Полный текст (3 275 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
تفسير قوله تعالى: (متكئين على فرش بطائنها من استبرق)
قال الله ﵎: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن:٥٤].
قوله: (متكئين) هذا حال منصوب، والاتكاء يطلق على الاعتماد على شيء، قال حاكياً عن موسى: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ [طه:١٨].
ويطلق أيضاً على أن الإنسان يجلس على جنبه ويستند على مرفقه.
بالنسبة للاتكاء هناك ظاهرة عجيبة جداً بدأت تشيع في المساجد، وهي أنه في بعض المساجد تجد خطاً من الكراسي يجلس عليها بعض المصلين، ونلاحظ الذي يجلس عليها أحياناً يكون شاباً أو فوق الشباب بقليل -أي: في منتصف العمر- وهو ما شاء الله يسعى وراء الدنيا مثل الجمل أو مثل (البابور) وتراه في منتهى الصحة والعافية، ثم تراه جالساً على الكرسي، وهذا يدل على تهاون الناس بالصلاة، وقد تجد إنساناً يصلي متكئاً أو جالساً على كرسي.
نقول: في النافلة يقبل ما لا يقبل في الفريضة، صحيح أن العلماء قالوا في مثل هذا الإنسان: يصلي حسبما يستطيع، يعني: إن كان لا يستطيع القيام فله أن يصلي قاعداً أو على جنب على حسبه، لكن القيام ركن من أركان الصلاة، بمعنى: لو أن رجلاً في الفريضة صلى جالساً وهو قادر على القيام فصلاته باطلة، يقول : ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨].
أما إذا لم يستطع قائماً فله أن يصلي جالساً أو على جنب، وهكذا هناك درجات معينة لا ينتقل إلى التي بعدها حتى يعجز عن التي قبلها.
إذاً: ينبغي أن لا توضع الكراسي للناس في المساجد إلا إذا كان أثناء الجلوس خارج الصلاة، كأن يشق على بعض كبار السن فلا بأس بذلك، لكن داخل الصلاة لا ينبغي أن توفر الكراسي؛ حتى لا نفتح هذا الباب للناس المتهاونين؛ لأني أرى في بعض المساجد أناساً في منتهى الصحة والعافية، لكن وقت الصلاة تراه يأخذ كرسياً ويجلس عليه.
стр. 2557
تفسير سورة الرحمن [٥٨ - ٧٨]
стр. 2558
تفسير قوله تعالى: (كأنهن الياقوت والمرجان فبأي آلاء ربكما تكذبان)
﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) [الرحمن:٥٨ - ٦١].
قوله: ((كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ)) يقول القاسمي: أي: في الحسن والبهجة، أو في حمرة الوجنة والوجه أدباً وحياء ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)).
((هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ)) يعني: هل جزاء الإحسان في العمل إلا الإحسان في الثواب وهو الجنة: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) أي: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد.
يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ((هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ)) أي: ما لمن أحسن العمل في الدنيا إلا الإحسان إليه في الآخرة, كما قال الله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦].
قوله: ((الحسنى)) هي الجنة، ((وَزِيَادَةٌ)) وهي رؤية الله في الجنة.
وبعض المفسرين ذهب إلى أن قوله تعالى: ((هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ)) يفيد العموم، يعني: ما جزاء الإحسان في الدنيا التي هي دار العمل إلا الإحسان في الدنيا والآخرة.
قال الصادق: هل جزاء من أحسنت إليه في الأزل إلا حفظ الإحسان عليه إلى الأبد, فيكون هنا تفسيران: التفسير الأول: هل جزاء من أحسن في الدنيا العمل إلا الإحسان إليه في الدار الآخرة, هذا هو الصواب، ويؤيده قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦].
والتفسير الثاني: ((هل جزاء الإحسان)) يعني: هل جزاء من أحسنت إليه في الأزل حينما كتبه الله من السعداء إلا حفظ الإحسان عليه إلى الأبد حتى يدخل الجنة.
وقال محمد بن الحنفية: هي مسجلة للبر والفاجر, أي: مرسلة.
يعني: مطلقة غير مقيدة، حتى الكافر إذا أحسن في الدنيا يحسن الله إليه في الدنيا، لكن أعماله مقيدة بمشيئة الله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨] وهذا هو سر القيد: ((لمن نريد)) إلى آخر الآية.
وقول محمد بن الحنفية في تفسيرها: هي مسجلة للبر والفاجر، أي: مرسلة على الفاجر في الدنيا، وعلى البر في الآخرة، وهذا المعنى في الحقيقة ليس بدعاً من القول، فإنه يؤيده نصوص تدل على أن عمل الكافر الذي يتقرب به إلى الله لا يضيع عليه، وهذا من عدل الله .
يعني: أن الكافر الذي يعمل أعمالاً حسنة مما يرضي الله كبر الوالدين، وصلة الرحم، وإكرام الضيف، وحسن الجوار، وصدق الحديث، والوفاء بالعهد، والتنفيس عن المكروب، ونحو ذلك فهو يجازى عليه، لكن فقط في الدنيا؛ لأن الدنيا هي سجن المؤمن وجنة الكافر.
يعني: المؤمن إذا خرجت روحه كالسجين الذي يحكم عليه بالإطلاق والإخراج, فيدخل إلى سعة رحمة الله ﵎، ويطلق من القيود التي كان مقيداً بها في الدنيا، سواء الأحكام الشرعية من الحلال والحرام أو غير ذلك من الابتلاءات, أما الكافر فهو يجازى فقط في الدنيا التي هي جنته, وهي المكان الوحيد الذي يمكن أن ينتفع فيه بعمله الصالح في الدنيا، ولا يمكن أن يكون له حظ في الآخرة إذا مات على غير التوحيد؛ وذلك لقول الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]، وقال الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى:٢٠]، وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها) رواه مسلم، وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة من الدنيا).
وهذا هو السر في أننا أحياناً نجد الكافر في رزق وصحة وأولاد ونعيم ورأس مال ومشاريع وكذا وكذا, وقد يفضل في كثير من الأحوال على المؤمن، بينما المؤمن مبتلى فقير وهكذا؛ لأن الله سبحانه يريد رفع درجات المؤمن في الآخرة، وذلك للحديث الذي قال فيه ﵊: (إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة في الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقاً في الدنيا على طاعته) رواه مسلم.
إذاًً: القاعدة العامة أن انتفاع الكافر بالعمل الحسن الذي يعمله مقيد بمشيئة الله، كما قال الله : ((مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ))، فهذه تقيد ما سبق من الكلام.
أما في الآخرة فالنصوص كثيرة جداًَ، وهي دالة على أنه لا يمكن أن ينتفع الكافر بعمله في الآخرة إذا مات على الشرك والعياذ بالله.
стр. 2559
تفسير قوله تعالى: (ومن دونهما جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان)
﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُدْهَامَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٦٢ - ٦٩].
قوله: ((وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ)) قيل: جنتان من ذهب للمقربين وجنتان من ورق لأصحاب اليمين.
وقال معظم المفسرين: إن هاتين الجنتين دون اللتين قبلهما في المرتبة والفضيلة والمنزلة بنص القرآن الكريم؛ لأن قوله تعالى: ((ومن دونهما)) يفيد أن هاتين الجنتين أقل من اللتين ذكرتا أولاً في الآيات السابقة، وهذا هو الظاهر من كلام عامة المفسرين، وإن كان بعضهم ذهب إلى العكس وهو تفضيل الجنتين المذكورتين آخراً على المذكورتين أولاً, ثم اجتهد في توجيه كلامه، لكن الصحيح ما ذكرناه من قبل أن الأقرب والله تعالى أعلم: أن الجنتين الأوليين أعظم وأعلى وأفضل من الجنتين اللتين ذكرتا فيما بعد, وذلك لما روي في الحديث: (جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما) فالأوليان للمقربين، والأخريان لأصحاب اليمين.
وقال أبو موسى: جنتان من ذهب للمقربين وجنتان من فضة لأصحاب اليمين, وقال ابن عباس: ((ومن دونهما جنتان)) أي: من دونهما في الدرج، وقال ابن زيد: من دونهما في الفضل.
والدليل على شرف الأوليين على الأخريين وجوه: أحدها أنه نعت الأوليين قبل هاتين، والتقديم يدل على الاعتناء, ثم قال: ((ومن دونهما جنتان)) وهذا ظاهر في شرف التقدم وعلوه على الثاني, وقال هنا: ((ذَوَاتَا أَفْنَانٍ)) وهي الأغصان أو الفنون في الملاذ، وقال هنا: ((مُدْهَامَّتَانِ)) أي: سوداوان من شدة الري من الماء.
وقال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ((مدهامتان)): (قد اسودتا من الخضرة من شدة الري من الماء)، وقال قتادة: خضروان من الري ناعمتان, ولا شك في نضارة الأغصان على الأشجار المشتبكة بعضها في بعض.
قوله: ((مُدْهَامَّتَانِ)) أي: خضراوان من الري تضربان إلى السواد من شدة الخضرة.
وقيل: قوله تعالى: ((مُدْهَامَّتَانِ)) دلالة على شدة تمكن اللون الأخضر، وأنهما ممتلئتان من الخضرة.
وقال هناك في الجنتين الأوليين: ((فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ)) وقال هنا: ((فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ)).
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: ((نصاختان)) (أي: فياضتان، والجري أقوى من النضخ).
وقال الضحاك: ((نضاختان)) أي: ممتلئتان لا تنقطعان.
وقال هناك: ((فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ)) أي: فيها من جميع أنواع الفاكهة أما هنا فقال: ((فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ))، ولا شك أن الأولى أعم وأكثر في الأفراد والتنويع على فاكهة وهي نكرة في سياق الإثبات لا تعم، ولهذا ليس قوله: ((ونخل ورمان)) من باب عطف الخاص على العام كما قرره البخاري وغيره, وإنما أفرد النخل والرمان بالذكر لشرفهما على غيرهما.
وهذا كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨]، فالصلوات الخمس والوسطى منها وهي صلاة العصر، لكن هذا لمزيد من الاعتناء بتخصيص صلاة العصر بالذكر، وكذلك قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨] قوله: ((وجبريل وميكال)): هما من الملائكة, لكن هذا من باب عطف الخاص على العام.
يقول القاسمي في تفسير قوله تعالى: ((فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ))، وإنما أفردهما بالذكر مع أنهما من الفاكهة لبيان فضلهما.
стр. 2560
تفسير قوله تعالى: (فيهن خيرات حسان فبأي آلاء ربكما تكذبان)
﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٧٠ - ٧١].
قوله: ((خيرات)) جمع خَيَّرة بالتشديد ثم خففت.
قوله: ((فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ)) يعني: فاضلات في الأخلاق، وإيثار ضمير المؤنث على التثنية مراعاة للفظ المسند إليه بعده؛ لأن المسند إليه بعده فيه الجهة, ((فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ)).
((حسان)) يعني: حسان الوجوه.
إذاً: قوله: ((خيرات)): إشارة إلى أنهن فاضلات في أخلاقهن، وأما ((حسان)) ففيه وصف الخَلْقِ.
يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ((فيهن خيرات حسان)): قيل: المراد ((خيرات)) كثيرة حسنة في الجنة قاله قتادة.
وقيل: ((خيرات)) جمع خيرة أو خيِّرة وهي المرأة الصالحة الحسنة الخلق الحسنة الوجه, قاله الجمهور.
وفي بعض الأحاديث: أن الحور العين يغنين لأزواجهن: (نحن الخيرات الحسان.
خلقنا لأزواج كرام) ولهذا قرأ بعضهم: (فِيهِنَّ خَيَّرَاتٌ حِسَانٌ) بالتشديد, ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)).
لقد ناقش المفسرون: أيهما أكثر حسناً الحور العين أو الآدميات؟ فبعض العلماء قال: الحور أفضل من الآدميات لما ذكر من وصفهن في القرآن والسنة بصفات الجمال في الخَلق والخُلق, وفي دعاء النبي ﷺ للميت: (وأبدله زوجاً خيراً من زوجه) فهذا يدل على أن التي يتزوجها المؤمن من الحور العين أفضل من زوجه الآدمية.
وإن كان يمكن الجواب عن هذا بأنه إذا مات الرجل وبقيت زوجته بعده فالدعاء له الآن بعد انتقاله إلى الدار الآخرة أو إلى مقدمات الآخرة وهي البرزخ.
القول الثاني: الآدميات أفضل من الحور العين؛ لأن الآدميات مكلفات وقد عملن أعمالاً صالحة في الدنيا وأطعن الله ورسوله ﵌.
أيضاً: مما ينبغي أن نعلمه أن الحور لسن من نساء الدنيا, بل هن مخلوقات في الجنة, لقول الله : ((لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ))، وأكثر نساء الدنيا مطموثات, وحديث النبي ﵊: (إن أقل ساكني الجنة النساء)؛ فإذا كان أقل ساكني الجنة النساء، فالمعنى: أن أهل الجنة من الرجال لا يصيب كل واحد منهم امرأة من المؤمنين في الجنة، مع أن الله وعد جميع المؤمنين بأنهم سوف يتزوجون الحور العين، فثبت أن الحور العين لسن من نساء الدنيا وإنما هن مخلوقات يخلقهن الله في الجنة.
فجاء في الحديث أنهن ينشدن: (نحن الخيرات الحسان.
خلقنا لأزواج كرام).
стр. 2561
تفسير قوله تعالى: (حور مقصورات في الخيام فبأي آلاء ربكما تكذبان)
﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٧٢ - ٧٥].
قوله: ((حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ)) الحور جمع حوراء، والحوراء البيضاء النقية.
ومعنى قوله: ((مقصورات)) أي: قصرن أنفسهن على منازلهن, لا يهمهن إلا زينتهن ولهوهن.
((الخيام)) يعنى بها البيوت، وقد يسمي العرب هوادج النساء خياماً.
قوله تعالى: ((حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ)) أي: محبوسات حبس صيانة وتكرمة وحماية.
وهذا الحبس ليس كما يزعم بعض الناس أنه امتهان للمرأة أو كذا، وإنما هو حبس من أجل الصيانة والحماية والتكريم؛ لأن الشيء الذي له قيمة وهو نفيس فإنه يصان ولا يهان ولا يبذل للناظرين، فمثلاً: حبة اللؤلؤ تصان داخل الصدفة لأنها ثمينة, ومن امتلك جواهر أو أشياء من هذه الأشياء النفيسة فإنه يصونها في مكان يؤمن عليها فيه.
وقوله: ((حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ)) هذا في الجنتين اللتين هما دون الجنتين الأوليين, فهناك قال: ((فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ)) أما هنا فقال: ((حُورٌ مَقْصُورَاتٌ)) يعني: قُصِرتْ أطرافهن، ولا شك أن التي قَصَرَتْ طرفها بنفسها أفضل ممن قُصِرتْ، وإن كان الجميع مخدرات، ومخدرات يعني: استترن وراء الخدر، وهو غطاء أو ستارة في كنف البيت تحبس فيه العذراء لشدة حيائها, ولذلك ورد في الحديث: (كان ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها)، وهناك كتاب في الفقه الحنبلي اسمه (فقه المخدرات شرح أخصر المختصرات) المخدرات: يعني الأفكار المنقولة المستورة.
والبنت في الصعيد إذا كبرت يقولون عنها: هذه (اتخدرت) يعني: كبرت وهي مخدرة ومستترة داخل البيت.
إذاً: ((حور)) جمع حوراء، والحوراء الشديدة بياض العين الشديدة سوادها.
وقوله: ((مقصورات)) أي: محبوسات حبس صيانة وتكرمة، فالمقصود هنا عدم خروجهن أو نظرهن وتطلعهن إلى غير أزواجهن، ومنه قول كثير مخاطباً عزة: وأنت التي حببت كل قصيرة إلي وما تدري بذاك القصائر عنيت قصيرات الحجال ولم أرد قصار الخطا شر النساء البحاتر يعني: أنت التي حببت إلى كل امرأة قارة في بيتها، أعني النساء اللائي يقصرن أنفسهن داخل الخيام أو داخل البيوت أو داخل الخدر ولا يخالطن الرجال.
(شر النساء البحاتر) يعني: القصيرة المجتمعة الخلق.
((حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ)) أي: لسن بالطوافات في الطرق.
أما الخيام فقيل: هي خيام اللؤلؤ، وفي الجنة خيمة واحدة من لؤلؤة أربعة فراسخ في أربعة فراسخ، عليها أربعة آلاف مصراع من ذهب.
((لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ)) يعني بهن: حور الجنتين اللتين هما دون الأوليين، أو أنه تكرار لما سبق للتنويه لهذا الوضع، وكونه في مقدمة المشتهيات وطليعة الملذات فقال : ((لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ))، إلا أن الله زاد في وصف الحور الأوائل فقال: ((كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ))، أما هنا فلم يصف هؤلاء الحور بذلك، وإنما قال: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)).
стр. 2562
تفسير قوله تعالى: (متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان فبأي آلاء ربكما)
﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٧٦ - ٧٧].
قوله: ((مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ)) أي: سرر أو مساند أو وسائد خضر ((وعبقري)) أي عتاق الزرابي، ((حسان)) أي: جيادها.
وأصل صفة العبقري هذه لا تقال إلا على الجيد، فهنا كشف عن الصفة بقوله: ((مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ))، فقد يظن ظان أن هناك شيئاً يوصف بأنه عبقري ولا يكون حسناً، فمن ثم قال: الصفة كاشفة؛ لأن كل عبقري لابد أن يكون حسناً.
يقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: ((مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ)) عن ابن عباس: (الرفرف المحابس)، والمحابس بفتح الميم محبس، والمحبس ثوب يطرح على ظهر الفراش الموضوع على السرير الذي ينام الإنسان عليه.
وقال العلاء بن زيد: الرفرف على السرير كهيئة المحابس المتدلي.
وقال عاصم الجحدري: ((متكئين على رفرف خضر)) يعني: الوسائد.
وعن سعيد بن جبير قال: الرفرف: رياض الجنة، والعبقري هي: عتاق الزرابي، يعني: جيادها.
وقال مجاهد: العبقري: الديباج.
وسئل الحسن البصري عن قوله تعالى: ((وعبقري حسان)) فقال: هي بسط أهل الجنة لا أبا لكم فاطلبوها، وعنه: أنها المرافق.
وقال زيد بن أسلم: العبقري أحمر وأصفر وأخضر.
وقيل: العبقري من ثياب أهل الجنة لا يعرفه أحد.
وقال أبو العالية: العبقري: الطنافس المخملة إلى الرقة ما هي.
وقال القيسي: كل ثوب موشى عند العرب عبقري.
وقال أبو عبيدة: هو منسوب إلى أرض يعمل بها الوشي.
وقال الخليل بن أحمد: كل شيء نفيس من الرجال وغير ذلك يسمى عند العرب عبقرياً, ومنه قول النبي ﷺ في عمر: (فلم أر عبقرياً يفري فرية).
والعبقري هنا المقصود به: رئيس القوم وجليلهم.
стр. 2563
وجه تسمية الشيء النفيس عبقرياً
نلاحظ هنا أن الله خاطب العرب بما يعرفونه, ومما تعارفه العرب أن العبقري هي من أنفس الأشياء, مثل: الزرابي أو البسط أو السجاجيد أو كذا، فالعرب لهم كلام في أصل وصف الشيء بأنه عبقري.
وتزعم العرب أن عبقر بلد يسكنها الجن فينسبون إليه كل شيء فائق جليل.
وقال الخليل: كل شيء نفيس من الرجال والنساء وغيرهم عند العرب عبقري.
إذاً: كلمة عبقري لوحدها تدل على أنها كل جيد ونفيس وفاخر وجليل إلى آخره، يعني: لا يفهم من قوله: ((وعبقري حسان)) أنه يمكن أن يكون هناك عبقري ليس حسناً، وإنما كل عبقري لا بد أن يكون حسناً، فلذلك قال: ((َعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ)).
إذاً: العرب ينسبون إلى عبقر كل شيء يعجبون به من صنعه وجودته وقوته، وأيضاً: يوصف به كل جليل ونفيس وفاضل وفاخر من الرجال والنساء وغيرهم، فالعرب تسميه عبقرياً، وفي الحديث لـ عمر: (فلم أر عبقرياً يفري فريه).
أيضاً: للعقاد سلسلة مؤلفات تسمى العبقريات، منها: (عبقرية محمد) و (عبقرية عمر) و (عبقرية الصديق) وهكذا.
стр. 2564
حكم إطلاق وصف العبقري على النبي ﷺ
لقد حصل نوع من الجدل حول إطلاق وصف العبقري على النبي محمد ﵌, أو وصف الرسول ﵊ بأنه أعظم الأبطال أو أنه أشجع الشجعان أو أنه أفضل مائة شخصية عرفها العالم, هذا كله يعتبر نوعاً من الرضا بالدون؛ لأنه من الرضا بالدون حينما نقنع بأن الرسول ﷺ عبقري, ولا يقاس بأنه أكمل البشر في كل صفاته ﵊, ومعلوم أن الناس ينقسمون إلى مؤمنين وكفار، وأهل جنة وأهل نار، ليس لأنهم كانوا يؤمنون أن محمداً عبقري أو غير عبقري ﵊، أو أنه بطل أو غير بطل.
فالنبي بكل المقاييس البشرية هو أفضل البشر ﵊، والحد الفاصل بين الإيمان والكفر فيما يتعلق برسول الله ﷺ أنك تشهد أن محمداًَ رسول الله، أما من يبدي إعجابه به فهو على رغم أنفه لابد أن يعجب بأخلاق الرسول ﵊ وسيرته، وكذا وكذا من شئونه، ولذلك رأينا كثيراً من الكفار يمدحونه ﵊ مدحاًَ كبيراً جداً ومدحاً عظيماً، كـ موسى الشاعر الألماني المعروف والذي له كلام في هذا، وأحد الأدباء الروس أيضاً له كلام في غاية الروعة والاحترام لرسول الله ﵊, وهذا ابن الرئيس المدعو غاندي الهندي عابد البقر دخل في الإسلام, فهؤلاء الناس لم يدخلوا في الإسلام بمجرد أن مدحوا الرسول ﵊، وإنما حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, فالرسول ﵊ بعث كي يؤمن الناس بأن لا إله إلا الله وأنه رسول الله, أما الوقوف عند كلمة عبقري وأن نفخر حينما نجد هؤلاء الناس يمدحونه بكذا وكذا لأنه رسول, الاعتراف بأنه رسول الله لا يهز فينا شعرة.
إذاً: ﵊ لا يختلف عاقل أنه أكمل البشر, أما الوقوف عند هذا الحد، أو مقارنته بـ نابليون أو فلان أو علان فهذا كلام عجيب، ولكن الحد الفاصل بين الإسلام والكفر هو أن تؤمن أن محمداً نبي الله ورسوله ﵌.
стр. 2565
الفرق بين فرش الجنتين الأوليين وفرش الجنتين الأخريين
يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: وعلى كل تقدير فصفة مرافق أهل الجنتين الأوليين أرفع وأعلى من هذه الصفة فإنه قد قال هناك: ((مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ))، فنعت بطائن فرشهم وسكت عن ظاهرها اكتفاء بما مدح به البطائن بطريق الأولى والأحرى.
وتمام الخاتمة أنه قال بعد الصفات المتقدمة: ((هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ)) فوصف أهلها بالإحسان وهو أعلى المراتب والنهايات، كما في حديث جبريل لما سأل عن الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان، فهذه وجوه عديدة في تفضيل الجنتين الأوليين على هاتين الأخريين.
стр. 2566
تفسير قوله تعالى: (تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام)
قال ﵎: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨] أي: ذي العظمة والكبرياء والتفضل بالآلاء.
قوله: ((ذي الجلال والإكرام)) أي: هو أهل أن يجل فلا يعصى، وأن يكرم فيعبد، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى.
يقول النبي ﵌: (إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وذي السلطان المقسط، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه) رواه أبو داود.
وعن أنس مرفوعاً عن النبي ﵊ قال: (ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام) قوله: (ألظوا) يعني: الزموا هذا الاسم فاثبتوا عليه وأكثروا من الدعاء به.
وعن عائشة قالت: (كان النبي ﷺ إذا سلم لا يقعد -يعني: بعد الصلاة- إلا بقدر ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام).
قوله هنا: ((تبارك اسم ربك)) الاسم هنا كناية عن الذات العالية، وإلا يكفي أن يقول: تبارك ربك ذو الجلال والإكرام.
كذلك قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] فأنت لا تقول: سبحان اسم ربنا الأعلى بل تقول: سبحان ربنا الأعلى, فالمقصود به الذات العالية؛ لأنه كثر اقتران الفعل المذكور معه، كقول الله ﵎: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان:٦١]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١] وهذا يقوي القراءة بالرفع, أي: ((تبارك اسم ربك ذو الجلال والإكرام)) على أنه صفة للاسم، وسر إيثار الاسم أن الأغلب أن المقصود هو الذات العالية, وللتنبيه على أنه لا يعرف منه تعالى إلا أسماؤه الحسنى لاستحالة معرفة الذات المقدسة، فما عرف الله إلا الله.
فهو اقتصر على ذكر الاسم تنبيهاً على أننا لا نعرف من الله إلا أسماءه الحسنى, وحتى الأسماء الحسنى لا نعرفها كلها وإنما نعرف ما كشف لنا منها, وذلك لما ورد في الحديث: (أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) فأسماء الله لا تنحصر في التسعة والتسعين وإنما هي أكثر من ذلك ولا يعلمها إلا الله .
стр. 2567
وجه إدخال لفظة (اسم) في قوله: (تبارك اسم ربك)
قيل: إن لفظة: (اسم) مقحمة, كقول الشاعر لبيد بن ربيعة في قصيدة يخاطب فيها بنتيه: تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر ثم قام يوصيهن بماء يفعلان بعد أن يموت: فقوما فقولا بالذي قد علمتما ولا تخمشا وجهاً ولا تحلقا شعر فقولا هو المرء الذي لا خليله أضاع ولا خان الصديق ولا غدر إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر لأن الحداد في الجاهلية كان يستمر سنة كاملة.
قوله: (إلى الحول) يعني: ابكيا ومجداني واذكرا محاسني مدة سنة كاملة.
قوله: (ثم اسم السلام عليكما) هذا شاهد لإقحام لفظة (اسم).
وقول الله ﵎ هنا في آخر هذه السورة الكريمة: ((تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ)) يعني: كأنه من باب رد العجز على الصدر؛ لأن السورة افتتحت بالاسم الكريم: ((الرَّحْمَنُ)) واختتمت بقوله: ((تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ)) فكأن المراد بقوله: ((تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ)) كأنه يريد الاسم الذي افتتحت به هذه السورة وهو اسم (الرحمن)، فافتتح السورة بهذا الاسم فوصف خلق الإنسان والجن وخلق السماوات والأرض وصنعه، وأنه كل يوم هو في شأن، ووصف تدبيره فيه، ثم وصف يوم القيامة وأهواله وصفة النار، ثم ختمها بصفة الجنان، ثم قال في آخر السورة: ((تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ)) أي: تبارك هذا الاسم الذي افتتح به هذه السورة، كأنه يعلمهم أن هذا كله خرج لكم من رحمتي, فمن رحمتي خلقتكم, ومن رحمتي خلقت لكم السماء والأرض, ومن رحمتي خلقت الخلق والخليقة والجنة والنار, فهذا كله لكم من اسم الرحمن، فمدح اسمه ثم قال: ((ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ)) يعني: أنه جليل في ذاته كريم في أفعاله .
стр. 2568
وجوب تعظيم اسم الله تعالى والحذر من امتهانه
إن من مقتضى هذه الآية الكريمة أن يعظم اسم الله : ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]، فمن تعظيم الله أن يصان عن أي شيء يتنافى مع إكرامه.
يقول عبد الله بن عون رحمه الله تعالى: كان محمد بن سيرين يكره أن يشتري بهذه الدنانير المحدثة والدراهم التي عليها اسم الله.
مع أن هناك بوناً شاسعاً بين امتهان اسم الله بأن يكتب على الدنانير الذهبية، وبين ما يحصل الآن من كتابتها على أوراق الجرائد وكذا وكذا ثم يمتهن الاسم الكريم، فهذا يتصادم مع مقتضى قوله تعالى: ((تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ))، وبعض الناس يتساهلون في هذا الجانب، فتجد من يكتب شعار: الله أكبر, أو ما شاء الله إلى آخره على الجدران أو السيارات، وهذا لا ينبغي، فاسم الجلالة لا يستعمل هذا الاستعمال.
فما ينبغي التهاون في مثل هذا الأمر، وأعداء الإسلام والكفرة الآن إذا أرادوا أن يغيظوا المسلمين فإنهم يقومون بإهانة اسم الله ، فما يليق بالمسلم أبداً أن يمتهن اسم الله ، وإذا تعمد ذلك فإنه يكفر.
وقد نص العلماء على أن من آداب قضاء الحاجة أنه لا يجوز أبداًَ أن يتم الاستنجاء بما هو محترم، ومع ذلك نجد تهاون الناس تهاوناً شديداً جداً في التعامل مع أوراق الجرائد, فتجد من يصلي عليها ويطأ على اسم الله المكتوب على الجرائد، وهذه الجرائد المكتوبة بالعربية لا يمكن أن تخلو من اسم الله، صحيح قد لا يوجد فيها ذكر الله على سبيل الكلام الديني إلا ما ندر، ولكن لن تخلو من اسم وزير أو مسئول أو مدير أو شخص اسمه عبد الله أو عبد الرحمن أو نحو ذلك من أسماء الله، فإذا وطئت عليه كأنك أهنت اسم الله ، كذلك لا ينبغي أن تلف البضائع في الجرائد، وينبغي الاجتهاد في التنزه من هذا الفعل.
стр. 2569
أقوال العلماء في سر تكرار قوله تعالى: (فبأي آلاء ربكما تكذبان)
يختم القاسمي رحمه الله تعالى تفسيره لسورة الرحمن بهذه الفائدة يقول فيما قاله الأئمة في سر تكرير: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)): قال السيوطي في الإتقان في بحث التكرير: قد يكون التكرير غير تأكيد صناعة وإن كان مفيداً للتأكيد معنى.
يعني: التكرار أو التكرير يستعمل للتوكيد: يا علقمه يا علقمه يا علقمه خير تميم كلها وأكرمه فحينما تكرر شيئاً فأنت تريد التوكيد، لكن أحياناً يراد به شيء غير التأكيد، وإنما وقع فيه الفصل بين المكررين, فإن التأكيد لا يفصل بينه وبين مؤكده.
ثم قال: وجعل منه قوله تعالى: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) فإنها وإن تكررت نيفاً وثلاثين مرة فكل واحدة تتعلق بما قبلها، ولذلك زادت على ثلاثة، ولو كان الجميع عائداً إلى شيء واحد لما زاد على ثلاثة؛ لأن التأكيد لا يزيد عليها, قاله ابن عبد السلام وغيره.
وفي عروس الأفراح: فإن قلت: إذا كان المراد بكل ما قبله, يعني قوله: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) مثلاً بعد قوله: ((هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ)) يعني: آلاء ربكم المذكورة في هذه الآية بذاتها قبل, فليس ذلك بأسماء بل هي ألفاظ فكل واحد أريد به غير ما أريد به الآخر, الألفاظ هي: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) لكن المقصود بالآلاء هنا غير المقصود بها هناك، وهذا يدعم كلامنا من قبل أن هذا تأكيد بمعنى الجديد.
فإن قلت: يلزم التأكيد, قلت: والأمر كذلك ولا يبدو عليه؛ لأن التأكيد لا يزاد به عن ثلاثة، أما إذا ذكر الشيء في مقامات متعددة أكثر من ثلاثة فلا يمتنع، وقال العز بن عبد السلام في كتابه (الإشارة إلى الإيجاز): وأما قوله: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) فيجوز أن تكون مكررة على جميع أنعمه، ويجوز أن يراد بكل واحدة منهن ما وقع بينها وبين التي قبلها من نعمة، ويجوز أن يراد بالأولى ما تقدمها من النعم، وبالثانية ما تقدمها، وبالثالثة ما تقدم على الأولى، وبالرابعة ما تقدم على الأولى والثانية والثالثة وهكذا إلى آخر السورة فإن قيل كيف يكون قوله: ((سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ)) وقوله: ((يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ))، وقوله: ((هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ)) [الرحمن:٤٣ - ٤٤] وقوله: ((يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ))، كيف يكون ذلك نعمة؟ قلنا: هذه كلها نعم جسام, كأن الله هدد العباد بها استصلاحاً لهم؛ لأن الله حينما أنزل في الدنيا إلى الرسول ﵊ هذه الآيات في وصف النار وعذاب النار وهذه الأهوال إنما هي لإصلاح الناس، ولحثهم على الطاعة والاستقامة، فالترهيب نعمة من حيث إنه زاجر عن المحرمات ودافع إلى الاستقامة على شرع الله ﵎.
إذاً: هذه كلها نعم جسام؛ لأن الله هدد العباد بها استصلاحاً لهم ليخرجوا من حيز الكفر والطغيان والفسوق والعصيان إلى حيز الطاعة والإيمان والانقياد والإذعان, فإن من حذر من طريق الردى وبين ما فيها من الأذى وحث على طريق السلامة الموصلة إلى المثوبة والكرامة كان منعماً غاية الإنعام ومحسناً غاية الإحسان، ومثل ذلك قوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس:٥٢] يعني: هذا فيه مناسبة الربط لذكر صفة الرحمة في ذلك المقام، يعني: نفس المناسبة في ذكر ما يقع من العذاب والأهوال، فلا يستغرب أنه وعد بالعذاب وبيان عذاب المشركين وفي نفس الوقت يوصل إلى الرحمن.
أما قوله: ((كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ)) ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) فأين النعمة في هذا الخبر؟ نقول: هذا تذكير بالموت والفناء، وفيه ترغيب في الإقبال على العمل لدار البقاء، وفي الإعراض عن دار الفناء.
وقال البغوي: كررت هذه الآية في واحد وثلاثين موضعاً تقريراً للنعمة وتأكيداً للتذكير بها، ثم عدد على الخلق آلاءه، وفصل بين كل نعمتين بما نبههم عليه ليفهمهم النعم ويقررهم بها، كقول الرجل لمن أحسن إليه وتابع إليه بالأيادي وهو ينكرها ويكفرها, فيقول له: ألم تكن فقيراً فأغنيتك؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن عرياناً فكسوتك؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن خاملاً فعزرتك؟ أفتنكر هذا؟ ومثل هذا الكلام شائع في كلام العرب.
وقال في الدرر والغرر: التكرار في سورة الرحمن إنما حسن للتقرير بالنعم المختلفة المعددة، فكلما ذكر سبحانه نعمة أنعم بها وبخ على التكرير كما يقول الرجل لغيره: ألم أحسن إليك بأن خولتك في الأموال؟ ألم أحسن إليك بأن فعلت بك كذا وكذا؟ فيحصل فيه التكرير, وهو كثير في كلام العرب وأشعارهم، كقول مهلهل يرثي كليباً: على أن ليس عدلاً من كليب إذا ما ضيم جيران المجير على أن ليس عدلاً من كليب إذا رجف العظاة من الدبور على أن ليس عدلاً من كليب إذا خرجت مخبأة الخدور على أن ليس عدلاً من كليب إذا ما أعلنت نجوى الأمور على أن ليس عدلاً من كليب إذا حيف المخوف من الثغور على أن ليس عدلاً من كليب غداة تأثل الأمر الكبير على أن ليس عدلاً من كليب إذا ما خار جأش المستجير ثم أنشد قصائد أخرى على هذا النمط وهي من نصائح العرب.
وقال شيخ الإسلام في متشابه القرآن: ذكرت هذه الآية ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) إحدى وثلاثين مرة, ثمانية منها ذكرت عشر آيات فيها تعداد عجائب الخلق لله وبدائع صنعه ومبدأ الخلق ومعاده, ثم تبعت منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها على عدد أبواب جهنم.
يعني: الآيات التي فيها ذكر النار ذكرت فيها آية: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) سبع مرات بعدد أبواب جهنم.
وحسن ذكر الآلاء عقبها لأن من جملة الآلاء رفع البلاء وتأجيل العقاب.
يعني: رغم أنها آية عذاب لكن يحسن أن يأتي بعدها ذكر الآلاء والامتنان بالآلاء؛ لأن من جملة الآلاء أن هذا البلاء الآن غير واقع بكم، والعقاب لا ينزل بكم حالاً وإنما هو مؤجل إلى أجل يعلمه الله , ففيه أيضاً نفس هذا المعنى الذي أشرنا إليه من قبل.
وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلهما.
يعني: في الجنتين الأوليين ذكرت ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) ثمان مرات في وصف الجنتين ونعيمهما، وثمانية هو عدد أبواب الجنة, وثمانية أخرى بعدها في الجنتين اللتين هما دون الجنتين الأوليين, أخذاً من قوله: ((وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ))، فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها استحق هاتين الثمانيتين من الله، ووقاه السبعة السابقة.
стр. 2570
تفسير سورة الواقعة [١ - ١٤]
стр. 2571
ما ورد في فضل سورة الواقعة
سورة الواقعة سورة مكية، وآيها ست وتسعون آية، وسميت بالواقعة لأنها مملوءة بوقائع القيامة، والقيامة هي الواقعة العظمى؛ لوقوعها في أشد الأحوال.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: (يا رسول الله! قد شبت! قال: شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت)، رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب.
وقول أبي بكر رضي الله تعالى عنه: (يا رسول الله! قد شبت) ليس المقصود به أن الشيب قد كثر في شعر رسول الله ﷺ ولحيته، لكنه شيب قليل معدود، فالرسول ﵊ ما زاد الشيب جداً في لحيته ورأسه، وإنما كانت شعرات معدودة.
وقوله: (شيبتني هود إلخ) أي: شيبتني هذه السور لما فيها من أهوال يوم القيامة.
وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يصلي الصلوات كنحو من صلاتكم التي تصلون اليوم، ولكنه كان يخفف، كانت صلاته أخف من صلاتكم، وكان يقرأ في الفجر الواقعة ونحوها من السور).
وهناك بعض الأحاديث الضعيفة التي لا تصح بحال عن الرسول ﵊، كحديث: (من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبداً).
стр. 2572
تفسير قوله تعالى: (إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة)
يقول الله ﵎: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة:١ - ٢].
﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ أي: نزلت وجاءت.
و (الواقعة) عَلَمٌ بالغلبة على القيامة أو منقول، سميت بذلك لتحقق وقوعها، وكأنه قيل: إذا وقعت التي لابد من وقوعها.
واختيار (إذا) مع صيغة المضي للدلالة على ما ذكر.
﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ أي: كذب أو تكذيب.
فقد جاء المصدر على زنة (فاعلة) كالعاقبة والعافية، واللام للاشتقاق.
أو المعنى: ليس حين وقعتها نفس كاذبة، أي: تكذب على الله أو تكذب في نفيها، واللام للتوقيت.
قال الشهاب: والواقعة السقطة القوية، وشاعت في وقوع أمر عظيم، وقد تخص بالحرب، ولذا عبر بها هنا.
يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: الذي يظهر لي صوابه أن (إذا) هنا هي الظرفية المضمنة معنى الشرط، وأما قوله الآتي: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا﴾ [الواقعة:٤] فهي بدل من قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾، وأن جواب (إذا) هو قوله: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة:٨]، فالمعنى: إذا قامت القيامة وحصلت هذه الأهوال العظيمة ظهرت منزلة أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة.
وقوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ أي: قامت القيامة، فالواقعة من أسماء القيامة، كالطامة والصاخة والآزفة والقارعة.
وقد بين الله جل وعلا أن الواقعة هي القيامة بقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٣ - ١٦].
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة:٢] فيه أوجه من التفسير معروفة العلل عند العلماء كلها حق، وبعضها يشهد له القرآن: الوجه الأول -وهو أقرب هذه الوجوه- أن قوله تعالى: ((كَاذِبَةٌ)) مصدر جاء بصيغة اسم الفاعل، كالعافية تأتي بمعنى المعافاة، والعاقبة تأتي بمعنى العقبى، ومنه قوله تعالى عند جماعة من العلماء: ﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ [الغاشية:١١]، أي: لا تسمع فيها لغواً.
والمعنى هنا: ليس لقيام القيامة كذب ولا تخلف، بل هو أمر واقع يقيناً لا محالة.
ومن هذا المعنى قولهم: حمل الفارس على قرنه فما كذب.
أي: ما تأخر ولا تخلف ولا جبن، ومنه قول زهير: ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ما كذب الليث عن أقرانه صدقا إذا كذب الليث عن أقرانه صدق، فهو لا يفعل الوشاية.
يدل عليه قول الله : ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [النساء:٨٧]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الحج:٧]، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران:٩]، وقال تعالى: (وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الشورى:٧]، فقوله: (لا ريب فيه) يشبه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾.
أما الوجه الثاني في تفسير قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ فقالوا: إن اللام في قوله: (ليس لوقعتها) ظرفية، و (كاذبة) اسم فاعل صفة لمحذوف، أي: ليس في وقعة الواقعة نفس كاذبة، بل جميع الناس يوم القيامة صادقون بالاعتراف بالقيامة مصدقون بها، ليس فيهم نفس كاذبة بإنكارها ولا مكذبة بها.
وهذا المعنى يشهد له قوله تعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [الشعراء:٢٠١]، فحينما تقع القيامة سوف يقر بها جميع الناس ولن يرتاب بها أحد؛ لأنهم يعاينونها.
وقال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج:٥٥].
وقال تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦].
стр. 2573
تفسير قوله تعالى: (خافضة رافعة)
يقول تعالى: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة:٣].
أي: تخفض الأشقياء إلى الدركات وترفع السعداء إلى الدرجات؛ لأن دركات النار تذهب نازلة، فكلما نزلت تكون أبعد قعراً، ودرجات الجنة تذهب علواً، فكلما صعدت تكون أعلى وأرقى، فالوقائع العظام تخفض قوماً وترفع آخرين.
وقوله: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾، خبر مبتدأ محذوف، أي: هي خافضة رافعة، ومفعول كل من الوصفين محذوف، قال بعض العلماء: التقدير: (خافضة) أي: هي خافضة أقواماً في دركات النار (رافعة) أقواماً إلى الدرجات العلى في الجنة، كما قال : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]، وقال أيضاً: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [طه:٧٥ - ٧٦]، وقال تعالى: (وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) [الإسراء:٢١].
وقال بعض العلماء: تقديره: خافضة أقواماً كانوا مرتفعين في الدنيا، رافعة أقواماً كانوا منخفضين في الدنيا، وهذا المعنى يشهد له قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٥]، فهم على الأرائك في علو وارتفاع، في حين أن العلو كان في الدنيا للكفار الذين كانوا يسخرون منهم.
وقال بعض العلماء: تقديره: خافضة بعض الأجرام التي كانت مرتفعة؛ لأن القيامة يحصل فيها اضطراب في نظام الكون وينهدم هذا الوجود كله، فهي خافضة بعض الأجرام التي كانت مرتفعة كالنجوم التي تسقط وتتناثر يوم القيامة، وذلك خفض لها بعد أن كانت مرتفعة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ﴾ [الانفطار:٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ [التكوير:٢].
وكذلك رافعة، أي: رافعة بعض الأجرام التي كانت منخفضة، كالجبال، فالجبال ثابتة على سطح الأرض، لكنها يوم القيامة ترتفع من أماكنها وتسير بين السماء والأرض، يقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف:٤٧] أي: لأنه لم يبق على ظهرها شيء من الجبال، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل:٨٨]، وذلك على الراجح إنما يكون يوم القيامة، أي: تسير الجبال بين السماء والأرض كسير السحاب الذي هو المزن، وقد صرح تعالى بأن الجبال تحمل هي والأرض أيضاً يوم القيامة في قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ [الحاقة:١٣ - ١٤].
وعلى هذا القول فالمراد تعظيم شأن يوم القيامة، وأنه يختل فيه نظام العالم، أما على القولين الأولين، فالمراد الترغيب والترهيب؛ ليخاف الناس في الدنيا من أسباب الخفض في الآخرة فيطيعوا الله، ويرغبوا في أسباب الرفع فيطيعوه أيضاً.
وإذا كان في تفسير الآية أقوال عدة غير متناقضة ويحتملها لفظ القرآن الكريم؛ فالصواب حملها على جميع تلك المعاني؛ لأنها لا تتعارض، وفي نفس الوقت كل منها يحتمل ويوجد ما يؤيده من القرآن الكريم، إنما نحتاج للصحيح إذا كان بين الأقوال تعارض.
стр. 2574
تفسير قوله تعالى: (إذا رجت الأرض رجاً وبست الجبال بساً)
يقول الله ﵎: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة:٤ - ٦].
﴿إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا﴾ أي: إذا زلزلت زلزالاً شديداً.
﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ أي: فتتت، أو سيقت وأذهبت وسيرت.
((فكانت هباءً منبثاً)) أي: متفرقاً.
والهباء: ما تذروه الريح من حطام الشجر، وقيل: هو ما يرى من الكُوَّة كهيئة الغبار، فإذا كان في الغرفة فتحة ينفذ منها ضوء الشمس فإنك ترى هذا الهباء في ضوء الشمس الداخل في الكوة.
يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: ((إِذَا رُجَّت)) بدل من قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة:١] والرج: هو التحريك الشديد.
وما دلت عليه هذه الآية من أن الأرض يوم القيامة ستحرك تحريكاً شديداً جاء في قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة:١]، وقال تعالى: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١].
أما قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ ففي معناه لأهل العلم أوجه متقاربة لا يكذب بعضها بعضاً وكلها حق، وكلها يشهد له القرآن.
قال أكثر المفسرين: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ أي: فتتت تفتيتاً حتى صارت كالبسيسة، وهي دقيق ملتوت بسمن.
ومنه قول لص من غطفان أراد أن يخبز دقيقاً عنده فخاف أن يعجل عنه، فأمر صاحبيه أن يلتاه ليأكلوه دقيقاً ملتوتاً وهو البسيسة فقال: لا تخبزا خبزاً وبسا بسا ولا تطيلا بمناخ حبسا فهذا الوجه يشهد له قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل:١٤] يعني: رملاً متهايلاً.
ومنه قول امرئ القيس: ويوماً على ظهر الكثيب تعذرت علي وآلت حلفة لم تحلل ومشابهة الدقيق المفتوت للرمل المتهايل واضحة، الدقيق المفتوت يشبه كثيب الرمل المتهايل، فقوله تعالى: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل:١٤] مطابق في المعنى لتفسير: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة:٥]؛ لأن بسها هو تفتيتها وطحنها، وما دلت عليه هذه الآيات من أنها -أي: الجبال- تسلب عنها قوة الحجرية وتتصف بعد الصلابة والقوة باللين الشديد كلين الدقيق والرمل المتهايل، يشهد له في الجملة تشبيهها في بعض الآيات بالصوف المنفوش الذي هو العهن، كقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة:٥]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج:٨ - ٩] وأصل العهن أخص من مطلق الصوف؛ لأنه الصوف المصبوغ خاصة، ومنه قول زهير بن أبي سلمى في معلقته: كأن فتاة العهن في كل منزل نزلن به حب الفنا لم يحطم وقال بعضهم: الجبال منها جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، فإذا دكت وفتتت يوم القيامة وطيرت في الجو أشبهت العهن إذا ذرته الريح في الهواء وهذا الوجه يدل عليه ترتيب كينونتها هباءً منبثاً.
بالفاء على قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة:٥ - ٦] أي: متفرقاً؛ فوصفها بالهباء المنبث أنسب لكون البس بمعنى التفتيت والطحن.
الوجه الثاني: أن معنى قوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ أي: سيرت بين السماء والأرض وعلى هذا فالمراد ببسها سوقُها وتسييرها، من قول العرب: بسست الإبل أبسها، وأبسستها وأبسها لغتان، بمعنى: سُقْتُها.
ومنه حديث: (يخرج أقوام من المدينة إلى اليمن والشام والعراق يبسون، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون).
وهذا الوجه تشهد له آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ [الكهف:٤٧]، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل:٨٨].
أما الوجه الثالث في تفسير قوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ فهو أن المعنى: نزعت من أماكنها وقلعت، وهو راجع للوجه الأول، يقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه:١٠٥]، وقال تعالى هنا: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة:٦]، وكقوله: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [النبأ:٢٠]، والهباء إذا انبث -أي: إذا تفرق واضمحل- صار لا شيء، كالسراب قال الله تعالى فيه: (حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور:٣٩].
стр. 2575
تفسير قوله تعالى: (وكنتم أزواجاً ثلاثة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة)
يقول تعالى: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [الواقعة:٧ - ٩]: يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في قوله : ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ أي: ينقسم الناس يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف: قوم عن يمين العرش، وهم الذين خرجوا من شق آدم الأيمن، ويؤتون كتبهم بأيمانهم ويؤخذ بهم ذات اليمين، قال السدي: وهم جمهور أهل الجنة.
وآخرون عن يسار العرش، وهم الذين خرجوا من شق آدم الأيسر، ويؤتون كتبهم بشمائلهم، ويؤخذ بهم ذات الشمال، وهم عامة أهل النار عياذاً بالله من صنيعهم.
وطائفة سابقون بين يديه، وهم أخص وأحرى وأقرب من أصحاب اليمين فهم سادتهم، وفيهم الرسل والأنبياء والصديقون والشهداء، وهم أقل عدداً من أصحاب اليمين، ولهذا قال: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:٨ - ١٠]، وهكذا قسمهم إلى هذه الأنواع الثلاثة في آخر السورة وقت احتضارهم، وهكذا ذكرهم في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢]، وذلك على أحد القولين في تفسير الظالم لنفسه بأنه الكافر.
وقال ابن عباس: أصنافاً ثلاثة وقال مجاهد: فرقاً ثلاثاً، وقال ميمون بن مهران: أفواجاً ثلاثة، فاثنان في الجنة وواحد في النار.
كما جاء عن عثمان بن سراقة.
وعن معاذ بن جبل ﵁ (أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٢٧] ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة:٤١] فقبض بيده قبضتين فقال: هذه للجنة ولا أبالي وهذه للنار ولا أبالي).
стр. 2576
تفسير الشنقيطي لقوله تعالى: (وكنتم أزواجاً ثلاثة)
يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة:٧] أي: صرتم أزواجاً ثلاثة.
فهي:-أي كنتم- هنا بمعنى (صرتم)؛ لأن العرب أحياناً تطلق (كان) بمعنى (صار)، ومنه قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٣٥] يعني: فتصيرا من الظالمين.
ثم بين هذه الأزواج الثلاثة بقوله: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة:٨ - ١٢]: أما أصحاب الميمنة فهم أصحاب اليمين؛ لأن الله وضحها بعد ذلك في قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة:٢٧ - ٢٨]، وأصحاب المشأمة هم أصحاب الشمال، وضحهم بقوله: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ [الواقعة:٤١ - ٤٢].
قال بعض العلماء: قيل لهم أصحاب اليمين لأنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم.
وقيل: لأنهم يذهب بهم ذات اليمين إلى الجنة.
وقيل: لأنهم عن يمين أبيهم آدم كما رآهم النبي ﷺ كذلك ليلة الإسراء.
وقيل: سموا أصحاب اليمين وأصحاب الميمنة لأنهم ميامين، كما تقول: هذا فلان ميمون الطلعة.
أي مبارك، فيقول: وسموا أصحاب اليمين وأصحاب الميمنة لأنهم ميامين، أي: مباركين على أنفسهم؛ لأنهم أطاعوا ربهم فدخلوا الجنة، واليمن: البركة.
وسمي الآخرون أصحاب الشمال قيل: لأنهم يؤتون كتبهم بشمائلهم.
وقيل: لأنهم يذهب بهم ذات الشمال إلى النار.
والعرب تسمي الشمال شؤماً، ومن هنا قيل لهم: أصحاب المشأمة.
أو لأنهم مشائيم على أنفسهم، فعصوا الله فأبقاهم في النار، والمشائيم ضد الميامين، وقال الشاعر: مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ولا نائب إلا ببين غرابها وبين جل وعلا أن السابقين هم المقربون، وذلك في قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١١].
وهذه الأحوال الثلاثة المذكورة هي وجزاؤها في أول هذه السورة الكريمة جاءت هي وجزاؤها أيضاً في آخرها، وذلك في قوله ﵎: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة:٨٨ - ٩٤].
والمكذبون هم أصحاب المشأمة، وهم أصحاب الشمال، وذكر تعالى بعض صفات أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة في سورة البلد في قوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [البلد:١٣ - ١٨]، فهذه بعض صفات أصحاب اليمين، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد:١٩ - ٢٠].
стр. 2577
الدلالة البلاغية في قوله تعالى: (ما أصحاب)
وقول الله هنا: ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾، وقوله: ((مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ)) استفهام أريد به التعجب من فعل هؤلاء في السعادة، والتعجب من فعل هؤلاء في الشقاوة، والجملة فيها مبتدأ وخبر، وهي خبر مبتدأ قبله، وهو (أصحاب الميمنة) في الأول و (أصحاب المشأمة) في الثاني، وهذا الأسلوب يكثر في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:١ - ٣]، وكذلك قوله: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:١ - ٢]، والرابط في جملة الخبر في جميع الآيات المذكورة هو إعادة لفظ المبتدأ في جملة الخبر كما لا يخفى.
أما السابقون فلم يذكر فيه استفهام تعجب كما ذكره فيما قبله.
قوله تعالى: (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ)، واضح على أنه استفهام تعجبي فهو تعجب بمعنى الخبر، وقوله تعالى: (وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ) هذا تعجب بمعنى الخبر أيضاً.
أما في السابقين فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾، فذكر في مقابله تشريف بعض السابقين، فلم يقل: السابقون وما أدراك ما السابقون! وإنما كرر اللفظ.
والمعنى أنهم لا يحتاجون إلى تعريفهم، كما قال أبو النجم: أنا أبو النجم وشعري شعري فقوله: شعري شعري يعني: شعري هو الذي بلغك خبره، وانتهى إليك وصفه، فكأنه من شهرته لا يحتاج إلى أن يعرف، ولن أقول في تعريفه أكثر من ذلك.
من شدة الثقة بتمكنه في ذلك، فلا يزيد شيئاً على وصفه بذلك.
стр. 2578
تفسير القاسمي لقوله تعالى: (وكنتم أزواجاً ثلاثة)
يقول العلامة القاسمي رحمه الله تعالى: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة:٧] أي: أصنافاً ثلاثة.
(فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ) تقسيم وتنويع للأزواج الثلاثة، مع الإشارة الإجمالية إلى أحوالهم قبل تفصيلها.
وإطلاق الميمنة والمشأمة اللتين هما الجهتان المعروفتان على منزلة السعداء الذين هم الأبرار والمصلحون من الناس وعلى دركة الأشقياء الذين هم الأشرار والمفسدون من الناس، أصله من تيمن العرب باليمين وتشاؤمهم بالشمال كما في السانح والبارح، وقولهم للرفيع: هو مِنِّي باليمين، وللوضيع هو مِنَّي بالشمال، وتجاوزاً به أو كناية به عما ذكر.
وقيل: الميمنة والمشأمة بمعنى اليُمن والشؤم.
فليس بمعنى الجهة، بل بمعنى البركة وضدها، لما غلب عليهم من أنفسهم وأفعالهم، وفي جملتي الاستفهام إشارة إلى ترقي أحوالهم في الخير والشر تعجباً منه.
стр. 2579
تفسير قوله تعالى: (والسابقون السابقون أولئك المقربون)
قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١١].
قال القاسمي: أي: الذين سبقوا إلى الإيمان والطاعة بعد ظهور الحق، وأوذوا لأجله، وصبروا على ما أصابهم، وكانوا الدعاة إليه.
فإن قيل: لم خولف بين المذكورين في السابقين وفي أصحاب اليمين، مع أن كل واحد منهما إنما أريد به التعظيم لحال المذكورين؟ أي: لماذا (السابقون) كررها فقط ولم يقل: ما السابقون.
مثلاً؟ فنقول: التعظيم المؤدى بقوله: ((السَّابِقُونَ)) أبلغ من قرينه، أي: من التعظيم في قوله: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾، وذلك أن مؤدي هذا هو أن أمر السابقين وعظمة شأنهم لا يكاد يخفى.
وأما قوله: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ فإنه تعظيم على السامع بما ليس عنده منه علم سابق، ألا ترى كيف سبق وصف حال السابقين بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١١]، فأشار إليهم باسم الإشارة الذي يشار به إلى شيء معروف، إذ اسم الإشارة معرفة، فهو إشارة إلى أنهم من المعروفين.
ثم انظر إلى كلمة (الْمُقَرَّبُونَ)، فقد أشار إليهم بإشارة المعروف، وأيضاً جمع إلى ذلك الإخبار عن هؤلاء بقوله: ((الْمُقَرَّبُونَ)) معرفاً بالألف واللام العهدية، وليس مثل هذا مذكوراً في وصف حال أصحاب اليمين.
وقوله: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) الثاني إما خبر، يعني: السابقون هم الذين عرفت حالهم واشتهرت أوصافهم.
على حد قول الشاعر: شعري شعري.
أو أنها تأكيد وإذا قلنا: إن التكرار للتأكيد فالخبر هو قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: الذين يقربهم الله منه بإعلاء منازلهم.
(فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ).
стр. 2580
تفسير قوله تعالى: (ثلة من الأولين وقليل من الآخرين)
قال تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٣ - ١٤].
قوله: ((ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ)) أي: هم جماعة كثيرة من الذين سبقوا، لرسوخ إيمانهم وظهور أثرهم في أعمارهم من العمل الصالح والدعوة إلى الله والصبر على الجهاد في سبيله، إلى غير ذلك من المناقب التي كانت ملكات لهؤلاء السابقين.
((وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ))، أي: من الذين جاءوا من بعدهم في الأزمنة التي حدثت فيها العبر وتبرجت الدنيا لخطابها ونسي معها سر البعثة وحكمة الدعوة، فما أقل الماشين على قدم النبي ﷺ وأصحابه، لا جرم أنهم وقتئذ الغرباء لقلتهم.
يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ((ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ)) خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هم ثلة.
والثلة: الجماعة من الناس.
وأصلها القطعة من الشيء، ومن الثل.
وهو الكسر.
وقال الزمخشري: والثلة من الثل وهو الكسر، كما أن الأمة من الأم وهو الشج، كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم.
يعني: جماعة متميزة قطعت من الناس وكسرت عنهم فصارت متميزة.
واعلم أن الثلة تشمل الجماعة الكثيرة، ومنه قول الشاعر: فجاءت إليهم ثلة خندفية بجيش كتيار من السيل مزبد فقوله: (تيار من السيل) يدل على كثرة هذا الجيش الذي عبر عنه بالثلة.
стр. 2581
اختلاف العلماء في المراد بثلة الأولين وقليل الآخرين
وقد اختلف أهل العلم في المراد بهذه الثلة من الأولين وهذا القليل من الآخرين المذكورين هنا، كما اختلفوا في الثلتين المذكورتين في قوله: ((ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ)).
فقال بعض أهل العلم: كل هؤلاء المذكورين من هذه الأمة، والمراد بالأولين منهم الصحابة.
ويذكر بعض العلماء معهم القرون المشهود لها بالخير في قول النبي ﷺ : (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).
والذين قالوا كلهم من هذه الأمة قالوا: إنما المراد بالقليل ((وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ)) من بعد ذلك إلى قيام الساعة.
وقال بعض العلماء: المراد بالأولين في الموضعين الأمم الماضية قبل هذه الأمة.
أي: فهنا تفسيران: التفسير الأول: ((ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ)) إما من الصحابة أو من القرون الخيرية الأولى.
((وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ)) يعني: من غربة الإسلام في الآخرين يقل أهله، فيكون أهل الإيمان والاستقامة قليلين بالنسبة لمن يعيشون في وسطهم.
التفسير الثاني: ((ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ)) يعني: من الأمم الماضية، أي: المؤمنون من الأمم الماضية قبل هذه الأمة المرحومة.
أما ((وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ)) فالمراد بالآخرين هنا أنهم من هذه الأمة.
стр. 2582
كلام العلامة الشنقيطي في تفسير ثلة الأولين وقليل الآخرين
يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: ظاهر القرآن في هذا المقام أن الأولين في الموضعين من الأمم الماضية.
يعني قوله تعالى: ((ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ)) في الموضعين، و (الآخرين) فيهما من هذه الأمة، يعني قوله: (وقليل من الآخرين) وقوله: (وثلة من الآخرين).
وأن قوله تعالى: (ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ) في السابقين خاصة؛ لأن هذا واضح من السياق.
فقوله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ)) هذا في السابقين.
أما قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:٣٩ - ٤٠] فهو في أصحاب اليمين خاصة.
وإنما قلنا: إن هذا هو ظاهر القرآن في الأمور الثلاثة التي هي شمول الآيات لجميع الأمم، وكون قليل من الآخرين في خصوص السابقين، وكون ثلة من الآخرين في خصوص أصحاب اليمين لأنه واضح من سياق الآيات.
أما شمول الآيات لجميع الأمم فقد دل عليه أول السورة؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة:١]، إلى قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة:٦] لا شك أنه لا يخص أمة دون أمة، فالسياق في يوم القيامة، فدل على أن قوله تعالى: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة:٧] عام في جميع أهل المحشر.
والأظهر أن السابقين وأصحاب اليمين منهم من هو من الأمم السابقة ومنهم من هو من هذه الأمة.
وعلى هذا فظاهر القرآن أن السابقين من الأمم الماضية أكثر من السابقين من هذه الأمة، وأن أصحاب اليمين من الأمم السابقة ليسوا أكثر من أصحاب اليمين من هذه الأمة؛ لأنه عبر في السابقين من هذه الأمة بقوله: ((وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ))، وقال قبلها: ((ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ))، أي فعدد كبير من الأمم الماضية هم السابقون.
وهناك عدد آخر، لكنه عدد قليل من السابقين من هذه الأمة، بدليل قوله: ((وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ)).
قال: ولا غرابة في هذا.
أي: حينما يقول الله في السابقين: ((ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ)).
قال: لأن الأمم الماضية أمم كثيرة، وفيها أنبياء كثيرون ورسل، فلا مانع من أن يجتمع من سابقيها من لدن آدم ﵇ إلى محمد ﷺ أكثر من سابقي هذه الأمة وحدها؛ لأن السابقين هم الصفوة، فتعد إذاً صفوة الأمم من لدن آدم ﵇ إلى محمد ﵇، فالسابقون منهم أكثر من السابقين من أمة محمد ﷺ .
أما أصحاب اليمين الذين قال فيهم: (وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ) -أي: من هذه الأمة- فيحتمل أن يكونوا أكثر من أصحاب اليمين من جميع الأمم؛ لأن الثلة تتناول العدد الكثير، وقد يكون أحد العددين الكثيرين أكثر من الآخر مع أنهما كلاهما كثير.
وبهذا تعلم أن ما دل عليها ظاهر القرآن واختاره ابن جرير لا ينافي ما جاء من أن نصف أهل الجنة من هذه الأمة، ففي الحديث: (والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة.
قالوا: الحمد لله، الله أكبر.
فقال: والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة) يعني: نصف أهل الجنة.
فهنا المقصود بالثلة النصف أو العدد الكبير، وهذه هي ثلة أصحاب اليمين التي قال الله فيها: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:٣٩ - ٤٠].
فقوله: ((وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ)) دل ظاهر القرآن على أنه في خصوص السابقين؛ لأن الله قال: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ).
ثم أخبر عن حال هؤلاء السابقين المقربين فقال: ((ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ)).
وأما كون قوله: ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:٤٠] في خصوص أصحاب اليمين فلأن الله تعالى قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:٣٦ - ٤٠]، والمعنى: هم -أي: أصحاب اليمين- ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:٣٩ - ٤٠]، وهذا واضح كما ترى.
انتهى كلام الشنقيطي، والله تعالى أعلم.
стр. 2583
تفسير سورة الواقعة [١٥ - ٦٧]
стр. 2584
تفسير قوله تعالى: (على سرر موضونة)
قال تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ [الواقعة:١٥ - ١٦].
قوله تعالى: (عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ) أي: مصفوفة.
أو مشبكة بالدر والياقوت والذهب.
والوضن هو التشبيك والنسج.
يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: السرر جمع سرير، وقد بين الله تعالى أن سررهم مرفوعة في قوله ﵎: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية:١٣].
وقوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾، فموضونة أي: منسوجة بالذهب.
وبعضهم يقول: منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت.
وكل نسج أحكم ودوخل بعضه في بعض تسميه العرب وضناً -بالضاد- وتسمي المنسوج به موضوناً ووضيناً، ومنه الدرع الموضونة: إذا أحكم نسجها ودوخل بعض حلقاتها في بعض.
ومنه قول الأعشى: ومن نسج داود موضونة تساق مع الحي عيراً فعيراً وهذه السرر المزينة هي المعبر عنها بالأرائك في قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ﴾ [الكهف:٣١]، يعني: على هذه السرر المزينة الموضونة، وقال ﵎: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس:٥٦].
стр. 2585
تفسير قوله تعالى: (متكئين عليها متقابلين)
قال : ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ [الواقعة:١٦].
((مُتَّكِئِينَ)) حال من الضمير في قوله: ((عَلَى سُرُرٍ))، والتقدير: استقروا على سرر في حال كونهم متكئين عليها.
وما ذكره الله جل وعلا هنا في هذه الآية الكريمة من كونهم: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾، أي: ينظر بعضهم في وجوه بعض، كل يقابل الآخر بوجهه، ذكره في قوله تعالى في سورة الحجر: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]، وقوله تعالى في الصافات: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الصافات:٤١ - ٤٤].
والمعنى: أنهم متقابلون بوجوههم، وهذا يكون أكمل في الأنس والسرور، بخلاف ما يحصل في الدنيا، فالإنسان إذا ركب بعض وسائل المواصلات -كالسيارات- فإنه يجلس وظهره إلى من خلفه، لكن هؤلاء لتمام السرور والأنس بينهم يكونون متقابلين، فالأخوة تكمل حينما تقع هذه المواجهة.
((مُتَقَابِلِينَ)) أي: بوجوههم متساوين في الرتب لا حجاب بينهم أصلاً.
стр. 2586
تفسير قوله تعالى: (يطوف عليهم ولدان مخلدون مما يشتهون)
قال تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة:١٧ - ٢٠].
((يَطُوفُ عَلَيْهِمْ)) يعني: للخدمة.
((وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ)) أي: مبقون على سن واحدة لا يموتون؛ لأن هؤلاء الولدان في الجنة سيبقون ولداناً إلى الأبد، بمعنى أنهم لا يزيدون في العمر ولا يشيبون ولا يهرمون بمرور الزمن.
وهذه الآية كما قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور:٢٤].
((بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ)) يعني: حال الشرب يطوفون عليهم بأكواب وأباريق، والكوب هو إناء لا عروة له ولا خرطوم، وأما الإبريق فهو إناء له عروة وله خرطوم.
((وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ)) أي: خمر جارية.
ثم أشار إلى أنها لذة كلها لا ألم معها ولا خمار؛ لأنها ليست كخمر الدنيا النجسة الخبيثة التي تذهب العقول، وإنما هي لذة؛ فقال: ((لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا)) يعني: لا يصدر عنها صداعهم لأجل الخمار كخمور الدنيا، والصداع هو وجع الرأس، وقرئ بالتشديد من التفعل: ((لا يصَّدَّعون)) أي: لا يتصدعون عنها، أي: لا يتفرقون عنها، من التصدع وهو التفرق.
((وَلا يُنزِفُونَ)) تقرأ بكسر الزاي وفتحها ((وَلا يُنزِفُونَ)) أي: لا تذهب عقولهم بسكرها.
﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: مما يختارون ويرتضون، وأصله أخذ الخيار والخير.
﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾، أي: مما يتمنون.
стр. 2587
تفسير قوله تعالى: (وحور عين جزاء بما كانوا يعملون)
قال تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة:٢٢ - ٢٤] أي: أزواج بيض واسعة الأعين.
عطف على ولدان، فقال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة:١٧]، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ والحور: جمع حوراء، فهو عطف على ولدان، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي: وفيها.
أو: ولهم حور عين.
﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ أي: صفاؤهن كصفاء الدر في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي، وأصل المكنون الذي صين وحفظ في كن -أي: مكان- يخبأ فيه ويصان ويحمى.
﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من الأعمال الصالحة.
стр. 2588
تفسير قوله تعالى: (لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً سلاماً)
قال تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة:٢٥ - ٢٦].
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ أي: هذياناً وكلاماً غير مفيد، وباطلاً من القول.
﴿وَلا تَأْثِيمًا﴾ أي: ما يؤثم من الفحش والكذب والغيبة وأمثالها.
﴿إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ أي: قولاً هو سلام في نفسه، منزه عن النقائص، مبرأ عن الفضول والزوائد.
وقيل: قولاً يفيد سلامة السامع من العيوب والنقائص، ويوجب سروره وكرامته، ويبين كماله وبهجته؛ لكون كلامهم كله معارف وحقائق وتحيات ولطائف.
وهذا على اختلاف وجهي الإعراب، أي: من كون (سلاماً) بدلاً من (قيلاً) أو مفعوله، فـ (سلاماً) قد يكون مفعول المصدر (قيلا)، وقد يكون بدلاً منه.
والتكرير للدلالة على فشو السلام بينهم وكثرته، كما تقول: قرأت النحو باباً بابا.
أي: باباً بعد باب، فيدل على تكرره وكثرته.
فهكذا السلام تحية أهل الجنة، وهذه من فضائل السلام، ولا توجد في العالم كله تحية هي أفضل من تحية (السلام عليكم ورحمة الله) التي شرف الله بها أهل الإسلام، ولذلك يحسدنا اليهود على السلام وعلى التأمين، وكان الفاسق أو الفاجر أو المبتدع فيما مضى يعاقب بأن يحرم من إلقاء السلام عليه، أو من أن يرد ﵇، والآن صار بعض السفهاء من الناس يتكبرون عن أن يحيي بعضهم بعضاً بالسلام، ويؤثرون على ذلك تحية الأنجاس من المشركين والكفار على اختلاف أنواعهم، وربما ينظرون باحتقار إلى من يقول لهم: (السلام عليكم)، فهذا من الهوان الذي صبغ الناس وهم لا يشعرون بما هم فيه.
فعدم التسليم كان عقوبة أساساً، عقوبة يعاقب بها من يخالف الشرع بالمجاهرة بالفسق، أو ببدعة أو ضلالة أو نحو ذلك، فيهجر بأن لا يسلم عليه.
وصار بعض الناس يتأذى حين تسلم عليه، ويريد أن تحييه بأية تحية أخرى من تحايا أولئك القوم، فهم الذين زهدوا فيما شرفهم الله به من تحية أهل الجنة -السلام-، فهل توجد تحية في العالم أفضل من تحية (السلام عليكم)؟! فـ (السلام عليكم) فيها إشاعة السلام والطمأنينة، فكونك تلقي السلام معناه أنك تؤمنه من شَرِّك.
وليس السلام محدداً بوقت كـ (صباح الخير) أو (مساء الخير) في الصباح فقط أو في المساء فقط، كما هي تحية الجاهلية (أنعم صباحاً) و (أنعم مساء)، فهذه تحية أهل الجاهلية، فكيف لعاقل أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويزهد في السلام الذي هو تحية أهل الجنة؛ راغباً في تحية المغضوب عليهم والضالين ممن أبغضهم الله ؟!
стр. 2589
تفسير قوله تعالى: (وأصحاب اليمين ولا ممنوعة)
قال ﵎: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة:٢٧ - ٣٣].
﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ أي: أي شيء هم؟ أي: هم شرفاء عظماء كرماء، يتعجب من أوصافهم في السعادة.
﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ أي: لا شوك له.
أو موقر بالثمار، مثقل من الثمار التي يحملها، والسدر شجر معروف في الدنيا.
﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ الطلح هو شجر الموز، والمنضود: الذي نضد ثمره من أسفله إلى أعلاه.
قال مجاهد: كانوا يعجبون بود من طلحه وسدره.
و (ود) مكان -أحسبه- كان في الطائف، فكانوا يعجبون من طلحه وسدره؛ لأن فيه شجر الطلح وشجر السدر.
وشجرة الموز ثمرتها حلوة دسمة لذيذة لا نوى لها.
﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ أي: ممتد منبسط لا يتقلص، كالظل الذي يكون في الدنيا ويتبعه الحر والشمس.
﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب دائم الجريان لا ينقطع.
﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع عنهم متى أرادوها، لكونها غير متناهية.
((وَلا مَمْنُوعَةٍ)) أي: لا تمنع عن طالبها.
والقصد بيان أن فاكهتها مغايرة لفاكهة الدنيا؛ لأن فاكهة الدنيا موسمية، توجد في موسم ولا توجد في موسم آخر، فيأتي عليها وقت تنقطع فيه تماماً ولا تكون موجودة، كفاكهة الصيف تطلب في الشتاء، وتمتنع أحياناً لعزتها، لكونها غير متوفرة في الأسواق فهذا نوع من الامتناع، بل أحياناً تمتنع بسبب الجدب أو القحط أو الجفاف أو نحو ذلك، وقد تطرأ عليها جائحة أو سبب يترتب عليه أنها تمتنع، أما فاكهة الجنة فلا يعرض لها شيء من هذه الطوارئ والجوائح والانقطاع.
стр. 2590
تفسير قوله تعالى: (وفرش مرفوعة ثلة من الأولين وثلة من الآخرين)
قال تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ * إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:٣٤ - ٤٠].
﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ أي: مرتفعة في منازلها، أو: فرش مرفوعة على الأرائك للرقود والمضاجعة، وقد يؤيده تأكده بوصف من يضاجع فيها، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً﴾ إشارة إلى الحور العين.
فهي إما فرش مرفوعة أي: الفرش نفسها مرتفعة في منازلها، أو الفرش مرفوعة فوق الأرائك، وهي تلقى من أجل الرقود عليها.
﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً﴾ أي: إنشاء بديعاً فائق الوصف.
فالضمير يعود على ما فهم من السياق؛ لأن الحور لم يسبق ذكرهن في السياق القريب، وإنما فهم من السياق أن المقصود بهن الحور العين.
وقيل: قد يكنى عن الحور بالفرش، فقوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قد يكون استعملت فيه الكناية عن الحور بالفرش.
فقوله ﵎: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ إذا كان معناه: مرفوعة على الأرائك كآية: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس:٥٦] فليس فيه كناية.
وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ يعني: لم يُطمثن.
((عُرُبًا)) جمع عروب، والعروب: هي المتحببة إلى زوجها المحبوبة لتبعلها.
((أَتْرَابًا)) يعني: على سن واحدة.
والترب: هو الموافق لك في السن.
﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ يعني: أنشأناهن إنشاء لأصحاب اليمين، وجعلناهن أبكاراً لأصحاب اليمين.
﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:٣٩ - ٤٠] أي: جماعة وأمة من المتقدمين في الإيمان وممن جاء بعدهم من التابعين لهم بإحسان من هذه الأمة، والكثرة ظاهرة لأصحاب اليمين في أواخرهم دون السابقين كما بينا أولاً عند الكلام في تفسير قوله ﵎: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٣ - ١٤]، وذكرنا الخلاف في تفسير هذه الآية.
стр. 2591
تفسير العلامة الشنقيطي لقوله تعالى: (إنا أنشأناهن إنشاءً)
يقول العلامة الشنقيطي في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً﴾: الضمير في ((أَنشَأْنَاهُنَّ)) قال بعض أهل العلم: هو راجع إلى مذكور.
وقال بعض العلماء: هو راجع إلى غير مذكور، إلا أنه دل عليه المقام.
فمن قال إنه راجع إلى مذكور قال: هو راجع إلى قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قال: لأن المراد بالفرش النساء، والعرب تسمي المرأة لباساً وإزاراً وفراشاً إلى آخره.
انتهى كلامه.
وعلى هذا فالمراد بالرفع في قوله تعالى: ((مَرْفُوعَةٍ)) رفع المنزلة والمكانة.
ومن قال إنه راجع إلى غير مذكور قال: إنه راجع إلى نساء لم يذكرن ولكن ذكر الفرش دل عليهن؛ لأنهن يتكئن عليها مع أزواجهن.
وقال بعض العلماء: المراد بهن الحور العين، واستدل من قال ذلك بقوله: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً﴾ [الواقعة:٣٥]؛ لأن الإنشاء هو الاختراع والابتداع.
وقالت جماعة من أهل العلم: إن المراد بهن بنات آدم اللاتي كن في الدنيا عجائز شمطاً، وجاءت في ذلك آثار مرفوعة عنه ﷺ ، وعلى هذا القول فمعنى قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ نساء الدنيا، أي: زوجاتهم اللائي هن من نساء الدنيا.
فيكون قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ أي: خلقناهن خلقاً جديداً.
فاللتي شمطت وصارت عجوزاً شمطاء في الدنيا وبلغت من الكبر عتياً، حينما تدخل الجنة ينشئها الله خلقاً جديداً، فتعود إلى شرخ الشباب.
ويكون قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ يعني: فصيرناهن أبكاراً.
وهو جمع بكر، وهي ضد الثيب.
﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾، والعروب هي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل، التي تجتهد في إرضاء زوجها.
أَتْرَابًا: جمع ترب، والترب هي المرأة الموافق سنها سن من تضاف هي إليه من النساء.
ومعناه في الآية أن نساء أهل الجنة على سن واحدة ليس فيهن شابة وعجوز، ولكنهن كلهن على سن واحدة في غاية الشباب، ودليل ذلك في الحديث في مزاح النبي ﷺ مع المرأة العجوز حينما قال لها: (لا تدخل الجنة عجوز) وكان إنما يقصد بهذا المعنى أنها ستعود إلى شبابها ولن تبقى عجوزاً بعد ذلك إذا دخلت الجنة.
وبعض العلماء يقول: إنهن ينشأن مستويات في السن على قدر بنات ثلاث وثلاثين سنة.
وكون الأتراب بمعنى المستويات في السن مشهور في كلام العرب، كما قال عمر بن أبي ربيعة: أبرزوها مثل المهاة تهادى بين خمس كواعب أتراب وهذه الأوصاف الثلاثة التي تضمنتها هذه الآية الكريمة من صفات نساء أهل الجنة جاءت موضحة في آيات أخر.
أما كونهن يوم القيامة أبكاراً فقد أوضحه قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦]، لأن قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ نص في أنهن أبكار.
وأما كونهن (عُرُبًا) -أي: متحببات إلى أزواجهن- فقد دل عليه قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ [الصافات:٤٨]، لأن معناه أنهن قاصرات العيون على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم لشدة محبتهن لهم واقتناعهن بهم، ولا شك أن المرأة التي لا تنظر إلى غير زوجها متحببة إليه حسنة التبعل له.
وقوله تعالى في (ص): ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص:٥٢]، وقال تعالى في سورة الرحمن: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦].
وأما كونهن أتراباً فقد بينه قوله تعالى في آية (ص): ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص:٥٢]، وفي سورة النبأ: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ [النبأ:٣١ - ٣٣]، يعني: في نفس السن من الشباب.
قوله تعالى: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٣٨] يعني: إنا أنشأناهن لأصحاب اليمين، ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾.
стр. 2592
تفسير قوله تعالى: (وأصحاب الشمال ولا كريم)
قال الله ﵎: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة:٤١ - ٤٤].
قوله: ((في سموم)) أي: حر نار ينفذ في المسام.
((وَحَمِيمٍ)) هو الماء المتناهي الحرارة.
﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان أسود طبق أهويتهم المردية وعقائدهم الفاسدة، فهذا الدخان الأسود يكون موافقاً لطباعهم السوداء، وعقائدهم الفاسدة، وهيئات نفوسهم المسودة بالصفات والهيئات السود الرديئة.
﴿لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ أي: ليس له صفة الظل الذي يأوي إليه الناس للراحة، فالناس تأوي إلى الظل لالتماس الراحة، للتفريج على أنفسهم من شدة الحر، فالظل الذي يرغب فيه يكون بارداً ويكون كريماً، أما هذا فهو ظل من يحموم من دخان أسود.
يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: قد قدمنا صفات ظل أهل النار وظل أهل الجنة في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء:٥٧] وبينا هناك أن صفات ظل أهل النار هي المذكورة هنا في هذه الآية: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ وقال في المرسلات: ﴿انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات:٣٠ - ٣١].
وقوله: ((مِنْ يَحْمُومٍ)) أي: من دخان أسود شديد السواد، ووزن (يحموم) (يفعول) وأصله من الحمم أو الحمم وهي الفحم، وقيل: من الحم، وهو الفحم المسود لاحتراقه بالنار.
стр. 2593
تفسير قوله تعالى: (إنهم كانوا قبل ذلك مترفين الحنث العظيم)
قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٤٥ - ٤٦] أي: كانوا قبل ذلك منهمكين في اللذات والشهوات، منغمسين في الأمور الطبيعية والغواشي البدنية، فبذلك اكتسبوا هذه الهيئات الموبقة والتبعات المهلكة.
﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ الذنب العظيم من الأقاويل الباطلة والعقائد الفاسدة التي استحقوا بها العذاب المخلد والعقاب المؤبد.
وفسره السبكي بالقسم.
يعني أن السبكي فسر الحنث العظيم بالقسم على إنكار البعث في حينما كانوا يحلفون في الدنيا، كما قص الله تعالى عنهم: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل:٣٨] فهذا هو الحنث العظيم.
قال الشهاب: وهو تفسير حسن.
قال: لأن الحنث وإن فسر بالذنب مطلقاً أو بالذنب العظيم، فالمعروف استعماله في عدم البر بالقسم.
فكلمة الحنث تستعمل في معنى الذنب العظيم أو الذنب مطلقاً؛ لكنها -أيضاً- تستعمل بصورة مشهورة في عدم البر بالقسم، فيقال: (حنث في يمينه)، أي: لم يبر بقسمه.
ولذلك فسره بما كانوا يعتقدونه من إنكار البعث، فهذا يقوي تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ أنه القسم الذي كانوا يقسمونه في الدنيا، كما أخبر الله تعالى عنهم: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل:٣٨] ولذلك أتبع الله قوله: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ بقوله: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ﴾ [الواقعة:٤٧ - ٤٨] فهذا فيه ربط بين الحنث العظيم وهو القسم المذكور في سورة النحل وشرح له.
يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: لما ذكر جل وعلا ما أعد لأصحاب الشمال من العذاب بين بعض أسباب هذا العذاب، فذكر منها أنهم كانوا قبل ذلك في دار الدنيا مترفين، أي: متنعمين.
وقد قدمنا أن القرآن دل على أن الإتراف والتنعم والسرور في الدنيا من أسباب العذاب يوم القيامة؛ لأن صاحبه معرض عن الله لا يؤمن به ولا برسله، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة:٤٥] وقال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق:١١ - ١٣]، أي إنه كان يعيش مترفاً ويعيش للتمتع بالدنيا فحسب.
﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق:١٣] ما بين النوادي والملاهي والأفلام وشرب الخمر والكوميديا وكذا وكذا، يقولون لهم: الفلم الفلاني فيه ساعتان ضحك متواصل، والمسرحية هذه سوف تضحك فيها وتضحك وتضحك حتى يموت قلبك.
وقد قال النبي ﵊: (إياكم وكثرة الضحك؛ فإن كثرة الضحك تميت القلب) ما كان فرحهم كما قال الله : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس:٥٨] بالقرآن وبالعلم وبالإيمان! لا.
بل كان فرحهم بمتاع الدنيا، بالمناصب وبالجاه وبالأموال وبالثروات وبالقصور، بهذه الأحوال المعروفة، فلذلك قال ﵎: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق:١١ - ١٢] ثم ذكر الأسباب: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق:١٣].
فإذاً الإنسان لا ينبغي له أن ينهمك في الدنيا في مظاهر السرور والابتهاج، وينسى أنه يتقدم نحو نهاية الرحلة.
فالإنسان لابد من أن يصل إلى محطة معينة سوف ينزل فيها، فهو غافل، لكنه ليس مغفولاً عنه، فليحذر الإنسان من الانهماك في متاع الدنيا والانشغال به عن الآخرة، والدليل هذه الآيات الكريمات التي تحتاج منا إلى كثرة تأمل.
فالله تعالى يقول: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الانشقاق:١١ - ١٢] يعني: يقول: واثبوراه، واثبوراه.
والثبور الهلاك.
يعني: واهلاكاه، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق:١٣ - ١٤].
стр. 2594
تفسير قوله تعالى: (وكانوا يقولون أئذا متنا أو آباؤنا الأولون)
قال تعالى: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ﴾ [الواقعة:٤٧ - ٤٨].
دلت هذه الآية الكريمة على كون إنكار البعث سبباً لدخول النار؛ لأن الله لما ذكر أنهم ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة:٤٢ - ٤٣] بين أن من أسباب ذلك أنهم قالوا: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ﴾ [الواقعة:٤٧ - ٤٨] كما قال ﵎: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الرعد:٥].
ثم بين لهم أنه يبعث الأولين والآخرين، فعند الله لا فرق بين الأولين والآخرين، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة:٤٩ - ٥٠].
وبين أن البعث الذي أنكروه سيتحقق في حال كونهم أذلاء صاغرين حينما قال في الصافات: ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ * قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ [الصافات:١٥ - ١٨] يعني: وأنتم أذلاء صاغرون.
﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الصافات:١٩] نفخة واحدة ﴿فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الصافات:١٩] رغماً عنهم.
стр. 2595
التحذير من قلب همزة (أئنا) هاءً .
العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى عقد بحثاً متوسطاً حول قول الله ﵎ هنا: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة:٤٧] * ﴿أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ﴾ [الواقعة:٤٨] فقد أجمع عامة القراء على إثبات همزة الاستفهام في قوله تعالى: ((أَئِذَا مِتْنَا)).
وأثبتها أيضاً عامة السبعة غير نافع والكسائي في قوله: ﴿أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة:٤٧].
وقرأه نافع والكسائي: (إنا لمبعوثون).
وتعرض رحمه الله تعالى لنوع من الابتداع في القراءة، فقال: اعلم -وفقني الله وإياك- أن ما جرى في الأقطار الأفريقية من إبدال الأخيرة من هذه الهمزة المذكورة وأمثالها في القرآن هاء خالصة.
فبدل (أئنا) يقولون: (أهنا) بهاء خالصة، يقول: فهذا من أشنع المنكر وأعظم الباطل، وهو انتهاك لحرمة القرآن العظيم وتعد لحدود الله، ولا يعذر فيه إلا الجاهل الذي لا يدري، وإنما قلنا هذا لأن إبدال الهمزة فيما ذكر هاء خالصة لم يروه أحد عن رسول الله ﵌، ولم ينزل عليه به جبريل البتة، ولم يرو عن صحابي، ولم يقرأ به أحد من القراء، ولا يجوز بحال من الأحوال.
فالتجرؤ على الله بزيادة حرف في كتابه -وهو هذه الهاء التي لم ينزل بها الملك من السماء البتة- هو كما ترى.
وكون اللغة العربية قد سُمع فيها إبدال الهمزة هاء لا يسوغ التجرؤ على الله بإدخال حرف في كتابه لم يأذن بإدخاله الله ولا رسوله ﷺ ، ودعوى أن العمل جرى بالقراءة بالهاء لا يعول عليها؛ لأن جريان العمل بالباطل باطل، ولا أسوة في الباطل بإجماع المسلمين، وإنما الأسوة في الحق، والقراءة سنة متبعة مروية عن رسول الله ﷺ ، وهذا لا خلاف فيه.
следующие страницы →