البلاء.
ثم تلا هذه الآية: ((فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ)) [القمر:١٢].
فهذا نوع من الاستشهاد بالآية على معنىً آخر، وهو أن كل شيء سبق قضاء الله به؛ وقوله: (كانت الأقوات قبل الأجساد)، يعني: قبل أن يخلق الله النفس يكون قد كتب لها رزقها وقوتها الذي تقتاته.
(وكان القدر قبل البلاء)، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢]، كونها تقع على وفق علمه السابق وتقديره السابق فهذا أمر يسير جداً في حق الله ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠]، فهذا مما يدل على عظم وعموم قدرته ﵎.
((وَحَمَلْنَاهُ)) يعني: وحملناه على سفينة ((ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ))، وهذا من بديع الكلام، حيث أقيمت صفاتها مقامها، لتأديتها مؤداها؛ لأن هذا الوصف يؤدي المعنى.
((وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ))، يعني: على السفينة، وألواحُها: خشباتها العريضة التي منها جُمعت، أما (الدُّسُر) فجمع دِسار كـ (حِمار) و (حُمُر)، أما إذا قلنا: إن (دُسُر) جمع دَسْر فتكون كـ (سَقْف) و (سُقُف)، وهي أضلاع السفينة، أو حبالها التي تشد فيها، أو مساميرها، فـ (الدُّسُر) المسامير والحبال التي تُشَد بها الألواح.
هناك قول آخر في (الدُّسُر): إن الدُّسُر هو صدر السفينة؛ لأنه يدسر الماء، أي: يشق الماء ويدفعه إلى الأمام، عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ سئل عن زكاة العنبر، فقال: إنما هو شيء دَسَره البحر)، رواه الإمام أحمد، يعني: قَذَفه أو دَفَعه البحر.
((تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا))، أي: بمرأىً منا، أي: بحفظ الله وعنايته، ((تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ))، من هو الذي كان كُفر؟ إما أنه الله ، فيكون المعنى: جزاء لمن كُفر به، وهو الله .
أو جزاء لمن كان كُفر به، وهو نوح ﵇، وما جاء به نوح.
فهذا هنا من الكفر الذي هو ضد الإيمان.
قال بعض المفسرين: قوله ﵎: ((جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ)) (مَن) هنا تكون بمعنى (ما) أي: جزاء لما كان كُفر من نعم الله عند الذين أغرقهم؛ لأن (مَن) قد تأتي بمعنى (ما).
وقد قرأها قتادة: ((جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كَفَرَ))، أي: لمن كان كَفَرَ بالله.
стр. 2487
تفسير قوله تعالى: (ولقد تركناها آية عذابي ونذر)
قال الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر:١٥ - ١٦].
((وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا)) إما قصة نوح ﵇، أو السفينة على جبل الجودي حتى رآها صدر هذه الأمة كما ذُكر في كتب التفسير، وإن كان قد حصل بحث مشهور من قبل لجنة أوروبية أعتقد أنها إنكليزية في شريط فيديو مشهور اسمه (سفينة نوح) وقد رأيته عند أحد الإخوة هنا، هي عبارة عن بعثة من الباحثين الإنكليز، يصورون جبل الجودي، ومما يذكر عنهم أنهم ليس لديهم تحمس لدين معين، وإنما يبحثون في أي شيء، فكان مما أتوا به: النصوص الموجودة في التوراة التي تشير إلى موضع استقرار السفينة، وأتوا بنص القرآن الكريم: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود:٤٤]، وبحثوا وتحروا بأجهزة كشف، وصوروا الموقع وحدود السفينة عن طريق أجهزة معينة ترصد حدود السفينة في الأرض، وبالفعل حددوا موقع السفينة على جبل الجودي، وصوروا الجبل، والسفينة مرسومة عن طريق أجهزة معينة ترصد الشيء المدفون في الأرض، واستنتجوا أن القول الوحيد الصحيح هو ما أشار إليه القرآن الكريم من أنها استوت على الجودي.
فقوله ﵎: ((وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً))، إما: تركنا القصة عبرة وآية، وإما: تركنا السفينة نفسها حتى يراها الناس وتكون آية وعبرة يعتبر بها.
((فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)) أي: فهل من معتبر ومتعظ؟ وأصله: (مُذْتَكر).
((فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ)) أي: كيف كان عذابي لهؤلاء الكفرة من قوم نوح، وإنذاراتي لما أحللت بهم، ليحذر أمثالهم وينتهوا عما يقترفونه.
стр. 2488
تفسير قوله تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر)
يقول ﵎: ((وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)) [القمر:١٧].
((وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ)) أي: سهلناه للادِّكار والاتعاظ؛ لكثرة ما ضرب فيه من الأمثال الكافية الشافية.
وقال بعض المفسرين: سهلناه للحفظ والقراءة.
وهذه آية من آيات الله ، أن من مظاهر تيسير القرآن للذكر: أن قلوب الآدميين تطيق أن تحمل كلام الله في الصدور، حتى يستظهره الغلام ذو السبع السنوات، ويستطيع أن يحفظ كلام الله عن ظهر قلب، ولا شك أن هذه الآية فيها حض على الإقدام على حفظ القرآن الكريم وقراءته وتلاوته؛ لأن هذا الأسلوب فيه تحضيض وتحريض.
((فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ))، كأن الله يقول: إن حفظ القرآن يسير؛ لكن انْوِ أنت وأقبل على هذا يسهله الله عليك، هذا وعد من الله بالتسهيل على من صعدت همته إلى حفظ كلام الله، ((فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ))، يعني: فهل من طالب لحفظه فيعان عليه؟ وقال أبو بكر الوراق وابن شوذب: فهل من طالب خير وعلم فيعان عليه؟ وقال محمد بن كعب القرظي: فهل من منزجر عن المعاصي؟ يعني: بزواجر ومواعظ القرآن الكريم، ((فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ))، فيعتبر بما فيه ويثوب إلى رشده؟ وكما قلنا: هذا حث على قراءته وحفظه وتعلمه، ولذلك روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين لما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله .
стр. 2489
كلام الشنقيطي على قصة نوح
قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ * وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر:٩ - ١٦].
للعلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى بعض التنبيهات فيما يتعلق بقصة نوح ﵇، يقول: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾، أن نبيه نوحاً دعاه قائلاً: إن قومه غلبوه؛ سائلاً ربه أن ينتصر له منهم، وأن الله انتصر له منهم فأهلكهم بالغرق؛ لأنه تعالى فتح ((أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ)) وأنه تعالى فجر الأرض عيوناً، وإعرابها: تمييز محوَّل عن المفعول، والأصل: فجرنا عيون الأرض.
والتفجير: إخراج الماء منها بكثرة، و (ال) في قوله: (الماء) للجنس، ومعناه: التقى ماء السماء وماء الأرض، ((عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ)) أي: قدره الله وقضاه.
وقيل: إن معناه أن الماء النازل من السماء والمتفجر من الأرض جعلهما الله بمقدارٍ ليس أحدهما أكثر من الآخر.
والأول أظهر.
وما تضمنته هذه الآيات الكريمة من دعاء نوح ربه جل وعلا أن ينتصر له من قومه فينتقم منهم، وأن الله أجابه فانتصر له منهم فأهلكهم جميعاً بالغرق في هذا الماء الملتقي من السماء والأرض، وضحه قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَنُوحَاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء:٧٦ - ٧٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات:٧٥ - ٧٦]، إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ﴾ [الصافات:٨٢].
وبين جل وعلا أن دعاء نوح فيه سؤاله الله أن يهلكهم إهلاكاً مستأصلاً، فجاءت آيات تبين قوله هنا: ((فَانْتَصِرْ))، أي: انتقم لي، كقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارَاً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرَاً كَفَّارَاً﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧]، وهذا طبقاً للتجربة السابقة بالإضافة إلى إخبار الله في قوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود:٣٦]).
يقول: وما دعا نوح على قومه إلا بعد أن أوحى الله إليه أنه لا يؤمن منهم أحد غير القليل الذي آمن، وذلك في قوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود:٣٦]، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠].
قالوا: وقوله تعالى: ((وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونَاً)) قرأه ابن كثير، وابن عامر في رواية ابن ذكوان، وعاصم في رواية شعبة، وحمزة، والكسائي: ﴿عِيُونَاً﴾ [القمر:١٢] بكسر (العين) لمجانسة (الياء)، ولها نظير في سورة الأحزاب: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣]، وفي قراءة أخرى: ((بِيُوتِكُنَّ)).
وقرأه نافع، وأبو عمرو، وابن عامر في رواية هشام، وعاصم في رواية حفص: ((عُيُونَاً)) بضم (العين) على الأصل.
قوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾، لم يبين هنا ذات الألواح والدُّسُر؛ ولكنه بين في موضع آخر أن المراد: وحملناه على سفينة ذات ألواح، أي: من الخشب، و (دُسُر) أي: مسامير تربط بعض الخشب ببعض، وواحد (الدُّسُر) دِسار ككُتُب وكِتاب، وعلى هذا القول أكثر المفسرين.
وقال بعض العلماء وبعض أهل اللغة: (الدُّسُور): الخيوط التي تشد بها ألواح السفينة.
وقال بعض العلماء: (الدُّسُور): جؤجؤ السفينة، يعني: صدرها ومقدمها الذي تدسر به الماء، أي: تدفعه وتمخره به، قالوا: هو من الدَّسْر، أي الدفع.
فمن الآيات الدالة على أن ذات الألواح والدسر هي السفينة قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة:١١]، أي: السفينة، كما يدل عليه قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ﴾ [الشورى:٣٢]، (الجوار) السفن التي تجري، وقال تعالى: ((فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ)) [العنكبوت:١٥]، وقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس:٤١].
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ قال بعض العلماء: إن (الهاء) أو الضمير في قوله: ((تَرَكْنَاهَا)) عائد إلى هذه الفعلة العظيمة التي فعل الله بقوم نوح، والمعنى: ولقد تركنا فعلتنا بقوم نوح وإهلاكنا لهم آية لمن بعدهم؛ لينزجروا ويكفوا عن تكذيب الرسل؛ لئلا نفعل بهم مثلما فعلنا بقوم نوح.
وكون هذه الفعلة آية نص عليه تعالى في قوله: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ [الفرقان:٣٧]، وقال تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:١١٩ - ١٢١].
فهذا كله يؤيد القول بأن الآية هي ما فعله الله بهم من الإغراق.
وقال بعض العلماء: الضمير في: ((تَرَكْنَاهَا))، عائد إلى السفينة.
وكون سفينة نوح آية بينه الله تعالى في آيات من كتابه كقوله تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا﴾ [العنكبوت:١٥] أي: السفينة ﴿آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:١٥]، وقال تعالى أيضاً: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس:٤١ - ٤٢].
стр. 2490
تفسير قوله تعالى: (كذبت عاد فهل من مدكر)
قال الله ﵎: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحَاً صَرْصَرَاً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ * تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)) [القمر:١٨ - ٢٢].
((كَذَّبَتْ عَادٌ))، أي: نبيهم هوداً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بمثل ما كذبت به قوم نوح، ((فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ)).
((إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحَاً صَرْصَرَاً))، أي: شديدة الهبوب لها صرير ((فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ))، أي: شر وشؤم عليهم.
جاء في بعض الكتب: أن هذا الوقت كان يوم أربعاء في آخر الشهر، ولا يصح في هذا شيء؛ لأن التشاؤم معتقد جاهلي بغيض، وبعض الناس تدعي أن في يوم الأربعاء ساعة نحس والعياذ بالله، فيتشاءمون من هذا اليوم أو من ساعة معينة في هذا اليوم، وإن كان رُوي في بعض الأحاديث: (أن النبي ﵊ دعا على الكفار ثلاثة أيام، دعا يوم الإثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، فاستُجيب له يوم الأربعاء فيما بين الصلاتين) يعني: بين الظهر والعصر، وهو من حديث جابر بن عبد الله، ويزعمون أن هذا وقت نحس، وحتى لو صح هذا فيطلق على أنه نحس على الكفار.
وقد ذكر بعض المفسرين كـ القرطبي رحمه الله تعالى: أن من أوقات إجابة الدعاء خاصة دعاء المظلوم على الظالم يوم الأربعاء بين الظهر والعصر، فيدعو عليه، فإن لم يسبق رجعة -يعني: الظالم لم يتب- قبل حلول هذا الوقت؛ فلا بد أن يصيبه عذاب.
فعلى أي الأحوال هذا لم يرد في حديث مرفوع صحيح إلى النبي ﷺ فيما نعلمه، والله تعالى أعلم.
والشيطان يسول للناس أمثال هذه المعتقدات التي لا تثبت، وهذا مِن تلاعبه بهم، كما فعلوا ما هو أشنع من ذلك حينما زعم الجهلة الحمقى أن في يوم الجمعة ساعة نحس! كيف يكون هذا في اليوم المبارك العظيم الذي هو العيد الأسبوعي للمسلمين، وقد ثبت عن النبي ﵌ أن فيه ساعة إجابة وليست ساعة نحس، على خلافٍ في تحديد هذه الساعة؛ هل هي متنقلة؟ وإن كان أقرب الأوقات أنها آخر ساعة بعد العصر، والله تعالى أعلم.
على أي الأحوال حتى لو فرضنا ورود حديث، وصح أن الرسول ﵊ دعا عليهم يوم الأربعاء ما بين الصلاتين فأنزل الله العذاب بهم أو هزم هؤلاء الكفار، فإنه لا يُحمل على أن المسلمين يتشاءمون، لأن المسلم لا يتطير أبداً ولا يتشاءم، فإن هذا من العقائد الجاهلية البغيضة، لكن لو صح ذلك فنقول: إنه نحس على الفجار وعلى المفسدين، لا على الصالحين، وهذا اليوم الذي يصفه الله بقوله: ((فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ))، هل أصاب هذا الشر وهذا الشؤم هوداً ﵇ والمؤمنين معه؟ لا.
إنما كان نحساً على من أرسل عليهم العذاب، وهو لا شك حقيق أن يكون نحساً عليهم لكفرهم واستحقاقهم غضب الله وعقابه.
((مُسْتَمِرٍّ)) أي: دائم الشؤم، فاستمر عليهم ودام حتى أهلكهم، هذا إذا قلنا: ((مُسْتَمِرٍّ)) بمعنى: دائم الشر أو الشؤم.
هناك تفسير آخر لقوله: ((مُسْتَمِرٍّ)) أنه من المرارة، فهو يوم مرير شديد المرارة؛ لعظم البلاء والنكال الذي وقع بهم في هذا اليوم.
((تَنزِعُ النَّاسَ)) أي: هذه الريح الصرصر تقلعهم عن أماكنهم، ((كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ))، أي: فتتركهم كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ؛ لأن هذه الريح تنزع الناس فترفعهم ثم تقلبهم على رءوسهم، ثم تدكهم في الأرض فتنكسر أعناقهم، فيصبحون كأعجاز النخل التي لا رأس لها لما انكسرت رءوسها، فيُلقَون في الأرض بهذه الهيئة وهذه الصورة، ((كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ)) أي: أصول نخل منخلع عن مغارسه.
وأصل (منقعر) ما أُخرج من القعر، فنلاحظ هنا أن الله شبههم بالنخل؛ لأنهم كانوا طوالاً، وهذا معروف عن قوم عاد، حتى ذكر بعض المفسرين أن الواحد منهم كان طوله اثني عشر ذراعاً، أي حوالي ستة أمتار، والله أعلم.
فلعل هذه مناسبة تشبيههم بالنخل.
((فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ))، كرره للتهويل وللتنبيه على فرط عتوهم، أي: فكيف كان عذابي لقومه وإنذاري لهم على لسانه.
((وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)).
следующие страницы →