Полный текст (3 275 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
تفسير سورة الحديد [٧ - ١٥]
стр. 2627
تفسير قوله تعالى: (آمنوا بالله ورسوله)
قال الله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد:٧].
قوله تعالى: ((آمنوا بالله ورسوله))، أي: آمنوا الإيمان اليقيني ليظهر أثره عليكم، والخطاب هنا للمؤمنين، وجاء أصرح من ذلك في قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء:١٣٦]، فكيف يكونون مؤمنين ثم يخاطبون بالإيمان؟ قال بعض العلماء: إذا قلنا: إنه خطاب للمؤمنين؛ فيكون المراد الثبات على الإيمان إلى الوفاة.
أو كما قال القاسمي رحمه الله تعالى يعني: آمنوا الإيمان اليقيني الكامل الذي يظهر أثره عليكم، فيسهل عليكم الإنفاق من مال الله الذي مولكم إياه.
يعني: فالنفس لا تطاوع الإنسان على أن ينفق النفقة التي يبتغي بها وجه الله سبحانه إلا إذا كان مؤمناً بالله وموقناً بحسن عاقبته وثوابه وجزائه عند الله، فإنه يعرف أن هذا المال ليس غائباً وإنما هو المال الباقي، فما أنفقه الإنسان في سبيل الله هو الذي يبقى له، أما الذي يأكل به ويشرب فهذا هو الذي يضيع منه، يقول الله تعالى عنه: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦]، فالإيمان هو الدافع، أو هو اليقين في ثواب الله ، وهو الذي يدفع الإنسان إلى النفقة.
ومما يعظم أيضاً شأن النفقة هنا: أن الله قرن الأمر بالإيمان بالأمر بالإنفاق؛ فدل على فضل النفقة، وعظم موقعها عند الله ﵎.
((مما جعلكم مستخلفين فيه))، أي: بتمكينكم وإقداركم على التصرف فيه بحكم الشرع؛ إذ الأموال كلها لله ، واختصاص نسبة التصرف إنما هو بحكمه في شريعته.
وقال الشهاب: الخلافة إما عمن له التصرف الحقيقي، وهو الله .
يعني: إما أن المعنى أننا مستخلفون عن المالك الحقيقي للمال، بل لكل ما في السماوات وما في الأرض، وهو الله .
قال: عمن سبقكم الذين كان المال في أيديهم يتصرفون فيه، ثم آل إليكم بصورة أو بأخرى، إما بالميراث وإما بالهبة أو غيرها من طرق كسب المال المشروعة.
فمعنى الخلافة في قوله تعالى: ((وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه)): إما أنها عمن له التصرف الحقيقي وهو الله ؛ وهذا يناسب قوله في أول السورة: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ﴾ [الحديد:٢]، فالخلافة عن الله الذي له التصرف الحقيقي والذي له ملك السماوات والأرض.
أو يكون المراد: جعلكم مستخلفين عمن تصرف فيها قبلكم ممن كانت في أيديهم فانتقلت إليكم.
وعلى كل ففيه حث على الإنفاق، وتسهيل لأمره؛ لأن طبيعة النفوس أنها تشح في النفقة، كما قال الله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:١٢٨]، فالله يسهل على المؤمنين أمر الإنفاق وأمر الجود بهذا المال، فبين لهم أهمية الإنفاق فربطه بالإيمان: ((آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا))، ليس من مالكم ولكن من مال الله الذي آتاكم، كما قال في آية أخرى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣].
وموضع العبرة هنا لتسهيل الإنفاق أن هذا المال كما لم يدم في أيدي من قبلكم فلن يدوم في أيديكم، فإما أن ينتقل عنكم وإما أن تنتقلوا عنه، وهنا مما يهون أن ينفق الإنسان المال.
فمن الجهة الأولى إذا قلنا: إن الخلافة عن الله الذي له التصرف الحقيقي والذي له ملك السماوات والأرض، فهذا تسهيل للإنفاق؛ لأن الإنسان إذا أذن له في الإنفاق من ملك غيره، فلا شك أنه يسهل عليه أن يخرج؛ فلو وكلت من قبل شخص وكنت مسئولاً عن خزانة أمواله، فقال لك: أخرجها أنت فيما شئت، وقد أذنت لك بالتصرف فيها كما شئت، فلا شك أنه يسهل عليك الإعطاء حينئذٍ ويسهل عليك تكثير النفقة! وهذه من المعاني النفسية الدفينة في طبيعة الإنسان؛ فانظر كيف يهون الله على الإنسان الإنفاق! يقول القاسمي رحمه الله تعالى: وعلى كل ففيه حث على الإنفاق وتهوين له، أما على الأول فظاهر؛ لأنه أذن له في الإنفاق من ملك غيره، ومثله يسهل إخراجه وتكثيره.
وأما على الثاني فلأن هذا المعنى يذكر الإنسان أنه ما دام أن المال لم يبق لمن قبله فإنه لا يدوم له أيضاً، فيسهل عليه الإخراج.
وما المال والأهلون إلا ودائع ولا بد يوماً أن ترد الودائع
стр. 2628
تفسير قوله تعالى: (وما لكم لا تؤمنون بالله)
قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٨ - ٩].
((وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)) أي: وما يصدكم عن الإيمان بالله وقد ظهرت دواعيه واتضحت سبله لذويه.
((وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ))، والرسول ﷺ يدعوكم بطريق النظر والتفكر إلى الإيمان بالذي رباكم بنعمه، وصرفكم بآلائه؛ فوجب عليكم شكره.
((وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ)) بالإيمان إذ ركب فيكم العقول، ونصب الأدلة، ومكنكم من النظر بل أودع في فطركم ما يضطركم لذلك إذا نبهتم، وقد حصل ذلك بتنبيه الرسول؛ فما عليكم إلا أن تأخذوا سبيله فطرة الإيمان، وهي موجودة وكامنة في قلب كل إنسان، حتى إذا ما علتها الأغشية أو الصدأ فإن التنبيه من الرسول ودعوته إياكم من شأنها أن تنبهكم إلى هذا الرصيد الباقي في نفوسكم من فطرة الإيمان والتوحيد.
((إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)) يعني: إن بقي نور الفطرة والإيمان الأزلي فيكم، وإن بقي فيكم نور الفطرة الذي جبلكم الله عليه؛ فإن دعوة الرسول تأتي بنور على نور، نور الفطرة مع نور الوحي فينبهكم ويحثكم على الإيمان.
((هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ))، أي: حججاً واضحة وبراهين قاطعة.
((لِيُخْرِجَكُمْ)) أي: ليخرجكم الله، أو ليخرجكم عبده الرسول ﵌ بآيات الله ((مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ))، أي: من ظلمات الجهل والكفر والأهواء المتضادة إلى نور الهدى واليقين الذي تشعر به النفوس، وتطمئن به القلوب.
((وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ))، أي: في إنزاله الكتب وإرساله الرسل لهدايتكم، إزاحة للعلل، وإزالة للشبه.
ولما كان إنزال هذه السورة للأمر بالإنفاق في سبيل الله والترغيب فيه؛ أكثر الله من ذكره في ضروب من البيان وفنون من الأحكام، ولذلك قال الله ﵎ بعد أن أمرهم بالإيمان: ((وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول)) أي: وقد توافرت الدواعي التي تؤزكم أزاً على هذا الإيمان.
وإن كان قد قال: ((وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه))، فقد قال أيضاً: ((وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ))، أي: يرث كل شيء فيهما ولا يبقى لأحد مال، وإذا كان كذلك فما أجدر أن ينفق المرء في حياته، ويتخذه له ذخراً يجده بعد مماته و: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، فإذاً علام البخل ولله ميراث السموات والأرض، أي: يئول إليه كل ما في السماوات والأرض، فلماذا تضنون بما هو زائل عنكم لا محالة؟ يقول الشهاب رحمه الله تعالى: هذا من أبلغ ما يكون في الحث على الإنفاق؛ لأنه قرنه بالإيمان أولاً لما أمرهم به، ثم وبخهم على ترك الإيمان في قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ مع سطوع براهينه، ووبخهم أيضاً على ترك الإنفاق في سبيل من أعطاه لهم ((وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله)) أي: لماذا لا تنفقون في سبيل الله المال الذي آتاكم الله إياه، فالله سبحانه هو الذي آتاكم هذا المال وأمركم بإنفاقه؟ فهذا توبيخ على ترك الإنفاق في سبيل الله الذي أعطاهم هذا المال مع أنهم على وشك الموت، وعدم بقائه لهم إن لم ينفقوا، كما يقول العامة: إن الأكفان لا جيوب لها، وإن أغنى أغنياء الأرض لن يدفن بأمواله وبذهبه؛ فلابد أن يترك المال أو يتركه المال.
وقد يصيبه الفقر كما يحصل لكثير من الناس، فمالك هو ما أنفقت وما قدمته بين يديك، ومال وارثك هو ما خلفت، وسبيل الله كل خير يوصلهم إليه.
وقوله: ((ومالكم ألا تنفقوا في سبيل الله)) عام يشمل كل خير يوصل الناس إلى الله ، فهو أعم من الجهاد وغيره، وقصر بعضهم إياه على الجهاد؛ لأنه فرضه الأكمل، ولأنه النوع الأكمل الذي ينطبق عليه قوله: ((في سبيل الله)) من باب قصر العام على أهم أفراده وأشملها، فهو عام يراد به الخصوص؛ باعتبار أن هذا الخاص هو أهم أفراد هذا العام، لا سيما وسبب النزول كان للنفقة في سبيل الله في الجهاد.
((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ))، والفتح يراد به فتح مكة أو صلح الحديبية، وهناك ارتباط وثيق بين فتح مكة وصلح الحديبية؛ لأن صلح الحديبية هو الفتح الأعظم، وهو الذي مهد لكل ما تلاه من فتوحات، كفتح خيبر وفتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجاً؛ لأن صلح الحديبية أوقف الصراع المسلح مع المشركين، ثم إن المشركين بدءوا يعملون عقولهم ويستمعون للأدلة ويقتنعون بالإسلام؛ فمن ثم دخل الناس في دين الله أفواجاً ببركة هذا الفتح الأعظم.
إذاً: الفتح المبين الذي ورد في أول سورة الفتح إنما هو فتح الحديبية، ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١]، فقوله تعالى: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ))، يعني: أنفق وقاتل لتعلو كلمة الحق، وجاهد في سبيل الله بماله وبنفسه، فلا يستوي هؤلاء ومن أنفق من بعد وقاتل في حال قوة الإسلام وعزة أهله، فكانت شدة الحاجة إلى نصرة الدين والتضحية في سبيله في ذلك الوقت أعظم وأشد، بخلاف ما بعد الفتح من كثرة الناس الذين دخلوا في دين الله أفواجاً، فحذف الثاني لوضوح الدلالة عليه؛ فإن الاستواء لا يتم إلا بذكر شيئين.
فنقول: لا يستوي من فعل كذا ومن فعل كذا، لكن حذف الثاني هنا لدلالة السياق عليه، أو لوضوح الدلالة عليه: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ)) وتكون تقدير الكلام: لا يستوي هو ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل، لكن حذف لوضوح الدلالة عليه؛ على أنه أشير إليه بقوله مستأنفاً عنهم زيادة للتنويه بهم: ((أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا))، فبهذا يفهم المحذوف من سياق العبارة السابقة، وهي قوله تعالى: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ))) أي: مع الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا.
((أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا))، أي: لعظم موقع نصرة الرسول ﷺ بالنفس وإنفاق المال في تلك الحال، وفي المسلمين قلة وفي الكافرين شوكة وكثرة عدد؛ فكانت الحاجة إلى النصرة والمعاونة أشد بخلاف ما بعد الفتح؛ فإن الإسلام صار في ذلك الوقت قوياً والكفر ضعيفاً، ويدل عليه قوله ﵎: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠]، وقال ﷺ : (لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه)، وهذا فيه نهي عن سب الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وإيذان برعاية حرمتهم، ولذلك قال النبي ﷺ : (من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين).
وهذه الآية دالة على فضل من سبق إلى الإسلام وأنفق وجاهد مع الرسول ﵌، فهنا مراعاة الأولية والأسبقية في الأعمال الصالحة، وفي بعض الأحاديث في مراعاة أولويات الإمامة في الصلاة، قال (فإن كانوا في السن سواءً فأقدمهم هجرة)، وهذه إشارة إلى نوع من السبق.
وقال في الإكليل: في الآية دليل على أن للصحابة مراتب، وأن الفضل للسابق.
فللصحابة مراتب، ولابد أن يشكل هذا جزءاً من اعتقادنا، ولذلك نجد مسألة الإيمان بفضل الصحابة ومراعاة حرمتهم وترتيبهم في الأفضلية مما ينص عليه في كل كتب العقيدة السلفية، وسبق أن نبهنا أن بعض كتب العقيدة كشرح الطحاوية لا تستوعب كل مسائل الإيمان والعقيدة، وإن كانت تستوعبها في الغالب وتركز على المسائل التي جرى فيها الخلاف بين أهل السنة ومن خالفهم من الفرق، ولذلك كل مسألة توضع للرد على فرقة انحرفت في هذا الباب بالذات، فمن ذلك نجد الكلام على مكانة الصحابة رضي الله تعالى عنهم وهذا أصل من أصول العقيدة السلفية؛ لأن الصحابة هم شهود الشرع، فإذا فتح باب الطعن في الشاهد؛ فإن ذلك يفتح باب الطعن في المشهود، وهو القرآن الكريم والسنة، لأن الذين نقلوا إلينا القرآن والسنة هم الصحابة، ففتح باب الطعن فيهم حيلة لإبطال دين الإسلام بالكلية، لأن هؤلاء إذا خانوا -كما يقول الشيعة لعنهم الله وقبحهم الله وكما يقول الخميني الهالك وغيره من أعداء الإسلام الذين يدعون الإسلام- فقد بطلت الشريعة.
وقد كثر الكلام في الفترة الأخيرة على موضوع الصحابة، وخاصة أن بعض الأشرطة انتشرت لتتكلم عن ذلك بالتفصيل، فسبق أن نبهنا إلى أن عموم الناس بل خواصهم أيضاً ينبغي أن ينشغلوا بدراسة مناقب وفضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، أما إثارة ما شجر بين الصحابة ابتداءً من غير داع يوجب ذلك، فهذا يخالف منهج السلف في أن واجبنا أن نمسك عما شجر بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لكن إذا وجد الإنسان قوماً يكثرون الطعن في الصحابة ويوردون الشبهات على بعض الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم، أو وجد في بعض مناهج التعليم عدوان على بعض الصحابة؛ ففي هذه الحالة ينبغي الرد على هذه الشبهات.
ومن الشبهات تفسير الحديث تفسيراً منحرفاً، أو فهم آية وتأويلها تأويلاً لا يتوافق مع عقيدتنا في الصحابة، أو التزوير الذي حصل في التاريخ؛ فحين يتصدى بعض الباحثين لمثل هذه القضية فليبحثها ضوء منهج أهل الحديث وليس منهج المؤرخين، ومنهج أهل الحديث يعنى بصحة السند والمتن وعقيدة السلف، وعندئذ فلا مانع من ذلك لمن تعرض لشيء من الشبهات.
كذلك يوجد الآن كتاب قيم في هذا الباب،
стр. 2629
الثمرات المستفادة من الآية
فهذه الآية تدل على أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لهم مراتب، وأن ترتيبهم مبني على السبق، فالأسبق أفضل من الذي يأتي بعد ذلك، فالصحابة مراتب، والفضل للسابق إلى الإسلام.
وأيضاً هذه الآية تدل على أدب مهم جداً، وهو تنزيل الناس منازلهم، وهذا وإن جاء فيه حديث ضعيف: (أنزلوا الناس منازلهم)، أو: (أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم)، إلا أن نفس معنى هذا الحديث ثابت كما في قوله ﵎: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف:٨٥]، فيؤخذ من الآية معنىً عام: أن من استحق مرتبة معينة فلا ينبغي إنزاله عنها، بل ينزل كل إنسان المنزلة اللائقة به.
وأيضاً الآية فيها دليل على أن أفضلية العمل على قدر رجوع منفعته إلى الإسلام والمسلمين، لأن الأجر على قدر النصب، فالإنسان ينبغي أن يتفنن حينما يريد أن ينفق أو يعمل عملاً في سبيل الله، مثلاً: إنسان يريد أن يخرج صدقة جارية، أو أن يعمل عملاً صالحاً، فعليه أن يبحث عن أنفع هذه الأعمال للمسلمين، وللدين، وللدعوة إلى الله ، فيكون فقيهاً إذا أراد أن يتجر مع الله ، وأن يستثمر نفقته في الأعمال الصالحة؛ فينبغي أن يبحث عن السنن الحسنة.
والأحوال القلبية لها تأثير خطير جداً في هذا الباب، لحديث: (سبق درهم ألف درهم)، يعني: تصدق بدرهم والآخر تصدق بألف درهم، فارتفع صاحب الدرهم إلى مقام أعلى من الذي تصدق بألف درهم، بسبب الأحوال القلبية، فهذا الرجل الذي تصدق بدرهم ما كان يملك سوى درهمين، فتصدق بدرهم واستبقى لأهله درهماً، أما الآخر فكان رجلاً غنياً ثرياً أتى إلى زاوية وركن في الخزينة وأخذ منها مبلغاً قدره ألف درهم، وهذا شيء صغير في جانب الثروة الكبيرة، فلم يتصدق بنصف ماله، بل بجزء يسير منه، فهذا هو السبب.
ثم يقول تعالى: ((أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا)) هنا جاء الاستئناف، حيث كانت الآية التي قبلها ((من قبل الفتح)) قبل: مضاف، والفتح: مضاف إليه، أما (من بعد) في الآية التالية فهي مبنية في محل نصب.
قوله تعالى: ((وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) أي بعد أن جاءت المفاضلة من الله بين الطرفين قال: ((وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) أي: وكل واحد من الفريقين وعد الله الحسنى.
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: وإنما نبه بهذا لئلا يهدر جانب الآخر بمدح الأول دون الآخر، فيتوهم متوهم ذمه، فلهذا عطف بمدح الآخر والثناء عليه، مع تفضيل الأول عليه.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، أي: من النفقة في سبيله وجهاد أعدائه وغير ذلك، فيجازيكم على جميع ذلك.
قال ابن كثير: أي فلخبرته فاوت بين ثواب من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن فعل ذلك بعد ذلك، وما ذلك إلا لعلمه بقصد الأول وإخلاصه التام، وإنفاقه في حال الجهد والقلة والضيق.
стр. 2630
تفسير قوله تعالى (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات)
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد:١٢ - ١٥].
المقصود بالنور هنا ما كان سبباً لنجاتهم؛ لأنه لو كان نوراً فهذا النور لم يختص بجهة اليمين والأمام دون الشمائل؛ لأن ضياء المؤمنين الذي يؤتونه في الآخرة يضيء لهم جميع ما حولهم، وفي تخصيص الخبر عن سعيه بين أيديهم وبأيمانهم، دون الشمائل ما يدل على أنه معني به غير الضياء وإن كانوا لا يخلون من الضياء؛ فتأويل الكلام إن كان الأمر على ما وصفنا: ((وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) ((يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ))، يعني: يسعى ثواب إيمانهم وعملهم الصالح بين أيديهم، وفي أيمانهم كتب أعمالهم تتطاير، ويعني بقوله: ((يسعى)) يمضي بين أيديهم ((وبأيمانهم)) أي: في أيمانهم.
((بشراكم اليوم جنات)) أي: يقول لهم ذلك من يتلقاهم من الملائكة، بقرينة آيات أخرى توضح أن الملائكة تتلقى المؤمنين يوم القيامة وتبشرهم بالجنة، وهذا كثير جداً في القرآن، أعني تقدير القول، والمعنى: تقول لهم الملائكة الذين يتلقونهم: ((بشراكم)) -أي: المبشر به ((اليوم جنات))، وقد قيل: إن البشارة تكون بالأعيان فلا حاجة لتقديم مضاف تصحيحاً للحمل.
стр. 2631
تفسير قوله تعالى: (انظرونا نقتبس من نوركم)
((يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ)).
أي: نُصِبْ من نوركم، يقال: اقتبس، إذا: أخذ قبساً وهو الشعلة، وقوله: ((انظرونا))، بمعنى: انظروا إلينا على الحذف والإيصال؛ لأنكم إذا نظرتم إلينا سوف نتمكن من أن نقتبس من نوركم ونصيب منه، والنظر بمعنى الرؤية يتعدى بإلى، فإن أريد التأمل تعدى بفي، وقولهم ذلك إنما هو حينما يساق المؤمنون إلى الجنة زمراً، والمنافقون في العرصات شاخصون إليهم، أو حينما يشرفون من الغرف على المنافقين وهم في ضوضائهم وجلبتهم في جهنم والعياذ بالله، كما قال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠]، فإما أن يحصل هذا عند نهاية الموقف وحينما يساق المؤمنون زمراً: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر:٧٣]، فحينئذ يقول المنافقون والمنافقات: ((انظرونا نقتبس من نوركم)) أي: انظروا إلينا لعلنا نقتبس شعلة من نوركم، أو أنهم يقولون ذلك حينما يراهم المؤمنون ويطلعون عليهم من غرف الجنة، فإن هذا من تمام نعيم أهل الجنة؛ لأنهم عانوا في الدنيا، وكان هؤلاء الناس يؤذونهم ويفتنونهم عن دينهم، وكانوا يغيظونهم ويسخرون منهم، فالجزاء أن الله يجعل العاقبة للمتقين ومن تمام نعيمهم في الجنة أنهم يتمكنون من رؤية أصحاب جهنم والعياذ بالله.
وإذا استطاع الإنسان أن ينقل الصور عن طريق الأجهزة السمعية والبصرية والتلفزيون في الدنيا، أفلا يتمكن الخالق العظيم من هذا؟ إن الله على كل شيء قدير، فهم في الجنة ينظرون إلى أهل النار بل ويخاطبونهم، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠].
تفسير آخر لقوله تعالى: ((انظرونا نقتبس من نوركم)): ((انظرونا))، بمعنى: انتظرونا، وهو الذي عول عليه ابن جرير، والمراد حينئذ من الانتظار للاقتباس هو رجاء شفاعتهم لهم أو دخولهم الجنة معهم طمعاً في غير مطمع، يقولون لهم ذلك حينما يسرع بهم إلى الجنة، فهؤلاء يقولون: انظرونا نقتبس من نوركم؛ لأن المنافقين يحاولون بكل وسيلة في الآخرة للنجاة، لكنهم يطمعون فيما لا مطمع فيه وفيما لا رجاء فيه، ولذلك يجتهدون حيلهم في التخلص مما هم فيه حتى بالقسم الكاذب، كما في سورة الأنعام: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣]، فهم يقولون: إذا كان الحلف الكاذب قد ينجينا فلماذا لا نحاول؟ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣]، وهذا فيه اتهام للملائكة بأنها كتبت عليهم أشياء ما عملوها وافتروا عليهم، فلذلك يستنطق الله جوارحهم ويجعل أنفسهم شهداء عليهم، كما جاء في الأحاديث والقرآن الكريم.
إذاً: فهناك معنى آخر لقوله: (انظرونا) بمعنى انتظرونا نقتبس من نوركم.
стр. 2632
معنى قوله: (قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً)
((قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا))، القائل إما الملائكة أو المؤمنون.
قال الزمخشري: فيه طرد لهم وتهكم بهم، أي: ارجعوا إلى موقف يوم القيامة، إلى حيث أعطينا هذا النور فالتمسوه هناك، فمن ثم يقتبس.
أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا نوراً بتحصيل سببه وهو الإيمان.
وهذا تكليف لهم بالذي لا يكون، ففيه نوع من التهكم بهم، فرجوعهم إلى الدنيا غير مستطاع وهو من المحال.
((فالتمسوا نوراً)) أي: اعملوا أعمالاً صالحة حتى تكون عاقبتكم مثل عاقبة هؤلاء المؤمنين.
((ارجعوا وراءكم)) أي: للدنيا ((فالتمسوا نوراً)) هناك، فإن الدنيا للزرع والآخرة للحصاد، ولا يمكن أبداً رجوعهم، فالآخرة دار جزاء والدنيا دار العمل.
قال الزمخشري: أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا نوراً بتحصيل سببه وهو الإيمان، أو ارجعوا خائبين وتنحوا عنا فالتمسوا نوراً آخر فلا سبيل لكم إلى هذا النور، وقد علموا أن لا نور وراءهم، وإنما هو تخييب وإقناط لهم.
وكلامهم يدل على حمل النور على حقيقته، ولا مانع من أنه نور الإيمان والعمل الصالح، أي: ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا إيماناً وعملاً طيباً يهديكم في الآخرة، كما أن النور يهدي في الظلمات، والأمر هنا للتحسير والتنديم حتى يندموهم على ما كان منهم.
ونقل الرازي عن أبي مسلم أن المراد بقوله تعالى: ((ارجعوا وراءكم)) منع المنافقين عن الاستضاءة فالمؤمنون لهم نور فيقترب منهم المنافقون أو يريدون أن يقتربوا حتى ينتفعوا بالنور، وربما انتفع الإنسان من ضوء مصباح غيره حينما يقترب منه.
قال الرازي: فعلى هذا القول المقصود من قوله: ((ارجعوا)) أن يقطعوا بأنه لا سبيل لهم إلى وجدان هذا المطلوب ألبتة، لا أنه أمر لهم بالرجوع.
стр. 2633
تمايز أهل الجنة وأهل النار وتحاورهم
ثم أشار تعالى إلى امتياز الفريقين في المنازل وتباينهما فيها بقوله : ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُور﴾ أي: لما قال لهم: ((ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً)) أو قالت الملائكة ذلك فضرب بينهم بسور، أي: ضرب بين المؤمنين والمنافقين بحائط متين يحجبهم عن أنوار المؤمنين، ويمنعهم من أن ينتفعوا بالنور الذي يكون مع المؤمنين لتتم ظلمتهم؛ حتى يحجب عنهم النور تماماً، ((لَهُ بَابٌ)): جملة في محل جر صفة لسور، أي: لذلك السور باب لأهل الجنة يدخلون منه، ويرى به المنافقون المؤمنين ليكلموهم، وعندما يدخل المؤمنون لا يستطيع المنافقون أن ينتفعوا بالنور، لكن وهم يمرون يستطيعون أن يحاوروهم من خلال هذا الباب كما سيأتي في المخاطبة والمحاورة بينهم: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الحديد:١٤].
((بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ)) يعني: الجانب الذي يلي المؤمنين فيه الرحمة، وهو جانب الجنة وما فيها من رضوان الله والنعيم المقيم ((وَظَاهِرُهُ))، وهو الذي يلي المنافقين: ((مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ))، أي: من عندهم العذاب، ومن جهته الظلمة والنار.
((يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ))، يريدون أن يحتموا بلا إله إلا الله كما كانوا يحتمون بها في الدنيا، فقد كانت تحميهم في الدنيا بحيث تجري عليهم أحكام الإسلام حينما يأتون بالشرائع الظاهرة متسترين بمظاهر الإسلام، وأما في الحقيقة فهم كفار مكذبون.
((قَالُوا بَلَى))، رد عليهم المؤمنون بقولهم: بلى، وهذا الحوار كله حصل بعد السور، فمعناه أنهم ما زالوا يكلمونهم، ((وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ))، أي: شحنتموها بالنفاق، وأهلكتموها بأن وضعتموها في الفتنة والبلاء، ((وَتَرَبَّصْتُمْ))، أي: تربصتم بالمؤمنين الدوائر ليظهر الكفر فتظهرون ما في أنفسكم، وكنتم تتمنون أن يكون الخسران للمؤمنين، وأن ينتصر الكفار على المؤمنين.
((وَارْتَبْتُمْ)) أي: في توحيد الله ونبوة نبيه ﷺ ، أو: ارتبتم بالبعث بعد الموت، أو: ارتبتم في قول الله : ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣]، ووعده بنصر المؤمنين أو بجميع ذلك من الأشياء المذكورة، سواء التوحيد أو النبوة أو البعث أو وعد الله بنصر دينه على الدين كله.
((وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ))، أي: طول الآمال والطمع في امتداد الأعمار، أو قولهم: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف:١٦٩].
((حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ))، يعني: الموت أو: حتى جاء مصداق وعده بنصره للنبي ﷺ وإظهار دينه، أو: حتى جاء أمر الله بعذاب النار.
((وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ))، أي: الشيطان الذي مناكم بالفوز والغلبة.
((فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا))، هذا من تتمة قول المؤمنين للمنافقين بعد أن ميز بينهم، أي: ذلك اليوم لا يقبل منكم ما يفتدى به بدلاً من عذابكم وعوضاً من عقابكم.
((وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا)) الذين جهروا بالكفر من المحادين لله ولرسوله ﷺ .
((مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ))، أي: هي أولى بكم، أو: تتولاكم كما توليتم موجباتها في الدنيا.
((وَبِئْسَ الْمَصِيرُ))، أي: النار.
стр. 2634
تفسير سورة الحديد [١٨ - ٢٤]
стр. 2635
تفسير قوله تعالى: (إن المصدقين والمصدقات)
يقول الله ﵎: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد:١٨ - ١٩]، أي: لهم ذلك لتصديقهم بجميع أخبار الله وأحكامه، وشهادتهم بحقية جميع ذلك، فكأن الإشارة هنا إلى نوع واحد، فتكون الواو هنا واو العطف، فكأنه إخبار عن الذين آمنوا أنهم هم أنفسهم صديقون وهم أيضاً الشهداء.
يعني: أن المؤمنين يجمعون بين أمرين.
وقوله: ((أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ))، هم صديقون؛ لتصديقهم بجميع أخبار الله وأحكامه.
((وَالشُّهَدَاءُ))، وأيضاً هم أنفسهم الشهداء؛ لشهادتهم بأحقية جميع ذلك، يعني: أحقية أخبار الله وأحكامه.
يقول القاسمي رحمه الله تعالى: وقد جوز في الشهداء وجهان: أحدهما: أن يكون معطوفاً على ما قبله، أخبر عن الذين آمنوا أنهم صديقون شهداء، وهو الظاهر؛ لأن الأصل الوصل لا التفكيك.
فالأصل في الكلام أنه معطوف ومرتبط ببعضه؛ لأننا إذا قلنا بالقول الثاني -كما سيأتي- فيقتضي ذلك تفكيك الكلام، وهذا خلاف الأصل.
إذاً: الوجه الأول في الشهداء: أن يكون معطوفاً على ما قبله، أي: أنه أخبر عن الذين آمنوا أنهم صديقون شهداء، وهو الظاهر؛ لأن الأصل الوصل لا التفكيك.
الوجه الثاني: أن يكون قوله: ((وَالشُّهَدَاءُ)) مبتدأً، وخبره ((لَهُمْ أَجْرُهُمْ)).
والشهداء حينئذ هم الأنبياء الذين يشهدون على قومهم بالتبليغ، أو الذين يشهدون للأنبياء على قومهم؛ لأن الشهداء لهم وظيفة ثانية، أو أن الشهداء هم الذين قتلوا في سبيل الله .
واختار الوجه الثاني ابن جرير رحمه الله تعالى.
قال ابن جرير: لأن الإيمان غير موجب في المتعارف للمؤمن اسم شهيد لا بمعنىً غيره، إلا أن يراد به شهيد على ما آمن به وصدقه، فيكون ذلك وجهاً وإن كان فيه بعض البعد.
يعني: أن ابن جرير يرى أن الراجح أن يكون قوله: ((وَالشُّهَدَاءُ)) مبتدأً، ولا تكون الواو واو عطف.
قال: لأن الوصف بمجرد الإيمان لا يستلزم وصف الشهادة، يعني: ليس كل من استحق اسم الإيمان يستحق أن يوصف بأنه شهيد، إلا أن يكون شهيداً على ما آمن به وصدقه، فقوله: ((وَالشُّهَدَاءُ))، يعني: على أن ما آمنوا به هو حق من عند الله ﵎، وهذا احتمال، لكن فيه بعض البعد على قول الإمام ابن جرير؛ لأن ذلك ليس بالمعروف من معانيه إذا أطلق بغير وصف، كقوله: ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]، فهنا أطلق الشهداء بدون وصف.
فتأويل قوله: ((وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ))، أي: والشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، لهم ثواب الله في الآخرة.
стр. 2636
كلام ابن القيم على آية: (والذين آمنوا بالله ورسوله أولئك هم الصديقون)
يقول القاسمي: ثم رأيت لـ ابن القيم في طريق الهجرتين نصاً لهذين الوجهين في بحث الصديقية، حيث قال ﵀ في: مراتب المكلفين في الآخرة وطبقاتهم: المرتبة الرابعة: ورثة الرسل وخلفائهم من أممهم، وهم القائمون بما بعثوا به علماً وعملاً، ودعوة للخلق إلى الله على طريقهم ومنهاجهم، وهذه أفضل مراتب الخلق بعد الرسالة والنبوة.
ولهذا قرنهم الله في كتابه بالأنبياء فقال : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩]، فجعل درجة الصديقية معطوفة على درجة النبوة، وهؤلاء هم الربانيون، وهم الراسخون في العلم، وهم الوسائط بين الرسول وأمته.
بمعنى: أن العلماء الربانيين العاملين الذين يتصفون بمرتبة الصديقية هم الذين يخلفون الرسول في إقامة الحجة وتبليغ الدين إلى أمتهم.
فهم خلفاؤه وأولياؤه وحزبه وخاصته وحملة دينه، وهم الذين لا يزالون على الحق، ولا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.
وقوله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد:١٩].
يقول ابن القيم: الوقف على قوله: ((أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ))، ثم يبتدأ: ((وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ))، فيكون الكلام جملتين، أخبر في إحداهما عن المؤمنين بالله ورسله أنهم هم الصديقون، والإيمان التام يستلزم العلم والعمل؛ لأنهم إذا آمنوا بالله ورسله الإيمان التام الكامل فإن هذا يستلزم أنهم عالمون عاملون داعون إلى الله ، والإيمان التام يستلزم العلم والإيمان والدعوة إلى الله بالتعليم والصبر عليه.
وأخبر في الثانية أن الشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم، ومرتبة الصديقين فوق مرتبة الشهداء؛ ولهذا قدمهم عليهم في الآيتين.
يعني: أنه هنا في سورة الحديد وفي سورة النساء قدم الصديقين على الشهداء.
وهكذا جاء ذكرهم مقدماً على الشهداء في قول النبي ﵌ لما صعد جبل أحد، وكان معه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، فتزلزل الجبل، فقال النبي ﵊: (اثبت أحد؛ فإنما عليك نبي وصديق وشهيد)، ولهذا كان نعت الصديقية وصفاً لأفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، ولو كان بعد النبوة درجة أفضل من الصديقية لكانت نعتاً له رضي الله تعالى عنه، لكن الواقع أن أفضل وصف وأفضل مرتبة بعد مرتبة النبوة مباشرة هي مرتبة الصديقية، وأفضل الصديقين على الإطلاق هو أبو بكر رضي الله تعالى عنه.
وقيل: إن الكلام جملة واحدة، أي: أخبر عن المؤمنين أنهم هم الصديقون والشهداء عند ربهم، وعلى هذا: فالشهداء هم الذين يستشهدهم الله على الناس يوم القيامة، كما في قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]، فوصفهم بأنهم صديقون في الدنيا وشهداء على الناس يوم القيامة، فهو إخبار عن الذين آمنوا بالله ورسله بأنهم في الدنيا هم الصديقون، وفي الآخرة هم الشهداء عند ربهم، يعني: أنهم في الآخرة سيكونون شهداء على أن الرسل بلغوا أممهم، فيكون الشهداء وصفاً لجملة المؤمنين الصديقين.
وقيل: (والشهداء): هم الذين قتلوا في سبيل الله، وعلى هذا القول يترجح أن يكون الكلام جملتين، ويكون قوله تعالى: ((وَالشُّهَدَاءُ))، مبتدأً خبره ما بعده؛ لأنه ليس كل مؤمن صديق شهيداً في سبيل الله، ويرجحه أيضاً: أنه لو كان (الشهداء) داخلاً في جملة الخبر لكان قوله: ((لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ))، داخلاً أيضاً في جملة الخبر عنهم، ويكون قد أخبر عنهم بثلاثة أشياء: أحدها: أنهم -أي: المؤمنون- هم الصديقون.
الثاني: أنهم هم الشهداء.
والثالث: أن لهم أجرهم ونورهم، وذلك يتضمن عطف الخبر الثاني على الأول، ثم ذكر الخبر الثالث مدرجاً بدون عطف.
وهذا كما تقول: زيد كريم وعالم له مال، كذلك قال هنا: ((أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ)) كقولك: زيد كريم وعالم، ثم قال: ((عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ)).
فهنا عطف الثانية على الأولى، وأتى بالثالثة بدون عطف.
يقول ابن القيم: والأحسن في هذا تناسب الأخبار؛ بأن تجردها كلها من العطف أو تعطفها جميعاً، فتأمله.
فيستبعد ابن القيم رحمه الله تعالى احتمال العطف هنا؛ لأنه لو كان بالعطف سيبقى مثل قولنا: زيد كريم وعالم له مال، والأنسب أن تقول: زيد كريم عالم له مال، أو تقول: زيد كريم وعالم وله مال.
أما ذكر الخبر الثالث مجرداً عن العطف فإنه يكون قولاً مرجوحاً بالنسبة لما ذكرناه.
يقول ابن القيم: ويرجحه أيضاً: أن الكلام يصير جملاً مستقلة قد ذكر فيها أصناف خلقه السعداء وهم الصديقون والشهداء والصالحون.
وهذا الكلام من هذا الإمام من الدقائق الرائعة الرائقة النفيسة.
يعني: أنه يذكر هنا مرجحات كون كل جملة مستقلة، وأنه لا عطف.
وإذا قلنا: إن قوله ﵎: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ)) [الحديد: ١٩]، يصبح هنا الكلام انتهى عن الصنف الأول من أصناف السعداء، وهم الأنبياء، ثم تكلم على الصنف الثاني من أصناف السعداء، وهم الصديقون؛ لأن الصنف الأول هم الأنبياء، وقد ذكروا في نفس السورة في موضع آخر.
فذكر من أصناف السعداء الصديقين، ثم عطف عليهم نوعاً آخر مغايراً؛ لأن الواو تقتضي المغايرة.
ويرجح احتمال عدم العطف: أن الكلام يصير جملاً مستقلة قد ذكر فيها أصناف خلقه السعداء، وهم الصديقون والشهداء والصالحون، وهم المذكورون في الآية، وهم الذين أقرضوا الله قرضاً حسناً.
ثم ذكر الرسل في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد:٢٥]، فيتناول ذلك الأصناف الأربعة المذكورة في سورة النساء؛ ففي سورة النساء قال : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء:٦٩].
стр. 2637
أصناف الناس وموقف الخوارج والمعتزلة من عصاة الموحدين
يقول ابن القيم: ثم ذكر تعالى الأشقياء، وهم نوعان: كفار ومنافقون، فقال: ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا))، هؤلاء هم الكفار.
وقد ذكر المنافقين في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ﴾ [الحديد:١٣]، فهؤلاء هم أصناف العالم كلهم.
يقول: وترك سبحانه ذكر المخلط صاحب الشائبتين، على طريق القرآن في ذكر السعداء والأشقياء دون المخلطين غالباً؛ لسر اقتضته حكمته ﵎، فليحذر صاحب التخليط؛ فإنه لا ضمان له على الله.
وإذا تأملنا القرآن نجد أنه دائماً يذكر السعداء والأشقياء، والمؤمنين والكفار، والمؤمنين والمنافقين، وهكذا.
أما المخلطون فإن القرآن الكريم يترك ذكرهم غالباً، كما يقول ابن القيم: لسر اقتضته حكمة الله ﵎، وهذا السر يحاول أن يبينه بقوله: فليحذر صاحب التخليط؛ فإنه لا ضمان له على الله.
بخلاف المؤمن، والصديق، والشهيد، والصالح، أي: الذي لا يخلط، فالنصوص واضحة تماماً في أن له ضماناً عند الله بأنه يثيبه على ذلك.
يقول: فليحذر صاحب التخليط؛ فإنه لا ضمان له على الله، ولا هو من أهل وعده المطلق، ولا ييأس من روح الله؛ فإنه ليس من الكفار الذين قطع لهم بالعذاب، ولكنه بين الجنة والنار واقف بين الوعد والوعيد؛ كل منهما يدعوه إلى موجبه؛ لأنه أتى بسببه.
أي: أنه أتى بموجب الوعد؛ لأنه وحد الله ، وأتى بموجب الوعيد؛ لأنه عصى الله، فهو بين الوعد والوعيد لا ضمان له في أي الفريقين يلحق.
وهذا هو الذي لحظه المعتزلة القائلون بالمنزلة بين المنزلتين.
فالمعتزلة قالوا: إن الفاسق الملي -يعني: العاصي- في منزلة بين المنزلتين.
وهم خالفوا الخوارج، فالخوارج قالوا: إن العاصي كافر.
والفرق بينهم أن المعتزلة يقولون: نحن لا نقول: مؤمن ولا كافر، لكنه في منزلة بين المنزلتين.
لكن في الآخرة كلاهما متفق على الاعتقاد بأنه يخلد ولا يكون إلا في جهنم مع الكفار.
ونفس الفكرة كان يقول بها جماعة التوقف، فعندهم أن الإنسان مسلم مؤمن، أو كافر، أو متوقف فيه، فهم أعادوا من جديد صيحة: المنزلة بين المنزلتين، إلا أن ابن القيم رحمه الله تعالى يقول: إن كلمة: المنزلة بين المنزلتين يمكن أن نستعملها في حق المخلط الذي يخلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، لكنهم غلطوا في تخليده في النار.
ولو نزلوه منزلة بين المنزلتين، ووكلوه إلى المشيئة لأصابوا.
قال القاسمي: انتهى كلام ابن القيم، وفيه موافقة لما اختاره ابن جرير رحمه الله تعالى في الآية.
يعني: أنهم نزلوه في منزلة بين المنزلتين، كما عبر عنها علماء العقيدة كالإمام الطحاوي في قوله: إننا نرجو للمحسن من المؤمنين، ونخاف على المسيء، ولا نقطع لمسلم بجنة ولا نقطع لمسيء بالنار.
فهذا معنى المنزلة بين المنزلتين فيما يتعلق بالآخرة، أما في دار الدنيا: فما دام يؤمن بالإسلام فله أحكام الإسلام الظاهرة، كما بينا ذلك.
ولما ذكر تعالى السعداء ومآلهم عطف بذكر الأشقياء وبين حالهم بقوله: ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)).
стр. 2638
تفسير قوله تعالى: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر)
قال الله : ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠].
قوله: ((اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ))، يعني: تفريح، ((وَلَهْوٌ)) يعني: باطل.
((وَزِينَةٌ)) أي: منظر حسن.
((وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ)) أي: في الحسب والنسب.
((وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ))، أي: كمثل مطر.
((أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ))، يعني بالكفار هنا الزراع؛ لأنهم يكفرون البذر والحب داخل أرضه، والكفر بمعنى الستر والتغطية كما في قوله تعالى: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]، يعني: يعجب الزراع أن الزرع نما، فيغيظ الكفار أن الجذور ما نمت، فكذلك قوله هنا: ((كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ))، أي: الزراع، يعني: أن الزارع يزرع الحب، فإذا رأى نباتاً مزدهراً مثمراً لا شك أنه يعجبه، كما قال سبحانه: ((أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ))، أي: أن هذا الزرع يهيج، يعني: يجف بعد خضرته ونضرته.
وقوله: ((فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا))، أي: من اليبس، ((ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا))، أي: هشيماً متكسراً، وكذلك الدنيا لا تبقى كما لا يبقى النبات.
وقوله: ((وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ))، أي: لمن ترك طاعة الله، ومنع حق الله.
وقوله: ((وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ))، أي: في الآخرة لمن أطاع الله، وأدى حق الله من ماله.
وقوله: ((وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ))، قال المهايمي: يأخذ صاحبها ملاعب الدنيا بدل ملاعب الحور العين، ولهوها بملاذ الجنة، وزينتها بزينة الجنة، والتفاخر بدل التفاخر بجوار الله والقرب منه، والتكاثر بالأموال والأولاد بدل نعم الله والولدان المخلدين في الجنة.
стр. 2639
تفسير قوله تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها)
قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١].
ولما حقر الحياة الحسية النفسية الفانية وصورها في صورة الحقراء السريعة الانقباض دعا إلى الحياة الباقية، فقال : ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحديد:٢١]، أي: بادروا بالتوبة من ذنوبكم إلى نيل مغفرة وتجاوز عن خطيئاتكم من ربكم.
والعلماء يقولون: إن تأخير التوبة ذنب يجب التوبة منه، فالتوبة تجب على الإنسان في كل لحظة، وفي كل نفس، بل الإنسان مطالب بها في الحال، وقد دلت على ذلك نصوص كثيرة من القرآن والسنة كلها تحث على المسارعة والمبادرة والمسابقة إلى التوبة، فقال هنا: ((سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ))، وقال: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، وقال ﵎: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقال: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠].
إذاً: لا ينبغي تأخير وتسويف التوبة، كقول الإنسان: سوف أتوب، وسوف أصلي، ومن أول يوم السبت سأفعل كذا، أو يقول: سوف أعتمر عمرة أو أحج ومن بعدها سأستقيم، أو نحو ذلك.
فينبغي أن يشاع بين الناس هذا المعنى، وهو أن تأخير التوبة في حد ذاته ذنب جديد، يجب التوبة منه على الفور، وهذه هي عبارة الإمام ابن القيم في مدارج السالكين في الجزء الأول حينما فصل في أحكام التوبة حيث قال: تأخير التوبة أو تسويف التوبة ذنب يجب التوبة منه.
وقوله: ((أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ)) يعني: الإيمان اليقيني، ((ذَلِكَ)) يعني: المغفرة والجنة، ((فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ)) أي: ممن كان أهلاً له.
((وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)) أي: بما بسط لخلقه من الرزق في الدنيا، ووهب لهم من النعم، وعرفهم موضع الشكر، ثم جزاهم في الآخرة على الطاعة ما وصف أنه أعده لهم.
((ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)).
стр. 2640
تفسير قوله تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم)
قال ﵎: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢].
((مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ))، أي: من قحط وجدب وبلاء وغلاء ومرض ونحو ذلك.
((وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ)) من خوف ومرض وموت أهل أو ولد أو ذهاب مال.
وقوله: ((إلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا))، يعني: إلا في علم أزلي من قبل خلق المصيبة أو الأنفس، وما علم الله كونه فلابد من حصوله، وبلا شك أن هذا من أعظم ما يفرق بين المؤمن وغيره، قال النبي ﵌: (عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)، فالمؤمن عنده ثبات عند البلاء واحتساب عند المصيبة، وهذا من آثار الإيمان بالقدر السابق، كما قال تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء:٥٨]، ولذلك طالما يتعزى العلماء والصالحون في بلائهم بهذا الأمر، ومن ذلك أن أحد العلماء سلخه العبيديون الفاطميون لما أبى أن يفتي بالفطر من رضمان اعتماداً على الحساب الفلكي كما هو العيد؛ لأنهم كانوا يعتدون للعيد بالحساب الفلكي، وليس برؤية الهلال، وهذا هو مذهب الباطنية الملاحدة، فقال: لا أتحمل وزر تفطير الناس؛ لأنه لم تظهر الرؤية الشرعية، وإنما أنتم تعتمدون على الحساب، فألح عليه الفاطمية بأن يفعل ذلك فأبى، فأتوا برجل يهودي يسلخ جلده وهو حي، فسلخ كل بشرة رأسه، حتى إذا وصل إلى قلبه رق له اليهودي وهو يسلخ جلده، وجعل العالم يقول: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء:٥٨]، ويردد هذه الآية، يعزي نفسه بأن هذا قدر سابق ولا يمكن أن يحصل شيء مخالف لما سبقت به المقادير، وهذا من أعظم ما يصبّر المؤمن عند البلاء؛ لذلك تجد المؤمن يتميز تماماً عن الكافر في هذا.
وحكي أن أحد الإخوة الملتزمين كان في حادث اختطاف الطائرة الجابرية التي حصلت في الكويت منذ سنوات طويلة، فكان هذا الرجل في الطائرة وقد اختطفت، والذين فيها مهددون بالقتل كلهم، فكان إلى جواره رجل أمريكي ساحر، والناس كانوا في حالة فزع شديد؛ لأنهم يخافون أن يقتلوا ويؤخذوا رهائن، فينتهي بهم الأمر إلى تفجير الطائرة، فكان الأخ في غاية الثبات، وكأنما يستغيث بالله، ويدعو الله ، ويذكر الله، وظهر عليه الرضا بما يقدره الله، وكان الناس في حالة فزع وهلع وصراخ فتعجب الأمريكي جداً، ولفت نظره حال هذا الأخ، فلم يطق أن يسكت، فقال للأخ: ما بالك لا تخف كما يفعل الناس؟ وما بالي أراك ساكناً ثابتاً مستقراً هادئاً، تذكر الله ؟ فقال له: أنا مسلم، وأنا أؤمن بأن كل شيء يجري بقدر الله ؛ ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، فأنا راضٍ بقدر الله، ومستعد للقاء الله، فالرجل قال له: إذاً: هذا الإسلام الذي يجعلكم تثبتون عند المحن، ولا شك أنه يكون دين الحق، ثم قال له: نحن لو خرجنا من الطائرة ونجونا فسوف أدخل في الإسلام، لكن للأسف الشديد أن في هذه الحادثة قتل أمريكي واحد كان هو هذا الرجل.
الشاهد: أن هذا يلاحظ جداً في المؤمن، وهذا مما يميز به بين المؤمن بالقضاء والقدر وبين غير المؤمن بذلك، وهذه إحدى ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر: أنك تتعزى بأنه مهما كانت هذه المصيبة التي حصلت بك فقد سبق بها القضاء والقدر، كما قال ﷺ : (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، ولو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف).
فهذه إحدى ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر، وهي ثمرة الثبات عند الابتلاء، فالإنسان لابد أن يراقب هذا، وإذا صادفت شخصاً مبتلىً فتأكد تماماً أن هذا المبتلى حتى لو كان حافظ القرآن كله فإنه يحتاج إلى التذكير، فاذكر هذه الآيات عليه، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١] وقوله تعالى: ((مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا))، إذ لا يستطيع أحد أن يمحو شيئاً مما كتبه الله في اللوح المحفوظ، ولا يمكن أن يحصل هذا كما في الحديث: (رفعت الأقلام وجفت الصحف)، فلا يمكن أن يغير فيها شيء.
وقوله تعالى: ((مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ)) (مصيبة) هنا نكرة في سياق النفي، فظاهرها العموم.
((إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا))، يعني: في علمه الأزلي من قبل خلق المصيبة أو الأنفس، وما علم الله كونه فلابد من حصوله، ((إنَّ ذَلِكَ))، أي: حفظه وتقديره على الأنفس، ((عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ))؛ لسعة علمه وإحاطته، فلا يقع الأمر إلا موافقاً لما سبق في علم الله .
стр. 2641
تفسير قوله تعالى: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم)
يقول ﵎: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد:٢٣].
((لِكَيْلا تَأْسَوْا))، يعني: كي لا تحزنوا.
((عَلَى مَا فَاتَكُمْ))، أي من عافية ورزق ونحوهما، فأي شيء يترتب على أنه فاتك شيء من الأرزاق أو الفسحة ونحو ذلك؟ فالإنسان لا يشتغل بالتحسر على هذا الفائت؛ لأن التحسر لن يعيده.
((وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ))، أي: لا تتبختروا بما آتاكم من نعم الدنيا، والمعنى: أعلمناكم بأنا قد فرغنا من التقدير، فلا يتصور فيه تقديم ولا تأخير، ولا تبديل ولا تغيير، فلا الحزن يدفعه، ولا السرور يجلبه ويجمعه.
قال القاسمي: أي: لتعلموا علماً يقينياً أن ليس لكسبكم وحفظكم وحذركم وحراستكم فيما آتاكم مدخل ولا تأثير، ولا لعجزكم وإيمانكم وغفلتكم وقلة حيلتكم وعدم احترازكم فيما فاتكم مدخل، فلا تحزنوا على فوات خير ونزول شر، ولا تفرحوا بوصول خير وزوال شر؛ إذ كلها مقدرة.
والاحتجاج بالقدر لا يكون إلا في المصائب، فلا تقل: (قدر الله وما شاء فعل) إلا في المصائب التي لا يد منها، كما إذا ابتليت ببلاء أو بمرض أو بفقر، فإن كان هناك مصيبة قدرها الله عليك وامتحنك بها فلك أن تتعزى بالقدر، وتقول: هذا سبق في علم الله، وهذا قضاء سابق من الله .
أما في المعاصي فلا تقل: (قدر الله وما شاء فعل) إلا إذا علمت أن الله قد عفا عنك، وهذا لا يعلمه أحد إلا آدم، فآدم ﵇ هو الذي عرف أن الله تاب عليه، كما قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٣٧]، فموضوع خطيئة آدم انتهى، إذ قد تاب الله عليه، أما من عداه فإنه لا يدري ما الله صانع به، فالإنسان في المعاصي يظل على وجل وخوف واستغفار وطلب العفو من الله إلى أن يموت.
ففي المصائب لك أن تحتج بالقدر، لكن لا تحتج بالقدر في المعائب وفي الذنوب وفي التقصير، بل عليك أن تعاتب نفسك وتظل وجلاً خائفاً من مصيرك عند الله بسبب هذا الذنب.
وقوله: ((وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ))، أي: كل متبختر من شدة الفرح بما آتاه.
وقوله: ((فَخُورٍ))، أي: فخور على الناس بالنعمة التي أعطاه الله إياها؛ لعدم يقينه، ولبعده عن الحق بحب الدنيا واحتجابه بالظلمات عن النور.
стр. 2642
تفسير قوله تعالى: (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل)
قال تعالى: ((الَّذِينَ يَبْخَلُونَ))، يعني: بالإنفاق في سبيل الله؛ لشدة محبة المال.
((وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ))، يعني: لاستيلاء الرذيلة عليهم.
والمقصود: أن لهم وعيداً شديداً؛ لأنهم هم الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل.
((وَمَنْ يَتَوَلَّ))، أي: يعرض عن ذكر الله وما أمر، ((فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ)) أي: غني عنهم؛ لاستغنائه بذاته.
((الْحَمِيدُ)) لاستقلاله بكماله.
وفي هذا تهديد وإشعار بأن الأمر في الإنفاق هو لمصلحة المنفق، لا لما يعود عليه تعالى، فإنه سبحانه الغني المطلق.
فقوله ﵎: ((الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ))، يعني: عن النفقة في سبيل الله، ((فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ))، يعني: ومن أقبل فإنه إنما ينفع نفسه، ولن يضر الله شيئاً؛ لأن الله غني عنه، ولا يحتاج منه شيئاً.
стр. 2643
تفسير سورة الحديد [٢٥ - ٢٩]
стр. 2644
تفسير قوله تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات)
يقول الله ﵎: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [الحديد:٢٥]، أي: بالحجج والبراهين القاطعة على صحة ما يدعون إليه، فإن الرسل تأتي مؤيدة بالمعجزات والبينات والحجج على صدقهم في دعواهم الرسالة.
((وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ))، أي: التام في الحكم والأحكام.
((وَالْمِيزَانَ))، أي: العدل، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما.
قال ابن كثير: وهو الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة.
((لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ))، أي: بالحق والعدل، وهو اتباع الرسل فيما أمروا به، وتصديقهم فيما أخبروا عنه، فإن الذي جاءوا به هو الحق الذي ليس وراءه حق، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥]، أي: صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأحكام، فالتنزيل عبارة عن خبر وحكم، أما أخباره فكلها صدق، وأما أحكامه فكلها عدل.
فقوله تعالى: ((لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ))، إشارة إلى أن الحق والعدل لا يمكن أن يكونا فيما يخالف كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ مهما زين شياطين الإنس دعاواهم بافتراءاتهم الظالمة فيما يوشوش به بعض الشياطين مما يسمونه بحقوق الإنسان أحياناً، ويحاولون إظهار الإسلام كأنه عدو لحقوق الإنسان، وأن العقوبات الشرعية عقوبات وحشية وصارمة إلى آخر هذا الإلحاد! وهذا كفر، ولا يصدر إلا ممن لا يؤمن بمثل هذا الوصف لكتاب الله ﵎.
والناس لا يمكن أن يقوموا بالقسط ولا يمكن أن يتحقق بينهم العدل إلا بتطبيق شرع الله ﵎؛ ولذلك قال تعالى بعدما ذكر الحدود الشرعية: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة:٤٥]، لأن هذا هو الحد، ثم قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، ففي هذه بالذات وصفهم بالظلم؛ لأن هذا مما يخالف العدل، فالحدود هي العدل، والقصاص فيه المعاملة بالمثل، فمن اعتدى على أرواح الناس وقتل يقتل، ومن قطع أذن غيره تقطع أذنه، فليس لهذا حرمة أعظم من حرمة ذاك، فهذا مقتضى العدل بين الناس؛ فلذلك نقول قطعاً وجزماً: إن كل من يحكم بخلاف شرع الله فهو ظالم مهما وسوس له إخوانه من شياطين الإنس أو الجن بأن هذا هو العدل.
ونقول: كل العدل في كتاب الله ﵎.
ويقول تعالى: ((وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ))، يعني: أن هذا الحديد هو الآلة المهمة والأساسية في صناعة أدوات القتال، سواء في القديم أو في الحديث، فقوله: ((فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ))، يعني: القتال به، فإن آلات الحروب متخذة منه.
((وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ))، أي: في مصالحهم ومعايشهم، فما من صناعة إلا وللحديد يد فيها.
فإن قيل: هذه الجمل المتعاطفة لابد فيها من المناسبة؛ ولكن أين هي المناسبة بين قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾، وقوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾؟ ف
الجواب
أن بينهما مناسبة تامة؛ لأن المقصود ذكر ما يتم به انتظام أمور العالم في الدنيا حتى تنال السعادة في الأخرى، فمن هداه الله من الخواص العقلاء ينتظم حاله في الدارين بالكتب والشرائع المطهرة، وكذلك من أطاعهم وقلدهم من العامة بإجراء قوانين الشرع العادلة بينهم، ومن تمرد وطغى ضرب بالحديد الراد لكل مريد.
فقول الله ﵎ هنا أولاً: ((لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ))، مع ذكر الحديد فيه إشارة إلى أن العدل في الناس يقوم بأمرين: بالقرآن وبالسلطان، فالناس يدعون بالحجة والبيان، فمن أبى فبالسيف والسنان.
هذا هو المعنى المأخوذ من هذه الآية الكريمة.
стр. 2645
العقوبة على المعاصي بالغفلة
فالإنسان لا يمكن أبداً أن يجد السعادة في غير شرع الله ، ولا يمكن أبداً أن يوجد إنسان على وجه الأرض ينحرف عما أنزل الله على رسوله ﵊ من البينات والهدى ويعيش سعيداً بل يحرم من السعادة، ويقاسي التعاسة بقدر بعده عن دين الله.
وحالة الغفلة هي أشد ما يعاقب الله به عبداً من العبيد، حيث إنه يعاقب وهو لا يحس بأنه يعاقب؛ لأن العقوبات الشرعية كثيرة، فهناك عقوبات كونية قدرية كالزلازل والخسف والأمراض والأوبئة ونحو ذلك.
وهناك عقوبات شرعية كقطع اليد والرجم والجلد ونحو ذلك.
ويوجد نوع آخر من العقوبات وهو تسليط الغفلة على الخلق، ودليله قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧]، هنا نسي بمعنى ترك.
وقال سبحانه: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩].
وقال : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤]، وهذه هي أشد أنواع العقوبات؛ لأن الإنسان يُستدرج حينما يفتح الله عليه، فكلما زاد كفراً وعتواً زاده الله من النعم فتنة له واستدراجاً، كما قال ﵎: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام:٤٤]، فالله يمهل ويملي للظالم، وكلما تمادى في المعاصي وفي الكفر وفي البعد عن الله زاد ما يستحقه من العذاب، كما قال ﵎: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران:١٧٨].
وقال ﵎: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون:٥٥ - ٥٦]، فهي أشد أنواع العقوبات؛ لأن مثل هذا لا يرجى له توبة إن لم يوفقه الله؛ لأنه يرى عمله صواباً، كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر:٨].
فليحذر الإنسان من هذه العقوبة، فأشد أنواع العقوبة أن يفقد الإنسان الإحساس بأنه معاقب، وهذا بخلاف الشخص الذي يشعر ويقول: إن الله ابتلاني بالذنب الذي فعلته، وامتحنني بالمرض بسبب المعاصي، فهذا الشخص كما يقول النبي ﵊: (إذا سرتك حسنتك، وساءتك سيئتك، فأنت مؤمن)، بمعنى: أن مثل هذا الإنسان لا زال فيه روح وإحساس، ومعناه أنه قد يستدرك ويفتح صفحة جديدة ويتوب، لكن الميت إذا وخزته وقطعته بالسيف فإنه لا يتألم؛ فما لجرح بميت إيلام.
ففقدان الإحساس علامة خطر، وهذا هو حال الكفار والعياذ بالله! لأنهم لا يحسون بأنهم يعاقبون، فبالتالي يتمادى أحدهم ويلهو في الدنيا حتى تفوت فرصته، ويموت دون أن يتوب؛ لأنه زين له سوء عمله فرآه حسناً، فيرى أن هذه هي السعادة، مع أنه أبعد ما يكون عن شرع الله ﵎، لكن السعادة الحقيقية هي في موافقة شرع الله ، فمن أراد اختصار طريق السعادة فليمش على نور الوحي، ولا ينشغل بفلسفات ولا ببحوث، ولا يلتفت لكلام ووساوس الشياطين، وإنما عليه أن يستقيم على طاعة الله، هذا هو أخصر طريق يؤدي إلى السعادة في الدارين.
стр. 2646
مناسبة عطف إنزال الحديد على ما قبله
يقول: فإن قيل: الجمل المتعاطفة لابد فيها من المناسبة، وأين هي في إنزال الحديد مع ما قبله؟ ف
الجواب
أن بينهما مناسبة تامة؛ لأن المقصود ذكر ما يتم به انتظام أمور العالم في الدنيا، حتى ينال السعادة في الأخرى، ومن هداه الله من الخواص العقلاء ينتظم حاله في الدارين بالكتب والشرائع المطهرة، ومن أطاعهم وقلدهم من العامة بإجراء قوانين الشرع العادلة بينهم، أما من تمرد وطغى وقسى فيضرب بالحديد الراد لكل مريد، وإلى الأولين أشار بقوله: ((وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ))، هذه للناس الذين عندهم عقول، ويعملون عقولهم، ويتدبرون في الحجج والبينات، فجمعهم وأتباعهم في جملة واحدة، حيث جمع العقلاء ومن وافقهم من العامة على الخير، فأشار إليهم بقوله: ((وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)).
وخلاف ذلك فالجبار العنيد الطاغي القاسي القلب لا ينفعه إلا التأديب بالحديد، فقال ﵎: ((وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ))، فكأنه قال: أنزلنا ما يهتدي به الخواص وما يهتدي به أتباعهم، وما يهتدي به من لم يتبعهم، فهي حينئذ معطوفة.
قال العتبي في أول تاريخه: كان يحتمل في صدري أن في الجمع بين الكتاب والميزان والحديد تنافراً، وسألت عنه فلم أحصل على ما يزيل العلة وينقى الغلة، حتى أعملت التفكر فوجدت الكتاب قانون الشريعة ودستور الأحكام الدينية، يتضمن جوامع الأحكام والحدود، وقد حذر فيه التعادي والتظالم، ودفع التباغي والتخاصم، وأمر بالتناصف والتعادل، ولم يكن يتم إلا بهذه الآلة.
يعني: أن مجرد الوعظ بالأوامر والنواهي الشرعية لا يكفي في إصلاح حال الناس؛ إذ ليس كل الناس ينزجرون بالأدلة الشرعية، وبسلطان الشرع، ولذا فلابد من السلطان مع الحكم، وهذا ليس فقط في الإسلام، بل في كل النظم، يعني: لو أن دولة تريد أن تنفذ قوانينها بالمواعظ والكلام الرقيق والنظيف، والبيان أن هذا صحيح وهذا خطأ، وهيئة المرور تعمل كذا، وهيئة كذا تفعل كذا، فهل يستقيم حال الناس؟
الجواب
لا؛ فمن الناس من يعمل عقله ويستجيب للحجج والبينات، ومنهم من ليس كذلك، وإنما هو مثل المسمار، ولا يمشي إلا إذا كنت تضربه على رأسه كعبد السوء، فإذا صفعته على رأسه بالقوة فإنه يمشي، ومن دون ذلك لا يتحرك، فمن الناس من يقيمه الحجة والبيان، ومنهم لا يقيمه إلا السيف والسنان.
يقول: حتى أعملت الفكر فوجدت الكتاب قانون الشريعة ودستور الأحكام الدينية يتضمن جوامع الأحكام والحدود، وقد خطر فيه التعادي والتظالم، ودفع التباغي والتخاصم، وأمر بالتناصف والتعادل، ولم يكن يتم إلا بهذه الآلة؛ فلذا جمع الكتاب والميزان.
وإنما تحفظه العامة على اتباعها بالسيف وجدوة عقابه، وقوة عذابه، وهو الحديد الذي وصفه الله بالبأس الشديد، فجمع بالقول الوجيز معاني كثيرة الشعوب، متباينة الجنوب، محكمة المطالع، مقومة المبادئ والمقاطع.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾، أي: أنه يستعمل في القتال، وأنه آله السلطان؛ كي يقهر من لا يقتنع بالحجة والبيان بالسيف والسنان.
وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾، أي: باستعمال الحديد في مجاهدة أعدائه، عطف على محذوف دل عليه ما قبله، يعني: أنزله ليعلم.
وقلنا: إن قوله تعالى: ((وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ))، المقصود به: ليعلم علم شهادة، أما علم الغيب فلا شك أن الله يعلم ذلك منذ الأزل.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾، أي: على إهلاك من أراد إهلاكه، ﴿عَزِيزٌ﴾، أي: غالب قاهر لمن شاء.
стр. 2647
تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم)
يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:٢٦].
خص بالذكر الأبوين: الأب الأول وهو نوح ﵇؛ لأنه الأب الثاني للبشرية بعد آدم ﵇، والأب الثاني هو إبراهيم ﵇؛ لأنه أبو الأنبياء، فإبراهيم ﵇ ما أتى نبي بعده إلا من صلبه.
فقوله: ((وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ))، يعني: ذرية الأنبياء بعد نوح، ولا شك أن الأنبياء بعد نوح كانوا من ذرية نوح، والأنبياء بعد إبراهيم كانوا من ذرية إبراهيم ﵉.
وقوله: ((فَمِنْهُمْ))، أي: من الذرية، ﴿مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾، أي: خارجون عن طاعته؛ بترك نصوص كتبه وتحريفها، وتقديم آراء الأحبار والرهبان عليها، واقتراف ما نهوا عنه.
стр. 2648
تفسير قوله تعالى: (ثم قفينا على آثارهم برسلنا)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد:٢٧].
﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا﴾ أي: أتبعنا، ﴿عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾، أي: حناناً ورقة على الخلق؛ لكثرة ما وصى به عيسى ﵇ من الشفقة وهضم النفس والمحبة.
وأما إعراب رهبانية في قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّة ًابْتَدَعُوهَا﴾ ففيها قولان: القول الأول: أنها معطوفة على ما قبلها، أي: على رحمة، ورحمة معطوفة على رأفة.
القول الثاني: أن الكلام ينتهي عند قوله: ((وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً))، ثم تبدأ الكلام وتقول: ﴿وَرَهْبَانِيَّة ًابْتَدَعُوهَا﴾، فيكون معناها: وابتدعوا رهبانية ابتدعوها، فتكون مفعولاً به لفعل محذوف تقديره: وابتدعوا رهبانية ابتدعوها.
وإذا قلنا بالقول الأول: وهو أن رهبانية معطوفة على رحمة، ورحمة معطوفة على رأفة، فالمعنى أن الذي جعل الرأفة والرحمة والرهبانية هو الله ، وعلى هذا فمن أي قسمي الجعل يكون قوله تعالى: ((وَجَعَلْنَا))؟
الجواب
يكون من الجعل القدري؛ لأن الرهبانية مذمومة عند الله ، وهي بدعة وضلالة ومصادمة للفطرة، حتى لو قلنا: إن الله هو الذي جعل في قلوبهم جانب الرأفة والرحمة.
والجعل الكوني القدري يمكن أن يكون شيئاً مما يبغضه الله، لكن يشاؤه كوناً وقدراً، ولا يأمر به ولا يحبه ولا يرضى بهذا الفعل.
وأما على القول الثاني فيكون الجعل هنا شرعياً إرادياً؛ لأن الرأفة والرحمة مما يحبه الله ويأمر بها.
قوله تعالى: ((وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً))، ونقف هنا، فالمعنى: أن الله خص قلوب الذين اتبعوا عيسى ﵇ بالرأفة والرحمة.
ولا يفهم من ذلك أن هذا مدح للكفار الذين ألهوا المسيح أو عبدوه، حيث جعلوه إلهاً أو ابن الله أو نحو ذلك؛ لأن هؤلاء ليسوا أتباع المسيح، بل هم أعداء المسيح ﵇، كما قال تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:٥٥]، أي: من المسلمين؛ لأنهم هم الذين اتبعوا المسيح ﵇.
стр. 2649
بعض خصائص دعوة المسيح ﵇
قوله: ((وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً))، هذا مدح للذين اتبعوا المسيح على دين الإسلام الذي جاء به.
وهذه من خصائص رسالة المسيح ﵇ أنه غلب عليها جانب الزهد، والرقة، واللطف، والمسامحة ونحو ذلك.
والمسيح جاء برسالة مكملة لما جاء في التوراة.
стр. 2650
الرهبانية بدعة نصرانية لا شريعة سماوية
وعلى القول بالوقف عند كلمة: ((وَرَحْمَةً))، فقوله: ((وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا))، يعني: أنهم هم الذين ابتدعوها، ونحن ما أمرناها بهم، ولا كلفناهم، وليس ذلك من شرعنا.
فقوله: ((مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ))، أي أنها من ابتداعهم، وليست شرعاً شرعه الله لهم.
وقوله تعالى: ((إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ))، قد يحصل إشكال ثانٍ عند بعض الناس؛ حيث قد يفهم منها الشخص العادي الغير متخصص أن الله ما كتب الرهبانية إلا ليبتغوا بها رضوان الله، وهذا ليس صحيحاً؛ لأنه بين أنهم الذين ابتدعوها، وليس لها أصل شرعي من عند الله، فيبقى الجواب عليه أن نقول: إن الاستثناء في قوله: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ استثناء منقطع، كما قال ﵎: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [الكهف:١٦]، فإنهم لا يعبدون الله، بل هم اعتزلوا عبادة الله، لكن الاستثناء المنقطع تأتي فيه (إلا) بمعنى (لكن)، فيكون معنى الآية: وابتدعوا رهبانية ما كتبناها عليهم؛ لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله.
وقد وضح هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه المبارك (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح)، فله فيه بحث وافٍ في تفسير هذه الآية الكريمة.
стр. 2651
المقصود بالذين اتبعوا عيسى
يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً)): حناناً ورقة على الخلق؛ لكثرة ما وصى به عيسى ﵇ من الشفقة وهضم النفس والمحبة.
وهذه كما قلنا هي في الذين اتبعوه على دين الإسلام والتوحيد، فلا يقال: إن القرآن مدح الوحوش الصربية الذين فعلوا بالمسلمين الأفاعيل، والذين لا يعرفون الرقة والرحمة، أو أصحاب المذابح التي كانت في لبنان، أو المذابح التي حصلت في جزر الملوك في أندونيسيا على يد الصليبيين، من ذبح المسلمين وإحراقهم، فأين هي الرأفة والرحمة من هؤلاء؟ وأين الرأفة والرحمة التي كان يمارسها الأوربيون الأمريكان والكنديون في الصومال في حملة بعث الأمل أو إحياء الأمل، حينما كان يتسلى الجنود بأنهم يأتون بالأخ الصومالي ويشووه على النار وهو حي، ثم يضحكون ويمرحون ويتسلون بآلامه وصراخه؟! فهؤلاء لا يقتدون بالمسيح ﵇ ولا بدعوته، إنما المقصود هنا الذين اتبعوه من المسلمين، أما الكافر فكيف نقول: إن في قلبه رأفة ورحمة، واسألوا محاكم التفتيش في الأندلس: ماذا فعلوا في المسلمين؟! واسألوا البعوث الصليبية وما فعلوه في فلسطين لما دخلوا القدس وجرت الأنهار من الدماء، فكلام الرقة والرأفة والرحمة مع هؤلاء الناس ومداهنتهم بآيات القرآن مما لا يجوز؛ لأن قوله تعالى: ((وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً)) إنما هو في اتبعوا المسيح على الإسلام وعلى الدين الحق.
وكان في عهد المسيح ﵇ أمتان عظيمتا القسوة والشدة: اليهود والرومان، فالمسيح ﵇ عانى من هاتين الأمتين اللتين هما من أشد الأمم قسوة وبطشاً: اليهود لعنهم الله، والرومان أيضاً لعنهم الله، والرومان كانوا أشد قسوة؛ لأن اليهود على الأقل كانوا كتابيين، لكن الرومان كانوا وثنيين.
وقد كان لهم أساليب في تعذيب النوع البشري، ومنها تكليف الوحوش المفترسة بالانقضاض على من يريدون تعذيبه، وكانوا يربونها لذلك، وهذا معروف ومشهور؛ حيث إنهم كانوا يأتون إلى الساحات العامة، ويأتون بأسود جائعة ويسلطونها على من يريدون تعذيبه!! وصبغ الأسكندرية بالصبغة الرومانية واليونانية من جديد ما هي إلا مسخرة؛ وصبغ المدن الأخرى بالصبغة الفرعونية شيء يؤسف في الحقيقة، فالله المستعان.
أما الوحشية فما زالت موجودة عند الغربيين عموماً، فالغربيون عندهم تلذذ بهذه الأمور الوحشية، فهم يتلذذون جداً بما يحصل في أسبانيا من مصارعة الثيران، ويتسلون إذا قتل الثور الشخص الذي يصارعه، ويقعدون ينظرون ويتلذذون بذلك؛ لأن في نفوسهم حباً لهذا العنف وهذه الوحشية، وهم أخذوا هذه النفسية الأوروبية أو الغربية من جذور الحضارة اليونانية والرومانية، فالعنف والقتل والإحراق والتخريب والتدمير هذا شيء يتلذذون به جداً.
يقول: وكان في عهده أمتان عظيمتا القسوة والشدة: اليهود والرومان، وهؤلاء أشد قسوة وأعظم بطشاً، لاسيما في العقوبات، فقد كان لهم أفانين في تعذيب النوع البشري، ومنها: تسليط الوحوش المفترسة عليه، وتربيتها لذلك، مما جاءت البعثة المسيحية على أثرها وجاهدت في مطاردتها، وصبرت على منازلتها حتى ظهرت عليها بتأييده تعالى ونصره، كما بينه الله في آخر سورة الصف: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف:١٤]، فكانت العاقبة لأتباع المسيح ﵇.
فقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾، أي: ما فرضناها عليهم، وإنما التزموها من عند أنفسهم.
وقوله: ((إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ))، استثناء منقطع، أي: ولكنهم ابتدعوها طلب مرضاة الله عنهم.
стр. 2652
تعريف البدعة
قوله: ((إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ))، إما أن يكون المعنى: ولكنا كتبناها عليهم، أي: كتبنا عليهم أن يبتغوا مرضاة الله باتباع ما شرعه وليس بالبدع الرهبانية.
أو: ما كتبناها عليهم، لكنهم ابتدعوها طلب مرضاة الله تعالى عنهم، وهذا ركن رشيد في تعريف البدعة؛ لأن البدعة لابد أن يكون فيها ابتغاء المبالغة في التقرب إلى الله ، كما يقول العلماء: البدعة هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله ، وهذا مما يميز البدعة عن العادة، فالبدعة لابد أن يريد بها المبتدع تقرباً إلى الله .
стр. 2653
سبب عتاب الله للذين ابتدعوا الرهبانية
وقوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾، هذا أيضاً قد يلتبس عند بعض الناس، فيقولون: لو كانت الرهبانية مذمومة فكيف عاتبهم الله على أنهم لم يحترموا قوانين الرهبانية؟ فنقول: هذا من باب إلزامهم بما ألزموا أنفسهم به، كما نقول: إن الذين يتبنون ميثاق حقوق الإنسان لا يلتزمون به، وهكذا الذين يتبنون ما يسمى بالديمقراطية، فإنهم لا يلتزمون بذلك، ونحن نعرف أنها مخالفة للشرع، وأنها في الشرق والشريعة في الغرب، فلا تلاقي بين الديمقراطية التي هي حكم الشعب للشعب، وبين دين الإسلام الذي ينص صراحة على: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧].
ومع ذلك من حقنا أن نلزم هؤلاء القوم بما ادعوه، ونقول لهم: أنتم تؤمنون بالديمقراطية، ويلزم من هذه الديمقراطية كذا وكذا مما تخالفونه! فالإنسان يعاب إذا ألزم نفسه بشيء ثم لم يحترمه، حتى لو كان هذا الشيء خطأً، ومثل هذا يكون أشد قبحاً ممن لم يلزم نفسه به.
والديمقراطية هذه أعظم تشبيه لها أنها مثل صنم العجوة، حيث كان المشركون في الجاهلية يصنعون الصنم من العجوة فإذا جاع الواحد منهم أكله، فعند الحاجة هؤلاء يبتلعون هذه الديمقراطية، والإنسان يسمع في هذا الباب عجباً، وبالذات من تركيا التي تأتي منها أخبار عجيبة جداً، تركيا الممسوخة التي باءت بالسخطتين، كما يقول الشاعر: باء بالسخطتين فلا عشيرته رضيت ولا عنه أرضى العدى تركيا التي تتذلل وتتمسح بأعتاب الغرب، وتتقرب منه بكل ما تستطيع، ومع ذلك يزيدها هذا ذلاً وهواناً واحتقاراً، بل وصل الأمر إلى أن رئيس الوزراء اقترح أن أي موظف حكومي عنده تعاطف مع المتطرفين أو الانفصاليين -يعني: مع الإسلاميين- يفصل من عمله، وكان فاقع اللون من الذل، لدرجة أن رئيس الجمهورية رفض أن يوقع على هذا الأمر، وقال: هذا يتعارض مع حقوق الإنسان! وهذا شيء عجيب جداً! والآن هناك عالم كبير جداً مسئول اسمه: فتح الله جولان يحاكم بتهمة أنه ينوي إقامة حكم إسلامي.
فتهمته أنه ينوي! ولم يصرح أنه سيرتكب هذه الجريمة، فهو يتكلم في كذا وكذا من الأمور العادية جداً، ويحفّظ الناس القرآن، لكنهم قالوا: هذا ينوي! فالتهمة أنه ينوي، وهذا مثل ما في القانون الجنائي، من أنهم يشقون قلوب الناس ويحاسبونهم على النية، فهذا تهمته أنه ينوي إقامة حكم إسلامي، ومن قبل أربكان عندما كان سيمسك رئاسة الوزراء، في الانتخابات عُمل له فخ، وجاء صحفي خبيث يسأله، قال له: بأي قانون تنوي أن تحكم تركيا إذا مكنت من رئاسة الوزراء؟ فلو قال: القانون الإسلامي، فسيعاقب ويحكم عليه بالسجن على الأقل عشر سنوات، ويمنع من ممارسة ما يسمى بحقه السياسي، فتصور بعدما كانت تركيا عاصمة الخلافة بماذا يجيب أربكان؟ قال: أنوي أن أحكم تركيا بالقانون الذي حكمت به يوم كانت سيدة العالم، ولم يقدر أن يقول كلمة: الإسلام، وظل يردد هذه العبارة حتى لا يمسك عليه أحد كلمة الإسلام، فالله المستعان! لقد وصلت الغربة إلى هذا الحد، فهو خائف أن يقول: بالإسلام؛ لأنه سوف يترتب على ذلك عقوبات؛ لكن رد برد دبلوماسي فقال: أنوي أن أحكم تركيا بالقانون الذي حكمت به يوم كانت سيدة العالم، يعني: يوم أن كنا سادة العالم، فالله المستعان! على أي الأحوال فإن الشخص الذي يلزم نفسه بنظام أو بقانون أو بمبدأ، ثم لا يحترم هذا المبدأ الذي ألزم نفسه به، حتى لو كان خطأً، أولى بالتوبيخ؛ وهو مثل صنم العجوة، الذي يؤكل عند الحاجة!
стр. 2654
استغلال النصارى للناس باسم الرهبانية
يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾، أي: ما قاموا بما التزموه منها حق القيام من التزهد والتخلي للعبادة وعلم الكتاب.
يعني: هم ابتدعوا الرهبانية، وأنهم سينعزلون في الصوامع، ويعبدون الله، ويتعلمون ويقرءون، لكنهم اتخذوها آلة للترؤس والسؤدد وإخضاع الشعب لأهوائهم، فمن درس تاريخ أوروبا خاصة في القرون الوسطى المظلمة يجد ذلك جلياً.
وكل قرونهم مظلمة، وبعضها أشد ظلمة من بعض، لكن هكذا جرى العرف بأن القرون الوسطى هي المظلمة، ويأتي الببغاوات الجهلة عندنا هنا ويقولون على المسلمين: يريدون أن يرجعونا إلى العصور الوسطى، وهذا الغبي الجاهل لا يعرف أن العصور الوسطى كانت أبهى عصور المسلمين، لأن هذه العصور الوسطى كانت مظلمة في الغرب، لكن المسلمين ما عرفوا أي عصر مظلم إلا من بعد أن تخلوا عن الإسلام، فليتنا نرجع إلى العصور الوسطى؛ لأننا كنا في العصور الوسطى سادة الدنيا كلها، وكان المسلمون هم الذين يحكمون العالم، ولم يحصل منهم هذا الظلم الذي يحصل الآن حينما يعلو الكافرون.
فهم بدل أن تكون الرهبانية وسيلة للزهد جعلوها عكس ذلك، والثورة التي حصلت في أوروبا كانت موجهة لطائفتين بلغتا من الطغيان مداه: الطائفة الأولى: كانت من القساوسة والرهبانيين، والطائفة الثانية: كانت من الملوك؛ ولذلك كان شعارهم: اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس! فعانى الناس طغيان الكنيسة من محاكم التفتيش والتعذيب، ومحاسبة الناس على الخواطر، حيث كانت متسلطة جداً، بل كانت تتسلط على الملوك أنفسهم، ولو أصدر البابا قرار حرمان، فيا ويل الملك! بل قد يلزم الملك أو الإمبراطور أن يأتي حافي الرأس والقدمين، ويتذلل له، ويقبل الأعتاب، ويظل راكعاً أمام البابا حتى يعفو عنه ويزيل قرار الحرمان.
فالشاهد: أنهم عانوا عناءً شديداً من القساوسة والرهبانيين، ولذلك جاء رد الفعل عكسياً، حيث رفضوا هذا الدين وهذا التسلط، ولكن لم يبحثوا عن الدين الحق، وهذا هو الانحراف الشديد الذي حصل في مسيرة الغرب.
فالشاهد: أنه كان هناك تسلط شديد جداً من رجال الكنيسة على الشعب، وإذلال الناس بالضرائب الباهظة والإقطاعات، بل كان الرهبانيون الذين في الصوامع أشهر إقطاعيين، وكانوا يستذلون الناس، ويمتصون أموالهم، ويعذبونهم، ويقيمون محاكم التفتيش والتعذيب والسجن والقهر إلى آخره.
وقوله: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾، يعني: الذين آمنوا الإيمان الخالص عن شوائب الشرك والابتداع، ومنه الإيمان بمحمد صلوات الله وسلامه عليه المبشر به عندهم، وهم الذين اتبعوا المسيح على دينه الحقيقي.
وقوله: ((وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ))، أي: خارجون عن الإيمان ومقاصده.
стр. 2655
تعريف الرهبانية
وقد ذكر القاسمي رحمه الله تعالى بعض التنبيهات فقال: التنبيه الأول: الرهبانية هي المبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس، وإيثار العزلة والتبتل، وأصلها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان، والرهبان: بفتح الراء هو الخائف، فعلان: من رهب، كخفيان من خفي.
стр. 2656
أوجه الذم للذين ابتدعوا الرهبانية
التنبيه الثاني: قال ابن كثير رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾، ذم لهم من وجهين: أحدهما: في الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله، أو أن المبتدعين ابتدعوا ما لم يأذن به الله، وهي بدعة الرهبانية.
ثانياً: في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه يقربهم إلى الله .
стр. 2657
ذم بعض علماء النصارى لبدعة الرهبنة
التنبيه الثالث: رأيت في كثير من مؤلفات علماء النصارى المتأخرين ذم بدعة الرهبنة، وما كان لتأثيرها في النفوس والأخلاق من المفاسد والأضرار.
ثم ذكر كلاماً لصاحب (ريحانة النفوس) عن هؤلاء النصارى أنهم يشيعون ذلك في الكتاب المقدس، وذكر هذا الرجل أن الرهبانية عادة سرت في النصارى من الهنود الوثنيين الذين كان لهم أنواع كثيرة من العبادات، وهي تأمر كهنتها بالبتولية -عدم الزواج- والامتناع من أكل اللحم، وأمور أخرى مقرونة بخرافات.
стр. 2658
موقف قساوسة النصارى من المرأة وأثر ذلك على البيئة النصرانية
والنصارى ينظرون إلى الزواج على أنه نوع من القذارة أو النجاسة؛ لأنهم يرون أن المرأة شر كلها، وأن الاقتراب من المرأة أشد من الاقتراب من الأفاعي! وأعلن القساوسة والبابوات أن الزواج أمر يجب الابتعاد عنه، وأن العزب أكرم عند الله من المتزوج، وأعلنوا أنها -أي: المرأة- باب الشيطان، وأن العلاقة بالمرأة رجس في ذاته، وأن السمو لا يتحقق إلا بالبعد عن الزواج.
قال أحد قديسي الكنيسة: إنها -أي: المرأة- مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، ناقضة لنواميس الله، متوهة للرجل.
وقال آخر ملقب أيضاً بالقديس: إنها شر لابد منه، وآفة مرغوب فيها، وخطر على الأسرة والبيت، ومحبوبة فتاكة، ومصيبة مطلية ملوحة.
وفي القرن الخامس اجتمع بعض اللاهوتيين ليبحثوا ويتساءلوا في مجمع ميكن: هل المرأة جثمان بحت، أم هي جسد ذو روح يناط به الخلاص والهلاك؟ وغلب على آرائهم أنها خلو من الروح الناجية، وليس هناك استثناء بين جميع بنات حواء من هذه الوصمة إلا مريم أم المسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام! وعقد الفرنسيون في عام خمسمائة وستة وثمانين -يعني: في فترة شباب النبي ﷺ مؤتمراً، كان موضوع هذا المؤتمر: هل تعد المرأة إنساناً أم غير إنسان؟ وهل لها روح أم ليس لها روح؟ وإذا كان لها روح، فهل هي روح حيوانية أم روح إنسانية؟ وكل هذا الكلام للذين يدعون أن الإسلام أهان المرأة واحتقرها، إلى آخر هذه الأراجيف الشيطانية، وانظر كيف كان هؤلاء الناس ينظرون للمرأة في زمن النبي ﵊؟! وإذا كانت روحاً إنسانية، فهل هي على مستوى روح الرجل أم أدنى منه؟ وكان القرار النهائي في المجمع أن قرروا أنها إنسانة، ولكنها خلقت لخدمة الرجل فقط! فيرى هذا الجيل المنحرف أن المرأة ينبوع المعاصي وأصل السيئة والفجور، وأن المرأة للرجل باب من أبواب جهنم من حيث هي مصدر تحركه وحمله على الآثام، ومنها انبجست عيون المصائب على الإنسانية جمعاء.
وهذه مأخوذة من التصور التوراتي؛ فإن التوراة تنسب الخطيئة إلى حواء؛ فهي بزعمهم التي أغرت آدم بالأكل من الشجرة، وهي أتت بكل المصائب للبشرية؛ بسبب إغواء آدم بالأكل من الشجرة؛ ولهذا يقول بعض المصنفين: ولما كانت المرأة - حسب رواية سفر التكوين - هي التي أغرت الرجل بالأكل من الشجرة، فإن النصرانية المحرفة ناصبت المرأة العداء باعتبارها أصل الشر ومنبع الخطيئة في العالم؛ لذلك فإن عملية الخلاص من الخطيئة لا تتم إلا بإنكار الذات وقتل كل الميول الفطرية والرغبات الطبيعية، والاحتقار البالغ للجسد وشهواته.
ومن أساسيات النصرانية المحرفة: التنفير من المرأة وإن كانت زوجة، واحتقار وترذيل الصلة الزوجية وإن كانت حلالاً، حتى بالنسبة لغير الرهبان.
يقول أحد رجال الكنيسة بونافنتورا -الملقب بالقديس-: إذا رأيتم امرأة فلا تحسبوا أنكم ترون كائناً بشرياً، بل ولا كائناً وحشياً، وإنما الذي ترون هو الشيطان بذاته، والذين تسمعون منه هو صفير الثعبان.
وهذه الحكايات موجودة في قصة الحضارة.
ويقول آخر: إن القس يجب أن يكرس حياته لله وبني الإنسان، وإن مستواه الأخلاقي يجب أن يعلو على مستوى أخلاق الشعب، وأن يضفي على مستواه هذه المكانة التي لابد منها؛ لاكتساب ثقة الناس وإجلالهم إياه.
وأحد الكتاب الأوروبيين مؤلف كتاب (المشكلة الأخلاقية والفلسفية)، يعلق على كلام القساوسة في هذا الباب فيقول: عظمة وعلاء، ولكنه قضاء قاسٍ على الإنسانية، وإن التصديق الكامل لمثل تلك المبادئ لا يمكن أن يملأ الأرض بأديرة فيها الرجال من جهة، والنساء من جهة أخرى، ينتظرون في طهارة وتأمل الزوال النهائي للنوع الإنساني.
وأصدر البرلمان الإنجليزي قراراً في عصر هنري الثامن ملك انجلترا يحظر على المرأة أن تقرأ كتاب (العهد الجديد)، أي: الإنجيل؛ لأنها تعتبر نجسة!.
وتذكر بعض المصادر أنه شُكل مجلس اجتماعي في بريطانيا خصيصاً لتعبيد النساء، وذلك سنة ألف وخمسمائة ميلادية، وكان من ضمن مواده: تعذيب النساء وهن أحياء بالنار! ونص القانون المدني الفرنسي وهو يدافع عن حقوق الثورة الفرنسية على: أن القاصرين هم: الصبي والمجنون والمرأة، حتى عدل عام ألف وتسعمائة وثمانية وثلاثين، ولا تزال فيه بعض القيود على تصرفات المرأة المتزوجة.
وظلت النساء يُسخرن بالقانون الإنكليزي العام حتى منتصف القرن الماضي تقريباً، وكن غير معدودات من الأشخاص أو المواطنين الذين اصطلح القانون على تسميتهم بهذا الاسم؛ حيث لم يكن لهن حقوق شخصية ولاحق في الأموال التي تحتسب لهن، ولا حق في ملكية شيء، حتى الملابس التي كن يلبسنها، بل إن القانون الإنجليزي حتى عام ألف وتسعمائة وخمسة ميلادية كان يبيح للرجل أن يبيع زوجته! وقد حدد القانون ثمن الزوجة بستة سنتات، يعني: نصف شلن، وقد حدث أن باع إنجليزي زوجته سنة ألف وتسعمائة وواحد ثلاثين بخمسمائة جنيه، وقال محاميه في الدفاع عنه: إن القانون الإنجليزي عام ألف وتسعمائة وواحد يحدد ثمن الزوجة بستة سنتات، بشرط أن يتم البيع بموافقة الزوج، فأجابت المحكمة بأن هذا القانون قد ألغي عام ألف وتسعمائة وخمسة، بقانون يمنع بيع الزوجات أو التنازل عنهن، وبعد المداولة حكمت المحكمة على بائع زوجته بالسجن عشرة أشهر! وجاء في مجلة حضارة الإسلام: حدث في العام الماضي أن باع إيطالي زوجته لآخر على أقساط، فلما امتنع المشتري عن سداد الأقساط الأخيرة قتله الزوج البائع! وقال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: من الغرائب التي نقلت عن بعض الصحف المنشورة في هذه الأيام- يعني: قبل حوالي ستين سنة- أنه لا زال يوجد في الأرياف الإنجليزية رجال يبيعون نسائهم بثمن بخس جداً، كثلاثين شلناً، وقد ذكرت الصحف الإنجليزية أسماء بعضهم! وهذا الوضع للمرأة هو عند أن كانوا متمسكين بدينهم المحرف، أما الآن بعدما صاروا ملاحدة لا دين لهم فالوضع أخس؛ لأن المرأة أحقر من السلعة، فوضع المرأة في الغرب وضع مشين للغاية.
يقول الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله تعالى: وأما المرأة فقد دفع بها الوضع الاجتماعي الذي لا يرحم إلى أنها تطرد من المنزل بعد سن الثامنة عشرة، ولا يستطيع أحد أن يعترض ولا أن يتكلم في مجلس الشعب، إلا إذا حصل اتفاق مع الأخ أو الأم أنها تشارك في كل التكاليف في البيت، فهنا لها أن تبقى! فأصبحت البنت تطرد من المنزل بعد سن الثامنة عشرة؛ لكي تبدأ في الكدح لنيل لقمة العيش، وإذا ما رغبت أو أجبرتها الظروف في البقاء في المنزل مع أسرتها بعد هذه السن، فإنها تدفع لوالديها إيجار غرفتها، وثمن طعامها وغسيل ملابسها، بل تدفع رسماً معيناً مقابل اتصالاتها الهاتفية! وحدث ولا حرج عن ندرة الزواج وكثرة بيوت البغاء وتفشي الفواحش وكثرة اللقطاء وارتفاع نسبة الطلاق!
стр. 2659
مؤامرة الغرب على المرأة المسلمة
وحقيقة أن الغرب يحسدنا؛ فكلام الغرب في قضية المرأة بالذات هي عملية حسد، وليس أكثر من هذا، فإذا حسدونا على السلام وعلى التأمين، أفلا يحسدوننا على المرأة التي ما زالت عفيفة مصونة محترمة، لها قيمتها ولها احترامها ولها وزنها؟! فهي مؤامرة لإخراج المرأة من بيتها، وهذه أكبر شيء يطعن المسلمين في القلب، ويلحق ديار المسلمين ومجتمعات المسلمين بـ (الغابات) المتحدة الأمريكية وغيرها، فلا ينبغي لنا أن نتأثر بمنهج العولمة الذي يلزم في الوقت الجديد أن تخرج المرأة بأية طريقة، حتى إنه قد يحصل خداع لبعض الأخوات المسلمات، فتريد إحداهن أن تخرج من بيتها، وأن تُرشح في مجلس الشعب، وهذه بدعة وضلالة ما حصلت من قبل، وليس هناك داع أن ننخرط في مناهج هؤلاء الكفار.
فنحن المسلمين حالنا كحال حزب الوفد الذي تحالف مع بعض الأحزاب لما كان ضعيفاً جداً، فلما وصل إلى ما يريد تخلص ممن استعملهم كعامل مساعد، فلا ينبغي لنا أن نتورط في مثل هذا.
وأما خروج مسلمة متدينة فاضلة لانتخابات مجلس الشعب فهذا لا ينبغي، وهل الرجال استطاعوا أن يعملوا شيئاً؟! فالرجال ما عملوا شيئاً حتى تأتي امرأة وتدخل في الانتخابات، فيجب على المرأة أن تقر حيث أمرها الله ، فكيف تخرج في وسط هؤلاء الناس، وفي وسط هذه الأوضاع العجيبة؟! وأي مكسب ستجنيه؟! وماذا فعل الرجال من قبل حتى تصنع مثله النساء؟! فالشرع رفض أن تؤذن المرأة في الصلاة، أو تؤم المصلين، ولا تجب عليها صلاة الجماعة، ولا الجهاد؛ لأن الأصل هو القرار في البيت، كما قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣].
وأيضاً القرار في البيت ليس تعطيلاً لنصف المجتمع كما يرجف الملاحدة ويزعمون، فالمرأة التي في بيتها ليست عاطلة، بل هي العاملة في الوظيفة المقدسة، كما يقول النبي ﵊: (المرأة راعية في بيت زوجها)، فهذه هي الوظيفة الأساسية للمرأة.
أما المرأة الخارجة هذه فهي امرأة هاربة من مسئوليتها، وهناك حالات استثنائية، يعني: أنه يعفى عن المرأة في بعض الظروف، خاصة في هذا الزمان؛ فبعض النساء قد يكون لهن ظروف تعذرهن في الخروج للعمل؛ لكن القاعدة أن كثيراً من النساء يصرفن المرتب في المساحيق والزينة والملابس، فالله المستعان! يقول الدكتور نور الدين عتر: حدثني صديق أنهى تخصصه العالي في أمريكا حديثاً: أن في الأمريكيين أقواماً يتبادلون زوجاتهم لمدة معلومة، ثم يسترجع كل واحد زوجته المعارة، فيعيرها كما يعير القروي دابته، أو الحضري في بلادنا شيئاً من متاع بيته! يقول الشاعر: إيه عصر العشرين ظنوك عصراً نير الوجه مسعد الإنسان لست نوراً بل أنت نار وظلم مذ جعلت الإنسان كالحيوان فادعوا المساواة، ولكنها مساواة بين الإنسان وأخيه الحيوان.
ونحن نحتاج هنا إلى وقفة، وبالذات إذا ذكرنا قضية الرهبنة، وسوف نشير إشارة لابد منها فنقول: إذا نظرنا إلى شؤم هذه الرهبانية وماذا صنعت في الإنسانية، فسنجد أن الرجل كان يمدح بها عندهم، وكان يقال: فلان الفلاني مكث في بئر نزح ماؤه خمسين سنة، أي: وهو قاعد في بئر نزح ماؤه، ومعتزل فيه؛ كي يقرصه البعوض والذباب وهذه الحشرات، ويتقرب إلى الله بذلك! ويقول الواحد منهم: لقد كنا فيما مضى يمكث الواحد منا عشرات السنين لا يمس جسده الماء، وها نحن الآن ندخل الحمامات! أي أنه يقول: نحن الآن في انحراف عن هذا الهدي؛ لأننا الآن ندخل الحمامات.
ومن دخل ديراً سوف يجد ذلك، ولا أريد أن أدخل في التفاصيل، فسوف يجد الناس في داخل الدير المعتزلين هناك، وسيجد أن التراب الأسود على وجوههم قد أصبح زيادة على سواد الكفر؛ لأنهم لا يتنظفون، ولا ينظفون أنفسهم، بل يزعمون أن هذا يقرب إلى الله .
ونحن لا نتكلم على النظافة في الإسلام وسماحة الإسلام؛ فهذا أمر فوق الوصف، فالإسلام جاء بنظافة العقيدة؛ وذلك بتزكية القلب بالتوحيد، وبلا إله إلا الله، والكفر بالأوثان التي يشرك بها مع الله .
وهكذا جاء بنظافة الأخلاق، ونظافة الأجسام والأبدان، ونظافة السلوك، ونحو ذلك، فهو دين النظافة في كل شيء ولله الحمد، فإن الله جميل يحب الجمال.
стр. 2660
نظرة الإسلام إلى الزواج
وسنقف هنا على نظرة الإسلام للزواج؛ لنرى أن هذا الإسلام دين حياتي، كما قال : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد:٢٥]، فلا يمكن أن تستقيم حال البشرية إلا بهذا الدين الذي أنزله الله ؛ فإن الله شرع لبني آدم الزواج، وجعل تناسلهم يتم بطريقة شريفة منظمة محفوظة مصونة؛ كي لا تختلط المياه، ولا تشتبك الأنساب، وبهذا مُيز الإنسان عن البهائم والحيوانات.
وانظر إلى واقع الكفار الآن في الغرب، تجد الفوضى التي لا خطام لها ولا زمام، وكثير من الأبناء هناك لا يعرفون آباءهم، ولا يعرفون لهم أمهات، ولذا فإن مستشفيات النساء في أوروبا وفي الغرب إذا جاءت امرأة لتلد في تلك المستشفى فإنهم يذكرون في البطاقة الخاصة بمعاملة الولادة هل له أب أم ليس له أب، وهل تعرف أباه أم لا تعرف الأب، وهذه البطاقة يشرح فيها الطبيب حالة المريض، فأي امرأة تدخل مستشفيات الولادة يكون في بنود هذه البطاقة: متزوجة أم غير متزوجة؟! وهذا شيء عادي جداً عندهم، وليس فيه أدنى حرج.
والمرأة التي لا تنحط في حمأة الفاحشة هذه معقدة نفسياً، ولو وجدت طالبة في الكلية أو في المدرسة ولم يكن لها خليل أو خدن تعاشره سفاحاً، فهذه تحال للطبيب النفسي! لأنها في زعمهم معقدة، فنحمد الله على العافية! فلم تعد المرأة في ظل الإسلام كما كانت عند الآخرين نجسة ومدانة يجب التنزه عنها، ولكن تسامى الإسلام بالمرأة إلى علياء السمو.
فالإسلام لم يعتبر الزواج لعنة وشراً، ولم يجعل صوت المرأة مثل صوت صهيل الثعبان إلى آخره، بل جعل الزواج من أعظم نعم الله على عباده، فقال وهو يمدح الرسل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨]، وهذا جاء في سياق الامتنان.
وقال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤].
وقال : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ [الروم:٢١]، وكلمة (آيات) في القرآن الكريم لا تستعمل إلا في الأمور الجليلة العظيمة التي تعكس قدرة الله ، وقد بلغ من تعظيم الإسلام للزواج أنه قرن آية التكوين الأخرى بتكوين العالم كله، فقال في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١]، وقال وهو يقرن آياته العظمى في تكوين الأسرة بآياته العظمى في خلق الكون، فقال بعدها مباشرة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم:٢٢].
فالزوجة نفسها ينظر الإسلام إليها أنها نعمة، فيجب على الإنسان أن يشكر ربه عليها، ولا يكفرها، ويعلم أنه سيسأل يوم القيامة عن هذه النعمة، كما جاء في الحديث: (سيلقى العبد ربه، فيقول الله : ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول بلى أي رب! فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: إني أنساك كما نسيتني)، رواه مسلم وغيره.
فالشاهد هنا: قوله : (ألم أكرمك، وأسودك وأزوجك)، فهذه من نعم الله التي يحاسب عليها، ويسأل عنها يوم القيامة.
стр. 2661
حث الإسلام على الزواج
أما موضوع الترغيب في الزواج والحث عليه فهذا مما علم بالضرورة من دين الإسلام، فالإسلام اختص بالحث على الزواج.
يقول النبي ﷺ : (إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف الدين، فليتق الله فيما بقي)؛ لأن النكاح يعف عن الزنا، والعفاف أحد الخصلتين اللتين ضمن النبي ﵇ عليهما الجنة، فقال: (من وقاه الله شر اثنتين ولج الجنة: ما بين لحييه وما بين رجليه).
وكان النبي ﷺ يحث أصحابه على الزواج، وكان يقرأ لمن يطلب إباحة التبتل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة:٨٧]، وقال ﵊: (تزوجوا؛ فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، ولا تكونوا كرهبانية النصارى).
وأما التبتل فقد أتى عثمان بن مضعون ﵁ يستأذن الرسول ﵇ في أن يتبتل، فقال له النبي ﵊: (يا عثمان! إن الرهبانية لم تكتب علينا، أفما لك فيَّ أسوة؟! فوالله إني أخشاكم لله وأحفظكم لحدوده).
فالتعبد بترك النكاح لا أصل له في الإسلام، فلم تعد رابطة الزوجية دناءة بهيمية، فالإسلام أتى نوره وبدد تلك الظلمات، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تسامى الإسلام بتلك الرابطة، فجعلها ذريعة لواجبات كثيرة رفع الإسلام قدرها.
يقول الإمام الفقيه الحنفي كمال الدين بن الهمام رحمه الله تعالى: ومن تأمل ما يشتمل عليه النكاح من تهذيب للأخلاق، وتوسعة الباطن بالتحمل في معاشرة أبناء النوع.
فالإنسان يجاهد نفسه ويحصل تعديل لسلوكه وأخلاقه السيئة.
يقول: وتربية الولد، والقيام بمصالح المسلم العاجز عن القيام بها، كالنفقة على الزوجة وعلى الأولاد، والنفقة على الأقارب والمستضعفين، وإعفاف الحرم -يعني: إعفاف الزوجة- وإعفاف نفسه، ودفع الفتن عنه وعنهن، ودفع التقتير عنهن بحبسهن لكفايتهن مئونة الخروج -يعني: لأجل طلب الرزق- ثم الاشتغال بتأديب نفسه وتأهلها للعبودية، ولتكون هي أيضاً سبباً لتأهيل غيرها، وأمرها بالصلاة، فإن هذه الفرائض كثيرة لم يكد يقف عن الجزم بأنه أفضل من التخلي.
يعني: أن الزواج أفضل من التخلي للعبادات المستحبة والنافلة، ولو خير رجل بأن يتزوج رغم ما في الزواج من عناء ومشقة، وبين أنه ينفرد في صومعة يؤدي الفرائض، ويعتزل ليتقرب إلى الله بالنوافل فأيهما أفضل؟
الجواب
لا جدال بأن الزواج أفضل، هكذا هي نظرة الإسلام للزواج، ولذا قال ﵊: (من أماثل أعمالكم إتيان الحلال)، يعني: من أفضل أعمالكم إتيان الحلال.
وقد يتعجب القارئ أو المستمع كما تعجب الصحابة ﵃ من قبل عندما قال ناس منهم للنبي ﷺ : (يا رسول الله! ذهب أهل الدثور -أي الأغنياء- بالأجور؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وبكل تكبيرة صدقة، وبكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان فيها وزر؟ قالوا: بلى، قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال، كان له فيها أجر).
وقال النبي ﷺ لـ أبي ذر في ضمن وصية جامعة له: (ولك في جماعك زوجتك أجر، قال أبو ذر: كيف يكون لي أجر في شهوتي؟ فقال ﵊: أرأيت لو كان لك ولد فأدرك ورجوت خيره فمات، أكنت تحتسبه؟ قال: قلت: نعم، قال: فأنت خلقته؟ قال: بل الله خلقه، قال: أفأنت هديته؟ قال: بل الله هداه؟ قال: فأنت ترزقه؟ قال: بل الله كان يرزقه، قال: كذلك فضعه في حلاله وجنبه حرامه، فإن شاء الله أحياه، وإن شاء أماته، ولك أجر).
بل تسامى الإسلام بهذه الرابطة، حيث أرشد النبي ﵊ إلى استصحاب نية طلب الأولاد، والتسمية، وحض على ذلك؛ لما فيه من الخير الكثير، فقال ﷺ : (لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك اليوم لم يضره الشيطان أبداً).
ونحن نختصر الكلام في هذا الموضع وإن كان يحتاج إلى تفصيل؛ لكن هذه الإشارة العابرة تعكس مدى نظرة الإسلام للزواج وتكريم المرأة بصورة لا تترك لعاقل أي شك في أن هذا هو أعظم تكريم للإنسان، وأعظم تكريم للرجل، وأعظم تكريم للمرأة، بخلاف هذه الحضارة البهيمية التي تريد أن تسوي لا بين الرجل والمرأة كما يزعمون؛ ولكن بين الإنسان والحيوان، بل حتى الحيوانات قد تكون أفضل، وأحوال القوم لا تخفى على مسلم.
стр. 2662
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله)
يقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٢٨].
قال ابن كثير: حمل ابن عباس هذه الآية على مؤمني أهل الكتاب، وأنهم يؤتون أجرهم مرتين، كما في الآية التي في القصص: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) [القصص:٥٤]، وكما في حديث الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل كتاب آمن بنبيه وآمن بي، فله أجران، وعبد مملوك أدى حق الله وحق مولاه، فله أجران، ورجل أدب أمته فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها، فله أجران) متفق عليه، فانظر إلى حث الإسلام على التأديب وعلى التعليم وعلى التربية، حتى الجارية نفسها أمر بتأديبها.
وهذا التفسير هو اختيار ابن جرير، فقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا))، المقصود بالآية مؤمنو أهل الكتاب.
وقوله: ((اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ)).
قال سعيد بن جبير: لما افتخر أهل الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرتين أنزل الله تعالى هذه الآية في حق هذه الأمة.
والظاهر أن لفظها أعم، وأن المقصود بها حث كل من آمن بالنبي ﷺ على الثبات على الإيمان، والرسوخ فيه، والانصياع لأوامره.
ومنه ما حث عليه في الآيات قبلها من الإنفاق في سبيله، وسخاوة النفس فيه، وأن لهم في مقابل ذلك أجراً وافراً، كما قال في أول السورة: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد:٧]، وآخر السورة فيه رجوع لأوائلها؛ لتذكير ما أمرت به وما سبق نزولها لأجله.
وقوله تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾، الكفل: الحظ، وأصله ما يكتفل به الراكب فيحبسه ويحفظه عن السقوط، والتثنية في مثله إما على حقيقتها أو هي كناية عن المضاعفة.
(ويجعل لكم نوراً) النور: هو ما يبصر من عمى الجهالة والضلالة، ويكشف الحق لقاصده، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩]، فكلما اتقيت الله فإنه ينور قلبك، ويعطيك القوة على التمييز بين الحق والباطل والهدى والضلال.
ومعنى الآية: إن تتقوا الله وتؤمنوا برسوله يؤتكم كفلين، ويجعل لكم كذا وكذا.
стр. 2663
تفسير قوله تعالى: (لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء)
قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢٩].
((لِئَلَّا يَعْلَمَ)) أي: ليعلم أهل الكتاب الذين لم يسلموا عدم قدرتهم على شيء من فضل الله، وثبوت أن الفضل بيد الله.
والمراد بالفضل ما آتاه المسلمين وخصهم به؛ لأنهم كانوا يرون أن الله فضلهم على جميع الخلق.
فأهل الكتاب كانوا يعتقدون أنهم أفضل الخلق، وزنادقة اليهود يقولون كما حكى الله عنهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة:١١١]، وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]، كانوا يحسبون أنهم أفضل من جميع الخلق، فأعلمهم الله جل ثناؤه أنه قد آتى أمة محمد ﷺ من الفضل والكرامة ما لم يؤتهم؛ ليعلموا أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله، أي: ليسوا هم الذين يوزعون فضل الله على الخلق.
والتفضيل بين الأمم راجع إلى قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨]، فأنتم لا تقدرون على شيء من فضل الله، فإذا كنتم لا تقدرون على شيء من فضل الله، فكيف تكون لكم قدرة على ما هو أعظم فضل الله.
إذاً فالمراد بالفضل ما آتاه المسلمين وخصهم به؛ لأن أهل الكتاب كانوا يرون أن الله فضلهم على جميع الخلق، فأعلمهم الله جل ثناؤه أنه قد آتى أمة محمد ﷺ من الفضل والكرامة مالم يؤتهم؛ ليعلموا أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله، فضلاً عن أن يتصرفوا في أعظمه وهو النبوة، فيخص بها من أرادوا، وأن الفضل بيد الله دونهم.
قوله: ((وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ))، يعني: ليس بأيديكم أنتم يا أهل الكتاب! دون غيركم من الخلق، بل الله يؤتيه من يشاء من عباده.
(ولا) في ((لِئَلَّا)) صلة، وقال بعضهم: وهو حرف شاعت زيادته.
بل هذا في الحقيقة من أوضح الأدلة على أن (لا) قد تكون أحياناً زائدة، ولا تعني النفي، وهذا أحد الأوجه في قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة:١].
فهنا قوله تعالى: ((لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ))، تفسيرها: ليعلم أهل الكتاب.
قال ابن جرير: وذكر أن في قراءة عبد الله: (لكي يعلم)، قال: لأن العرب تجعل (لا) في صلة كل كلام دخل في أوله أو آخره جحد غير مصرح، كقوله في البحث السابق الذي لم يصرح به: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف:١٢]، وتفسيرها: ما منعك أن تسجد لما أمرتك، وقال تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٠٩]، يعني: أنهم سوف يؤمنون.
وقال تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥]، في التفسير: أنهم يرجعون؛ فالأمة التي تهلك لا ترجع إلى الدنيا مرة أخرى؛ فهذا حرام بتحريم كوني قدري، أي: حرام عليهم أن يرجعوا إلى الدنيا.
ونقل الثعالبي في فقه اللغة زيادتها في عدة شواهد في فصل (الزوائد والصلات التي هي من سنن العرب) فانظره تزدد علماً.
وهذا آخر تفسير سورة الحديد.
والله أعلم.
стр. 2664
تفسير سورة المجادلة [١ - ٤]
стр. 2665
تفسير قوله تعالى: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وللكافرين عذاب أليم)
قال الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة:١ - ٤].
قال الجوهري: (قد) حرف لا يدخل إلا على الأفعال، وقال الزمخشري: معنى (قد) التوقع؛ لأنه ﷺ والمجادلة كانا متوقعين أن ينزل الله في شكواها ما يفرج عنها.
ومعنى سماع الله تعالى لقولها إجابة دعائها لا مجرد علمه تعالى بذلك، فهذا كقول المصلي: (سمع الله لمن حمده).
قوله تعالى: ((وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ))، هذه الواقعة تدل على أن من قطع رجاؤه عن الخلق فلم يبق له فيما أهمه أحد سوى الخالق كفاه الله ذلك الأمر.
وصيغة المضارع: يسمع: يفيد التجدد: ((وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا))، للدلالة على استمرار السمع، حسب استمرار التحاور وتجدده، ويأتي بالمضارع هنا؛ لأن فيه تحاوراً ومراجعة في الكلام، فكلما ترد الكلام فإن الله يسمعه، وذكرها مع الرسول ﷺ في ذلك الخطاب في قوله: ((تَحَاوُرَكُمَا))، تكريم لها بهذا الخطاب الكريم، فقد ذكرت مقترنة باسمه الشريف ﵊، فهذا بلا شك تكريم عظيم لها، وإظهار الاسم الجليل في الموضعين لغرض المهابة والروعة في قلوب المؤمنين: ((قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا)).
следующие страницы →