← Тафсир

Тафсир · id 37041

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (3 275 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

تفسير قوله تعالى: (فدعا ربه أني مغلوب فانتصر) قال ﵎: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٠ - ١٤]. ((فَدَعَا رَبَّهُ))، يعني: فدعا عليهم نوح ربه، ((أَنِّي مَغْلُوبٌ))، أنهم غلبوني بتمردهم، ((فَانْتَصِرْ)). يقول القاسمي: ((فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ))، أي: غلبني قومي تمرداً وعتواً فلم يسمعوا مني، واستحكم اليأس منهم؛ لأنهم جيل وراء جيل، وقرن وراء قرن، ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله، وما يأتي جيل إلا ويكون كافراً كالذي قبله، حينئذٍ دعا عليهم نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: (فاستحكم اليأس منهم، فانتقم منهم بعذاب ترسله عليهم). فمعنى قوله تعالى: ((فَانْتَصِرْ))، يعني: فانتقم لي ممن كذبني. ((فَفَتَحْنَا))، هذه إشارة إلى أن الله استجاب دعاء نبيه نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بالطوفان الذي هلكوا فيه. ونجد المفسرين لدقتهم في الفهم يقدرون هنا كلاماً تدل عليه المواضع الأخرى التي ذكرت قصة نوح، فيقولون: ((فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ))، فأجبنا دعاءه، وهذه دل عليها قوله في سورة الأنبياء: ((وَنُوحَاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ)) [الأنبياء:٧٦]. ((فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ)) [القمر:١٠]، فأجبنا دعاءه وأمرناه باتخاذ السفينة؛ لأن الأمر باتخاذ السفينة كان قبل الطوفان. ((فَفَتَحْنَا))، وفي قراءة ابن عامر: ((فَفَتَّحْنَا)) بالتشديد ((بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ)) [القمر:١١]، أي: متدفق، والماء المنهمر هو الكثير السريع الانصباب، فشبه تدفق المطر من السحاب بانصباب أنهار انفتحت لها أبواب السماء، وشُق لها أديم الخضراء، يقول الشاعر: أعيني جودا بالدموع الهوامر على خير بادٍ من معد وحاضر (أعيني جودا بالدموع الهوامر) يعني: الغزار الكثيرة. ((وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونَاً)) [القمر:١٢]، أي: وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر، ((فَالْتَقَى الْمَاءُ))، أي: ماء السماء وماء الأرض، ماء من السماء كثير وسريع الانصباب، وماء ينبع ويتفجر من الأرض، ((عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ)) [القمر:١٢]، أي: على حالٍ قدَّره الله وقضاه في اللوح المحفوظ، وهذا الأمر هو هلاك قوم نوح وغرقهم. وقيل: ((عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ)) [القمر:١٢]، يعني: كان قدر ماء السماء كقدر ماء الأرض بعلم الله ، أي: أن هذا الماء الذي نبع من الأرض وتفجر منها هو في كمه يساوي نفس كمِّ الماء الذي نزل من السماء. لكن القول الأول أقرب. وقال محمد بن كعب القرظي مشيراً إلى أن كل شيء إنما يجري بقضاء الله وقدره: كانت الأقوات قبل الأجساد، وكان القدر قبل البلاء. ثم تلا هذه الآية: ((فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ)) [القمر:١٢]. فهذا نوع من الاستشهاد بالآية على معنىً آخر، وهو أن كل شيء سبق قضاء الله به؛ وقوله: (كانت الأقوات قبل الأجساد)، يعني: قبل أن يخلق الله النفس يكون قد كتب لها رزقها وقوتها الذي تقتاته. (وكان القدر قبل البلاء)، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢]، كونها تقع على وفق علمه السابق وتقديره السابق فهذا أمر يسير جداً في حق الله ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠]، فهذا مما يدل على عظم وعموم قدرته ﵎. ((وَحَمَلْنَاهُ)) يعني: وحملناه على سفينة ((ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ))، وهذا من بديع الكلام، حيث أقيمت صفاتها مقامها، لتأديتها مؤداها؛ لأن هذا الوصف يؤدي المعنى. ((وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ))، يعني: على السفينة، وألواحُها: خشباتها العريضة التي منها جُمعت، أما (الدُّسُر) فجمع دِسار كـ (حِمار) و (حُمُر)، أما إذا قلنا: إن (دُسُر) جمع دَسْر فتكون كـ (سَقْف) و (سُقُف)، وهي أضلاع السفينة، أو حبالها التي تشد فيها، أو مساميرها، فـ (الدُّسُر) المسامير والحبال التي تُشَد بها الألواح. هناك قول آخر في (الدُّسُر): إن الدُّسُر هو صدر السفينة؛ لأنه يدسر الماء، أي: يشق الماء ويدفعه إلى الأمام، عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ سئل عن زكاة العنبر، فقال: إنما هو شيء دَسَره البحر)، رواه الإمام أحمد، يعني: قَذَفه أو دَفَعه البحر. ((تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا))، أي: بمرأىً منا، أي: بحفظ الله وعنايته، ((تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ))، من هو الذي كان كُفر؟ إما أنه الله ، فيكون المعنى: جزاء لمن كُفر به، وهو الله . أو جزاء لمن كان كُفر به، وهو نوح ﵇، وما جاء به نوح. فهذا هنا من الكفر الذي هو ضد الإيمان. قال بعض المفسرين: قوله ﵎: ((جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ)) (مَن) هنا تكون بمعنى (ما) أي: جزاء لما كان كُفر من نعم الله عند الذين أغرقهم؛ لأن (مَن) قد تأتي بمعنى (ما). وقد قرأها قتادة: ((جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كَفَرَ))، أي: لمن كان كَفَرَ بالله.

стр. 2487

تفسير قوله تعالى: (ولقد تركناها آية عذابي ونذر) قال الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر:١٥ - ١٦]. ((وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا)) إما قصة نوح ﵇، أو السفينة على جبل الجودي حتى رآها صدر هذه الأمة كما ذُكر في كتب التفسير، وإن كان قد حصل بحث مشهور من قبل لجنة أوروبية أعتقد أنها إنكليزية في شريط فيديو مشهور اسمه (سفينة نوح) وقد رأيته عند أحد الإخوة هنا، هي عبارة عن بعثة من الباحثين الإنكليز، يصورون جبل الجودي، ومما يذكر عنهم أنهم ليس لديهم تحمس لدين معين، وإنما يبحثون في أي شيء، فكان مما أتوا به: النصوص الموجودة في التوراة التي تشير إلى موضع استقرار السفينة، وأتوا بنص القرآن الكريم: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود:٤٤]، وبحثوا وتحروا بأجهزة كشف، وصوروا الموقع وحدود السفينة عن طريق أجهزة معينة ترصد حدود السفينة في الأرض، وبالفعل حددوا موقع السفينة على جبل الجودي، وصوروا الجبل، والسفينة مرسومة عن طريق أجهزة معينة ترصد الشيء المدفون في الأرض، واستنتجوا أن القول الوحيد الصحيح هو ما أشار إليه القرآن الكريم من أنها استوت على الجودي. فقوله ﵎: ((وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً))، إما: تركنا القصة عبرة وآية، وإما: تركنا السفينة نفسها حتى يراها الناس وتكون آية وعبرة يعتبر بها. ((فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)) أي: فهل من معتبر ومتعظ؟ وأصله: (مُذْتَكر). ((فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ)) أي: كيف كان عذابي لهؤلاء الكفرة من قوم نوح، وإنذاراتي لما أحللت بهم، ليحذر أمثالهم وينتهوا عما يقترفونه.

стр. 2488

تفسير قوله تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) يقول ﵎: ((وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)) [القمر:١٧]. ((وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ)) أي: سهلناه للادِّكار والاتعاظ؛ لكثرة ما ضرب فيه من الأمثال الكافية الشافية. وقال بعض المفسرين: سهلناه للحفظ والقراءة. وهذه آية من آيات الله ، أن من مظاهر تيسير القرآن للذكر: أن قلوب الآدميين تطيق أن تحمل كلام الله في الصدور، حتى يستظهره الغلام ذو السبع السنوات، ويستطيع أن يحفظ كلام الله عن ظهر قلب، ولا شك أن هذه الآية فيها حض على الإقدام على حفظ القرآن الكريم وقراءته وتلاوته؛ لأن هذا الأسلوب فيه تحضيض وتحريض. ((فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ))، كأن الله يقول: إن حفظ القرآن يسير؛ لكن انْوِ أنت وأقبل على هذا يسهله الله عليك، هذا وعد من الله بالتسهيل على من صعدت همته إلى حفظ كلام الله، ((فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ))، يعني: فهل من طالب لحفظه فيعان عليه؟ وقال أبو بكر الوراق وابن شوذب: فهل من طالب خير وعلم فيعان عليه؟ وقال محمد بن كعب القرظي: فهل من منزجر عن المعاصي؟ يعني: بزواجر ومواعظ القرآن الكريم، ((فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ))، فيعتبر بما فيه ويثوب إلى رشده؟ وكما قلنا: هذا حث على قراءته وحفظه وتعلمه، ولذلك روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين لما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله .

стр. 2489

كلام الشنقيطي على قصة نوح قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ * وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر:٩ - ١٦]. للعلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى بعض التنبيهات فيما يتعلق بقصة نوح ﵇، يقول: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾، أن نبيه نوحاً دعاه قائلاً: إن قومه غلبوه؛ سائلاً ربه أن ينتصر له منهم، وأن الله انتصر له منهم فأهلكهم بالغرق؛ لأنه تعالى فتح ((أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ)) وأنه تعالى فجر الأرض عيوناً، وإعرابها: تمييز محوَّل عن المفعول، والأصل: فجرنا عيون الأرض. والتفجير: إخراج الماء منها بكثرة، و (ال) في قوله: (الماء) للجنس، ومعناه: التقى ماء السماء وماء الأرض، ((عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ)) أي: قدره الله وقضاه. وقيل: إن معناه أن الماء النازل من السماء والمتفجر من الأرض جعلهما الله بمقدارٍ ليس أحدهما أكثر من الآخر. والأول أظهر. وما تضمنته هذه الآيات الكريمة من دعاء نوح ربه جل وعلا أن ينتصر له من قومه فينتقم منهم، وأن الله أجابه فانتصر له منهم فأهلكهم جميعاً بالغرق في هذا الماء الملتقي من السماء والأرض، وضحه قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَنُوحَاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء:٧٦ - ٧٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات:٧٥ - ٧٦]، إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ﴾ [الصافات:٨٢]. وبين جل وعلا أن دعاء نوح فيه سؤاله الله أن يهلكهم إهلاكاً مستأصلاً، فجاءت آيات تبين قوله هنا: ((فَانْتَصِرْ))، أي: انتقم لي، كقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارَاً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرَاً كَفَّارَاً﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧]، وهذا طبقاً للتجربة السابقة بالإضافة إلى إخبار الله في قوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود:٣٦]). يقول: وما دعا نوح على قومه إلا بعد أن أوحى الله إليه أنه لا يؤمن منهم أحد غير القليل الذي آمن، وذلك في قوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود:٣٦]، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠]. قالوا: وقوله تعالى: ((وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونَاً)) قرأه ابن كثير، وابن عامر في رواية ابن ذكوان، وعاصم في رواية شعبة، وحمزة، والكسائي: ﴿عِيُونَاً﴾ [القمر:١٢] بكسر (العين) لمجانسة (الياء)، ولها نظير في سورة الأحزاب: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣]، وفي قراءة أخرى: ((بِيُوتِكُنَّ)). وقرأه نافع، وأبو عمرو، وابن عامر في رواية هشام، وعاصم في رواية حفص: ((عُيُونَاً)) بضم (العين) على الأصل. قوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾، لم يبين هنا ذات الألواح والدُّسُر؛ ولكنه بين في موضع آخر أن المراد: وحملناه على سفينة ذات ألواح، أي: من الخشب، و (دُسُر) أي: مسامير تربط بعض الخشب ببعض، وواحد (الدُّسُر) دِسار ككُتُب وكِتاب، وعلى هذا القول أكثر المفسرين. وقال بعض العلماء وبعض أهل اللغة: (الدُّسُور): الخيوط التي تشد بها ألواح السفينة. وقال بعض العلماء: (الدُّسُور): جؤجؤ السفينة، يعني: صدرها ومقدمها الذي تدسر به الماء، أي: تدفعه وتمخره به، قالوا: هو من الدَّسْر، أي الدفع. فمن الآيات الدالة على أن ذات الألواح والدسر هي السفينة قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة:١١]، أي: السفينة، كما يدل عليه قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ﴾ [الشورى:٣٢]، (الجوار) السفن التي تجري، وقال تعالى: ((فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ)) [العنكبوت:١٥]، وقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس:٤١]. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ قال بعض العلماء: إن (الهاء) أو الضمير في قوله: ((تَرَكْنَاهَا)) عائد إلى هذه الفعلة العظيمة التي فعل الله بقوم نوح، والمعنى: ولقد تركنا فعلتنا بقوم نوح وإهلاكنا لهم آية لمن بعدهم؛ لينزجروا ويكفوا عن تكذيب الرسل؛ لئلا نفعل بهم مثلما فعلنا بقوم نوح. وكون هذه الفعلة آية نص عليه تعالى في قوله: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ [الفرقان:٣٧]، وقال تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:١١٩ - ١٢١]. فهذا كله يؤيد القول بأن الآية هي ما فعله الله بهم من الإغراق. وقال بعض العلماء: الضمير في: ((تَرَكْنَاهَا))، عائد إلى السفينة. وكون سفينة نوح آية بينه الله تعالى في آيات من كتابه كقوله تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا﴾ [العنكبوت:١٥] أي: السفينة ﴿آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:١٥]، وقال تعالى أيضاً: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس:٤١ - ٤٢].

стр. 2490

تفسير قوله تعالى: (كذبت عاد فهل من مدكر) قال الله ﵎: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحَاً صَرْصَرَاً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ * تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)) [القمر:١٨ - ٢٢]. ((كَذَّبَتْ عَادٌ))، أي: نبيهم هوداً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بمثل ما كذبت به قوم نوح، ((فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ)). ((إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحَاً صَرْصَرَاً))، أي: شديدة الهبوب لها صرير ((فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ))، أي: شر وشؤم عليهم. جاء في بعض الكتب: أن هذا الوقت كان يوم أربعاء في آخر الشهر، ولا يصح في هذا شيء؛ لأن التشاؤم معتقد جاهلي بغيض، وبعض الناس تدعي أن في يوم الأربعاء ساعة نحس والعياذ بالله، فيتشاءمون من هذا اليوم أو من ساعة معينة في هذا اليوم، وإن كان رُوي في بعض الأحاديث: (أن النبي ﵊ دعا على الكفار ثلاثة أيام، دعا يوم الإثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، فاستُجيب له يوم الأربعاء فيما بين الصلاتين) يعني: بين الظهر والعصر، وهو من حديث جابر بن عبد الله، ويزعمون أن هذا وقت نحس، وحتى لو صح هذا فيطلق على أنه نحس على الكفار. وقد ذكر بعض المفسرين كـ القرطبي رحمه الله تعالى: أن من أوقات إجابة الدعاء خاصة دعاء المظلوم على الظالم يوم الأربعاء بين الظهر والعصر، فيدعو عليه، فإن لم يسبق رجعة -يعني: الظالم لم يتب- قبل حلول هذا الوقت؛ فلا بد أن يصيبه عذاب. فعلى أي الأحوال هذا لم يرد في حديث مرفوع صحيح إلى النبي ﷺ فيما نعلمه، والله تعالى أعلم. والشيطان يسول للناس أمثال هذه المعتقدات التي لا تثبت، وهذا مِن تلاعبه بهم، كما فعلوا ما هو أشنع من ذلك حينما زعم الجهلة الحمقى أن في يوم الجمعة ساعة نحس! كيف يكون هذا في اليوم المبارك العظيم الذي هو العيد الأسبوعي للمسلمين، وقد ثبت عن النبي ﵌ أن فيه ساعة إجابة وليست ساعة نحس، على خلافٍ في تحديد هذه الساعة؛ هل هي متنقلة؟ وإن كان أقرب الأوقات أنها آخر ساعة بعد العصر، والله تعالى أعلم. على أي الأحوال حتى لو فرضنا ورود حديث، وصح أن الرسول ﵊ دعا عليهم يوم الأربعاء ما بين الصلاتين فأنزل الله العذاب بهم أو هزم هؤلاء الكفار، فإنه لا يُحمل على أن المسلمين يتشاءمون، لأن المسلم لا يتطير أبداً ولا يتشاءم، فإن هذا من العقائد الجاهلية البغيضة، لكن لو صح ذلك فنقول: إنه نحس على الفجار وعلى المفسدين، لا على الصالحين، وهذا اليوم الذي يصفه الله بقوله: ((فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ))، هل أصاب هذا الشر وهذا الشؤم هوداً ﵇ والمؤمنين معه؟ لا. إنما كان نحساً على من أرسل عليهم العذاب، وهو لا شك حقيق أن يكون نحساً عليهم لكفرهم واستحقاقهم غضب الله وعقابه. ((مُسْتَمِرٍّ)) أي: دائم الشؤم، فاستمر عليهم ودام حتى أهلكهم، هذا إذا قلنا: ((مُسْتَمِرٍّ)) بمعنى: دائم الشر أو الشؤم. هناك تفسير آخر لقوله: ((مُسْتَمِرٍّ)) أنه من المرارة، فهو يوم مرير شديد المرارة؛ لعظم البلاء والنكال الذي وقع بهم في هذا اليوم. ((تَنزِعُ النَّاسَ)) أي: هذه الريح الصرصر تقلعهم عن أماكنهم، ((كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ))، أي: فتتركهم كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ؛ لأن هذه الريح تنزع الناس فترفعهم ثم تقلبهم على رءوسهم، ثم تدكهم في الأرض فتنكسر أعناقهم، فيصبحون كأعجاز النخل التي لا رأس لها لما انكسرت رءوسها، فيُلقَون في الأرض بهذه الهيئة وهذه الصورة، ((كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ)) أي: أصول نخل منخلع عن مغارسه. وأصل (منقعر) ما أُخرج من القعر، فنلاحظ هنا أن الله شبههم بالنخل؛ لأنهم كانوا طوالاً، وهذا معروف عن قوم عاد، حتى ذكر بعض المفسرين أن الواحد منهم كان طوله اثني عشر ذراعاً، أي حوالي ستة أمتار، والله أعلم. فلعل هذه مناسبة تشبيههم بالنخل. ((فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ))، كرره للتهويل وللتنبيه على فرط عتوهم، أي: فكيف كان عذابي لقومه وإنذاري لهم على لسانه. ((وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)).

стр. 2491

تفسير قوله تعالى: (كذبت ثمود من الكذاب الأشر) قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ * فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ * سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنَ الْكَذَّابُ الأَشِرُ﴾ [القمر:٢٣ - ٢٦]. يحتمل أن يكون (النذر) هنا بمعنى الإنذار، أو جمع نذير، أي الرسل، وإنما جمع لأن من كذب نبياً واحداً فقد كذب كل الرسل، فلذلك قال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾. وهذا على القول بأن (النذر) جمع نذير، أما (النذر) بمعنى الإنذار، فيكون المعنى: كذبت ثمود بما أنذرهم به نبيهم صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. ((فَقَالُوا أَبَشَرَاً)) يعني: أنتبع بشراً ((مِنَّا وَاحِدَاً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذَاً))، إذا اتبعناه، ((لَفِي ضَلالٍ))، أي: خطأ وذهابٍ عن الصواب، ((وَسُعُرٍ)) أي: جنون أو عناء، فهو اسمٌ مفرد. وقيل: ((وَسُعُرٍ)): جمع سعير، كأنهم رتبوا على اتباعهم إياه ما رتبه على عدم اتباعهم له. قال الزمخشري: قالوا: ((أَبَشَرَاً)): إنكاراً لأن يتبعوا مثلهم في الجنسية، قالوها إنكاراً، يعني: هل يصلح أن نتبع بشراً مثلنا من جنس البشر؟! وطلبوا أن يكون من جنس أعلى من جنس البشر وهم الملائكة، وقالوا: ((مِنَّا)) لأنه إذا كان منهم كانت المماثلة أقوى، ((وَاحِدَاً)) قالوها إنكاراً لأن تتبع الأمة رجلاً واحداً، أو أرادوا واحداً من أبنائهم من أشرافهم وأفاضلهم، ويدل على هذا قولهم: ﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [القمر:٢٥]، يقصدون بذلك ازدراء نبي الله صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. ((أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ)) يعني: الوحي، ﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾، أي: وفينا من هو أحق بها؛ لكونه أعز مالاً ونفراً، فكأنهم يقصدون: كيف خُص من بيننا بالنبوة والوحي وفينا من هو أكثر منه مالاً وأعز نفراً؟ ((بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ))، أي: متكبر حمله كبره وفخره بنفسه على أن يطلب منا أن نتبعه ونكون أتباعاً له. وقيل: إن معنى (الأشر) المرِح المتكبر، أو البَطِر. وقيل: إن الأشر المتعدي إلى منزلة لا يستحقها. وقيل: الذي يقول كلاماً ولا يبالي ما قال. وأما قوله: ((إِنَّا إِذَاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ)) كما قلنا: قيل إن (السعر) هو الجنون، إذا قلنا: إنها كلمة مفردة، تقول العرب: ناقة مسعورة، كأنها مجنونة من النشاط. وهناك معنى آخر لـ (سعر) مفرداً، أي: شقاء وعناء لأجل ما يلزمنا من طاعته، رتب على طاعتنا إياه تكاليف وأوامر ونواهٍ وهكذا. ((سَيَعْلَمُونَ غَدَاً))، أي: عند نزول العذاب بهم، أو يوم القيامة. ((مَنَ الْكَذَّابُ الأَشِرُ)) أي: من المتكبر عن الحق البَطِر له. وقوله تعالى هنا: ((سَيَعْلَمُونَ غَدَاً)) هو على التقريب وليس على التحديد، فليس هو اليوم الثاني مباشرة، بل استعملت هنا على عادة العرب أو على عادة الناس في قولهم للعواقب: غداً، على سبيل التقريب، وتقول العرب في الكلام عن عواقب الأمور: إن مع اليوم غداً، يعني: هناك عاقبة لهذا اليوم، وقال الشاعر: من لم يكن ميتاً في اليوم مات غداً (مات غداً) يعني: في المستقبل، وليس المقصود أنه يموت بالفعل في الغد. ولذلك فسره المفسرون بقولهم: وذلك عند نزول العذاب بهم، أو يوم القيامة، فأطلق عليه (غداً) مع أنه بعيد نسبياً عن الأيام التي كانوا فيها.

стр. 2492

تفسير قوله تعالى: (إنا مرسلو الناقة كل شرب محتضر) يقول الله ﵎: ﴿إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾، يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ((إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ))، أي: مخرجوها من الهضبة ((فِتْنَةً لَهُمْ))، ابتلاءً واختباراً لهم، فقوله (فتنة): مفعول من أجله؛ لأنهم اقترحوا على صالح إخراج ناقةٍ من صخرة، وأنها إن خرجت لهم من هذه الصخرة آمنوا به واتبعوه، فأخرج الله الناقة من تلك الصخرة معجزةً لصالح ﵇. و ((فِتْنَةً لَهُمْ)) أي: ابتلاءً واختباراً، وذلك أن تلك الناقة معجزة عاينوها، وأن الله حذرهم على لسان نبيهم صالح من أن يمسوها بسوء، وأنهم إن تعرضوا لها بأذى أخذهم الله بعذابه. والمفسرون يقولون: إنهم قالوا له: إن أخرجت لنا من هذه الصخرة ناقة عشراء اتبعناك. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الله أرسل لهم هذه الناقة امتحاناً واختباراً، وأنهم إن تعرضوا لآية الله -الناقة- بسوء أهلكهم وضحه قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف:٧٣]. وقال تعالى في سورة هود عن صالح ﵇: ﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ * فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود:٦٤ - ٦٥]. وقال تعالى في الشعراء: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء:١٥٥ - ١٥٦]. وقد بين تعالى أنهم عقروا الناقة فجاءهم العذاب المستأصل في آيات من كتابه، كقوله تعالى في الأعراف: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف:٧٧]، إلى قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف:٧٨]. وقال تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [الشعراء:١٥٧ - ١٥٨]، وقال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس:١٤ - ١٥]. فمعنى: (مرسلو) هنا مخرجو الناقة، أخرجها لهم من الصخرة، حينما سألوا صالحاً أن يخرج لهم ناقة من تلك الصخرة. ((فِتْنَةً لَهُمْ)) يعني: مرسلوها لهم كما أرادوا، آية وحجة لصالح على قومه امتحاناً لهم وابتلاء. ((فَارْتَقِبْهُمْ))، أي: انتظرهم وتبصر ما هم صانعوه بها، ((وَاصْطَبِرْ)) على دعوتهم، أو ((وَاصْطَبِرْ)) على ما يصيبك من أذاهم. يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ أي: أخبر يا صالح ثمود أن الماء -وهو ماء البئر الذي كانت تشرب منها الناقة- قسمة بينهم، فيوم للناقة ويوم لثمود، فقوله: ((بَيْنَهُمْ)) أي: بين الناقة وثمود، وغلَّب العقلاء على الناقة، والضمير يعود إلى عاقل وهم هؤلاء البشر، ((كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ)) أي: يحضره صاحبه؛ فتحضر الناقة شرب يومها وتحضر ثمود شرب يومها. وما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في آية أخرى، وهي قوله تعالى في الشعراء: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء:١٥٥]، وشرب الناقة هو الذي حذرهم منه صالح لئلا يتعرضوا له في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس:١٣]، يعني: إياكم أن تتعرضوا لشرب هذه الناقة في موعدها. ((وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ))، الذي يردونه لشرب مواشيهم ((قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ)) أي: مقسوم بينهم لها شرب ولهم شرب يوم ((كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ))، أي: يحضره صاحبه في نوبته ويستحقه، و (الشِّرب) النصيب من الماء.

стр. 2493

تفسير قوله تعالى: (فنادوا صاحبهم فهل من مدكر) قال تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:٢٩ - ٣٢]. ثم أشار ﵎ إلى عتوهم عن أمر ربهم بقوله: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾. ((فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ)) وهو كما يقول المفسرون: قيدار بن سالف، ((فَتَعَاطَى))، يعني: تعاطى عقر الناقة. وقيل: (تعاطى) أي: تناول الناقة بيده، ((فَعَقَرَ)) أي: فعقرها فقتلها، ((فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ)). ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ صاحها جبريل ﵇ عليهم، ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ أي: كالشجر اليابس المتكسر، كما سنبين إن شاء الله تعالى. يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾: قال أبو حيان في البحر المحيط: (تعاطى) هو مطاوع (عاطى)، وكأن هذه الفعلة تدافعها الناس وعاطاها بعضهم بعضاً، فتعاطها قيدار وتناول العقر بيده، والعرب تقول: تعاطى كذا إذا فعله أو تناوله. ولذلك رأينا بعض المفسرين يفسر ((فَتَعَاطَى)) بأنه تعاطى العقر، فتكون بمعنى العقر. و (تعاطى) كما قال القاسمي معناه هنا: تناول الناقة بيده، فالفعل هنا: إما فعل الشيء أو تناوله، فتعاطى كذا إذا فعله أو تناوله، وعاطاه إذا تناوله، ومنه قول حسان ﵁: كلتاهما حلب العصير فعاطَني بزجاجة أرخاهما بالمفصل وقوله: ((فَعَقَرَ))، أي: تعاطى عقر الناقة فعقرها، فمفعولا الفعلين (تعاطى، عقر) محذوفان. وعبر عن عاقر الناقة هنا بأنه صاحبهم: ((فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ))، وعبر عنه في سورة الشمس بأنه أشقاهم في قوله: ﴿إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، وهذه الآية الكريمة تشير إلى إزالة إشكال معروف في الآية، وإيضاح ذلك: أن الله ﵎ في هذه الآية نسب العقر لواحد لا لجماعة: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾، مع أنه أسند عقر الناقة في آيات أخر إلى ثمود كلهم، كقوله في سورة الأعراف: ((فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ)) [الأعراف:٧٧]، وقال في سورة هود: ((فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ)) [هود:٦٥]، وقال في الشعراء: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾ [الشعراء:١٥٧]، وقال في سورة الشمس: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس:١٤]. يقول: ووجه إشارة الآية إلى إزالة هذا الإشكال هو: أن قوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾، يدل على أن ثمود اتفقوا كلهم على عقر الناقة، فنادوا واحداً منهم لينفذ ما اتفقوا عليه أصالة عن نفسه ونيابة عن غيره، ومعلوم أن المتمالئين على العقر كلهم عاقرون، وصحت نسبة العقر إلى المنفذ المباشر للعقر، وصحت نسبته أيضاً إلى الجميع لأنهم متمالئون، كما دل عليه ترتيب تعاطي العقر بـ (الفاء) في قوله ﵎: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾، على ندائهم. يعني: رُتب التعاطي على النداء، ((فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ)) بعدما تمالئوا واتفقوا على العقر، فلما نادوه لكي ينفذ هذه المهمة ((تَعَاطَى فَعَقَرَ)). وجمع بعض العلماء بين هذه الآيات بوجه آخر: وهو أن إطلاق المجموع مراداً به بعضه أسلوب عربي مشهور، وهو كثير في القرآن وفي كلام العرب، من ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ قَتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة:١٩١] على قراءة حمزة، بصيغة المجرد في الفعلين؛ لأن من قُتل ومات لم يبق فيه نفَس ولا حياة، فالمراد: إن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر الذي ما زال حياً. ونظيره قول عبد الله بن مطيع: فإن تقتلونا عند حرة واقم فإنا على الإسلام أول مَن قتل أي: فإن تقتلوا بعضنا. ومنه أيضاً قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات:١٤]، وهذا في بعض الأعراب دون بعض، والدليل قول الله ﵎: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة:٩٩] إلى قوله: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:٩٩]. ومِن أشهر الشواهد العربية على أنه قد يطلق المجموع ويراد به البعض قول الشاعر: فسيف بني عبس وقد ضربوا به نبا بيدَي ورقاء عن رأس خالد وقوله تعالى: ((فَعَقَرَ)) أي: قتلها. والعرب تطلق العقر على القتل والنحر والجرح، ومنه قول امرئ القيس: تقول وقد مال الغبيط بنا معاً عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزلِ ومن إطلاق العقر على نحر الإبل لقِرَى الضيف قول جرير: تعدون عقر النيب أفضل مجدكم بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا يقول الله ﵎: ((فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ)) يعني: حضوه على عقرها، ((فَتَعَاطَى)) على العقر ((فَعَقَرَ)). ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [القمر:٣٠ - ٣١] صاحها جبريل ﵇ عليهم، ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾، أي: كالشجر اليابس المتكسر الذي يتخذه من يعمل الحظيرة للغنم ونحوها، أو كالحشيش اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته في الشتاء. وقرئ بفتح الظاء: ((كَهَشِيمِ الْمُحْتَظَرِ)) على أنه اسم مكان، أي: كهشيم الحظيرة أو الشجر المتخذ لها. وهو تشبيه لإهلاكهم وإفنائهم، وأنهم بادوا عن آخرهم فلم تبق منهم باقية، وخمدوا وهمدوا كما يهمد الزرع والنبات بعد خضرة ورقه وحسن نباته، قال ابن زيد: كان العرب يجعلون حظاراً على الإبل والمواشي من يبيس الشوك. وعن سفيان: الهشيم: إذا ضربت الحظيرة بالعصا تهشم ذاك الورق فيسقط، والعرب تسمي كل شيء كان رطباً فيبس هشيماً. ((وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)).

стр. 2494

تفسير قوله تعالى: (كذبت قوم لوط فهل من مدكر) قال الله ﵎: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ * نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ * وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ * وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ * فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:٣٣ - ٤٠]، ((حَاصِبَاً)) بمعنى: ملَكاً يرميهم بالحصباء والحجارة، أو ريحاً تحصبهم بالحجارة، يعني: ترميهم. ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ أي: نجيناهم من ذلك العذاب في سحر، و (الباء) للملابسة أو المصاحبة، وذلك أنه ﵎ أوحى إليهم أن يخرجوا من آخر الليل؛ فنجوا مما أصاب قومهم. ولم يؤمن بلوط من قومه أحد حتى امرأته، وقد أصابها ما أصابهم، وخرج نبي الله لوط ﵇ وبنات له من بين أظهرهم سالمين لم يمسسهم سوء. ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي: إنعاماً منا، إذاً: هذه علة لـ (نجينا). ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ أي: فأطاع ربه وانتهى إلى أمره ونهيه. والشكر: صرف العبد جميع ما أنعم عليه إلى ما خلق لأجله، أي أن يستعمل نعم الله فيما أعطاه هذه النعم لأجله. ﴿وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ﴾ لوط ﵇ ((بَطْشَتَنَا))، أي: أخذتنا بالعذاب، ﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ أي: بإنذاراته تكذيباً له. ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ أي: طالبوه بإتيان الفاحشة معهم، وهم الملائكة الذين وردوا عليه في صورة شباب مرد حسان، محنة من الله بهم، فأضافهم لوط ﵇، وبعثت امرأته عجوز السوء إلى قومها تعلمهم بأضيافه ﵇، وهذه هي خيانتها له المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم:١٠] وإلا فزوجات الأنبياء لا يمكن أن يقعن في الفاحشة. فأقبلوا يهرعون إليه من كل مكان، فتلقاهم يناشدهم الله ألا يخزوه في ضيفه، فأتوا عليه وجاءوا ليدخلوا عليهم، فأعمى الله أبصارهم فلم يروهم، كما قال تعالى: ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾، وقيل: طمس أعينهم فلم يبق حتى الشق الذي تخرج منه العين في وجوههم. ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾، أي: أتاهم صباحاً عذابٌ مستقر نازل يدوم بهم إلى النار، أي: فهو عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ بدايته لحظة نزول هذا العذاب في الصباح، ولا نهاية له والعياذ بالله، ((فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ)). ((وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ))، قال الزمخشري: (فإن قلت: ما فائدة تكرير قوله: ((فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ)) وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾؟ وقبل أن نبين هذا: معلومٌ أننا تكلمنا من قبل على سبب التكرار، فهو إما للتأكيد وإما للتأسيس، فمتى احتمل الكلام التأسيس والتوكيد فإنه يترجح القول بالتأسيس؛ لأن فيه معنى جديداً، كذلك هنا، ولها نظائر في عدة مواضع من القرآن كقوله في سورة الرحمن: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣]، وقوله تعالى في المرسلات: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:١٥]، وغير ذلك. فيقول الزمخشري: فائدة هذا التكرار أن يجددوا عند استماع كل نبإٍ من أنباء الأولين ادكاراً واتعاظاً، وأن يستأنفوا تنبهاً واستيقاظاً إذا سمعوا الحث على ذلك والبعث عليه، وأن يقرع لهم العصا مرات، ويقعقع لهم الشن تارات؛ لئلا يغلبهم السهو ولا تستولي عليهم الغفلة، وهكذا حكم التكرير كقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣]، عند كل نعمة أعدها في سورة الرحمن، وقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:١٥]، عند كل آية أوردها في سورة المرسلات، وكذلك تكرير الأنباء والقصص في نفسها لتكون العبر حاضرة للقلوب، مصورة للأذهان، مذكورة غير منسية في كل أوان.

стр. 2495

تفسير قوله تعالى: (ولقد جاء آل فرعون النذر أخذ عزيز مقتدر) قال الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ * وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ [القمر:٤٠ - ٤١]. (ولقد جاء آل فرعون): وهم القبط، و (النذر): موسى وهارون، وكما قلنا في نظائرها: إما (النذر) جمع نذير، وإما (النذر) بمعنى الإنذار. فإذا قلنا: (النذر) جمع نذير: فيكون قد عبر عن موسى وهارون وهما مثنى بالجمع، ويكون جمْعُها للتعظيم. ((كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا)) يعني الآيات التسع، أو الأدلة والحجج التي أتتهم ناطقة بوحدانيته ﵎. ((فَأَخَذْنَاهُمْ)): بالعذاب ((أَخْذَ عَزِيزٍ)) غالب في انتقامه، وعاقبناهم عقوبة شديد لا يغالَب، ((مُقْتَدِرٍ)) عظيم القدرة لا يعجزه شيء. يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: تضمنت هاتان الآيتان ثلاثة أمور: الأمر الأول: أن آل فرعون جاءتهم النذر. الثاني: أنهم كذبوا بآيات الله. الثالث: أن الله أخذهم أخذ عزيز مقتدر.

стр. 2496

ذكر ما يوضح أن فرعون وقومه جاءتهم النذر أما الأول وهو أن آل فرعون وقومه جاءهم النذر: فقد وضحه قوله تعالى: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ [طه:٤٧]. أما الإنذار ففي قوله: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه:٤٨]. وفي هذه الآيات سؤال معروف، وهو أن الله ﵎ أرسل لفرعون نبيين هما موسى وهارون، كما قال تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٦]). وهنا جمع (النذر) في قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾، وللعلماء عن هذا أجوبة: أحدها: أن أقل الجمع اثنان، كما هو المقرر في أصول مالك بن أنس رحمه الله تعالى، وذكره صاحب مراقي السعود بقوله: أقل معنى الجمع في المشتهِرِ الاثنان في رأي الإمام الحميري ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]، فجمع (قلوب) مع أنهما قلبان. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء:١١]. والمراد بالإخوة اثنان فصاعداً كما عليه الصحابة فمن بعدهم، خلافاً لـ ابن عباس ﵄. وقال ﵎: ﴿وَمِنَ آنَاءِ الَّليْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه:١٣٠]، وله طرفان. ومنها: ما ذكره الزمخشري وغيره من أن المراد بـ (النذر): موسى وهارون وغيرهما من الأنبياء؛ لأنهما عرضا عليهم ما أنذر به المرسلون. ومنها: أن (النذر) مصدر بمعنى الإنذار. كما أشرنا. يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: ومن كذب رسولاً واحداً فقد كذب جميع المرسلين، ومن كذب نذيراً واحداً فقد كذب جميع النذر؛ لأن أصل دعوة جميع الرسل واحدة، وهي مضمون (لا إله إلا الله) كما أوضحه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولَاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]. وأوضح تعالى أن من كذب بعضهم فقد كذب جميعهم في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلَاً * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقَّاً﴾ [النساء:١٥٠ - ١٥١]، وأشار إلى ذلك في قوله: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، وقوله: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء:١٥٢]. وقد أوضح تعالى في سورة الشعراء أن تكذيب رسول واحد هو تكذيب لجميع الرسل في قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥]، ثم بين أن تكذيبهم للمرسلين إنما وقع بتكذيبهم نوحاً وحده، حيث قال ﵎ لما فصَّل ذلك: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ﴾ [الشعراء:١٠٦]، إلى قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء:١١٧]، كذبوا واحداً، ولم يقل: كذبونا. فالذي أرسل إليهم واحد؛ لكن عبر عنهم بالجمع؛ لأن دعوة الرسل واحدة، فمن كذب واحداً صح أن يطلق عليه أنه كذب الجميع؛ لأن دعوتهم واحدة، وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٢٣]، ثم بين أن ذلك بتكذيب هود وحده، حيث أفرده بقوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٢٤]. ونحو ذلك في قصة صالح وقومه، ولوط وقومه، وشعيب وأصحاب الأيكة، كما هو معلوم وهو واضح لا خفاء فيه، ويزيده إيضاحاً قول النبي ﷺ : (إنا معاشر الأنبياء أولاد علات؛ ديننا واحد) (أولاد علات) يعني: أولاد ضرائر الأب واحد لكن الزوجات شتى، فالعقيدة واحدة (لا إله إلا الله) لكن الشرائع تختلف، فهم كلهم متفقون في الأصول، وإن اختلفت شرائعهم في بعض الفروع. هذا فيما يتعلق بالأمر الأول وهو ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾.

стр. 2497

ذكر ما يوضح تكذيب فرعون للنذر ونزول العذاب به والأمر الثاني، وهو ما دل عليه قوله تعالى: ((كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا)) فقد وضحه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٣٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾ [طه:٥٦]، وقال تعالى: ﴿فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى * فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾ [النازعات:٢٠ - ٢١]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمَاً وَعُلُوَّاً﴾ [النمل:١٣ - ١٤]. أما الأمر الثالث وهو قوله تعالى: ((فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ)) فقد بينه قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الذاريات:٤٠]. وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه:٧٨]. وقال تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة:٥٠]. وقوله: ((أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ))، يوضحه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]. وقد روى الشيخان في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري ﵁: أن النبي ﷺ قال: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢])، و (العزيز): الغالب، و (المقتدر): شديد القدرة عظيمها.

стр. 2498

تفسير قوله تعالى: (أكفاركم خير من أولئكم والساعة أدهى وأمر) قال تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ * أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر:٤٣ - ٤٦]. ((أَكُفَّارُكُمْ)): هذا استفهام إنكاري معناه: إن كفاركم يا قريش ليسوا بأقوى من قوم نوح وعاد وثمود، وقد أهلكناهم. ((خَيْرٌ)): أشد وأقوى ((مِنْ أُوْلَئِكُمْ)) الكفار المعدودين الذين حلت بهم النقمة حتى يأمنوا جانبها! ((أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ)) يعني: في الكتب المتقدمة، أي: هل معكم براءة من أن يصيبكم ما أصابهم من عقاب الله ﵎؟ هل عندكم أمان من الله، مع أنكم على شاكلة من مضى نبؤهم؟ فأنتم أنتم تفعلون أفعالهم، فلا تنتظروا إلا جزاءهم، فإنكم على شاكلتهم، وهم كانوا أقوى منكم، ومع ذلك أهلكهم الله! ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ يعني: بل أيقولون: نحن يد واحدة على من خالفنا فننتصر منهم؟ فمعنى قوله: ﴿مُنْتَصِرٌ﴾ ممتنع حصين لا يرام. أو منتصر ممن أراد حربنا وتفريق كلمتنا. أو: متناصر، ينصر بعضنا بعضاً. فالافتعال بمعنى التفاعل، والاختصام بمعنى التخاصم وإفراد (منتصر) مراعاة للفظ (جميع)؛ لأن لفظة (جميع) هي على لفظ واحد، وإن كانت اسماً لجماعة؛ فهذا لأجل خفة الإفراد ولرعاية الفاصلة. ((سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ)) يعني: جمع كفار قريش ((وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ)) أي: يولون أدبارهم المؤمنين بالله عند نزالهم. وإفراد (الدبر) لإرادة الجنس، كما تقول: إن فلاناً لكثير الدينار والدرهم، ولرعاية الفواصل ومشاكلة قرائنه. وقد وقع ذلك يوم بدر، وهذا من دلائل النبوة؛ لأن هذه الآية مكية، ففيها إخبار عن الغيب، وهو من معجزات القرآن الكريم، ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾، وهذا ما حصل في غزوة بدر. ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ يقول ابن جرير: ما الأمر كما يزعم هؤلاء المشركون من أنهم لا يبعثون بعد مماتهم، ((بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ)) للبعث والعقاب ((وَالسَّاعَةُ أَدْهَى))، أي: أعظم داهية، والداهية هي الأمر المنكر الذي لا يُهتدى لدوائه، ((وَأَمَرُّ)) يعني: أمر مذاقاً من القتل والأسر. أو أشد عليهم من الهزيمة التي سيهزمونها إذا التقوا مع المؤمنين للقتال.

стр. 2499

تفسير قوله تعالى: (إن المجرمين في ضلال وسعر كلمح بالبصر) يقول الله ﵎: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٤٧ - ٥٠]. ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة ﵁: (أن مشركي مكة جاءوا إلى رسول الله ﷺ يخاصمون في القدر، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٧ - ٤٩]). ((إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ)) أي: عن الحق في الدنيا ((وَسُعُرٍ))، أي: نيران تستعر عليهم في الآخرة. وقيل: ((فِي ضَلالٍ))، أي: عن طريق الحق؛ لِعَمى قلوبهم بظلمة صفات نفوسهم، ((وَسُعُرٍ)) أي: جنون ووَلَهٍ؛ لاحتجاب عقولهم عن نور الحق بشوائب الوهم وحيرتها في الباطل. ((يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ))، أي: يجرون عليها، ((ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ))، أي: ذوقوا حرها وألمها, و (سقر): من أسماء جهنم أعاذنا الله منها، ولا ينصرف للعلمية والتأنيث. ثم يقول تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أي: بمقدار استوفي فيه مقتضى الحكمة، وترتب الأسباب على مسبباتها، ومنه خلق دار العذاب لما كسبت الأيدي، وإذاقة ألمها جزاء الزيغ عن الهدى، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرَاً﴾ [الفرقان:٢]، وقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى:١ - ٣] أي: قدر قدراً وهدى الخلائق إليه. ولا مانع أن تكون هذه الآيات وما بعدها إلفاتاً لعظمته تعالى وكبير قدرته، وأن من كانت له تلك النعوت المثلى لجدير أن يُعبد وحده، ويُرهب بأسه، ويُتقى بطشه، لا سيما وقد صدع الداعي بإنذاره، ومن أنذر فقد أعذر. و (كل) في قوله: ((إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ))، مقدر بفعل يعني: إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر. وفي صحيح مسلم: يقول النبي ﷺ : (كل شيء بقدر حتى العجز والكسل). وعن ابن عباس ﵄: (كل شيء بقدر حتى وضع يدك على خدك)، يعني: ما من شيء يقع في الوجود إلا بقدر سابق من الله ﵎. ((وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ))، يعني: مرة واحدة لا مثنوية لها، فلا يحتاج إلى تكرار الأمر: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئَاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. ((وَمَا أَمْرُنَا)) الذي به الإيجاد ((إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ))، أي: كلمة واحدة يكون بها كل شيء بمقتضى استعداده ((كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ)) في السرعة. وقيل: المراد بـ (أمرنا) هنا: قيام القيامة أو الساعة.

стр. 2500

تفسير قوله تعالى: (ولقد أهلكنا أشياعكم وكل صغير وكبير مستطر) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ * وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:٥١ - ٥٣]. ((وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ)) يعني: أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم السابقة، فأصل معنى (الأشياع) جمع شيعة، وهم من يتقوى بهم المرء من الأتباع. ولما كانوا في الغالب من جنس واحد أريد به ما ذُكر إما باستعماله في لازمه أو بطريق الاستعارة. ((فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)): هل من متعظ بذلك ينزجر به؟ ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ ضمير الفاعل في قوله (فعلوه) تعود إلى الأمم السابقة، أي: فعله هؤلاء الأشياع، ﴿فِي الزُّبُرِ﴾، أي: في الكتب. والكتب إما أن يقصد بها اللوح المحفوظ، أو التي أحصتها الحفظة عليهم. ((وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ)) من الأعمال المتقدمة ((مُسْتَطَرٌ))، مكتوب مسطور لا يمحى ولا يُنسى، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرَاً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدَاً﴾ [الكهف:٤٩]. وقال : ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابَاً يَلْقَاهُ مَنشُورَاً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبَاً﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤]. وروى الإمام أحمد عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يقول: (يا عائشة! إياك ومحقرات الذنوب؛ فإن لها من الله طالباً). فمعنى: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ أن كل ما يفعله الإنسان مدون عليه مسئول عنه، فلا ينبغي للإنسان أن يستهين بالصغائر أو يحتقرها؛ لأنها كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ : (مثل محقرات الأعمال كمثل قوم كانوا بفلاة، فحضر صنيع القوم فجعل الرجل يجيء بعود. وقيل: يجيء ببعرة، حتى أوقدوا ناراً عظيمة وأنضجوا بها هذا الطعام)، فالبعرة أو العود الصغير هو شيء صغير في نفسه؛ لكن عندما ينضم شيء صغير إلى شيء صغير يصير كبيراً مهلكاً، كما قال بعض العلماء: لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار والله أعلم.

стр. 2501

تفسير سورة الرحمن [١ - ١٣]

стр. 2502

تفسير قوله تعالى: (الرحمن علم القرآن) نشرع بإذن الله تعالى في تفسير سورة الرحمن وهي السورة الخامسة والخمسون في ترتيب المصحف الشريف. يقول المهايمي: سميت به؛ لأنها مملوءة بذكر الآلاء الجليلة، وهي راجعة إلى هذا الاسم. إذاً: هذه السورة حافلة بذكر نعم الله ومننه على عباده، وكل هذه النعم إنما هي من آثار اسمه الكريم الرحمن. وهي سورة مكية على قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وآيها ثمان وسبعون آية. وقد روى الإمام أحمد: أن أول مفصل ابن مسعود كان الرحمن. والمعروف أن الراجح في هذا أن أول المفصل سورة ق كما بينا ذلك في موضعه. وقال مقاتل: لما نزل قول الله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان:٦٠]، قال كفار مكة: وما الرحمن؟ فقال الله : ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن:١ - ٢]. يعني: أن الرحمن الذي أنكروه هو الذي علم القرآن، وتكرر منهم ذلك أيضاً في موقف آخر كما في كتابة صلح الحديبية، حينما أنكروا أن يكتب في وثيقة الصلح: بسم الله الرحمن الرحيم، وأصروا على أن يكتبوا باسمك اللهم؛ إنكاراً لاسم الرحمن ﷻ ، وهذا منهم مكابرة، وإلا فاستعمال هذا الاسم الجليل شائع في أشعارهم قبل الإسلام، وكانوا يعرفون الله بأنه الرحمن أيضاً، لكن هذا من الجحود ومن الكفران والاستكبار. يقول الله ﵎: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن:١ - ٢] أي: بصر به الناس وأخبرهم بما فيه رضاه وما فيه سخطه. ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ لفظة (القرآن) تعرب على أنها مفعول به ثان؛ لأن (علّم) تتعدى إلى مفعولين، والمفعول الأول هو الرسول، فيكون التقدير: علم الرسول محمداً ﷺ القرآن، وعلم أمته هذا القرآن الكريم. وقيل: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ بمعنى: يسر القرآن. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: أي: بصر به، وعلمهم وأخبرهم بما فيه رضاه وما فيه سخطه برحمته، فهذا التعليم وهذه الهداية هي من رحمة الله ؛ ليطاع باتباع ما يرضيه، وعمل ما أمر به، وباجتناب ما نهى عنه وأوعد عليه، فينال جزيل ثوابه وينجى من أليم عقابه. قال القاضي: لما كانت هذه السورة مقصورة على تعداد النعم الدنيوية والأخروية، صدرها بهذا الاسم الفريد (الرَّحْمَنُ). وقدم ما هو أصل النعم الدينية وأجلها على الإطلاق على البشرية وهي نعمة إنزال القرآن إلى النبي ﵌، فالقرآن هو أصل كل النعم الدينية، وهو أجل هذه النعم الدينية، يقول : ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:١٠]، فإنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه هذا كله؛ لأن القرآن أساس الدين ومنشأ الشرع وأعظم الوحي وأعز الكتب، إذ هو بإعجازه واشتماله على خلاصتها مصدق لنفسه ومصدق لما سبقه من الكتب كما أنه مهيمن عليها. يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ أي: علم نبيه ﷺ القرآن فتلقته أمته عنه، وهذه الآية الكريمة تتضمن رد الله على الكفار في قولهم: إنه تعلم هذا القرآن من بشر، كما قال تبارك تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل:١٠٣]، وكذلك في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر:٢٤] وهذا الوليد بن المغيرة حينما زعم أن القرآن سحر يؤثر. قوله: (يؤثر) يعني: ينقل ويرويه النبي ﵌ عن غيره. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان:٤ - ٥]. فقوله ﵎ هنا: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ * ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ فيه رد على كل هذه الفرق، يعني: ليس الأمر كما زعمتم من أن هذا القرآن سحر يؤثر، أو إنما علمه بشر، أو أساطير الأولين وغيره ذلك، بل الرحمن جل وعلا هو الذي علمه هذا القرآن. والآيات الدالة على هذا كثيرة جداً، كقوله تعالى في جملة من الآيات تشهد بأن الله هو الذي أنزل هذا القرآن: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الفرقان:٦]، وقوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١]، وقال تعالى: ﴿حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فصلت:١ - ٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه:١١٣]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢]، وقال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف:٣]، وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٣]، ﵌. فلاشك أن أعظم ما علمه الله هو هذا القرآن العظيم، وقال أيضاً: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥]. وبين الله أن أعظم نعمة أنعمها على الرسول ﷺ في المقام الأول ثم على أمته هي تعليم هذا القرآن، فقد قال ﵎ في سياق الامتنان: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢] وأرشدنا الله وعلمنا أن نحمده على نعمة إنزال القرآن، فقال ﵎: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف:١]، وقال ﵎ مبيناً أن إنزال القرآن رحمة لهذا الخلق، فقال: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص:٨٦]، وقال أيضاً: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الدخان:٥ - ٦]. فقوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾، فيه حذف أحد المفعولين، والتحقيق -كما يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى- أن المحذوف هو المفعول الأول لا الثاني كما ظنه الفخر الرازي، وقد رده عليه أبو حيان. والصواب: هو ما ذكره من أن المحذوف هو المفعول الأول وتقديره: علم النبي القرآن، أو علم جبريل القرآن، أو علم الإنسان القرآن.

стр. 2503

تفسير قوله تعالى: (خلق الإنسان علمه البيان) قال ﵎: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:٣ - ٤] إيماء بأن الله خلق البشر وميزهم عن سائر الحيوانات بالبيان والنطق، والبيان هو التعبير عما في الضمير وإفهام الآخر، أي: أن يستطيع أن يعبر عما يكنه من المعاني في ضميره، ويستطيع أن يفهم غيره بهذه اللغة وبهذا البيان بما عنده، وهذا يدرك بسبب تلقي الوحي، والتعرف على الحق وتعلم الشرع. فإذا كان خلق الله لهم إنما هو في الحقيقة لذلك، اقتضى ذلك اتصاله بالقرآن وتنزيله الذي هو منبعه وأساس بنيانه، ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾. ونلاحظ هنا أن الله قال في القرآن: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ وقال مباشرة بعدها في الإنسان: ((خَلَقَ الإِنسَانَ)) فنجد كثيراً من التعابير في الخلق بالنسبة للإنسان وسائر المخلوقات، أما القرآن فما جاء أبداً التعبير بأنه مخلوق؛ لأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، فلذلك هذا وصف اتصل بالقرآن ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ ولم يقل: خلق القرآن، أما الإنسان فقال فيه: ((خَلَقَ الإِنسَانَ)) إذاً: في هذا إيماء بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، بخلاف هذه المحدثات. قوله تعالى: ((خَلَقَ الإِنسَانَ))، اختلف فيه فقيل: الإنسان اسم جنس، يعني: خلق الناس جميعاً، وعلى هذا الأساس فقوله: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ ما المقصود بالبيان فيه: أي علمه النطق والتمييز، وقيل: الحلال والحرام، وقيل: ما يقول وما يقال له، وقيل: الخير والشر، وقيل: طرق الهدى، وقيل: الكتابة والخط. إلا أن الكثير من المفسرين رجحوا قول الحسن من أن البيان هو النطق والتمييز. يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: وقول الحسن هاهنا أحسن وأقوى؛ لأن السياق في تعليمه تعالى القرآن، وهو أداء تلاوته، وإنما يكون ذلك بتيسير النطق على الخلق، وتسهيل خروج الحروف من مواضعها من الحلق واللسان والشفتين، على اختلاف مخارجها وأنواعها. إذاً: قوله: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ الأرجح أن المقصود بالإنسان جنس الإنسان، والمقصود بالبيان: النطق والتمييز. وقيل: الإنسان آدم، والبيان أسماء كل شيء أو بيان كل شيء أو اللغة. وقيل: ((خَلَقَ الإِنسَانَ)) أي: خلق محمداً ﷺ . وقوله: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ أي: علمه بيان ما كان وما يكون. والظاهر والله تعالى أعلم أن الأقرب هو القول الأول أن الإنسان اسم جنس يعم سائر الناس. هذه الآيات أتت خالية من حرف العطف ﴿الرَّحْمَنُ﴾ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾. يقول الزمخشري: وإخلاؤها من العاطف لمجيئها على نمط التعديد، كما تقول: زيد أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، كثرك بعد قلة، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد، فما تنكر من إحسانه؟ يعني: أن سبب خلو الآيات من العاطف هو أن الآيات واردة في سياق تعديد النعم، فالله خلقك أيها الإنسان وعلمك البيان. قال الشهاب المرجح الإشارة إلى أن كلاً منها نعمة مستقلة تقتضي الشكر. قول آخر في تعليل خلو هذه الآيات من حرف العطف: أنه لو حصل عطف قد يقتضي هذا العطف تتابع الصفات أو الأفعال المتشابهة، وإنما خلت من حرف العطف إشارة إلى أن كل نعمة مستقلة بذاتها، فتقتضي الشكر عليها بذاتها، فهذا فيه إيماء إلى تقصير الخلق في شكر هذه النعمة، ولو عطفت مع شدة اتصالها وتناسبها ربما توهم أنها كلها نعمة واحدة، لكن لما خلت من حرف العطف فهذا يؤكد أن كل نعمة مستقلة وحدها. قوله: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾. فتعليم القرآن نعمة مستقلة تستوجب الشكر، كذلك خلق الإنسان، كذلك تعليمه البيان، وفي ذلك إشارة إلى تقصير الخلق أو قصورهم عن أداء شكر هذه النعم كلها.

стр. 2504

النطق أشرف ما خص الله به الإنسان وقال الأصفهاني في الذريعة: لما كان النطق أشرف ما خص به الإنسان يعني: مما يتميز به أنه حيوان ناطق، لا يوجد غير الإنسان من الحيوانات ناطق، وما عدا ذلك قد ينطق على سبيل التقليد دون أن يعي ما يقول، حتى الببغاء يجيد ترداد الكلام، لكنه لا يعي الكلام ولا يفهمه، إنما عنده القدرة على محاكاة أصوات يسمعها دون أن يعيها أو يفهمها، فالإنسان حيوان ناطق ميزه الله بهذه النعمة، بل شرفه بهذه النعمة وهي نعمة البيان. يقول: لما كان النطق أشرف ما خص به الإنسان، فإنه صورته المعقولة التي باين بها سائر الحيوان، قال الله في بيان تشريف الإنسان بهذا الشرف: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ ولم يقل: خلق الإنسان وعلمه البيان، إذ جعل قوله: ((علمه)) تفسيراً لقوله: ((خَلَقَ الإِنسَانَ))؛ تنبيهاً أن خلقه إياه هو تخصيصه بالبيان؛ لأن الله خلق الإنسان وخلق الحيوانات، لكن لما خلا من حرف العطف فهمنا أن قوله: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ هي تفسير لقوله: ((خَلَقَ الإِنسَانَ))، يعني: خلقه مبيناً ناطقاً مميزاً. فهذا تنبيه على أن خلقه إياه هو تخصيصه بالبيان الذي لو توهم مرتفعاً لكانت الإنسانية أقل درجة مما شرفها الله به. ولذلك قيل: لولا اللسان ما الإنسان إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة. يعني: منظر وشكل فقط كشبح، لكن البيان هو الذي رفعه وشرفه، ولذلك يتفاوت الناس ببيانهم، فإذا سكت الناس فإنهم يتساوون، لكن إذا أفصحوا وبينوا ظهر حينئذ تفاوتهم في علمهم وفي ذكائهم وفي فصاحتهم، وغير ذلك من الصفات التي يتفاوت الناس فيها. وقيل: المرء مخبوء تحت لسانه، فإذا نطق كشف نفسه. وقال الشاعر: لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم إشارة إلى أن الإنسان قلب ولسان، واللسان يعرب عما في هذا القلب، وما عدا ذلك صورة اللحم والدم. فإذا توهم في ارتفاع النطق الذي هو باللسان، والقوة الناطقة التي هي بالفؤاد حرم من أمرين: النطق فلا يستطيع أن يبين ولا أن يتكلم، وفي نفس الوقت القلب أو الفؤاد الذي يفقه به ويفهم ويميز، فإذا تخيلنا أن هذا الإنسان بدون نطق وبدون بيان وبدون عقل أو قلب، لم يبق إلا صورة اللحم والدم، فيتساوى مع سائر العجماوات. فإذا كان الإنسان هو اللسان، فلا شك أن من كان أكثر منه حظاً فهو أكثر منه إنسانية، والصمت من حيث هو مذموم؛ لأنه من صفات الجمادات فضلاً عن الحيوانات، وقد جعل الله تعالى بعض الحيوانات بلا صوت، وجعل لبعضها صوتاً بلا ترتيب. إذاً: لا يستطيع أي مخلوق آخر أن يبين ويتكلم كما فعل الله ذلك في الإنسان. ومن مدح الصمت فإنما مدح الصمت بالنسبة له؛ لأنه إذا تكلم نطق بشر أو بسوء فالصمت أفضل، مثل قول أحدهم: الصمت أزين للفتى من منطق في غير حينه وكما يقولون: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، هل هذه الكلمة صحيحة؟ لا؛ لأن الإنسان ربما ينطق بكلام هو أثمن من الذهب، وربما ينطق بكلام سيئ فيكون الصمت أفضل منه، فهي مسألة نسبية، فإذا مدح الصمت فذلك مقارنة بالكلام القبيح؛ لأنه إذا صمت فهو على سبيل السلامة لا غنم ولا غرم، لكن إذا نطق بالسوء فهو الغرم، فإذا كان الإنسان مخيراً بين صمت ونطق بالشر فالأولى أن يصمت، أما إذا كان مخيراً بين الصمت والنطق بالخير فالأولى أن ينطق، وقد يجب ويتعين عليه ذلك. سئل حكيم عن فضلهما، فقال: الصمت أفضل حتى يحتاج إلى النطق. وسئل آخر: أيهما أفضل؟ فقال: الصمت عن الخنى أفضل من الكلام في الخطأ. وعنه أخذ الشاعر: الصمت أليق بالفتى من منطق في غير حينه حكى الشهاب أنه يجوز أن يكون (الرحمن) خبراً لمبتدأ محذوف، يعني: كأن المبتدأ يكون الله، والرحمن خبر، وما بعده مستأنف بتعديد نعمه. قوله: ((علم)) من التعليم، ومفعوله مقدر أي: علم الإنسان أو جبريل أو محمداً ﷺ .

стр. 2505

الخلاف في معنى قوله: (خلق الإنسان * علمه البيان) هناك خلاف في معنى قوله: ((خلق الإنسان)) و ((علمه البيان)). يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:٣ - ٤]: اعلم أولاً أن خلق الإنسان وتعليمه البيان من أعظم آيات الله الباهرة، كما أشار إليه تعالى بقوله في أول سورة النحل: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل:٤]. هذا أيضاً ينص بأن خلق الإنسان وتكريمه بإعطائه الإبانة والتوضيح والإفصاح عما في قلبه، بحيث يقوى على الخطاب والمجادلة والمحاججة والنقاش. ثم قال أيضاً: وقوله: في آخر يس: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٧٧]. فالإنسان بالأمس نطفة، واليوم هو في غاية البيان وشدة الخطاب، يجادل في ربه وينكر قدرته على البعث، فالمنافاة العظيمة التي بين النطفة وبين الإبانة في الخصام، مع أن الله خلقه من نطفة وجعله خصيماً مبيناً، آية من آياته جل وعلا دالة على أنه المعبود وحده، وأن البعث من القبور حق. انظر إلى هذه النطفة المهينة كيف خلق منها هذا الإنسان وهذا الكيان، حتى إنه قدر على الإبانة وعلى الفصاحة وعلى البلاغة، بل إنه يخاصم حتى في ربه، فانظر بعد ما بين المرتبتين، كما جاء في الحديث القدسي: (أن النبي ﷺ بزق في كفه، ثم أشار بأصبعه فقال: يقول الله تعالى: يا ابن آدم! أنا تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك ومشيت بين برديك، وصار للأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت الحلقوم -يعني: حتى إذا أتى أوان قبض روحك- قلت: أتصدق، وأنى أوان الصدقة)، أو كما قال النبي ﵌. وقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ﴾ لم يبين هنا أطوار خلقه للإنسان، ولكنه بينها في آيات أخر، كقوله في سورة الفلاح: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٤]. وبلا شك فإن في سورة الرحمن آيات لها ارتباط وثيق جداً بالحقائق العلمية الحديثة، ولولا الخوف من الإطالة والتأخر في التفسير لأفضنا في هذا كثيراً. هذه الآية وحدها: ((خَلَقَ الإِنسَانَ)) شرحتها آيات أخرى في القرآن الكريم، ثم أتت العلوم الحديثة وكشفت مؤخراً عن مراحل تكوين الجنين، وبان بذلك أن الوصف الذي في القرآن هو وصف في غاية الدقة لكل المراتب التي يمر بها نمو الجنين في بطن أمه، وكثير من الحقائق العلمية كما أشرنا من قبل. ويكفي أن أشهر مرجع على الإطلاق في علم الأجنة -لدكتور كندي- تضمن صوراً لأجزاء من المصحف من سورة المؤمنون ومن سورة الحج حتى يوثق كلامه، وقال: إن هذا يدل على أن هذا القرآن هو كلام الله ، وأن الرسول ﷺ لا يمكن أبداً أن يكتشف هذه الأشياء من عند نفسه، بل هو تنزيل من لدن حكيم خبير. والأمر يطول لكن بعد أن نفرغ من درس التفسير يمكن أن نفرد للآيات التي لها ارتباط بموضع الإعجاز العلمي دروساً مستقلة إن شاء الله تعالى إن تيسر ذلك. وقد بين القرآن الكريم المراحل التي مر بها خلق الإنسان حتى قبل أن يكون نطفة، وهي أنه كان من تراب ومن ماء ومن طين ومن صلصال كما هو معروف. ثم قال: وقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، التحقيق فيه: أن المراد بالبيان: الإفصاح عما في الضمير. وهذا وضحه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل:٤] فقوله تعالى: ((مُبِينٌ)) على أنه اسم فاعل أبان المتعدية، والمفعول محذوف للتعميم، أي: مبين كل ما يريد بيانه وإظهاره بلسانه مما في ضميره؛ وذلك لأن ربه علمه البيان. ثم قال: وقد امتن الله جل وعلا على الإنسان بأنه جعل له آلة البيان التي هي اللسان والشفتان، وذلك في قوله ﵎: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ٩]. وهذا في سياق المنة، وبلا شك فإن اللسان والشفتين هما آلات البيان.

стр. 2506

تفسير قوله تعالى: (الشمس والقمر بحسبان) قال الله ﵎: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن:٥]. قوله: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ مبتدأ والخبر محذوف تقديره: يجريان بحسبان. قوله: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ أي: يجريان بحساب معلوم مقدر في بروزهما ومنازلهما لا يعدوانها، به تتفق أمور الكائنات الحسية، وتختلف الفصول والأوقات، ويعلم السنون والحساب. يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: الحسبان: مصدر زيدت فيه الألف والنون، كما زيدت في الطغيان والرجحان والكفران، فمعنى: ((بحسبان)) أي: بحساب وتقدير من العزيز العليم، وذلك من آيات الله ونعمه أيضاً على بني آدم؛ لأنهم يعرفون به الشهور والسنين والأيام، ويعرفون شهر الصوم، وأشهر الحج، ويوم الجمعة، وعِدَدَ النساء اللاتي تعتد بالشهور، كاليائسة والصغيرة والمتوفى عنها. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٥]، وقوله تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء:١٢].

стр. 2507

تفسير قوله تعالى: (والنجم والشجر يسجدان) قال ﵎: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن:٦]. قوله: ((والنجم)) اختلف العلماء في المراد بالنجم في هذه الآية: فقال بعض العلماء: النجم هو ما لا ساق له من النبات كالبقول، والشجر هو ما له ساق. وقال بعض أهل العلم: المراد بالنجم نجوم السماء. يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: الذي يظهر لي صوابه: أن المراد بالنجم هو نجوم السماء، والدليل على ذلك: أن الله جل وعلا في سورة الحج صرح بسجود نجوم السماء والشجر، ولم يذكر في آية من كتابه سجود ما ليس له ساق من النبات بخصوصه، ونعني بآية الحج قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ﴾ [الحج:١٨]، فدلت هذه الآية أن الساجد مع الشجر في آية الرحمن هو النجوم السماوية المذكورة مع الشمس والقمر في سورة الحج، وخير ما يفسر به القرآن القرآن، وعلى هذا الذي اخترناه فالمراد بالنجم النجوم. يعني: هي مفرد، لكن يراد بها الجمع، ومن ذلك قول الراعي: فباتت تعد النجم في مستحيرة سريع بأيدي الآكلين جمودها فقوله: (فباتت تعد النجم) فالنجم هنا مفرد، لكن هي في الحقيقة كانت تعد النجوم؛ لأنه لو كان نجماً واحداً لما تعبت في عده، بل كانت تعد النجوم، وفي لغة العرب يكثر إطلاق المفرد مع إرادة الجمع. ومن ذلك أيضاً قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: أبرزوها مثل المهاة تهادى بين خمس كواعب أتراب ثم قالوا تحبها قلت بهراً عدد النجم والحصى والتراب قوله: (عدد النجم والحصى والتراب) يعني: عدد النجوم، مع أن اللفظ هنا مفرد. وقول الله ﵎ هنا: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ مثل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد:١٥]، فنسب السجود إلى كل هذه المخلوقات، فسجود كل شيء بحسبه. يعني: كل كائن من المخلوقات له تسبيح وله سجود، لكن منه ما نفهمه وهو الذي يتعلق بلغتنا نحن، أما سجود غيرنا من الكائنات فهذا ليس إلينا؛ لأنه مما لا ندركه كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]، فأثبت لهم تسبيحهم، ولم يقل: ولكن لا تفقهون تسبيحها مع أن هذا هو الأصل؛ لأنها من غير العقلاء، لكن أنزلها منزلة العقلاء فأتى بضمير العقلاء (هم) تغليباً للعقلاء. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾، قوله: ((والنجم)) أي: النبات الذي ينجم. يعني: الذي يطلع من الأرض ولا ساق له. قوله: ((والشجر)) أي: الذي له ساق. إذاً: القاسمي رجح التفسير الآخر وهو: أن النجم هو الشجر الذي لا ساق له وذلك لاقتران النجم بالشجر. بينما كلمة النجم تحتمل أن تكون النجوم في السماء أو النجوم وهو النبات الذي لا ساق له. وربما الذي أداه إلى هذا القول هو اقترانها بالشجر، فصار نسبة السجود للشجر الذي له ساق، والشجر الذي لا ساق له. قوله: ((يسجدان)) ثنى فعلهما على وفاق لفظهما، وإن كانت هذه الأسماء مفردة في الحقيقة؛ لكنها تدل على المجموع، فالتثنية هنا نظراً إلى اللفظ فقط، أما من حيث المعنى فهي سجود لعدد كبير. ((يسجدان)) أي: ينقادان لله فيما يريد بهما طبعاً، انقياد الساجد من المكلفين طوعاً، وفي الحقيقة مما يؤسف له أن في الأجزاء الأخيرة من تفسير القاسمي ميلاً كثيراً إلى القول بالمجاز، وتوسع في ذلك حتى كأني أكاد أحس أن هناك شخصاً آخر كتب الجزء الأخير هذا؛ لأن كثيراً جداً منه فيه مخالفة لمنهج السلف في تفسير أمثال هذه الأشياء، هل يستحيل أن النجم يسجد لله والشجر يسجد لله؟! إذا قلت: كل يسجد بحسبه، لماذا تنطلق أذهاننا فقط إلى السجود الذي هو متعلق بنا نحن؟ نحن لنا سجود ندركه؛ لأنه متعلق بالسجود الذي نفهمه، ونحن نسبح الله بالطريقة المعروفة، لكن ما الذي يمنع أن الجبال تسبح؟ هل هذا من حيث العقل مستحيل، بحيث أننا نلجأ دائماً إلى المجاز، ونقول: إن تسبيح الجبال هو أن من رآها قال: سبحان الله؟! الذي خلق هذه الجبال وغيرها أتانا بالدليل، مثل قوله تعالى في الآية التي في سورة ص: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾ [ص:١٨]، ومثل قوله ﵎: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ:١٠]، فكان داود ﵇ يسبح ويذكر الله بصوت عال، والجبال تردد معه والطيور تسبح من ورائهم. يا ليتنا أدركنا هذا المنظر الرائع! داود ﵇ يسبح والجبال تنطق بالتسبيح معه، والطيور كذلك، الله قادر على كل شيء ولا يعجزه شيء. إذاً: الجبال لها تسبيح يناسبها، وكذلك كل هذه المخلوقات لها تسبيح يناسبها، كذلك الموج له تسبيح وكل شيء له تسبيح. وما يدرينا لعل الأصوات التي نسمعها مثل: أصوات العصافير في الصباح وفي المساء، لعل هذه الطيور أيضاً تقول أذكار الصباح والمساء بطريقة يعلمها الله، ألم يعلَّم الله سليمان ﵇ لغة الطير، وفهم كلام الهدهد؟ إذاً: ما الذي يدعو الناس إلى اللجوء إلى المجاز؟ هل يعجز الله شيء حتى نهرب إلى المجاز دائماً؟! فالشاهد: أنه لو كان تسبيح الجبال بأن من رآها قال: سبحان الله! فإنها لا تسبح أصلاً، فلماذا نستبعده؟! ولو كان كذلك لما خص تسبيحها بالعشي والإشراق، لكن سيكون هذا في كل وقت؛ لأن الناس إذا رأوها وقالوا: سبحان الله! فهذا سيكون بالعشي والإشراق، والليل والنهار، والظهر والضحى، وكل الأوقات، فعندما يرونها سيقولون: سبحان الذي خلقك! لكن هنا تخصيصها بالعشي والإشراق فيه دليل على أنه تسبيح حقيقي، ولو كان غير حقيقي لم يقل الله ﵎ في الجبال: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٤] من الجبال ما يتفطر من خشية الله، ونظائر ذلك كثيرة تكلمنا عنها بالتفصيل أثناء تلخيص كتاب (عبودية الكائنات) للأخ الفاضل الشيخ محمد فريد، وهو كتاب قيم جداً في هذا الباب، ننصح الإخوة بقراءته.

стр. 2508

تفسير قوله تعالى: (والسماء رفعها ووضع الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) قال ﵎: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن:٧ - ٩]. قوله: ((وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا))، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ [ق:٦]. ((وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا))، يعني: خلقها مرفوعة، وكل ما علا فهو سماء، السحاب سماء، الغلاف الجوي سماء، ما يسمى خطأً بالفضاء سماء. ((وَوَضَعَ الْمِيزَانَ)) أي: العدل بين خلقه في الأرض، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى:١٧]، يعني: وأنزل الكتاب وأنزل الميزان. واختلف في الميزان هنا فقال القاسمي: الميزان هو العدل بين خلقه في الأرض؛ لأن المعادلة موازنة الأشياء، وقيل: هو الميزان المعروف الذي يستعمل لوزن الأشياء؛ كي يتناصف الناس في الحقوق ويأخذ كل إنسان حقه، وقيل: الميزان هو القرآن الكريم نفسه. ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ (أن) فيها قولان: إما بمعنى اللام، يعني: وضع الله الميزان ليأخذ كل حقه، ولا يطغى أحد على أحد في الميزان، أو (أن) هنا للتفسير، فتكون (لا) للنهي، والمعنى: لا تجاوزوا العدل بالإفراط عن حد الفضيلة والاعتدال، فيلزم الجور الموجب للفساد. ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ أي: بالاستقامة على الطريقة، وملازمة حد الفضيلة. كما قال تعالى أيضاً: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام:١٥٢]، فقوله تعالى: ((وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ)) يعني: لا تنقصوا الوزن. قال بعض الحكماء: العدل ميزان الله تعالى، وضعه للخلق ونصبه للحق. وممن فسر الميزان في الآية بالعدل مجاهد وتبعه ابن جرير وكذا ابن كثير. وجوز أن يراد بالميزان ما يعرف به مقادير الأشياء، كذلك ما يعرف به مقاييس الأشياء، فالميزان ليس فقط لوزن الأشياء التي توزن بالثقل، وإنما ما يضبط من حقوق الناس ومستحقاتهم، فالميزان ما يعرف به مقادير الأشياء، سواء الأشياء الموزونة أو المكيلة أو المقيسة المذروعة. قال السيوطي في الإكليل: فيه وجوب العدل في الوزن، وتحريم البخس فيه، وعليه فوجه اتصال قوله: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ بما قبله، أنه لما وصف السماء بالرفعة التي هي مصدر القضايا والأقدار، أراد وصف الأرض بما فيها، مما يظهر به التفاوت ويعرف به المقدار، ويسوى بين الحقوق والمواهب. ومن اللطائف التي يتسع لها نظم الآية الكريمة قول الرازي: الميزان ذكر ثلاث مرات، كل مرة بمعنى، فالأول: هو الآلة، والثاني: المطر، والثالث: للمفعول، أي: الموزون. يعني: ذهب الرازي إلى أن الميزان هنا ذكر ثلاث مرات، الأول: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن:٧]، الثاني: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾، الثالث: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾، فالأول: هو آلة الوزن التي يعرف بها مقادير الأشياء، أما الثاني: فالمقصود به هنا المصدر، الذي هو الوزن نفسه، أي: ألا تطغوا في عملية الوزن، والثالث: للمفعول، يعني: الشيء الموزون، وهذا من لطائف التفسير. ثم قال: وهو كالقرآن الكريم ذكر بمعنى المصدر في قوله: ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٨]، يعني: قراءته، وبمعنى: المقروء، وبمعنى الكتاب الذي فيه المقروء، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ [الرعد:٣١] وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:٨٧]. ثم قال: وبين القرآن والميزان مناسبة، فإن القرآن فيه من العلم ما لا يوجد في غيره من الكتب، والميزان فيه من العدل ما لا يوجد في غيره من الآلات، فهذا وجه الجمع في هذا السياق بين القرآن الكريم وبين الميزان؛ لأن الله تعالى قال: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ﴾ [الرحمن:١ - ٣]، إلى قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ [الرحمن:٧ - ٨].

стр. 2509

تفسير قوله تعالى: (والأرض وضعها للأنام فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام) قال ﵎: ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ﴾ [الرحمن:١٠ - ١١]. قوله: ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه وضع الأرض للأنام، والأنام هو الخلق؛ لأن وضع الأرض لهم على هذا الشكل العظيم القابل لجميع أنواع الانتفاع من إجراء الأنهار، وحفر الآبار، وزرع الحبوب والثمار، ودفن الأموات، وغير ذلك من المنافع، من أعظم الآيات وأكبر الآلاء التي هي النعم. ولهذا قال الله ﵎ بعدها مباشرة: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣]، إشارة إلى أن خلق الأرض على هذه الصورة المهيأة والمسخرة لمصالحكم ومنافعكم من نعم الله العظمى عليكم. ثم يقول: وما تضمنته هذه الآية الكريمة من امتنانه جل وعلا على خلقه بوضع الأرض لهم بما فيها من المنافع، وجعلها آية لهم، دالة على كمال قدرة ربهم، واستحقاقه للعبادة وحده، جاء موضحاً في آيات كثيرة من كتاب الله تعالى، كقوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد:٣]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك:١٥]، وقال تعالى: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات:٣٠ - ٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات:٤٨]، وقال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة:٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق:٧ - ٩]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩]. هذا كله إشارة إلى منة خلق الله لهذه الأرض، والإنسان يقع في تقصير شديد جداً، وهو مستقبح من كل إنسان، ولكنه أقبح من المسلم المؤمن، وهو أن الإنسان لا يستحضر نعماً إلا النعم الخاصة، وربما أيضاً أهمل نعمة هي أعظم نعمة على الإطلاق يمن الله بها على الإنسان وهي نعمة الإسلام، فينبغي للمؤمن بين وقت وآخر أن يذكر نعمة الإسلام، وأن الله هداه للإسلام وشرح له صدره، فهذه أعظم نعمة في الوجود. فهذا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه غضب مرة على زوجته، فقال لها: (والله لأسوأنك! فقالت له: هل تملك أن تخرجني من الإسلام بعد أن أعزني الله به؟ قال: لا، قالت: فبم تسوءني إذاً؟) يعني: أي شيء أقل من زوال هذه النعمة فهو أمر هين، ما دمت لا تستطيع أن تنزع من قلبي نعمة الإسلام فلا يضرني شيء مهما فعلت بعد ذلك، إشارة إلى أن أعظم نعمة على الإنسان هي نعمة الهداية إلى الإسلام، فمعظم الناس لا يهتمون إلا بشكر النعم الخاصة: نعمة المال، الصحة، المنصب، الوجاهة، وهكذا؛ لأن النعم عندهم هي هذه، وهذا نظر خاطئ، وتراهم بالمقابل يهملون النعم العامة، مع أنهم يتمتعون بها في كل لحظة، مثل: نعمة الشمس، ونعمة الهواء، ونعم الله سبحانه لا تعد ولا تحصى كما قال الله : ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، ومجرد ذكر النعم وإمرارها على الفكر والقلب هذا في حد ذاته شكر لله عليها، واعتراف بنسبتها إلى المنعم بها وهو الله .

стр. 2510

أدلة فرضية التفكر في خلق الله وآلائه إذاً: ينبغي أن نخصص أوقاتاً للتفكر، وإياكم أن تظنوا أن التفكر أمر مستحب، بل التفكر في خلق الله فريضة وليس أمراً مستحباً، والدليل على ذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها لما سئلت: (حدثينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله ﷺ ؟ فبكت رضي الله تعالى عنها -وكان هذا بعد وفاته ﵊ وقالت: قام ليلة من الليالي فقال: يا عائشة! ذريني أتعبد لربي، فقلت: والله إني لأحب قربك وأحب ما يسرك، فقام فأخذ يصلي ويبكي حتى بل لحيته، ثم تمادى في البكاء حتى بل حجره، ثم استمر في البكاء حتى بل الثرى - ابتلت الأرض من دموعه ﵌، فلما دخل عليه بلال ليؤذنه بالصلاة، رآه يبكي فبكى، وقال: يا رسول الله! تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال: ﵌: أفلا أكون عبداً شكوراً، لقد أنزل عليّ الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]) إلى آخر الآيات من أواخر سورة آل عمران. قوله: (ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها) هذا هو الشاهد، انظر إلى قوله في صدر هذه الآيات: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] * ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١] إذاً: التفكر ليس شيئاً مستحباً إنما هو واجب، وبه يصل الإنسان إلى تعظيم الله وزيادة الإيمان واليقين. وهناك دليل آخر من القرآن على وجوب التفكر في بعض هذه الآيات، وهو قوله : ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس:٢٤] أي: ليتفكر، وهذا أمر، وظاهر الأمر الوجوب إلا أن يصرفه صارف، فهذا أيضاً دليل على وجوب التفكر فيما تأكله من الرزق، فتفكر في نعمة الله عليك في الطعام، فينبغي أن يكون للتفكر وقت مخصص، بأن يخلو الإنسان ويتفكر في آيات الله، وأن يدرس العلوم الحديثة، خاصة أن العلوم الحديثة الآن كشفت عن آيات توحيد الله بحيث أصبح الإنسان لا يقرأ سطراً إلا ويسبح الله ويعظمه ويحمده، فآيات الله ظهرت الآن بصورة مبهرة. والعلوم الحديثة مثل: علم الجينات، وعلم الفضاء، وعلم البحار، وعلم النباتات، هذه إذا قرأتها بنية التفكر في خلق الله كما ينبغي لها أن تكون فستكون فرعاً من علم التوحيد. فهنا يمتن الله علينا؛ لأنه كلما ذكر جملة من الآيات في سورة الرحمن ختمها بقوله : ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣] معناها: أن الله يمن علينا بنعم معينة ويطالبنا بالتفكر فيها واستحضار نعمة الله فيها، ثم يعاتبنا أننا قصرنا في شكر هذه النعم، فتأملوا كل جملة من الآيات بعدها يأتي: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. إذاً: فتش عن الآلاء والنعم في الآيات قبل قول الله ﵎: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)). فهذه الجملة من النعم ذكرها الله بقوله: ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ [الرحمن:١٠]، فخلق الأرض واستقرارها والرزق الذي فيها، كل هذه الأشياء لماذا نحن نقصر في شكرها وهي نعم عامة، ونحن نتمتع بها؟! تخيل أن الله منع الله عنك الهواء، أو منع عنك الماء، فهل لأنها نعم عامة لكل البشر فنحن لن نستحضرها؟ تذكروا قصة ذلك الملك الذي أصيب باحتباس في البول وتألم لذلك جداً، حتى أتاه بعض العلماء وقال له: هذا الملك الذي أنت فيه الآن، كم تبذل في سبيل إخراج هذا الذي احتبس منك؟ قال: أبذل ملكي كله. انظروا جعل ملكه في كفة وتفريغ هذا البول في كفة أخرى. إذاً: كم من النعم ييسرها الله لنا صباح مساء، ولا نحس بقيمتها إلا حينما نفقدها، حاول مرة أن تغمض عينيك، وأن تمشي في الطريق بدون نعمة البصر، حتى تدرك قيمة نعمة البصر، ربما لا يستطيع الإنسان أن يستغني عنها لحظات، لكن تأمل لو أنك تمشي بدونها، كذا في كل نعمة تأمل لو أنك محروم منها، أو اجلس إلى من امتحنه الله بفقد البصر حتى تعرف مدى نعمة الله عليك، كثير منا مثل المسمار -ونعتذر عن هذا التشبيه- لا يتقدم حتى يُضرب على رأسه، فكثير منا لا يستقيم على طاعة الله ومرضاته إلا إذا ابتلي، أو حرم من النعمة بحيث ينتبه لقيمة هذه النعمة، فالنعم لا تعد ولا تحصى، وكما أشرنا هذه السورة حافلة بذكر النعم التي يلفتنا الله إلى ضرورة شكرها والتفكر فيها. قوله: ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ الأنام قيل: هم الناس، وقيل: كل ذي روح، وقيل: الإنس والجن.

стр. 2511

تفسير القاسمي لقوله تعالى: (والأرض وضعها للأنام) وما بعدها من الآيات يقول القاسمي: ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ أي: مهدها للخلق. ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ أي: صنوف مما يتفكه به من ألوان الثمار. ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ﴾ يعني: ذات أوعية الطلع، وهو الذي يطلع فيه العنقود، ثم ينشق عن العنقود فيكون بسراً ثم رطباً، ثم ينضج ويتناهى نضجه واستواؤه، وإنما أفردها بالذكر لما فيها من الفوائد العظيمة. فإذاً: النخل من الفواكه، لكن الله لخصوصيات في النخل أفرده بالذكر وكأنه ليس من الفواكه، مع أنه فرد من أفرادها ونوع من أنواعها، لكن أشار الله إليه لأنه أشرف أنواع الفواكه. والنخل أيضاً له علاقة خاصة بالمؤمن، فقد سأل النبي ﷺ مجموعة من الصحابة، فقال لهم: (أخبروني عن شيء من الشجر هو أشبه شيء بالمسلم أو بالمؤمن، فخاض الناس في أنواع الشجر، وكان في القوم عبد الله بن عمر، وهم أن يقول: إنها النخلة، لكنه استحيا؛ لوجود من هم أكبر منه سناً في المجلس، فقال النبي ﷺ : إنها النخلة)، هناك إشارة أيضاً في القرآن في قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم:٢٤] يعني: النخل ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم:٢٤ - ٢٥]. كذلك النخل بالذات لا يوجد فيه شيء يرمى ويستغنى عنه، فمثلاً: كان العرب الكرام إذا أحبوا أن يكرموا ضيفاً أخذوا جذع نخلة وفتحوه واستخرجوا منه شيئاً اسمه الجمار وقدموه للضيف، وطعمه رائع جداً. إذاً: لو ذهبنا نعدد ونتكلم في نعمة الله بالنخل لأدركنا لماذا خص الله النخل بالذكر بعد قوله: ((فِيهَا فَاكِهَةٌ))، ثم قال: ((وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ)). يقول القاسمي: وإنما أفردها بالذكر لما فيها من الفوائد العظيمة، على ما عرف من اتخاذ الظروف منها -الظروف يعني: الأوعية- والانتفاع بثمارها، وبالطلع والبسر والرطب وغير ذلك. فثمارها تختلف باختلاف الأوقات مع أن أصلها واحد، لكنها تتفاوت في وقت عنها في وقت آخر، فهي أتم نعمة بالنسبة إلى غيرها من الأشجار. فإذاً: ذكر الفاكهة دون أشجارها كما في قوله: ((فِيهَا فَاكِهَةٌ)) لأن فوائد أشجارها في عين ثمارها، يعني: فوائد شجر البرتقال والمانجو والموز وكذا وكذا في الثمرة، لكن شجرة النخل كل شيء فيها مفيد.

стр. 2512

كلام الشنقيطي على قاعدة: (الأصل فيما على الأرض الإباحة حتى يأتي دليل بالمنع) وقد بين العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى أن بعض علماء الأصول أخذ من هذه الآية الكريمة: ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ وأمثالها من الآيات كقول الله ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩]، أخذوا: أن الأصل فيما على الأرض الإباحة حتى يأتي دليل خاص بالمنع؛ لأن الآية وردت في سياق الامتنان على العباد ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾. وقال ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩]، فخلقه هذه الأشياء كلها وتسخيرها لبني آدم يدل على أن الأصل فيما هو في هذه الأرض الإباحة إلا أن يرد دليل خاص بالمنع؛ لأن الله أمتن على الأنام بأنه وضع لهم الأرض، وجعل فيها أرزاقهم من القوت، وحثهم على التفكر في هذه الآلاء، وامتن عليهم بها، ومعلوم أن الله جل وعلا لا يمتن علينا بحرام، إذ لا منة في شيء محرم. ومن أدلتهم على هذا الأصل: حصر الأشياء المحرمات في أشياء معينة في آيات من كتابه ﵎، كما قال : ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ [الأنعام:١٤٥] إلى آخر الآية، فهذا أيضاً يؤكد أن الأصل هو الإباحة، وأن دائرة التحريم دائرة ضيقة جداً، وهي استثناء وليست أصلاً. وقال ﵎: ﴿قُلْ إِنَّمَا﴾ [الأعراف:٣٣]، و (إنما) تفيد الحصر ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]، وقال ﵎: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام:١٥١] إلى آخر الآيات. وهذه المسألة فيها قولان آخران للعلماء: أحدهما: أن الأصل فيما على الأرض التحريم حتى يدل دليل على الإباحة. وعللوا ذلك بأن جميع الأشياء مملوكة لله ، والأصل في ملك الغير منع التصرف فيه إلا بإذنه، وفي هذا مناقشات معروفة في الأصول ليس هذا محل ضبطها. والقول الثاني -وهو يعتبر القول الثالث- هو التوقف وعدم الحكم فيها بغير عنوانها إذا حكم حتى يقوم الدليل، فتحصل أن في هذه المسألة ثلاثة مذاهب: المذهب الأول: أن الأصل هو المنع. المذهب الثاني: أن الأصل هو الإباحة. المذهب الثالث: التوقف إلى أن يأتي دليل. يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: الذي يظهر لي صوابه في هذه المسألة هو التفصيل؛ لأن الأعيان التي خلقها الله في الأرض للناس لها ثلاث حالات: الأولى: أن يكون فيها نفع لا يشوبه ضرر بوجه من الوجوه، كأنواع الفواكه مثلاً ونحو ذلك. الثانية: أن يكون فيها ضرر لا يشوبه نفع، فهي ضرر محض، كأكل الأعشاب السامة القاتلة مثلاً. الثالثة: أن يكون فيها نفع من جهة وضرر من جهة أخرى، فإن كان فيها نفع لا يشوبه ضرر فالتحقيق حملها على الإباحة حتى يقوم دليل على خلاف ذلك؛ لعموم قول الله ﵎: ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾، وقوله: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ [الرحمن:١١ - ١٢]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾. وإن كان فيها ضرر لا يشوبه نفع فهي على التحريم؛ لقول النبي ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار)، وإن كان فيها نفع من جهة وضرر من جهة أخرى فلها ثلاث حالات: الأولى: أن يكون النفع أرجح من الضرر. الثانية: أن يكون الضرر أرجح من النفع. الثالثة: أن يتساوى الأمران، فإن كان الضرر أرجح من النفع أو مساوياً له فالمنع، لحديث: (لا ضرر ولا ضرار)، ولأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، بمعنى: أن هذا الشيء إذا كان سيأتي بالمفسدة وبالمنفعة وكلاهما متساويتان فإنه في هذه الحالة (درء المضار مقدم على جلب المنافع)، وإن كان النفع أرجح فالأظهر الجواز؛ لأن المقرر في الأصول: أن المصلحة الراجحة تقدم على المفسدة المرجوحة، كما أشار له صاحب مراقي السعود بقوله: وألغِ إن يك الفساد أبعد أو رجح الإصلاح كالأسارى تفدى بما ينفع للنصارى وانظر تدلي دولي العنب في كل مشرق وكل مغرب ومراده تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة أو البعيدة. يعني: إن كانت المفسدة راجحة على المصلحة كالأسارى تفدى بما ينفع للنصارى، يعني: إذا كان هناك أسرى مسلمون -مثلاً- في أيدي الكفار أو النصارى، ولن يطلقوهم إلا بدفع الفدية، ولا شك أن بذل الأموال للكفار مما يقويهم على معاداة المسلمين ومقاتلتهم، فهم ينتفعون بهذا المال، وهذه مضرة وفي نفس الوقت فإن فك أسرى المسلمين مصلحة، إلا أن المصلحة هنا تترجح على المفسدة، فبالتالي يبذل المال للكفار، مع أن فيه ضرراً يترجح عليه مصلحة إطلاق الأسارى. كذلك زراعة العنب، فالعنب -مثلاً- قد يستعمل عصيره في صناعة الخمر، لكن الأصل استعماله فيما يباح، فالمصلحة هنا تترجح على وجود احتمال أنه يصنع به الخمر. وصاحب مراقي السعود ذكر هذه القاعدة وهي: تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة أو البعيدة ومثل لها بالمثالين السابقين، وهما: الأول: أن تخليص أسارى المسلمين من أيدي العدو بالفداء مصلحة راجحة قدمت على المفسدة المرجوحة التي هي انتفاع العدو بالمال المدفوع لهم فداءً للأسارى. الثاني: أن انتفاع الناس بالعنب والزبيب مصلحة راجحة على مفسدة عصر الخمر من العنب، فلم يقل أحد بإزالة العنب من الدنيا لدفع ضرر عصر الخمر منه؛ لأن الانتفاع بالعنب والزبيب مصلحة راجحة على تلك المفسدة، وهذا التفصيل الذي اخترنا قد أشار له صاحب المراقي بقوله: والحكم ما به يجيء الشرع وأصل كل ما يضر المنع

стр. 2513

تفسير قوله تعالى: (والحب ذو العصف والريحان) قال تعالى: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ [الرحمن:١٢]. قوله: ((والحب)) هنا مفرد ويراد به الجمع، يعني: جميع الحبوب كالبر والشعير وغير ذلك. ((ذو العصف)) قيل: الورق، وقيل: المأكول من الحب، والأقرب والله تعالى أعلم أن العصف هو ورق الزرع، أو الورق اليابس كالتبن. ((والريحان)) أي: الورق الأخضر، وهذا تذكير بالنعمة به وبورقه في حالتي الاخضرار واليبس، وقلنا: إن العصف هو الورق اليابس الجاف، وأما الريحان فهو الورق في حالة كونه خضراً. إذاً: هنا إشارة إلى حالتي الورق، فهو أحياناً يكون يابساً، وأحياناً يكون غضاً طرياً أخضر. قوله: (والريحان) على قراءة الجر هو الورق الأخضر، لكن على قراءة الرفع ((وَالرَّيْحَانُ)) هو الزرع الأخضر مطلقاً، يعني: أي زرع أخضر يطلق عليه الريحان، وسمي به تشبيهاً له بالروح؛ لأنه ما دام أخضر فهو حي. قال ابن عباس: (الريحان خضر الزرع). وقال القرطبي: الريحان: إما فيعلان من روح، فقلبت الواو ياء وأدغما ثم خفف، أو فعلان قلبت واوه ياء للتخفيف، أو للفصل بينه وبين الروحان وهو ما له روح.

стр. 2514

الأقوال في تفسير الريحان ذكر الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى الخلاف في تفسير الريحان وقال: إن هناك أربعة أقوال في تفسير الريحان: القول الأول: أن الريحان هو الرزق. يعني: الأرض فيها فاكهة وكذا وكذا، وفيها أيضاً الريحان، فالريحان هو الرزق، تقول: خرجنا نطلب ريحان الله، يعني: رزق الله . وقال النمر بن تولب: فروح الإله وريحانه ورحمته وسماء درر غمام ينزل رزق العباد فأحيا البلاد وطاب الشجر فقوله: (وريحانه) يعني: رزقه. القول الثاني: أن الريحان هو خضرة الزرع، ويسمى ريحاناً لاستراحة النفس بالنظر إليه، ولا شك أن النظر إلى اللون الأخضر في النباتات بالذات له أثر رائع جداً في استمتاع النفس واستراحتها. القول الثالث: أن الريحان هو هذا الريحان الذي يشم. يعني: هو هذا الذي له رائحة نفاذة طيبة معروفة. القول الرابع: أنه ما لم يؤكل من الحب يسمى الريحان، وأما العصف فهو ما يؤكل من الحب. فهذه الأقوال الأربعة ذكرها الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في تفسيره (زاد المسير في علم التفسير).

стр. 2515

تفسير الشنقيطي لقوله تعالى: (فيها فاكهة والحب ذو العصف والريحان) يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ((فِيهَا فَاكِهَةٌ)) أي: فواكه كثيرة، وهذا أسلوب عربي معروف. ((وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ)) أي: صاحبة الأكمام. والأكمام جمع كم بكسر الكاف، وهو ما يظهر من النخلة في ابتداء إثمارها، شبه اللسان ثم ينفخ عن النَّور. وقيل: هو ليفها، واختار ابن جرير شموله للأمرين. ((وَالْحَبُّ)) كالقمح ونحوه. ((ذُو الْعَصْفِ)) قال أكثر العلماء: العصف: ورق الزرع، ومنه قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:٥]. وقيل: العصف التبن. ((وَالرَّيْحَانُ)) اختلف العلماء في معناه: فقال بعض أهل العلم: هو كل ما طاب ريحه من النبت وصار يشم للتمتع بريحه. وقال بعض العلماء: الريحان الرزق، ومنه قول النمر بن تولب العكلي: فروح الإله وريحانه ورحمته وسماء درر غمام ينزل رزق العباد فأحيا البلاد وطاب الشجر ويتعين كون الريحان بمعنى الرزق على قراءة حمزة والكسائي، وأما على قراءة غيرهما فهو محتمل للأمرين المذكورين. وإيضاح ذلك أن هذه الآية قرأها نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾، بضم الباء والذال والنون من الكلمات الثلاث، وهو عطف على (فاكهة) أي: فيها فاكهة وفيها الحب إلخ. وقرأ ابن عامر: (والحبَ ذَا العصفِ والريحانَ) بفتح الباء والذال والنون من الكلمات الثلاث، وفي رسم المصحف الشامي (ذا العصف) بألف بعد الذال مكان الواو، والمعنى على قراءته: وخلق الحب ذا العصف والريحان، وعلى هاتين القراءتين فالريحان محتمل لكلا المعنيين المذكورين. وقراءة حمزة والكسائي فبضم الباء في (الحبُّ) وضم الذال في (ذو العصف) وكسر نون (الريحانِ) عطفاً على العصف، وعلى هذا فالريحان لا يحتمل المشموم؛ لأن الحب الذي هو القمح ونحوه صاحب عصف، وهو الورق أو التبن، وليس صاحب مشموم طيب ريح. فيتعين على هذه القراءة -أي: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانِ﴾ [الرحمن:١٢]- أن المراد بالعصف ما تأكله الأنعام من ورق وتبن، والمراد بالريحان ما يأكله الناس من نفس الحب، فالآية على هذا المعنى كقوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس:٣١ - ٣٢] يعني: الفاكهة متاعاً لكم، والأب متاعاً لأنعامكم. وقوله تعالى: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ﴾ [السجدة:٢٧]، وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه:٥٣ - ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ﴾ [النحل:١٠ - ١١]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ((فِيهَا فَاكِهَةٌ)) ما ذكره تعالى فيه من الامتنان بالفاكهة التي هي أنواع جاء موضحاً في آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى في سورة الفلاح: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [المؤمنون:١٩]، وقوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس:٣١] إلى غير ذلك من الآيات. وما ذكره هنا من الامتنان بالحب جاء موضحاً في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق:٩] وقوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا﴾ [عبس:٢٧ - ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس:٣٣]، وقوله تعالى: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ [الأنعام:٩٩]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام:٩٥] إلى غير ذلك من الآيات. وما ذكره تعالى من الامتنان بالنخل جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ [ق:١٠ - ١١]، وقوله تعالى: ﴿فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [المؤمنون:١٩] والآيات في مثل ذلك كثيرة معلومة. وما ذكره هنا من الامتنان بالريحان على أنه الرزق كما في قراءة حمزة والكسائي جاء موضحاً في آيات كثيرة أيضاً، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر:١٣]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [يونس:٣١]، وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ [الملك:٢١] وقوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [غافر:٦٤] والآيات في مثل ذلك كثيرة معلومة.

стр. 2516

تفسير قوله تعالى: (فبأي آلاءِ ربكما تكذبان) قال الله ﵎: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣]. يقول تعالى بعد ذكر هذه الجملة العظيمة من النعم التي ابتدأها بأشرف وأعظم نعمة على الإطلاق وهي نعمة إيحاء القرآن إلى النبي ﷺ : ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي: لما عدد الله في هذه السورة نعماءه وأذكر عباده آلاءه، ونبأهم على قدرته، جعل كل كلمة من ذلك فاصلة بين كل مجموعة من النعم تنفصل عما بعدها بقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.

стр. 2517

وجه تكرار: قوله تعالى: (فبأي آلاءِ ربكما تكذبان) ومعناه ذهب بعض العلماء إلى أن التكرار هنا للتوكيد، وصحيح أن العرب يستعملون أحياناً التكرار من أجل إفادة التوكيد، تقول مثلاً: نعم نعم، هذا تكرار من أجل التوكيد. لكن متى ما احتمل الكلام التوكيد وجب حمله على التأسيس لأن فيه معنى جديداً، فمثلاً قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد:١] فالصد له معنيان: الأول: أن الصد بمعنى الإعراض، كما تقول مثلاً: كلمته فصد عني، يعني: فأعرض عني، فالفعل هنا لازم غير متعد، له فاعل فقط وليس له مفعول. الثاني: إذا كان الفعل متعدياً فيكون بمعنى الصد عن سبيل الله، كالكافر الذي يشنع على الإسلام أو ينفر الناس منه فهو يصد عن سبيل الله. إذاً: فقوله تعالى مثلاً: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد:١] يحتمل أن يكون الصدود بمعنى الإعراض فيكون هنا تكرار؛ لأن كلمة (كفروا) هي بمعنى أعرضوا وكذبوا، فعلى هذا يكون هذا للتوكيد، وتأتي بمعنى كفروا في ذواتهم وصدوا غيرهم، فهم ضالون قد أضلوا أنفسهم وأضلوا غيرهم، هذا على أن الفعل متعد. إذاً: مادام اللفظ محتملاً التأكيد ففي هذه الحالة يترجح حمله على التأسيس، وهذا له نظائر كثيرة منها هذه الآية التي تتكرر في سورة الرحمن ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ فهي ليست للتوكيد وإنما هي للتأسيس، بمعنى: أنها كلما ذكرت فهي تشير إلى نوع معين من النعم التي ذكرت قبلها مباشرة، كما في قوله تعالى في سورة المرسلات: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ يعني: الذين كذبوا بما سبق ذكره، فهي ليست للتوكيد وإنما هي لتأسيس معنى جديد. فهنا لما عدد الله هذه الجملة من النعم جعل هذه الآية ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ فاصلة بين كل نعمتين ليفهمهم النعم ويقررهم بها، كقولك للرجل: ألم أبوئك منزلاًَ وكنت طريداً؟ أفتنكر هذا؟! ألم أحج بك وأنت صرورة؟! أفتنكر هذا؟! كذلك هنا يذكر الله جملة من الآيات ثم يقول: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.

стр. 2518

صورة من تفاعل الجن مع القرآن، وبعض صور التفاعل وحكمه عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (قرأ علينا رسول الله ﷺ سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال: ما لي أراكم سكوتاً، للجن كانوا أحسن منكم رداً)؛ لأن هذه السورة قرأها النبي ﷺ على الجن ليلة الجن، فلما رأى الصحابة سكوتاً قال: (ما لي أراكم سكوتاً!) هذه إشارة إلى التفاعل مع القرآن؛ لأن بعض الكفار أسلموا لما نظروا إلى المسلمين وهم يصلون، يقول هذا الذي كان كافراً ثم أسلم أشعر أنه يتحدث مع كائن لا نراه. فأنت في القرآن تتكلم مع الله وتناجيه وتمجده وتسبحه وتحمده، يعني: هناك تفاعل مع كلام الله . إذاً: هذه إشارة إلى أدب من الآداب التي يلتزمها المسلم عند تلاوة القرآن وهي التفاعل مع الآيات، إذا قرأت آية رحمة تسأل الله الرحمة، وإذا قرأت آية عذاب تتعوذ بالله من العذاب، وإذا قرأت آية سؤال تسأل، مثلاً في هذه السورة: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ترد أيضاً بما يدل على أنك لا تجحد هذه النعم، فالتفاعل مع القرآن من آداب تلاوة القرآن الكريم، يعني: أن تتفاعل مع كل عبارة بما يناسبها، خاصة إذا كان فيها استفهام أو إقرار بنعمة معينة ونحو ذلك، كما في آخر سورة القيامة مثلاً: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٤٠]؟ تقول: بلى، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:٨]، تقول: بلى، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦]؟ تقول: بلى، ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٩٥]، فتتوقف وتقول: صدق الله، ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين:٣٦]؟ تقول: نعم ثوب الكفار ما كانوا يفعلون، مثلاً في آخر سورة الملك: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك:٣٠]، تقول: الله رب العالمين، فلو لم تكن العبارة منصوصاً عليها إلا أن هذا من التفاعل المحمود مع القرآن الكريم، كذلك هنا في هذه السورة عاتب النبي ﷺ الصحابة على سكوتهم حينما سمعوا سورة الرحمن، فقال لهم: (ما لي أراكم سكوتاً، للجن كانوا أحسن منكم رداً) وفي بعض الروايات: (ما تلوتها على الجن ليلة الجن إلا كانوا أحسن مردوداً منكم) يعني: أنتم سكتم لكنهم كانوا يردون كلما قرأت قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ وفي هذه الرواية قال: (ما لي أراكم سكوتاً، للجن كانوا أحسن منكم رداً، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلاّ قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد). يعني: كان كلما تلا عليهم هذه الآية كانوا يردون على النبي ﷺ بهذا القول: (ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد). وهذا رواه الترمذي وقال: غريب، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.

стр. 2519

حقيقة المخاطبين بقوله: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ الخطاب هنا للثقلين، وهذان الثقلان هما الجن والإنس، ومدلول عليهما بقوله تعالى: ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ يعني: للخلق، وسوف يأتي النص بذكر الثقلين صريحاً فيما بعد في قوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن:٣١]. فهذا يؤكد أن المقصود بالخطاب هنا الجن والإنس؛ لأنهما المكلفون بشكر النعم، والفاء لترتيب الإنكار والتوبيخ على ما فصل من فنون النعماء، وصنوف الآلاء الموجبة للإيمان والشكر حتماً، والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن المالكية الكلية؛ لأنه لم يقل: فبأي آلاء إلهكما أو نحو ذلك، وإنما قال: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا)). إذاً التذكير هنا بصفة الربوبية؛ لأنها تنبئ عن الملكية الكلية، وأن الله مالك كل شيء، فالله يملك ما في السماوات والأرض. كذلك أيضاً الربوبية فيها معنى التربية مع الإضافة إلى ضميره: ((رَبِّكُمَا)) لتأكيد النكير عليهم بإهمال شكر هذه النعم، ولتشديد التوبيخ.

стр. 2520

معنى التكذيب بالآلاء وأقسامه ما معنى تكذيبهم بآلائه تعالى؟ معناه: كفرهم بهذه النعم، إما بإنكار كونها نعمة في نفسها، فمن الكفار من لا ينظر إلى هذه النعم على أنها نعمة، وبالذات نعمة القرآن الكريم، مع أن نعمة إنزال القرآن هي أشرف نعمة على الإطلاق امتن الله بها على البشرية في كل عصورها، فمن الكفار من لا يراها نعمة في نفسها، وبهذا استحق أن ينكر الله عليه بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، كذلك ما يستند إلى القرآن من النعم الدينية. أو بإنكار أن هذه النعمة هي من عند الله ﵎ مع الاعتراف بأنها نعمة في نفسها، وهذا حال سائر الكفار، فهم يعترفون أن الشمس مفيدة للإنسان، ولولا الشمس لحصل كذا، ولولا المطر لحصل كذا، ولولا كذا وكذا من النعم التي يمن الله علينا بها، فهم يعترفون أنها مفيدة وأنها نعمة، لكن لا ينسبونها إلى المنعم وهو الله . إذاً: التكذيب بآلائه تعالى كفرهم بها، إما بإنكار كونها نعمة في نفسها كالقرآن وما يستند إليه من النعم الدينية، وإما بإنكار كونها من الله تعالى مع الاعتراف بكونها نعمة في نفسها، كالنعم الدنيوية الواصلة إليهم بإسنادها إلى غيره تعالى استقلالاً، فهم يسندون النعم إلى غير الله استقلالاً أو اشتراكاً صريحاً، فإما يشركون مع الله آلهة أخرى، وإما ينسبونها إلى غير الله ﵎، وإما ينسبونها أحياناً إلى أنفسهم كما قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]، فإن إشراكهم لآلهتهم به تعالى في العبادة من دواعي إشراكهم لها به تعالى فيما يوجبها، والتعبير عن كفرهم المذكور بالتكذيب كما في قوله هنا: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣]، ولم يقل: فبأي آلاء ربكما تكفران، وإنما عبر بالتكذيب لأن دلالة الآلاء المذكورة على وجوب الإيمان والشكر شهادة منها بذلك، فكفرهم تكذيب بها لا محالة، فإذا كان الأمر كما فصل فبأي فرد من أفراد آلاء مالككما ومربيكما بتلك الآلاء تكذبان، مع أن كلاً منها ناطق بالحق شاهد بالصدق، كأن كل أية وكل نعمة تنطق بالحق وتشهد بأن لا إله إلا الله، وبحق الله بأن تشكروا له هذه النعم وتنسبوها إليه، فهي تنطق بالحق وأنتم تكذبونها، كأن الآية نفسها هي التي تتكلم وأنتم تكذبون فيما تشهد به، فلذلك ناسب أن يقول ((تُكَذِّبَانِ)).

стр. 2521

شهادة النعم بوحدانية الله إن هذه النعم تنطق وتتكلم وتشهد بالحق كما قال الشاعر: تأمل سطور الكائنات فإنها من الملأ الأعلى إليك رسائل وقد خط فيها لو تأملت خطها ألا كل شيء ما خلا الله باطل فكل كائن ليشهد أن لا إله إلا الله، ويدل على أن لا إله حق إلا الله ، وأحياناً تأتي هذه الشهادة بطريقة عجيبة، فيمكننا أن نتعرف على شهادتها بالتفكر فيها، ودلالتها على خلق الله ونعم الله بها، لكن أحياناً يأتي بصورة أصرح وأصرح وأصرح، كم رأينا من أوراق الشجر وقد كتب عليها الله؟ هناك كتاب بالإنجليزية يسمى (تاريخ الأسماك) هذا الكتاب فيه صورة لسمكة مكتوب عليها باللغة العربية الواضحة جداً: لا إله إلا الله. والحوادث في ذلك كثيرة، ولعلكم رأيتم أشياء كثيرة مثل هذا، مثلاً: كان هناك شخص تركي عنده منحل، فاستيقظ في الصباح فوجد حركة نشاط غير عادية في النحل، كأن أمراً وصله وهو ينفذه، فبعد أن فرغوا من الشغل انقشع النحل فإذا بورقة سدر مكتوب عليها لفظ الجلالة (الله) بخط في غاية الروعة والجمال. وعندي هذه الصورة، وعندي صورة أخرى لشجرة في غابة من الغابات في أستراليا، والصورة عبارة عن جذع شجرة على هيئة رجل عربي يلبس قميصاً وهو راكع ومستقبل القبلة. فهذه صورة من صورة الشهادة، وهناك سمكة في السنغال نشرت صورتها مكتوب عليها: محمد عبد الله ورسوله، بخط في غاية الوضوح، هذه الصور تأتي أحياناً بصورة في غاية البساطة حتى يقر هؤلاء الجاحدون بأن لا إله إلا الله؛ لأن كل هذه الآلاء وكل هذه النعم تنطق بأن لا إله إلا الله، وتشهد بشهادة الحق، وتقودك لو تفكرت فيها إلى التوحيد وإلى شهادة الحق، فصار من يجحد بهذه النعم ويغسله عن خالقها ولا يشكره عليها كأنه يكذبها فيما تشهد به، فلذلك قال: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)).

стр. 2522

ما جاء من أقوال المفسرين في قوله تعالى: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) قال الزجاج: لما ذكر الله تعالى في هذه السورة ما يدل على وحدانيته من خلق الإنسان، وتعليم البيان وخلق الشمس والقمر والأرض خاطب الجن والإنس فقال: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) أي: فبأي نعم ربكما تكذبان من هذه الأشياء المذكورة؛ لأنها كلها منعم بها عليكم في دلالتها إياكم على وحدانيته، وفي رزقه إياكم ما به قوامكم. وقال ابن قتيبة: الآلاء النعم، واحدها (ألا) مثل قفا، وإلا مثل معى. فإن قيل: كيف خاطب اثنين وإنما ذكر الإنسان وحده؟ وذلك في قوله: (خلق الإنسان من صلصال كالفخار) وكذا الإشارة في صدر السورة بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:١ - ٤]، وقد سبق أن ذكرنا في قوله: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ))، أن هناك تفسيراً لتكذبان وأن معناه: أيها الثقلان؛ لأنه فيما بعد أتى قوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن:٣١]، وهناك تفسير آخر وهو أن الخطاب أساساً موجه للإنسان؛ لأنه هو الذي سبق ذكره وحده، فكيف خوطب الإنسان بقوله: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ))؟ قيل عنه جوابان: الأول: أن العرب تخاطب الواحد والقوم بفعل الاثنين، هذا أسلوب عربي معروف، فالعرب أحياناً تخاطب الشخص الواحد بالفعل الذي يخاطب به الاثنان كما في قوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق:٢٤]، والخطاب هنا لخازن النار، وتقول العرب للرجل: ويلك أرحلاها وازجراها. وقال الشاعر وهو مضر بن ربعي الأسدي: فقلت لصاحبي لا تحبسانا بنزع أصوله واجتز شيحا (صاحبي) يعني: الشخص الذي يحتطب له، وهو شخص واحد، وكان عندهما اللحم يريدان شواءه. (لا تحبسانا) يعني: لا تحبسنا ولا تعطلنا عن شي اللحم، وواضح جداً أن الخطاب لواحد، لكن استعمل خطاب الاثنين. (اجتز شيحا) يعني: اكتف بقطع الشيح؛ لأن الشيح أسهل وأسرع حتى نأكل بسرعة، هذا معنى كلامه. والشاهد هنا في قوله: (لا تحبسانا)، يعني: لا تحبسنا عن شي اللحم. وأنشد أبو ثروان فإن تزجراني يا ابن عفان أنزجر وإن تدعاني أحمي عرضاً ممنعاً وواضح جداً أنه يخاطب ابن عفان وحده. يقول ابن الجوزي: فيروى أن ذلك منهم لأن الرجل أدنى أعوان إبله وغنمه اثنان. يعني: أقل عدد من الأعوان عند العرب للذي يكون معه إبل وغنم يكون اثنان. قال: وكذلك الرفقة أدنى ما تكون ثلاثة، فجرى الكلام على صاحبيه، ألا ترى الشعر أكثر شيء قيل: يا صاحبيَّ يا خليليّ؟ فكثير جداً من الشعراء حتى في الجاهلية، دائماً يقولون: يا صاحبي يا خليليّ. وقال امرؤ القيس: خليليّ مرا بي على أم جندب نقض لبنات الفؤاد المعذب يعني: حاجات الفؤاد المعذب، ثم قال: ألم تر أني كلما جئت طارقاً وجدت بها طيباً وإن لم تطيَّبِ سنلاحظ أنه يخاطب في الظاهر اثنين، لكن اتضح بعد ذلك أنه يخاطب واحداً؛ لأنه في الأول قال: (خليليّ) كعادة العرب في خطاب الواحد بلفظ الاثنين؛ لأن الغالب أنه يكون معه اثنان، فيستعمل معهما صيغة المثنى، فإذا كان معه واحد استعمل أيضاً صيغة الاثنين؛ لأنهم تعودوا عليه. ولهذا قال هنا في البيت الثاني: (ألم تر) يعني: يا صاحبي، الذي عبر عنه قبل ذلك بالاثنين. فهذا هو الجواب الأول، لو قلنا: إن ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) خطاب للإنسان وحده. القول الثاني: وهو الأرجح -والله تعالى أعلم- أن الذكرى أريد به الإنس والجان، ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا)) يعني: أيها الثقلان، فجرى الخطاب لهما من أول السورة إلى آخرها.

стр. 2523

تفسير سورة الرحمن [١٤ - ٣٦]

стр. 2524

تفسير قوله تعالى: (خلق الإنسان من صلصال كالفخار فبأي آلاء ربكما تكذبان) قال الله ﵎: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٤ - ١٦]. قوله تعالى: ((خَلَقَ الإِنسَانَ)) أي: آدم ﵇. ((مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ)) قال أبو السعود: تمهيد للتوبيخ على إخلالهم بموجب شكر النعمة المتعلقة بذات كل واحد من الثقلين؛ لأن الخطاب في هذه السورة هو موجه للثقلين: الجن والإنس، وصرح به في قوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الرحمن:٣٣]، فعلم أن الخطاب بالتثنية موجه للثقلين: الجن والإنس، فهنا تمهيد لما سوف يحصل من التوبيخ على تقصير الجن والإنس في شكر نعم الله ﵎ المتعلقة بذاتيهما، فالله امتن على الإنسان بأن خلقه أولاً من صلصال كالفخار، والصلصال الطين اليابس الذي له صلصلة، والفخار: الخزف. وقد خلق الله تعالى آدم ﵇ من تراب جعله طيناً، ثم حمأً مسنوناً، ثم صلصالاً، أي: أن الأصل هو التراب، فجعل التراب طيناً لما أضيف إليه الماء، ثم صار كالحمأ المسنون، ثم صار صلصالاً كالفخار، هذه أخبار عن حالات أصله، وقد أتت بكل حالة آية تدل على إحدى هذه المراحل، فلا تعارض بين الآية الناطقة بإحدى هذه المراحل وبين ما نطقت به الآيات الأخرى. ((وَخَلَقَ الْجَانَّ)) أي: الجن أو أبا الجن. ((مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ)) أي: من لهب صافٍ، واللهب الصافي هو الذي لا دخان له. ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) أي: مما أفاض عليكما في تضاعيف خلقكما ومن سوابغ النعم عليكما، ومما أظهره لكما بالقرآن الكريم.

стр. 2525

تفسير قوله تعالى: (رب المشرقين ورب المغربين فبأي آلاء ربكما تكذبان) قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان ِ)) [الرحمن:١٧ - ١٨]. قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ أي: مشرقي الشتاء والصيف ومغربيهما، أو مشرقي الشمس والقمر ومغربيهما. ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) يعني: بما فيهما من النعم والفوائد التي لا تحصى، كاختلاف الفصول وحدوث ما يناسب كل فصل فيه من الخيرات والبركات التي بها قوام العالم.
следующие страницы →