Полный текст (3 275 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
تفسير سورة الجن [١١ - ٢٨]
стр. 3012
تفسير قوله تعالى: (وأنا منا الصالحون بخساً ولا رهقاً)
يقول الله : ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا * وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا * وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا﴾ [الجن:١١ - ١٣].
((وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ)) أي: المسلمون العاملون بطاعة الله.
((وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ)) أي: قوم دون ذلك وهم المقصرون في الصلاح، غير الكاملين فيه، يعني أن المؤمنين درجات: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٦٣].
وقيل: ((وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ)) هم الكافرون، أي: ومنا المسلمون ومنا الكافرون.
قوله: ((كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا)) أي: كنا قبل إسلامنا أهواء مختلفة وفرقاً شتى.
فهذا حكاية عن حالهم قبل أن يدخلوا في الإسلام لما سمعوا القرآن.
والطرائق جمع طريقة، وهي طريقة الرجل ومذهبه، والقدد: الضروب والأجناس المختلفة، جمع قدة كقطعة.
قوله: ((وَأَنَّا ظَنَنَّا)) أي: علمنا وأيقنا، والظن يأتي بمعنى العلم.
((أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ)) يعني: إن أراد بنا شيئاً.
((وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا)) إن طُلِبْنَا فلا مهرب لنا من الله .
قال الزمخشري: هذه صفة الجن وما هم عليه من أحوالهم وعقائدهم، منهم أخيار وأشرار ومقتصدون، وأنهم يعتقدون أن الله عزيز غالب لا يفوته مطلب، ولا ينجي منه مهرب.
قوله: ((وأنا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى)) أي: القرآن الذي يهدي إلى الطريق المستقيم.
(آمنا به)، أي: صدقنا بأنه حق من عند الله.
((فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا)) يعني: لا يخاف أن ينقص من حسناته فلا يجازى عليها.
((وَلا رَهَقًا)) يعني: ولا يخاف أن ترهقه ذلة وتلحقه هيئة معذبة موجبة للخسوء والطرد، وإنما يكون له الجزاء الأوفى والعاقبة الحسنى.
стр. 3013
تفسير قوله تعالى: (وأنا منا المسلمون لجهنم حطباً)
﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن:١٤ - ١٥].
يقول تعالى: ((وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ)) أي: الكافرون الجائرون عن طريق الحق.
إذاً: المقسط هو العادل، والقاسط هو الجائر.
((فَمَنْ أَسْلَمَ)) يعني: من أذعن وانقاد.
((فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا)).
أي: ترجوا وتوخوا رشداً عظيماً، وقصدوا صواباً واستقامة.
وقوله: ((فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا)) قيل: إنه من كلام الله ، وقيل: هو من كلام الجن.
قال الزمخشري: وقد زعم من لا يرى للجن ثواباً أن الله تعالى أوعد قاسطيهم، وما وعد مسلميهم.
وقد تعرضنا لذلك في سورة الأحقاف عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩] يعني: منذرين العذاب، ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣٠ - ٣١].
فزعم البعض أن الجن إن آمنوا وعملوا الصالحات فثوابهم أن تغفر لهم ذنوبهم، وأن يجاروا من العذاب الأليم، أما الجنة فإنهم لا يدخلونها؛ لأن هذا فقط هو ثوابهم كما في قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣١].
واستدلوا أيضاً بهذه الآية: ((وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا)) قالوا: إن قوله: ((فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا)) يعني: اختاروا الطريق الصحيح، وهو طريق الإسلام: ((وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا)) فزعم الفريق الذي لا يرى للجن ثواباً أن الله تعالى أوعد قاسطيهم وما وعد مسلميهم.
فرد الزمخشري عليهم بقوله: وكفى به وعداً أن قال: ((فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا)).
فتحري الرشد لا شك أنه من أعظم أسباب الثواب وموجباته، والله أعدل من أن يعاقب القاسط، ولا يثيب الراشد.
وقد تكلمنا كثيراً في سورة الرحمن، وذكرنا أن من أقوى ما يدل على أن مؤمني الجن في الجنة، قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣].
فالمخاطب في هذه الآية هم الجن والإنس، بدليل قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الرحمن:٣٣]، فواضح أن السياق الذي فيه ذكر النعيم الموجود في سورة الرحمن في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] عام في الجن والإنس، كذلك قوله تعالى في الحور: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦]، فدل على أن مؤمني الجن في الجنة.
وقوله تعالى: ((وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا)) أي: توقد بكفار الجن كما توقد بكفار الإنس.
стр. 3014
تفسير قوله تعالى: (وألّوا استقاموا على الطريقة عذاباً صعداً)
﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن:١٦].
يقول : ((وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا)) أي: الجن أو الإنس، أو كلاهما.
((عَلَى الطَّرِيقَةِ)) أي: على طريقة الحق والعدل.
((لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا)) أي: لوسعنا عليهم الرزق، وإنما عبر بالماء الغدق -وهو الكثير- عن سعة الرزق؛ لأن الماء الكثير هو أصل المعاش وسعة الرزق، ولعزة وجوده بين العرب، فهم يعظمون الماء أكثر من غيرهم؛ فمن ثم وعد الله هؤلاء بقوله: ((وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا)).
((لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ)) أي: لنختبرهم ونبتليهم فيه كيف يشكرون ما خولهم الله من النعم وأعطاهم.
((وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ)) أي: عن عبادته أو موعظته.
((يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا)) أي: شديداً شاقاً.
قال الزمخشري: والصعد مصدر صعد يقال: صعد صعداً وصعوداً، فوصف به العذاب؛ لأنه يتصعد المعذب، أي: يعلوه ويغلبه، فلا يطيقه.
стр. 3015
تفسير قوله تعالى: (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً)
يقول الله ﵎: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨].
((وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ)) أي أن المساجد التي هي أشرف بقاع الأرض مختصة بالله ، ومقامة لأجل عبادة الله وحده لا شريك له.
(فلا تدعوا) أي: لا تعبدوا، والدليل قوله تعالى في سورة غافر: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] فكثيراً ما تأتي تتناوب هاتان العبارتان فأحياناً يعبر عن الدعاء بالعبادة، وأحياناً يعبر عن العبادة بالدعاء.
والمعنى: لا تعبدوا مع الله أحداً في المساجد، وهذا فيه تعريض لما كان عليه المشركون من عبادتهم غيره تعالى في المسجد الحرام، ونصبهم فيه التماثيل والأنصاب، وبما عليه أهل الكتاب، فإن المساجد لم تشد ولم تبن إلا ليذكر فيها اسمه تعالى وحده، ومن هنا ذهبت الحنابلة إلى أنه لا يجتمع في دين الله مسجد وقبر، وأن أيهما طرأ على الآخر وجب هدمه.
والغريب أن القاسمي ينسب هذا إلى الحنابلة فقط، لأن العبارة من عبارات ابن القيم في زاد المعاد، لكن الحقيقة أن هذا كلام أئمة المذاهب الأربعة، وعلمائها.
نحن في مصر متخصصون في وضع المساجد على القبور، وأوسع كتاب اشتهر بجمع أقوال المذاهب الأربعة التي تثبت أن جميع المذاهب المتبوعة تنهى عن بناء المساجد على القبور هو كتاب (تحذير الساجد من اتخاذ القبور على المساجد) وهو للعلامة الألباني رحمه الله تعالى، وهذا من أوائل الكتب التي ألفها الشيخ الألباني، ألفه وهو شاب صغير، رحمه الله تعالى.
فإذا كنا نهمل القضايا التي تمس صلب عقيدة التوحيد، والأمور التي تمس واقعنا، فكيف بما هو أقل منها.
فإذاً: ابن القيم ذكر في زاد المعاد أنه لا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر، والحكم يكون للأصل، والطارئ هو الذي يزال، يعني: إن كان هناك قبر ثم بني عليه المسجد فالمسجد يهدم ويزال، أما إذا كان هناك مسجد ثم طرأ عليه قبر، فالقبر هو الذي يزال، أما مسجد وقبر فلا يجتمعان في دين الإسلام أبداً، والأدلة على ذلك واضحة وضوح الشمس.
وأنا كلما تلوت قوله : ((وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا)) تذكرت حادثة هدم المسجد البابري في الهند، والذي قاد الحملة لهدمه رجل هندوسي وثني مشرك، كان زعيماً لجماعة من الهندوس الكفرة، ظل مدة كبيرة يدربهم على هدم المسجد، لكن أذيع في الأيام الأخيرة أن هذا الرجل دخل في الإسلام، وظل يبكي ويدعو الله أن يمحو عنه وزر تحطيم هذا المسجد.
стр. 3016
تفسير قوله تعالى: (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً)
يقول الله ﵎: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩].
((وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ)) أي: نبينا محمد ﷺ .
لقد وصف الله نبيه ﷺ بأشرف الصفات في أشرف المقامات، وهي صفة العبودية لله، فبعض الفئات من الناس تظن أنها لن تعظم النبي ﷺ حق قدره حتى تبالغ في وصفه بما يكرهه، وبما يقدح في عقيدة التوحيد، فيظنون أن هذا تعظيم للرسول ﷺ ، وهم في هذه الحالة يفعلون فعل النصارى، والرسول ﵊ قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله).
إن فخر الرسول ﵊ هي العبودية لله التي هي غاية الحب وغاية الذل، فمن أراد أن يمدحه فليمدحه بالعبودية والتواضع لله؛ لأن القاعدة أن من تواضع لله رفعه، ولا يمكن أن نبياً يبعث إلى الناس ويدعوهم إلى عبادة الله والكفر بالأنداد ثم هو نفسه يدعوهم إلى عبادة نفسه؛ لأن هذا تعارض، يقول : ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٧٩ - ٨٠].
فالغلو في النبي ﵊ قد يصل إلى الكفر والعياذ بالله، خاصة بعض الصوفية الذين يوجد عندهم انحرافات كثيرة في هذا الباب، فلنحذر الغلو والمبالغة في مدح النبي ﵌، كما عند بعض الشعراء وأشهرهم هو البوصيري في البردة المشهورة، وفيها كلام بشع يتناقض مع التوحيد تناقضاً جذرياً، مثل قوله: فإن من جودك الدنيا وضرتها.
يعني: من كرم الرسول ﵊ أنه خلق الدنيا وضرتها، أي: الآخرة.
ومن علومك علم اللوح والقلم.
وقوله: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم أو قول بعضهم عند التعوذ: أعوذ بمحمد من شر ما خلق الله، هل يعظم بهذا؟! والرسول ﷺ لما سمع رجلاً يقول: (ما شاء الله وشئت، غضب وقال: أجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده)، والأدلة في ذلك كثيرة.
قوله: ((يَدْعُوهُ)) يعني: يعبد ربه.
قوله: ((كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا)) يعني: أن الجن لما رأوا النبي ﵊ وهو يعبد الله ازدحموا عليه طبقات فوق طبقات وجماعات بعضها فوق بعض؛ تعجباً مما رأوه من عبادته، واقتداء أصحابه به، وإعجاباً بما تلا من القرآن؛ لأنهم رأوا ما لم يروا مثله، وسمعوا بما لم يسمعوا بنظيره.
والضمير في قوله: ((كَادُوا)) عائد على الجن، أي: كاد الجن يكونون عليه لبداً؛ لأن الحديث في البخاري يدل على أنهم الجن.
وجوز رجوع الضمير على المشركين بمكة، والمعنى: لما قام الرسول يعبد الله وحده مخالفاً للمشركين في عبادتهم الآلهة من دونه، كاد المشركون لتظاهرهم عليه وتعاونهم على عداوته يزدحمون عليه متراكمين.
قوله: ((لِبَدًا)) جمع لبد، وهو ما تلبد بعضه على بعض، يعني: طبقات بعضها فوق بعض، ومنها لبدة الأسد وهو شعر زبرة الأسد.
стр. 3017
تفسير قوله تعالى: (قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحداً)
يقول ﵎: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ [الجن:٢٠].
وقرئ ((قَاْل إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا)).
قوله: ((إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي)) أي: أعبد ربي وأبتهل إليه وحده.
((وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا))، أي: فليس ذلك ببدع ولا منكر يوجب تعجبكم أو إطباقكم على مقتي، يعني: هذه دعوتي صريحة واضحة، فمن أي شيء تتعجبون؟! أتتعجبون أنني أدعو إلى لا إله إلا الله، أو أني أقول: ربنا الله؟! ماذا تنكرون من حالي وأنا لا أقول إلا: لا إله إلا الله؟ ولا أدعو إلا إلى توحيد الله ﵎ ونبذ الأنداد.
فهذا كقول الله : ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر:٢٨].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨].
وقوله تعالى عن لسان المؤمنين السحرة: ﴿وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ [الأعراف:١٢٦].
فلذلك قال هنا: ((قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا)) أي: فليس ذلك ببدع ولا بمنكر يوجب تعجبكم أو إطباقكم على مقتي.
стр. 3018
تفسير قوله تعالى: (قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً وأقل عدداً)
﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا * حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾ [الجن:٢١ - ٢٤].
يقول ﵎: ((قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا)) أي: لأن ذلك لله تعالى وحده، فلا تستعجلوني بالعذاب، فهذا ليس بيدي.
((وَلا رَشَدًا)) إما أن يراد بالرشد هنا النفع تعبيراً بالسبب عن المسبب، يراد بالضر الغي، تعبيراً باسم المسبب عن السبب.
ويجوز أن يجرد من كل منهما ما ذكر في الآخر، فيكون احتباكاً، والتقدير: قل إني لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً ولا غياً ولا رشداً.
يقول ﵎: ((قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ)) يعني: إن أراد الله بي سوءاً فلن يجيرني من الله أحد.
((وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا)) يعني: ملتجأً إن أهلكني، وأصله المدخل من اللحد.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ﴾ [الجن:٢٣] هو استثناء من قوله: ((لا أَمْلِكُ)).
((قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا)) * ((إِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ))، يعني: أملك لكم نوعاً معيناً من الرشد، وهو أنني أبلغكم رسالة الله والوحي الذي يهديكم به، فإن التبليغ إرشاد ونفع، فالاستثناء متصل، وما بينهما اعتراض مؤكد لنفي الاستطاعة، أعني قوله: ((قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا)).
وجمعت الرسالات في قوله: ((وَرِسَالاتِهِ)) لأنها تعبر عن معاني الوحي وأحكام الحق؛ لأنها متعددة.
((وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) يعني: فلم يسمع ما جاء به، ولم يقبل ما يبلغه، ((فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا)).
((حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ)) يعني: ما يوعدون في الرسالات الإلهية من الظهور عليهم أو العذاب الأخروي.
((فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا)) أي: أجند الرحمن أو إخوان الشيطان؟!
стр. 3019
تفسير قوله تعالى: (قل إن أدري أقريب ما توعدون ومن خلفه رصداً)
يقول ﵎: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾ [الجن:٢٥].
((أمداً)) يعني: غاية تطول مدتها.
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧].
قوله: ((رَصَدًا)) يعني: حرساً من الملائكة يحفظون الرسول من تخاليط الشياطين ووساوسهم، حتى يبلغ ما أمر به من غيبه ووحيه.
قال بعض المفسرين في قوله تعالى هنا: ((عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا)) إن كلمة: ((غَيْبِهِ)) ليست من صيغ العموم، فيحتمل أن يقصد بها نوع معين من الغيب، وهو توقيت قيام الساعة.
стр. 3020
تفسير الزمخشري لقوله: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى)
يقول الزمخشري: قوله: ((عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ أي: أنه لا يطلع على الغيب إلا المرتضى الذي هو مصطفى للنبوة خاصة، لا كل مرتضى.
يعني: يمكن أن الله يرتضي من عباده الأولياء والصالحين، لكن يقصد هنا طبقة معينة من المرتضين، وهم من خصوا بالرسالة فقط، فهم الذين يطلعهم الله على هذا الغيب.
يقول الزمخشري: وفي هذا إبطال للكرامات؛ لأن الذين تضاف إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل، وقد خص الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب.
لمزيد من التوضيح فـ الزمخشري معتزلي ينكر الكرامات، فهو يفسر الآية بطريقة معينة، بمعنى: أن الله لا يطلع على الغيب إلا درجة معينة ممن ارتضاهم ورضي عنهم، وهم من خصوا بالرسالة، لكن لا يوجد أحد يدعي أن الكرامات هي ما تعلق بشيء من الغيب، وكذلك لا يوجد أحد يزعم أن الأولياء يعلمون الغيب إلا من خلال أمرين اثنين: إما رؤيا منامية، كأن يرى رؤيا صالحة تشير إلى شيء من الغيب، ومع ذلك فهذا الولي لا يقطع بها الأمر الثاني: الفراسة، والفراسة هي نور البصيرة التي ينور الله بها قلب المؤمن، فيرى ويدرك الأشياء بنور الفراسة.
وهذا أيضاً لا يقطع به كمصدر من مصادر الحقائق العلمية، وإنما هو شيء مظنون.
فهل تنحصر كرامات الأولياء في هذا الباب فقط، أم تنحصر في خرق العادة بالكرامات الشهيرة المعروفة؟ يعني: كون بعض الناس ادعى الاطلاع على الغيب، فهل يجعلنا نبطل جميع كرامات الأولياء؟! كيف والقرآن نفسه احتوى على شيء من كرامات الأولياء، مثل كرامة مريم، كما في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٣٧].
إذاً: فالكرامات لا تنحصر فيما يتعلق بالإخبار عن الغيب، مع أننا لا ندعي أن أولياء الله يعلمون الغيب، لكن نقول: ربما يكون هناك إخبار بأشياء ستقع عن طريق رؤيا لا يقطع بها، أو عن طريق الفراسة، وهي أيضاً لا يقطع بها.
يقول الزمخشري: وقد خص الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب، وإبطال الكهانة والتنجيم؛ لأن أصحابهما أبعد شيء من الارتضاء وأدخله في السخط.
وهذا صحيح، نقول: إن قوله تعالى: ((عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا)) * ((إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ)) يؤخذ منها أنه لا يخبر بهذا الغيب إلا من ارتضاه من الرسل، ويؤخذ من هذه الآية إبطال الكهانة والتنجيم؛ لأن أصحابهما هم أولى الناس بسخط الله، وهم أبعد الناس عن أن يرضى عليهم الله، فكيف يقال إنهم يعلمون الغيب؟!
стр. 3021
تفسير أبي السعود لقوله تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى)
وقد أجاب أبو السعود: بأن معنى الآية: فلا يطلع على غيبه إطلاعاً كاملاً ينكشف به جلية الحال انكشافاً تاماً موجباً لعين اليقين أحداً من خلقه.
قال: قوله: ((إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ)) أي: إلا رسولاً ارتضاه لإظهاره على بعض غيوبه المتعلقة برسالته.
أقول: وهل الرسول يطلع على كل غيب؟ لا، بل يطلعه الله على ما شاء من الغيب المتعلق برسالته.
قال: كما يعرب عنه بيان: ((إِلَّا مَنِ ارْتَضَى)) بقوله: ((مِنْ رَسُولٍ)).
إما لكونه من مبادئ رسالته، بأن يكون معجزة دالة على صحتها.
يعني: قد يطلع الله الرسول المرتضى على شيء من الغيب، ليكون معجزة له وأنه أخبر بهذا الغيب، وهذا ركن من أركان الاستدلال به على صدق النبوة.
فمن ضمن الأشياء الخمسة التي يستدل بها على صدق النبوة: النبوءات والإخبار عن غيب قبل أن يقع فيقع كما أخبر، فيكون ذلك معجزة تؤيد النبي، وتدل على صدقه.
قال: وإما لكونه من أركانها وأحكامها كعامة التكاليف الشرعية التي أمر بها المكلفون، وكيفيات أعمالهم، وأجزيتها المترتبة عليها في الآخرة.
أي: فهذا غيب، والرسول ﵊ اطلع على هذا الغيب، فمن ذلك قوله ﷺ : (من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] عشر مرات بنى الله له بها قصراً في الجنة)، وقوله ﵊: (من قال: سبحان الله وبحمده، غرست له بها نخلة في الجنة).
إذاً: الرسول ﷺ يخبر بهذا النوع من الغيب.
قال: وما تتوقف عليه من أحوال الآخرة التي من جملتها قيام الساعة والبعث، وغير ذلك من الأمور الغيبية التي بيانها من وظائف الرسالة.
يعني: فالرسول ﵊ يخبرنا من خلال الوحي بأشياء لا يمكن أن يدلنا عليها العقل، وهي هذه الأمور الغيبية، من صفات الملائكة والجن وأحوالهم، أليس هذا كله غيباً؟! قال: أما ما لا يتعلق بها على أحد الوجهين من الغيوب التي من جملتها قيام الساعة، فلا يظهر عليها أحداً أبداً؛ لأن هذا الغيب لا يرتبط بالرسالة، ولا هو من موضوع الرسالة.
ولذلك الرسول ﷺ لما سأله جبريل عن قيام الساعة قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) إن السائل جبريل والمسئول هو الرسول ﵊، فإذا كان محمد ﵊ وجبريل لا يعرفان متى الساعة، فهل يطمع غيرهما أن يعرف متى الساعة؟! والآيات في ذلك واضحة.
قال: على أن بيان وقته مخل بالحكمة التشريعية التي عليها يدور فلك الرسالة.
يعني: فمن حكمة الله أنه خبأ علينا موعد الساعة؛ لأننا لو عرفنا موعد قيام الساعة لانتهى الامتحان.
قال: أيضاً: ليس فيه ما يدل على نفي كرامات الأولياء، فإن اختصاص الغاية القاصية من مراتب الكرامات بالرسل، لا يستلزم عدم حصول مرتبة ما من تلك المراتب لغيرهم أصلاً، ولا يدعي أحد لأحد من الأولياء ما نسب للرسل عليهم الصلاة والسلام من الكشف الكامل الحاصل بالوحي الصريح.
стр. 3022
كلام النسفي والرازي في قوله: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى)
قال النسفي في الجواب أيضاً: أي: إلا رسولاً قد ارتضاه لعلم بعض الغيب، فإنه يطلعه على بعض الغيب، ليكون إخباره عن الغيب معجزة له.
قوله: (من رسول) بيان لقوله: ((إِلَّا مَنِ ارْتَضَى))، والولي إذا أخبر بشيء فظهر، فهو غير جازم عليه، ولكنه أخبر بناء على رؤياه أو بالفراسة، على أن كل كرامة من ولي فهي معجزة للرسول.
وقال الرازي: وعندي أن الآية لا دلالة فيها على شيء مما قالوه.
стр. 3023
ملخص كلام المفسرين في قوله تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى)
إذاً: الزمخشري ومن تابعه على أن قوله: ((عَلَى غَيْبِهِ)) ليس فيه صيغة عموم، كذلك أبو السعود والنسفي يقولان: ليس هذا هو المقصود بقوله ﵎: ((فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا)) فيكفي في العمل بمقتضاه ألا يظهر تعالى خلقه على غيب واحد من غيوبه، فنحمله على وقت وقوع القيامة، فيكون المراد من الآية أنه تعالى لا يظهر على هذا الغيب بالذات أحداً، فلا يبقى في الآية دلالة على أنه لا يظهر شيئاً من الغيوب لأحد.
والذي يؤكد هذا التأويل أنه تعالى إنما ذكر هذه الآية عقيب قوله: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾ [الجن:٢٥]، فالكلام هنا عما توعدون من قيام الساعة، يعني: لا أدري وقت وقوع القيامة.
فقوله بعده: ((عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا)) أي: غيبه الذي هو علم وقت القيامة.
وبالجملة فقوله: ((عَلَى غَيْبِهِ)) لفظ مفرد مضاف، فيكفي في العمل به حمله على غيب واحد وهو قيام الساعة، لكن هناك أنواع أخرى من الغيب يمكن أن يطلع عليها الرسل، كما ذكرنا.
ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعاً، يعني: كأن الله قال: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه المخصوص جداً، والغيب المخصوص هو وقت القيامة.
قوله: ((إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا)) أي: حفظة يحفظونه من شر مردة الإنس والجن؛ لأنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام جواباً لسؤال من سأله عن وقت وقوع القيامة على سبيل الاستهزاء به والاستحقار لدينه ومقالته.
وملخصه تخصيص الغيب بوقت وقوع القيامة بدلالة السياق، وتخصيص الرسول بالملك.
стр. 3024
علم النجوم والاكتشافات والتجارب بين المشروع والممنوع
وقال بعضهم: إن في هذه الآيات تكذيب المنجمة.
وكلمة المنجمة كان لها اصطلاح غريب مخالف قليلاً لما نعرفه الآن، فالمنجم الآن ليس هو الذي يدعي النظر في النجوم ويستطلع فيما يزعم أخبار الغيب عن طريق النظر في النجوم كالكهان مثلاً، وإنما المنجم يدخل فيه كل من يشتغل بعلم الهيئة والنجوم.
فعلم الفلك الذي هو علم الهيئة هذا علم يخضع للتجربة والمشاهدة والاستنتاج والدراسة والاستقراء، وممكن أن يصدق أن الكسوف يحصل في وقت معين، وليس هذا ادعاءً للغيب، وإنما هو بناء على حسابات وضبط للنظام الذي وضعه الله في هذا الكون، فأنت عندما تقول: إن الشمس غداً ستشرق من المشرق لا تخبر بالغيب، لأن ذلك شيء تعودناه ورأيناه، فنعرف أنها سوف تشرق من المشرق بإذن الله، فكذلك الإخبار عن بعض هذه الأشياء.
إذاً: لا ينبغي أن نخلط بين العلوم التجريبية التي تخضع للحس وللتجارب البشرية والاستقراء، وبين من يدعي الإخبار بأشياء ستقع، بناءً على أنه يعلم الغيب، فهذه نقطة وتلك نقطة أخرى.
فكل ما يمكن للإنسان أن يصل إليه بالبحث والتحري لا يكون من الغيب في شيء، فلذلك بعض الناس يختلط عليهم الأمر، يقول لك: توجد الآن أجهزة يمكن من خلالها معرفة نوع الجنين، فتراه يرتبك ويذكر قول ربنا : ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لقمان:٣٤] ثم يقول: عندنا تجرى أنواع من الفحوص ثم يقول لك الطبيب: إن هذا ذكر أو أنثى مثلاً، فهل هذا يتنافى مع إيماننا بأنه لا يعلم ما في الأرحام إلا الله؟ نقول: إن الله يعلم ما في الأرحام بدون آلة؛ لأن الله لا يوجد غيب في حقه سبحانه، لكن الإنسان عندما يعلم ما في الرحم مثلاً هو لا يقول: هذا ذكر أو أنثى دون أن يجري فحوصات طبية ويستعمل آلات، كذلك عندما يكون في العظم شرخ مثلاً، فإنه لا يقول لك: هذا فيه شرخ دون أن يجرى أشعة وينظر في الأشعة.
فهل هو يعلم الغيب؟ لا، ولكن وصل إليه بنفسه بجهد وبآلة.
فالمقصود أن الله هو الذي يستأثر بعلم الغيب؛ لأنه لا يحتاج إلى آلة، أما نحن فلا يمكن أن نعرف إلا بآلة أو بجهد بشري نفعله، ونصل في النهاية إلى هذه الأشياء.
على أي حال يقول: وقال بعضهم: في هذه الآيات تكذيب المنجمة، وليس كذلك، فإن فيهم من يصدق خبره، وكذلك المتطببة، فإنهم يعرفون طبائع النبات، وذا لا يعرف بالتأمل، فعلم بأنهم وقفوا على علمهم من جهة رسول انقطع أثره وبقي علمه في الخلق، وهذا الجواب يلجأ إليه المتفقهة، زعماً بأن معرفة مواقيت الكسوف وخواص المفردات مما يشمله علم الغيب، ولا يصح أن أحداً يدعي أنه يعرفه، ونكذب من يقول هذا بحجة قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن:٢٦].
والصواب أن هذا ليس له علاقة بعلم الغيب؛ لأنه مما يتيسر للناس أن يعرفوه بالنظر والاستدلال والتجربة والبحث، كالعلوم الرياضية والطبيعية والزراعية والصنائع والهيئة الفلكية وعلم الأجنة، فكل ما يمكن للإنسان أن يصل إليه بنفسه لا يكون من الغيب في شيء، ولذا قال بعض الحكماء: لو كان من وظيفة النبي أن يبين العلوم الطبيعية والفلكية، لكان يجب أن تعطل مواهب الحس والعقل، وينزع الاستقلال عن الإنسان، ويلزم بأن يتلقى كل فرد كل شيء بالتكليم، ولوجب أن يكون عدد الرسل في كل أمة كافياً لتعليم أفرادها في كل زمن ما يحتاجون إليه من أمور معاشهم ومعادهم.
لقد ترك الله البشر يترقون في العلوم الدنيوية عن طريق الأجهزة والبحوث والاستقراء، ويكتشفونها بأنفسهم، لكن العلم الذي لا يمكن للبشر أن يصلوا إليه هو علم الوحي والغيب، فهذا أوحاه الله إلى الأنبياء، لكن لو أن الأنبياء هم الذين يعلمون الناس الكيمياء والفيزياء والزراعة والفلاحة وغير هذه الأشياء بتفصيل؛ فإن ذلك سيسد على الناس باب البحث والتعلم والسير في الأرض، واستخراج كنوزها وعلومها.
أما بالنسبة للعلوم الأخروية فقد اقتضت حكمة الله بأن هذا العلم النفيس لا يمكن أن تصل إليه العقول إلا عن طريق الوحي؛ لأنه لا يمكن للعقل البشري أن يصل إلى معرفة الجنة وصفات الجنة، ولا ما سيحصل في المستقبل، ولا ما حصل قبل خمسين ألف سنة من خلق السماوات والأرض، ولا أخبار الأمم الغابرة، ولا صفات الله، ولا أشراط الساعة، ولا تفاصيل يوم القيامة إلى آخره، وكذلك معرفة ما يرضي الله، ولا كيف سنصلي صلاة هي التي يريدها الله، أو نزكي زكاة ترضي الله.
إذاً: الوحي يقتصر على هذا الجانب، أما الجانب الدنيوي فقال فيه ﵊: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) يعني: أمور الدنيا تترك للاجتهاد البشري.
نعم إن الأنبياء ينبهون الناس بالإجمال إلى استعمال حواسهم وعقولهم في كل ما فيه منافعهم وتنمية معارفهم التي ترتقي بها نفوسهم، يقول ﵊: (احرص على ما ينفعك) ولكن مع ربطها بما يقوي الإيمان ويزيد في العبرة، وقد أرشدنا ﷺ إلى وجوب استقلالنا دونه في مسائل دنيانا في واقعة تأبير النخل إذ قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم).
يقول القاسمي: فاحفظه فإنه من المضنون به على غير أهله.
يعني: علم خصائص النباتات أو المعادن والكلام في علم الهيئة، ونحوها ليست من الغيب، بل هذه العلوم دون العلوم الشرعية، وتركت للناس بحيث يترقون فيها وينهضون بالطريقة المعروفة.
стр. 3025
تفسير قوله تعالى: (ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم)
يقول الله ﵎: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن:٢٨].
قوله: ((لِيَعْلَمَ)) متعلق بقوله ﵎: ((فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا)).
أي: تحفظه الملائكة من بين يديه ومن خلفه ((لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا)).
وإيراد علمه تعالى في قوله: ((لِيَعْلَمَ)) للعناية بأمر الإبلاغ، والإشعار بترتب الجزاء عليه، والمبالغة في الحث عليه، والتحذير من التفريط فيه.
قوله: ((وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ)).
أي: بما عند الرسل ﵈، جيء بها لتحقيق استغنائه تعالى في العلم بالإبلاغ عما ذكر عن طريق الرصد.
قوله: ((وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا)).
أي: فرداًً فرداً؛ لسعة علمه، وهذا تقرير تام لإحاطته بما عند الرسل من وحيه وكلامه ووعده ووعيده، كما عرف من نظائره.
وهذا آخر تفسير سورة الجن.
стр. 3026
الأسئلة
стр. 3027
وجه وجود قبر الرسول ﷺ وصاحبيه في مسجده
السؤال
ما حكم وجود قبر الرسول ﵊ وقبر أبي بكر وعمر في مسجد الرسول ﷺ ؟
الجواب
هذا بحث مهم ومفيد، وهو موجود بالتفصيل في كتاب (تحذير الساجد)، وهناك بحث في الجزء التاسع من أضواء البيان في نفس هذه الآية: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨].
لكن باختصار شديد: نجيب بما أجاب به الداعية المبارك العلامة أبو بكر الجزائري حفظه الله تعالى ومتعه بالصحة والعافية، فقد قال هنا في الإسكندرية في يوم من الأيام عندما زارنا وسئل هذا السؤال، وهو واعظ في المسجد النبوي الشريف، قال: أقسم بالله إن الرسول ﵊ ما دفن داخل مسجده، بل دفن في حجرة عائشة ﵂، وكان لها باب إلى المسجد، وهذه الحجرة مستقلة عن المسجد، فإدخال الحجرة في المسجد إنما تم في عهد الدولة الأموية، وأنكره بعض السلف في ذلك الوقت، وهذه مخالفة صريحة لنهي النبي ﵊، في قوله: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد).
كذلك العمومات الواردة كقوله: (لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة، إنهم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح أقاموا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك التصاوير) والأحاديث في ذلك معروفة.
فكيف نترك كل هذه الأحاديث ونلوذ بفعل فعله من هو غير معصوم، وهو من خلفاء بني أمية.
стр. 3028
العلة في عدم ذكر الجن لعيسى ﵇ في قولهم: (إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى ...)
السؤال
لماذا ذكر موسى ولم يذكر عيسى في قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣٠]؟
الجواب
هذه الملاحظة تكلمنا عليها مراراً، وقلنا: إن هناك ربطاً بين موسى ومحمد ﵊ في كثير من آيات القرآن، حتى إن في سورة البقرة ربطاً بين هذه الأمة وأمة موسى ﵇.
والجواب فيها طويل لكن أقول باختصار شديد: لأن أصل رسالة عيسى إنما هي مكملة لرسالة موسى، وليست بالأصالة التي كانت في رسالة موسى، فالتوراة هي الأساس، ثم أتى عيسى ﵇ ليحل لهم بعض الذي حرم عليهم، أو يبين لهم بعض الذي يختلفون فيه، فهي مكملة، أما الرسالة الأصلية فهي رسالة موسى ﵇، ولذلك نلاحظ هذا الربط في قول ورقة بن نوفل للنبي ﷺ عندما جاء إليه: (هذا الناموس الذي أنزله الله على موسى) إلى آخره.
وهذا النجاشي قال: (إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة).
كذلك في هذه الآية قول الجن: ((إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى)).
إذاً: أشبه نبي بنبينا محمد ﵊ هو موسى ﵇، فهناك شبه شديد بينهما من حيث النشأة والرسالة ومعاناة الأمة، فهذا جواب مختصر وقد فصلناه مراراً من قبل.
стр. 3029
تفسير سورة المزمل [٩ - ٢٠]
стр. 3030
تفسير قوله تعالى: (رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو)
يقول الله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل:٩].
أي: لا إله إلا هو تكل إليه مهامك فإنه سيكفيكها.
قال ابن جرير: ((فاتخذه وكيلاً)) أي: فيما يأمرك وفوض إليه أسبابك.
((رب المشرق والمغرب)) وهذا ليس إلا لله .
((لا إله إلا هو)) أي: لا إله حق إلا الله .
((فاتخذه وكيلاً)) أي: بما أنه هو رب المشرق والمغرب وبما أنه لا إله إلا هو، فلا رب غيره، ولا إله معبود بحق سواه؛ فاتخذه وكيلاً بحيث لا تكل أمورك إلى غيره، وتوكل على الله وحده.
فهذا مما يبين أن التوكل عبادة لا تنبغي أن توجه إلى غير الله ، فلا يجوز أن تتوكل إلا على الله ؛ لأن التوكل عبادة كالسجود والركوع لا ينبغي أن يوجه إلا إلى الله وإلا كان شركاً.
وهذا هو معنى: حسبي الله ونعم الوكيل، ومعنى: توكلت على الله، ولذلك فإن تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]: حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين، وليس معناها: حسبك الله والمؤمنون هم أيضاً حسبك فتوكل عليهم! لأن التوكل عبادة لا تنصرف إلا لله، فلا يصح أن يقول رجل لآخر: توكلت على الله وعليك؛ أو: ثم عليك؛ لأنها مثل قولك: سجدت لله ثم لك! فهل هذا يقبل؟ فكذلك لا ينفعك أن تقول: توكلت على الله ثم عليك؛ لأن التوكل لا يكون إلا على الله وحده فقط، بخلاف الأمور الأخرى، فيمكن أن تستعمل لفظة (ثم) على التراخي.
стр. 3031
تفسير قوله تعالى: (واصبر على ما يقولون وعذاباً أليماً)
قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا * وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا * إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل:١٠ - ١٣].
((واصبر على ما يقولون)) من الأذى والافتراء عليك.
((واهجرهم هجراً جميلاً)) أي: بالإعراض عن مكافأتهم بالمثل؛ لأن الهجر الجميل هو أن تعرض عن مقابلة الأذى بأذى مثله، وهذا كقول الله ﵎: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ على الله﴾ [الأحزاب:٤٨] أي: أعرض عن أذاهم وتوكل على الله.
((وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ)) أي: دعني والمكذبين، وكل أمرهم إلي، فإن لي قدرة على الانتقام منهم.
((أولي النعمة)) أي: أولي التنعم، ويريد بذلك صناديد قريش ومترفيهم.
((ومهلهم قليلاً)) أي: تمهل عليهم زماناً أو إمهالاً قليلاً.
((إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا)) أي: قيوداً.
((وجحيماً)) أي: ناراً شديدة الحر والاتقاد.
((وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ)) أي: طعاماً يغص به آكله فلا يسيغه.
((وعذاباً أليماً)) أي: ونوعاً آخر من أنواع العذاب مؤلماً لا يعرف كنهه.
كما يقول الله في نعيم الجنة: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) وقال سبحانه: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧].
أي: كما أن في الجنة ما لم يخطر على قلب بشر ولا يمكن لبشر أن يتصور كنهه، فكذلك النار فيها من العذاب ما لا يخطر على قلب بشر ولا يمكن أن يدرك كنهه، وهو فوق طاقة البشر ولا يستطيعون تخيله، فليست نار الآخرة كنار الدنيا.
((وطعاماً ذا غصة وعذاباً أليماً)) أي: ونوعاً آخر من أنواع العذاب مؤلماً لا يعرف كنهه، فلا ترى موكولاً إليه أمرهم ينتقم منهم بمثل ذلك الانتقام.
والمعنى: إذا كان لدينا عذاب لا يتصور كنهه ولا يدركه أحد، فحقيق ألا تفوض أمرهم ولا تكل حسابهم ولا ترجو الانتقام منهم إلا من الله ؛ لأنه أقدر على الانتقام منهم.
стр. 3032
تفسير قوله تعالى: (يوم ترجف الأرض والجبال أخذاً وبيلاً)
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا * إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل:١٤ - ١٦].
((يوم ترجف الأرض والجبال)) أي: تضطرب وترتج بالزلزال.
((وكانت الجبال كثيباً مهيلاً)) أي: رملاً متفرقاً منثوراً.
((إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ)) أي: سوف يشهد عليكم -أيها الأمة- بإجابة من أجاب وإباء من أبى واستنكف عن الانقياد لشرعه.
إذاً: هذا الخطاب لكل البشر من لدن بعثة النبي ﵌ إلى قيام الساعة.
((كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً)) أي: يدعوه إلى الحق.
((فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا)) أي: أخذاً ثقيلاً، وذلك بإهلاكه ومن معه غرقاً في اليم.
لقد كان فرعون يستعبد قوم موسى، وكان يطلب منهم أن يعبدوه، ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، فعتى عتواً كبيراً، وطغى طغياناً عظيماً؛ لأن قومه كانوا كالذيل تبعاً له.
стр. 3033
تفسير قوله تعالى: (فكيف تتقون إن كفرتم يوماً)
قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل:١٧].
أي: كيف تقون أنفسكم إن بقيتم على كفركم ولم تؤمنوا بالحق يوم القيامة، وحاله في الهول ما ذكر الله سبحانه بقوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل:١٤]، ثم قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل:١٥ - ١٦].
فإذا كان يوم القيامة حاله ما ذكر، وهو يوم يجعل الولدان شيباً، أي: الطفل الصغير يشيب رأسه من أهوال يوم القيامة، مع أنه لم يرتكب معصية ولا ذنباً، فكيف تكون الأهوال في حق هؤلاء؟! وهذا كلام جرى مجرى المثل وليس ذلك على حقيقته؛ لأن الأمة مجمعة على أن الأطفال لا تتغير صفاتهم وصورهم في الآخرة إلى الشيب، والأصل في هذا أن الهموم والأحزان إذا توالت على الإنسان شاب سريعاً.
على أي الأحول هذا الكلام نسبه القاسمي إلى ابن أبي الحديد الذي ينسب إليه شرح نهج البلاغة، فهو يستبعد أن يكون الكلام على حقيقته، وعندنا أنه لا يوجد ما يمنع أن يكون على حقيقته، وأن الأطفال تتغير صفاتهم وصورهم في الآخرة إلى الشيب؛ لكن نقول: إن هذا يحصل في أهوال يوم القيامة وليس في ولدان الجنة.
يقول أبو الطيب المتنبي في قصيدة له: والهم يخترم الجسيم نحافة ويشيب ناصية الصبي ويهرم أي: الشخص البدين المليء إذا أصابه الهم فإنه يعود نحيفاً، وكذلك الهم يشيب ناصية الصبي، ويوصله إلى الهرم والكبر.
стр. 3034
تفسير قوله تعالى: (السماء منفطر به إلى ربه سبيلاً)
قال تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا * إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل:١٨ - ١٩].
((السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ))، قال الزمخشري: وصف لليوم بالشدة أيضاً، وأن السماء على عظمها وإحكامها تنفطر فيه، فما ظنك بغيرها من الخلائق؟! هنا ملاحظة في وصف السماء بقوله: (منفطر) مع أن السماء لفظ مؤنث، ووصفت هنا بالمذكر ولم تؤنث الصفة لأمور: منها تأويلها بالمشتق، ومنها: أن السماء ذات انفطار نحو مرضع وحائض، ومنها: أن كلمة السماء قد تذكر وقد تؤنث.
قوله تعالى: ((منفطر به)) هذه الباء سببية، أي: بسبب يوم القيامة، أو للاستعانة، أو بمعنى في، أي أن السماء منفطر فيه.
((كان وعده مفعولاً)) أي أن الله لا يخلف وعده، فاحذورا ذلك اليوم.
يقول الله ﵎: ((إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ)) أي: أن هذه الآيات الناطقة بالوعيد الشديد.
((تذكرة)) أي: موعظة لمن اعتبر بها واتعظ.
((فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً)) أي: بالإيمان به والعمل بطاعته.
стр. 3035
تفسير قوله تعالى: (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل)
يقول الله ﵎: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل:٢٠].
((إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ)) أي أنك تتهجد فيه هذه التارات المختلفة، وتشمر للعبادة فيه هذا التشمير؛ امتثالاً لأمره وتبتلاً إليه.
((وطائفة من الذين معك)) أي: يعلم أنهم يقومون معك كذلك.
((والله يقدر الليل والنهار)) أي: يجعلهما على مقادير يجريان عليها، فتارة يستويان، وتارة يأخذ من الليل في النهار فيصير النهار أطول كما في الصيف، وتارة يأخذ من النهار في الليل فيطول الليل كما في الشتاء، مما يشق لأجله المواظبة على قيامه لما علمه منكم.
أو المعنى: ((والله يقدر الليل والنهار)) أي: يقدر فيهما ما شاء من الأوامر، ومنه أن يقدر لكم الوقت الذي تقومون فيه على سبيل التخيير والتيسير، كما جاء في أول السورة حيث قال: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:٢ - ٤] فهذا التخيير للترخيص والتيسير.
((علم أن لن تحصوه)) الهاء تعود إلى قيام الليل على النحو الذي دأبتم عليه، أو قيام الليل كله، أي: علم أنكم لن تطيقوا ولن تقدروا على قيام الليل كله؛ لأن في هذا حرجاً ومشقة وعسراً وإنهاكاً لأبدانكم.
((فتاب عليكم)) أي: عاد عليكم باليسر ورفع الحرج.
((فاقرءوا ما تيسر منه)) أي: اقرءوا في صلاة الليل ما تيسر بلا تقدير، أو المراد: لا تتجاوزوا ما قدره لكم رحمة بأنفسكم، وفيه رد عن غلوهم في قيام الليل كله، أو الحرص عليه شوقاً إلى العبادة وتوقاً إلى الكمالات.
قال مقاتل: كان الرجل يصلي الليل كله مخافة أن يحيد عما أمر به من قيام.
((علم أن سيكون منكم مرضى)) أي: يضعفهم المرض عن قيام الليل.
((وآخرون يضربون في الأرض)) للتجارة وغيرها فيقعدهم ذلك عن قيام الليل.
((وآخرون يقاتلون في سبيل الله)) أي: لنصرة الدين فلا يتفرغون للقيام في الليل.
((فاقرءوا ما تيسر منه)) أي: من القرآن ولا تحرموا أنفسكم؛ لأنه يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر.
стр. 3036
ذكر الخلاف في وجوب قيام الليل بسورة المزمل
يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ذهب كثير من السلف إلى أن الآية الأولى فيها إيجاب قيام الليل، ثم هذه الآية في آخر السورة نسخت هذا الوجوب، ولذلك قال: ((فتاب عليكم)) أي: برفع الوجوب ونسخه للتيسير.
يقول ابن كثير: روى ابن جرير عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (كنت أجعل لرسول الله ﷺ حصيراً يصلي عليه من الليل، فتسامع به الناس فاجتمعوا، فخرج كالمغضب وكان بهم رحيماً، فخشي أن يكتب عليهم قيام الليل، فقال: أيها الناس! اكلفوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل، وخير الأعمال ما ديم عليه، فنزل القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٢] إلى آخر الآيات، حتى كان الرجل يربط الحبل ويتعلق)، أي: كانوا من شدة قيامهم في الليل ومكابدتهم المشقة الشديدة امتثالاً للأمر الإلهي يربط الرجل الحبل ويتعلق به ويستند عليه أثناء صلاة القيام، حتى لا يقع على الأرض؛ من شدة ما كانوا يلقون من المشقة.
يقول: (حتى كان الرجل يربط الحبل ويتعلق، فمكثوا بذلك ثمانية أشهر فرأى الله ما يبتغون من رضوانه، فرحمهم فردهم إلى الفريضة وترك قيام الليل).
قال ابن كثير: والحديث في الصحيح بدون زيادة نزول هذه السورة، وهذا السياق قد يوهم أن نزول هذه السورة بالمدينة، وليس كذلك وإنما هي مكية.
стр. 3037
فائدة في تعدد أسباب النزول
يقول القاسمي: وبمثل هذه الرواية يستدل على أن مراد السلف بقولهم: ونزلت الآية، الاستشهاد بها في قضية تنطبق عليها كما بيناه مراراً.
إذاً: هذا دليل من الأدلة التي تؤيد هذا البيان الذي امتاز القاسمي رحمه الله تعالى ببيانه في كل مناسبة كما تلاحظون، بخلاف التفاسير الأخرى.
فالقارئ أحياناً إن لم يكن عنده خبر في هذه القضية يضطرب ويقول: هل معظم الآيات تعدد فيها النزول؟
و
الجواب
أنه لم يتعدد النزول في الغالب، لكن قد يكون المقصود بقولهم: نزلت في كذا ونزلت في كذا، أي: أن حكم هذه الواقعة مما يشمله عموم هذه الآية، أو أن معناها يشمل هذه الواقعة، فكذلك هنا قوله في هذا الحديث: (ونزل القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٢]) هو بمعنى الاستشهاد بالآية في قضية تنطبق عليها، وليس المقصود إطلاق سبب النزول في كل حالة.
وقد يتعدد النزول، لكن هذا قليل، فلا يتوهمن متوهم أن ما يوجد في بعض كتب التفاسير من ذكر أسباب كثيرة للنزول بعد صحة السند، بل إذا صح السند في أكثر من سبب، فإما أن يكون تكرر النزول، وإما يحمل على هذا المعنى الذي ذكرناه، وهو شمول المعنى وعمومه.
стр. 3038
ذكر الأقوال في وجوب قيام الليل ونسخه
وعن ابن عباس ﵄ قال: (أمر الله نبيه والمؤمنين بقيام الليل إلا قليلاً، فشق ذلك على المؤمنين، ثم خفف عنهم فرحمهم وأنزل الله بعد هذا: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ [المزمل:٢٠] إلى آخر الآية، فوسع الله وله الحمد ولم يضيق).
وعن أبي عبد الرحمن قال: لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل:١] قاموا بها حولاً حتى ورمت أقدامهم وسوقهم، حتى نزلت: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:٢٠] قال: فاستراح الناس.
وقال ابن حجر في شرح صحيح البخاري: ذهب بعضهم إلى أن صلاة الليل كانت مفروضة ثم نسخت بقيام بعض الليل مطلقاً، ثم نسخ بالخمس، ثم نسخ بالصلوات الخمس، وأنكره المروزي.
وذهب بعضهم إلى أنه لم يكن قبل الإسراء صلاة مفروضة.
وقال السيوطي في الإكليل: قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:٢] هو منسوخ بعد أن كان واجباً بآخر السورة، وقيل: محكم.
واستدلت طائفة على لزومه على النبي ﷺ خاصة، ويستدلون أيضاً بآية أخرى على وجوب القيام على النبي ﷺ خاصة، وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء:٧٩] واستدل به آخرون على وجوبه على الأمة أيضاً، ولكن ليس الليل كله بل صلاة ركعتين، وعليه الحسن وابن سيرين.
يقول القاسمي: هناك من ذهب إلى أن الأمر محكم وأنه ليس منسوخاً وأنه للندب، ويرى أن آخر السورة تعليم لهم بالرفق بأنفسهم، وحملوا الآية على الندب، فبماذا يجيب هذا الفريق الذي يرى أن الأمر الأول على الندب عن قوله: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل:٢٠] إلى آخره؟ يقولون: إن المقصود بآخر السورة إرشادهم إلى أن يرفقوا بأنفسهم؛ لأنه منّ عليهم باليسر ورفع عنهم الآصار.
وفيه ما يدل على شدة اهتمام وعناية الصحابة بالنوافل، يعني على هذا المذهب الذي يقول إن الأمر محكم وإن الأمر بقيام الليل على الندب، ولم يفرض على الأمة، ومع ذلك اجتهدوا هذا الاجتهاد حتى تاب الله عليهم بالتخفيف، وحتى أفضى الحال إلى الرفق بهم فيه.
ويدل عليه أثر عائشة رضي الله تعالى عنها في ربطهم الحبل للتعلق به استعانة على قراءة القرآن وكثرة تلاوته، ومعروف حديث زينب: (لما رأى النبي ﷺ حبلاً مربوطاً بين ساريتين في المسجد فقال: لمن هذا الحبل؟ قالوا: إنه لـ زينب اتخذته حتى إذا قامت من الليل تتكئ عليه حتى لا تقع من شدة التعب، فأمر بقطعه وقال: عليكم من الأعمال ما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا).
стр. 3039
معنى قوله: (فاقرءوا ما تيسر منه)
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠]: وعبر عن الصلاة بالقراءة، كما قال في سورة الإسراء: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ [الإسراء:١١٠] أي: بقراءتك.
وقد استدل أصحاب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى بهذه الآية على أنه لا تتعين قراءة الفاتحة في الصلاة، بل لو قرأ بها أو بغيرها من القرآن ولو بآية أجزأه، واعتضدوا بحديث المسيء صلاته الذي في الصحيحين: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن).
وقد أجابهم الجمهور بحديث: عبادة بن الصامت ﵁ وهو في الصحيحين، أن النبي ﵊ قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب).
أيضاً يرد على الأحناف بحديث المسيء صلاته أن في بعض الروايات: (ثم اقرأ بفاتحة الكتاب أو بأم القرآن) ولا شك أن الراجح والله تعالى أعلم أن قراءة الفاتحة في الصلاة واجبة.
قوله ﵎: ((وآخرون يقاتلون في سبيل الله)) هذا علم من أعلام نبوة النبي ﷺ ، يقول ابن كثير: وهذه الآية بل السورة كلها مكية، ولم يكن القتال شرع بعد، فهي من أكبر دلائل النبوة؛ لأنه من باب الإخبار بالمغيبات المستقبلة.
стр. 3040
فائدة تتعلق بلام العهد
قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل:١٥ - ١٦] الألف واللام في كلمة (الرسول) للعهد أي: أن الرسول هو موسى ﵇، بخلاف قوله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، فالرسول هنا هو النبي ﷺ بدلالة قوله: (القرآن).
стр. 3041
فضيلة التجارة
قوله تعالى: ((وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله)) فيه فضيلة التجارة لسوقها في الآية مقرونة بالجهاد.
أخرج سعيد بن منصور أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ما من حال يأتيني عليه الموت بعد الجهاد في سبيل الله أحب إلي أن يأتيني وأنا ألتمس من فضل الله، ثم تلا هذه الآية: ((وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله)).
وورد عن النبي ﵊ أنه قال: (إن تسعة أعشار أرزاق أمتي جعلت في التجارة)؛ لأن فيها توكلاً على الله .
стр. 3042
تفسير قوله: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)
فهذه الآية كما يقول السيوطي: أصل في مشروعية التجارة.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المزمل:٢٠] أي: زكاة أموالكم.
قال ابن كثير: وهذا يدل لمن قال: إن فرض الزكاة نزل بمكة، لكن مقادير النصب والمخرج لم تبين إلا بالمدينة.
((وأقرضوا الله قرضاً حسناً)) أي: أن بذل المال في سبيل الخيرات على أحسن وجه يكون قرضاً حسناً، وذلك كأن ينتقي المال الطيب والحسن ويخرجه ولا ينتقي المال الرديء قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧].
وقال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] فالقرض يكون حسناً إذا كان من أصل طيب أو من أطيب المال.
ومن الإحسان في القرض تعجيله؛ لأن هناك ثلاثة أشياء تحمد في أي عمل معروف: تصغيره، وتعجيله، وكتمانه.
تصغيره بألا تعظمه، وتعجيله بألا تؤجله، وكتمانه كي يكون سراً، كما في الحديث: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمنيه) بخلاف من يمن ويؤذي: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤].
من خصائص القرض أن الإنسان يقرض بنية الأخذ؛ لأن الإنسان إذا بذل المال في سبيل الله ﵎ فإنه على يقين من أنه سوف يرجع إليه أضعافاً مضاعفة ببركة الله ﵎، فلكونه محقق الرجوع إليه دل التعبير به على تحقق العوض هنا، ولذلك قال: ((وأقرضوا الله قرضاً حسناً)) فهذا هو سر بذل المال في سبيل الله وفي الخيرات على أحسن الوجوه، فأنت إذا بذلت هذا المال لن يذهب سدى، ورجوعه إليك أمر محقق حتى سمي قرضاً، فكأنك تقرض الله، والله سوف يعيد إليك ثوابه أضعافاً مضاعفة.
((وما تقدموا لأنفسكم من خير)) أي: في الدنيا من صدقة أو نفقة في وجوه الخير، أو عمل بطاعة الله أو غير ذلك من أعمال البر.
((تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً)) أي: أعظم ثواباً مما عندكم من متاع الدنيا.
((واستغفروا الله)) أي: سلوه غفران ذنوبكم.
((إن الله غفور رحيم)) أي: ذو مغفرة لذنوب من تاب إليه وأناب، وذو رحمة فلن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها.
стр. 3043
تفسير سورة المدثر [١ - ٣٠]
стр. 3044
وجه الجمع بين الأحاديث في أول ما نزل من القرآن
سنشرع بإذن الله ﵎ في تفسير السورة الرابعة والسبعين، وهي سورة المدثر، وهي سورة مكية، وعدد آياتها تسع وخمسون آية.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ثبت في صحيح البخاري عن جابر رضي الله تعالى عنه، أنه كان يقول: (أول شيء نزل من القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾) وخالفه الجمهور فذهبوا إلى أن أول القرآن نزولاً قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
وروى البخاري عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن؟ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، قلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾؟ فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك وقلت له مثلما قلت لي، فقال جابر: (لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله ﷺ ، قال: جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت الوادي فسمعت صوتاً فنظرت عن يميني فلم أر شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً، ونظرت أمامي فلم أر شيئاً، ونظرت خلفي فلم أر شيئاً، فرفعت رأسي فرأيت شيئاً، فأتيت خديجة فقلت: دثروني وصبوا علي ماءً بارداً، قال: فدثروني وصبوا علي ماءً بارداً، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢]).
وروى الشيخان أيضاً عن الزهري قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت النبي ﷺ وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: (فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء الأرض، فجثثت منه رعباً، فرجعت فقلت: زملوني زملوني، فدثروني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١] إلى آخر الآيات).
فيفهم من هذا السياق أن هناك وحياً نزل قبل سورة المدثر، ففي هذه الرواية يقول جابر: (سمعت النبي ﷺ وهو يحدث عن فترة الوحي) أي أن الوحي أول ما نزل على النبي ﵊ بسورة اقرأ، ثم انقطع فترة، وتوقف لمدة، ثم بعد ذلك عاد الوحي فكان أول ما نزل بعد فترة الوحي هو: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، وهذا الحديث يوضح ذلك.
يقول جابر: سمعت النبي ﷺ وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: (فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجثثت منه رعباً، فرجعت فقلت: زملوني زملوني، فدثروني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢] إلى آخر الآيات).
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وهذا السياق هو المحتوم، وهو يقتضي أنه قد نزل الوحي قبل هذا لقوله: (فإذا الملك الذي جاءني بحراء)، وهو جبريل حين أتاه بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، ثم إنه حصل بعد هذا فترة، ثم نزل الملك بعد، هذا وجه الجمع.
وروى الطبراني عن ابن عباس ﵄، (أن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاماً، فلما أكلوا منه قال: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم: ليس بساحر.
وقال بعضهم: كاهن، وقال بعضهم: ليس بكاهن.
وقال بعضهم: شاعر، وقال بعضهم: ليس بشاعر.
وقال بعضهم: سحر يؤثر.
فأجمع رأيهم على أنه سحر يؤثر، فبلغ ذلك النبي ﷺ فحزن وقنع رأسه وتدثر، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١] إلى آخر الآيات).
стр. 3045
تفسير قوله تعالى: (يا أيها المدثر)
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١].
أي: المتلفع بثيابه لنوم أو استدفاء.
والمدثر من الدثار، وهو كل ما كان من الثياب فوق الشعار، والشعار هو الثوب الذي يلي الجسد مباشرة.
وأصل المدثر المتدثر، فأدغمت التاء في الدال، وخوطب النبي ﷺ بذلك لحالته التي كان عليها وقت نزل الوحي، أو لقوله: (دثروني دثروني).
وقيل: معناه المدثر بدثار النبوة والرسالة، ومن ذلك قولهم: ألبسه الله لباس التقوى، وزينه برداء العلم، فجعل النبوة كالدثار واللباس.
قال الشهاب: إما أن يراد المتحلي بها والمتزين، كما أن اللباس الذي فوق الشعار يكون حلية لصاحبه وزينة.
وهذا قول آخر، يعني أن الدثار الذي يكون فوق الشعار هو حلية وزينة، وهذه إشارة إلى أنه متحلٍ بالنبوة ومتزين بها ﵊.
والتزيين بالدثار في ظهوره أو في الإحاطة، والأول أتم.
стр. 3046
تفسير قوله تعالى: (قم فأنذر)
قال تعالى: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:٢].
أي: قم من مضجعك ودثارك، أو قم قيام عزم وجد؛ لأن القيام يعبر به أحياناً عن ذلك.
فمن الأولى قوله: ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف:١٤].
ومن الثاني قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ [سبأ:٤٦].
والمعنى: فحذر قومك من العذاب إن لم يؤمنوا.
قال الشهاب: ((قُمْ فَأَنذِرْ))، ولم يقل: وبشر؛ لأنه كان في ابتداء النبوة، لأن البشارة لمن آمن ولم يكن إذ ذاك مؤمن.
أو هو اكتفاء، فنقول في التفسير: قم فأنذر الكافرين وبشر المؤمنين، لكن اكتفى بهذا عن ذاك كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل:٨١] أي: سرابيل تقيكم الحر والبرد.
يقول الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى في تتمة أضواء البيان: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢]، الإنذار: إعلام بتخويف، فهو أخص من مطلق الإعلان، وهو متعد لمفعولين: المفعول الأول: هو المنذَر.
والمفعول الثاني: المنذَر به.
أما المنذَر فبينت آيات أخرى أن المراد الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم:٩٧]، تخويفاً لهم، وقد يكون للمؤمنين لأنهم هم الذين ينتفعون بهذا الإنذار، فيأتي الإنذار للكافرين باعتبار أنه تخويف لهم وترهيب حتى يعودوا إلى رشدهم ويرجعوا إلى الإيمان، وقد يأتي الإنذار للمؤمنين كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس:١١]، فهنا قصر الإنذار على المؤمنين، لأنهم هم الذين ينتفعون بالإنذار.
وقد يكون للجميع كما قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس:٢] إلى آخر الآية.
أما المنذر به فهو ما يكون من أهوال يوم القيامة، ولذلك قال ابن جرير: ((قُمْ فَأَنذِرْ))، عذاب الله قومك الذين أشركوا بالله وعبدوا غيره.
стр. 3047
تفسير قوله تعالى: (وربك فكبر)
يقول ﵎: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر:٣].
يقول ابن جرير: أي: فعظمه بعبادته والرغبة إليه في حاجاتك دون غيره من الآلهة والأنداد.
وقال القاشاني: أي: إن كنت تكبر شيئاً وتعظم قدره فخصص ربك بالتعظيم والتكبير، لا يعظم في عينيك غيره، فيصغر في قلبك كل ما سواه بمشاهدة كبريائه .
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، التقديم هنا للاختصاص، أي: أن المستحق للتعظيم وحده هو الله .
стр. 3048
تفسير قوله تعالى: (وثيابك فطهر)
قال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤].
اختلف في المقصود من قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾؟ فالظاهر هو الطهارة، أي: تطهير الثياب بالماء من الأنجاس؛ لأن الماء هو الأصل في التطهير.
قال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهرون؛ فأمره الله أن يتطهر ويطهر ثيابه.
وقيل: هذا أمر بتطهير القلب مما يستقذر من الآثام.
قال قتادة: العرب تسمي الرجل إذا نكث ولم يف بعهد أنه دنس الثياب، أما إذا وفّى فإن العرب تسميه: مطهر الثياب.
وعن ابن عباس: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، أي: لا تلبسها على معصية ولا على غدرة، ثم أنشد لـ غيلان بن سلمة الثقفي قوله: وإني بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا من غدرة أتقنع ففي الوجه الأول بقاء لفظي الثياب والتطهير على حقيقتهما.
أما الثاني ففيه نوع تجوز، بأن يكون المقصود بذلك طهر القلب مما يستقذر من الآثام.
الوجه الثالث: حمل الثياب على حقيقتها، والتطهير على مجازه، وهو التقصير؛ لأن العرب كانوا يطيلون ثيابهم، ويجرون أذيالهم خيلاء وكبراً، فأمر بمخالفتهم.
ووجه رابع: حمل الثياب على الجسد أو النفس كناية، كما قال عنترة: (فشققت بالرمح الأصم ثيابه) يعني: نفسه، ولذا قال: ليس الكريم على القنا بمحرم واستصوب ابن الأثير في المثل السائر الوجه الأول، قال في الفصل الثالث من فصول مقدماته: اعلم أن الأصل في المعنى أن يحمل على ظاهر لفظه، ومن يذهب إلى التأويل يفتقر إلى دليل كقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤]، فالظاهر من لفظ الثياب هو ما يلبس، ومن تأول ذهب إلى أن المراد هو القلب لا الملبوس، وهذا لابد له من دليل؛ لأنه عدول عن ظاهر اللفظ، ثم قال: المعنى المحمول على ظاهره لا يقع في تفسيره خلاف، والمعنى المعدول عن ظاهره إلى التأويل يقع فيه الخلاف، إذ باب التأويل غير محصور، والعلماء متفاوتون في هذا فإنه قد يأخذ بعضهم وجهاً ضعيفاً من التأويل فيكسوه بعبارته قوة تميزه عن غيره من الوجوه القوية؛ فإن السيف بضاربه.
يعني: قد يكون لعالم وجه من الفصاحة والبلاغة حتى إنه لفصاحته وبراعته يستطيع أن ينتحي منحىً مرجوحاً عن طريق تأويل النص، ومع قوة عبارته وسحر البيان يقوي هذا القول الضعيف، وكما يقال: إن السيف بضاربه، يعني: أن السيف يقتل، لكن ليس السيف وحده هو الذي يؤثر، بل لابد له من ضارب قوي، ولذلك استشهد بعد قوله: (فإن السيف بضاربه) بشعر أبي الطيب المتنبي في قصيدة مطلعها: الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني قال: إن السيوف مع الذين قلوبهم كقلوبهن إذا التقى الجمعان تلقى الحسام على جراءة حده مثل الجبان بكف كل جبان يقول المتنبي: إن السيوف مع الذين قلوبهم كقلوبهن إذا التقى الجمعان يعني: قد توجد السيوف الحادة القوية في أيدي أناس قلوبهم مثل قلوب النساء جبناً وهلعاً وخوفاً.
تلقى الحسام على جراءة حده، أي: مع أن السيف محدد بتار في حد ذاته.
تلقى الحسام على جراءة حده مثل الجبان بكف كل جبان فالسيف يكون جباناً ما دام في كف إنسان جبان، فالسيف بضاربه وليس فقط بحده، فإنه لا يؤثر إلا إذا كان الذي يحمله يضرب ضربةً قويةً.
يقول الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى في تتمة أضواء البيان: اختلف المفسرون في المراد من كل من لفظتي (الثياب) و (فطهر) هل دلا على الحقيقة، ويكون المراد طهارة الثوب من النجاسات أم هما على المجاز؟ فعلى سبيل المجاز يكون المراد بالثوب البدن، والطهارة عن المعنويات من معاصي وآثام ونحوها.
وذكر ابن جرير وغيره نحواً من خمسة أقوال: الأول: عن ابن عباس، وعكرمة، والضحاك، أن معناه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، لا تلبس ثيابك على معصية ولا على غدرة، واستشهد بقول غيلان: وإني بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا من غدرة أتقنع وقول آخر: إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداء يرتديه جميل فاستعمل اللفظين في الكناية، وقد يستدل له بقوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح:٢].
وورد عن ابن عباس: لا تلبس ثيابك من كسب غير طيب، يعني: البس ثيابك من المال الحلال، فاستعمل الثياب في الحقيقة والتطهير في الكناية.
وعن مجاهد: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي: وعملك فأصلح، فاستعملهما معاً في الكناية عن العمل الصالح.
وعن محمد بن سيرين وابن زيد على حقيقتهما، يعني: فطهر ثيابك من النجاسة.
ثم قال ابن جرير: والذي قاله ابن سيرين وابن زيد أظهر في ذلك.
وقول ابن عباس وعكرمة قول عليه أكثر السلف، والله تعالى أعلم بمراده.
ويترجح قول ابن سيرين أن المراد طهارة الثوب من النجاسة، بالقرينة في الآية فإنها اشتملت على أمرين: الأول: طهارة الثوب، ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
الثاني: هجر الرجز، ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٥]، ومن معاني الرجز المعاصي، فيكون حمل طهارة الثوب على حقيقته والرجز على حقيقته أولى، إن المعنى: طهر قلبك من الآثام والمعاصي، لوقع هنا تكرار؛ لأن قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ معناه: اهجر المعاصي على أحد التفاسير، فيكون هذا تكراراً، والتأسيس أولى من التأكيد.
فيترجح بذلك أن المراد بقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ الطهارة بالماء من الأنجاس، فيكون المراد الثياب على حقيقتها.
أما التطهير من الذنوب فأشار له قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٥] فيكون تأسيساً.
وهذه الآية بقسميها جاء نظيرها بأصرح من ذلك في قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنفال:١١].
ومثله أيضاً قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، جمع بين الطهارتين: تطهير الباطن والظاهر.
ولذلك جعل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى هذه الآية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ دليلاً على وجوب الطهارة للصلاة.
стр. 3049
تفسير قوله تعالى: (والرجز فاهجر)
يقول الله ﵎: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٥].
أي: اتركه، والرجز بضم الراء، وتأتي بكسر الراء كالرجس، والسين والزاي يتناوبان لأنهما من حروف الصفير.
والرجس: اسم للقبيح المستقذر كنى به عن عبادة الأوثان خاصة كما في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج:٣٠].
أو عن كل ما يستكره من الأفعال والأخلاق، والجملة من جوامع الكلم في مكارم الأخلاق، كأنه قيل: اهجر الجفا والسفه وكل قبيح، ولا تتخلق بأخلاق هؤلاء المشركين المستعملين للرجز.
وقيل: المراد بالرِجز أو الرُجز العذاب، وهجره كناية عن هجر ما يؤدي إليه من الشرك والمعاصي، فأقيم الرجز مقام سببه الذي هو الشرك والمعاصي؛ أو هو بتقدير مضاف، أي: وأسباب الرجز فاهجر.
وكما قلنا: الرِجز والرُجز تقرأ بالضم وتقرأ بالكسر، فيقول: قرئ بضم الراء وهي لغة وهما بمعنى العذاب.
وعن مجاهد أنه بالضم بمعنى الصنم، وبالكسر بمعنى العذاب.
وأمره ﵌ بذلك -وهو بريء منه- أمر لغيره، وهذا تعريض، أو المراد الدوام على هجره، يعني: أن النبي ﵊ ما عبد الأصنام، بل هو بريء من ذلك وحاشاه ﵌، ومع ذلك أمره الله بهجرها، ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾، فهذا الأمر هو أمر لغيره تعريضاً، أو أن المراد الدوام على هجره.
стр. 3050
تفسير قوله تعالى: (ولا تمنن تستكثر)
قال تعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر:٦].
أي: لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها، أي: إذا أعطيت فلا تترقب ولا تتوقع ولا تؤمل أن ترد إليك هذه العطية بأكثر منها.
يقال: مننت فلاناً كذا، أي: أعطيته، كما قال تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ [ص:٣٩]، يعني: فأعط أو أمسك.
وأصله: أن من أعطى فقد منَّ، فسميت العطية بالمن على سبيل الاستعارة.
وجوز القفال أن يكون الاستكثار عبارة عن طلب العوض كيف كان زائداً أو مساوياً.
قال: وإنما حسنت هذه الاستعارة؛ لأن الغالب أن الثواب يكون زائداً عن العطاء، وسمى طلب الثواب استكثاراً حملاً للشيء على أغلب أحواله، وهذا كما أن الأغلب أن المرأة إنما تتزوج ولها ولد للحاجة إلى من يربي ولدها، فسمي الولد ربيباً، ثم اتسع الأمر فسمي ربيباً وإن كان حين تتزوج أمه كبيراً، حملاً للأمر على تلك الأحوال.
يقول: وسر النهي أن يكون العطاء خالياً عن انتظار العوض، والتفات النفس إليه تعففاً وكمالاً وعلو همة.
وقال بعض المفسرين: معنى الآية: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾: لا تعط عطاءً مستكثراً هذا العطاء حتى ولو كان كثيراً، فإن من مكارم الأخلاق استقلال العطاء وإن كان كثيراً، فالسين للعد والوجدان.
وسبق في سورة الروم في قول الله ﵎: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٩]، نفس هذا المعنى، وقد تكلمنا عنه في موضعه.
следующие страницы →