← Тафсир

Тафсир · id 37041

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (3 275 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

تفسير العلامة الشنقيطي لقوله تعالى: (إنا أنشأناهن إنشاءً) يقول العلامة الشنقيطي في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً﴾: الضمير في ((أَنشَأْنَاهُنَّ)) قال بعض أهل العلم: هو راجع إلى مذكور. وقال بعض العلماء: هو راجع إلى غير مذكور، إلا أنه دل عليه المقام. فمن قال إنه راجع إلى مذكور قال: هو راجع إلى قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قال: لأن المراد بالفرش النساء، والعرب تسمي المرأة لباساً وإزاراً وفراشاً إلى آخره. انتهى كلامه. وعلى هذا فالمراد بالرفع في قوله تعالى: ((مَرْفُوعَةٍ)) رفع المنزلة والمكانة. ومن قال إنه راجع إلى غير مذكور قال: إنه راجع إلى نساء لم يذكرن ولكن ذكر الفرش دل عليهن؛ لأنهن يتكئن عليها مع أزواجهن. وقال بعض العلماء: المراد بهن الحور العين، واستدل من قال ذلك بقوله: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً﴾ [الواقعة:٣٥]؛ لأن الإنشاء هو الاختراع والابتداع. وقالت جماعة من أهل العلم: إن المراد بهن بنات آدم اللاتي كن في الدنيا عجائز شمطاً، وجاءت في ذلك آثار مرفوعة عنه ﷺ ، وعلى هذا القول فمعنى قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ نساء الدنيا، أي: زوجاتهم اللائي هن من نساء الدنيا. فيكون قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ أي: خلقناهن خلقاً جديداً. فاللتي شمطت وصارت عجوزاً شمطاء في الدنيا وبلغت من الكبر عتياً، حينما تدخل الجنة ينشئها الله خلقاً جديداً، فتعود إلى شرخ الشباب. ويكون قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ يعني: فصيرناهن أبكاراً. وهو جمع بكر، وهي ضد الثيب. ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾، والعروب هي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل، التي تجتهد في إرضاء زوجها. أَتْرَابًا: جمع ترب، والترب هي المرأة الموافق سنها سن من تضاف هي إليه من النساء. ومعناه في الآية أن نساء أهل الجنة على سن واحدة ليس فيهن شابة وعجوز، ولكنهن كلهن على سن واحدة في غاية الشباب، ودليل ذلك في الحديث في مزاح النبي ﷺ مع المرأة العجوز حينما قال لها: (لا تدخل الجنة عجوز) وكان إنما يقصد بهذا المعنى أنها ستعود إلى شبابها ولن تبقى عجوزاً بعد ذلك إذا دخلت الجنة. وبعض العلماء يقول: إنهن ينشأن مستويات في السن على قدر بنات ثلاث وثلاثين سنة. وكون الأتراب بمعنى المستويات في السن مشهور في كلام العرب، كما قال عمر بن أبي ربيعة: أبرزوها مثل المهاة تهادى بين خمس كواعب أتراب وهذه الأوصاف الثلاثة التي تضمنتها هذه الآية الكريمة من صفات نساء أهل الجنة جاءت موضحة في آيات أخر. أما كونهن يوم القيامة أبكاراً فقد أوضحه قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦]، لأن قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ نص في أنهن أبكار. وأما كونهن (عُرُبًا) -أي: متحببات إلى أزواجهن- فقد دل عليه قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ [الصافات:٤٨]، لأن معناه أنهن قاصرات العيون على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم لشدة محبتهن لهم واقتناعهن بهم، ولا شك أن المرأة التي لا تنظر إلى غير زوجها متحببة إليه حسنة التبعل له. وقوله تعالى في (ص): ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص:٥٢]، وقال تعالى في سورة الرحمن: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦]. وأما كونهن أتراباً فقد بينه قوله تعالى في آية (ص): ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص:٥٢]، وفي سورة النبأ: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ [النبأ:٣١ - ٣٣]، يعني: في نفس السن من الشباب. قوله تعالى: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٣٨] يعني: إنا أنشأناهن لأصحاب اليمين، ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾.

стр. 2592

تفسير قوله تعالى: (وأصحاب الشمال ولا كريم) قال الله ﵎: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة:٤١ - ٤٤]. قوله: ((في سموم)) أي: حر نار ينفذ في المسام. ((وَحَمِيمٍ)) هو الماء المتناهي الحرارة. ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان أسود طبق أهويتهم المردية وعقائدهم الفاسدة، فهذا الدخان الأسود يكون موافقاً لطباعهم السوداء، وعقائدهم الفاسدة، وهيئات نفوسهم المسودة بالصفات والهيئات السود الرديئة. ﴿لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ أي: ليس له صفة الظل الذي يأوي إليه الناس للراحة، فالناس تأوي إلى الظل لالتماس الراحة، للتفريج على أنفسهم من شدة الحر، فالظل الذي يرغب فيه يكون بارداً ويكون كريماً، أما هذا فهو ظل من يحموم من دخان أسود. يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: قد قدمنا صفات ظل أهل النار وظل أهل الجنة في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء:٥٧] وبينا هناك أن صفات ظل أهل النار هي المذكورة هنا في هذه الآية: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ وقال في المرسلات: ﴿انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات:٣٠ - ٣١]. وقوله: ((مِنْ يَحْمُومٍ)) أي: من دخان أسود شديد السواد، ووزن (يحموم) (يفعول) وأصله من الحمم أو الحمم وهي الفحم، وقيل: من الحم، وهو الفحم المسود لاحتراقه بالنار.

стр. 2593

تفسير قوله تعالى: (إنهم كانوا قبل ذلك مترفين الحنث العظيم) قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٤٥ - ٤٦] أي: كانوا قبل ذلك منهمكين في اللذات والشهوات، منغمسين في الأمور الطبيعية والغواشي البدنية، فبذلك اكتسبوا هذه الهيئات الموبقة والتبعات المهلكة. ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ الذنب العظيم من الأقاويل الباطلة والعقائد الفاسدة التي استحقوا بها العذاب المخلد والعقاب المؤبد. وفسره السبكي بالقسم. يعني أن السبكي فسر الحنث العظيم بالقسم على إنكار البعث في حينما كانوا يحلفون في الدنيا، كما قص الله تعالى عنهم: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل:٣٨] فهذا هو الحنث العظيم. قال الشهاب: وهو تفسير حسن. قال: لأن الحنث وإن فسر بالذنب مطلقاً أو بالذنب العظيم، فالمعروف استعماله في عدم البر بالقسم. فكلمة الحنث تستعمل في معنى الذنب العظيم أو الذنب مطلقاً؛ لكنها -أيضاً- تستعمل بصورة مشهورة في عدم البر بالقسم، فيقال: (حنث في يمينه)، أي: لم يبر بقسمه. ولذلك فسره بما كانوا يعتقدونه من إنكار البعث، فهذا يقوي تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ أنه القسم الذي كانوا يقسمونه في الدنيا، كما أخبر الله تعالى عنهم: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل:٣٨] ولذلك أتبع الله قوله: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ بقوله: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ﴾ [الواقعة:٤٧ - ٤٨] فهذا فيه ربط بين الحنث العظيم وهو القسم المذكور في سورة النحل وشرح له. يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: لما ذكر جل وعلا ما أعد لأصحاب الشمال من العذاب بين بعض أسباب هذا العذاب، فذكر منها أنهم كانوا قبل ذلك في دار الدنيا مترفين، أي: متنعمين. وقد قدمنا أن القرآن دل على أن الإتراف والتنعم والسرور في الدنيا من أسباب العذاب يوم القيامة؛ لأن صاحبه معرض عن الله لا يؤمن به ولا برسله، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة:٤٥] وقال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق:١١ - ١٣]، أي إنه كان يعيش مترفاً ويعيش للتمتع بالدنيا فحسب. ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق:١٣] ما بين النوادي والملاهي والأفلام وشرب الخمر والكوميديا وكذا وكذا، يقولون لهم: الفلم الفلاني فيه ساعتان ضحك متواصل، والمسرحية هذه سوف تضحك فيها وتضحك وتضحك حتى يموت قلبك. وقد قال النبي ﵊: (إياكم وكثرة الضحك؛ فإن كثرة الضحك تميت القلب) ما كان فرحهم كما قال الله : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس:٥٨] بالقرآن وبالعلم وبالإيمان! لا. بل كان فرحهم بمتاع الدنيا، بالمناصب وبالجاه وبالأموال وبالثروات وبالقصور، بهذه الأحوال المعروفة، فلذلك قال ﵎: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق:١١ - ١٢] ثم ذكر الأسباب: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق:١٣]. فإذاً الإنسان لا ينبغي له أن ينهمك في الدنيا في مظاهر السرور والابتهاج، وينسى أنه يتقدم نحو نهاية الرحلة. فالإنسان لابد من أن يصل إلى محطة معينة سوف ينزل فيها، فهو غافل، لكنه ليس مغفولاً عنه، فليحذر الإنسان من الانهماك في متاع الدنيا والانشغال به عن الآخرة، والدليل هذه الآيات الكريمات التي تحتاج منا إلى كثرة تأمل. فالله تعالى يقول: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الانشقاق:١١ - ١٢] يعني: يقول: واثبوراه، واثبوراه. والثبور الهلاك. يعني: واهلاكاه، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق:١٣ - ١٤].

стр. 2594

تفسير قوله تعالى: (وكانوا يقولون أئذا متنا أو آباؤنا الأولون) قال تعالى: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ﴾ [الواقعة:٤٧ - ٤٨]. دلت هذه الآية الكريمة على كون إنكار البعث سبباً لدخول النار؛ لأن الله لما ذكر أنهم ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة:٤٢ - ٤٣] بين أن من أسباب ذلك أنهم قالوا: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ﴾ [الواقعة:٤٧ - ٤٨] كما قال ﵎: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الرعد:٥]. ثم بين لهم أنه يبعث الأولين والآخرين، فعند الله لا فرق بين الأولين والآخرين، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة:٤٩ - ٥٠]. وبين أن البعث الذي أنكروه سيتحقق في حال كونهم أذلاء صاغرين حينما قال في الصافات: ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ * قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ [الصافات:١٥ - ١٨] يعني: وأنتم أذلاء صاغرون. ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الصافات:١٩] نفخة واحدة ﴿فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الصافات:١٩] رغماً عنهم.

стр. 2595

التحذير من قلب همزة (أئنا) هاءً . العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى عقد بحثاً متوسطاً حول قول الله ﵎ هنا: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة:٤٧] * ﴿أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ﴾ [الواقعة:٤٨] فقد أجمع عامة القراء على إثبات همزة الاستفهام في قوله تعالى: ((أَئِذَا مِتْنَا)). وأثبتها أيضاً عامة السبعة غير نافع والكسائي في قوله: ﴿أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة:٤٧]. وقرأه نافع والكسائي: (إنا لمبعوثون). وتعرض رحمه الله تعالى لنوع من الابتداع في القراءة، فقال: اعلم -وفقني الله وإياك- أن ما جرى في الأقطار الأفريقية من إبدال الأخيرة من هذه الهمزة المذكورة وأمثالها في القرآن هاء خالصة. فبدل (أئنا) يقولون: (أهنا) بهاء خالصة، يقول: فهذا من أشنع المنكر وأعظم الباطل، وهو انتهاك لحرمة القرآن العظيم وتعد لحدود الله، ولا يعذر فيه إلا الجاهل الذي لا يدري، وإنما قلنا هذا لأن إبدال الهمزة فيما ذكر هاء خالصة لم يروه أحد عن رسول الله ﵌، ولم ينزل عليه به جبريل البتة، ولم يرو عن صحابي، ولم يقرأ به أحد من القراء، ولا يجوز بحال من الأحوال. فالتجرؤ على الله بزيادة حرف في كتابه -وهو هذه الهاء التي لم ينزل بها الملك من السماء البتة- هو كما ترى. وكون اللغة العربية قد سُمع فيها إبدال الهمزة هاء لا يسوغ التجرؤ على الله بإدخال حرف في كتابه لم يأذن بإدخاله الله ولا رسوله ﷺ ، ودعوى أن العمل جرى بالقراءة بالهاء لا يعول عليها؛ لأن جريان العمل بالباطل باطل، ولا أسوة في الباطل بإجماع المسلمين، وإنما الأسوة في الحق، والقراءة سنة متبعة مروية عن رسول الله ﷺ ، وهذا لا خلاف فيه.

стр. 2596

تفسير قوله تعالى: (قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم) قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة:٤٩ - ٥٠]. لما أنكر الكفار بعثهم وآباءهم الأولين في الآيات المتقدمة أمر الله نبيه ﷺ أن يخبرهم خبراً مؤكداً بأن الأولين والآخرين كلهم مجموعون يوم القيامة للحساب والجزاء بعد بعثهم، كما وضحه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن:٩] وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء:٨٧] وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران:٩] وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ [هود:١٠٣] وقال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات:٣٨] وقال تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٧]. وقوله تعالى: ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أي: معين عند الله تعالى، وهو يوم القيامة، يوم معلوم عند الله لكن لا يعلم حقيقته ومتى هو إلا الله ﵎.

стр. 2597

تفسر قوله تعالى: (ثم إنكم أيها الضالون شرب الهيم) قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة:٥١ - ٥٥]. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة:٥١]. أي: أيها الجاهلون المصرون على جهالاتهم والجاحدون للبعث ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ وهو من أخبث شجر البادية في المرارة وبشاعة المنظر ونتن الريح، فما يرجى من الشجر والثمر هو إما حلاوة الطعم، وهذا فيه مرارة، وإما المنظر الجميل وهذا بشع المنظر، وإما الريح الطيبة وهذا نتن الريح، فهذا وصف شجر الزقوم. وإذا قلنا: هو من أخبث شجر البادية فليس المقصود أن هذا هو الموجود في النار، فكما أنه ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء كذلك -أيضاً- ليس في النار مما في الدنيا إلا الأسماء، فالنار فيها شجر الزقوم لكن شتان بين شجر الدنيا وشجر النار، فهذا مجرد اسم فقط، لكن في الحقيقة هناك تفاوت لا يعلم مداه إلا الله . ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ أي: من ثمراتها الوبيئة البشعة المحرقة. ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾ الإنسان حين يأكل يستسيغ الأكل عن طريق الشراب، أما هؤلاء فإذا أكلوا من شجر الزقوم فوقفت في حلوقهم فإنهم يستسيغونها ويبتلعونها عن طريق الحميم، وهو الماء الذي انتهى حره وغليانه. ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ يعني الإبل التي بها الهيام، وهو داء لا ري معه لشدة الشغف والكلب فهو داء يصيب البهيمة فتظل تشرب وتشرب ولا ترتوي مهما شربت.

стр. 2598

تفسير قوله تعالى: (هذا نزلهم يوم الدين) قال تعالى: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة:٥٦]. أي: هذا جزاؤهم في الآخرة، وفيه مبالغة بديعة؛ لأن أصل النزل ما يعد للضيف من الإكرام والطعام والشراب. فهذا جزاؤهم في الآخرة، فالنزل ما يعد للقادم عاجلاً إذا نزل، أو الضيف حين يصل، فأول شيء يقدم إليه ويعد له ويهيأ له هو النزل لتكريمه به. فالنزل هو أول ما يعد للقادم عاجلاً إذا نزل، ثم يؤتى بعده بما هو المقصود من أنواع الكرامة، كالذبيحة أو غيرها من الأمور التي تحتاج إلى وقت للإعداد. فجعل الله ﵎ ما مر وصفه في قوله ﵎: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة:٥١ - ٥٥]؛ كل هذا جعله نزلاً. فانظر إلى دقة التعبير في قوله تعالى: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ فهذا هو الترحيب الأولي بهم. فلما جعل هذا أمراً هيناً كالنزل دل على أن ما بعده لا يطيق البيان شرحه، ولا يمكن أن تتسع لغة لوصف ما يكون بعده من الأهوال، والعياذ بالله. وجعله نزلاً مع أن النزل هو ما يكرم به النازل؛ تهكماً، كما في قوله: وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا جعلنا القنا والمرهفات له نزلاً يعني: حييناه بالسيوف وقاتلناه. يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ النزل -بضمتين- هو رزق الضيف الذي يقدم له عند نزوله إكراماً له، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف:١٠٧] وربما استعملت العرب النزل في ضد ذلك على سبيل التهكم والاحتقار. وجاء القرآن باستعماله فيما يقدم لأهل النار من العذاب، كقوله هنا في عذابهم المذكور في قوله: ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ﴾ [الواقعة:٥٢ - ٥٦] أي: هذا العذاب المذكور هو ضيافتهم ورزقهم المقدم لهم عند نزولهم في دارهم التي هي النار. يعني أن المقصود به التهكم، كما تقول: هذه تحيتهم. فهذا تهكم؛ لأن التحية في الأصل إكرام، وهنا نزلهم فيه إهانة وعذاب أليم، كما قال تعالى في حق الكافر الحقير الذليل: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩]. وقال تعالى في آخر سورة الكهف: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ [الكهف:١٠٢] ونظير ذلك من كلام العرب قول أبي السعدي الضبي: وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا جعلنا القنا والمرهفات له نزلاً وقوله تعالى: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ أي: يوم الجزاء.

стр. 2599

تفسير قوله تعالى: (نحن خلقناكم فلولا تصدقون) قال تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ [الواقعة:٥٧]. ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾ أي: نحن خلقناكم -يا معشر قريش- والمكذبين بالبعث فأوجدناكم بشراً ولم تكونوا شيئاً. ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ أي: بالخلق. وهم وإن كانوا مقرين به لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر:٣٨] إلا أنه نزل منزلة العدم والإنكار. أي: فقوله: ((فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ)) يعني: بأنا خلقناكم. وقد يقول قائل: فهمنا من آيات أخر أن مشركي قريش كانوا يقرون بأن الله هو الذي خلقهم، فما وجه هذا التفسير؟ و الجواب أنه لما كان هذا الإقرار بالخالق لم تترتب عليه العبودية له صار بمنزلة العدم. ففهم أنه يصفهم هنا بأنهم لا يصدقون بأن الله هو الذي خلقهم، ولكن دلت بعض الآيات على أنهم يصدقون بأن الله تعالى خلقهم، فنزل تصديقهم الذي لم يثمر الطاعة والانقياد وتوحيد الله منزلة العدم. وهناك تفسير آخر، وهو أن المعنى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ أي: بقدرتنا على بعثكم وإعادتكم مرة أخرى؟! فإن من قدر على الإنشاء قادر على الإعادة. يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: لما أنكر الكفار بعثهم وآباءهم الأولين وأمر الله رسوله أن يخبرهم أنه تعالى باعث جميع الأولين والآخرين، وذكر جزاء منكري البعث بأكل الزقوم وشرب الحميم أتبع ذلك بالبراهين القاطعة الدالة على البعث فقال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾ أي: هذا الخلق الأول، ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ أي: فهلا تصدقون بالبعث الذي هو الخلق الثاني؟! لأن إعادة الخلق لا يمكن أن تكون أصعب من ابتدائه كما لا يخفى. وهذا البرهان على البعث بدلالة الخلق الأول على الخلق الثاني جاء موضحاً في آيات كثيرة جداً، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧] ولا شك في أن إعادة الخلق هينة على الله ، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧] أي: هين عليه. وليس معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧] أنه أسهل عليه. وإنما هو من باب مخاطبة الناس بما هو معروف لديهم. لكن ليس هناك سهل وأسهل على الله؛ لأنه سبحانه قادر على كل شيء قدرة متساوية. فاستعمال هذا التعبير ((وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)) إنما هو بالنسبة لما هو معهود عندكم أنتم أيها المخلوقون، فمن ابتدأ من الخلق شيئاً فلا شك في أن إعادته أسهل عليه من ابتدائه؛ لأنه أعرف بدروبه وبمسالكه. أما الله فالكل في قدرته سواء، وليس هناك سهل وأسهل، وإنما كله على الله هين. قال ﵎: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [الحج:٥] إلى آخر الآية، وقال ﵎: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩] وقال ﵎: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء:٥١]. وقوله: (فلولا) في قوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ حرف تحضيض، ومعناه الطلب بحض وشدة، فالآية تدل على شدة حث الله للكفار على التصديق بالبعث لظهور برهانه القاطع الذي هو خلقه لهم أولاً.

стр. 2600

تفسير قوله تعالى: (أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون) قال ﵎: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ﴾ [الواقعة:٥٨ - ٦٢]. ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ أي: ما تقذفونه في الأرحام من النطف. ((أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ)) بجعله بشراً سوياً. ((أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ)) أي: بإضافة الصورة الإنسانية عليه. يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة:٥٨] يعني: أفرأيتم ما تصبونه من المني في أرحام النساء، فـ (ما) هنا موصولة، يعني: الذي تمنون. والعائد ضمير محذوف تقديره (تمنونه). وقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ هذا استفهام تقرير، ولماذا استفهام تقرير؟ لأنه لا يمكن أن يكون جوابهم: نحن الخالقون، بل لابد لهم من أن يقولوا: الله هو الخالق، وهم ما ادعوا أبداً أنهم خلقوا شيئاً. وحينئذ سيكون الجواب أنتم الخالقون. خطاباً لله على التعظيم! فيقال لهم: إذا كنا خلقنا هذا الإنسان الخصيم المبين من تلك النطفة التي تقذف في الرحم، فكيف تكذبون بقدرتنا على خلقه مرة أخرى وأنتم تعلمون أن الإعادة لا يمكن أن تكون أصعب من الابتداء؟! والضمير المنصوب في قوله تعالى: ((أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ)) الهاء فيه عائدة على الموصول، أي: أأنتم تخلقون ما تمنونه من النطف علقة ثم مضغة إلى آخر هذه المراحل؟! وهذا المعنى مبين في آيات كثيرة توضح أطوار خلق الإنسان. يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: هذا البرهان الدال على البعث الذي هو خلق الإنسان من نطفة من مني تمنى، يجب على كل إنسان النظر فيه. يعني أن التفكر في هذا الدليل واجب وفريضة وحتم على كل إنسان، فهو فريضة مثل الصلاة، فشأنه شأن كل الواجبات والفرائض. يقول: هذا البرهان الدال على البعث الذي هو خلق الإنسان من نطفة تمنى يجب على كل إنسان النظر فيه؛ لأن الله جل وعلا وجه الأمر بالنظر فيه إلى مني الإنسان، والأصل في صيغة الأمر على التحقيق الوجوب إلا لدليل صارف عنه، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق:٥]. ففي الآية أمر؛ إذ الأمر يأتي بصيغ شتى، من ضمنها صيغة فعل مضارع ومعه لام الأمر، كما هنا (فَلْيَنظُرِ) فهذا أمر، والأمر على التحقيق يفيد الوجوب إلا لقرينة.

стр. 2601

تفسير قوله تعالى: (نحن قدرنا بينكم الموت فلولا تذكرون) قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ﴾ [الواقعة:٦٠ - ٦٢]. قوله تعالى: ((نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ)) أي: كتبنا على كل نفس ذوق الموت. كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]. ومن كان سبيله ذلك، وكان موقناً بأنه -لابد- ميت، فشأنه أن يرهب من نزوله، ويتأهب لما يخوف به من بعده، فيستعد للمخاوف التي تكون بعد الموت. والجملة مقررة لما قبلها بإيذان أنهم في قبضة القدرة. أي: فالله الذي خلقكم من نطفة من مني يمنى هو -أيضاً- سوف يقبض أرواحكم بقدرته، فلا تغتروا بالإمهال بدليل ما قدره عليكم من الموت. وقوله: (بَيْنَكُمُ) فيه زيادة تنبيه، كأن الموت بين ظهرانيكم، فهو موجود في وسطكم قريب جداً منكم. ثم أكد ما قرره في قوله تعالى: ((وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ)) يعني: بمغلوبين. ((عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ)) أي: بعد مهلككم فنجيء بآخرين من جنسكم. ((وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ)) من صور وأشكال أخرى، فكيف نعجز عن إعادتكم؟ فإذا كانت هذه مظاهر من قدرة الله ﵎، وهي أنه كتب عليكم الموت، وهو مميتكم لا محالة، وقادر على إماتتكم جميعاً، وأن يستبدل بكم قوماً غيركم، وأن يقلبكم في أطوار وفي أحوال وفي صور وأشكال؛ فكيف يعجز عن إعادة خلقكم مرة ثانية؟! قال الشهاب: والظاهر أن قوله: ((وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ)) المراد به: إذا بدلناكم بغيركم. لا في الدار الآخرة كما توهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء:١٣٣]. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى﴾. أي أنه أنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئاً مذكوراً، فخلقكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١] فـ (هَلْ) هنا بمعنى (قد)، أي: قد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً. وقوله تعالى: ((فَلَوْلا تَذكَّرُونَ)) أي: فتعرفون أن الذي قدر على هذه النشأة وهي البداءة، قادر على النشأة الأخرى وهي الإعادة، وأنها هينة عليه ﵎.

стр. 2602

كلام الشنقيطي على قوله تعالى: (نحن قدرنا بينكم الموت) قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾. يقول الشنقيطي قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير ابن كثير: ((نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ)) وقرأ ابن كثير بتخفيفها: (نحن قَدَرْنا بينكم الموت). وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية الكريمة قد يكون فيها وجهان أو أكثر من التفسير، فيكون كل ذلك صحيحاً، وكله يشهد له القرآن، فنذكر الجميع وأدلته من القرآن، ومن ذلك هذه الآية الكريمة. فالإيضاح في ذلك أن قوله تعالى: ((نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ)) في تفسيرها وجهان من التفسير، وأيضاً فيما يتعلق به قوله تعالى: ((عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ)) وجهان من التفسير. فقال بعض العلماء -وهو اختيار شيخ المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى- قالوا: إن قوله ﵎: ((نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ)) أي: قدرنا لموتكم آجالاً مختلفة وأعماراً متفاوتة، فمنكم من يموت صغيراً، ومنكم من يموت شاباً، ومنكم من يموت شيخاً. فقوله تعالى: ((بَيْنَكُمُ)) يعني: بين شتى أصنافكم وأعماركم. ودل على هذا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [الحج:٥] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾ [غافر:٦٧] يعني: قبل فترة الشيخوخة، فتشمل الشباب وتشمل الطفولة ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [غافر:٦٧] وقال تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر:١١] وقال تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون:١١]. وقوله تعالى: ((وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ)) أي: ما نحن بمغلوبين. والعرب تقول: سبقه على كذا، أي: غلبه عليه وأعجزه عن إدراكه. والمعنى: وما نحن بمغلوبين على ما قدرنا من آجالكم وحددناه من أعماركم. بمعنى أنه لن يقدر أحد على أن يقدم أجلاً أخرناه ولا أن يؤخر أجلاً قدمناه. وهذا المعنى دلت عليه آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]. وقال ﵎: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح:٤] وقال ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران:١٤٥] إلى غير ذلك من الآيات. على تفسير الآيتين السابقتين بالتفسير الذي ذكرناه يكون قوله تعالى: ((عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ)) لا علاقة له بقوله تعالى: ((بِمَسْبُوقِينَ)) بل هو متعلق بقوله: ((نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ))؛ لأن الجملة لها ثلاثة أجزاء: الأول: قوله تعالى: ((نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ)). والثاني: قوله تعالى: ((وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ)). والثالث: قوله تعالى: ((عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ)). فكأن المعنى: نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ. أي: نبدل من الذين ماتوا أمثالاً لهم نوجدهم. وعلى فمعنى تبديل أمثالهم إيجاد آخرين من ذرية أولئك الذين ماتوا. وهذا المعنى تشهد له آيات كثيرة من كتاب الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام:١٣٣] وهذا التفسير هو اختيار ابن جرير، وقراءة ((قَدَّرْنَا)) مناسبة لهذا الوجه، وكذلك قوله تعالى: (بَيْنَكُمُ). أما الوجه الثاني في تفسير الآية فهو أن (قَدَّرْنَا) بمعنى: قضينا وكتبنا على جميع الخلق. وهذا الوجه تشهد له آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]. وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥] وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨]. وعلى هذا القول فقوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أمثالكم﴾ [الواقعة:٦١] متعلق بقوله تعالى: ((وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ)) أي: ما نحن بمغلوبين. والمعنى: وما نحن بمغلوبين على أن نبدل أمثالكم إن أهلكناكم لو شئنا، فنحن قادرين على إهلاككم، ولا يوجد أحد يغلبنا ويمنعنا من خلق أمثالكم بدلاً منكم. وهذا المعنى كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء:١٣٣] وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾ [الأنعام:١٣٣] وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم:١٩ - ٢٠] وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]. قوله تعالى: (وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ) قال بعضهم: وننشئكم بعد إهلاككم فيما لا تعلمونه من الصور والهيئات، كأن ننشئكم قردة وخنازير كما فعلنا ببعض المجرمين قبلكم. وقال بعضهم: ننشئكم فيما لا تعلمونه من الصفات فنغير صفاتكم، فنجمل المؤمنين ببياض الوجوه، ونقبح الكافرين بسواد الوجوه وزرقة العيون. إلى غير ذلك من الأقوال.

стр. 2603

تفسير قوله تعالى: (أفرأيتم ما تحرثون بل نحن محرومون) قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة:٦٣ - ٦٧]. ثم انتقل الاستدلال إلى دليل آخر من أدلة البعث والنشور، فقال : ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة:٦٣] يعني: أفرأيتم ما تحرثون الأرض لأجله ((أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ)) والهاء في قوله: (تَزْرَعُونَهُ) عائدة على (ما تحرثون) وهل نحن نحرث الأرض أم نحرث الحب؟! نحرث الأرض، لكن من أجل أن نضع فيها الحب، فلذلك نقول في التفسير: أفرأيتم ما تحرثون الأرض لأجله، وهو الحب؟! فقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ أي: هذا الحب. لأن قائلاً قد يقول: لماذا ذكر الحب؟ فنحن في التفسير نقول: المعنى: أفرأيتم ما تحرثون الأرض لأجله وهو الحب. ثم أتى السياق يتكلم عن الحب نفسه، فقال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ والحرث شق الأرض للزراعة وإثارتها وإلقاء البذر فيها. وقوله تعالى: (أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ) أي: تنبتونه (أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) يعني: أم نحن المنبتون. وعن بعض السلف أنه كان إذا قرأ هذه الآية وأمثالها يقول: بل أنت -يا رب- الذي تزرع، وأنت الذي تنميه. (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا) يعني هذا الزرع، أي: أيبسناه قبل استوائه واستحصاده، وأصل الحطام ما تحطم وتفتت لشدة يبسه وجفافه. وقوله تعالى: (فَظََلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) أي: تتعجبون من هلاكه ويبسه بعد خضرته. أي: تندمون على اجتهادكم الذي ضاع فيه. أو: (تَفَكَّهُونَ) على ما أصبتم لأجله من المعاصي فتتحدثون فيه، والتفكه: التنقل بصنوف الفاكهة، وقد استعير للتنقل بالحديث لأنه ذو شجون. فالتفكه هنا مقصود به تناقل الحديث في الكلام وفي الحوار. (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ) يعني: تقولون: إِنَّا لَمُغْرَمُونَ، فهذا مقول قول مقدر. ومعنى (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ) أي: ملزمون غرامة ما أنفقنا. أو: مهلكون لهلاك رزقنا. من الغرام بمعنى الهلاك؛ قال الشاعر: إن يعذب يكن غراماً وإن يعـ ط جزيلاً فإنه لا يبالي ومن الأول قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان:٦٥] أي: ملازماً. ومعنى قوله تعالى: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: حرمنا رزقنا.

стр. 2604

دلائل البعث في إنبات الزرع يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة:٦٤] * ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة:٦٣ - ٦٥]. يقول: تضمنت هذه الآيات الكريمة برهاناً قاطعاً ثانياً على البعث وامتناناً عظيماً على الخلق بخلق أرزاقهم لهم، فقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ يعني: أفرأيتم البذر الذي تجعلونه في الأرض بعد حرثها. (أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ) أأنتم تجعلونه زرعاً ثم تنمونه إلى أن يصير مدركاً صالحاً للأكل. (أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) له. وهذا المعنى لا يتفطن إليه إلا الإنسان المؤمن العاقل، لكن الكافر يعمى عن رؤية قدرة الله على إنبات هذه البذرة، فنحن -البشر- ما علينا غير الأخذ بالأسباب، لكن هل الأسباب حتماً تؤدي إلى النتائج؟! إن القوة التي تنمي وتنبت هي قوة الله ، فنحن إنما نأخذ بالأسباب، نوجد الماء والبذرة، ونحرث الأرض، ونسقي الزرع، لكن من الذي ينبت؟ إنه الله . ولا شك في أن الجواب الذي لا جواب غيره هو أن يقال: أنت -يا ربنا- الزارع المنبت، ونحن لا قدرة لنا على ذلك، فيقال لهم: كل عاقل يعلم أن من أنبت هذا السنبل في هذا البذر الذي تعفن في باطن الأرض قادر على أن يبعثكم بعد موتكم. وكون إنبات النبات بعد عدمه من براهين البعث قد جاء موضحاً في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت:٣٩] وقال تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الروم:٥٠] ورحمة الله هي المطر؛ لأن المطر أحياناً يسمى رحمة، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [النمل:٦٣] وهي المطر. وانظر إلى قوله تعالى: ((آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ)) فكلما ترى زرعاً أو نباتاً أو شجرة فقل: هذا هو أثر رحمة الله، لقوله: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم:٥٠]. وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:٥٧]. إذاً: الفائدة من الزرع والنبات ليس الأكل أو رؤية مناظر الجنات الجميلة فحسب، وإنما هناك غاية أساسية من خلقها، وهي أنها تدلنا على قدرة الله على البعث والنشور، كما أحيا هذه الأرض بعد موتها. ثم يقول الشيخ الشنقيطي أيضاً: اعلم أنه يجب على كل إنسان أن ينظر في هذا البرهان الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة؛ لأن الله جل وعلا وجه في كتابه صيغة أمر صريحة عامة في كل من يصدق عليه مسمى الإنسان بالنظر في هذا البرهان العظيم المتضمن للامتنان لأعظم النعم على الخلق، وللدلالة على عظم الله وقدرته على البعث وغيره، وشدة حاجة خلقه إليه مع غناه عنهم، كما في قول الله ﵎: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس:٢٤ - ٣٣].

стр. 2605

تفسير سورة الحديد [٣]

стр. 2606

تفسير قوله تعالى: (هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم) فسر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه المبارك (طريق الهجرتين)، هذه الأسماء الأربعة تحقيقاً، وبين كيفية التعبد عن طريق هذه الأسماء الأربعة، وتكلم بكلام كلام قيم جداً، وهو طويل في الحقيقة، لكن نجتزئ منه ما تيسر. يقول الإمام ابن القيم ﵀ ﵎ مبيناً كيف نعبد الله بالتأمل في اسمه (الأول) قال: فعبوديته باسمه (الأول) تقتضي التجرد من مطالعة الأسباب والوقوف أو الالتفات إليها، فإذا حققت في قلبك معنى الإيمان بأن الله هو الأول الذي لا شيء قبله كما فسرها النبي ﵊: (أنت الأول فليس قبلك شيء) فمعنى ذلك أنه الخالق وهو المسبب لكل شيء. والأسباب مخلوقة، فإذا حققت الاسم الأول فيقتضي ذلك أن تتجرد من التعلق بالأسباب، وليس معنى هذا أننا لا نأخذ بالأسباب؛ بل نأخذ بالأسباب ولكن لا نتوكل على الأسباب، وإنما التوكل يكون على الله الذي هو المسبب الحقيقي؛ لأن الإعراض عن الأسباب قدح في الشرع، والتعلق بالأسباب قدح في التوحيد؛ لأن الشرع أمر بالأخذ بالأسباب، والتعلق بالأسباب دون الله قدح في التوحيد. يقول: فعبوديته باسمه الأول تقتضي التجرد من مطالعة الأسباب والوقوف أو الالتفات إليها، وتجريد النظر إلى مجرد سبق فضله ورحمته. فإن الله الأول قبل كل شيء، فهو الذي سبَّب كل شيء، وخلق كل شيء، فتعلق بالمسبب وهو الله . قال: وأنه هو المبتدئ بالإحسان من غير وسيلة من العبد، إذ لا وسيلة له في العدم قبل وجوده، وأي وسيلة كانت هناك؟ وإنما هو عدم محض، وقد أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً، فمنه الإعداد ومنه الإمداد، وفضله سابق على الوسائل، والوسائل من مجرد فضله وجوده لم تكن بوسائل أخرى، فمن نزل اسمه الأول على هذا المعنى أوجب له فقراً خاصاً وعبوديةً خاصة. وعبوديته باسمه الآخر تقتضي أيضاً عدم ركونه ووثوقه بالأسباب، فإنها تنعدم لا محالة، وتنقضي في الآخرية، ويبقى الدائم الباقي بعدها. يعني: كل ما عدا الله له آخر؛ لكن الله هو وحده الآخر الذي لا شيء بعده، فما عدا الله من الأسباب تنقضي وتفنى بالآخرية لا محالة، ويبقى الدائم الباقي بعدها. قال: فالتعلق بها -أي: بالأسباب- تعلق بما يعدم وينقضي، والتعلق بالآخر سبحانه تعلق بالحي الذي لا يموت ولا يزول، فالمتعلق به حقيق ألا يزول ولا ينقطع، بخلاف التعلق بغيره مما له آخر يفنى به، كذا نظر العارف إليه بسبق الأولية حيث كان قبل الأسباب كلها، وكذلك نظره إليه ببقاء الآخرية حيث يبقى بعد الأسباب كلها، فكان الله ولم يكن شيء غيره، وكل شيء هالك إلا وجهه. فتأمل عبودية هذين الاسمين، وما يوجبانه من صحة الاضطرار إلى الله وحده ودوام الفقر إليه دون كل شيء سواه، وأن الأمر ابتدأ منه وإليه يرجع، فهو أول كل شيء وآخره، وكما أنه رب كل شيء وفاعله وخالقه وبارئه، فهو إلهه وغايته التي لا صلاح له ولا فلاح ولا كمال إلا بأن يكون هو وحده غايته ونهاية مقصوده. فهو الأول الذي ابتدأت منه المخلوقات، والآخر الذي انتهت إليه عبوديتها وإرادتها ومحبتها، فليس وراء الله شيء يقصد ويعبد ويتأله، كما أنه ليس قبله شيء يخلق ويبرأ. فكما كان واحداً في إيجادك فاجعله واحداً في تألهك إليه؛ لتصح عبوديتك، وكما ابتدأ وجودك وخلقك منه، فاجعله نهاية حبك وإرادتك وتألهك إليه؛ لتصح لك عبوديته باسمه الأول والآخر. وأكثر الخلق تعبدوا له باسمه الأول. يعني: أنهم يقرون بتوحيد الربوبية، ويقرون باسم الأول الذي بدأ كل شيء: بدأ الخلق، وبدأ الرزق، وبدأ أفعال الربوبية والتنمية والرعاية والإحسان إلى الخلق. وإنما الشأن في التعبد له باسمه الآخر -يعني: بأن تعبده وحده لا شريك له- فهذه عبودية الرسل وأتباعهم، فهو رب العالمين وإله المرسلين سبحانه وبحمده. وأما عبوديته باسمه الظاهر فكما فسره النبي ﷺ بقوله: (وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء).

стр. 2607

مدار أسماء الله : (الأول والآخر والظاهر والباطن) ثم يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى مبيناً أن هذه الأسماء الأربعة: الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، مدارها على الإحاطة الزمانية والإحاطة المكانية، يقول: فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، وهي إحاطتان: زمانية ومكانية، فأحاطت أوليته وآخريته بالقبل والبعد، فكل سابق انتهى إلى أوليته، وكل آخر انتهى إلى آخريته، فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر، فهو الأول، يعني أنه قبل كل شيء، وهو الآخر بمعنى أنه بعد كل شيء بالإحاطة الزمانية. وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن، فما من ظاهر إلا والله فوقه، وأي شيء عالٍ فالله أعلى منه، حتى الجنة التي هي أعلى المخلوقات فإن عرش الله فوق سقف الجنة، كما قال ﷺ : (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوق سقفه عرش الرحمن). وهذا يدل على أن الجنة كروية؛ لأنه ذكر فيها الوسط والأعلى، وهذا معناه أنها كروية، والله تعالى أعلم. يقول ابن القيم: فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، وما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده، فالأول قدمه، والآخر دوامه وبقاؤه، والظاهر علوه وعظمته، والباطن قربه ودنوه، فسبق كل شيء بأوليته، وبقي بعد كل شيء بآخريته، وعلا كل شيء بظهوره، ودنا من كل شيء ببطونه، فلا تواري منه سماء سماءً، ولا أرض أرضاً، ولا يحجب عنه ظاهر باطناً، بل الباطن له ظاهر، والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب، والسر عنده علانية. فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد: فهو الأول في آخريته، والآخر في أوليته، والظاهر في بطونه، والباطن في ظهوره، لم يزل أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً.

стр. 2608

مراتب التعبد بأسماء الله : (الأول والآخر والظاهر والباطن) يقول: وللتعبد بهذه الأسماء رتبتان: الأولى: أن تشهد الأولية منه تعالى في كل شيء، والآخرية بعد كل شيء، والعلو والفوقية فوق كل شيء، والقرب والدنو دون كل شيء. فالمخلوق يحجبه مثله عما هو دونه. يعني: أي شيء أمامك يحجب عنك ما وراءه، فلا تعرف ما وراء الجدار، ولو وقف شخص أمامك فإنك لا ترى ما خلفه وهكذا، وكذلك السحابة لا ترى ما وراءها من شمس، فهذا شأن المخلوق. قال: فالمخلوق يحجبه مثله عما هو دونه، فيصير الحاجب بينه وبين المحجوب، والرب ﷻ ليس دونه شيء أقرب إلى الخلق منه. المرتبة الثانية من التعبد: أن يعامل كل اسم بمقتضاه. فالمرتبة الأولى مرتبة علمية، أن تشهد ذلك بقلبك وتعلمه وتوقن به. والمرتبة الثانية: عملية، أن تعامل كل اسم بمقتضاه. قال: فيعامل سبقه تعالى بأوليته لكل شيء، وسبقه بفضله وإحسانه الأسباب كلها، بما يقتضيه ذلك من إفراده وعدم الالتفات إلى غيره والوثوق بسواه والتوكل على غيره. فما دام أنك مؤمن بأن الله أول وآخر وظاهر وباطن، وما دمت تؤمن بأنه الأول، بمعنى: أنه سبق كل شيء، وكل ما عداه مخلوق؛ فالله هو الذي أوجدك بأوليته، فتعامل ذلك بما يقتضيه من إفراده بأن توحده، وألا تلتفت إلى غيره؛ لأن كل ما عداه من إله باطل، والأسباب كلها إنما هي مخلوقة، فينبغي أن تلتفت بقلبك وتتوكل على الله ، فتفرده ولا تلتفت إلى غيره، ولا تثق بسواه، ولا تتوكل على غيره. قال: فمن ذا الذي شفع لك في الأزل حيث لم تكن شيئاً مذكوراً، حتى سماك باسم الإسلام؟! فأعظم نعمة في الوجود كله هي نعمة الإسلام، فهل شفع لك أحد المخلوقين حتى الأنبياء والمرسلين في الأزل عند الله بأن يجعلك أنت مسلماً ويجعل فلاناً كافراً؟! قال : ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١] فهل سبق شيء منك وأنت لم تكن شيئاً مذكوراً؟! فهذا محض فضل راجع إلى أوليته وإحسانه إليك في الأزل بدون سبب. قال: فمن ذا الذي شفع لك في الأزل حيث لم تكن شيئاً مذكوراً حتى سماك باسم الإسلام، ووسمك بسمة الإيمان، وجعلك من أهل قبضة اليمين، وأقطعك في ذلك الغيب عمالات المؤمنين، فعصمك عن العبادة للعبيد، وأعتقك من التزام الرق لمن له شكل ونديد، ثم وجه وجهة قلبك إليه سبحانه دون ما سواه، فاضرع إلى الذي عصمك من السجود للصنم، وقضى لك بقدم الصدق في القدم، أن يتم عليك نعمة هو ابتداها، وكانت أوليتها منه بلا سبب منك، واسم بهمتك عن ملاحظة الاختيار، ولا تركنن إلى الرسوم والآثار، ولا تقنع بالخسيس الدون، وعليك بالمطالب العالية والمراتب السامية التي لا تنال إلا بطاعة الله؛ فإن الله قضى ألا ينال ما عنده إلا بطاعته، ومن كان لله كما يريد كان الله له فوق ما يريد، فمن أقبل إليه تلقاه من بعيد، ومن تصرف بحوله وقوته ألان له الحديد، ومن ترك لأجله أعطاه فوق المزيد، ومن أراد مراده الديني أراد ما يريد. ثم اسم بسرك إلى المطلب الأعلى، واقصر حبك وتقربك على من سبق فضله وإحسانه إليك كل سبب منك، بل هو الذي جاد عليك بالأسباب، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة:١١٨]، فسبقت توبته توبتهم، فلولا التوفيق لما تابوا، فالله هو الذي يخلق إرادة الخير في الخلق، وهذا هو التوفيق. قال: بل هو الذي جاد عليك بالأسباب، وهيأ لك وصرف عنك موانعها، وأوصلك بها إلى غايتك المحمودة، فتوكل عليه وحده، وعامله وحده، وآثر رضاه وحده، واجعل حبه ومرضاته هو كعبة قلبك التي لا تزال طائفاً بها، مستلماً لأركانها، واقفاً بملتزمها. فيا فوزك ويا سعادتك إن اطلع سبحانه على ذلك من قلبك ماذا يفيض عليك من ملابس نعمه، وخلع أفضاله، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، سبحانك وبحمدك. وأصلح له غيبك فإنه عنده شهادة، وزك له باطنك فإنه عنده ظاهر. ثم قال ﵀: فانظر كيف كانت هذه الأسماء الأربعة جماع المعرفة بالله، وجماع العبودية له، فهنا وقفت شهادة العبد مع فضل خالقه ومنته، فلا يرى لغيره شيئاً إلا به وبحوله وقوته، وغاب بفضل مولاه الحق عن جميع ما منه هو مما كان يستند إليه أو يتحلى به، أو يتخذه عدة، أو يراه ليوم فاقته، أو يعتمد عليه في مهمة من مهماته، يعني: من التفت إلى هذه الأشياء- فكل ذلك من قصور نظره، وانعكاسه عن الحقائق والأصول إلى الأسباب والفروع، كما هو شأن الطبيعة والهوى، وموجب الظلم والجهل، والإنسان ظلوم جهول. فمن جلى الله صدأ بصيرته، وكمَّل فطرته، وأوقفه على مبادئ الأمور وغاياتها ومناطها ومصادرها ومواردها، أصبح كالمفلس حقاً من علومه وأعماله وأحواله وأذواقه، يقول: أستغفر الله من علمي ومن عملي، أي: من انتسابي إليهما وغيبتي بهما عن فضل من ذكرني بهما. فالعمل الصالح الذي عملته في الحقيقة هو فضل من الله ؛ لأنه لولا توفيقه لما فعلته. فالأسباب التي أخذت بها، وأوصلتك إلى النتيجة، كان يمكن أن. لا يهيئها لك الله ، وإذا هيأها لك ربما قضى موانع تمنع مفعولها، فكل هذا إنما هو من فضل الله . قال: فيقول المؤمن: أستغفر الله من علمي ومن عملي، يعني: من أن أنتسب إليهما، وغيبتي بهما عن فضل من ذكرني بهما، وابتدأني بإعطائهما من غير تقدم سبب مني يوجب ذلك، فهو لا يشهد غير فضل مولاه وسبق منته ودوامه، فيثيبه مولاه على هذه الشهادة العالية بحقيقة الفقر الأوسط بين الفقرين الأدنى والأعلى ثوابين: أحدهما: الخلاص من رؤية الأعمال، حيث كان يراها ويتمدح بها ويستكثرها، فيستغرق بمطالعة الفضل غائباً عنها ذاهلاً عنها فانياً عن رؤيتها. الثاني: أن يقطعه عن شهود الأحوال، أي: عن شهود نفسه متكثرة بها -أي: بهذه الأعمال- فإن الحال محله الصدر، والصدر بيت القلب والنفس، فإذا نزل العطاء في الصدر للقلب ثبتت النفس لتأخذ نصيبها من العطاء، فتتمدح به وتدل به وتزهو وتستطيل. فإذا وصل إلى القلب نور صفة المنة، وشهد معنى اسمه المنان، وتجلى سبحانه على قلب عبده بهذا الاسم مع اسمه الأول ذهل القلب والنفس به، واشتغل بتحقيق اسم الأول واسم المنان عن أن ينسب إلى نفسه شيئاً، أو أن يرى لنفسه فضلاً، أو أن يتعلق بسبب من الأسباب. قال: وصار العبد فقيراً إلى مولاه بمطالعة سبق فضله الأول، فصار مقطوعاً عن شهود أمر أو حال ينسبه إلى نفسه. يعني: ينسب هذا كله إلى الله .

стр. 2609

أثر العلم باسمي الله (الأول والآخر) والعلم بهذه الأسماء الأربعة ومعانيها له أثر عظيم في دفع الوسوسة ورد كيدها، أشار إلى ذلك حبر الأمة ابن عباس ﵄، فقد أخرج أبو داود بسند حسن عن أبي زميل قال: سألت ابن عباس ﵄ فقلت: (ما شيء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قلت: والله! ما أتكلم به)، يعني: وساوس، ومن شدة بغضه لها لا يتجاسر على أن ينطق بها تعظيماً لله . فقال لي: (أشيء من شك؟ قال: وضحك، قلت: بلى، قال: ما نجا من ذلك أحد حتى أنزل الله : ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس:٩٤]، قال: فقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئاً فقل: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]). لأن كيفية الوسوسة هي كما جاء في حديث آخر: (يأتي الشيطان أحدكم فيقول: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ يقول النبي ﵇: فمن وجد ذلك فليقل: آمنت بالله. ثم لينته) أي: يتوقف عن الاستطراد في التفكير. كذلك ابن عباس ﵄ هنا يدلنا على علاج آخر، وهو أن تقول: (هو الأول والآخر)، أي: هو الأول الذي ليس قبله شيء، وإلا لزم التسلسل، فلو أنك قلت: ربنا خلق الكون وخلق المخلوقات، فتقول: من خلق الإله؟ والعياذ بالله! لو أنك افترضت وقلت: خلقه خالق آخر، فالخالق الآخر من خلقه؟ سوف تقول أيضاً: خلقه خالق ثان، وهكذا يلزم التسلسل، وهذا محال! لكن إذا تعبدت باسمه الأول الذي ليس قبله شيء، فهو الذي أوجد ما عداه من المخلوقات سبحانه لم يرد عليك هذا، فالله وحده هو الخالق الذي لم يسبق وجوده عدم، فحينما تقول: آمنت بالله، وتتلو هذه الآية: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]، فأنت ترد على الشيطان وسوسته، ولذلك جاء في بعض الأحاديث عن النبي ﵊ أنه قال: (الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة) واسم الشيطان الوسواس الخناس، فإذا تأملت معنى الوسواس الخناس نجوت من وسوسة الشيطان، ووسوسة صيغة مبالغة. أي: كثير الوساوس، وهو يوسوس إذا غفل الإنسان عن ذكر الله. فكما أنه كثير الوسواس فهو كثير الهرب إذا ذكرت الله، فإذا وسوس لك وذكرت الله خنس، أي هرب وانكمش وبعد عنك، فلذلك إذا سمع الأذان يولي ويهرب لأنه يكره الأذان، كما قال ﵊: (إذا أذن المؤذن ولى الشيطان وله ضراط). فأعظم ما يدفع به الوسواس هو ذكر الله ، لا كما قال أحد ملاحدة أطباء النفس في مصر، وكان في حديث مع إذاعة لندن، وأنا سجلته في الحقيقة؛ لأني ذهلت من الكلام، وكان مما قال: إن بعض الناس يرون أن علاج الموضوع هذا أن يتخلص الإنسان أصلاً من فكرة الله! وطبعاً هذا ليس بغريب عليه؛ لأنه في وسط الكلام قال: والحقيقة أن من الناس الذين يثيرون موضوع الوسواس المسلمين وإخواننا اليهود! وهذه أول مرة أسمع واحداً يقول: إخواننا اليهود! فقد قال الناس ما قالوا، وسمعنا كثيراً من يقول: إخواننا كذا، وإخواننا كذا، وإخواننا كذا، لكن ما سمعنا أحداً يقول: إخواننا اليهود! فهذا شيء شاذ جداً. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: وأرشد من بلي بشيء من وسوسة التسلسل في الفاعلين، إذا قيل له: هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟ أن يقرأ: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]. كذلك قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لـ أبي زميل سماك بن الوليد الحنفي وقد سأله: (ما شيء أجده في صدري؟ -يعني: من هذه الوساوس- قال: ما هو؟ قلت: والله لا أتكلم به -من قوة الإيمان وتعظيمه لله- قال: فقال لي: أشيء من شك؟ قلت: بلى، فقال لي: ما نجا من ذلك أحد، حتى أنزل الله : ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس:٩٤]، قال: فقال لي: فإذا وجدت في نفسك شيئاً فقل: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]). وقوله: (ما نجا من ذلك أحد). يعني: ما نجا من ذلك البلاء أو من ذلك الخاطر أو من ذلك الوسواس الوارد عليك، لكن هل أنت تسعى وراء الشك كما يفعل البعض من الجهلة؟ وأذكر عندما كنت في المدرسة الثانوية أني رأيت إحدى اللافتات وقد كتب فيها الحكمة التالية: كلما ازددت شكاً ازددت يقيناً. وكأن كاتبها أو قائلها يرغب في الشك، وبعض الناس يقولون لك: لازم أنك تبدأ بالشك، فيظلون يتكلمون عن لخبطة الإمام الغزالي رحمه الله تعالى وعفا عنه! فليس عليك أن تتنقل بين الفرق الضالة بحثاً عن الحق، فإذا كان الله حفظ لك فطرتك وإيمانك وأضاء قلبك بنور اليقين، فلا تهدم هذا اليقين ثم تعود للشك، فينبغي ألا تبتلعوا السم في هذا الكلام المموه، الذي يقول: إن الشك هو أول مراتب اليقين. بل الشك في الحق بلاء، ومن نعمة الله أن يحفظ الله على الإنسان فطرته؛ لأن أي إنسان سليم الفطرة يهتدي للتوحيد بسلاسة؛ لأن الفطرة مغروسة في داخله. وعن طريق فهم هذه الأسماء الأربعة الواردة في هذه الآية الكريمة: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣] تتحقق أنواع من العبودية.

стр. 2610

معاني اسم الله : (الأول) بالنسبة لاسم الله الأول فمعناه اللغوي: الأول نقيض الآخر، والأول والآخر من الأسماء التي تأتي مقترنة بعضها ببعض، مثل المقدم والمؤخر المعز والمذل الظاهر والباطن. فالأول يأتي مع الآخر، وبعض الناس أحياناً يخطئون في قراءة اسم الله (الآخر)، فيقول: عبد الآخَر، فهل هناك إله مع الله؟! فننتبه لهذا، فإن الصواب: عبد الآخِر، إن جاز إطلاق هذا الاسم بهذه الصورة. فالأول نقيض الآخر، وأصله (أوأل) على وزن (أفعل) قلبت الهمزة واواً ثم أدغم الواو في الواو، يدل على ذلك قولهم: هذا أول منك، والجمع الأوائل والأوالي أيضاً على القلب. قال ذو الرمة: وما فخر من ليست له أولية تعد إذا عد القديم ولا ذكر يعني: مفاخر آبائه. وقال الراغب: الأول: هو الذي يترتب عليه غيره، ويستعمل على أوجه: أحدها: المتقدم بالزمان، كقولك: عبد الملك أولاً ثم منصور، يعني: هذا جاء قبل ذاك. الثاني: المتقدم بالرياسة في الشيء وكون غيره محتذياً به، نحو الأمير أولاً ثم الوزير. الثالث: المتقدم بالوضع والنسبة، كقولك للخارج من العراق: القادسية أولاً ثم فيد، وتقول للخارج من مكة: فيد أولاً ثم القادسية. الرابع: المتقدم بالنظام الصناعي، نحو أن يقال: الأساس أولاً، ثم البناء، فيصنع الأساس أولاً ثم بعد ذلك يكون البناء. وورد هذا الاسم الشريف في القرآن الكريم مرة واحدة في هذه الآية: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]. ومعنى هذا الاسم في حق الله ﵎ يقول الفراء: قوله : ((هُوَ الأَوَّلُ))، يريد قبل كل شيء، والآخر بعد كل شيء، يعني: الباقي بعد فناء كل شيء. وقال ابن جرير: هو الأول قبل كل شيء بغير حد، فالله أوليته أزلية، يعني: لا بداية لها، فالأول هو قبل كل شيء بغير حد، فليس هناك زمن لبدايته ، والآخر بعد كل شيء بغير نهاية، وإنما قيل ذلك لأنه كان ولا شيء موجود سواه، وهو كائن بعد فناء الأشياء كلها، كما قال جل ثناؤه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]. وقال الزجاج: الأول هو موضوع التقدم والسبق، ومعنى وصفنا الله تعالى بأنه أول: هو متقدم للحوادث بأوقات لا نهاية لها، فالأشياء كلها وجدت بعده وقد سبقها كلها، وكان رسول الله ﷺ يقول في دعائه: (أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء). وقال الخطابي: الأول هو السابق للأشياء كلها، الكائن الذي لم يزل قبل وجود الخلق، فاستحق الأولية إذ كان موجوداً ولا شيء قبله ولا بعده. وقال الحليمي: الأول هو الذي لا قبل له، والآخر هو الذي لا بعد له، وهذا لأن قبل وبعد نهايتان، فقبل نهاية الموجود من قبل ابتدائه، وبعد غايته من قبل انتهائه، فإذا لم يكن له ابتداء ولا انتهاء لم يكن للموجود قبل ولا بعد، فكان هو الأول والآخر. وقال البيهقي: الأول هو الذي لا ابتداء لوجوده. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: هو أول هو آخر هو ظاهر هو باطن هي أربع بوزان ما قبله شيء كذا ما بعده شيء تعالى الله ذو السلطان ما فوقه شيء كذا ما دونه شيء وذا تفسير ذي البرهان فانظر إلى تفسيره بتدبر وتبصر وتعقل لمعان وانظر إلى ما فيه من أنواع معـ رفة لخالقنا العظيم الشان

стр. 2611

تفسير الرسول لاسم الله (الأول) خير ما يفسر به هذا الاسم والأسماء الثلاثة التي تليه هو تفسير رسول الله ﷺ ؛ لأن رسول الله ﷺ هو أعلم الخلق بالله ، والمعروف أنه إذا صح في تفسير الآية حديث وجب المصير إليه، فقد جاء عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا أخذنا مضجعنا أن نقول: اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شي، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر) رواه مسلم. فالله تعالى هو الأول الذي ليس قبله شيء من الموجودات، فهو المتقدم على كل شيء، فلم يكن معه شيء، كما جاء ذلك في حديث عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض). وقال الطحاوي في عقيدته: (قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء). وشرحه ابن أبي العز فقال: فقول الشيخ: (قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء) هو معنى اسميه الأول والآخر، والعلم بثبوت هذين الوصفين مستقر في الفطر، فإن الموجودات لا بد أن تنتهي إلى واجب الوجود لذاته، قطعاً للتسلسل. يعني: لا بد أن نقول: هناك خالق أول لا ابتداء له، لأننا لو قلنا عقلاً: إنها ترجع إلى خالق، والخالق يرجع إلى خالق خلقه -والعياذ بالله- والخالق الثاني يرجع إلى خالق وهكذا، فإن هذا لن يقف عند حد، بل هذا سيقتضي التسلسل، والتسلسل ممتنع، فلذلك نقول: إن الموجودات لا بد أن تنتهي إلى واجب الوجود لذاته، وهو الذي يوجد غيره ولا يوجده أحد. قال: قطعاً للتسلسل؛ فإنا نشاهد حدوث الحيوان والنبات والمعادن، وحوادث الجو كالسحاب والمطر وغير ذلك، فهذه الحوادث وغيرها ليست ممتنعة. فالله عندما يحدث هذه التغييرات والتقلبات ما بين حر شديد وبرد شديد غيرهما، فإن على الناس أن يتفكروا ويعقلوا أن هذه المحدثات لا بد لها من محدث يغير فيها بقدرته وحكمته، وهو الله ، فالله هو الذي يحدث هذه التغييرات، حتى نلتفت إلى قدرة الله، وإلى وجود الله ، وأنه هو الذي يغير هذه الأشياء شيئاً بعد شيء كما يشاء . فيقول: وهذه الحوادث وغيرها ليست ممتنعة، فإن الممتنع لا يوجد، ولا واجبة الوجود بنفسها، فإن واجب الوجود بنفسه لا يقبل العدم، وهذه كانت معدومة ثم وجدت، فعدمها ينفي وجودها، ووجودها ينفي امتناعها. أي: عدمها ينفي وجودها، فكونها يلحقها العدم معناه أنها ليست واجبة الوجود؛ لأن واجب الوجود لذاته لا يمكن أن يلحقه عدم، فكون هذه المخلوقات يقع عليها العدم هذا ينفي وجودها، ووجودها ينفي امتناعها، ويثبت أنها غير مستحيلة؛ لأن المستحيل لا يوجد. قال: وما كان قابلاً للوجود والعدم لم يكن وجوده بنفسه، كما قال الله : ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]. ونفس هذا الكلام الذي قلناه هو موجود في هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]، أي: هل خلقوا من عدم، أم خلقوا أنفسهم؟! فوجود هذه الأشياء ينفي كونها ممتنعة، وعدمها ينفي كونها موجودة لذاتها، فليس الواجب لذاته إلا لله . وقوله هنا: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]، معناه: هل أحدثوا من غير محدث، أم هم أحدثوا أنفسهم؟! ومعلوم أن الشيء المحدث لا يوجد نفسه، فالممكن الذي ليس له من نفسه وجود ولا عدم، بل إن حصل ما يوجده وإلا كان معدوماً، وكل ما أمكن وجوده بدلاً عن عدمه، وعدمه بدلاً عن وجوده، فليس له من نفسه وجود ولا عدم لازم له.

стр. 2612

حكم تسمية الله بالقديم قال: وقد أدخل المتكلمون في أسماء الله تعالى القديم، وليس هو من أسماء الله الحسنى. والتزام تسميته بالأول هو الموافق للكتاب والسنة واللغة، فالصحيح أننا لا نعبر عن الله باسم القديم، وإنما نعبر عن الله باسمه الأول، وهذا هو الموافق للكتاب والسنة واللغة، قال: فإن القديم في لغة العرب التي نزل بها القرآن هو المتقدم على غيره. فيقال: هذا قديم للعتيق، وهذا حديث للجديد، ولم يستعملوا هذا الاسم إلا في المتقدم على غيره، لا فيما لم يسبقه عدم. يعني: أن كلمة قديم لا تعبر عن الذي لم يسبقه عدم، وإنما الاسم الذي يعبر عما لم يسبقه عدم هو الأول، أما القديم فيعبر عن المتقدم على غيره. قال: كما قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩]، والعرجون القديم هو الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني، فإذا وجد الجديد قيل للأول: قديم، وقال ﵎: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف:١١] أي: متقدم في الزمان. وقد أنكر كثير من السلف والخلف منهم ابن حزم تسمية الرب ﵎ بالقديم، والصواب أن يستعاض عن هذا الاسم بالتسمية الواردة وهي الأول، واتباع ما جاءت به النصوص أولى من اتباع ألفاظ أهل الكلام. أضف إلى ذلك أن التقدم في اللغة مطلق لا يختص بالتقدم على الحوادث كلها، ولا يفيد التقدم على الحوادث كلها إلا اسم الأول، أما من أطلقه من أهل السنة فلعله أطلقه من باب الإخبار عنه ﵎، فباب الإخبار عن الله أوسع مما يدخل في باب الأسماء الحسنى والصفات، كالشيء والموجود والقائم بنفسه ونحوها. كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى، هذا فيما يتعلق بتسمية الله بالأول.

стр. 2613

بيان بطلان التسلسل في الفاعلين ونكمل كلام ابن القيم رحمه الله تعالى فيما يتعلق بهذا الاسم، يقول: وأرشد من بلي بشيء من وسوسة التسلسل في الفاعلين إذا قيل له: هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟! أن يقرأ: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]. كذلك قال ابن عباس لـ أبي زميل سماك بن الوليد الحنفي، وقد سأله: (ما شيء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قال: قلت: والله لا أتكلم به، قال: فقال لي: أشيء من شك، قلت: بلى، فقال لي: ما نجا من ذلك أحد، حتى أنزل الله : ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس:٩٤]، قال: فقال لي: فإذا وجدت في نفسك شيئاً، فقل: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]). فأرشدهم بهذه الآية إلى بطلان التسلسل الباطل ببديهة العقل، وأن سلسلة المخلوقات في ابتدائها تنتهي إلى أول ليس قبله شيء، كما تنتهي في آخرها إلى آخر ليس بعده شيء، كما أن ظهوره هو العلو الذي ليس فوقه شيء، وبطونه هو الإحاطة التي لا يكون دونه فيها شيء، ولو كان قبله شيء يكون مؤثراً فيه لكان ذلك هو الرب الخلاق. ولابد أن ينتهي الأمر إلى خالق غير مخلوق، وغني عن غيره. فإن قيل: هل يوجد خالق يخلقه غيره ف الجواب لا؛ لأنه يكون محتاجاً إليه مفتقراً إليه، فلا يصح أن يكون خالقاً أو إلهاً. قال: ولا بد أن ينتهي الأمر إلى خالق غير مخلوق، وغني عن غيره، وكل شيء فقير إليه، قائم بنفسه، وكل شيء قائم به، موجود بذاته، وكل شيء موجود به، قديم لا أول له، وكل ما سواه فوجوده بعد عدمه، باقٍ بذاته، وبقاء كل شيء به، فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء.

стр. 2614

معنى اسم الله الآخر ونختم الكلام على اسم الآخر، فنقول: الآخر: خلاف الأول، تقول: جاء آخراً، أي: أخيراً، وتقديره: فاعل، والأنثى آخرة، والجمع أواخر، أما الآخَر بالفتح، فهو أحد الشيئين. وورد هذا الاسم الكريم أيضاً في القرآن الكريم مرة واحدة في نفس الآية: (هو الأول والآخر). وأما معناه في حق الله ﵎، فيقول الزجاج: الآخر: هو المتأخر عن الأشياء كلها ويبقى بعدها. يعني: تفنى كل الأشياء ويبقى الله بعدها. وقال الخطابي: الآخر: هو الباقي بعد فناء الخلق، وليس معنى الآخر: ما له الانتهاء، كما ليس معنى الأول: ما له الابتداء، فهو الأول والآخر وليس لكونه أول ولا آخر. وقال البيهقي: الآخر: الذي لا انتهاء لوجوده.

стр. 2615

معاني اسمي الله (الظاهر والباطن) قال تعالى: ﴿وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]. الظهر لغة: خلاف البطن، والظاهر: خلاف الباطن، يقال: ظهر يظهر ظهوراً فهو ظاهر وظهير. والظهير: المعين، ومنه قول الله ﵎: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم:٤]. وبعير ظهير بيُّن الظهارة، إذا كان شديداً قوياً، ومن استعمال الظهير بمعنى المعين قول الله ﵎: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان:٥٥]. وقد سبق أن تكلمنا في تفسير سورة الفرقان، وقلنا: إن معناها وكان الكافر معيناً للشيطان وحزبه من الكفرة على عداوة الله ورسله ليقاتل به -أي: الكافر- في سبيل الشيطان أولياء الله الذين يقاتلون في سبيل الله ﵎. وتقول: ظهرت البيت، أي: علوته، وظهرت على الرجل، أي: غلبته، وأظهرت بفلان، أي: أعليت به، والظهر من الأرض ما غلظ وارتفع، والبطن ما لان منها وسهل ورق واطمأن، وظهر الشيء ظهوراً: تبين، وأظهرت الشيء: بينته. وورد هذا الاسم الكريم في القرآن الكريم مرة واحدة في هذه الآية في سورة الحديد: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]. أما معنى هذا الاسم الشريف في حق الله ﵎ فقال الفراء: الظاهر على كل شيء علماً، وكذلك الباطن على كل شيء علماً. وقال ابن جرير: يقول تعالى: وهو الظاهر على كل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلى منه ﵎. إذاً: هذا أحد معاني الاسم الكريم الظاهر حينما يطلق في حق الله ﵎، فالظاهر معناه: أنه ظاهر على كل شيء علماً، يعلم كل شيء ﵎، وكذلك الباطن على كل شيء علماً، أو الظاهر على كل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلى منه، وهذا مثل اسمه ﵎ الأعلى، فهو سبحانه الأعلى على كل شيء، فله الفوقية المطلقة بكل معانيها. وهناك معنى آخر: أن الظاهر هو الذي ظهر للعقول بحججه وبراهين وجوده وأدلة وحدانيته ، هذا إذا أخذته من الظهور. وإن أخذته من قول العرب: ظهر فلان فوق السطح إذا علا، ومنه قول الشاعر: وتلك شكاة ظاهر عنك عارها فالظاهر أيضاً أنه يثبت لله صفة الظهور بمعنى العلو، فالله يثبت له العلو المطلق من جميع الوجوه، سواء كان علو الذات، أو علو القدر، أو علو الصفات، أو علو القهر. وقال الزجاج: الباطن: اسم الفاعل من بطن، وهو باطن إذا كان غير ظاهر، والظاهر: خلاف الباطن، فالله ظاهر باطن، هو باطن لأنه غير مشاهد كما تشاهد الأشياء المخلوقة. فهو ظاهر بالدلائل الدالة عليه، وبأفعاله المؤدية إلى العلم به ومعرفته، فهو ظاهر مدرك بالعقول والدلائل، وباطن غير مشاهد كسائر الأشياء المشاهدة في الدنيا، عن ذلك وتعالى علواً كبيراً. ويجوز في اللغة أن يكون الباطن العالم بما بطن، أي: بما خفي، كقولك: بطن بفلان، أي: خص به، فعرف باطن أمره، وهؤلاء بطانة فلان، أي: خاصته، فالبطانة هي التي تكون قريبة جداً من الإنسان، فبطانة الإنسان من الرفقاء أو الأصدقاء هو القريب منه بحيث يعرف ما خفي من أسراره. فالباطن هو العالم بما بطن، يعني: بما خفي. والظاهر هو القوي، كقولك: ظهر فلان بأمره فهو ظاهر عليه، يعني: قوي عليه، وتقول: جمل ظهير أي: قوي كبير. وقال الأصمعي: يقال: ظاهر فلان فلاناً على فلان، إذا مالأه عليه. وقال الخطابي: هو الظاهر بحججه الباهرة، وبراهينه النيرة، وبشواهد أعلامه الدالة على ثبوت ربوبيته وصحة وحدانيته، ويكون الظاهر فوق كل شيء بقدرته. فيكون الظهور بمعنى العلو، ويكون أيضاً بمعنى الغلبة. وأما اسمه جل وعلا الباطن، فكما أشرنا آنفاً أن البطن خلاف الظهر، وهو مذكر وتأنيثه لغة، وبطانة الثوب: خلاف ظهارته، والبطنان: جمع البطن وهو الغامض من الأرض، وبطنان الجنة: وسطها، وبطنت الوادي: دخلته، وبطنت هذا الأمر: عرفت باطنه، وبطنت بفلان: صرت من خواصه، وبطانة الرجل: وليجته، وأبطنت الرجل: إذا جعلته من خواصك. واسم الباطن ورد مرة واحدة في هذه الآية الكريمة في سورة الحديد. أما معنى هذا الاسم الشريف من أسماء الله بجانب ما ذكرناه آنفاً، فيقول ابن جرير: هو الباطن لجميع الأشياء، فلا شيء أقرب إلى شيء منه، يعني: أن الله قريب إلى كل شيء، يقول الله : ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]. وقال الزجاج: الباطن هو: العالم ببطانة الشيء، يقال: بطنت فلاناً وخبرته، إذا عرفته ظاهراً وباطناً، فعلى هذا المعنى يكون الله تعالى عالماً ببواطن الأمور وظواهرها، فهو ذو الظاهر وذو الباطن، يعني: يعلم ما ظهر وما خفي. وقال الخطابي: الباطن هو: المحتجب عن أبصار الخلق، وهو الذي لا يستولي عليه توهم الكيفية، فمن أصداء اسم الله الباطن أن تعرف أنه محتجب عن أبصار الخلق، فبالتالي لا يمكن أبداً أن يتوهم أو يتخيل كيف هو. وقد يكون معنى الظهور والبطون: احتجابه عن أبصار الناظرين وتجليه لبصائر المتفكرين. كما ذكر نفس الكلام لكن بعبارة أخرى: أنه باطن؛ لأنه محتجب عن أبصار الخلق، فهم لا يرونه، فلذلك هو باطن، وهو ظاهر؛ لأنه ظاهر بالأدلة على وجوده ووحدانيته وقدرته وعلمه وحكمته، فهو ظاهر لبصائر وعقول المتفكرين، وهو باطن عن عيون المبصرين، فلا يراه أحد في هذه الدنيا. فيكون المعنى: هو العالم بما ظهر من الأمور والمطلع على ما بطن من الغيوب. وقال الحليمي: الباطن: الذي لا يحس، وإنما يدرك بآثاره وأفعاله .

стр. 2616

آثار الإيمان باسمي الله : (الظاهر والباطن) أما آثار الإيمان بهذا الاسم الكريم (الباطن) فهي معرفة أن الله أعظم الغيب: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣]، فأعظم الغيب الذي يغيب عن أبصارنا هو الله . فالغيب هو ما ليس بمحسوس، وإنما يدرك بالحواس دلائل وحدانيته ودلائل قدرته ودلائل وجوده ، لا كما يلهج به بعض الملاحدة في هذا الزمان من قولهم: حدثونا عن العلم ودعوكم من الغيبيات! بل بعضهم يكون أصرح في إلحاده وزندقته فيعبر عن الغيبيات بقوله: خزعبلات! وهذا يقتضي الكفر، فأعظم غيب على الإطلاق هو الله ؛ لأننا لا نشاهده، ولأنه هو الباطن في هذا المعنى، فالله أعظم الغيب، محتجب عن الخلق، لا يراه أحد في الدنيا، ولا تدركه الأبصار في الآخرة. وهناك فرق بين أن نقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، وبين إنكار المعتزلة وأشباههم رؤية الله في الآخرة. لأن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، فمثلاً: -ولله المثل الأعلى- أنت إذا نظرت إلى البحر فليس معنى ذلك أنك أدركت البحر، بمعنى: أحطت به علماً، وهو مخلوق! بل أنت لا ترى إلا ما في السطح الظاهر أمامك فقط، فالله أعظم وأجل وأكبر، قال : ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، ورؤية الله لا تعني الإحاطة به ولا تعني إدراكه، وإنما هي رؤية بدون أن يدرك كنهه ﵎. فالله ﵎ أعظم الغيب محتجب عن الخلق، لا يراه أحد في الدنيا ولا تدركه الأبصار في الآخرة، ولا نحيط بشيء من علمه إلا بما شاء لنا أن نعلمه عنه، مما وصف به نفسه في كتابه، أو ما وصفه به رسوله ﷺ . وهو سبحانه مع كونه الباطن المحتجب عن أبصارنا، فهو مع ذلك ظاهر لخلقه، بأفعاله وآياته المتلوة والعيانية، كما يقول الشاعر معبراً عن هذا المعنى: تأمل سطور الكائنات فإنها من الملأ الأعلى إليك رسائل وقد خط فيها لو تأملت خطها ألا كل شيء ما خلا الله باطل فكل ما تقع عينك عليه هو آية تدلك على الله ، فالله ظاهر، بمعنى: ظهور آيات وحدانيته، ودلائل قدرته وحججه ، فمن تأمل وتفكر في السماوات والأرض وما فيها عَلِم عِلْم اليقين أن لهذا الكون خالقاً مدبراً، قال : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]. وقد أحسن من قال: فيا عجباً كيف يعصي الإله أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد هذا فيما يتعلق بالآيات الكونية؛ لأن هذه الآيات يظهر بها الله ، بمعنى: أنها تكشف لنا قدرة الله وعلم الله وحكمة الله ﵎ ووحدانيته وأنه لا شريك له. وهذه الآيات نوعان: آيات تبصيرية وآيات تنزيلية. أما الآيات التنزيلية فهي الآيات المتلوة في كتاب الله ﵎، فلا شك أن هذه الآيات نفسها تدل على الله ؛ لأنها كلام الله الملك، وكلام الملك هو ملك الكلام، وكل إنسان ينصت يدرك جيداً أن القرآن لا يمكن أن يكون من كلام البشر، فأي إنسان عاقل ومدرك وعنده بصيرة وعلم باللغة العربية وطرائقها فإنه لا محالة يعلم أنه لا يمكن أن يصدر هذا الكلام عن مخلوق، ويستحيل أن يقدر مخلوق على أن يأتي بكلام مثل هذا الكلام. فإعجاز القرآن الكريم ظاهر في أنك إذا أتيت القرآن من أي جهة ومن أي جانب ومن أي زاوية سوف تقطع بأنه كلام الله، ويستحيل أن يكون من كلام البشر. فآيات الله تدل على الله، وتعرفنا بالله ؛ لأن معرفة الله إنما تكون بالتلقي عن طريق الوحي، وأما ما يقوله بعض الناس من أننا عرفنا الله بالعقل، فهذا فيه شيء من التجوز، فنحن نعرفه بالعقل بهذا المعنى الذي ذكرناه، أعني: عن طريق التفكر في الآيات التي تدلنا على وحدانيته وقدرته وحكمته إلى آخره. فأساساً لا يستطيع العقل أن يدرك كنه الله، وهل العقل يمكن أن يدلنا على صفات الذات وصفات الأفعال؟! وهل العقل يمكن أن يدلنا على أسماء الله الحسنى عن طريق الاستنباط؟! الجواب لا، إنما يكون هذا بالتوقيف، بمعنى: أن الوحي الصادق هو الذي يخبرنا بما لا نراه من صفات الله وأفعاله وأسمائه. فالله يعرف بالوحي، أما العقل فنحن نتفكر في آيات الله المخلوقة التي هي آياته التكوينية، والتي حثنا الله على التفكر والتأمل والتدبر فيها، بل أوجب علينا ذلك، كما بينا ذلك مراراً، فهناك آيات تكوينية مبثوثة في السماوات وفي الأرض وفي أنفسنا، وكل شيء تقع عليه عيناك فهو آية من آيات الله، حتى المعجزات الحسية التي أيد بها الأنبياء إنما سميت معجزات لأنها جاءت على خلاف العادة، والعادة في حد ذاتها إذا نظرت فيها وجدت أنها معجزة؛ لأنها تبين لنا قدرة الله ﵎، فمثلاً: خروج الفرخ من البيضة معجزة، لكن لأنها هي الأصل صارت كالأمر العادي، لكن إذا خرق هذا الأصل وهو العادة فهذا هو الذي نسميه معجزة، وذلك من حيث دلالتها على أن الله يؤيد هذا النبي الذي أرسل. فكل ما تقع عينك عليه هو معجزة، قال : ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]، والتأمل في أي شيء يقودك إلى إن له صانعاً مدبراً، وبعض العلماء أجاد في هذا حينما ناظر بعض الملاحدة، حيث قال الملحد: ما هو الدليل على وجود الله؟ فقال له العالم: بل أنت ما هو الدليل على عدم وجود الله؟ فمن حاول أن ينكر وجود الله فإنه لا يستطيع؛ لأن ذلك شيء لا يطاق، فلذلك نحن نعتقد جزماً أن من يدعي أنه لا يقر بوجود الله فهو كاذب في دعواه، فلم يقص القرآن عن أمة واحدة من أمم الكفر أنها أنكرت وجود الله، وإنما كان النزاع في توحيد الإلوهية، أما إقرار وجود الله فهذا لا يستطيع أحد أن ينكره. فهذا ما تيسر من كلام فيه توضيح معاني هذه الأسماء الأربعة الشريفة من أسماء الله الحسنى.

стр. 2617

تفسير سورة الحديد [٤]

стр. 2618

تفسير قوله تعالى: (هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام) قال ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤]. قيل: إن الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض هي من الأيام الإلهية، يعني: أنها من الأيام المقصودة بقوله ﵎: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] وهي أيام الآخرة. وقال بعض العلماء: اليوم هو من طلوع الشمس إلى غروبها، فإن لم يكن شمس فلا يوم. وذكر الله الأيام لتفخيم خلق السماوات والأرض، وإلا فإن الله قادر على أن يخلق كل هذا الوجود بكلمة (كن) فيكون في الحال، بلا أي تراخ زمني على الإطلاق، بل بمجرد أن يأمره الله أن يكون فإنه يكون. وقيل: إن هذه الأيام من أيام الدنيا، قال مجاهد وغيره: أولها الأحد وآخرها الجمعة، وذكر هذه المدة، ولو أراد خلقها في لحظة لفعل؛ إذ هو القادر على أن يقول لها: (كوني) فتكون، ولكنه أراد أن يعلم العباد الرفق والتثبت في الأمور. يعني أن الله ذكر هذه المدة التي هي ستة أيام خاصة، سواء قلنا: ستة أيام من أيام الآخرة كما في قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]، أو كانت ستة أيام من أيام الأسبوع مع قدرته على أن يخلقها بكلمة (كن) في الحال بلا أي تراخ، لكنه شاء أن يخلقها في ستة أيام. أي: لكي يتمهل الإنسان ويتثبت. وحكمة أخرى: أنه خلقها في ستة أيام؛ لأن كل شيء عنده له أجل، وكل شيء له موعد ومما يبين هذا ترك معاجلة العصاة بالعقاب. فبعض الناس قد يستغرب ويقول: هؤلاء الذين يعصون الله من الكفار أو من الفاسقين، لماذا لا يعاجلهم الله بالعقوبة؟ و الجواب أن الله قادر على أن يهلك هذا الوجود في طرفة عين، وأن يوجد من هم أفضل منهم كالملائكة، لكن هذا يتنافى مع حكمة الابتلاء، إذ معنى ذلك أن ننتقل إلى دار الجزاء فوراً، والدنيا ليست هي دار جزاء، وإنما هي دار الابتلاء، فالحكمة من ذلك أن يدرك العباد أن لكل شيء أجله، حتى هؤلاء العصاة أو هؤلاء المحادون لله ورسوله لهم أجل في النهاية، فسوف يأتيهم عذاب الله ، أو يأتيهم الموت، أو يأتيهم ما يشاء الله . وقد قال ﵎: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، أي: من تعب ولا نصب، وهذا رد لقول اليهود لعنهم الله الذين ادعوا أن الله لما خلق السماوات والأرض في ستة أيام تعب والعياذ بالله! فاستراح في اليوم السابع في زعمهم. ومن تأمل الآية وما بعدها، وهو قوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ق:٣٩] يجد أن فيها إشارة إلى أن الرسول ﵊ أُمر أن يصبر على الكفار، وأن يوقن أن أجلهم آتٍ في الوقت الذي حدده الله ، وفي الأجل الذي يشاؤه الله. فكونه أتبع قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] بقوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ق:٣٩]، فيه إشارة لهذا الأجل، خاصة أن هذه الآية جاءت بعد قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ﴾ [ق:٣٦] وحينما أتاهم العذاب، ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [ق:٣٦]، أي: ما كان لهم محيص ولا مهرب، يعني: إذا أتى أجل الله فإنه لا يؤخر أبداً، كما قال تعالى: ﴿إنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [نوح:٤]، فأثبت أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم قال: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ق:٣٩] يعني: لا تجزع، فإذا كنا خلقنا السماوات والأرض في ستة أيام لحكمة أن تعلموا أن لكل شيء أجلاً، فكذلك هؤلاء الكافرون من قريش أو من غيرهم الذين كانوا يحاربون النبي ﵊ ويؤذونه ويعذبون أصحابه ويصدون عن سبيل الله، الواجب أن تصبر على ما يقولون؛ لأن لكل شيء أجلاً، بدليل: أن الله مع قدرته على خلق السماوات والأرض في لحظة واحدة خلقها في ستة أيام حتى تعلموا أن لكل شيء أجلاً، ومن هذه الأشياء التي يكون لها أجل: تأجيل العصاة والكفار وأعداء الدين. قوله: ((ثم استوى على العرش)) قال ابن جرير: أي: هو الذي أنشأ السماوات السبع والأرضين، فدبرهن وما فيهن، ثم استوى على عرشه فارتفع عليه وعلا. وأما كيف استوى؟ فلا يقال لله : كيف! فهذه من آيات الصفات التي نطبق فيها ما قاله السلف رحمهم الله تعالى: أمروها كما جاءت بلا كيف، يعني: نحن نثبت صفة الاستواء، والاستواء هو العلو، أما كيف استوى فلا يمكن أن يعرف أحد كيف استوى الله على العرش، فالله لا يقال له: كيف؛ لأنك لا تكيف الشيء إلا إذا أحطت به. فمثلاً: إذا قلت: طائرة، دبابة، قلم، ولد، بنت، سحاب، فإن من يسمع منها كلمة يكيفها في عقله؛ لأنه رآها من قبل، لكن لو أن طفلاً حديث السن لم يعرف هذه المفردات وقلتها أمامه فهل سيفهمها؟ الجواب لا؛ لأنه لم يرها، ولم يربط بين الاسم والمسمى، فالله -ولله المثل الأعلى- لم يره أحد حتى يكيفه، كما قال سبحانه: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]. فلذلك لا يقال في صفاته وذاته: كيف؛ فلا يعلم كيف الله إلا الله، كما قال جل وعلا: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، وقال سبحانه: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، ولذلك يقول تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤]، ويقول : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، يعني: أننا نثبت له السمع والبصر، لكن هل سمعه كسمعنا؟! الجواب: لا، فسمعنا بآلة، لكن السمع في حق الله لا تعرف له كيفية. فقوله تعالى: ((ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ))، تفسيره قراءته وتلاوته كما جاء بلا كيف.

стр. 2619

الفرق التي ضلت في صفات الله وهنا يضل فريقان: الفريق الأول: المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه، فيقولون: استوى كما تستوي المخلوقات على الكرسي. والعياذ بالله! وهذا ضلال مبين. والفريق الآخر: المعطلة الذين يعطلون الصفات، فيؤولونها أو يحرفونها، كما ذهب بعضهم إلى تأويل (استوى) بمعنى: استولى، وقال: إن قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، يعني: استولى على العرش. فنقول: إذا كان المعنى: استولى على العرش، فهل نازعه أحد فغلبه الله واستولى على العرش؟ معاذ الله! وعلى قولهم يصح أن يقال أيضاً: استوى على الجبال وعلى الكواكب وعلى الأرض بمعنى: أنه استولى عليها، أي: ملك وقهر، فلماذا خص العرش بالذكر؟! ويستدلون ببيت شاعر نصراني هو الأخطل: قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق فيقال لهم: كيف تصرفون ظاهر القرآن الكريم ببيت شعر لنصراني لا يعرف الله؟! وهذا البحث مهم جداً، ويعتبر من أمور العقيدة التي هي في غاية الأهمية، فقضية فوقية الله وعلوه على خلقه هي المسألة التي قال بعض العلماء فيها: قام عليها ألف دليل من القرآن والسنة وأقوال الصحابة رضي الله تعالى عنهم والأئمة من بعدهم. بل حتى الحيوانات والعجماوات، وأهل الجاهلية، فأهل الجاهلية عندهم أشعار تثبت الاستواء على العرش، فهذا الموضوع من الأمور المهمة جداً، ولا بد من أن يصحح كل عقيدته بأن يدرس هذه المسألة دراسة محققة. وأشهر رسالة ألفت في ذلك هي رسالة: الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية، وكان في زمان لابد لأي سلفي أن يقرأ الفتوى الحموية، أما الآن فلا يكون الرجل سلفياً عند بعض الناس إلا إذا أقام الدنيا وأقعدها حول مسائل معدودة، وللأسف هذا هو فهم الكثير من الشباب الآن للسلفية، فيقيمون الدنيا في مسألة الضم بعد الركوع، وهل يشير بأصبعه في التشهد أم لا يشير؟ ونحو ذلك وكذلك مسألة هل تنزل على الركبة، أم تنزل على الكفين؟ ونحن نقول: مثل هذه المسائل تحقق بالأدلة، لكن بحيث لا تستحوذ على قدر من الاهتمام بحيث تكاد تظهر على أنها جواز المرور إلى السلفية، فقد ترى هؤلاء الشباب يخوضون في هذه المسائل وربما تباغضوا وتنافروا بسبب الخلاف فيها، مع أنهم يهملون كثيراً من أصول العقيدة، كهذه القضية. فأنصح الإخوة بدراسة الفتوى الحموية الكبرى، وأيضاً كتاب: مختصر العلو للحافظ الذهبي الذي اختصره العلامة الألباني رحمه الله تعالى.

стр. 2620

ربط صفة الاستواء والمعية بالعلم قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد:٤] يدل على أن صفة الاستواء تربط بصفة العلم؛ حتى يندفع ما قد يتطرق إلى أذهان بعض الناس من أن الآيات تدل على معية الله بذاته لخلقه، خاصة المعية العامة فقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ:٢] يعني: أنه مستوٍ على العرش استواءً يليق بجلاله، ولا يشبه بذلك شيئاً من المخلوقات ومع استوائه على العرش إلا أنه قريب من خلقه فهو معهم بالعلم والسمع والبصر. قوله: (وهو معكم أينما كنتم) ليس معناه أن الله معنا، بمعنى أنه يحل داخل مخلوقاته والعياذ بالله؟ فحاشا وكلا! ومعاذ الله! فالله -بإجماع السلف- بائن من خلقه لا يكون داخل المخلوقات، ولذلك أتبع ذكر الاستواء على العرش بقوله: ((يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ)) يعني: ما يدخل في الأرض من خلقه، والذي يلج داخل الأرض هو الأموات، والبذور، والحيوانات، ((وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا))، كالزروع، ((وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ))، كالأمطار والثلوج والبرد والأقدار والأحكام الإلهية، ((وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا)) أي: من الملائكة والأعمال وغيرها. وقد نبهنا مراراً إلى أن التعبير بالفضاء غير صحيح، فليس هناك فضاء، بل هو مليء، كما قال النبي ﷺ : (ما في السماء موضع أربعة أصابع إلا وفيه ملك يسجد لله ويسبحه). ولكن نستعمل هذا التعبير تجوزاً، أعني: ما يسمى بالفضاء. ومن الحقائق العلمية المعروفة الآن أنه لا يوجد خط مستقيم في الفضاء، ولذلك تجد القرآن يستعمل في ذلك عبارة العروج؛ لأنه لا يوجد خط مستقيم، والدارسون في الهندسة يعرفون ذلك جيداً، فدائماً يعبر عن المشي في الفضاء أو السريان فيه بالعروج كما قال هنا: ((وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا)) أي: من الملائكة والأعمال وغيرها.

стр. 2621

معنى معية الله لخلقه وأقسامها قوله: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)) يعني: هو مستوٍ على العرش وهو معكم أينما كنتم، قال ابن جرير: أي: وهو شاهد عليكم أينما كنتم يعلمكم ويعلم أعمالكم ومتقلبكم ومثواكم، وهو على عرشه فوق سماواته السبع. ونشير إشارة عابرة إلى موضوع المعية، فقد جاءت آيات في القرآن الكريم تدل على أن معية الله خاصة بالمتقين والمحسنين والمؤمنين، كقوله ﵎: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٥]، وهذا خطاب للمؤمنين، فيفهم منه المعية للمؤمنين. وكذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]. وقال تعالى: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، وقال موسى ﵇: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]. وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال:١٢]. وقال تعالى حاكياً عن النبي ﷺ : ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]. في حين جاءت آيات أخرى تدل على أن المعية عامة لكل المخلوقات، كقوله ﵎: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧]، وقال ﵎: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]. وقال تعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف:٧]. وقال : ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس:٦١]. إذاً: هل الآيات التي دلت على أن المعية عامة لكل الناس وكل المخلوقين، تعارض الآيات التي دلت على معية خاصة بالأنبياء والصالحين؟ الجواب لا تعارض؛ وبيان ذلك كما يأتي: أن المعية الخاصة من الله تكون بالنصر والتوفيق والإعانة، وهذه لخصوص المتقين المحسنين، ولذلك نلاحظ أن هذه المعية الخاصة أتت مع الأنبياء والصديقين ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]. ومع الملائكة: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال:١٢]. ومع المؤمنين: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد:٣٥]، ومن أوضح الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]. هذه هي المعية الخاصة بالتوفيق والتسديد والنصر والإعانة. أما المعية العامة فهي المعية بالإحاطة والعلم؛ لأنه تعالى أعظم وأكبر من كل شيء، وهو محيط بكل شيء، فجميع الخلائق في يده أصغر من حبة خردل في يد أحدنا، وله المثل الأعلى، وهذه المعية عامة لكل الخلائق كما دلت عليه الآيات التي ذكرناها.

стр. 2622

لا تعارض بين صفتي: الاستواء والمعية يقول الله ﵎: ((ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ))، هذا يدل على أنه مستو على عرشه، عالٍ على جميع خلقه، وقوله تعالى: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ))، يوهم خلاف ذلك. والجواب عن هذا: أنه تعالى مستو على العرش كما قال بلا كيف ولا تشبيه، استواءً لائقاً بكماله وجلاله، فهو مع جميعهم بالإحاطة الكاملة والعلم التام، ونفوذ القدرة؛ علواً كبيراً، فلا منافاة بين علوه على عرشه ومعيته لجميع الخلائق. ألا ترى -ولله المثل الأعلى- أن أحدنا لو جعل في يده حبة من خردل فحين يمسك حبة الخردل ويقبض عليها بيده، هل يكون الذي يحمل الحبة داخلاً فيها؟ لا يكون في داخلها، وليس داخلاً في شيء من أجزاء تلك الحبة، مع أنه محيط بجميع أجزائها، وأنه مع جميع أجزائها! وكذلك السماوات والأرض ومن فيهن، إن هي في إلا كحبة خردل في يد أحدنا، وله المثل الأعلى ، فهو أقرب إلى الواحد منا من عنق راحلته، بل من حبل وريده مع أنه مستو على عرشه لا يخفى عليه شيء من عمل خلقه جل وعلا.

стр. 2623

كلام ابن القيم على صفة المعية يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧]، إلى آخره، فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية؛ لأن علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل في القرآن قالوا في تأويل هذه الآية: هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله. أيضاً بالنسبة لآيات الأسماء والصفات فإن ظاهرها هو الذي يليق بالله ، ولا نحتاج للتعطيل، لكن المؤولة وقعوا في خطأ: وهو أنهم بمجرد أن سمعوا آيات الصفات مثل آيات الاستواء على العرش، أول ما تبادر إلى ذهنهم أنه يشبه أفعال المخلوقين، فوقعوا في التشبيه، والتشبيه يؤدي إلى النفور، وبالتالي هربوا من التشبيه إلى التعطيل! فالمعطلة في البداية قالوا: إن ظاهر آيات الصفات لا يليق بالمخلوقين، وأما أهل السنة فقالوا: إن ظاهر آيات الصفات هو ما يليق بالخالق، فيكفي أن نفوض علم الكيفية للخالق، فالله له صفات كمال وجمال وجلال، لا يشبهه فيها أحد على الإطلاق؛ لأنه ليس كمثله شيء، فنقول: نثبتها كما جاءت بلا كيفية. أما التأويل فهو فرع عن التكذيب، لأنك إذا أولت فإنك تكون قد ألغيت وعطلت صفة من صفات الله . يقول ابن القيم: فإن قيل: كيف تصنعون بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]؟ الجواب أن في الآية قولين: الأول: أن قربه بعلمه، ولهذا قرن علمه بوسوسة نفس الإنسان: (ونعلم ما توسوس به نفسه) يعني أقرب بعلمنا. القول الثاني: نحن أقرب إليه بملائكتنا. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى؛ لأن في القرآن آيات كثيرة دلت على أن الملائكة يحضرون الإنسان عند الموت، مثل قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال:٥٠]، وكذلك قوله ﵎: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥]، يعني: ملائكتنا، والله قد قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢٠]، وهذا الرسول هو جبريل ﵇، فنسب القرآن إلى جبريل على أنه الذي قاله، مع أنه قاله على سبيل التبليغ، وقال الله ﵎: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف:٣]، والذي قصه مباشرة على النبي ﵇ هو الملك جبريل تبليغاً عن الله، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٨]، والذي قرأه جبريل تبليغاً، لكن الكلام من الله ، فنسب إليه لأنه قرأه بأمر الله . على كلٍ فإن موضوع الكلام في آيات الصفات موضوع مهم في الحقيقة، لكن نكتفي الآن بهذه الإشارة.

стр. 2624

كلام شيخ الإسلام ابن تيمية على صفة المعية يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: لفظ المعية في سورة الحديد والمجادلة في آيتيهما ثبت تفسيره عن السلف بالعلم، قالوا: هو معهم بعلمه، وقد ذكر الإمام ابن عبد البر وغيره أن هذا إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولم يخالفهم أحد يعتد بقوله. وهو مأثور عن ابن عباس والضحاك ومقاتل بن حيان وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وغيرهم. قال ابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية: هو على العرش وعلمه معهم. وهكذا عمن ذكر معه وقد بسط الإمام أحمد الكلام على المعية في الرد على الجهمية. يعني: فالسلف ما تكلموا في موضوع الصفات بالطريقة التي وجدت فيما بعد، لكن السبب والمسئول عن ذلك أهل البدع؛ لأنهم هم الذين أنشئوا الكلام ببدعهم، فاضطر العلماء للكتابة وللرد كما فعل الإمام أحمد، وكما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما من أئمة السلف، فإذا كنا نحن في واقع مثل واقع السلف فالأصل ألا نتكلم، لكن إذا كنا محاطين بالشبهات من كل جانب بمذهب الأشاعرة وتأويلاتهم، فنحن نضطر لأن نتعلم ما يدفع عنا شبهات أهل البدع. يقول: ولفظ المعية في كتاب الله جاء عاماً كما في هاتين الآيتين، وجاء خاصاً كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، وقوله: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، فلو كان المراد بذاته مع كل شيء؛ لكان التعميم يناقض التخصيص. يعني: أن آيات المعية العامة تتعارض مع الآيات التي تفيد المعية الخاصة، وقد بين أن هذا التعارض إنما يكون إذا قيل إنها معية بالذات، وقد بين ذلك فقال: فإنه قد علم أن قوله: (لا تحزن إن الله معنا)، أراد به تخصيصه وأبا بكر دون عدوهم من الكفار. يعني: هل يفهم أحد من قوله ﵊ في حديث الغار: لا تحزن إن الله معنا، أن الله مع الرسول ﵇ وأبي بكر وأبي جهل وكفار قريش ممن كانوا خارج الغار؟ لا. لأن هذه معية خاصة بالنبي ﵇ وأبي بكر رضي الله تعالى عنه. يقول: كذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، لا شك أن هذه معية خصهم بها دون الظالمين والكفار. كما أن لفظ المعية لم يرد في لغة العرب ولا في شيء من القرآن ويراد به اختلاط إحدى الذاتين بالأخرى. يعني أن بعض الناس يقول: إن المعية معناها أن الله موجود في كل مكان، وللأسف الشديد أنهم يقولون ذلك عن غفلة وجهل، وهذا انحراف في العقيدة، فإن الله بائن من خلقه، بل نحن ننكر على النصارى زعمهم أن الله حل في بدن المسيح أو أن الله حل في مريم، فكيف نقول إن الله يحل في كل الأماكن أو أن الله موجود في كل مكان؟ هذا من الجهل بالله ، ونسبة ما لا يليق به إليه، لأن ذلك يقتضي أنه يوجد في أماكن النجاسات وفي غيرها من الأماكن التي لا تليق به، فالله بإجماع السلف بائن من خلقه، لا يحل في شيء من خلقه ﵎. والمعية في لغة العرب وفي لغة القرآن لا يراد بها اختلاط إحدى الذاتين بالأخرى، فحينما يقول الله مثلاً: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح:٢٩]، هل المعية تفيد اختلاط ذات النبي ﵇ بذوات الصحابة؟ لا. بل كل واحد له ذاته! وقال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١٤٦]، وقال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]، وقال: ﴿وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ﴾ [الأنفال:٧٥]، ومثل هذا كثير؛ فامتنع أن يكون قوله: (وهو معكم)، يدل على أن ذاته مختلطة بذوات الخلق. وأيضاً: فإنه افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم، فكان السياق يدل على أنه أراد أنه عالم بهم، فكون الله تعالى مع العباد لا يتنافى مع علوه على عرشه، ويكون حكم معيته في كل موطن بحسبه، فمع الخلق كلهم بالعلم والقدرة والسلطان، ويخص بعضهم بالإعانة والنصر والتأييد.

стр. 2625

كلام ابن قدامة على صفة المعية ورده على المؤولة قال الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه ذم التأويل: فإن قيل: قد تأولتم آيات وأخباراً. وهذه شبهات يتواصى بها أهل البدع جيلاً بعد جيل، يقولون: أنتم تحاربون التأويل وأنتم تؤولون؛ كما قال: فإن قيل: قد تأولتم آيات وأخباراً، فقلتم في قوله تعالى: (وهو معكم أينما كنتم)، أي: معكم بالعلم، ونحو هذا من الآيات والأخبار، فيلزمكم ما لزمنا. أي أن أهل البدع يقولون: أنتم تحرمون علينا التأويل وتحلونه لأنفسكم، أولتم هذه الآية؛ فيلزمكم ما يلزمنا؛ فكما أولتم فنحن أيضاً نؤول، وبدلاً من أن نقول: الرحمن على العرش استوى، نقول: الرحمن على العرش استولى، واليد هي القدرة؟ قال ابن قدامة: قلنا: نحن لم نتأول شيئاً، وحمل هذه اللفظات على هذه المعاني ليس بتأويل؛ لأن التأويل صرف اللفظ عن ظاهره، وهذه المعاني هي الظاهر من هذه الألفاظ، بدليل أنه المتبادر إلى الأفهام منها، وظاهر اللفظ هو ما يسبق إلى الفهم منه حقيقة كان أو مجازاً، ولذلك كان ظاهر الأسماء العرفية المجاز دون الحقيقة كاسم الراوية والظعينة، وغيرهما من الأسماء العرفية؛ فإن ظاهر هذا المجاز دون الحقيقة، وصرفها إلى الحقيقة يكون تأويلاً يحتاج إلى دليل. وكذلك الألفاظ التي لها عرف شرعي وحقيقة لغوية كالوضوء والطهارة والصلاة والصوم والزكاة والحج، ظاهرها هو العرف الشرعي دون الحقيقة اللغوية، فالعرف في الصلاة ليس الدعاء، إنما الصلاة أفعال مخصوصة بشروط مخصوصة، كذلك الزكاة ليس معناها الطهارة أو التنمية، وإنما هي بمعنى: إخراج قدر مخصوص من المال بشروط مخصوصة آخره، كذلك الصيام، فالعرف الشرعي إذاً يقدم على الحقيقة اللغوية. إذا تقرر هذا: فإن المتبادر إلى الفهم من قولك: إن الله معك، يعني بالحفظ والكلاءة، ولذلك قال الله فيما أخبر عن نبيه: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، وقال لموسى: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، ولو أراد أنه بذاته مع كل أحد لم يكن لهم بذلك اختصاص؛ لوجوده في حق غيرهم كوجوده في حقهم، ولم يكن ذلك موجباً لنفي الحزن عن أبي بكر ولا علة له؛ فعلم أن ظاهر هذه الألفاظ هو ما حملت عليه، فلم يكن تأويلاً. ثم لو كان تأويلاً فما نحن تأولناه، وإنما السلف رحمة الله عليهم الذين ثبت صوابهم ووجب اتباعهم هم الذين تأولوه. اهـ. وهنا أمر مهم جداً، وقد نبهت عليه مراراً، وهو أنه لابد أن تكون واثقاً من هذه العقيدة؛ لأنها عقيدة مسندة، ونحن دائماً نشجع الإخوة على أن يدرسوا العقيدة من الكتب المسندة، أي: الكتب التي جاءت بالأسانيد، فذكرت فيها الأحاديث النبوية من البخاري ومسلم والترمذي وغيرها، حتى إذا أتى مشغب يقول لك: أنت سني أو وهابي، ويزعم أن ابن تيمية هو الذي اخترع هذا المذهب السلفي في العقيدة، قلت له: لو افترضنا أن ابن تيمية لم يخلق وابن عبد الوهاب لم يخلق، هل كانت ستضيع العقيدة السلفية؟ لا. إن ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهما من الأئمة، هم عبارة عن مجددين، أعادوا لنا السنة، ونفضوا عنها الانحرافات والبدع والأكاذيب، وأحدهم لا ينشئ من عنده مذهباً! فحينما نرفع عقيرتنا بهذه العقيدة الحقة، عقيدة السلف، فهذا كلام مسند، ولذلك ينبغي أن يرتبط الشباب دائماً بكتب العقيدة المسندة ككتاب الإمام اللالكائي أصول الاعتقاد، وكتب السنة، وكلمة السنة معناها العقيدة والتوحيد، وهناك الكثير جداً من الكتب التي تحمل هذا الاسم مثل: السنة لـ ابن أبي عاصم وغيره؛ بمعنى العقيدة. فـ شيخ الإسلام لم يكن له فضل الإنشاء، وما أحدث ولا ابتدع؛ ولذلك تحدى مخالفيه وأعطاهم مهلة، فقال: ائتوني بكلمة واحدة تخالف ما أقوله، وكان حينها في المحنة بسبب الفتوى الحموية الكبرى، فتحدى جميع الأشاعرة، وقال: ائتوني بكلمة واحدة مما في عقيدتي تخالف ما كان عليه السلف، وأمهلهم مدة، ولكن ما استجاب أحد للتحدي. أقول: إن أعظم مديح مدحت به العقيدة السلفية هو ما أتى في صورة الذم من بعض الفقهاء المعاصرين المشهورين، وهو الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله تعالى وعفا عنه؛ لأنه كان مخالفاً للعقيدة السلفية، بل انتصر لعقيدة المعتزلة في موضوع خلق القرآن ضد الإمام أحمد، عفا الله عنه وسامحه، لكن نقول: رام نفعاً فضر من غير قصد ومن البر ما يكون عقوقا ففي كتابه عن تاريخ المذاهب الإسلامية، لما تكلم في تاريخ المذاهب السياسية والعقائدية، قال تحت عنوان السلفيين: (جاء هؤلاء السلفيون وأرادوا أن يعودوا بالعقيدة وفي فهم العقيدة إلى الكتاب والسنة ويتركوا كلام الفلاسفة وعلم الكلام، ويهجروا الأدلة العقلية، ويقتصروا في فهم العقيدة على الكتاب والسنة)، أقول: هذه أعظم عبارة قرأتها فيها مدح للعقيدة السلفية على يد من كان خصماً لها، سامحه الله وعفا عنه. الشاهد: أن هذا الكلام هو أقصى ما يأخذونه علينا، بل هذا أقصى ما نأخذه عليهم: أنهم يضعون بجانب القرآن والسنة بفهم السلف كلام أخراق المعتزلة والفلاسفة وأهل الكلام. ثم يقول ابن قدامة: لو كان تأويلاً فما نحن تأولناه، وإنما السلف رحمة الله عليهم الذين ثبت صوابهم ووجب اتباعهم هم الذين تأولوه، فإن ابن عباس والضحاك ومالكاً وسفيان وكثيراً من العلماء قالوا في قوله: (وهو معكم)، أي: علمه. ثم قد ثبت في كتاب الله، والمتواتر عن رسول الله ﷺ ، وإجماع السلف: أن الله تعالى في السماء على عرشه، وجاءت هذه اللفظة مع قرائن محفوفة بها دالة على إرادة العلم منها. وقولنا: إن الله في السماء، بمعنى: فوق السماء، وقوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة:٢] أي: على ظهر الأرض، لا أن نسيح داخل الأرض ونخترقها، وقوله: ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]، أي: على ظهرها، وليس في داخل جذوع النخل، فـ (في) بمعنى: على وفوق، والسماء هنا المراد بها العلو. يقول: جاءت هذه اللفظة -لفظة المعية- مع قرائن محفوفة بها دالة على إرادة العلم منها، وهو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧]، فبدأت بالعلم وانتهت بالعلم مع المعية، إشارة إلى أن هذا العلم بالمعية. ثم سياقها لتخويفهم بعلم الله تعالى بحالهم، وأنه ينبئهم بما عملوا يوم القيامة، ويجازيهم عليه، وهذه القرائن كلها دالة على إرادة العلم. فقد اتفقت فيها هذه القرائن ودلالة الأخبار على معناها، وما قاله السلف وتأويلهم، فكيف يلحق بها ما يخالف الكتاب والأخبار ومقالات السلف؟ فهذا لا يخفى على عاقل إن شاء الله تعالى، وإن خفي فقد كشفناه وبيناه بحمد الله تعالى. ومع هذا لو سكت إنسان عن تفسيرها وتأويلها لم يخرج ولم يلزمه شيء، فإنه لا يلزم أحداً الكلام في التأويل إن شاء الله تعالى. ثم يقول الله تعالى: ((وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ))، يعني: سيجازيكم عليه.

стр. 2626

تفسير سورة الحديد [٧ - ١٥]

стр. 2627

تفسير قوله تعالى: (آمنوا بالله ورسوله) قال الله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد:٧]. قوله تعالى: ((آمنوا بالله ورسوله))، أي: آمنوا الإيمان اليقيني ليظهر أثره عليكم، والخطاب هنا للمؤمنين، وجاء أصرح من ذلك في قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء:١٣٦]، فكيف يكونون مؤمنين ثم يخاطبون بالإيمان؟ قال بعض العلماء: إذا قلنا: إنه خطاب للمؤمنين؛ فيكون المراد الثبات على الإيمان إلى الوفاة. أو كما قال القاسمي رحمه الله تعالى يعني: آمنوا الإيمان اليقيني الكامل الذي يظهر أثره عليكم، فيسهل عليكم الإنفاق من مال الله الذي مولكم إياه. يعني: فالنفس لا تطاوع الإنسان على أن ينفق النفقة التي يبتغي بها وجه الله سبحانه إلا إذا كان مؤمناً بالله وموقناً بحسن عاقبته وثوابه وجزائه عند الله، فإنه يعرف أن هذا المال ليس غائباً وإنما هو المال الباقي، فما أنفقه الإنسان في سبيل الله هو الذي يبقى له، أما الذي يأكل به ويشرب فهذا هو الذي يضيع منه، يقول الله تعالى عنه: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦]، فالإيمان هو الدافع، أو هو اليقين في ثواب الله ، وهو الذي يدفع الإنسان إلى النفقة. ومما يعظم أيضاً شأن النفقة هنا: أن الله قرن الأمر بالإيمان بالأمر بالإنفاق؛ فدل على فضل النفقة، وعظم موقعها عند الله ﵎. ((مما جعلكم مستخلفين فيه))، أي: بتمكينكم وإقداركم على التصرف فيه بحكم الشرع؛ إذ الأموال كلها لله ، واختصاص نسبة التصرف إنما هو بحكمه في شريعته. وقال الشهاب: الخلافة إما عمن له التصرف الحقيقي، وهو الله . يعني: إما أن المعنى أننا مستخلفون عن المالك الحقيقي للمال، بل لكل ما في السماوات وما في الأرض، وهو الله . قال: عمن سبقكم الذين كان المال في أيديهم يتصرفون فيه، ثم آل إليكم بصورة أو بأخرى، إما بالميراث وإما بالهبة أو غيرها من طرق كسب المال المشروعة. فمعنى الخلافة في قوله تعالى: ((وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه)): إما أنها عمن له التصرف الحقيقي وهو الله ؛ وهذا يناسب قوله في أول السورة: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ﴾ [الحديد:٢]، فالخلافة عن الله الذي له التصرف الحقيقي والذي له ملك السماوات والأرض. أو يكون المراد: جعلكم مستخلفين عمن تصرف فيها قبلكم ممن كانت في أيديهم فانتقلت إليكم. وعلى كل ففيه حث على الإنفاق، وتسهيل لأمره؛ لأن طبيعة النفوس أنها تشح في النفقة، كما قال الله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:١٢٨]، فالله يسهل على المؤمنين أمر الإنفاق وأمر الجود بهذا المال، فبين لهم أهمية الإنفاق فربطه بالإيمان: ((آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا))، ليس من مالكم ولكن من مال الله الذي آتاكم، كما قال في آية أخرى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣]. وموضع العبرة هنا لتسهيل الإنفاق أن هذا المال كما لم يدم في أيدي من قبلكم فلن يدوم في أيديكم، فإما أن ينتقل عنكم وإما أن تنتقلوا عنه، وهنا مما يهون أن ينفق الإنسان المال. فمن الجهة الأولى إذا قلنا: إن الخلافة عن الله الذي له التصرف الحقيقي والذي له ملك السماوات والأرض، فهذا تسهيل للإنفاق؛ لأن الإنسان إذا أذن له في الإنفاق من ملك غيره، فلا شك أنه يسهل عليه أن يخرج؛ فلو وكلت من قبل شخص وكنت مسئولاً عن خزانة أمواله، فقال لك: أخرجها أنت فيما شئت، وقد أذنت لك بالتصرف فيها كما شئت، فلا شك أنه يسهل عليك الإعطاء حينئذٍ ويسهل عليك تكثير النفقة! وهذه من المعاني النفسية الدفينة في طبيعة الإنسان؛ فانظر كيف يهون الله على الإنسان الإنفاق! يقول القاسمي رحمه الله تعالى: وعلى كل ففيه حث على الإنفاق وتهوين له، أما على الأول فظاهر؛ لأنه أذن له في الإنفاق من ملك غيره، ومثله يسهل إخراجه وتكثيره. وأما على الثاني فلأن هذا المعنى يذكر الإنسان أنه ما دام أن المال لم يبق لمن قبله فإنه لا يدوم له أيضاً، فيسهل عليه الإخراج. وما المال والأهلون إلا ودائع ولا بد يوماً أن ترد الودائع

стр. 2628

تفسير قوله تعالى: (وما لكم لا تؤمنون بالله) قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٨ - ٩]. ((وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)) أي: وما يصدكم عن الإيمان بالله وقد ظهرت دواعيه واتضحت سبله لذويه. ((وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ))، والرسول ﷺ يدعوكم بطريق النظر والتفكر إلى الإيمان بالذي رباكم بنعمه، وصرفكم بآلائه؛ فوجب عليكم شكره. ((وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ)) بالإيمان إذ ركب فيكم العقول، ونصب الأدلة، ومكنكم من النظر بل أودع في فطركم ما يضطركم لذلك إذا نبهتم، وقد حصل ذلك بتنبيه الرسول؛ فما عليكم إلا أن تأخذوا سبيله فطرة الإيمان، وهي موجودة وكامنة في قلب كل إنسان، حتى إذا ما علتها الأغشية أو الصدأ فإن التنبيه من الرسول ودعوته إياكم من شأنها أن تنبهكم إلى هذا الرصيد الباقي في نفوسكم من فطرة الإيمان والتوحيد. ((إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)) يعني: إن بقي نور الفطرة والإيمان الأزلي فيكم، وإن بقي فيكم نور الفطرة الذي جبلكم الله عليه؛ فإن دعوة الرسول تأتي بنور على نور، نور الفطرة مع نور الوحي فينبهكم ويحثكم على الإيمان. ((هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ))، أي: حججاً واضحة وبراهين قاطعة. ((لِيُخْرِجَكُمْ)) أي: ليخرجكم الله، أو ليخرجكم عبده الرسول ﵌ بآيات الله ((مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ))، أي: من ظلمات الجهل والكفر والأهواء المتضادة إلى نور الهدى واليقين الذي تشعر به النفوس، وتطمئن به القلوب. ((وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ))، أي: في إنزاله الكتب وإرساله الرسل لهدايتكم، إزاحة للعلل، وإزالة للشبه. ولما كان إنزال هذه السورة للأمر بالإنفاق في سبيل الله والترغيب فيه؛ أكثر الله من ذكره في ضروب من البيان وفنون من الأحكام، ولذلك قال الله ﵎ بعد أن أمرهم بالإيمان: ((وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول)) أي: وقد توافرت الدواعي التي تؤزكم أزاً على هذا الإيمان. وإن كان قد قال: ((وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه))، فقد قال أيضاً: ((وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ))، أي: يرث كل شيء فيهما ولا يبقى لأحد مال، وإذا كان كذلك فما أجدر أن ينفق المرء في حياته، ويتخذه له ذخراً يجده بعد مماته و: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، فإذاً علام البخل ولله ميراث السموات والأرض، أي: يئول إليه كل ما في السماوات والأرض، فلماذا تضنون بما هو زائل عنكم لا محالة؟ يقول الشهاب رحمه الله تعالى: هذا من أبلغ ما يكون في الحث على الإنفاق؛ لأنه قرنه بالإيمان أولاً لما أمرهم به، ثم وبخهم على ترك الإيمان في قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ مع سطوع براهينه، ووبخهم أيضاً على ترك الإنفاق في سبيل من أعطاه لهم ((وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله)) أي: لماذا لا تنفقون في سبيل الله المال الذي آتاكم الله إياه، فالله سبحانه هو الذي آتاكم هذا المال وأمركم بإنفاقه؟ فهذا توبيخ على ترك الإنفاق في سبيل الله الذي أعطاهم هذا المال مع أنهم على وشك الموت، وعدم بقائه لهم إن لم ينفقوا، كما يقول العامة: إن الأكفان لا جيوب لها، وإن أغنى أغنياء الأرض لن يدفن بأمواله وبذهبه؛ فلابد أن يترك المال أو يتركه المال. وقد يصيبه الفقر كما يحصل لكثير من الناس، فمالك هو ما أنفقت وما قدمته بين يديك، ومال وارثك هو ما خلفت، وسبيل الله كل خير يوصلهم إليه. وقوله: ((ومالكم ألا تنفقوا في سبيل الله)) عام يشمل كل خير يوصل الناس إلى الله ، فهو أعم من الجهاد وغيره، وقصر بعضهم إياه على الجهاد؛ لأنه فرضه الأكمل، ولأنه النوع الأكمل الذي ينطبق عليه قوله: ((في سبيل الله)) من باب قصر العام على أهم أفراده وأشملها، فهو عام يراد به الخصوص؛ باعتبار أن هذا الخاص هو أهم أفراد هذا العام، لا سيما وسبب النزول كان للنفقة في سبيل الله في الجهاد. ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ))، والفتح يراد به فتح مكة أو صلح الحديبية، وهناك ارتباط وثيق بين فتح مكة وصلح الحديبية؛ لأن صلح الحديبية هو الفتح الأعظم، وهو الذي مهد لكل ما تلاه من فتوحات، كفتح خيبر وفتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجاً؛ لأن صلح الحديبية أوقف الصراع المسلح مع المشركين، ثم إن المشركين بدءوا يعملون عقولهم ويستمعون للأدلة ويقتنعون بالإسلام؛ فمن ثم دخل الناس في دين الله أفواجاً ببركة هذا الفتح الأعظم. إذاً: الفتح المبين الذي ورد في أول سورة الفتح إنما هو فتح الحديبية، ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١]، فقوله تعالى: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ))، يعني: أنفق وقاتل لتعلو كلمة الحق، وجاهد في سبيل الله بماله وبنفسه، فلا يستوي هؤلاء ومن أنفق من بعد وقاتل في حال قوة الإسلام وعزة أهله، فكانت شدة الحاجة إلى نصرة الدين والتضحية في سبيله في ذلك الوقت أعظم وأشد، بخلاف ما بعد الفتح من كثرة الناس الذين دخلوا في دين الله أفواجاً، فحذف الثاني لوضوح الدلالة عليه؛ فإن الاستواء لا يتم إلا بذكر شيئين. فنقول: لا يستوي من فعل كذا ومن فعل كذا، لكن حذف الثاني هنا لدلالة السياق عليه، أو لوضوح الدلالة عليه: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ)) وتكون تقدير الكلام: لا يستوي هو ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل، لكن حذف لوضوح الدلالة عليه؛ على أنه أشير إليه بقوله مستأنفاً عنهم زيادة للتنويه بهم: ((أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا))، فبهذا يفهم المحذوف من سياق العبارة السابقة، وهي قوله تعالى: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ))) أي: مع الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا. ((أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا))، أي: لعظم موقع نصرة الرسول ﷺ بالنفس وإنفاق المال في تلك الحال، وفي المسلمين قلة وفي الكافرين شوكة وكثرة عدد؛ فكانت الحاجة إلى النصرة والمعاونة أشد بخلاف ما بعد الفتح؛ فإن الإسلام صار في ذلك الوقت قوياً والكفر ضعيفاً، ويدل عليه قوله ﵎: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠]، وقال ﷺ : (لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه)، وهذا فيه نهي عن سب الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وإيذان برعاية حرمتهم، ولذلك قال النبي ﷺ : (من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين). وهذه الآية دالة على فضل من سبق إلى الإسلام وأنفق وجاهد مع الرسول ﵌، فهنا مراعاة الأولية والأسبقية في الأعمال الصالحة، وفي بعض الأحاديث في مراعاة أولويات الإمامة في الصلاة، قال (فإن كانوا في السن سواءً فأقدمهم هجرة)، وهذه إشارة إلى نوع من السبق. وقال في الإكليل: في الآية دليل على أن للصحابة مراتب، وأن الفضل للسابق. فللصحابة مراتب، ولابد أن يشكل هذا جزءاً من اعتقادنا، ولذلك نجد مسألة الإيمان بفضل الصحابة ومراعاة حرمتهم وترتيبهم في الأفضلية مما ينص عليه في كل كتب العقيدة السلفية، وسبق أن نبهنا أن بعض كتب العقيدة كشرح الطحاوية لا تستوعب كل مسائل الإيمان والعقيدة، وإن كانت تستوعبها في الغالب وتركز على المسائل التي جرى فيها الخلاف بين أهل السنة ومن خالفهم من الفرق، ولذلك كل مسألة توضع للرد على فرقة انحرفت في هذا الباب بالذات، فمن ذلك نجد الكلام على مكانة الصحابة رضي الله تعالى عنهم وهذا أصل من أصول العقيدة السلفية؛ لأن الصحابة هم شهود الشرع، فإذا فتح باب الطعن في الشاهد؛ فإن ذلك يفتح باب الطعن في المشهود، وهو القرآن الكريم والسنة، لأن الذين نقلوا إلينا القرآن والسنة هم الصحابة، ففتح باب الطعن فيهم حيلة لإبطال دين الإسلام بالكلية، لأن هؤلاء إذا خانوا -كما يقول الشيعة لعنهم الله وقبحهم الله وكما يقول الخميني الهالك وغيره من أعداء الإسلام الذين يدعون الإسلام- فقد بطلت الشريعة. وقد كثر الكلام في الفترة الأخيرة على موضوع الصحابة، وخاصة أن بعض الأشرطة انتشرت لتتكلم عن ذلك بالتفصيل، فسبق أن نبهنا إلى أن عموم الناس بل خواصهم أيضاً ينبغي أن ينشغلوا بدراسة مناقب وفضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، أما إثارة ما شجر بين الصحابة ابتداءً من غير داع يوجب ذلك، فهذا يخالف منهج السلف في أن واجبنا أن نمسك عما شجر بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لكن إذا وجد الإنسان قوماً يكثرون الطعن في الصحابة ويوردون الشبهات على بعض الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم، أو وجد في بعض مناهج التعليم عدوان على بعض الصحابة؛ ففي هذه الحالة ينبغي الرد على هذه الشبهات. ومن الشبهات تفسير الحديث تفسيراً منحرفاً، أو فهم آية وتأويلها تأويلاً لا يتوافق مع عقيدتنا في الصحابة، أو التزوير الذي حصل في التاريخ؛ فحين يتصدى بعض الباحثين لمثل هذه القضية فليبحثها ضوء منهج أهل الحديث وليس منهج المؤرخين، ومنهج أهل الحديث يعنى بصحة السند والمتن وعقيدة السلف، وعندئذ فلا مانع من ذلك لمن تعرض لشيء من الشبهات. كذلك يوجد الآن كتاب قيم في هذا الباب،

стр. 2629

الثمرات المستفادة من الآية فهذه الآية تدل على أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لهم مراتب، وأن ترتيبهم مبني على السبق، فالأسبق أفضل من الذي يأتي بعد ذلك، فالصحابة مراتب، والفضل للسابق إلى الإسلام. وأيضاً هذه الآية تدل على أدب مهم جداً، وهو تنزيل الناس منازلهم، وهذا وإن جاء فيه حديث ضعيف: (أنزلوا الناس منازلهم)، أو: (أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم)، إلا أن نفس معنى هذا الحديث ثابت كما في قوله ﵎: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف:٨٥]، فيؤخذ من الآية معنىً عام: أن من استحق مرتبة معينة فلا ينبغي إنزاله عنها، بل ينزل كل إنسان المنزلة اللائقة به. وأيضاً الآية فيها دليل على أن أفضلية العمل على قدر رجوع منفعته إلى الإسلام والمسلمين، لأن الأجر على قدر النصب، فالإنسان ينبغي أن يتفنن حينما يريد أن ينفق أو يعمل عملاً في سبيل الله، مثلاً: إنسان يريد أن يخرج صدقة جارية، أو أن يعمل عملاً صالحاً، فعليه أن يبحث عن أنفع هذه الأعمال للمسلمين، وللدين، وللدعوة إلى الله ، فيكون فقيهاً إذا أراد أن يتجر مع الله ، وأن يستثمر نفقته في الأعمال الصالحة؛ فينبغي أن يبحث عن السنن الحسنة. والأحوال القلبية لها تأثير خطير جداً في هذا الباب، لحديث: (سبق درهم ألف درهم)، يعني: تصدق بدرهم والآخر تصدق بألف درهم، فارتفع صاحب الدرهم إلى مقام أعلى من الذي تصدق بألف درهم، بسبب الأحوال القلبية، فهذا الرجل الذي تصدق بدرهم ما كان يملك سوى درهمين، فتصدق بدرهم واستبقى لأهله درهماً، أما الآخر فكان رجلاً غنياً ثرياً أتى إلى زاوية وركن في الخزينة وأخذ منها مبلغاً قدره ألف درهم، وهذا شيء صغير في جانب الثروة الكبيرة، فلم يتصدق بنصف ماله، بل بجزء يسير منه، فهذا هو السبب. ثم يقول تعالى: ((أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا)) هنا جاء الاستئناف، حيث كانت الآية التي قبلها ((من قبل الفتح)) قبل: مضاف، والفتح: مضاف إليه، أما (من بعد) في الآية التالية فهي مبنية في محل نصب. قوله تعالى: ((وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) أي بعد أن جاءت المفاضلة من الله بين الطرفين قال: ((وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) أي: وكل واحد من الفريقين وعد الله الحسنى. وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: وإنما نبه بهذا لئلا يهدر جانب الآخر بمدح الأول دون الآخر، فيتوهم متوهم ذمه، فلهذا عطف بمدح الآخر والثناء عليه، مع تفضيل الأول عليه. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، أي: من النفقة في سبيله وجهاد أعدائه وغير ذلك، فيجازيكم على جميع ذلك. قال ابن كثير: أي فلخبرته فاوت بين ثواب من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن فعل ذلك بعد ذلك، وما ذلك إلا لعلمه بقصد الأول وإخلاصه التام، وإنفاقه في حال الجهد والقلة والضيق.

стр. 2630

تفسير قوله تعالى (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات) قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد:١٢ - ١٥]. المقصود بالنور هنا ما كان سبباً لنجاتهم؛ لأنه لو كان نوراً فهذا النور لم يختص بجهة اليمين والأمام دون الشمائل؛ لأن ضياء المؤمنين الذي يؤتونه في الآخرة يضيء لهم جميع ما حولهم، وفي تخصيص الخبر عن سعيه بين أيديهم وبأيمانهم، دون الشمائل ما يدل على أنه معني به غير الضياء وإن كانوا لا يخلون من الضياء؛ فتأويل الكلام إن كان الأمر على ما وصفنا: ((وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) ((يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ))، يعني: يسعى ثواب إيمانهم وعملهم الصالح بين أيديهم، وفي أيمانهم كتب أعمالهم تتطاير، ويعني بقوله: ((يسعى)) يمضي بين أيديهم ((وبأيمانهم)) أي: في أيمانهم. ((بشراكم اليوم جنات)) أي: يقول لهم ذلك من يتلقاهم من الملائكة، بقرينة آيات أخرى توضح أن الملائكة تتلقى المؤمنين يوم القيامة وتبشرهم بالجنة، وهذا كثير جداً في القرآن، أعني تقدير القول، والمعنى: تقول لهم الملائكة الذين يتلقونهم: ((بشراكم)) -أي: المبشر به ((اليوم جنات))، وقد قيل: إن البشارة تكون بالأعيان فلا حاجة لتقديم مضاف تصحيحاً للحمل.
следующие страницы →