Полный текст (3 275 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
تفسير قوله تعالى: (قم فأنذر)
قال تعالى: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:٢].
أي: قم من مضجعك ودثارك، أو قم قيام عزم وجد؛ لأن القيام يعبر به أحياناً عن ذلك.
فمن الأولى قوله: ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف:١٤].
ومن الثاني قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ [سبأ:٤٦].
والمعنى: فحذر قومك من العذاب إن لم يؤمنوا.
قال الشهاب: ((قُمْ فَأَنذِرْ))، ولم يقل: وبشر؛ لأنه كان في ابتداء النبوة، لأن البشارة لمن آمن ولم يكن إذ ذاك مؤمن.
أو هو اكتفاء، فنقول في التفسير: قم فأنذر الكافرين وبشر المؤمنين، لكن اكتفى بهذا عن ذاك كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل:٨١] أي: سرابيل تقيكم الحر والبرد.
يقول الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى في تتمة أضواء البيان: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢]، الإنذار: إعلام بتخويف، فهو أخص من مطلق الإعلان، وهو متعد لمفعولين: المفعول الأول: هو المنذَر.
والمفعول الثاني: المنذَر به.
أما المنذَر فبينت آيات أخرى أن المراد الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم:٩٧]، تخويفاً لهم، وقد يكون للمؤمنين لأنهم هم الذين ينتفعون بهذا الإنذار، فيأتي الإنذار للكافرين باعتبار أنه تخويف لهم وترهيب حتى يعودوا إلى رشدهم ويرجعوا إلى الإيمان، وقد يأتي الإنذار للمؤمنين كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس:١١]، فهنا قصر الإنذار على المؤمنين، لأنهم هم الذين ينتفعون بالإنذار.
وقد يكون للجميع كما قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس:٢] إلى آخر الآية.
أما المنذر به فهو ما يكون من أهوال يوم القيامة، ولذلك قال ابن جرير: ((قُمْ فَأَنذِرْ))، عذاب الله قومك الذين أشركوا بالله وعبدوا غيره.
стр. 3047
تفسير قوله تعالى: (وربك فكبر)
يقول ﵎: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر:٣].
يقول ابن جرير: أي: فعظمه بعبادته والرغبة إليه في حاجاتك دون غيره من الآلهة والأنداد.
وقال القاشاني: أي: إن كنت تكبر شيئاً وتعظم قدره فخصص ربك بالتعظيم والتكبير، لا يعظم في عينيك غيره، فيصغر في قلبك كل ما سواه بمشاهدة كبريائه .
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، التقديم هنا للاختصاص، أي: أن المستحق للتعظيم وحده هو الله .
стр. 3048
تفسير قوله تعالى: (وثيابك فطهر)
قال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤].
اختلف في المقصود من قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾؟ فالظاهر هو الطهارة، أي: تطهير الثياب بالماء من الأنجاس؛ لأن الماء هو الأصل في التطهير.
قال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهرون؛ فأمره الله أن يتطهر ويطهر ثيابه.
وقيل: هذا أمر بتطهير القلب مما يستقذر من الآثام.
قال قتادة: العرب تسمي الرجل إذا نكث ولم يف بعهد أنه دنس الثياب، أما إذا وفّى فإن العرب تسميه: مطهر الثياب.
وعن ابن عباس: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، أي: لا تلبسها على معصية ولا على غدرة، ثم أنشد لـ غيلان بن سلمة الثقفي قوله: وإني بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا من غدرة أتقنع ففي الوجه الأول بقاء لفظي الثياب والتطهير على حقيقتهما.
أما الثاني ففيه نوع تجوز، بأن يكون المقصود بذلك طهر القلب مما يستقذر من الآثام.
الوجه الثالث: حمل الثياب على حقيقتها، والتطهير على مجازه، وهو التقصير؛ لأن العرب كانوا يطيلون ثيابهم، ويجرون أذيالهم خيلاء وكبراً، فأمر بمخالفتهم.
ووجه رابع: حمل الثياب على الجسد أو النفس كناية، كما قال عنترة: (فشققت بالرمح الأصم ثيابه) يعني: نفسه، ولذا قال: ليس الكريم على القنا بمحرم واستصوب ابن الأثير في المثل السائر الوجه الأول، قال في الفصل الثالث من فصول مقدماته: اعلم أن الأصل في المعنى أن يحمل على ظاهر لفظه، ومن يذهب إلى التأويل يفتقر إلى دليل كقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤]، فالظاهر من لفظ الثياب هو ما يلبس، ومن تأول ذهب إلى أن المراد هو القلب لا الملبوس، وهذا لابد له من دليل؛ لأنه عدول عن ظاهر اللفظ، ثم قال: المعنى المحمول على ظاهره لا يقع في تفسيره خلاف، والمعنى المعدول عن ظاهره إلى التأويل يقع فيه الخلاف، إذ باب التأويل غير محصور، والعلماء متفاوتون في هذا فإنه قد يأخذ بعضهم وجهاً ضعيفاً من التأويل فيكسوه بعبارته قوة تميزه عن غيره من الوجوه القوية؛ فإن السيف بضاربه.
يعني: قد يكون لعالم وجه من الفصاحة والبلاغة حتى إنه لفصاحته وبراعته يستطيع أن ينتحي منحىً مرجوحاً عن طريق تأويل النص، ومع قوة عبارته وسحر البيان يقوي هذا القول الضعيف، وكما يقال: إن السيف بضاربه، يعني: أن السيف يقتل، لكن ليس السيف وحده هو الذي يؤثر، بل لابد له من ضارب قوي، ولذلك استشهد بعد قوله: (فإن السيف بضاربه) بشعر أبي الطيب المتنبي في قصيدة مطلعها: الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني قال: إن السيوف مع الذين قلوبهم كقلوبهن إذا التقى الجمعان تلقى الحسام على جراءة حده مثل الجبان بكف كل جبان يقول المتنبي: إن السيوف مع الذين قلوبهم كقلوبهن إذا التقى الجمعان يعني: قد توجد السيوف الحادة القوية في أيدي أناس قلوبهم مثل قلوب النساء جبناً وهلعاً وخوفاً.
تلقى الحسام على جراءة حده، أي: مع أن السيف محدد بتار في حد ذاته.
تلقى الحسام على جراءة حده مثل الجبان بكف كل جبان فالسيف يكون جباناً ما دام في كف إنسان جبان، فالسيف بضاربه وليس فقط بحده، فإنه لا يؤثر إلا إذا كان الذي يحمله يضرب ضربةً قويةً.
يقول الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى في تتمة أضواء البيان: اختلف المفسرون في المراد من كل من لفظتي (الثياب) و (فطهر) هل دلا على الحقيقة، ويكون المراد طهارة الثوب من النجاسات أم هما على المجاز؟ فعلى سبيل المجاز يكون المراد بالثوب البدن، والطهارة عن المعنويات من معاصي وآثام ونحوها.
وذكر ابن جرير وغيره نحواً من خمسة أقوال: الأول: عن ابن عباس، وعكرمة، والضحاك، أن معناه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، لا تلبس ثيابك على معصية ولا على غدرة، واستشهد بقول غيلان: وإني بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا من غدرة أتقنع وقول آخر: إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداء يرتديه جميل فاستعمل اللفظين في الكناية، وقد يستدل له بقوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح:٢].
وورد عن ابن عباس: لا تلبس ثيابك من كسب غير طيب، يعني: البس ثيابك من المال الحلال، فاستعمل الثياب في الحقيقة والتطهير في الكناية.
وعن مجاهد: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي: وعملك فأصلح، فاستعملهما معاً في الكناية عن العمل الصالح.
وعن محمد بن سيرين وابن زيد على حقيقتهما، يعني: فطهر ثيابك من النجاسة.
ثم قال ابن جرير: والذي قاله ابن سيرين وابن زيد أظهر في ذلك.
وقول ابن عباس وعكرمة قول عليه أكثر السلف، والله تعالى أعلم بمراده.
ويترجح قول ابن سيرين أن المراد طهارة الثوب من النجاسة، بالقرينة في الآية فإنها اشتملت على أمرين: الأول: طهارة الثوب، ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
الثاني: هجر الرجز، ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٥]، ومن معاني الرجز المعاصي، فيكون حمل طهارة الثوب على حقيقته والرجز على حقيقته أولى، إن المعنى: طهر قلبك من الآثام والمعاصي، لوقع هنا تكرار؛ لأن قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ معناه: اهجر المعاصي على أحد التفاسير، فيكون هذا تكراراً، والتأسيس أولى من التأكيد.
فيترجح بذلك أن المراد بقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ الطهارة بالماء من الأنجاس، فيكون المراد الثياب على حقيقتها.
أما التطهير من الذنوب فأشار له قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٥] فيكون تأسيساً.
وهذه الآية بقسميها جاء نظيرها بأصرح من ذلك في قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنفال:١١].
ومثله أيضاً قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، جمع بين الطهارتين: تطهير الباطن والظاهر.
ولذلك جعل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى هذه الآية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ دليلاً على وجوب الطهارة للصلاة.
стр. 3049
تفسير قوله تعالى: (والرجز فاهجر)
يقول الله ﵎: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٥].
أي: اتركه، والرجز بضم الراء، وتأتي بكسر الراء كالرجس، والسين والزاي يتناوبان لأنهما من حروف الصفير.
والرجس: اسم للقبيح المستقذر كنى به عن عبادة الأوثان خاصة كما في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج:٣٠].
أو عن كل ما يستكره من الأفعال والأخلاق، والجملة من جوامع الكلم في مكارم الأخلاق، كأنه قيل: اهجر الجفا والسفه وكل قبيح، ولا تتخلق بأخلاق هؤلاء المشركين المستعملين للرجز.
وقيل: المراد بالرِجز أو الرُجز العذاب، وهجره كناية عن هجر ما يؤدي إليه من الشرك والمعاصي، فأقيم الرجز مقام سببه الذي هو الشرك والمعاصي؛ أو هو بتقدير مضاف، أي: وأسباب الرجز فاهجر.
وكما قلنا: الرِجز والرُجز تقرأ بالضم وتقرأ بالكسر، فيقول: قرئ بضم الراء وهي لغة وهما بمعنى العذاب.
وعن مجاهد أنه بالضم بمعنى الصنم، وبالكسر بمعنى العذاب.
وأمره ﵌ بذلك -وهو بريء منه- أمر لغيره، وهذا تعريض، أو المراد الدوام على هجره، يعني: أن النبي ﵊ ما عبد الأصنام، بل هو بريء من ذلك وحاشاه ﵌، ومع ذلك أمره الله بهجرها، ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾، فهذا الأمر هو أمر لغيره تعريضاً، أو أن المراد الدوام على هجره.
стр. 3050
تفسير قوله تعالى: (ولا تمنن تستكثر)
قال تعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر:٦].
أي: لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها، أي: إذا أعطيت فلا تترقب ولا تتوقع ولا تؤمل أن ترد إليك هذه العطية بأكثر منها.
يقال: مننت فلاناً كذا، أي: أعطيته، كما قال تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ [ص:٣٩]، يعني: فأعط أو أمسك.
وأصله: أن من أعطى فقد منَّ، فسميت العطية بالمن على سبيل الاستعارة.
وجوز القفال أن يكون الاستكثار عبارة عن طلب العوض كيف كان زائداً أو مساوياً.
قال: وإنما حسنت هذه الاستعارة؛ لأن الغالب أن الثواب يكون زائداً عن العطاء، وسمى طلب الثواب استكثاراً حملاً للشيء على أغلب أحواله، وهذا كما أن الأغلب أن المرأة إنما تتزوج ولها ولد للحاجة إلى من يربي ولدها، فسمي الولد ربيباً، ثم اتسع الأمر فسمي ربيباً وإن كان حين تتزوج أمه كبيراً، حملاً للأمر على تلك الأحوال.
يقول: وسر النهي أن يكون العطاء خالياً عن انتظار العوض، والتفات النفس إليه تعففاً وكمالاً وعلو همة.
وقال بعض المفسرين: معنى الآية: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾: لا تعط عطاءً مستكثراً هذا العطاء حتى ولو كان كثيراً، فإن من مكارم الأخلاق استقلال العطاء وإن كان كثيراً، فالسين للعد والوجدان.
وسبق في سورة الروم في قول الله ﵎: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٩]، نفس هذا المعنى، وقد تكلمنا عنه في موضعه.
стр. 3051
تفسير قوله تعالى: (ولربك فاصبر)
قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:٧].
يعني: على أذى المشركين، وهنا نلاحظ أنه في السور المكية الأولى يخاطب الله نبيه باسم الربوبية؛ لأن تصور المشركين عن الألوهية قد ارتبط بمفاهيم وثنية، ومن هذا الخطاب قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ [العلق:١ - ٣].
стр. 3052
تفسير قوله تعالى: (فإذا نقر في الناقور غير يسير)
قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر:٨ - ١٠].
أي: إذا نفخ في الصور، والناقور من النقر.
بمعنى التصويت، وأصله القرع الذي هو سبب الصوت، ومنه منقار الطائر؛ لأنه يقرع به وينقر به على الأشياء، وأريد به النفخ؛ عبر به لأنه نوع من الصوت.
﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾، أي: شديد.
﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾، أي: ليس بهين على الكافرين لما يحيط بهم من الغم والكرب، وفي قوله: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾، تأكيد يمنع أن يكون عسيراً عليهم من وجه دون وجه، ويشعر بيسره على المؤمنين، ففيه جمع بين وعيد الكافرين وبشارة المؤمنين.
يعني: أن وصفه اليوم أولاً بقوله: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾، قد يتوقع بعض الناس أنه عسير على المؤمنين وعسير على الكافرين فأتى بالآية التي تليها ليدفع هذا التوهم فقال: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾.
ثم إنه قد يقول قائل: (فذلك يومئذ يوم عسير) قد يكون عسيراً من وجه لكن ليس عسيراً من وجه آخر، فدفع هذا الوهم بقوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾، فهذا عسر لا يسر فيه على الإطلاق.
يقول الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾، الناقور: هو الصور، وأصل الناقور الصوت.
قال الزمخشري: إن (غَيْرُ يَسِيرٍ)، كان يكفي عنها (يوم عسير) إلا أنه أراد ليبين لهم أن عسره لا يرجى تيسيره.
يعني لأن الإنسان قد يتوقع هذا العسر يسيراً: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٦]، فمهما كان هناك من شدة فإنها ستنتهي، فربما توهم بعض الناس أن شدة الأهوال يوم القيامة لها نهاية، فبين لهم أنه لا يرجى بعده يسر، والعياذ بالله! وأيضاً فيه زيادة وعيد للكافرين، وفيه نوع بشارة للمؤمنين لسهولته عليهم، ولعل المعنيين مستقلان، وأن قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾، كلام مستقل، وهو وصف لهذا اليوم وبيان للجميع شدة هوله كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢]، هذا عام في الناس كلهم، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٥].
ثم بين تعالى أن اليوم العسير على الكافرين فقال: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾، كما قال تعالى عنهم: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل:١٧ - ١٨]، بينما يكون على المؤمنين يسيراً، مع أنه عسير في ذاته لشدة هوله، لكنه يخفف عن المؤمن، هذا هو المقصود من الآية التالية، وهي قوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾، فهو في حد ذاته يوم شديد، لكنه يخفف على المؤمن، كما قال الله ﵎: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ * وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٨٧ - ٩٠].
فالفزع من الصعقة يوم ينفخ في الصور عام لجميع من في السماوات ومن في الأرض، إلا من شاء الله، ثم بين تعالى أن الآمنين هم الذين جاءوا بالحسنات.
стр. 3053
تفسير قوله تعالى: (ذرني ومن خلقت وحيداً ثم يطمع أن أزيد)
يقول الله ﵎: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ [المدثر:١١ - ١٥].
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾، أي: لا مال له ولا ولد، وقد كنت قرأت منذ زمن أن (وحيداً) لقب من ألقاب الوليد بن المغيرة والد خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه، وهو من رءوس الكفر في قريش، وقد كان يلقب بريحانة قريش، وكان يلقب بالوحيد، أي: المتفرد.
أما هنا فقال القاسمي: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر:١١]، يعني: في أول أمره وفي مبدأ أمره كان وحيداً بلا مال ولا ولد.
﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾، أي: ثم بعد ذلك أنعمت عليه وجعلت له مالاً ممدوداً أي: مبسوطاً كثيراً، أو ممدوداً بالنماء.
﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾، يعني: رجالاً يشهدون معه المحافل والمجامع، أو حضوراً معه يأنس بهم لا يحوجه سفرهم وركوبهم الأخطار لاستغنائهم عن التكسب.
وهذه من النعم التي أنعم الله بها على الوليد بن المغيرة، فبعدما كان وحيداً لا مال له ولا ولد امتن الله عليه بالمال الممدود وبالبنين الحاضرين غير المسافرين؛ لأنهم لعزتهم وغناهم وثروتهم لا يحتاجون إلى أن يفارقوا أباهم بحثاً عن الرزق والربح.
﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾، أي: بسطت له في العيش والجاه والرياسة.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ [المدثر:١٥] يعني: يطمع الزيادة من المال والولد والجاه، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، وفي الحديث: (منهومان لا يشبعان: طالب العلم، وطالب الدنيا)، فطالب العلم مهما تجرع من العلم لا يشبع، وطالب الدنيا مهما أعطي من الدنيا لا يشبع، الإنسان أحياناً يستغرب من أناس بسطت عليهم الدنيا، ومع ذلك فهم في أشد الحرص على الاستكثار من المال والزيادة؛ لأن من طبيعة الإنسان الحرص والجري وراء الدنيا، فيصبح كالذي يشرب من البحر وكلما شرب ازداد عطشاً، فهذه إشارة إلى هذا الميل إلى الدنيا، وأن ابن آدم لا يملأ جوفه إلا التراب: (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى أن يكون له ثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب) أو كما قال ﷺ .
وقيل: المعنى أنه يطمع أن أزيده نعيماً وقوة، وأدخله الجنة أيضاً على كفره.
وهذا التفسير أظهر في بدليل قوله تعالى بعده: ﴿كَلَّا﴾ [المدثر:١٦] أي: لا يكون ما يؤمله ويرجوه؛ لأن الجدير بالزيادة من نعيم الآخرة هم المتقون وليس هو منهم، وكما قال النبي ﷺ : (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)، فهو ينعم في الدنيا لكن في الآخرة لا نصيب له ولا خلاق.
стр. 3054
تفسير قوله تعالى: (كلا إنه كان لآياتنا عنيداً ثم قتل كيف قدر)
قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر:١٦ - ٢٠].
((كَلَّا))، أي: لا يكون ما يؤمل ويرجو؛ لأن الجدير بالزيادة من نعيم الآخرة هم المتقون لا هو.
((إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا))، كيف أزيده وأضيف إلى نعيم الدنيا الذي أعطيته إياه نعيماً في الآخرة وهو كان معارضاً لآيات الله.
فشرعت الآيات في ذكر مفاسده التي تجعله غير جدير بأن ينعم في الجنة.
فقوله: ﴿عَنِيدًا﴾، أي: معانداً للحجج المنزلة والمرسلة.
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾، أي: سأغشيه عقبة شاقة المصعد كالجبل المرتفع كلما ارتفع زاد اختناقاً وضاق نفسه، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، فهذا عذابه أن يصعد على جبل أو على عقبة مرتفعة شاقة في غاية العسر، وهو مثل لما يلقى من العذاب الشاق الصعب الذي لا يطاق.
والمعنى: أسوق إليه من المصائب ما يشق عليه مشقة من يكلف صعود الجبال الشاهقة العالية الوعرة.
ثم علل إرهاقه بقوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ [المدثر:١٨ - ٢٢]، فهذا كله تعليل لاستحقاقه أن يرهقه الله صعوداً.
وقوله: (إِنَّهُ فَكَّرَ) يعني: ماذا يقول في هذه الآيات الكريمات، وفي هذا الذكر الحكيم؟ ((وَقَدَّرَ)) أي: قدر في نفسه ما يقوله وهيأه.
﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾، يعني: لعن كيف قدر ذلك الافتراء الباطل، واختلق ما يكذبه وجدانه فيه، وهو يعلم في قرارة نفسه أن القرآن حق من عند الله! ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾، تكرير للمبالغة في التعجب منه، وقد اعتيد فيمن عجب غاية العجب أنه يكثر من التعجب ويكرره.
و (ثم) للدلالة على أن الثانية أبلغ في التعجب من الأولى؛ لأن العطف بـ ((ثُمَّ))، يدل على تفاوت الرتبة.
فقوله: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾، يعني: فقتل بنوع ما من القتل، وهذه الجملة دعاء.
﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾، يعني: كأنه قال بعدما قال قتل بنوع ما من القتل: لا، بل قتل بأشده، وقد أورد الزمخشري في هذه الجملة ثلاثة أوجه: أن تكون تعجيباً من تقديره وإصابته فيه المحز، ورميه الفرض الذي كانت تنتحيه قريش.
أو ثناء عليه على طريقة الاستهزاء به.
أو هي حكاية لما كرروه من قولهم: (قتل كيف قدر) تهكماً بهم وبإعجابهم بتقديره واستعظامهم لقوله! ثم قال: ومعنى قول القائل: قتله الله ما أفزعه، وأخزاه الله ما أشعره، الإشعار بأنه قد بلغ المبلغ الذي هو حقيق بأن يحسد ويدعو عليه حاسده بذلك، أي أنه تفوق جداً في هذا المجال حتى إن الناظر إليه خليق أن يحسد على ذلك.
стр. 3055
تفسير قوله تعالى: (ثم نظر إلا سحر يؤثر)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر:٢١ - ٢٤].
﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾، أي: في ذلك المقدر وتروى فيه.
قال الرازي: وهذه المرتبة الثالثة من أحوال قلبه، فالنظر الأول للاستخراج، واللاحق للتقدير، وهذا هو الاحتياط.
وقال غيره: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾، أي: في وجوه القوم.
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾، أي: قطب وجهه كبراً وتهيؤاً لقذف تلك الكبيرة.
﴿وَبَسَرَ﴾، أي: كلح وجهه شأن اللئيم في مراوغته ومقاتلته، والحسود في آثار حقده على صفحات وجهه.
((ثُمَّ أَدْبَرَ)): عن الحق.
((وَاسْتَكْبَرَ))، أي: عن الإيمان به.
﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾، أي: ما هذا القرآن إلا سحر يروى ويتعلم، أي: يأثره عن غيره، والمعنى أنه تعلمه من شخص آخر غيره.
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾، أي: ليس بكلام الله كما يقوله.
يقول القاسمي رحمه الله تعالى: اتفق المفسرون على أن هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي أحد رؤساء قريش لعنه الله، وكان من خبره ما رواه ابن إسحاق أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم، فقال لهم: يا معشر قريش! إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا رأياً واحداً ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً، ويرد قولكم بعضه بعضاً.
قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأياً نقل به.
قال: بل أنتم تقولون أجمع.
قالوا: نقول: كاهن! قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه.
قالوا: فنقول: مجنون! قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته.
قالوا: فنقول: شاعر! قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهجزه وقبيضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر.
قالوا: فنقول: ساحر! قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة وسحرهم فما هو بنفثهم ولا عقدهم.
قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعبق، وإن فرعه لجنى، وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: هو ساحر، جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته! فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون مع الناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا له أمره، فأنزل الله تعالى في الوليد بن المغيرة وفي ذلك قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:١١ - ٢٥].
وعن قتادة قال الوليد: لقد نظرت فيما قال هذا الرجل، فإذا هو ليس بشعر، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يعلى، وما أشك أنه سحر، فأنزل الله هذه الآيات.
وقد روي عن مجاهد أن الوليد كان بنوه عشرة.
وحكى الثعلبي عن مقاتل أنه أسلم منهم ثلاثة: خالد بن الوليد.
وعمارة.
وهشام.
قال ابن حجر في الإصابة: والصواب أنهم خالد، وهشام، والوليد، فأما عمارة فإنه مات كافراً؛ لأن قريشاً بعثوه للنجاشي فجرت له معه قصة فأصيب بعقله.
وقد ثبت أنه ممن دعا النبي ﷺ عليهم من قريش لما وضع عقبة بن أبي معيط سلا الجزور على ظهره وهو يصلي، فدعا عليهم النبي ﵊، فأصابته دعوة النبي ﵇ وجن في الحبشة.
стр. 3056
تفسير قوله تعالى: (سأصليه سقر عليها تسعة عشر)
قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٢٦ - ٣٠].
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾، أي: جهنم، وهو بدل اشتمال من قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر:١٧].
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ قال الزمخشري: أي: لا تبقي شيئاً يلقى فيها إلا أهلكته، وإذا هلك لم تذره هالكاً حتى يعاد، أو: لا تبقي على شيء ولا تدعه من الهلاك، بل كل ما يطرح فيها هالك لا محالة.
﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾، أي: محرقة للجلود، من قولك: لوحته الشمس إذا سودت ظاهره فإن الجلد يتأثر بالشمس فيسود لونه فيقال: لوحته الشمس، يعني: سودت ظاهره وأطرافه، فمعنى قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٩]، يعني: محرقة للجلود؛ لأن قوله ﵎ هنا: البشر، جمع بشرة، وهي ظاهر الجلد.
أو أن البشر اسم جنس بمعنى الناس، فيكون قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾، يعني: محرقة للناس.
﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾، أي: من الخزنة المتولين أمرها، والتخالف على أهلها، وفيه إشارة إلى أن زبانية العذاب الأخروي تفوق زبانية الجبابرة في الدنيا أضعافاً مضاعفة، تنبيهاً على عظم العذاب وكبر مكانه.
стр. 3057
(تفسير سورة المدثر [٣١ - ٥٦]) للشيخ: (محمد إسماعيل المقدم)
(عدد القراء ٤١٤)
عناصر الموضوع
١
تفسير قوله تعالى: (وم
الكل أسماء القراء أسماء المحاضرين عناوين المحاضرات نص المحاضرات مختارات من الأذان أسماء المنشدين عناوين الأناشيد أدعية مختارة استراحة التسجيلات
محور الحج
اختبر معلوماتك
فلاشات
رسائل جوال
صندوق الهدايا
مواقيت الصلاة
تحويل عملات
الأحوال الجوية
أكثر المواد استماعا على الشبكة الإسلامية
اسم المستخدم
كلمة السر
стр. 3058
تفسير سورة النبأ
стр. 3059
تفسير قوله تعالى: (عمّ يتساءلون)
سورة النبأ السورة الثامنة والسبعون من سور القرآن الكريم، وتسمى: سورة عم يتساءلون، وهي مكية بالإجماع، وآيها أربعون.
يقول ابن عطية: ليس فيها نسخ ولا حكم، إلا ما قاله بعض الناس في قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً﴾ [النبأ:٢٣] إنها منسوخة.
يقول مقاتل بن حيان: الحقب: سبعة عشر ألف سنة، وهي منسوخة بقوله تعالى ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾ [النبأ:٣٠] ونحن نقول: قوله تعالى: ((لابثين فيها أحقاباً)) خبر، والخبر لا يقبل النسخ؛ لأن خبر الله لا يمكن أن يخلف، ولا يكون غير مطابق للحقيقة حتى ينسخ، فالأخبار لا يدخلها النسخ، فهذا القول إنما يحكى تنبيهاً على أنه خلاف غير معتبر، فيحكى لينبه على فساده، فهذا قول لا يصح بحال؛ لأن الأخبار لا تنسخ.
قوله: ((عم)) أصلها: عن ما، ثم أدغمت النون في الميم فصارت ((عما)) في الخبر والاستفهام، ثم حذف الألف في الاستفهام فرقاً بينه وبين الخبر، وقرئ ((عم))، وقرئ (عمه) بالهاء، وهذا إنما يكون عند الوقف على ((عم))، ثم يبتدئ بقوله: ((يتساءلون)) ﴿عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ:٢] وجمع يتساءلون لأن ما بعده جملة صلة.
وقوله تعالى: ((عم يتساءلون)) أي: هؤلاء المشركون عن أي شيء يتساءلون؟ لأن بعضهم كذب، وبعضهم قال: سحر وكهانة وجنون وغير ذلك، فكثر تساؤلهم عن حقيقة هذا القرآن.
قال ابن جرير: وذلك أن قريشاً جعلت فيما ذكر عنها تختصم وتتجادل في الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ من الإقرار بنبوته، والتصديق بما جاء به من عند الله تعالى، والإيمان بالبعث، فقال الله لنبيه: ((عم يتساءلون)) أي: فيم يتساءل هؤلاء القوم ويختصمون؟ و (في) و (عن) في هذا الموضع بمعنى واحد.
والتفاعل في قوله: (يتساءلون) إما على بابه أي: يسأل بعضهم بعضاً، أو أنه بمعنى: فعل يعني: سأل، وعلى الأول فالمعنى: يتساءلون فيما بينهم، وعلى الثاني فالمعنى أنهم يسألون الرسول ﷺ .
стр. 3060
تفسير قوله تعالى: (عن النبأ العظيم ثم كلا سيعلمون)
﴿عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ:٢ - ٥].
قوله تعالى: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾، ((عن)) هنا أيضاً بمعنى (في) أي: في النبأ العظيم يختصمون.
الاستفهام هنا لتفسير الخبر عن هذا النبأ.
قال ابن عباس وقتادة هو الذي جاء به رسول الله ﷺ .
وقال مجاهد وقتادة: هو القرآن خاصة بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص:٦٧] ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص:٦٨].
وعن قتادة: هو البعث من القبور، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾ [النبأ:١٧].
وكلها متلازمة؛ لأن من كذب بواحد منها كذب بها كلها، ومن صدق بواحد منها صدق بها كلها.
قوله: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ رجح بعض المفسرين القول بأن النبأ العظيم هو البعث؛ لأنه أتى بعده بدلائل وبراهين البعث، وعقبها بيوم الفصل: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾.
قوله: ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾ * ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾ هذا ردع للمتسائلين، والمفعول محذوف، والتكرار هنا للمبالغة في عظمته.
والتقدير: سيعلمون حقيقة الحال، أو سيعلمون ما يحل بهم من العقوبات والنكال.
وفي (ثم) إشعار بأن الوعيد الثاني أشد؛ أشد من الوعيد في الآية الرابعة؛ لأنها تأتي للبعد والتفاوت النسبي، ففيها ردع وزجر شديد بل أشد وأشد، فبهذا الانتظار صار كأنه مغاير لما قبله.
стр. 3061
تفسير قوله تعالى: (ألم نجعل الأرض مهاداً وجعلنا نومكم سباتاً)
﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ مِهَاداً * وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾ [النبأ:٦ - ٩].
ذكرهم تعالى بدلائل قدرته وآيات رحمته فقال : ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ مِهَاداً﴾، أي: فراشاً وموطئاً تفترشونها فالمهاد هو الفراش الممهد كالمهد للصبي، وكذلك الأرض، وقرئ: (مهداً).
﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ أي: أرسينا الأرض بالجبال كما يرسى البيت بالأوتاد، حتى لا تميد بأهلها، وتكون الأرض مهاداً بسبب ذلك، فإنما كانت الجبال أوتاداً؛ لأن جذورها في الأرض مغروسة، ولأنها تمنع الأرض من الاضطراب كالأوتاد التي تربط بها السفن لتثبيتها.
﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً﴾ أي: ذكوراً وإناثاً.
أو: (وخلقناكم أزواجاً) أي: أنواعاً في ألوانكم وصوركم وألسنتكم، فيدخل في هذا كل زوج من قبيح وحسن، وطويل وقصير لتختلف الأحوال، فيقع الاعتبار فيشكر الفاضل، ويصبر المفضول.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾ أي: وصيرنا نومكم راحة ودعة، ليريح القوى من تعبها ويعيد إليها ما فقد منها؛ إطلاقاً للملزوم وهو السبات (الموت)، وإرادة اللازم وهو الاستراحة.
وقيل: السبات هو الليل الممتد الطويل السكون، ولهذا يقال فيمن وصف بسكرة الموت: إنه مسبوت أو به سبات، فوجه الامتنان بذلك ظاهر لما فيه من المنفعة والراحة؛ لأن النوم يكسب شيئاً من الراحة.
стр. 3062
تفسير قوله تعالى: (وجعلنا الليل لباساً سراجاً وهاجاً)
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً * وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً﴾ [النبأ:١٠ - ١٣].
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً﴾ أي: كاللباس لإحاطة ظلمته بكل أحد وستره لهم، ووجه النعمة في ذلك أن ظلمة الليل تستر الإنسان عن العيون إذا أراد هرباً من عدو أو بياتاً له، أو إخفاء ما لا يحب الإنسان اطلاع غيره عليه.
قال المتنبي: وكم لظلام الليل عندي من يد تخبر أن المانوية تكذب فالسياق في قوله الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً﴾ سياق امتنان على الناس بهذه النعمة.
ووجه النعمة هنا أن ظلام الليل ليس شراً كله كما تزعم المانوية، الذين يجعلون الظلام إله الشر، والنور إله الخير.
فمن فوائد الليل أيضاً: راحة العين والبدن واستعادة القوى وغير ذلك.
فقول المتنبي: (وكم لظلام الليل عندي من يد) أي: من نعمة وفضل ومنة (تخبر أن المانوية تكذب) أي: حين ينسبون كل شر إلى الليل، فهو يقول: كم لظلام الليل عندي من يد وإحسان، وهذه اليد وهذا الإحسان تخبران أن المانوية تكذب في نسبة الشر المطلق إلى الظلام.
وأيضاً فكما أن الإنسان بسبب اللباس يزداد جماله، وتتكامل قوته، ويندفع عنه أذى الحر والبرد، فكذلك لباس الليل بسبب ما يحصل فيه من النوم الذي يزيد في جمال الإنسان، وفي طراوة أعضائه، وفي تكامل قواه الحسية والحركية، ويندفع عنه أذى التعب الجسماني، وأذى الأفكار.
﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً﴾ أي: وقت معاش إذ فيه يتقلب الخلق في حوائجهم ومشاكلهم.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً﴾ هي على حذف مضاف، أي: وقت معاش.
والمقصود بقوله: (معاشاً) أي: متصرفاً لطلب ما يعاش به من المطعم والمشرب، وغير ذلك.
﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾ أي: سبع سماوات (شداداً) جمع شديدة، أي: أن السماء عظيمة الخلق لا يؤثر فيها مرور الزمان.
وقال بعض المفسرين: السبع الشداد الطرائق السبع، وهي ما فيها من الكواكب السبعة السيارة.
وهذا الكلام فيه نظر، الكواكب السبعة تحت السماوات السبع، والله أعلم أين تنتهي السماء الدنيا.
﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً﴾ أي متلألئاً وقاداً، يعني به الشمس.
стр. 3063
تفسير قوله تعالى: (وأنزلنا من المعصرات ماءً ثجاجاً وجنات ألفافاً)
قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنْ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾ [النبأ:١٤ - ١٦].
﴿وَأَنزَلْنَا مِنْ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً﴾ المعصرات هي السحائب شارفت أن تعصر بالمطر.
وقيل: المعصرات هي الرياح التي تأتي بالمطر.
وقيل: المراد بالمعصرات السماء.
فكلمة (المعصرات) تطلق على الرياح، وعلى السحب، وعلى السماء، لكن أقربها هنا أن المراد بالمعصرات السحاب.
((مَاءً ثَجَّاجاً)) أي: منصباً متتابعاً، والثجاج: هو السريع الاندفاع كما يندفع الدم من عروق الذبيحة، وفي الحديث: (أفضل الحج العج والثج) العج: رفع الأصوات بالتلبية، والثج: هو إراقة الدماء تقرباً إلى الله .
قوله تعالى: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً﴾ قال ابن جرير: الحب كل ما تضمنه كمام الزرع التي تحصد، والنبات الكلأ الذي يرعى من الحشيش والزروع.
يقول الزمخشري: يريد ما يتقوت من نحو الحنطة والشعير، وما يعتلف من التبن والحشيش كما قال تعالى: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه:٥٤].
﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾ أي: حدائق ملتفة الشجر مجتمعة الأغصان.
قال الرازي: قدم الحب؛ لأنه الأصل في الغذاء، وثنى بالنبات لاحتياج الحيوانات إليه، وأخر الجنات؛ لأن الحاجة إلى الفواكه ليست بضرورية.
ثم قال: وكان الكعبي من القائلين بالطبائع، فاحتج بقوله تعالى: (لنخرج به حباً ونباتاً) على بطلان قول من قال: إنه تعالى لا يفعل شيئاً بواسطة شيء آخر، أي أن ارتباط المسببات بالأسباب مما بنى عليه سبحانه بحكمته الباهرة نظام العمران.
على أي الأحوال هذا منهج الرازي المفسر المعروف حينما يذكر الشبهات، وهذه من عيوبه الساذجة في تفسيره أنه يذكر استدلال أهل البدع بشتى مذاهبهم وفرقهم في القرآن الكريم، حتى إذا ما بدأ يرد عليها يكون قد أنهكت قواه.
إننا نحذر من القراءة في تفسير الرازي بسبب انحرافه في العقيدة، إلا لمن عنده علم ويستطيع أن يمحص هذا الفهم.
عموماً الرازي من آفات تفسيره كثرة حكاية الشبهات وأقوال المنحرفين في عقائدهم وأهل البدع، وضعف الردود عليهم أحياناً.
стр. 3064
تفسير قوله تعالى: (إن يوم الفصل كان ميقاتاً فتأتون أفواجاً)
قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً * يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾ [النبأ:١٧ - ١٨].
﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ (ميقاتاً) مفعالاً من الوقت، وميعاداً من الوعد.
((إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ)) أي: يوم يفصل بين الناس وتميز السعداء من الأشقياء باعتبار تفاوت الأعمال، وهو يوم القيامة.
(كان) أي: عند الله وفي علمه وحكمه.
(ميقاتاً) أي: حداً معيناً ووقتاً مؤقتاً ينتهي الخلق إليه ليرى كل جزاء عمله.
﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾ (يوم) هذا بدل من يوم الفصل، أو عطف بيان، كناية عن اتصال الأرواح بالأجساد، ورجوعها إلى الحياة والحشر في الآخرة.
وقال الإمام محمد عبده: النفخ في الصور تمثيل لبعث الله للناس يوم القيامة بسرعة لا يمثلها إلا نفخة في بوق ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] وعلينا أن نؤمن بما ورد من النفخ في الصور، وليس علينا أن نعلم ما هي حقيقة ذلك الصور.
والصحيح أن المقصود بالصور هو القرن الذي ينفخ فيه لبعث الناس، وهو قول الجمهور.
وزعم بعضهم أن الصور جمع صورة، أي يوم يرد الله فيه الأرواح إلى الأبدان، والأول أشهر وبه تظاهرت الآثار، وهو ظاهر قول الله ﵎: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨].
(فتأتون أفواجا) الأفواج: الجماعات يتلو بعضها بعضاً، واحدها فوج، أي: فرقاً مختلفة كل فرقة مع إمامهم على حسب تباين عقائدهم وأعمالهم وتوافقها.
стр. 3065
تفسير قوله تعالى: (وفتحت السماء فكانت سراباً)
قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتْ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً * وَسُيِّرَتْ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾ [النبأ:١٩ - ٢٠].
وقرئ (وفتِّحت السماء) بتشديد التاء على المبالغة.
قال ابن جرير: أي: وشققت السماء وصدعت فكانت طرقاً، بعد أن كانت شداداً لا فطور فيها ولا صدوع، أما في يوم القيامة فإنها تتشقق ويحصل فيها هذه الفطور كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلاً﴾ [الفرقان:٢٥] فهذا الفتح هو المذكور في قوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١]، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾ [الانفطار:١]، بالفتح والتشقق والتفطر، وهذا كما قال ابن جرير: مثل للغاية.
﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ أي: نزعت بكاملها في الهواء، وذلك إنما يكون بعد تفتيتها وجعلها أجزاء مفرقة كالهباء، وفي الآية تشبيه بليغ، والجامع أن كلاً منهما يرى على شكل شيء وليس هو به، فالسراب يرى كأنه بحر وليس كذلك، والجبال إذا فتت وارتفعت في الهواء ترى كأنها جبال وليست بجبال، بل غبار غليظ متراكم يرى من بعيد كأنه جبل، وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً﴾ [طه:١٠٥] * ﴿فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ [طه:١٠٦ - ١٠٧] فقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨].
стр. 3066
تفسير قوله تعالى: (إن جهنم كانت مرصاداً جزاء وفاقاً)
قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً * لِلْطَّاغِينَ مَآباً * لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً * لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً * إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً * جَزَاءً وِفَاقاً﴾ [النبأ:٢١ - ٢٦].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾ أي: موضع رصد، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤] أي: إن جهنم معدة مترصدة تتطلع لمن يأتي، منتظرة الجزاء والحساب، يقال: أرصده إذا تتبعه وترقبه، فكذلك جهنم فهي معدة مترقبة تتطلع لمن يأتي.
و (مرصاداً) صيغة مبالغة كما تقول: معصار، أي كثير العصر.
قوله: (إن جهنم كانت مرصاداً) أي: يكثر منها انتظار الكفار.
وقيل: يرصد خزنتها من كان يكفر بها وبالمعاد، وهذا على أن (مرصاداً) اسم مكان، أي: الموضع الذي يرصد خزنة جهنم ويترقبون من كان يكذب بها وباليعاد.
﴿لِلْطَّاغِينَ مَآباً﴾ أي للذين طغوا في الدنيا بالظلم، أو في دينه بالكفر، فتجاوزوا حدود الله استكباراً على ربهم.
فمعنى: (لِلْطَّاغِينَ مَآباً) أي: منزلاً ومرجعاً يصيرون إليه.
﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ جمع حقب، والحقب هي الدهور المتتابعة إلى ما لا نهاية لها كقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [النساء:٥٧] وكقول متمم بن نويرة وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلما تفرقنا كأني ومالكاً لطول اجتماع لم نبت ليلة معا ((لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً)) أي: غوثاً وراحة.
وبرداً قيل: هو النوم لأنه يبرد العصب، ومن كلامهم منع البرد البرد، يعني: منع الهواء البارد النوم.
قال الله تعالى: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر:٣٦] والنوم أخو الموت، فهم أيضاً لا ينامون لأن النوم مصدر راحة فهم يمنعون من ذلك، وقيل البرد هو الهواء البارد وهو القر، وعن ابن عباس: (البرد الشراب المستلذ) يطلق عليه الشراب كما قال الشاعر: أماني من ليلى حسان كأنها سقتني بها ليلى على ظمأ بردا يعني: شراباً.
منى إن تكُن حقاً تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمناً رغدا ﴿إِلاَّ حَمِيماً﴾ أي: إلا ماء حاراً في منتهى غليانه.
﴿وَغَسَّاقاً﴾ أي: صديداً، وهو ما يخرج من جلودهم يجتمع في حياض فيسقونه والعياذ بالله.
﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ:٢٦] أي: جوزوا بذلك جزاء موافقاً لما اكتسبوه من الأعمال، وقدموه من العقائد والأقوال.
стр. 3067
تفسير قوله تعالى: (إنهم كانوا لا يرجون إلا عذاباً)
قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً * وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً * فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾ [النبأ:٢٧ - ٣٠].
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَاباً﴾ * ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾ أي: يعذبون ذلك العذاب لأنهم كانوا موصوفين بهذه الرذائل، من عدم توقع المكافآت والتكذيب بالآيات، فلم يعملوا صالحاً رجاء الجزاء ولم يعلموا علماً فيصدقوا بالآيات.
فقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَاباً﴾ أي: لا يتوقعون حساباً.
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾ أي: كل شيء من أعمالهم ضبطناه بالكتاب عليهم في صحائفهم وكتبهم.
﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾ أي: يقال لهم: ذوقوا؛ تقريعاً وتأنيباً لهم من تكثيف العذاب، وإعلاماً بمضاعفته، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦] وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ [الإسراء:٩٧] والعياذ بالله.
стр. 3068
تفسير قوله تعالى: (إن للمتقين مفازاً عطاء حساباً)
قال تعالى: ((إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً)) [النبأ:٣١] ((حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً)) [النبأ:٣٢] ((وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً)) [النبأ:٣٣] ((وَكَأْساً دِهَاقاً)) [النبأ:٣٤] ((لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا كِذَّاباً)) [النبأ:٣٥] ((جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً)) [النبأ:٣١ - ٣٦].
لما ذكر وعيد الكفار أعقبه بوعد الأبرار فقال : ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾ أي: فوزاً بالنعيم، ونجاة من النار التي هي مآل الطاغين والمفاز هو موضع الفوز؛ لأنه يحجب عن النار ويدخل الجنة، وقيل للفلاة إذا قل ماؤها مفازة؛ تفاؤلاً بالخلاص منها.
﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً﴾ والحدائق جمع حديقة، وهي البستان الذي فيه أنواع الشجر المثمر المحوط بالحيطان المحدقة به، والأعناب معروفة.
قال ابن جرير: (وأعناباً) أي: وكروماً وأعناباً، فاستغنى بالأعناب عنها.
﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾ أي: نواهد لم تتدل ثديهن.
(أتراباً) أي: متساويات في السن، يعني: إذا ولد مولودان في وقت واحد ومسّا التراب في وقت واحد فهنا يقال: هذا ترب فلان.
﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾ أي: ملئ من خمر لذة للشاربين، والكأس الدهاق هي المترعة المتتابعة الصافية.
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً﴾ أي: باطلاً من القول.
﴿وَلا كِذَّاباً﴾ أي: مكاذبة يعني: لا يكذب بعضهم بعضاً.
وقيل: لا يسمعون كذبا.
واللغو هو فسق الكلام؛ لأن أهل الجنة إذا شربوا لم تتغير عقولهم ولم يلغوا، بخلاف أهل الدنيا.
وخمر الجنة ليس فيها غول ولا فيها ذهاب العقول كخمر الدنيا، ولذلك لا يلهون ولا يسمعون لغواً بعد ما يشربون من هذه الكئوس؛ لأنها ليست كخمر الدنيا في إذهابها العقول، فلذلك أتبع قوله : ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾ بتنزيههم عن آثار خمر الدنيا وقال: (لا يسمعون فيها لغواً ولاكذاباً) واللغو والتكذيب من أشد الأذى لقلوب المؤمنين الصادقين، فأراد الله إزاحة ذلك عنهم.
﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ أي: جزاء لهم على صالح أعمالهم تفضلاً منه تعالى بذلك الجزاء.
(عطاء حساباً) بمعنى: كافياً، من أحسبه الشيء إذا كفاه حتى قال حسبي، يقول الشاعر: ونكفي وليد الحي إن كان جائعاً ونحسبه إن كان ليس بجائع قوله: (نحسبه) أي: إن كان ليس بجائع نظل نعطيه ونعطيه حتى يقول: حسبي لا أريد المزيد.
وقيل: على حسب أعمالهم.
стр. 3069
تفسير قوله تعالى: (رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن)
قال تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً﴾ [النبأ:٣٧].
قال ابن جرير: لا يملكون أن يخاطبوا الله، قال: والمخاطب المخاصم الذي يخاصم صاحبه.
وقال غيره: أي: لا يملكهم الله منه خطاباً في شأن الثواب والعقاب، بل هو المتصرف فيه وحده، وهذا كما تقول: ملكت منه درهماً، فـ (من) ابتدائية متعلقة بملكت وذكر ابن جرير أنهم لا يمكن أن يخاطبوه بشيء من نقص العذاب.
وقيل: (لا يملكون منه خطاباً) أي: لا يملكون من إخباره إن خاطبوه بمعذرة ولا غيرها، وهذا في موطن خاص.
وقرئ: (رب) و (الرحمن) بالجر والرفع، وقرئ بكسر الأول ورفع الثاني.
стр. 3070
تفسير قوله تعالى: (يومَ يقوم الروح والملائكة صفاً)
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ [النبأ:٣٨].
(يوم يقوم الروح) أي: جبريل ﵇، وهو المعبر عنه بروح القدس في آية أخرى، وفيه أقوال أُخر نقلها ابن جرير وما ذكرناه أصوبها، والتنزيل يفسر بعضه بعضاً، والقرآن دل على أن هذا هو اسم جبريل ﵇.
فثبت أن القيام صحيح من جبريل والكلام صحيح منه، ويصح أن يؤذن له، فكيف يصرف هذا الاسم عنه إلى خلق لا نعرفه، أو إلى القرآن الذي لا يصح وصفه بالقيام؛ لأن بعض الناس قالوا: الروح هو القرآن؛ لأن من أسمائه الروح قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢] لكن هل يليق هنا أن يكون بالروح القرآن؟! هذا لا ينبغي، لأنه ذكر القيام.
فقوله: (يوم يقوم الروح) كقوله: ((تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر:٤] فهذا من باب عطف الخاص على العام، أما في هذه السورة: (يوم يقوم الروح والملائكة صفا) فهو من عطف العام على الخاص.
وقال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل:١٠٢] والقيام يصح من جبريل، والكلام يصح من جبريل، فيصح أيضاً أن يؤذن له.
(والملائكة صفاً) أي: صافين في مراتبهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات:١٦٤ - ١٦٥].
قال الرازي: يحتمل أن يكون المعنى صفاً واحداً، ويحتمل أنهم صفان، ويجوز صفوفاً، والصف في الأصل مصدر، لأن المصدر المنكَّر قد يكون حالاً، قال في الخلاصة: ومصدر منكر حالاً يقع بكثرة كبغتة زيد طلع فينبئ عن الواحد والجمع، ورجح بعضهم الأخير لقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] وقال تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً﴾ [الكهف:٤٨].
﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ أي: لا يتكلمون في الشفاعة، كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] والضمير يعود على الملائكة، وقد يعم كقوله: ﴿يوم يأت لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [هود:١٠٥].
وقال الزمخشري: هنا طريقتان: أولاً: أن يكون المتكلم منهم مأذوناً له في الكلام، ثانياً: وأن يتكلم بالصواب، فلا يشفع لغير مرتضى، لقوله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨].
стр. 3071
تفسير قوله تعالى: (ذلك اليوم الحق كنت تراباً)
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا * إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٣٩ - ٤٠].
﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ أي: الواقع الذي لا يمكن إنكاره، والحق صفة أو خبر.
﴿فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ أي: فمن شاء اتخذ للتصديق بهذا اليوم الحق والاستعداد له والعمل بما فيه النجاة مآبا ومرجعاً حسناً يئوب إليه.
﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ أي: عذاب الآخرة، وصفه بالقرب لتحقق وقوعه وأنه آت، وكل آت قريب، وهذه قاعدة لا ينبغي أن يغفل عنها الإنسان أبداً، وهي أن كل ما هو آت قريب، والبعيد ما ليس بآت، والقرب نسبي، فكل ما هو معدود ومحدود فهو قريب، ولذلك قال اليهود: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً﴾ [البقرة:٨٠] لأن المعدود محدود وله نهاية.
فكذلك هنا في قوله ﵎: (إنا أنذرناكم عذاباً قريباً).
وأما قربه فلأن مبدأه الموت يوم القيامة؛ لأن الإنسان ينتقل بالموت إلى الدار الآخرة.
﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ أي: ينظر جزاءه من خير أو شر.
﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ أي: يا ليتني كنت في الدنيا تراباً؛ لأن التراب لن يحاسب أو يلتفت إليه.
ومثل هذا الكلام قد يصدر من المؤمنين الخائفين أهل الخشية، كقول عمر رضي الله تعالى عنه: ليتني كنت بعرة! وكقول بعضهم: يا ليت أمي لم تلدني! خوفاً من الحساب يوم القيامة.
وعن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه قال: لو كنت يوم القيامة بين الجنة والنار لاخترت أن أكون تراباً قبل أن أصير إلى إحداهما).
يعني: ما دام يوجد احتمال أن يكون من أهل النار فيؤثر أن يكون تراباً.
وعن أبي هريرة وابن عمر ﵃: أن الله تعالى يحضر البهائم يوم القيامة، فيقتص لبعضها من بعض، ثم يقول لها من بعد ذلك: كوني تراباً فيعود جميعها تراباً، فإذا رأى الكافر ذلك تمنى مثله وقال: (يا ليتني كنت تراباً).
وقال أبو القاسم بن حبيب: رأيت في بعض التفاسير أن الكافر هنا إبليس، فهو إذا رأى ما حصل للمؤمنين من بني آدم من الثواب قال: (يا ليتني كنت تراباً) أي: كآدم الذي خلق من تراب، وهو قد احتقر آدم أولاً لأنه خلق من تراب حيث قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢].
وهي عامة في كل كافر لقوله: (ويقول الكافر) فإنها صيغة عموم، وأولى الكفار بذلك إبليس عليه لعنة الله.
والله أعلم.
стр. 3072
تفسير سورة التكوير والانفطار
стр. 3073
تفسير الآيات من قوله: (وإذا الصحف نشرت علمت نفس ما أحضرت)
قال تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير:١٤٠ - ١٤].
(وإذا الصحف نشرت) أي: صحف أعمال العباد نشرت لهم، بعد أن كانت مطوية على ما فيها مكتوب من الحسنات والسيئات.
(وإذا السماء كشطت) أي: قلعت وأزيلت كما يكشط الإهاب عن الذبيحة، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ [إبراهيم:٤٨].
(وإذا الجحيم سعرت) أي: أوقد عليها فأحميت، قال قتادة: سعرها غضب الله وخطايا بني آدم.
(وإذا الجنة أزلفت) أي: قربت للمتقين.
(علمت نفس ما أحضرت) أي: علمت كل نفس عند ذلك ما قدمت من خير فتصير به إلى الجنة، أو شر فتصير به إلى النار.
أي: أن المراد من قوله: (علمت نفس ما أحضرت) أنه تبين لها عند ذلك ما كانت جاهلة به، وما الذي كان فيه صلاحها من غيره.
وقوله: (علمت) جواب لجميع ما سبق من الشروط، كل ما سبق من الشروط من قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾.
стр. 3074
تفسير قوله تعالى: (فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس)
قال تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير:١٥ - ١٦].
(الخنس) هي الرواجع من النجوم، من خنس إذا رجع وتأخر.
قال الزمخشري: الخنس الرواجع بينا ترى النجم في آخر البرج إذ كرّ راجعاً إلى أوله.
والجوار جمع جارية من الجري.
وأصلها (الجواري) بالياء.
(الكنس) أي: تغيب وتدخل في بروجها التي تغيب فيها.
مأخوذة من كنس الوحش إذا دخل في كناسه، وهو بيته المتخذ من أغصان الشجر، فهو في الأصل مجاز بطريق التشبيه، ثم صارت الغلبة في استعماله على الحقيقة.
стр. 3075
تفسير قوله تعالى: (والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس)
قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير:١٨].
(عسعس) أي: أدبر بظلامه ولم يبق منه إلا اليسير، وذلك وقت السحر آخر جزء من الليل.
﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾، أي: أقبل وتبين.
أو إذا هب نسيمه اللطيف.
أو إن زالت عنه غمة الليل وكربته، فتقول: تنفست بعد هذه الكربة، وهذا تشبيه بمن نفست عنه كربة باعتبار أن الليل كربة، فزال عنه ذلك الظلام.
إن لله يقسم بما شاء من خلقه، لكنه لا يقسم إلا بما فيه آيات ودلائل على قدرته وحكمته ﵎، ومع ذلك أقسم الله بهذه الأجرام السماوية، وفي أثناء القسم بها وصفها بما ينفي عنها صفة الألوهية؛ وذلك في قوله: (فلا أقسم بالخنس) وهي الرواجع من النجوم فهي تسترجع بعدما تغيب، فكذلك قوله: (والجوار الكنس) أي: التي تغيب وتدخل في بروجها، فذهابها وغيابها يدل على حدوثها وأنها مخلوقة لله .
فالخنوس والكنوس هو الغياب، قال : ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٦] فالإله الحق لا يأفل ولا يغيب عن خلقه، فهذا تقريع لمن خصها بالعبادة، واتخذها من دونه أرباباً.
وفي الليل إذا أدبر زوال تلك الغمة التي تغمر الأحياء بامتداد الظلمة، بعدما استعادت أسباب نشاطها، وانتعشت من فتورها.
وفي الصبح إذا تنفس بشرى الأنفس بالحياة الجديدة في النهار الجديد، تنطلق فيه الإرادات إلى تحصيل الرغبات وسد الحاجات، والاستعداد لما هو آت.
стр. 3076
تفسير قوله تعالى: (إنه لقول رسول كريم)
يقول تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير:١٩].
أي: أنه روح القدس الذي ينفث في روعه ﷺ ، وهو جبريل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
هذا هو جواب القسم لما تقدم.
المقصود بنسبة القول إلى جبريل ﵇: (إنه لقول رسول كريم) أنه يبلغ الوحي من الله إلى النبي ﷺ ، أما قوله ﵎ في سورة الحاقة: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة:٣٨ - ٤٢] فالمقصود بالرسول هو النبي محمد ﵌؛ لأنه قال: (وما هو بقول شاعر)، (ولا بقول كاهن).
فنسب القول مرة إلى الرسول الملكي، ومرة إلى الرسول البشري؛ باعتبارهما مبلغين عن الله، فالرسول الملكي واسطة بين الله وبين النبي ﵊؛ والنبي ﵊ واسطة بين الله وبين خلقه في إبلاغهم ما أوحي إليه، لكن في الحقيقة هو كلام الله ، فالنسبة لمعنى التبليغ وحمل هذه الأمانة والرسالة.
قوله: (إنه) هذه الهاء إما أنها للبعث والجزاء والنشور؛ لأن البعث والجزاء والنشور مأخوذ من قوله ﵎: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير:١٤]؛ لأن النفس لا تعلم ما أحضرت إلا في يوم البعث والنشور.
وإما أنها للقول المذكور، وهو القرآن الكريم.
стр. 3077
تفسير قوله تعالى: (ذي قوة وما صاحبكم بمجنون)
قال تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢٢].
﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ أي: قوة على تحمل أعباء الرسالة، وعلى كل ما يؤمر به، كما تقدم في قوله ﵎: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥] وهو جبريل ﵇.
قوله: ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ أي: صاحب مكانة وشرف ومنزلة لديه ﵎.
قوله تعالى: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾ أي: في الملأ الأعلى.
(أمين) على وحيه ورسالته.
قوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ أي: ليس محمد ﷺ ممن يتكلم عن ذلة ويهذي هذيان المجانين، كما قال تعالى: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:٣٧] وهذا نفي لما كان يبهته به أعداؤه ﷺ حسداً وجرماً.
وفي قوله: (صاحبكم) تكذيب لهم بألطف وجه، إذ هو إيماء إلى أنه نشأ بين أظهركم، وأنتم تعرفونه جيداً بأنه أتم الخلق عقلاً، وأرجحهم قولاً، وأكملهم خلقاً، وأتقاهم لله، فلا يسند له الجنون إلا من هو مركب من الحمق والجنون، فالله در البحتري إذ يقول في القصيدة التي مطلعها: في الشيب زجر له لو كان ينزجر وبالغ منه لولا أنه حجر إلى أن قال: إذا محاسني اللاتي أدل بها كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر يعني: إذا الخصم رأى المحاسن التي أدل بها وأفخر بها ذنوباً وتقصيراً فكيف أعتذر؟! فكذلك هنا قوله ﵎: (وما صاحبكم بمجنون) فهو صاحبكم وأنتم تعرفون أنه منزه عن الكذب، وتقرون بأنكم ما جربتم عليه كذباً قط، حتى كانوا يلقبونه بالصادق الأمين ﵌.
стр. 3078
تفسير قوله تعالى: (ولقد رآه بالأفق المبين)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير:٢٣].
أي: ولقد رأى محمد ﷺ جبريل ﵇ بالأفق الأعلى على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح.
قال ابن كثير: والظاهر والله تعالى أعلم أن هذه السورة نزلت قبل ليلة الإسراء؛ لأنه لم يذكر إلا هذه الرؤية وهي الأولى، وأما الثانية فهي المذكورة في قوله ﵎: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم:١٣ - ١٥] فتلك إنما ذكرت في سورة النجم، وقد نزلت بعد سورة الإسراء.
والقصد من بيان رؤيته لجبريل ﵇ أن أمره مبني على مشاهدة وعيان لا على ظن وحسبان، فما سبيله كذلك فلا مدخل للريب والتكذيب فيه.
فالله هنا ينزه نبيه ﷺ عن كل هذه الأشياء المسماة بالخيالات والعوارض، فهو ﷺ حينما رأى الملك رآه حقيقة، وليس كما يتخيل المجنون أنه يرى أشياء لا حقيقة لها، بل هي رؤية حسية بعينه، وليست خيالاً.
(ولقد رآه) حقيقة، وحسب المكان قال: (بالأفق) أي: في الأفق المرتفع الظاهر.
(المبين) أي: الواضح الذي لا شك فيه.
стр. 3079
تفسير قوله تعالى: (وما هو على الغيب بضنين)
قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير:٢٤].
(وما هو على الغيب بضنين) أي: ببخيل، قال مجاهد: ما يضن عليكم بما يعلم من الوحي بالتعليم والتبليغ.
وقال الفراء: يأتيه غيب السماء وهو شيء نفيس فلا يبخل به عليكم.
وقال أبو علي الفارسي: المعنى: أنه يخبر بالغيب فيبينه ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ذلك، ويمتنع من إعلانه حتى يأخذ عليه حلواناً.
وقرئ: (وما هو على الغيب بظنين) بالظاء أي: وما هو بمتهم على ما يخبر به من الغيب.
قال القاشاني: لامتناع استيلاء شيطان الوهم من التخييل عليه فيخلف كلامه أو يمزج المعنى القدسي بالوهمي والخيالي.
كما قال هرقل لـ أبي سفيان: (وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا، فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الرب .
فيما يتعلق بقراءة: (وما هو على الغيب بظنين) يقول الإمام ابن جرير رحمه الله تعالى: وأولى القراءتين في ذلك عندي هي ما عليه خطوط مصاحف المسلمين متفقة وإن اختلفت قراءتهم به وذلك بالضاد؛ لأن ذلك كله كذلك في خطوطها.
ثم يقول: فأولى التأويلين بالصواب في ذلك تأويل من تأول: وما محمد على ما علمه الله من وحيه وتنزيله ببخيل بتعليمكموه أيها الناس، بل هو حريص على أن تؤمنوا به وتتعلموه.
واختار أبو عبيدة القراءة بالظاء لوجهين: أحدهما: أن الكفار لم يبخلوه وإنما اتهموه، فنفي التهمة أولى من نفي البخل.
ثانيهما: أن الضاد والظاء في الخط القديم لا يختلفان إلا بزيادة قراءة إحداهما على الأخرى زيادة يسيرة.
أقول: وهو كما قال، ويعرفه من قرأ الخط المسند، وليس فيه اتهام لنقلة المصاحف كما يتوهم؛ لأن ما نقلوه موافق للقراءة المتواترة، ولابد مما ذكره أبو عبيدة بأنهم اشترطوا في القراءات موافقة الرسم العثماني، ولولاه كانت قراءة الظاء مخالفة له.
انتهى.
وقال ابن كثير: وكلتا القراءتين متواترة ومعناها صحيح كما تقدم.
стр. 3080
تفسير قوله تعالى: (وما هو بقول شيطان رجيم فأين تذهبون)
قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير:٢٥ - ٢٦].
أي: ما هو من إلقاء الشيطان المطرود عن بلوغ هذا المقام، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنْ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء:٢١٠ - ٢١٢] فهذا أيضاً نفي لقولهم: إنه كهانة، فرد الله هذا بقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾.
﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ أي: أي مسلك تسلكون، وقد قامت عليكم الحجة، لا جرم أنكم بعد هذه المزاعم في الوحي قد بعدتم عن الصواب.
قال الزمخشري قوله تعالى: (فأين تذهبون) استضلال لهم كما يقال لتارك الجادة اعتسافاً أو ذهاباً في بنيات الطريق: أين تذهب؟ مثلت حالهم بحاله في تركهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل.
стр. 3081
تفسير قوله تعالى: (إن هو إلا ذكر للعالمين رب العالمين)
قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٧ - ٢٩].
(إن هو) أي: القرآن المتلو عليكم.
(إلا ذكر للعالمين) أي: تذكرة وعظة للعالمين، يتذكرون بها ما غرز الله في طباعهم من الميل إلى الخير بمقتضى الفطرة، وما طرأ على طباعهم من ملكات السوء التي تحدثها أضرار الاستماع.
قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ بدل من العالمين، أي أنه ذكرى لمن أراد الاستقامة على طريق الحق، لصرف إرادته وميله إليه والثبات عليه؛ لأن من أعرض ونأى فمن أين تنفعه الذكرى وقد زاده الران عمى؟! قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: وما تشاءون شيئاً من فعالكم إلا أن يشاء الله تمكينكم من مشيئتكم، والتخلية بينكم وبينها.
وفائدة هذا الإخبار هو الإعلام بالافتقار إلى الله ، وأنه لا قدرة للعبد على ما لم يقدره الله عليه، فهو خاضع لسلطان مشيئته مقهور تحت سبيله وإرادته.
стр. 3082
تفسير قوله تعالى: (إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب)
قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار:١ - ٥].
نشرع بإذن الله في تفسير سورة الانفطار وهي السورة الثانية والثمانون حسب ترتيب المصحف الشريف، وهي مكية، وآيها تسع عشرة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾ أي: انشقت كما في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾.
﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ﴾ أي: تساقطت، والانتثار يراد به إنزال الكواكب، حيث شبهت بجواهر قطع سلكها فتناثرت وتساقطت.
стр. 3083
تفسير قوله تعالى: (وإذا البحار فجرت وإذا القبور بعثرت)
﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ أي: فتح بعضها إلى بعض؛ لزلزلة الأرض وارتجاجها.
﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ أي: قلب ترابها وأخرج موتاها، وأصل البعثرة من بعثر التراب أي: بدله، وهو إنما يكون لإخراج شيء تحته؛ لأن الإنسان إنما يحفر في الأرض من أجل أن يبحث على حاجة تحت التراب.
وقد يراد به البعث والإخراج يوم القيامة من القبور التي دفنوا فيها أحياء.
قال بعض أئمة اللغة كـ الزمخشري وغيره: إن كلمة بعثر مركبة من كلمتين: البعث، والبحث، لكن دمجت الكلمتان اختصاراً، ومثله كثير في لغة العرب، وهذا يسمى بالنحت، مثلما تقول: بسمل، أي: قل: بسم الرحمن الرحيم، وكذلك تقول: حوقل، أي: قل: لا حول ولا قوة إلا بالله.
فعلى هذا يكون معنى (بعثرت) النبش والإخراج معاً.
(علمت نفس ما قدمت) أي: لذلك اليوم من عمل صالح أو سيء.
(وأخرت) أي: تركت من خير أو شر.
أو: علمت نفس ما قدمت من عمل خير لم تقصر فيه.
(وما أخرت) أي: ما قصرت فيه.
فالمراد بالعلم بالتقديم والتأخير وجدان الجزاء عليهما؛ لأن (علمت نفس) يعني: وجدت الجزاء عليهما، وتحقق مصداق الوعد عليهما.
стр. 3084
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ما شاء ركبك)
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٨].
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ أي: أي شيء خدعك وجرأك على عصيانه والانحراف عن فطرته.
وذكر الكريم للمبالغة في المنع عن الاغترار؛ لأنه بمعنى العظيم الجليل الكامل في نعوته، ومن كان كذلك فجدير بأن يرهب عقابه ويخشى انتقامه وعذابه، لاسيما وله من النعم العظيمة والقدرة الكاملة، ما يزيد في الرهبة كما قال: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾ أي: جعلك سوياً متكامل الأعضاء والقوى.
وأصل التسوية جعل الأشياء على سواء، فتكون على وفق الحكمة ومقتضاها لإعطائها ما تتم به.
(فعدلك) أي: جعلك معتدلاً، متناسب الخلقة، معتدل القامة، وليس كالبهائم التي تمشي على الأربع.
وقرئ بالتخفيف: (فعدَلَك) أي: صرفك عن خلقة قبيحة إلى خلقة حسنة تميزت بها على سائر الحيوان.
قوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ أي: في أي صورة شاءها ركبك عليها، فقد ركبك في صورة هي أبدع الصور وأعدلها.
فأي استفهامية، والقصد أن من خلق هذا الخلق البديع وسواه وعدله بقدرته وتقديره، حتى أحكم صورته في ذلك التصوير، لجدير بأن يتقى بأسه ويحذر بطشه ويرهب أشد الترهيب.
стр. 3085
أقوال العلماء في الفرق بين الرجاء وحسن الظن وبين الغرور
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في الجواب الكافي: فليحذر مغالطة نفسه على هذه الأسباب، وهذا من أهم الأمور؛ فإن العبد يعرف أن المعصية والغفلة من الأسباب المضرة له في دنياه وأخراه ولابد، ولكن تغالطه نفسه.
ثم يقول: ومنهم من يغتر بفهم فاسد فهمه هو وأضرابه من نصوص القرآن والسنة فاتكلوا عليه.
ثم قال: وكاغترار بعض الجهال بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ فيقول: كرمه، وقد يقول بعضهم: إنه لقن المغتر حجته.
وللأسف أن هذا مذكور في بعض كتب التفاسير.
قال: كأنه إذا قيل لك: ما غرك بربك الكريم فقل له: كرمك أو لأنك كريم، وهذا جهل قبيح وإنما غره بربه الغرور: ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ وهو الشيطان، ونفسه الأمارة بالسوء، وجهله وهواه، وأتى سبحانه بلفظ (الكريم) وهو السيد العظيم المطاع الذي لا ينبغي الاغترار به، ولا إهمال حقه، فوضع هذا المغتر الغرور في غير موضعه، واغتر بمن لا ينبغي الاغترار به.
يقول الغزالي رحمه الله تعالى: وفي مثل هذا الغرور يجب على العبد أن يستعمل الخوف، فيخوف نفسه بغضب الله وعظيم عقابه.
ويقول: مع أنه: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر:٣] ومع أنه كريم فقد خلد الكفار في النار أبد الآباد، مع أنه لم يضره كفرهم، بل سلط العذاب والمحن والأمراض والعلل والفقر والجوع على جملة من عباده في الدنيا، وهو قادر على إزالتها.
وهو سبحانه قد خوفك عقابه فكيف لا تخافه؟! وكيف تغتر به؟! فالتعلق بكرم الله بهذا المعنى ليس في الحقيقة رجاء، وإنما هو اغترار وحمق، فالخوف والرجاء يبعثان الناس على العمل، فما لا يبعث على العمل تزيين وغرور.
ورجاء كافة الخلق هو بسبب قصورهم وبسبب إقبالهم على الدنيا، وبسبب إعراضهم عن الله تعالى، وإهمالهم السعي للآخرة فذلك غرور.
وقد روي: أن الغرور يغلب على قلوب آخر هذه الأمة.
وقد كان ذلك، فقد كان الناس في الأعصار الأول يواظبون على العبادات، ويؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون، يخافون على أنفسهم، ويقضون الليل والنهار في طاعة الله، يداومون على التقوى والحذر من الشبهات والشهوات، وأما الآن فترى الخلق آمنين مسرورين مطمئنين غير خائفين، مع إكبابهم على المعاصي وانغماسهم في الدنيا، وإعراضهم عن الله تعالى، زاعمين أنهم واثقون بكرم الله تعالى وفضله، راجون لعفوه ومغفرته، كأنهم عرفوا من فضله وكرمه ما لم يعرفه الأنبياء والصحابة والسلف الصالحون.
فالأنبياء والصالحون يعرفون أن الله كريم ولم يفعلوا ما تفعلون، فإذا كان هذا الأمر يدرك بالمنى وينال بالهوينى، فعلى ماذا كان بكاء أولئك وخوفهم.
قال الغزالي: والقرآن من أوله إلى آخره تحذير وتخويف لا يتفكر فيه متفكر إلا ويطول حزنه ويعظم خوفه إن كان مؤمناً بما فيه، وترى الناس يهذونه هذاً -يعني: يقرءونه قراءة سريعة لا تدبر فيها- يخرجون الحروف من مخارجها، ويتناظرون على خفضها ورفعها ونصبها وكأنهم يقرءون شعراً من أشعار العرب، لا يهمهم الالتفات إلى معانيه والعمل بما فيه، وهل هناك غرور أكثر من هذا؟!
следующие страницы →