Полный текст (3 275 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
شهادة النعم بوحدانية الله
إن هذه النعم تنطق وتتكلم وتشهد بالحق كما قال الشاعر: تأمل سطور الكائنات فإنها من الملأ الأعلى إليك رسائل وقد خط فيها لو تأملت خطها ألا كل شيء ما خلا الله باطل فكل كائن ليشهد أن لا إله إلا الله، ويدل على أن لا إله حق إلا الله ، وأحياناً تأتي هذه الشهادة بطريقة عجيبة، فيمكننا أن نتعرف على شهادتها بالتفكر فيها، ودلالتها على خلق الله ونعم الله بها، لكن أحياناً يأتي بصورة أصرح وأصرح وأصرح، كم رأينا من أوراق الشجر وقد كتب عليها الله؟ هناك كتاب بالإنجليزية يسمى (تاريخ الأسماك) هذا الكتاب فيه صورة لسمكة مكتوب عليها باللغة العربية الواضحة جداً: لا إله إلا الله.
والحوادث في ذلك كثيرة، ولعلكم رأيتم أشياء كثيرة مثل هذا، مثلاً: كان هناك شخص تركي عنده منحل، فاستيقظ في الصباح فوجد حركة نشاط غير عادية في النحل، كأن أمراً وصله وهو ينفذه، فبعد أن فرغوا من الشغل انقشع النحل فإذا بورقة سدر مكتوب عليها لفظ الجلالة (الله) بخط في غاية الروعة والجمال.
وعندي هذه الصورة، وعندي صورة أخرى لشجرة في غابة من الغابات في أستراليا، والصورة عبارة عن جذع شجرة على هيئة رجل عربي يلبس قميصاً وهو راكع ومستقبل القبلة.
فهذه صورة من صورة الشهادة، وهناك سمكة في السنغال نشرت صورتها مكتوب عليها: محمد عبد الله ورسوله، بخط في غاية الوضوح، هذه الصور تأتي أحياناً بصورة في غاية البساطة حتى يقر هؤلاء الجاحدون بأن لا إله إلا الله؛ لأن كل هذه الآلاء وكل هذه النعم تنطق بأن لا إله إلا الله، وتشهد بشهادة الحق، وتقودك لو تفكرت فيها إلى التوحيد وإلى شهادة الحق، فصار من يجحد بهذه النعم ويغسله عن خالقها ولا يشكره عليها كأنه يكذبها فيما تشهد به، فلذلك قال: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)).
стр. 2522
ما جاء من أقوال المفسرين في قوله تعالى: (فبأي آلاء ربكما تكذبان)
قال الزجاج: لما ذكر الله تعالى في هذه السورة ما يدل على وحدانيته من خلق الإنسان، وتعليم البيان وخلق الشمس والقمر والأرض خاطب الجن والإنس فقال: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) أي: فبأي نعم ربكما تكذبان من هذه الأشياء المذكورة؛ لأنها كلها منعم بها عليكم في دلالتها إياكم على وحدانيته، وفي رزقه إياكم ما به قوامكم.
وقال ابن قتيبة: الآلاء النعم، واحدها (ألا) مثل قفا، وإلا مثل معى.
فإن قيل: كيف خاطب اثنين وإنما ذكر الإنسان وحده؟ وذلك في قوله: (خلق الإنسان من صلصال كالفخار) وكذا الإشارة في صدر السورة بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:١ - ٤]، وقد سبق أن ذكرنا في قوله: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ))، أن هناك تفسيراً لتكذبان وأن معناه: أيها الثقلان؛ لأنه فيما بعد أتى قوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن:٣١]، وهناك تفسير آخر وهو أن الخطاب أساساً موجه للإنسان؛ لأنه هو الذي سبق ذكره وحده، فكيف خوطب الإنسان بقوله: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ))؟ قيل عنه جوابان: الأول: أن العرب تخاطب الواحد والقوم بفعل الاثنين، هذا أسلوب عربي معروف، فالعرب أحياناً تخاطب الشخص الواحد بالفعل الذي يخاطب به الاثنان كما في قوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق:٢٤]، والخطاب هنا لخازن النار، وتقول العرب للرجل: ويلك أرحلاها وازجراها.
وقال الشاعر وهو مضر بن ربعي الأسدي: فقلت لصاحبي لا تحبسانا بنزع أصوله واجتز شيحا (صاحبي) يعني: الشخص الذي يحتطب له، وهو شخص واحد، وكان عندهما اللحم يريدان شواءه.
(لا تحبسانا) يعني: لا تحبسنا ولا تعطلنا عن شي اللحم، وواضح جداً أن الخطاب لواحد، لكن استعمل خطاب الاثنين.
(اجتز شيحا) يعني: اكتف بقطع الشيح؛ لأن الشيح أسهل وأسرع حتى نأكل بسرعة، هذا معنى كلامه.
والشاهد هنا في قوله: (لا تحبسانا)، يعني: لا تحبسنا عن شي اللحم.
وأنشد أبو ثروان فإن تزجراني يا ابن عفان أنزجر وإن تدعاني أحمي عرضاً ممنعاً وواضح جداً أنه يخاطب ابن عفان وحده.
يقول ابن الجوزي: فيروى أن ذلك منهم لأن الرجل أدنى أعوان إبله وغنمه اثنان.
يعني: أقل عدد من الأعوان عند العرب للذي يكون معه إبل وغنم يكون اثنان.
قال: وكذلك الرفقة أدنى ما تكون ثلاثة، فجرى الكلام على صاحبيه، ألا ترى الشعر أكثر شيء قيل: يا صاحبيَّ يا خليليّ؟ فكثير جداً من الشعراء حتى في الجاهلية، دائماً يقولون: يا صاحبي يا خليليّ.
وقال امرؤ القيس: خليليّ مرا بي على أم جندب نقض لبنات الفؤاد المعذب يعني: حاجات الفؤاد المعذب، ثم قال: ألم تر أني كلما جئت طارقاً وجدت بها طيباً وإن لم تطيَّبِ سنلاحظ أنه يخاطب في الظاهر اثنين، لكن اتضح بعد ذلك أنه يخاطب واحداً؛ لأنه في الأول قال: (خليليّ) كعادة العرب في خطاب الواحد بلفظ الاثنين؛ لأن الغالب أنه يكون معه اثنان، فيستعمل معهما صيغة المثنى، فإذا كان معه واحد استعمل أيضاً صيغة الاثنين؛ لأنهم تعودوا عليه.
ولهذا قال هنا في البيت الثاني: (ألم تر) يعني: يا صاحبي، الذي عبر عنه قبل ذلك بالاثنين.
فهذا هو الجواب الأول، لو قلنا: إن ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) خطاب للإنسان وحده.
القول الثاني: وهو الأرجح -والله تعالى أعلم- أن الذكرى أريد به الإنس والجان، ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا)) يعني: أيها الثقلان، فجرى الخطاب لهما من أول السورة إلى آخرها.
стр. 2523
تفسير سورة الرحمن [١٤ - ٣٦]
стр. 2524
تفسير قوله تعالى: (خلق الإنسان من صلصال كالفخار فبأي آلاء ربكما تكذبان)
قال الله ﵎: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٤ - ١٦].
قوله تعالى: ((خَلَقَ الإِنسَانَ)) أي: آدم ﵇.
((مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ)) قال أبو السعود: تمهيد للتوبيخ على إخلالهم بموجب شكر النعمة المتعلقة بذات كل واحد من الثقلين؛ لأن الخطاب في هذه السورة هو موجه للثقلين: الجن والإنس، وصرح به في قوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الرحمن:٣٣]، فعلم أن الخطاب بالتثنية موجه للثقلين: الجن والإنس، فهنا تمهيد لما سوف يحصل من التوبيخ على تقصير الجن والإنس في شكر نعم الله ﵎ المتعلقة بذاتيهما، فالله امتن على الإنسان بأن خلقه أولاً من صلصال كالفخار، والصلصال الطين اليابس الذي له صلصلة، والفخار: الخزف.
وقد خلق الله تعالى آدم ﵇ من تراب جعله طيناً، ثم حمأً مسنوناً، ثم صلصالاً، أي: أن الأصل هو التراب، فجعل التراب طيناً لما أضيف إليه الماء، ثم صار كالحمأ المسنون، ثم صار صلصالاً كالفخار، هذه أخبار عن حالات أصله، وقد أتت بكل حالة آية تدل على إحدى هذه المراحل، فلا تعارض بين الآية الناطقة بإحدى هذه المراحل وبين ما نطقت به الآيات الأخرى.
((وَخَلَقَ الْجَانَّ)) أي: الجن أو أبا الجن.
((مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ)) أي: من لهب صافٍ، واللهب الصافي هو الذي لا دخان له.
((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) أي: مما أفاض عليكما في تضاعيف خلقكما ومن سوابغ النعم عليكما، ومما أظهره لكما بالقرآن الكريم.
стр. 2525
تفسير قوله تعالى: (رب المشرقين ورب المغربين فبأي آلاء ربكما تكذبان)
قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان ِ)) [الرحمن:١٧ - ١٨].
قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ أي: مشرقي الشتاء والصيف ومغربيهما، أو مشرقي الشمس والقمر ومغربيهما.
((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) يعني: بما فيهما من النعم والفوائد التي لا تحصى، كاختلاف الفصول وحدوث ما يناسب كل فصل فيه من الخيرات والبركات التي بها قوام العالم.
стр. 2526
تفسير قوله تعالى: (مرج البحرين يلتقيان فبأي آلاء ربكما تكذبان)
قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٩ - ٢١].
قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾، يعني: أرسل البحرين ((يلتقيان))، من قولك: مرج فلان دابته إذا أرسلها وتركها، والمعنى: أرسل وأجرى البحر الملح والبحر العذب.
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ يعني: يتجاوران، وهذا معروف بظاهرة الأنهار والبحار، فكثير من الأنهار تلتقي في النهاية مع البحار، وتصب فيها ماءها، فما أعجب خلق الله لهذه البحور والأنهار التي تصب فيها، فلا الأنهار جفت، ولا البحار امتلأت!! فهنا يشير الله إلى آية أخرى من آياته ونعمة من نعمه وهي قوله: ((مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ))، أي: أرسل وأطلق البحرين ((يَلْتَقِيَانِ))، البحرين: العذب والملح، ويمكن أن يقال: المالح أيضاً كما يقول الشاعر: تلونْتَ ألواناً علي كثيرة وخالط عذباً في إخائك مالح فهذا شاهد في استعمال كلمة مالح في الملح.
((يَلْتَقِيَانِ)) يعني: يتجاوران.
((بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ)) أي: حاجز من قدرة الله تعالى وبديع صنعه.
((لا يَبْغِيَانِ)) أي: لا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة وإبطال الخاصية، وهذه آية من آيات الله ، والناس المتخصصون في علوم البحار يعرفون جيداً أن هناك منطقة دائماً تكون بين النهر العذب وبين البحر الملح، وهذه منطقة لها خواص معينة، فهي بمثابة برزخ وحاجز حتى إنه لتعيش فيها كائنات مائية خاصة لا تعيش في العذب ولا تعيش في الملح، وهذه نحن نلاحظها هنا في مصر في منطقة رشيد، وهذه الأماكن التي يحصل فيها هذا الإلتقاء والتشابك حينما تصور من الفضاء أو من الجو تلاحظ بشكل مميز، وهي التي تحول دون اختلاط البحرين تماماً في بعضهما البعض، فلا يبغي واحد منهما على الآخر؛ فلذلك قال تعالى: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ﴾ يعني: إذا دخل أحدهما في الآخر قد يجري فيه فراسخ ولا يتلاشى ولا يضمحل حتى يغير أحدهما طعم الآخر ولونه كما نشاهده.
وهذه ليست فقط بين البحار والأنهار، فإن هناك حدوداً ربانية بين البحار، فمثلاً: المحيط الأطلسي والبحر المتوسط عند نقطة التقائهما هناك أيضاً برزخ وحاجز، فخصائص هذا الماء غير خصائص الماء الآخر، والكائنات التي تعيش هنا ليست الكائنات التي تعيش هنا وهكذا، وهذه موجودة حتى بين البحار الكبرى.
((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ))، أي: مما في البحرين وخلقهما من الفوائد.
стр. 2527
تفسير قوله تعالى: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان فبأي آلاء ربكما تكذبان)
أشار إلى بعض الآلاء التي هي في البحرين العذب والملح بقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٢٢ - ٢٣].
قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ هذه نعمة جديدة وتوبيخ جديد للجن والإنس على عدم شكر هذه النعمة، أو على التقصير في شكر هذه النعمة.
يقول القاسمي رحمه الله تعالى: أي: كبار الدرر أو الدر وصغاره، والمرجان: الخرز الأحمر المعروف، وإنما قيل منهما مع أنه يخرج من أحدهما وهو الملح؛ لأنه لامتدادهما يكون خارجاً منهما حقيقة، أو أنه نسب لهما ما هو لأحدهما كما يسند إلى الجماعة ما صدر من واحد منهم.
قال الناصر: وهذا هو الصواب، ومثله قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] أي: من إحدى القريتين، لكن هو إذا كان من إحدى القريتين فيصدق عليه أنه خرج من مجموع القريتين، كما في قوله ﵎: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠] وليس هناك رسل من الجن، وإنما أتى الرسل من الإنس فقط، فيصدق أيضاً أن يقال: إن الرسل بعثوا من مجموع الإنس والجن، ولا يتعارض هذا مع كونهم من الإنس فقط، فهذا مذهب من يقول: إن اللؤلؤ والمرجان لا يخرجان إلا من الملح فقط، قالوا: ((يَخْرُجُ مِنْهُمَا)) من أحدهما وهو الملح، والمقصود: يخرج من مجموعهما فلا يتنافى مع كونه يخرج من الملح فقط، وكما يقال: فلان من أهل مصر، هذه صفة، وإن كان من محلة منها، كأن يكون من الإسكندرية مثلاً أو من المنيا أو غيرها، فيكون من أهل مصر، ولا تعارض بين الاثنين.
يقول: ولما كان خروج هذين الصنفين نعمة على الناس لتحليهم بها كما يشير له قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر:١٢]، قال سبحانه: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ))، ولو تأملنا هذه الآية التي أوردها القاسمي للاستشهاد هنا على نعمة الله في قوله: ((وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا)) فسوف نبدأ بالحديث عن هذا الباب الشائع عند المفسرين، والذي تناقلوه جيلاً بعد جيل، وهو الذي شرحناه آنفاً، وهو أن المقصود: يخرج منهما، يعني: من أحدهما وهو الملح، بناءً على أن اللؤلؤ والمرجان يخرجان فقط من الملح، لكن إذا تأملنا هذه الآية: ((وَمِنْ كُلٍّ)) وهذا التنوين هو تنوين تعويض، وهو تعويض عن اسم، فعندما تقول: كل إنسان قائم، فيمكن أن تحذف كلمة إنسان وتنون كل فتصبح كلٌ قائم، فهذا التنوين ينوب عن الاسم، فكذلك هنا: ((وَمِنْ كُلٍّ))، يعني: من كل من البحرين.
﴿تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر:١٢]، اللحم الطري: الأسماك التي تأكلونها من هذا النوع ومن هذا.
فإذاً قوله هو: ((وَمِنْ كُلٍّ)) ينبغي أن يشمل أيضاً قوله: ((وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا))، وهذا يتعارض مع ما سبق، وسوف نوضح هذا إن شاء الله بالتفصيل.
فلما كان خروج هذين الصنفين اللؤلؤ والمرجان نعمة على الناس قال ﵎: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ))، وهي كما ذكرنا في أمثالها من قبل.
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ قال ابن عباس: أي: أرسلهما، وقال ابن زيد: أي منعهما أن يلتقيان بما جعل بينهما من البرزخ الحاجز الفاصل بينهما.
وعلماء المسلمين والمفسرون في ذلك الوقت لم يكونوا قد أطلعوا على هذه الدراسات الحديثة والتصوير الذي يتم من الفضاء والدراسات بالآلات الحديثة وغير ذلك، لكنهم في ضوء القرآن الكريم فهموا أن بينهما برزخاً لا يبغيان.
والمراد بقوله: ((مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ)) الملح والحلو، فالحلو هذه الأنهار السارحة بين الناس، وقال الله ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الفرقان:٥٣] أي: أرسلهما، ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:٥٣] أي: حدود فاصلة بين الاثنين.
﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ﴾ يعني: جعل بينهما برزخاً وهو الحاجز من الأرض، لئلا يبغي هذا على هذا وهذا على هذا، وهنا ابن كثير يفسرها بأن البرزخ حاجز أرضي، في حين أن الآية أوضحت أن المقصود أنه حينما يكون الماء مجاوراً للماء تكون بينهما منطقة البرزخ أو هذا الحاجز.
لكن لا شك أن التفسير أحياناً يتأثر بمستوى الدراسات العلمية حسب عصر كل مفسر، وهذا يعتبر من التراث البشري؛ لأن ذلك في حدود علمه، فهي كمعلومات بشرية تركها الله للبشر يكتشفونها بمرور الأزمان.
فلا شك أن قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن:١٩ - ٢٠]، إذا كان بينهما البرزخ من البر ومن الأرض فليس هذا التقاءً ولا تظهر بذلك آية، وإنما الآية العظمى في أن يلتقيا بالفعل دون أن يبغي أحدهما على الآخر ويضمحل فيه.
يقول ابن كثير: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ أي: من مجموعهما، فإذا وجد ذلك من أحدهما كفى، كما قال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠]، والرسل إنما كانوا في الإنس خاصة دون الجن، وقد صح هذا الإطلاق، واللؤلؤ معروف، وأما المرجان فقيل: هو صغار اللؤلؤ، وقيل: كباره وجيده، وقيل: نوع من الجواهر أحمر اللون.
أما قوله: ((وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا)) فاللحم من كل من الأجاج والعذب، والحلية إنما هي من الملح دون العذب، وهذا التفسير بما كان يعرفه ابن كثير من الثقافة السائدة في ذلك الوقت.
يقول ابن كثير: ولما كان اتخاذ هذه الحلية نعمة على أهل الأرض امتن بها عليهم فقال: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)).
стр. 2528
كلام الشنقيطي في قوله تعالى: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان)
هنا بحث للعلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى تكلم فيه على هذا الموضوع بكلام جيد سنتلوه عليكم، يقول رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٢٢] قرأ هذا الحرف نافع وأبو عمرو: ((يُخَرج منهما اللؤلؤ والمرجان)) بضم الياء وفتح الراء مبنية للمفعول، وعليه فاللؤلؤ نائب فاعل يخرج، وقرأه باقي السبعة: (يَخرُج منهما)، بفتح الياء وضم الراء مبنية للفاعل، وعليه فاللؤلؤ فاعل يخرج.
ثم يقول: اعلم أن جماعة من أهل العلم قالوا: إن المراد بقوله في هذه الآية: ((يَخْرُجُ مِنْهُمَا))، أي: من مجموعهما الصادق بالبحر الملح، وأن الآية من إطلاق المجموع وإرادة بعضه، وأن اللؤلؤ والمرجان لا يخرجان إلا من البحر الملح وحده دون العذب.
وهذا القول الذي قالوه في هذه الآية مع كثرتهم وجلالتهم لا شك في بطلانه؛ لأن الله صرح بنقيضه في سورة فاطر، ولا شك أن كل ما ناقض القرآن فهو باطل، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر:١٢] فالتنوين في قوله: ((وَمِنْ كُلٍّ))، تنوين عوض، أي: من كل واحد من العذب والملح تأكلون لحماً طرياً، وتستخرجون حلية تلبسونها وهي اللؤلؤ والمرجان، وهذا مما لا نزاع فيه.
يعلق الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى -والشيخ عطية ممن توفوا في عام الحزن أيضاً وهو العام المنصرم توفي هذا العالم الجليل الذي هو أخص تلامذة الإمام القرآني العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى- يعلق في الهامش على قول شيخه يقول: هذا الاستنتاج الذي توصل إليه فضيلة الوالد ﵀ يعتبر فتحاً من الله؛ لأنه توصل إليه استنتاجاً، فجاء الواقع يشهد بذلك وإن لم يطلع عليه الشيخ رحمه الله تعالى، فكان ذلك مما يلزم التعليق أو التنبيه عليه، وذلك أنه قد ثبت وجود اللؤلؤ في الماء العذب كما ذهب إليه ﵀، كما جاء في دائرة معارف الشعب المصرية عدد (ثلاثة وسبعين) صحيفة (سبعة وثلاثين وخمسمائة)، حيث تكلمت عن اللؤلؤ إلى أن جاء فيها ما نصه: وأنواع المحار جميعها قد تنتج اللؤلؤ ولكنه يوجد غالباً في أنواع معينة منها، فلقد عثر مثلاً على لآلئ رائعة الجمال في محار المياه العذبة التي تعيش في بريطانيا وخاصة أنهار ويلز واسكتنلدا.
وأشهر لؤلؤة منها عثر عليها في نهر (كيمواي) في القرن السابع عشر وأهداها أحد نبلاء الإنجليز إلى الملكة كاترين وما زالت محفوظة ضمن مجوهرات التاج البريطاني في برج لندن، ولا يزال الأهالي يقتنون المحار عند مصب هذا النهر إلى آخره.
فكان إثبات الشيخ رحمه الله تعالى وجزمه باستخراج اللؤلؤ من الماء العذب مغايراً لما عليه جميع المفسرين إثباتاً مؤيداً بنور الله، شهد بهذا كله الواقع وصدقه الحس، وفي ذلك تأييد لكل مجتهد وجد مستنداً صريحاً لما ذهب إليه، ولما فهمه من كتاب الله وإن غاير أقوال الآخرين ما دام له مستند ظاهر كهذه المسألة، يعني: هذه المعلومات تفيد أنه يخرج اللؤلؤ أيضاً من الأنهار العذبة وليس فقط من المالحة كما كانت معلومات من سبق.
يقول: وهذا مصداق ما جاء عن علي رضي الله تعالى عنه وما نطق به من مشكاة النبوة حينما سئل: هل خصكم رسول الله ﷺ آل البيت بشيء من الوحي؟ فقال: لا، إلا بما في هذه الصحيفة أو فهماً في كتاب الله يعطيه من شاء من عباده، وهذا هو الفهم الصحيح المستند إلى نص صريح يعطيه الله تعالى له ﵀ رحمة واسعة.
ونحن ما فصلنا قليلاً في هذه المسألة إلا لأن هذا القول شائع جداً في كتب التفاسير ويضرب به المثل في أن الخطاب في هذه الآية بالذات يراد به أحد المجموعين وإن كان الخبر يشمل الاثنين.
فقوله تعالى: ((يَخْرُجُ مِنْهُمَا)) يعني: من البحر الملح والبحر العذب، على خلاف ما هو شائع عند عامة المفسرين، ولم يخالف فيما نعلم إلا العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى؛ لأنه جمع بين هذا وبين الآية التي في سورة فاطر: ((وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا))، ومن كل أيضاً: ((تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا)).
стр. 2529
تفسير قوله تعالى: (وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام فبأي آلاء ربكما تكذبان)
قال الله ﵎: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٢٤ - ٢٥]، ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد.
قوله: ((وَلَهُ الْجَوَارِ)) يعني: السفن، جمع جارية.
((الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ)) وقراءة أخرى: (المنشِآت) فإذا قلنا: المنشآت -بكسر الشين- فهي بمعنى: الظاهرات السير اللاتي تقبلن وتدبرن بشكل أفقي، وبفتحها المنشآت بمعنى المرفوعات القلاع التي تقبل بهن وتدبر.
فقوله: ((وَلَهُ الْجَوَارِ)) يعني: السفن الجارية.
وقد فسرت هنا بما كان في زمن المفسرين، فالذي كان يحرك السفينة فيما مضى الشراع فقط، فلذلك قال: (المنشَآت) بمعنى: القلاع اللاتي تقبل بهن وتدبر؛ لأن حركة السفينة تتم حسب حركة الرياح بالأشرعة المعروفة، لكن الآن نحن نرى سفائن منشآت فعلاً في البحار كالأعلام، يعني: كالجبال من ضخامتها.
وخبر السفينة التي تسمى (تيتانك) ليس ببعيد، والخبر معروف جداً فإن أصحابها كانوا قد طغوا وتجبروا وبغوا ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ [يونس:٢٤]، وكان الاحتفال بتدشين بناء هذه السفينة فيه نوع من الاغترار الشديد جداً بمدى فخامتها، فأغرقها الله وأهلكها، وكان بعضهم قد صرح في حينها بأن هذه السفينة لا يمكن أن تغرق بأي حال من الأحوال لما فيها من الاستعدادات والاحتياطات وكذا وكذا.
فالشاهد أننا نرى هذه السفن -كنا على شاطئ البحر- في الأفق كأنها جبل جاثم فوق سطح الماء، ليست الأشرعة فقط كما كان عليه الحال فيما مضى، لكنه جسم السفينة نفسه كالجبل، وتعرفون اليوم حاملات الطائرات وبعض السفن التي تكون مدناً كاملة مقامة على ظهر البحر، فهذا كله من تسخير الله ومن نعم الله على العباد، ولكن أكثر الناس لا يشكرون؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٢٤ - ٢٥].
والأعلام: جمع علم، والعلم هو: الجبل الطويل، ولما كانت السفن من أعظم الأسباب للمتاجر والمكاسب المنقولة من قطر إلى قطر وإقليم إلى إقليم مما فيه صلاح للناس في جلب ما يحتاجون إليه من سائر أنواع البضائع قال تعالى: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ))، أي: بأي نعمه التي أنعم بها عليكم في هذه الجمادات، من خلق موادها والإرشاد إلى أخذها وكيفية تركيبها وإمضائها في البحر بأسباب لا يقدر على خلقها وجمعها غيره ، فالسفينة وهي هذه الكتلة الهائلة على البحر، واستعمالها في نقل الأشياء الثقيلة وفي نقل المسافرين وفي الحروب ونحو ذلك كلّ ذلك لا شك في أنه من قدرة الله ﵎؛ لأنه إذا قال قائل: العقل البشري هو الذي يبني هذه الأشياء، فإننا نقول: ومن أعطى الإنسان نعمة العقل؟ الله ، ومن أراد أن يحس بقيمتها فليقارن بين الشخص العاقل وبين الشخص المجنون الذاهب عقله، وانظر إلى الفرق بينهما حتى تدرك ما قيمة العقل، أو بالأحرى قس الإنسان العاقل بالبهائم والحيوانات وقارن بينهما، فالله هو الذي وهب للإنسان نعمة العقل، وأمتن عليه به، فكل ما نجم عن نعمة العقل ما هو إلا من فيض نعمة الله على الإنسان بهذا العقل.
стр. 2530
تفسير قوله تعالى: (كل من عليها فان فبأي آلاء ربكما تكذبان)
قال الله ﵎: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٨].
قوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾، كقوله أيضاً: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، وقوله ﵎: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨]، وقوله ﵎: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء:٣٥]، والوجه صفة من صفات الله العلي التي وصف بها نفسه، فعلينا أن نصدق ربنا ونؤمن بما وصف به نفسه مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق.
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] يعني: كل من على ظهر الأرض هالك، وهنا نلاحظ أنه لم يأت فيما مضى قريباً ذكر الأرض إلا في قوله تعالى: ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ [الرحمن:١٠] فبسبب بعد العهد والسياق عن لفظة الأرض قال بعض المفسرين: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ هذا الضمير كناية عن غير المذكور وهو الأرض.
((فَانٍ)) أي: هالك.
((وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ)) أي: ذاته الكريمة.
((ذُو الْجَلالِ)) ذو العظمة والعلو والكبرياء.
((وَالإِكْرَامِ)) أي: التفضل التام، وهذه الآية كآية: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾.
وقال بعض المفسرين في قوله ﵎: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، المعنى: أن الله تعالى مستحق أن يجلَّ ويكرم ولا يجحد ولا يكفر به.
وهناك احتمال آخر في التفسير: وهو أن يكون معنى: ((ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ)): أنه يكرم أهل ولايته ويرفع درجاتهم.
وقد يحتمل احتمال ثالث وهو: أن يكون أحد الأمرين مضافاً إلى الله تعالى، والثاني: مضافاً إلى الخلق، بمعنى: أن أحد الأمرين في قوله ((ذو الجلال)) مضافاً إلى الله تعالى، يعني: أن الجلال صفة لله، واللفظ الآخر: وهو الإكرام يكون مضافاً إلى العبد، بمعنى: أن الفعل منه، كقوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر:٥٦] فتكون الآية على هذا الاحتمال الثالث مثل هذه الآية تماماً، فقوله: ((هو أهل التقوى)) مضافة إلى العبد، ((وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ)) هو الله .
فإذاً: أحدهما راجع إلى العبد والآخر راجع إلى الله ، فالجلال صفة الله، والإكرام فعله بعباده، وهو أنه يكرم عباده.
ولما كان فناء الخلق سبباً لبعثهم للنشأة الأخرى التي يظهر بها المحق من المبطل وينقلب الأول بالثواب ويبوء الآخر بالعقاب، فذلك من أعظم النعم التي يشمل فيها العدل الإلهي المكلفين، قال الله : ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ))، فإذا كانت الدنيا دار فناء، والعباد والصالحون إنما يعملون للإقامة في الآخرة والتمتع بجنات النعيم، فإن هذا الفناء لابد منه لكي يكون وسيلة إلى برزخ يمر به العبد إلى بعد ذلك، وهذه المرحلة الأخرى وهي يوم البعث والنشور الذي ينتهي به استقرار المؤمنين في الجنة والكافرين في النيران وفي العقاب والعذاب.
فلا شك أن هذا الإخلاء من هذه الزاوية نعمة من نعم الله على العباد، يتجلى فيها عدل الله ورحمته، فيقول: ولما كان فناء الخلق سبباً لبعثهم للنشأة الأخرى التي يظهر بها المحق من المبطل.
فإظهار أهل الحق لتمييز الحق من الضلال من نعم الله .
ويقول: وينقلب الأول بالثواب ويبوء الآخر بالعقاب، فذلك من أعظم النعم التي يشمل فيها العدل الإلهي المكلفين، لذلك قال : ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)).
وقد أشار الرازي إلى ما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ من الفوائد بقوله: فيه فوائد منها: الحث على العبادة، وترك الزمان اليسير إلى الطاعة.
أي: فيها حث على أن يجتهدوا في العبادة، وأن يستثمروا الزمان اليسير القليل في الطاعة.
ومنها: المنع من الوثوق بما يكون للمرء.
يعني: إياك أن تثق أو تتوكل على مال أو جاه أو منصب أو سلطان أو كذا أو كذا، وإنما تجعل ثقتك وتوكلك على الله وحده، لأن الكل يفنى ويهلك فلا يوثق به ولا يصلح أن تتوكل عليه، وإنما يصح التوكل على الباقي .
فلا يقول المرء إذا كان في نعمة: إنها لن تذهب، فيترك الرجوع إلى الله معتمداً على ماله وملكه، ولكن يقول: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾.
ومنها: الأمر بالصبر إن كان في ضر، فلا يكفر بالله معتمداً على أن الأمر ذاهب والضر زائل، وإذا أصابه بلاء أو ضرر يتذكر هذه الآية: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾، فلابد لهذا البلاء من نهاية، فيهون عليه البلاء ويسهل عليه الصبر، ويعصم نفسه من أن يقع في الكفر.
ومنها: ترك اتخاذ الغير معبوداً؛ لأن كل من عدا الله فان، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، فالله الذي يبقى وجهه ذو الجلال والإكرام هو الأحق بأن يعبد ولا يشرك به شيء فانٍ.
ومنها: الزجر عن الاغترار بالقرب من الملوك وترك التقرب إلى الله تعالى، فإن أمرهم إلى الزوال قريب.
أي: أن الإنسان لا يغتر إذا كان مقرباً من ملك أو حاكم وأنه سيحميه ويرزقه ويعطيه ويفعل به كذا وكذا؛ لأنه لو تذكر قول الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ لعلم أن هذا عما قريب سوف يزول، ومهما طال بهم الزمان فنهايتهم إلى التراب، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
ومنها: حسن التوحيد.
أن يحسن الإنسان توحيد الله ﵎، وترك الشرك الظاهر والخفي جميعاً؛ لأن الفاني لا يصلح لأن يعبد، وأي إله يعبد من دون الله فإنه فان بدلالة هذه الآية، فلا يصح الشرك الأكبر، وأيضاً لا يصح الشرك الأصغر الذي هو الرياء؛ لأن هؤلاء الذين ترائي من أجلهم إذا كانوا فانين فلماذا تبطل ثواب العبادة بأن تتزين لهم؟! فهؤلاء الناس لن يقدروا على ثوابك، وإنما الرياء يحبط عبادتك ويذهب جهدك سدى؛ فلذلك ينبغي للإنسان أن يكثر من تذكر هذه الآية الكريمة: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون وكذلك أهل السماوات إلا من شاء الله، ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم، فإن الرب تعالى وتقدس لا يموت بل هو الحي الذي لا يموت أبداً.
قال قتادة: أنبأ بما خلق ثم أنبأ أن ذلك كله فان.
وفي الدعاء المأثور: (يا حي يا قيوم يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك).
فالإنسان يحرص على أن يتوكل على الله سبحانه وحده ويستعيذ بالله من أن يكله إلى غيره، ولا ينبغي للإنسان أن يتوكل على غير الله ﵎.
وقال الشعبي: إذا قرأت: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ فلا تسكت حتى تقرأ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾؛ لأن هذه الآيات متقابلة في المعنى، فيها نفي وفيها إثبات، ينبغي أن نصل بينهما في القراءة، فلا تقرأ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ ثم تقف، بل الأدب والأكمل أن تتم المعنى؛ لأن المعنى يظهر بالصور المتضادة، فإذا كان كل من عليها فان فلابد أن تثبت قوله تعالى بعدها (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام).
وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، وقد نعت تعالى وجهه الكريم في هذه الآية الكريمة بأنه ذو الجلال والإكرام، أي: هو أهل أن يجلَّ فلا يعصى، وأن يطاع فلا يخالف، كقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨]، وكقوله إخباراً عن المتصدقين: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٩].
قال ابن عباس: ((ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ)) أي: ذو العظمة والكبرياء.
ولما أخبر عن تساوي أهل الأرض كلهم في الفناء، وأنهم سيصيرون إلى الدار الآخرة فيحكم فيهم ذو الجلال والإكرام بحكمه العدل قال: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ))؛ لأن الموت والفناء هو وسيلة للانتقال إلى دار الجزاء ودار الرحمة والعدل.
стр. 2531
تفسير قوله تعالى: (يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن فبأي آلاء ربكما تكذبان)
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٢٩ - ٣٠].
قوله: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، هذا إخبار عن غناه عما سواه، وامتداد لمعاني ما مضى؛ لأنه إذا كان: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾، فإذا كان هو الباقي وهو ذو الجلال والإكرام فإنه مستحق لأن يعبد ويجلَّ ويعظم ولا يلحد ولا يكفر به، ثم إنكم لا غنى لكم عن الله طرفة عين، ولا تستطيعون الاستغناء عن الله، بل أنتم فقراء إلى الله فقراً ذاتياً ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]، فلذلك أتبع ذلك بقوله: ((يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) وهذا إخبار عن غنى الله سبحانه وتعالى عما سواه، وافتقار الخلائق إليه في جميع الأشياء، فكلهم يسألون الله سواء بلسان الحال أو بلسان المقال، والله غني عنهم وهم الفقراء إليه بدليل أنهم يسألونه: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾.
قال الأعمش عن مجاهد عن عبيد بن عمير: قوله تعالى: ((كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)) من شأنه أن يجيب داعياً، أو يعطي سائلاً، أو يفك عانياً، أو يشفي سقيماً.
وقال مجاهد: كل يوم هو يجيب داعياً، ويكشف كرباً، ويجيب مضطراً، ويغفر ذنباً.
وقال قتادة: لا يستغني عنه أهل السماوات والأرض، يحيي حياً، ويميت ميتاً، ويربي صغيراً، ويفك أسيراً، وهو منتهى حاجات الصالحين وطريقهم، ومنتهى شكواهم.
وعن صهيب بن جبلة الفزاري قال: إن ربكم كل يوم هو في شأن، فيعتق رقاباً، ويعطي رغاباً، ويقسم عقاباً.
وأقوال المفسرين عموماً تعود إلى هذه المعاني وسنزيدها إن شاء الله تعالى إيضاحاً.
يقول القاسمي: ((يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) أي: يدعونه ويرغبون إليه ويرجون رحمته لفقرهم الذاتي وغناه المطلق.
((كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)) أي: كل وقت يحدث أموراً، ويجدد أحوالاً، كما قال الحسين بن الفضل: هو سوق المقادير إلى المواقيت؛ ولذلك فإن هذه الآية من الآيات التي يستدل بها في مسألة القدر في التقدير اليومي، ومسألة القدر هي سدس الإيمان، فالإيمان ستة أسداس، وهي: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وفي حديث عبادة بن الصامت ﵁ لما قال لابنه: إنك مهما فعلت، فإذا لقيت الله دون أن تؤمن بالقدر كأنك ما فعلت شيئاً، لا تنجو من النار حتى تؤمن بالقدر.
стр. 2532
أنواع المقادير التي يقدرها الله
باختصار شديد نلفت النظر إلى هذه المسألة -نظراً لأهمية مدارسة العقيدة وبالذات قضية القضاء والقدر- فإن الآية مما يستدل بها على إحدى مراتب المقادير؛ لأن التقدير أنواع: فمنه التقدير الأزلي حينما أمر الله القلم بأن يكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، (أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى قيام الساعة).
ومنه: التقدير الذي كان حينما استخرج من صلب آدم ﵇ الذرية وقال: (هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار).
ومنه: التقدير الحولي الذي هو التقدير السنوي ودليله قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٣ - ٤]، ففي ليلة القدر في كل سنة تتم كتابة المقادير من هذه السنة إلى السنة التي تليها، وما الذي سيحصل في هذا الوجود خلال هذه السنة.
وهذا التقدير ليس بجديد بل هو موافق دائماً لما أثبت في اللوح المحفوظ، مطابقاً لعلم الله السابق، ولكن تعاد كتابته، أو يكتب من جديد موافقاً لما سبق، وليس فيه أي تغيير.
فإذاً: هناك التقدير الأزلي وهو تقدير أصلي عند خلق القلم.
ثم التقدير حينما استخرج الله من صلب آدم الذرية.
وهناك التقدير الحولي كل سنة، ودليله قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، وليست ليلة النصف من شعبان وإنما ليلة القدر، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، ونفهمها من ظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١]، فهذه تفسر تلك.
ثم هناك التقدير اليومي، ودليله هذه الآية: ((كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ))، فكل يوم يكتب فيه تقدير للأشياء التي سوف تحصل في هذا اليوم، فهو يبديها وليس يبتديها، تكشف هذه الأحكام وليس إنشاء لها من جديد؛ لأنها سبقت في علم الله الأزلي.
وهناك مرحلة أخرى من التقدير وهي التقدير العمري والجنين في بطن أمه، حيث يأتي الملك فيؤمر بنفخ الروح، ويؤمر بكتب أربعة أشياء، فيقول: (أي ربي ذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ما رزقه؟ ما أجله؟)، فهذا يكتب في هذه اللحظة أو في هذا الوقت بعد مرور مائة وعشرين يوماً على الجنين موافقاً لما سبق، وموافقاً أيضاً لما سيأتي في أنواع التقادير الأخرى كما ذكرنا، إذاً: فهذه الآية من آيات القدر ((كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ))، وهي دليل على التقدير اليومي.
قال مجاهد: يعطي سائلاً، ويفك عانياً، ويجيب داعياً، ويشفي سقيماً.
وقوله ﵎: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) أي: مما أجاب به سؤالكما، فأنتم تسألون الله وما أكثر ما سألتم الله بلسان الحال أو بلسان المقال فأجاب سؤالكم ودعاءكم وآتاكم من فضله، ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) مما يسعف به سؤالكما، ويخرج لكما من مخبأ قدره وخلقه آناً فآناً.
وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: ((كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)): أراد في يومي الدنيا والآخرة، قال ابن بحر: الدهر كله يومان: أحدهما: مدة أيام الدنيا، والآخر: يوم القيامة.
فشأنه في أيام الدنيا الابتلاء والاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، وشأنه يوم القيامة الجزاء والحساب والثواب والعقاب.
وقيل المراد بذلك: الإخبار عن شأنه في كل يوم من أيام الدنيا وهو الظاهر، والشأن في اللغة: الخطب العظيم، والجمع: الشئون.
والمراد بالشأن ها هنا الجمع ((كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ))، فهو مفرد لكن يراد به الجمع كقوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر:٦٧]، يعني: أطفالاً.
وقال الكلبي: شأنه سوق المقادير إلى المواقيت، فالمقادير التي سبق بها القلم تساق في كل يوم إلى المواقيت، أي: الزمان الذي حدده الله كي يموت فلان أو يمرض فلان، أو يرزق فلان، أو ينصر فلان وهكذا.
وقال عمرو بن ميمون في قوله تعالى: ((كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)): من شأنه أن يميت حياً، ويقر في الأرحام ما شاء، ويعز ذليلاً ويذل عزيزاً.
وسأل بعض الأمراء وزيره عن قوله تعالى: ((كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ))، فلم يعرف معناها، واستمهله إلى الغد، فانصرف كئيباً إلى منزله، فقال له غلام له أسود: ما شأنك؟ فأخبره، فقال له: عد إلى الأمير فإني أفسرها له، فدعاه، فقال: أيها الأمير شأنه أن يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ويشفي سقيماً ويسقم سليماً، ويبتلي معافى ويعافي مبتلىً، ويعز ذليلاً ويذل عزيزاً، ويفقر غنياً ويغني فقيراً، يعني: أن هذه كلها من أفعال الربوبية ومن مقتضياتها، وهي من أدلة حدوث العالم؛ لأن الله هو الذي يحدث فيه، وهذه المخلوقات تخضع لما يشاء الله فيها، فأي جبار مهما طغى وتجبر لا يستطيع أن يرد قضاء الله إذا نزل به، وأي سفاح من السفاحين كرئيس الجمهورية العربية السورية، الذي دك بلدة حماة على المسلمين، وانتهكت الأعراض، واستبيحت الأموال، وقتل عشرة آلاف مسلم في يوم أو في يومين، فهذا السفاح انظر إلى نهايته، كيف أنه خضع للموت ولم يملك الاعتراض على ملك الموت الذي أتى لقبض روحه، بل إنه خضع لما أراده الله به.
((كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)) فهذا الشأن هو الذي يحدث الله فيه ما يشاء في خلقه مما يقضيه ويقدره بهم.
فلما قال هذا الغلام للأمير: شأنه أن يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، يعني: كل ما يحدث في العالم من أمور وأحداث يشاءها الله فالله هو الذي يدبرها، فهناك إرادة وهناك قوة هي قوة الله تغير أحوال هذا العالم من حال إلى حال، في حين أن الكفار يعتقدون -حتى الذي يعتقد أن هناك إلهاً- أن الله خلق العالم ثم حركه ثم تركه ونسي العالم، فليست هناك محاكمة ولا شريعة ولا حلال وحرام؛ لأنه خلق العالم وحركه ثم تركه!! كلا، بل العالم وكل هذه الموجودات لا غنى لها عن الله طرفة عين، ولا يمكن أن تستغني عن الله طرفة عين وإلا فسد كل ما في هذا الوجود ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال: أيها الأمير شأنه أن يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ويشفي سقيماً ويسقم سليماً، ويبتلي معافىً ويعافي مبتلىً، ويعز ذليلاً ويذل عزيزاً، ويفقر غنياً ويغني فقيراً.
فقال له: فرجت عني فرج الله عنك، ثم أمر بخلع ثياب الوزير وكساها الغلام.
فقال: يا مولاي هذا من شأن الله تعالى، يعني: هذا داخل في قوله تعالى: ((كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ))، فقد غير حالي وغير حال الوزير، أي: حين خلع ثياب الوزير التي هي ثياب الوزارة وكساها لهذا الغلام، فقال له: يا مولاي هذا من شأن الله تعالى، يعني: هذا نموذج من نماذج أن الله كل يوم هو في شأن، يحدث في خلقه ما يشاء من الأفعال.
وعن عبد الله بن طاهر أنه دعى الحسين بن الفضل وقال له: أشكلت علي ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي: قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة:٣١]، وقد صح أن الندم توبة.
وقوله: ((كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ))، وقد صح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة.
وقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، فما بال الأضعاف.
يعني: الإشكال الأول: وهو أنه قد صح الحديث (أن الندم توبة) من قول النبي ﷺ ، وهنا يقول الله : ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة:٣١]، والسياق في ذم قابيل الذي قتل أخاه هابيل، فإذا كان أصبح من النادمين فكيف يعذب؟ وتعرفون الحديث: (ما من نفس تقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها؛ لأنه أول من سن القتل)، فإذا كان سياق الآية واضحاً في ذم قابيل مع أنه ندم، وكان الندم توبة فلماذا يعذب؟! فقال له الحسين بن الفضل: يجوز أن لا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة؛ لأن الله تعالى خص هذه الأمة بخصائص لم تشاركها فيها الأمم.
وقيل: إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل ولكن على أنه لم يحمل جثة أخيه لكي يواريها في التراب ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة:٣١]، أي: على أنه لم يدفن أخاه، وليس من النادمين على المعصية نفسها، والله تعالى أعلم.
وأما الإشكال الثاني في قوله: ((كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ))، وقد صح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، فإذا كان القلم قد جرى بكل ما يكون إلى يوم القيامة، فكيف أنه كل يوم هو في شأن، أي: تقدر أشياء كل يوم؟ فقال له: أما قوله: ((كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ))، فإنها شئون يبديها لا شئون يبتديها، فانظر إلى فصاحة العلماء ووجازة كلامهم المبارك، فقوله: (شئون يبديها) يعني: يخرج إلى حيز الوجود ما علمه الله من قبل، فما كان غيباً يخرج علمه للشهادة في وقته الذي حدده الله ، فـ ((كل يوم هو في شأن)) أي: أن هناك تقديراً عما سيحصل في كل يوم لهذه المخلوقات، وهذا لا يتعارض على الإطلاق مع ما كتب في اللوح المحفوظ، فهي شئون يبديها ويكشفها وليست شئون يبتديها، فهذا العلم ليس علماً مستأنفاً وليس علماً محدثاً وإنما هو موافق لعلم الله .
وأما الإشكال الثال
стр. 2533
تفسير قوله تعالى: (سنفرغ لكم أيها الثقلان فبأي آلاء ربكما تكذبان)
قال تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٣١ - ٣٢].
قوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾، معناها: سنقصد لحسابكم، قال القرطبي: يقال: فرغت من الشغل أفرغ فراغاً وفروغاً، وتفرغت لكذا، واستفرغت مجهودي في كذا، أي: بذلته، والله تعالى ليس له شغل يفرغ منه وإنما المعنى: فاحذر أن تتصور أن قوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾، كفراغ واحد من البشر، أن يقول مثلاً: أنا سوف أفضي نفسي وأخلص الذي في يدي وأتفرغ لك!! لا؛ لأن الله لا يشغله شيء عن شيء، والله تعالى ليس له شغل يفرغ منه، وإنما المعنى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾، أي: سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم، فهو وعيد لهم وتهديد، كقول القائل لمن يريد تهديده: إذاً أتفرغ لك، يعني: أقصدك، وتقول للرجل الذي لا شغل له أصلاً وليس منشغلاً بشيء: قد فرغت لي، قد فرغت تشتمني، يعني: أخذت في هذا الأمر وأقبلت عليه.
وقال الزجاج: الفراغ في اللغة على معنيين: أحدهما: الفراغ من الشغل.
والآخر: القصد للشيء والإقبال عليه، كما هنا في هذه الآية، فمعنى الفراغ: سنقصد لحسابكم، وليس معناها: سنفرغ من شغل معين ثم نتفرغ لكم.
وهو تهديد ووعيد، تقول: قد فرغت مما كنت فيه، أي: قد زال شغلي به، وتقول: سأفرغ لفلان، أي: سأجعله قصدي، فليس هذا على سبيل تمثيل تدبيره تعالى أمر الآخرة من الأخذ في الجزاء وإيصال الثواب والعقاب إلى المكلفين، بعد تدبيره تعالى لأمر الدنيا بالأمر والنهي والإماتة والإحياء والمنع والإعطاء، ليس فيه تمثيل بحال من كان في شغل يشغله عن شغل آخر، فإذا فرغ من ذلك الشغل شرع في الآخر، لكن المقصود هنا ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾، أي: سنقصد لحسابكم.
وقيل: الفراغ: الخلاص عن المهام، والله لا يشغله شأن عن شأن، وقد وقع مستعاراً للأخذ في الجزاء وحده، فمعنى: ((سَنَفْرُغُ لَكُمْ)) سنحاسبكم أيها الثقلان.
والثقلان: تثنية ثَقَل بفتحتين، فعل بمعنى: مفعل، أي: مثقل؛ لأنهما أثقلا الأرض، أو بمعنى: مفعول؛ لأنهما أُثقلا بالتكاليف، وقال الحسن: لثقلهما بالذنوب.
والخطاب في ((سَنَفْرُغُ لَكُمْ)) قيل: للمجرمين من الثقلين، لكن يأباه قوله تعالى: ((أَيُّهَا الثَّقَلانِ))، فالمقصود بالتهديد هم، ولا مانع من تهديد جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم برهم وفاجرهم؛ لأن المقصود بـ (سنفرغ) سنقصد لحسابكم، فتشمل الفريقين، ولا يفهم من هذا اللفظ الكريم وعيد بحت، بل هو حامل للوعد أيضاً، فهي تشمل وعداً ووعيداً، حتى يقال: إنها وعيد فقط في حق المجرمين! بل هي في حق الجميع، أي: سنقصد المؤمنين بالوعد لحسابهم ومثوبتهم الإثابة الحسنة على الإيمان والعمل الصالح، ونقصد المجرمين لحسابهم بالعدل، بالعقوبة والجزاء وكفى، فهذه عامة وتشمل الأمرين معاً.
يقول: والخطاب في (لكم) قيل: للمجرمين، لكن يأباه قوله: ((أَيُّهَا الثَّقَلانِ))،المقصود بالتهديد هم ولا مانع من تهديد الجميع، ولا يفهم من هذا أن اللفظ الكريم وعيد بحت بل هو حامل للوعد أيضاً؛ لأن المعنى سنفرغ لحسابكم، وسنثيب أهل الطاعة ونعاتب العصاة، وهو جلي؛ ولذلك اعتد ذلك نعمة عليهم، فقال: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ))، أي: من ثوابه أهل طاعته وعقابه أهل معصيته.
стр. 2534
الكلام على أخوف آية في كتاب الله
وهذه الآية الكريمة وهي قول الله ﵎: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾، من الآيات التي رشحها بعض العلماء بأنها أخوف آية في القرآن الكريم، يعني: كما أن هناك بحثاً معروفاً في علوم التفسير وعلوم القرآن في أرجى آية، هناك بحث آخر في أخوف آية، وقد تكلمنا على الآيات المحتملة لهذا مرات كثيرة، أما أخوف آية فما أظن أننا فصلنا فيها، وإن كان الوقت لا يحتمل التفصيل لكن سنشير إشارة عابرة إلى هذا البحث، فما هي أخوف آية للعصاة في القرآن الكريم؟ قيل: هذه الآية: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾، فإنها تهديد بالحساب، وقيل: أخوف آية قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣٠ - ١٣١].
قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: هذه الآية أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه.
يقول الغماري: فالعجب من ضعف العلماء الذين يتحايلون لإباحة صور من الربا بعد سماعهم للآية الكريمة، يا ويلهم من الله .
وفي سورة الزمر آية مثل هذه في الشدة إن لم تكن أشد منها وهي قوله ﵎: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) [الزمر:٤٧]، قال الزمخشري: وعيد لهم -يعني: وعيد للذين ظلموا- لا كنه لفظاعته وشناعته، يقول: وهو نظير قوله تعالى في الوعد: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧]، هذا في الوعد والثواب، وقوله ﷺ : (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)، أما هذه فقيل: إنها في الوعيد بنفس الدرجة على الجهة الأخرى، ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾، وجزع محمد بن المنكدر عند موته، فقيل له، فقال: أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب، يعني: ما لم أكن أظنه، قلت: وهذه والله قاصمة الظهر، نسأل الله العفو والعافية، هذا كلام الزمخشري.
وآية ثالثة مثل سابقتها وهي قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:٦٢ - ٦٣]، فعبر في المسارعين إلى الإثم وأكل السحت بجملة: ((لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ))، وعجائب القرآن لا تنتهي، وروعة القرآن الكريم ومعجزاته لا تنفد أبداً، ولو أن الواحد منا لم يعتن بكلام العلماء ويحاول أن يستخرج مثل هذه العجائب ربما صعب عليه جداً.
فقوله: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:٦٢ - ٦٣]، النكتة أنه في الذنب الأول قال: ((لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ))، وفي الثانية قال: ((لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)).
يقول الغماري أيضاً في خواطره: عبر في المسارعين إلى الإثم وأكل السحت بجملة: ((لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ))، وعبر في التاركين للنهي عن المنكر؛ لأنهم العلماء والأحبار لما رأوا هؤلاء لم ينهوهم عن المنكر، فعبر عن التاركين نهيهم بجملة: ((لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)).
قال الزمخشري: كأنهم جعلوا آثم من مرتكبي المناكير، يعني: الساكت عن النهي عن المنكر أشد وزراً من مرتكب المنكر، قال: لأن كل عامل لا يسمى صانعاً ولا كل عمل يسمى صناعة حتى يتمكن فيه ويتدرب وينسب إليه، يعني: أن الشيء المتقن الذي يكون الإنسان قد تدرب فيه مدة كافية وتمكن منه، يقال فيه: إن فلاناً هذا عنده الصنعة الفلانية، فتجد عنده المهارة والتمكن وكثرة الممارسة.
يقول الزمخشري بعد ذلك: وكأن المعنى في ذلك أن مواقع المعصية معه الشهوة التي تدعوه إليها، وأما الذي ينهاه فلا شهوة له بفعل غيره، يعني: عامل المعصية عنده شهوة في داخله هي التي تؤزه عليها أزاً، لكن الشخص المطالب بأن ينهاه ليس معه نفس هذه الشهوة؛ لأن شهوة غيره ليست في قلبه هو، فبالتالي يكون أقوى في النهي عن المنكر، فإذا فرط في الإنكار كان أشد حالاً من المواقع، ولعمري إن هذه الآية مما تهز المسامع وتنعي على العلماء توانيهم.
وعن ابن عباس ﵄ قال: هي أشد آية في القرآن، يعني: آية الوعيد للذين يتركون النهي عن المنكر، ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:٦٢]، هؤلاء العصاة، ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:٦٢ - ٦٣]، وهذا دليل على أن الترك فعل؛ لأنه قال في الترك ((لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)) فعبر بالصنعة؛ لأن هؤلاء قد تمكنوا ورسخوا في هذا العمل.
وعن الضحاك قال: ما في القرآن آية أخوف عندي منها، وتوضيح ذلك أنه لما ترك الإنكار على مرتكبي المناكير معبراً عنه بالصناعة كان هذا الذم أشد من سابقه؛ لأنه جعل ما ذموا به صناعة لهم وحرفة لازمة وهم فيها أمكن من أصحاب المناكير في أعمالهم، وهذا وجه الأشدية التي أشار إليها ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: هي أشد آية في القرآن، والأخوفية التي ذكرها الضحاك في قوله: ما في القرآن آية أخوف عندي منها.
وفي سورة التوبة آية شديدة أيضاً وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤].
قال الحسن: أمره: عقوبة عاجلة أو آجلة.
وقال الزمخشري: وهذه آية شديدة لا ترى أشد منها، كأنها تنعي على الناس ما هم عليه من رخاوة عقد الدين واضطراب حبل اليقين، فلينصف أورع الناس وأتقاهم من نفسه هل يجدُ عنده من التصلب في ذات الله والثبات على دين الله ما يستحب له دينه على الآباء والأبناء والإخوان والعشائر والمال والمساكن وجميع حظوظ الدنيا، ويتجرد منها لأجله، أم يزوي الله عنه أحقر شيء منها لمصلحته، فلا يدري أي طرفيه أطول ويغويه الشيطان عن أقل حظ من حظوظ الدين فلا يبالي كأنما وقع على أنفه ذباب فطيره.
والبحث في أخوف آية بحث في آيات كثيرة جداً نرجو أن تأتي فرصة فيما بعد كي نفصله.
стр. 2535
تفسير قوله تعالى: (يا معشر الجن والإنس فبأي آلاء ربكما تكذبان)
قال الله ﵎: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٣٣ - ٣٤].
قوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي: إن استطعتم أن تجوزوا أطراف السماوات والأرض فتعجزوا ربكم بخروجكم عن قهره ومحل سلطانه ومملكته حتى لا يقدر عليكم فانفذوا، وإن كنتم تستطيعون الخروج عن المملكة وهي السماوات والأرض بحيث تعجزوني فاخرجوا.
((فَانفُذُوا)) أي: فجوزوا واخرجوا وهذا تحدٍ.
((لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ)) أي: بقوة وقهر وغلبة، وأنى لكم هذا السلطان وهذه القوة وهذا القهر الذي يخرجكم من ملك الله إلى غيره؟! ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [العنكبوت:٢٢] أي: لن تخيفوه ولن تعجزوه.
ويقال معنى الآية: إن استطعتم أن تعملوا ما في السماوات والأرض فاعملوه ولن تعملوه إلا بسلطان، يعني: ببينة من الله تعالى.
والمعنى الأول أظهر؛ لأنه لما ذكر في الآيات الأولى أنه لا محالة مجاز للعباد عقبه بقوله: ((إِنِ اسْتَطَعْتُمْ)) إلى آخره، لبيان أنهم لا يقدرون على الخلاص من جزائه وعقابه إذا أراده الله ، فالآية التي قبلها ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ أي: سنقصد إلى حسابكم، ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) أي: إن استطعتم أن تهربوا من حسابي الذي سبق ذكره آنفاً، وإن استطعتم أن تعجزوني وتهربوا وتخرجوا من ملكي فاخرجوا.
((لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ)) ووأنّى لكم هذا السلطان؟! أنّى لكم هذه القدرة وهذه القوة التي تخرجكم من ملكوتي كي تعجزوني؟! ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) أي: بالتسوية بين جميعكم؛ لأن جميعكم لا يقدرون على خلاف أمر أراده الله بكم.
وقال القاضي: أي: من التنبيه والتحذير والمساهلة والعفو مع كمال القدرة، ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)).
стр. 2536
تفسير قوله تعالى: (يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران فبأي آلاء ربكما تكذبان)
قال تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٣٥ - ٣٦].
قوله: ((يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ)) أي: لهب (من نار).
((وَنُحَاسٌ)) أي: صفر مذاب يصب على رءوسكم.
((فَلا تَنتَصِرَانِ)) أي: لا تمتنعان وتنقذان منه، يعني: إذا أصررتما على الكفر والطغيان وعصيان الرسول ﷺ فما أمامكم في الآخرة إلا هذا العذاب الأليم.
وقد ذهب ابن كثير إلى أن هذه الآية وما قبلها مما يخاطب به الكفرة في الآخرة، يعني: أن بعض العلماء قالوا: إن هذه الآية المقصود بها في الآخرة، ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن:٣٣]، يعني: إن استطعتم أن تهربوا من حسابي ومن عقابي في الآخرة.
وقال هنا: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ﴾، يقول ابن كثير: هذا في مقام الحشر والملائكة محدقة بالخلائق، محيطة بهم فلا يقدر أحد على الذهاب إلا بسلطان، أي: بأمر الله، ﴿يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلَّا لا وَزَرَ﴾ [القيامة:١٠ - ١١] أي: لا ملجأ، ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة:١٢].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس:٢٧]، ولهذا قال تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ﴾، والمعنى: أنكم لو ذهبتم هاربين يوم القيامة لردعتكم الملائكة والزبانية بإرسال اللهب من النار والنحاس المذاب عليكم لترجعوا.
يقول القاسمي: ثم رأيت أنه قد سبقه إلى ذلك الإمام ابن القيم ﵀، فقد قال ﵀ في أواخر كتابه طريق الهجرتين في تفسير هذه الآية بعد أن ذكر نحو ما قدمنا من الوجهين في تأويل قوله تعالى: ((إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا))، قال: وفي الآية تقرير آخر، وهو أن يكون هذا الخطاب في الآخرة إذا أحاطت الملائكة بأقطار الأرض، وأحاط سرادق النار بالآفاق فهرب الخلائق فلا يجدون مهرباً ولا منفذاً كما قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر:٣٢ - ٣٣]، أي: يحاولون الهروب لكن لا يستطيعون.
قال مجاهد: فارين غير معجزين، ((يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ)) فارين لكن في قبضة الله وقدرته.
وقال الضحاك: إذا سمعوا زفير النار ندوا هرباً، فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفاً فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، كذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة:١٧]، لا يستطيع أحد أن يهرب أبداً من العذاب، وقوله تعالى: ((يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا))، وهذا القول أظهر، والله تعالى أعلم، هذا كلام ابن القيم.
فإذا بهذه الخلائق إذا فاجأهم هذا الموقف ولوا مدبرين، فيقال لهم: إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا، يعني: إن قدرتم أن تتجاوزوا أقطار السماوات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر على عذابكم فافعلوا، وكأن ما قبل هذه الآية وما بعدها يدل على هذا القول؛ لأن قبلها ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾، وهذا في الآخرة، وبعدها: ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾، إلى قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ﴾، وهذا أيضاً في الآخرة.
وأيضاً: فإن هذا خطاب لجميع الإنس والجن، إذ أتى فيه بصيغة العموم وهي قوله: ((يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ))، فلابد أن يشترك الكل في سماع هذا الخطاب ومضمونه، وهذا إنما يكون إذا جمعهم الله في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وقال تعالى: ((إِنِ اسْتَطَعْتُمْ))، ولم يقل: إن استطعتما؛ لإرادة الجماعة، كما في آية أخرى: ((يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ)) [الأنعام:١٣٠]، فجاءت (ألم يأتكم) بصيغة الجمع.
وقال هنا: ((يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا))، ولم يقل: يرسل عليكم؛ لأنه هنا أراد الصنفين الجن والإنس، أي: لا يختص به صنف عن صنف، بل يرسل ذلك على الصنفين معاً، وهذا وإن كان مراداً بقوله: ((إِنِ اسْتَطَعْتُمْ))، فخطاب الجماعة في ذلك بلفظ الجمع أحسن، أي: من استطاع منكم، وحسن الخطاب بالتثنية في قوله: ((يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا)) لأمر آخر وهو موافقة رءوس الآي، فاتصلت التثنية بالتسوية، وفيه التسوية بين الصنفين في العذاب للتنصيص عليهما، فلا يحتمل اللفظ إرادة أحدهما، والله تعالى أعلم.
يقول القاسمي بعدما أورد هذا البحث: وأنت ترى أن لا قرينة تخصص الآية بالقيامة، وما استشهد به من الآيات لا يؤيده؛ لأنه ليس من نظائره.
стр. 2537
وجه تفسير قوله تعالى: (لا تنفذون إلا بسلطان) على أن السلطان العلم والرد عليه
هنا تنبيه أخير قبل أن نختم الكلام فيما يتعلق بقوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾، يقول صاحب كتاب (خواطر دينية): كثير من أهل العلم يدعي في قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ أنه يشير إلى الطائرات وسفن الفضاء، ويقولون: إن معنى: ((لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ)) يعني: إلا بعلم، ففيه الإشارة إلى أن العلم سيصل إلى اختراع ما ذكر، وقد حصل ذلك أخيراً كما هو مشاهد، وهذا غلط؛ لأن سياق الآية لا يفيد ذلك ولا يساعد عليه، بل الخطاب فيها لتعجيز الثقلين وإعلامهم أنهم لا يقدرون على الخروج من نواحي السماوات والأرض هرباً من يوم الحساب.
((إِلَّا بِسُلْطَانٍ)) أي: بقوة، ولا قوة لهم على ذلك، وهذه الطائرات وسفن الفضاء لم تخرج عن أقطار السماوات والأرض، ولا يمكن أن تخرج عنها أبداً، وإنما هي تطير داخلها مهما أبعدت في طيرانها، وحتى لو خرجت خارج المجرة أو خارج كل المجرات القريبة مثلاً فهم ما زالوا في داخل أقطار السماوات، حتى إنهم إلى الآن لا يعرفون حدود سماء الدنيا.
ولم يخرج أحد عن أقطار السماوات إلا النبي محمد ﷺ ليلة المعراج حيث تجاوز السماوات السبع إلى سدرة المنتهى وإلى الجنة، وكان ذلك إكراماً خاصاً به ﵌، فهل تجاوزت طائرة أو سفينة فضاء السماء الدنيا؟ بل هل هي وصلت أصلاً إلى حدود السماء الدنيا؟ نعم أشار القرآن إلى الطائرات بأنواعها بإشارة صريحة في قوله تعالى وهو يذكر نعمته علينا في خلق المواصلات حيث قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] يعني: من وسائل المواصلات التي سوف تصنعونها وتخترعونها وتكون سريعة جداً، وهذا أشرنا إليه من قبل في تفسير سورة يس، وتكلمنا في بحث مفصل عن إخبار القرآن في عدة آيات وكذلك السنة في بعض الأحاديث عن هذه المواصلات الحديثة من السيارات والطائرات ونحوها.
أما قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ [الحج:١٥] أي: بحبل، ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج:١٥] يعني: إلى سقف الحجرة، ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج:١٥] فالشاهد أن السماء تطلق لغة على السقف وغيره، والسحاب يطلق عليه سماء، قال : ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [المؤمنون:١٨] السماء هنا المقصود بها: السحاب؛ لأنه يعلونا، أيضاً الغلاف الجوي سماء: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء:٣٢] فالغلاف الجوي سقف محفوظ يحفظ الأرض والكائنات الحية من الإشعاعات الضارة التي قد تبيد الحياة، والكواكب يطلق عليها سماء؛ لأنها تعلونا، فقول الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ [الجن:٨] يعني: أن الجن لا ينفذون إلى ما فوق السماء الدنيا.
ثم قال تعالى: ﴿فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن:٨] أي: حراسة السماء لنزول القرآن، وهذه كانت من إرهاصات بعثة النبي ﷺ ، وأن أمراً عظيماً سوف يحدث، لذلك حرست السماء حتى لا يختطف الجن الوحي فيخلطوه بالكذب كما هو معلوم في الأحاديث.
﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ [الجن:٨] لا تعني أبداً أنهم قد اخترقوا أو نفذوا من أقطار السماوات والأرض، خاصة وأن الله يقول: ((يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا)) تهديد، ((لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ)) أي: لابد لكم من قوة وقدرة على الاختراق، وأنى لكم هذه القدرة التي تمكنكم من أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض.
стр. 2538
تفسير سورة الرحمن [٣٧ - ٥٤]
стр. 2539
تفسير قوله تعالى: (فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان فبأي آلاء ربكما تكذبان)
انتهينا في تفسير سورة الرحمن إلى الآية السابعة والثلاثين، وهي قول الله ﵎: ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٣٧ - ٣٨].
يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ)) أي: انفطرت فاختل نظامها العلوي.
((فَكَانَتْ وَرْدَةً)) أي: كلون الورد الأحمر.
قوله: ((كَالدِّهَانِ)) أي: كالدهن الذي هو الزيت، كما قال تعالى في سورة المعارج: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج:٨] وهو دردي الزيت، يعني: في لونها كدورة لصيرورتها إلى الفناء والزوال.
ووجه تشبيهها بالدهن أو الدهان الذي هو الزيت في اللون المكدر وفي الذوبان كما قال تعالى: ((يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ)) أي: أن المهل هو دردي الزيت، فإذا كان هناك زيت في برميل مثلاً فيلاحظ أن الشوائب والقاذورات التي تخالطه تترسب في قرب القاع أو في الطبقة السفلى منه، فهذا هو الدردي الذي يترسب في الطبقة السفلى من الزيت ويسبب له نوعاً من الكدورة في لونه، ولذلك يضربون به المثل فيقولون: إذا كان أول الدن دردياً فماذا يكون بعد؟! والدن هو البرميل أو إناء الزيت، فمعنى المثل: إذا كان الدردي الذي هو العكر يوجد في أعلى الدن فما بالك بأسفل الطبقة كيف سيكون؟! وهو يشبه ما يعبر به العامة في قولهم: أول القصيدة كفر، يعني: إذا كان أول القصيدة كفر فماذا يكون بعد؟! وسياق قوله تعالى: ((فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ)) يدل على أن ذلك إنما يقع يوم القيامة، والقرينة على ذلك قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٣٩]، فهذا مما يقوي أو يؤكد أن ذلك إنما يكون يوم القيامة كما هو في السياق، وخاصة أن هناك لهذه الآية نظائر في القرآن الكريم، كقوله ﵎: ﴿وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٦] يعني: يوم القيامة، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان:٢٥]، وقال ﵎: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق:١ - ٢]، وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾ [الانفطار:١]، وهكذا.
قوله: ((فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ)) سياق الآية أنها في يوم القيامة.
نشرت وكالة ناسا الأمريكية حديثاً صوراً ملونة في غاية الروعة فيها انفجارات لنجوم، سواء لميلاد نجوم جديدة، أو انشقاق أو تفجر نجوم في الفضاء الفسيح البعيد جداً، وهي مصورة في أفلام حية متحركة بل فيها أصوات أيضاً لانشقاقات هذه النجوم، لكن العجيب جداً أن هذه الصور التي التقطت كثير منها فعلاً صورته تماماً كصورة الوردة الحمراء ذات الورق الأخضر، وكما قلنا فإن هذه الآية تذكر انشقاق السماء لكن هذا في الآخرة، وهذه الانشقاقات تقرب إلى أذهاننا أن النجوم حينما تنشق تعطي صورة الوردة كالدهان، وهذا مما يستأنس به، وإن كان السياق بكل وضوح إنما هو فيما سيحصل يوم القيامة بالأدلة التي ذكرناها.
((فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ)) يعني: السماء سوف تنشق يوم القيامة، وإذا انشقت صارت وردة كالدهان.
((وَرْدَةً)) يعني: حمراء كلون الورد.
((كَالدِّهَانِ)) فيه قولان معروفان للعلماء: الأول منهما: أن الدهان هو الجلد الأحمر، وعليه فالمعنى: أنها تصير وردة متصفة بلون الورد مشابهة للجلد الأحمر في لونه.
القول الثاني: أن الدهان هو ما يدهن به من الألوان، وعليه فالدهان هو جمع دهن، وقيل: هو مفرد؛ لأن العرب تسمي ما يدهن به دهاناً وهو مفرد.
والفرق بين القولين: على القول أن الله وصف السماء عند انشقاقها يوم القيامة بوصف واحد: وهو الحمرة، فشبهها بحمرة الورد، وحمرة الأديم، أي: الجلد الأحمر.
قال بعض أهل العلم: إنها يصل إليها حر النار فتحمر من شدة الحرارة.
وقال بعضهم: أصل السماء حمراء إلا أنها من شدة بعدها وما دونها من الحواجز لم تصل العيون إلى إدراك لونها الأحمر على حقيقته، وأنها يوم القيامة ترى على حقيقة لونها، فالله أعلم بذلك.
أما القول: بأنها وردة كالدهان، يعني: الدهن الذي يدهن به، فإن الله قد وصف السماء عند انشقاقها بوصفين: أحدهما: حمرة لونها.
الثاني: أنها تذوب وتصير مائعة كالدهن.
فوجه الشبه بين السماء والدهان أنها تذوب وتصير مائعة سائلة كما هو الحال بالنسبة للدهون والزيوت، ووجه الشبه بينها وبين الوردة أنها حمراء، وكون السماء ستحمر يوم القيامة حتى تكون كلون الجلد الأحمر لم ترد ما يشير إلى ذلك في كتاب الله.
أما القول بأنها تذوب وتصير مائعة فبينه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج:٦ - ٨] والمهل هو: الشيء الذائب، سواء قلنا: إنه دردي الزيت، أو قلنا: إنه الذائب من حديد أو نحاس أو نحوهما، وقد بين الله في سورة الكهف أن المهل شيء ذائب يشبه الماء شديد الحرارة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩].
هناك قول بأن الوردة تشبيه بالفرس الكميت، فصارت وردة كفرس الورد، وهو نوع معين من الخيول أو البغال -كما فهمت من كلام المفسرين- تختلف ألوان جلده ما بين الشتاء والصيف والربيع وهكذا، وهذا مألوف في بعض الحيوانات مثل السحلية أو الحرباء فهي حيوانات تتلون.
ويبدو أن العرب يعرفون هذا في نوع معين من الخيول أو الأفراس، فلذلك بعض المفسرين يقولون: فكانت وردة كالفرس الورد وهو الفرس الكميت الأحمر؛ لأن حمرته تتلون باختلاف الفصول، فتشتد حمرتها في فصل، وتميل إلى الصفرة في فصل، وإلى الغبرة في فصل آخر، فيكون المقصود تشبيه كون السماء عند انشقاقها من شدة أهوال القيامة تتلون بألوان مختلفة، وبعض المفسرين قالوا: إن هذا بعيد عن ظاهر الآية.
كذلك هناك من قال: إنها تذهب وتجيء؛ لأن الألوان في الفرس الكميت تذهب وتجيء، فقالوا: أيضاً ألوانها تذهب وتجيء واستدلوا بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ [الطور:٩] واستبعده بعض العلماء.
стр. 2540
أقول المفسرين في معنى قوله تعالى: (فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان)
نجمل كلام بعض المفسرين فيما يتعلق بتفسير هذه الآية الكريمة: ((فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ)).
يقول الحافظ ابن كثير: ((فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ)) أي: تذوب كما يذوب الدردي والفضة في السبك، وتتلون كما تتلون الأصباغ التي يدهن بها، فتارة حمراء وصفراء وزرقاء وخضراء.
وقال القرطبي: الدهان: الدهن.
والمعنى: أنها صارت في صفاء الدهن، على أساس أن الدهان جمع دهن.
وقال سعيد بن جبير وقتادة: ((فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ))، يعني: حمراء اللون كالوردة.
وقيل: تصير في حمرة الورد وجريان الدهن، يعني: أنها تنشق ومع الانشقاق تذوب حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدهن لرقتها وذوبانها.
وقيل الدهان: الجلد الأحمر الصرف.
وذوبان الشيء الصلب وتميعه هذا شيء نحن نراه ونلمسه في أشياء كثيرة، كما في بعض وسائل التعذيب البشعة حيث يضعون الإنسان داخل حمض الكبريتيك أو الهيدروكلوريك المركز فتجد هذا الإنسان يتبخر ويذوب تماماً، وفي الحديث إشارة إلى شيء قريب من هذا، حيث يقول ﵊: (أن من آذى أهل المدينة أو روع أهل المدينة النبوية المباركة يذيبه الله كما يذاب الملح في الماء).
إذاً: معنى قوله: (فكانت وردة كالدهان): أنها تذوب مع انشقاقها حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدهن لرقتها وذوبانها.
وقيل: إن معنى قوله: ((فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ)): كالجلد الأحمر الصرف، حيث تصير السماء حمراء كالأديم من شدة حر النار.
وقيل إن معنى قوله: ((فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ)): كانت كالفرس الورد، يقال: للكميت ورد إذا كان جلده يتلون بألوان مختلفة.
وعن ابن عباس: (كالفرس الورد في الربيع كميت أصفر وفي أول الشتاء كميت أحمر، فإذا اشتد برد الشتاء كان كميتاً أغبر).
ويعني هذا كله: أن السماء سوف تتلون كما يتلون الفرس الورد من الخيل.
وقال الحسن: ((كَالدِّهَانِ)) كصب الدهن، فإنك إذا صببته ترى فيه ألواناً.
ويحتمل أنه يقصد بذلك ألوان الطيف حينما تنعكس على بعض السوائل من زاوية معينة فتعطي ألواناً كثيرة.
стр. 2541
تفسير قوله تعالى: (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان)
﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٣٩ - ٤٠].
قوله: ((فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ)) أي: لا يفتح له باب المعذرة، كقوله تعالى: ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات:٣٦]، فهذا المقصود به: نفي سماع الاعتذار عن طريق التعبير، بأنهم لا يفتح لهم باب المعذرة، فهذا من باب نفي السبب لانتفاء المسبب، وأخذ كثير السؤال على حقيقته وهذا هو الظاهر، ونحن نرفض مثل هذا المجاز نقول بأن الكلام يكون على حقيقته ((فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ)).
فإذا قلنا: إن السؤال على حقيقته -وهذا هو الراجح وهذا هو الصحيح وظاهر القرآن الكريم- فإننا نحتاج حينئذ أن نجمع بين ما قد يعارضه في الظاهر وليس هناك معارضة حقيقة.
قال القاشاني: وأما الوقف والسؤال المشار إليه في قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤]، فهذا في الظاهر يتعارض مع قوله: ((فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ))، له نظائر سوف نذكرها.
يقول: ففي مواطن أخرى من اليوم الطويل الذي كان مقداره خمسين ألف سنة أحوال متغايرة وليست متعارضة، وإنما في وقت من الأوقات وفي حال من الأحوال لا يسألون وفي أحوال أخرى يسألون، وقد يكون هذا الموطن قبل الموطن الأول في ذلك اليوم وقد يكون بعده.
يعني: قد يكون السؤال أولاً ثم بعد ذلك لا يكون هناك سؤال.
وكذا قال ابن كثير رحمه الله تعالى: إن هذه الآية كقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات:٣٥ - ٣٦]، فهذا في حال، وثم حال يسأل الخلائق عن جميع أعمالهم، كما قال الله : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣].
وفي الآية تأويل آخر قال مجاهد: لا تسأل الملائكة عن المجرمين بل يعرفون بسيماهم حينما يستقرون في النار، أو حينما يكونون على وشك أن يقذفوا في النار.
يعني: أن الملائكة لا تحتاج إلى أن تسألهم عن ذنوبهم، وإنما تعرفهم حين تأخذهم وتلقيهم في جهنم؛ لأن لهم سيما وعلامات معروفة سوف نبينها، فهذا تفسير آخر.
قوله: ((فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ)) مبني للمجهول، يعني: احتمال ألا تسأل الملائكة المجرمين وإنما يعرفونهم بسيماهم.
ومما يرسخ هذا القول الآية التي تليها مباشرة: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ﴾ [الرحمن:٤١] يعني: تعرفهم الملائكة باسوداد الوجوه وزرقة العيون ونحو ذلك.
((فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ)) يعني: كي يلقوا ويرموا في نار جهنم.
стр. 2542
كلام ابن القيم في السؤال المنفي في قوله: (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه) والجمع بين الأقوال فيها .
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في طريق الهجرتين: اختلف في هذا السؤال المنفي الذي في قوله: ((فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ)) فقيل: هو وقت البعث والمصير إلى الموقف، لا يسألون حينئذ في بداية البعث والتحرك إلى موقف العرض الأكبر، وفي حال أخرى يسألون بعد إطالة الوقوف واستشفاعهم إلى الله أن يحاسبهم ويريحهم من مقامهم ذلك.
وقيل: المنفي هو سؤال الاستعلام والاستخبار، أي: لا يسألون سؤال استعلام واستخبار؛ لأن الله بكل شيء عليم، وإنما هو سؤال التوبيخ والتقريع كما سنبين إن شاء الله تعالى.
إذاً: المنفي سؤال الاستعلام والاستخبار لا سؤال المحاسبة والمجازاة، أي: قد علم الله ذنوبهم، فلا يسألهم عنها سؤال من يريد علمها وإنما يحاسبهم عليها.
يقول قتادة رحمه الله تعالى: قد كانت مسألة ثم ختم على أفواه القوم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون.
يعني: حصل السؤال في مرحلة معينة ثم بعد ذلك: ((لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ)) لأنه يختم على الأفواه وتتكلم الأيدي والأرجل بما كانوا يعملون، وتشهد أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون.
ذكر الله في هذه الآية الكريمة أنه يوم القيامة لا يسأل إنساً ولا جاناً عن ذنبه؛ لأن يوم القيامة مواطن وأحوال، وهو يوم طويل جداً، فيسأل في حال ولا يسأل في حال أخرى، وقد بين هذا المعنى في قوله ﵎ في سورة القصص: ﴿وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨]، قال ابن كثير: هذا في حال وثم حال يسأل الخلائق فيها عن جميع أعمالهم.
وذكر جل وعلا في آيات أخر أنه يسأل جميع الناس يوم القيامة، فيسأل الرسل والمرسل إليهم، كما في قوله : ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٦]، وقال ﵎: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣].
نلاحظ هنا ملاحظة دقيقة جداً وهي: أنه في حالة النفي قال الله ﵎: ((فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ)) فالسؤال هنا المنفي قيد بأن يكون سؤالاً عن الذنب فقط، كذلك في الآية الأخرى في قوله ﵎: ((وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ)) فإذاً: هذا يمهد لجواب آخر في الجمع بين هذه الآيات، فجاءت آيات تدل على أن الجميع سوف يسألون: ((فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ))، وقال ﵎: ((فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)) * ((عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) وهذه تعم كل شيء، وقد جاءت آيات أخرى مبينة لوجه الجمع بين هذه الآيات، التي قد يظن غير العالم أن بينها اختلافاً.
стр. 2543
كلام الشنقيطي في الجمع بين قوله: (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه) وغيرها من الآيات التي تثبت السؤال
يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: اعلم أولاً أن السؤال المنفي في قوله هنا: ((فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ))، وقوله: ((وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ)) هذا السؤال أخص من السؤال المثبت في قوله: ((فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)) * ((عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ))؛ لأن هذه فيها تعميم السؤال في كل عمل، والآيتان قبلها ليس فيهما نفي السؤال إلا عن الذنوب خاصة.
وللجمع بين هذه الآيات أوجه معروفة عند العلماء: الأول منها -وهو الذي دل عليه القرآن الكريم، وهو محل الشاهد عندنا من بيان القرآن بالقرآن هنا- هو: أن السؤال نوعان: أحدهما: سؤال التوبيخ والتقريع، وهو من أنواع العذاب.
والثاني: هو سؤال الاستخبار والاستعلام.
فالسؤال المنفي في بعض الآيات هو سؤال الاستخبار والاستعلام؛ لأن الله أعلم بأفعالهم منهم أنفسهم، كما قال : ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦].
يعني: أن العبد نفسه ينسى معاصيه، فإذا واجه الحساب يوم القيامة يكون قد نسيها، لكن الله أحصاها عليه.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (لا يسألهم: هل عملتم كذا وكذا؟ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول: لم عملتم كذا وكذا؟).
ثم يقول الشنقيطي ﵀: وعليه فالمعنى: ((لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ)) سؤال استخبار واستعلام؛ لأنه أعلم بذنبه منه.
والسؤال المثبت في الآيات الأخرى هو سؤال التوبيخ والتقريع، سواء كان عن ذنب أو عن غير ذنب، ومثال سؤالهم عن الذنوب سؤال توبيخ وتقريع قول الله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران:١٠٦].
ومثاله عن غير ذنب قول الله ﵎: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:٢٤ - ٢٦] وقوله ﵎: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٣ - ١٥] وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠].
أما سؤال الموءودة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير:٨] فلا يعارض الآيات النافية السؤال عن الذنب؛ لأنها سئلت عن أي ذنب قتلت.
وهذا ليس من ذنبها، والمراد بسؤالها توبيخ قاتلها وتقريعه؛ لأنها هي تقول: لا ذنب لي، فيرجع اللوم على من قتلها ظلماً.
وكذلك سؤال الرسل فإن المراد به توبيخ من كذبهم وتقريعه، مع إقامة الحجة عليه بأن الرسل قد بلغته.
يعني: سوف يقع في يوم القيامة سؤال الرسل، وهذا لا مانع من وقوعه؛ لأنه ليس عن ذنب فعلوه؛ ولأن المنفي هو خصوص السؤال عن ذنب: ((فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ))، وقال في الآية الأخرى: ((وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ))، فالنهي هو عن الذنب بالذات، أما الرسل فإنهم يسألون كما في قوله ﵎: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب:٨]، ومن ذلك سؤال الله المسيح ﵇: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ [المائدة:١١٦]، إلى قوله ﵎: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة:١١٩].
هناك أوجه أخرى للجمع بين هذه الآيات ربما مررنا على معظمها، لكن العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى يقول هنا: وباقي أوجه الجمع بين الآيات لا يدل عليه قرآن، وموضوع هذا الكتاب -أي: كتاب أضواء البيان- بيان القرآن بالقرآن.
فهذه لفتة مهمة جداً حتى نعرف أن هذا الكتاب المبارك مختص بتفسير القرآن بالقرآن أساساً، ولذلك من لم يفهم عنوان الكتاب (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن) يظن أنه كتاب شامل لتفسير جميع آيات القرآن الكريم بينما هو يتعرض فقط للآيات التي شرحت بآيات أخرى، أي: تفسير القرآن بالقرآن الكريم.
هناك تفسير آخر لقوله: ((فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ)) يعني: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم، وإنما كل إنسان يسأل عما فعل.
يقول مجاهد في تفسير هذه الآية: ((لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ)): لا تسأل الملائكة عن المجرمين بل يعرفون بسيماهم بدليل ما بعدها وهي قوله تعالى: ((يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ)).
قال بعض المفسرين: إن هذا بعدما يؤمر بهم إلى النار، فذلك الوقت لا يسألون عن ذنوبهم، بل يقادون إليها ويلقون فيها.
стр. 2544
تفسير قوله تعالى: (يعرف المجرمون بسيماهم فبأي آلاء ربكما تكذبان)
﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٤١ - ٤٢].
قوله: ((يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ)).
(سيما) أي: علامة، ولذلك حتى أصحاب الأعراف يعرفون كلاً من الفريقين بهذه السيما، كما قال الله ﵎: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف:٤٦] يعني: كلاً من أهل الجنة وأهل النار، كذلك قوله: ((يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُم)) يعني: بعلامات تظهر عليهم.
ولقد أوضح القرآن الكريم هذه العلامات كما في قول الله ﵎: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦]، فالكفار تكون وجوههم سوداء، كذلك عيونهم تكون زرقاء: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه:١٠٢] يعني: أن العين تكون زرقاء حتى البياض فيها، فهذا هو المقصود وليس الصفة التي تكون عليها الناس في الدنيا.
ومن هذه السيما: الغبرة والقترة في وجوههم، كما يقول الله ﵎: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس:٤٠ - ٤١]، فهذه كلها من السيما ومن العلامات التي يعرف بها المجرمون، فتأخذهم الملائكة ويلقونهم في جهنم.
كما يعرف المؤمنون أيضاً بالغرة والتحجيل من آثار الوضوء، قال الله ﵎ في وصف المتقين: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين:٢٤]، وقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢].
قوله: ((يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ)) يقول القاسمي: أي: بما يعلوهم من الكآبة والحزن والذلة.
وقيل: بسواد الوجوه وزرقة العيون.
((فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ)) يعني: فتأخذهم الزبانية بنواصيهم وأقدامهم فتسحبهم إلى جهنم وتقذفهم فيها، والباء للآلة، كأخذت بالخطام، أو للتعدية، والناصية: مقدم شعر الرأس.
وفيه بيان لكيفية إلقائهم في النار والعياذ بالله، حيث تجمع الزبانية ناصيته مع قدميه، حتى قال بعض المفسرين: إن الأمر ليس كما نتصوره نحن أنه يجمع الناصية مع القدم من الأمام بل تجمع الناصية مع القدم من الخلف حتى تتكسر عظامه والعياذ بالله.
أي: تجمع الزبانية ناصيته مع قدميه ويلقونه في النار كذلك، وقيل: يؤخذ برجلي الرجل فيجمع بينهما وبين ناصيته حتى يندق ظهره ثم يلقى في النار.
стр. 2545
تفسير الشنقيطي لقوله تعالى: (يعرف المجرمون بسيماهم)
يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: قوله: ((بِسِيمَاهُمْ)) أي: بعلامتهم المميزة لهم، وقد دل القرآن على أنها هي سواد وجوههم وزرقة عيونهم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران:١٠٦] الآية.
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر:٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس:٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس:٤٠ - ٤٢]؛ لأن معنى قوله: (ترهقها قترة): يعلوها ويغشاها سواد كالدخان الأسود.
وقال تعالى في زرقة عيونهم: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه:١٠٢]، ولا شيء أقبح وأشوه من سواد الوجوه وزرقة العيون؛ ولذا لما أراد الشاعر أن يقبح علل البخيل بأسوأ الأوصاف وأقبحها وصفها بسواد الوجوه وزرقة العيون حيث قال: وللبخيل على أمواله علل زرق العيون عليها أوجه سود ولاسيما إذا اجتمع مع سواد الوجه اغبراره، كما في قوله: ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس:٤٠ - ٤١] فإن ذلك يزيده قبحاً على قبح.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ((فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ)) قد قدمنا تفسيرها في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور:١٣] قيل: تسحبهم الملائكة إلى النار، وفي قول آخر: تارة تأخذ بناصيته، أي: بمقدم شعر الرأس ثم تجره في النار على وجهه، وتارة تأخذ بقدميه وتسحبه على رأسه، والظاهر هو ما ذكرناه آنفاً من أنه تجمع النواصي إلى الأقدام ثم يلقى في النار أعاذنا الله وإياكم منها.
((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ))، كما قلنا في صدر السورة: إذا ذكر قوله ﵎: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) فيراد بها تقرير العباد بامتنان الله عليهم بما سبق ذكره قبل هذه الآية الكريمة من النعم.
وفي بعض المواضع التي قد لا يظهر فيها معنى الامتنان بالنعمة وبالآلاء نحتاج إلى أن نتدبر ونتفكر حتى نعرف وجه الامتنان في قوله: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ))، نقول: بعد أن وصف سبحانه أحوال أهل العذاب وأهل الجحيم وأهوال القيامة وعقاب المجرمين، تبين لنا أن هذا من رحمة الله بنا، وأن هذا من أعظم النعم؛ لأنه حذرنا من المعاصي كي لا نقع فيما نستحق به هذا العذاب، هذا هو وجه النعمة.
فإذاً: النعمة فيما وصف من أهوال القيامة وعقاب المجرمين ما في ذلك من الزجر عن المعاصي والترغيب في الطاعات، ولذلك يقول بعض المفسرين: ولما كان معاقبة العصاة المجرمين وتنعيم المتقين من فضله ورحمته وعدله ولطفه بخلقه، وكان إنذاره لهم عذابه وبأسه مما يزجرهم عما هم فيه من الشرك والمعاصي وغير ذلك، قال تعالى ممتناً بذلك على بريته: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) أي: من عقوبته أهل الكفر به وتكريمه أهل الإيمان به.
стр. 2546
تفسير قوله تعالى: (هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون فبأي آلاء ربكما تكذبان)
قال الله ﵎: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٤٣ - ٤٥].
قوله: ((هَذِهِ جَهَنَّمُ)) يعني: يقال لهم توبيخاً وتقريعاً وتحقيراً وتصغيراً: ((هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ)) أي: هذه النار التي كان يكذب بها المجرمون في الدنيا، أما في الآخرة لا يكذبون بها، فيوبخهم الله قائلاً: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾ [الطور:١٥] أي: أهذا الذي كنتم تقولون عليه: سحر وكهانة؟ ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا﴾ [الطور:١٥ - ١٦].
وقال ﵎ هنا: ((هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ)) يعني: النار التي كنتم تكذبون بوجودها ها هي حاضرة تشاهدونها عياناً.
((يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ)) الحميم هو الماء الحار، والحميم أخذ منه كلمة الحمام؛ لأنه يكون فيه الماء المسخن.
أما قوله: ((آنٍ)) أي: انتهى حره واشتد غليانه، حتى إنه لا يستطاع من شدة حرارته.
وقال بعض المفسرين: (حميم آن) يعني: حميم حاضر، وفي الحقيقة لا تعارض بين وصفه بأنه حار شديد الحرارة انتهى غليانه إلى أقصى ما يصل إليه من الحرارة، وفي نفس الوقت كونه حاضراً.
ومما يدل على كونه حاراً قوله ﵎: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية:٥] يعني: التي اشتدت حرارتها جداً.
ومما يدل على كونه حاضراًَ قول الله ﵎: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب:٥٣] يعني: إدراكه وبلوغه واستواءه ونضوجه.
قوله: ((يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ)) أي: تراهم يسعون بين عذاب الجحيم وبين الحميم، فإذا استغاثوا من النار جعل غياثهم الحميم الشديد الحرارة، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩]، فهم ما بين هذا أو ذاك.
وقال ﵎: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج:١٩ - ٢٠]، وهذه الآية مثل قول الله ﵎: ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر:٧١ - ٧٢].
فهذا مما يوضح معنى قوله تعالى: ((يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ)) يعني: تارة في الجحيم وتارة والعياذ بالله يسقون من الحميم، وهو شراب كالنحاس المذاب يقطع الأمعاء والأحشاء.
стр. 2547
تفسير قوله تعالى: (ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان)
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٤٦ - ٤٧].
قوله: ((وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ))، يقول القاسمي رحمه الله تعالى: أي: قيامه عند ربه للحساب.
((مَقَامَ)) هنا مصدر بمعنى القيام.
إذاً: فمعنى ((مَقَامَ رَبِّهِ)): قيام الشخص ووقوفه بين يدي الله للحساب، فحينما خاف مقام ربه للحساب ترتب على ذلك أنه في الدنيا أطاعه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.
فإذاً: إذا كان المقصود مقام العبد أمام ربه للحساب يوم القيامة، فلماذا أضيف للرب؟ أضيف للرب لأنه سوف يكون عند الله وأمام الله، وهذا كقول العرب: ناقة رقود الحل، يعني: رقود عند الحل.
تفسير آخر لقوله تعالى: ((وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ)) أي: موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب، وذلك لاختصاص الملك يومئذ بالله تعالى، أو هو كناية عن خوف مقام الرب، بمعنى: من حصل له الخوف من مكان أحد يهابه وإن لم يكن فيه، فخوفه بطريق الأولى، يعني: لو أن شخصاً يحصل له الخوف إذا رأى المكان الذي يجلس عليه القاضي أو الملك أو كذا، فيهاب المكان حتى وإن لم يكن جالساً عليه، فلا شك أنه لو كان جالساً عليه فسيكون خوفه أشد بطريق الأولى.
стр. 2548
تفسير الشنقيطي لقوله تعالى: (ولمن خاف مقام ربه)
يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ((وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)): قد بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية قد يكون فيها وجهان صحيحان كلاهما يشهد له القرآن، فنذكر ذلك كله مبينين أنه كله حق، من ذلك هذه الآية الكريمة.
وإيضاح ذلك أن هذه الآية الكريمة فيها وجهان معروفان عند العلماء كلاهما يشهد له قرآن: أحدهما: أن المراد بقوله: ((مَقَامَ رَبِّهِ)) أي: قيامه بين يدي ربه، فالمقام اسم مصدر بمعنى القيام، وفاعله على هذا الوجه هو العبد الخائف، وإنما أضيف إلى الرب لوقوعه بين يديه، وهذا الوجه يشهد له قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١] فقوله: ((وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى)) قرينة دالة على أنه خاف عاقبة الذنب حين يقوم بين يدي ربه، فنهى نفسه عن هواها.
والوجه الثاني: أن فاعل المصدر الميمي الذي هو المقام هو الله ﵎، أي: خاف هذا العبد قيام الله عليه، ومراقبته لأعماله وإحصاءها عليه، ويدل لهذا الوجه الآيات الدالة على قيام الله على جميع خلقه وإحصائه عليهم أعمالهم، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد:٣٣]، وقوله ﵎: ﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس:٦١] الآية.
إلى غير ذلك من الآيات.
وعلى هذا التفسير فإن الإنسان إذا هم بمعصية فذكر أن الله يراقبه، وأن الله مطلع عليه وقائم عليه فيترك المعصية خوفاً من الله ، وهذه الآية دليل على مسألة فقهية أفتى بها سفيان الثوري وهي: أن من قال لزوجته: إن لم أكن من أهل الجنة فأنت طالق، فإنه لا يحنث؛ لأنه لو هم بمعصية في يوم من الأيام وتركها استحياء من اطلاع الله عليه وخوفاً من الله فلا تطلق زوجته ولا يحنث في يمينه.
ثم يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: وقد قدمنا في سورة الأحقاف في الكلام على قوله ﵎ في شأن الجن: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣١]، أن قوله ﵎: ((وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ))، وتصريحه بالامتنان بذلك على الإنس والجن في قوله: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ))، نص قرآني على أن المؤمنين الخائفين مقام ربهم من الجن يدخلون الجنة.
стр. 2549
أقوال العلماء والمفسرين في قوله تعالى: (ولمن خاف مقام ربه)
قيل في هذه الآية أقوال: منها: أنها نزلت في أبي بكر الصديق.
وقيل: نزلت في الرجل الذي قال: (أحرقوني بالنار لعلي أضل الله) يعني: أفوته ويخفى عليه مكاني.
والصحيح أن الآية عامة؛ لأن النبي ﵊ قال: (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) رواه البخاري.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: وهذه الآية عامة في الجن والإنس، فهي من أدل دليل على أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا واتقوا، ولهذا امتن الله تعالى على الثقلين بهذا الجزاء، فقال: ((وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)) * ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ))، فقوله: (ربكما) أي: الإنس والجن.
стр. 2550
ترجيح ابن القيم بين الأقوال في قوله تعالى: (ولمن خاف مقام ربه)
وللإمام ابن القيم كلام قيم جداً في الترجيح بين القولين اللذين ذكرناهما في تفسير الآية: ((وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ))، هل هي ولمن خاف مقامه بين يدي الله يوم القيامة للحساب، أو ولمن خاف قيام الله عليه وشهوده واطلاعه على أعماله في الدنيا، فيتقي منه ويترك المعصية.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى مرجحاً أن المعنى: ولمن خاف مقامه بين يدي ربه في الحساب يوم القيامة.
أي: أن الإنسان يهم بالمعصية فيتذكر أنه واقف بين يدي الله يوم القيامة وأنه محاسب فينزجر عنها، هذا الذي يرجحه ابن القيم وترجيحه هذا لوجوه: الأول: أن طريقة القرآن في التخويف أن يخوفهم بالله واليوم الآخر، فإذا خوفهم به علق الخوف به لا بقيامه عليهم، كقوله تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة:٨]، وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك:١٢]، ففي هذا كله لم يذكر خشية مقامه عليهم، وإنما مدحهم بخوفه وخشيته، وقد يذكر الخوف متعلقاً بعذابه، كقوله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧]، وأما خوف مقامه عليهم فهو وإن كان كذلك فليس طريقة القرآن.
الثاني: أن هذا نظير قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام:٥١]، فخوفهم أن يحشروا إليه هو خوفهم من مقامهم بين يديه، والقرآن يفسر بعضه بعضاً فقوله: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام:٥١]، معناها: ((وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)) يعني: من خاف مقام ربه للحساب بين يدي الله بعد الحشر.
الثالث: أن خوف مقام العبد بين يدي ربه في الآخرة لا يكون إلا ممن يؤمن بلقائه وباليوم الآخر وبالبعث بعد الموت، وهذا هو الذي يستحق الجنتين المذكورتين، فإنه لا يؤمن بذلك حق الإيمان إلا من آمن بالرسل، وهو من الإيمان بالغيب الذي جاءت به الرسل، وأما مقام الله على عبده الدنيا واطلاعه عليه وقدرته عليه على القول الثاني فهذا يقر به المؤمن والكافر والبر والفاجر، وأكثر الكفار يخافون جزاء الله لهم في الدنيا لما عاينوه من مجازاة الظالم بظلمه، والمحسن بإحسانه، وأما مقام العبد بين يدي ربه في الآخرة فلا يؤمن به إلا المؤمن بالرسل.
فإن قيل: إذا كان المعنى أنه خاف مقام ربه عليه في الآخرة فقد استوى التقديران، فمن أين رجحتم أحدهما؟ قيل: التخويف من مقام العبد بين يدي ربه أبلغ من التخويف بمقام الرب على العبد؛ ولهذا خوفنا الله بقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦]؛ لأنه مقام مخصوص مضاف إلى الله ﵎ وذلك في يوم القيامة، بخلاف مقام الله على العبد فإنه في كل وقت.
وأيضاً: فإنه لا يقال لقدرة الله على العبد واطلاعه عليه وعلمه به: مقام الله، ولا هذا من المألوف إطلاقه على الرب.
وأيضاً: فإن المقام في القرآن والسنة إنما يطلق على المكان كقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، وقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم:٧٣].
стр. 2551
أوجه دخول الجن مع الإنس في التكليف والثواب والعقاب
قوله ﵎: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ يتناول الصنفين من وجوه، تقدم منها وجهان.
يعني: أنه يشمل الجن ويشمل الإنس؛ لأن أساس السياق كان في إثبات أن الجن مكلفون كالإنس، ويترتب على أعمالهم الثواب والعقاب، فمحسنهم في الجنة كما أن مسيئهم في النار، قال الله تعالى حكاية عن المؤمنين من الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا﴾ [الجن:١٣]، وبهذه الحجة احتج البخاري.
قوله: ((فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا)) البخس هو: نقصان الثواب، والرهق هو: الزيادة في العقوبة على ما عمل، فلا ينقص من ثواب حسناته ولا يزاد في سيئاته، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢] أي: لا تزاد سيئاته عما عمل ولا تنقص حسناته عما عمل ولا ينقص ثوابها.
وقال تعالى: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا)) يعني: يا معشر الجن والإنس! ((تُكَذِّبَانِ)) ثم ذكر ما في الجنتين إلى أن قال: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦]، فهذا يدل على أن محسنهم -أي: الجن- في الجنة؛ لأن قوله تعالى: ((لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ)) يعني: إنس من أهل الجنة ولا جن من أهل الجنة.
فقوله: ((وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)) هذه صفة عموم، فتتناول كل من خاف مقام ربه سواء كان من الجن أو الإنس.
كذلك رتب الجزاء المذكور على خوف مقامه، فكل من أتى بالشرط ينال الجزاء، أي: فكل من خاف مقام الله فإنه يكون له جنتان سواء كان من الجن أو من الإنس.
لقد استطرد ابن القيم في المقصود بقوله: ((مَقَامَ رَبِّهِ)) ثم عاد إلى المسألة الأصلية التي كان يتكلم فيها فقال أيضاً: قول الله عقب هذا الوعد: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) أيضاً يدل على ذلك.
وأيضاً: وصف نساء أهل الجنة بقوله: ((لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ)) يعني: لم يطمث نساء الإنس إنس قبلهم، ولا نساء الجن جن قبلهم.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف:٣٠]، وهذا يشمل الجن أيضاً؛ لأن الرسول ﵊ بعث للثقلين، ثم قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ [الكهف:٣١] وأمثال هذا من العمومات، وقد ثبت أن منهم المؤمنين فيدخلون في العموم كما أن كافرهم يدخل في الكافرين المستحقين للوعيد، ودخول مؤمنهم في آيات الوعد أولى من دخول كافرهم في آيات الوعيد، فإن الوعد فضله والوعيد عدله، وفضله من رحمته وهي التي تغلب غضبه.
وأيضاً: فإن دخول عاصيهم النار إنما كان لمخالفته أمر الله، فإذا أطاع الله دخل الجنة.
وأيضاً: فإنه لا دار للمكلفين سوى الجنة والنار، وكل من لم يدخل النار من المكلفين فالجنة مثواه.
وأيضاً: ثبت أنهم إذا أجابوا داعي الله غفر لهم وأجارهم من عذابه، وكل من غفر الله له دخل الجنة ولابد، وليس فائدة المغفرة إلا الفوز بالجنة والنجاة من النار.
وأيضاً: ثبت أن الرسول ﷺ مبعوث إليهم وأنهم مكلفون باتباعه، وأن مطيعهم لله ورسوله مع الذين أنعم الله عليهم كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٦٩]، إلى آخر الآية.
وأخبر الله عن ملائكته حملة العرش ومن حوله أنهم يستغفرون للذين آمنوا، سواء من الجن أو الإنس، وأنهم يقولون: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم﴾ [غافر:٧ - ٨]، فدل على أن كل مؤمن غفر الله له ووقاه عذاب الجحيم فقد وعده الجنة، وقد ثبت في حق مؤمنهم الإيمان ومغفرة الذنب ووقاية النار كما تقدم فتعين دخولهم الجنة.
قوله: ((جَنَّتَانِ)) يقول القاسمي: أي: جنة لمن أطاع من الإنس وجنة لمن أطاع من الجن، أو هو كناية عن مضاعفة الثواب وإيثار التثنية للفاصلة، وهذا كلام فيه نظر، لكن الصحيح والأظهر في تفسير الآية: ((وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)) يعني: جنتان كل على حدة، فلكل خائف جنتان.
كما لا يصح في قول الله ﵎: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٣٠] أن يقال: هم عشرون، لكن لأجل الفاصلة قال: هم تسعة عشر، هذا لا يجوز أبداً وما ينبغي.
стр. 2552
تفسير قوله تعالى: (ذواتا أفنان فبأي آلاء ربكما تكذبان)
ثم لقد شرع في وصف هاتين الجنتين فقال ﵎: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٤٨ - ٤٩].
يقول القاسمي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: (ذواتا أفنان) أي: أنواع من الأشجار والثمار على أساس أن أفناناً جمع فن بمعنى النوع، أو ((ذَوَاتَا أَفْنَانٍ)) أي: أغصان لينة جمع فنن وهو ما دق ولان من الغصن.
إذاً: قوله: ((أَفْنَانٍ)) إما جمع فن، وإما جمع فنن، ومن قال: جمع فن فهو على أساس أن الفن يحتوي على النوع، أي: ذواتا أنواع من الأشجار والثمار، ومن قال: جمع فنن فهو على أساس أن الفنن هو ما دق ولان من الغصن.
يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: ((ذَوَاتَا أَفْنَانٍ)) أي: أغصان نضرة حسنة، تحمل من كل ثمرة نضيجة فائقة، ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ))، هكذا قال عطاء الخرساني وجماعة أن الأفنان أغصان الشجر يمس بعضها بعضاً.
قال مجاهد الأفنان: الأغصان واحدها فنن.
والأفنان هذه كلمة يحبها الشعراء جداً، وتراهم يأتون بكلمة الأفنان بمعنى الأغصان، يقول إقبال: والطير صادحة على أفنانها.
يعني: على أغصانها.
ويقول النابغة: أسائلها وقد سفحت دموعي كأن مفيضهن غروب شن بكاء حمامة تدعو هديلاً مفجعة على فنن تغني قوله: (بكاء حمامة) يعني: أبكي بكاء حمامة.
وقال آخر يصف طائرين: باتا على غصن بانٍ في ذرى فنن يرددان لحوناً ذات ألوان (يرددان لحوناً) أي: لغات ذات ألوان.
ويقول الشاعر أيضاً: ما هاج شوقك من هديل حمامة تدعو على فنن الغصون حماما تدعو أبا فرخين صادف طاوياً ذا مخلبين من الصقور قطاما فخلاصة الكلام: أن الأفنان هي الأغصان.
وقيل أيضاً: الأفنان ظل الأغصان على الحيطان.
وقيل: ((ذَوَاتَا أَفْنَانٍ)) ذواتا ألوان، يعني: أن فيهما فنوناً من الملاذ.
وقال عطاء: كل غصن يجمع فنوناً من الفاكهة.
يعني: الغصن الواحد يكون فيه ثمار وألوان كثيرة جداً من الفاكهة، ليس مثل الدنيا يكون في الغصن ثمرة واحدة من نوع واحد.
وقال الربيع بن أنس: ((ذَوَاتَا أَفْنَانٍ)) يعني: واسعتا الفناء.
يقول ابن كثير: وكل هذه الأقوال صحيحة ولا منافاة بينها، والله أعلم.
وقال قتادة: ((ذَوَاتَا أَفْنَانٍ)) يعني: بسعتها وفضلها ومزيتها على ما سواها.
وروي عن أسماء قالت: (سمعت رسول الله ﷺ وذكر سدرة المنتهى فقال: يسير في ظل الفنن منها الراكب مائة سنة، أو قال: يستظل في ظل الفنن منها مائة راكب، فيها فراش الذهب، كأن ثمرها القلال).
стр. 2553
تفسير قوله تعالى: (فيهما عينان تجريان فبأي آلاء ربكما تكذبان)
قال ﵎: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٥٠ - ٥٣].
يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: ((فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ)) أي: تسرحان لسقي تلك الأشجار والأغصان فتثمر من جميع الألوان.
((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)).
قال الحسن: إحداهما يقال لها: تسنيم، والأخرى السلسبيل، وقال عطية: إحداهما من ماء غير آسن، والأخرى من خمر لذة للشاربين، ولهذا قال بعدها: ((فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ)).
يعني: صنفان وكلاهما حلو يستلذ به.
стр. 2554
التفاوت بين الجنتين الأوليين والجنتين الأخريين
إن الجنتين اللتين توصفان الآن هنا أعلى من الأخريين، فلما تتأمل ستجد أن هاتين الجنتين هما للمقربين، أما الأخريين فقال الله عنهما: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٢]، وهما لأصحاب اليمين، فنلاحظ هنا أن الجنتين الأوليين أفضل في كل شيء، فهنا قال: ((فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ)) وهناك قال: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن:٦٦] والجري أفضل من النضخ.
كذلك قال الله ﵎ في هاتين الجنتين الأوليين: ((فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ)) فعم جميع أنواع الفاكهة، وهناك قال: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن:٦٨] وهذا أقل، وهنا قال: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن:٥٤] وفي الأخريين قال: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ [الرحمن:٧٦] والعبقري: الطنافس، ولا شك أن الديباج أعلى من العبقري، والرفرف هي الوسائد، فلا شك أن الفرش المعدة للاتكاء عليها أفضل من الوسائد، وقال في الأوليين: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٥٨] وقال في الأخريين: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن:٧٠]، وليس كل حسن كحسن الياقوت والمرجان.
وقال في الأوليين: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ [الرحمن:٤٨]، وقال في الأخريين: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٤] أي خضراوان كأنهما من شدة الخضرة سوداوان.
فوصف الأوليين بكثرة الأغصان ((ذَوَاتَا أَفْنَانٍ))، ووصف الأخريين بالخضرة فقط، ولعل ما لم يذكره الله من التفاوت بين الجنتين أكثر مما ذكر.
стр. 2555
معنى قوله تعالى: (فيهما من كل فاكهة زوجان) والفرق بين ثمار الدنيا وثمار الآخرة
يقول ابن كثير ((فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ)) يعني: فيهما من جميع أنواع الثمار مما يعلمون وخير مما يعلمون، ومما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)).
ثم قال رحمه الله تعالى: وعن ابن عباس ﵄ قال: (ما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل).
لكن الحنظلة في الجنة تكون حلوة وليست مرة كشجر الدنيا.
ثم قال ﵀: وقال ابن عباس: (ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء) يعني: أن بين ذلك بوناً عظيماً وفرقاً بيناً في التفاضل.
وهذا نفس الشيء بالنسبة لعذاب النار، فإذا وصف عذاب النار بوصف في الدنيا فهو مجرد الأسماء، حتى داء الجرب في القرآن إشارة على أنه من عذاب أهل النار، كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم:٥٠]، ومعروف أن العرب كانوا يعالجون الإبل من الجرب بدهنها بالقطران الأسود، ففي الآخرة يسلط عليهم داء الجرب، ولكن ليس جرب النار والعياذ بالله كجرب الدنيا، مع أنه في الدنيا من أشد الأمراض وأقبحها وأبغضها إلى الإنسان، يقول لك: كأني أجرب وأعياه داء.
ففي الآخرة يسلط عليهم أيضاً جرب لكن هناك تفاوت كثير في حقيقة العذاب به، إذاً: قوله: ((سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ)) يعني: فيدهن بقطران، لكن هناك تفاوت بين قطران الآخرة وقطران الدنيا، فقطران الآخرة ستشب فيه النار ويتضاعف العذاب.
الشاهد: أنه ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء فقط، وهناك تفاوت وبون شاسع سواء في حالة العذاب أو في حالة النعيم كما أشرنا.
وقال أبو بكر الوراق في تفسير قوله تعالى ((فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ)): لمن كانت عيناه في الدنيا تجريان من مخافة الله .
يعني: على أساس أن الجزاء من جنس العمل.
стр. 2556
تفسير قوله تعالى: (متكئين على فرش بطائنها من استبرق)
قال الله ﵎: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن:٥٤].
قوله: (متكئين) هذا حال منصوب، والاتكاء يطلق على الاعتماد على شيء، قال حاكياً عن موسى: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ [طه:١٨].
ويطلق أيضاً على أن الإنسان يجلس على جنبه ويستند على مرفقه.
بالنسبة للاتكاء هناك ظاهرة عجيبة جداً بدأت تشيع في المساجد، وهي أنه في بعض المساجد تجد خطاً من الكراسي يجلس عليها بعض المصلين، ونلاحظ الذي يجلس عليها أحياناً يكون شاباً أو فوق الشباب بقليل -أي: في منتصف العمر- وهو ما شاء الله يسعى وراء الدنيا مثل الجمل أو مثل (البابور) وتراه في منتهى الصحة والعافية، ثم تراه جالساً على الكرسي، وهذا يدل على تهاون الناس بالصلاة، وقد تجد إنساناً يصلي متكئاً أو جالساً على كرسي.
نقول: في النافلة يقبل ما لا يقبل في الفريضة، صحيح أن العلماء قالوا في مثل هذا الإنسان: يصلي حسبما يستطيع، يعني: إن كان لا يستطيع القيام فله أن يصلي قاعداً أو على جنب على حسبه، لكن القيام ركن من أركان الصلاة، بمعنى: لو أن رجلاً في الفريضة صلى جالساً وهو قادر على القيام فصلاته باطلة، يقول : ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨].
أما إذا لم يستطع قائماً فله أن يصلي جالساً أو على جنب، وهكذا هناك درجات معينة لا ينتقل إلى التي بعدها حتى يعجز عن التي قبلها.
إذاً: ينبغي أن لا توضع الكراسي للناس في المساجد إلا إذا كان أثناء الجلوس خارج الصلاة، كأن يشق على بعض كبار السن فلا بأس بذلك، لكن داخل الصلاة لا ينبغي أن توفر الكراسي؛ حتى لا نفتح هذا الباب للناس المتهاونين؛ لأني أرى في بعض المساجد أناساً في منتهى الصحة والعافية، لكن وقت الصلاة تراه يأخذ كرسياً ويجلس عليه.
стр. 2557
تفسير سورة الرحمن [٥٨ - ٧٨]
стр. 2558
تفسير قوله تعالى: (كأنهن الياقوت والمرجان فبأي آلاء ربكما تكذبان)
﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) [الرحمن:٥٨ - ٦١].
قوله: ((كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ)) يقول القاسمي: أي: في الحسن والبهجة، أو في حمرة الوجنة والوجه أدباً وحياء ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)).
((هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ)) يعني: هل جزاء الإحسان في العمل إلا الإحسان في الثواب وهو الجنة: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) أي: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد.
يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ((هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ)) أي: ما لمن أحسن العمل في الدنيا إلا الإحسان إليه في الآخرة, كما قال الله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦].
قوله: ((الحسنى)) هي الجنة، ((وَزِيَادَةٌ)) وهي رؤية الله في الجنة.
وبعض المفسرين ذهب إلى أن قوله تعالى: ((هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ)) يفيد العموم، يعني: ما جزاء الإحسان في الدنيا التي هي دار العمل إلا الإحسان في الدنيا والآخرة.
قال الصادق: هل جزاء من أحسنت إليه في الأزل إلا حفظ الإحسان عليه إلى الأبد, فيكون هنا تفسيران: التفسير الأول: هل جزاء من أحسن في الدنيا العمل إلا الإحسان إليه في الدار الآخرة, هذا هو الصواب، ويؤيده قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦].
والتفسير الثاني: ((هل جزاء الإحسان)) يعني: هل جزاء من أحسنت إليه في الأزل حينما كتبه الله من السعداء إلا حفظ الإحسان عليه إلى الأبد حتى يدخل الجنة.
وقال محمد بن الحنفية: هي مسجلة للبر والفاجر, أي: مرسلة.
يعني: مطلقة غير مقيدة، حتى الكافر إذا أحسن في الدنيا يحسن الله إليه في الدنيا، لكن أعماله مقيدة بمشيئة الله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨] وهذا هو سر القيد: ((لمن نريد)) إلى آخر الآية.
وقول محمد بن الحنفية في تفسيرها: هي مسجلة للبر والفاجر، أي: مرسلة على الفاجر في الدنيا، وعلى البر في الآخرة، وهذا المعنى في الحقيقة ليس بدعاً من القول، فإنه يؤيده نصوص تدل على أن عمل الكافر الذي يتقرب به إلى الله لا يضيع عليه، وهذا من عدل الله .
يعني: أن الكافر الذي يعمل أعمالاً حسنة مما يرضي الله كبر الوالدين، وصلة الرحم، وإكرام الضيف، وحسن الجوار، وصدق الحديث، والوفاء بالعهد، والتنفيس عن المكروب، ونحو ذلك فهو يجازى عليه، لكن فقط في الدنيا؛ لأن الدنيا هي سجن المؤمن وجنة الكافر.
يعني: المؤمن إذا خرجت روحه كالسجين الذي يحكم عليه بالإطلاق والإخراج, فيدخل إلى سعة رحمة الله ﵎، ويطلق من القيود التي كان مقيداً بها في الدنيا، سواء الأحكام الشرعية من الحلال والحرام أو غير ذلك من الابتلاءات, أما الكافر فهو يجازى فقط في الدنيا التي هي جنته, وهي المكان الوحيد الذي يمكن أن ينتفع فيه بعمله الصالح في الدنيا، ولا يمكن أن يكون له حظ في الآخرة إذا مات على غير التوحيد؛ وذلك لقول الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]، وقال الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى:٢٠]، وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها) رواه مسلم، وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة من الدنيا).
وهذا هو السر في أننا أحياناً نجد الكافر في رزق وصحة وأولاد ونعيم ورأس مال ومشاريع وكذا وكذا, وقد يفضل في كثير من الأحوال على المؤمن، بينما المؤمن مبتلى فقير وهكذا؛ لأن الله سبحانه يريد رفع درجات المؤمن في الآخرة، وذلك للحديث الذي قال فيه ﵊: (إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة في الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقاً في الدنيا على طاعته) رواه مسلم.
إذاًً: القاعدة العامة أن انتفاع الكافر بالعمل الحسن الذي يعمله مقيد بمشيئة الله، كما قال الله : ((مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ))، فهذه تقيد ما سبق من الكلام.
أما في الآخرة فالنصوص كثيرة جداًَ، وهي دالة على أنه لا يمكن أن ينتفع الكافر بعمله في الآخرة إذا مات على الشرك والعياذ بالله.
стр. 2559
تفسير قوله تعالى: (ومن دونهما جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان)
﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُدْهَامَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٦٢ - ٦٩].
قوله: ((وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ)) قيل: جنتان من ذهب للمقربين وجنتان من ورق لأصحاب اليمين.
وقال معظم المفسرين: إن هاتين الجنتين دون اللتين قبلهما في المرتبة والفضيلة والمنزلة بنص القرآن الكريم؛ لأن قوله تعالى: ((ومن دونهما)) يفيد أن هاتين الجنتين أقل من اللتين ذكرتا أولاً في الآيات السابقة، وهذا هو الظاهر من كلام عامة المفسرين، وإن كان بعضهم ذهب إلى العكس وهو تفضيل الجنتين المذكورتين آخراً على المذكورتين أولاً, ثم اجتهد في توجيه كلامه، لكن الصحيح ما ذكرناه من قبل أن الأقرب والله تعالى أعلم: أن الجنتين الأوليين أعظم وأعلى وأفضل من الجنتين اللتين ذكرتا فيما بعد, وذلك لما روي في الحديث: (جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما) فالأوليان للمقربين، والأخريان لأصحاب اليمين.
وقال أبو موسى: جنتان من ذهب للمقربين وجنتان من فضة لأصحاب اليمين, وقال ابن عباس: ((ومن دونهما جنتان)) أي: من دونهما في الدرج، وقال ابن زيد: من دونهما في الفضل.
والدليل على شرف الأوليين على الأخريين وجوه: أحدها أنه نعت الأوليين قبل هاتين، والتقديم يدل على الاعتناء, ثم قال: ((ومن دونهما جنتان)) وهذا ظاهر في شرف التقدم وعلوه على الثاني, وقال هنا: ((ذَوَاتَا أَفْنَانٍ)) وهي الأغصان أو الفنون في الملاذ، وقال هنا: ((مُدْهَامَّتَانِ)) أي: سوداوان من شدة الري من الماء.
وقال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ((مدهامتان)): (قد اسودتا من الخضرة من شدة الري من الماء)، وقال قتادة: خضروان من الري ناعمتان, ولا شك في نضارة الأغصان على الأشجار المشتبكة بعضها في بعض.
قوله: ((مُدْهَامَّتَانِ)) أي: خضراوان من الري تضربان إلى السواد من شدة الخضرة.
وقيل: قوله تعالى: ((مُدْهَامَّتَانِ)) دلالة على شدة تمكن اللون الأخضر، وأنهما ممتلئتان من الخضرة.
وقال هناك في الجنتين الأوليين: ((فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ)) وقال هنا: ((فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ)).
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: ((نصاختان)) (أي: فياضتان، والجري أقوى من النضخ).
وقال الضحاك: ((نضاختان)) أي: ممتلئتان لا تنقطعان.
وقال هناك: ((فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ)) أي: فيها من جميع أنواع الفاكهة أما هنا فقال: ((فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ))، ولا شك أن الأولى أعم وأكثر في الأفراد والتنويع على فاكهة وهي نكرة في سياق الإثبات لا تعم، ولهذا ليس قوله: ((ونخل ورمان)) من باب عطف الخاص على العام كما قرره البخاري وغيره, وإنما أفرد النخل والرمان بالذكر لشرفهما على غيرهما.
وهذا كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨]، فالصلوات الخمس والوسطى منها وهي صلاة العصر، لكن هذا لمزيد من الاعتناء بتخصيص صلاة العصر بالذكر، وكذلك قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨] قوله: ((وجبريل وميكال)): هما من الملائكة, لكن هذا من باب عطف الخاص على العام.
يقول القاسمي في تفسير قوله تعالى: ((فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ))، وإنما أفردهما بالذكر مع أنهما من الفاكهة لبيان فضلهما.
стр. 2560
تفسير قوله تعالى: (فيهن خيرات حسان فبأي آلاء ربكما تكذبان)
﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٧٠ - ٧١].
قوله: ((خيرات)) جمع خَيَّرة بالتشديد ثم خففت.
قوله: ((فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ)) يعني: فاضلات في الأخلاق، وإيثار ضمير المؤنث على التثنية مراعاة للفظ المسند إليه بعده؛ لأن المسند إليه بعده فيه الجهة, ((فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ)).
((حسان)) يعني: حسان الوجوه.
إذاً: قوله: ((خيرات)): إشارة إلى أنهن فاضلات في أخلاقهن، وأما ((حسان)) ففيه وصف الخَلْقِ.
يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ((فيهن خيرات حسان)): قيل: المراد ((خيرات)) كثيرة حسنة في الجنة قاله قتادة.
وقيل: ((خيرات)) جمع خيرة أو خيِّرة وهي المرأة الصالحة الحسنة الخلق الحسنة الوجه, قاله الجمهور.
وفي بعض الأحاديث: أن الحور العين يغنين لأزواجهن: (نحن الخيرات الحسان.
خلقنا لأزواج كرام) ولهذا قرأ بعضهم: (فِيهِنَّ خَيَّرَاتٌ حِسَانٌ) بالتشديد, ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)).
لقد ناقش المفسرون: أيهما أكثر حسناً الحور العين أو الآدميات؟ فبعض العلماء قال: الحور أفضل من الآدميات لما ذكر من وصفهن في القرآن والسنة بصفات الجمال في الخَلق والخُلق, وفي دعاء النبي ﷺ للميت: (وأبدله زوجاً خيراً من زوجه) فهذا يدل على أن التي يتزوجها المؤمن من الحور العين أفضل من زوجه الآدمية.
وإن كان يمكن الجواب عن هذا بأنه إذا مات الرجل وبقيت زوجته بعده فالدعاء له الآن بعد انتقاله إلى الدار الآخرة أو إلى مقدمات الآخرة وهي البرزخ.
القول الثاني: الآدميات أفضل من الحور العين؛ لأن الآدميات مكلفات وقد عملن أعمالاً صالحة في الدنيا وأطعن الله ورسوله ﵌.
أيضاً: مما ينبغي أن نعلمه أن الحور لسن من نساء الدنيا, بل هن مخلوقات في الجنة, لقول الله : ((لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ))، وأكثر نساء الدنيا مطموثات, وحديث النبي ﵊: (إن أقل ساكني الجنة النساء)؛ فإذا كان أقل ساكني الجنة النساء، فالمعنى: أن أهل الجنة من الرجال لا يصيب كل واحد منهم امرأة من المؤمنين في الجنة، مع أن الله وعد جميع المؤمنين بأنهم سوف يتزوجون الحور العين، فثبت أن الحور العين لسن من نساء الدنيا وإنما هن مخلوقات يخلقهن الله في الجنة.
فجاء في الحديث أنهن ينشدن: (نحن الخيرات الحسان.
خلقنا لأزواج كرام).
следующие страницы →