Полный текст (3 275 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
تفسير قوله تعالى: (إن هو إلا ذكر للعالمين رب العالمين)
قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٧ - ٢٩].
(إن هو) أي: القرآن المتلو عليكم.
(إلا ذكر للعالمين) أي: تذكرة وعظة للعالمين، يتذكرون بها ما غرز الله في طباعهم من الميل إلى الخير بمقتضى الفطرة، وما طرأ على طباعهم من ملكات السوء التي تحدثها أضرار الاستماع.
قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ بدل من العالمين، أي أنه ذكرى لمن أراد الاستقامة على طريق الحق، لصرف إرادته وميله إليه والثبات عليه؛ لأن من أعرض ونأى فمن أين تنفعه الذكرى وقد زاده الران عمى؟! قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: وما تشاءون شيئاً من فعالكم إلا أن يشاء الله تمكينكم من مشيئتكم، والتخلية بينكم وبينها.
وفائدة هذا الإخبار هو الإعلام بالافتقار إلى الله ، وأنه لا قدرة للعبد على ما لم يقدره الله عليه، فهو خاضع لسلطان مشيئته مقهور تحت سبيله وإرادته.
стр. 3082
تفسير قوله تعالى: (إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب)
قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار:١ - ٥].
نشرع بإذن الله في تفسير سورة الانفطار وهي السورة الثانية والثمانون حسب ترتيب المصحف الشريف، وهي مكية، وآيها تسع عشرة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾ أي: انشقت كما في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾.
﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ﴾ أي: تساقطت، والانتثار يراد به إنزال الكواكب، حيث شبهت بجواهر قطع سلكها فتناثرت وتساقطت.
стр. 3083
تفسير قوله تعالى: (وإذا البحار فجرت وإذا القبور بعثرت)
﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ أي: فتح بعضها إلى بعض؛ لزلزلة الأرض وارتجاجها.
﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ أي: قلب ترابها وأخرج موتاها، وأصل البعثرة من بعثر التراب أي: بدله، وهو إنما يكون لإخراج شيء تحته؛ لأن الإنسان إنما يحفر في الأرض من أجل أن يبحث على حاجة تحت التراب.
وقد يراد به البعث والإخراج يوم القيامة من القبور التي دفنوا فيها أحياء.
قال بعض أئمة اللغة كـ الزمخشري وغيره: إن كلمة بعثر مركبة من كلمتين: البعث، والبحث، لكن دمجت الكلمتان اختصاراً، ومثله كثير في لغة العرب، وهذا يسمى بالنحت، مثلما تقول: بسمل، أي: قل: بسم الرحمن الرحيم، وكذلك تقول: حوقل، أي: قل: لا حول ولا قوة إلا بالله.
فعلى هذا يكون معنى (بعثرت) النبش والإخراج معاً.
(علمت نفس ما قدمت) أي: لذلك اليوم من عمل صالح أو سيء.
(وأخرت) أي: تركت من خير أو شر.
أو: علمت نفس ما قدمت من عمل خير لم تقصر فيه.
(وما أخرت) أي: ما قصرت فيه.
فالمراد بالعلم بالتقديم والتأخير وجدان الجزاء عليهما؛ لأن (علمت نفس) يعني: وجدت الجزاء عليهما، وتحقق مصداق الوعد عليهما.
стр. 3084
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ما شاء ركبك)
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٨].
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ أي: أي شيء خدعك وجرأك على عصيانه والانحراف عن فطرته.
وذكر الكريم للمبالغة في المنع عن الاغترار؛ لأنه بمعنى العظيم الجليل الكامل في نعوته، ومن كان كذلك فجدير بأن يرهب عقابه ويخشى انتقامه وعذابه، لاسيما وله من النعم العظيمة والقدرة الكاملة، ما يزيد في الرهبة كما قال: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾ أي: جعلك سوياً متكامل الأعضاء والقوى.
وأصل التسوية جعل الأشياء على سواء، فتكون على وفق الحكمة ومقتضاها لإعطائها ما تتم به.
(فعدلك) أي: جعلك معتدلاً، متناسب الخلقة، معتدل القامة، وليس كالبهائم التي تمشي على الأربع.
وقرئ بالتخفيف: (فعدَلَك) أي: صرفك عن خلقة قبيحة إلى خلقة حسنة تميزت بها على سائر الحيوان.
قوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ أي: في أي صورة شاءها ركبك عليها، فقد ركبك في صورة هي أبدع الصور وأعدلها.
فأي استفهامية، والقصد أن من خلق هذا الخلق البديع وسواه وعدله بقدرته وتقديره، حتى أحكم صورته في ذلك التصوير، لجدير بأن يتقى بأسه ويحذر بطشه ويرهب أشد الترهيب.
стр. 3085
أقوال العلماء في الفرق بين الرجاء وحسن الظن وبين الغرور
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في الجواب الكافي: فليحذر مغالطة نفسه على هذه الأسباب، وهذا من أهم الأمور؛ فإن العبد يعرف أن المعصية والغفلة من الأسباب المضرة له في دنياه وأخراه ولابد، ولكن تغالطه نفسه.
ثم يقول: ومنهم من يغتر بفهم فاسد فهمه هو وأضرابه من نصوص القرآن والسنة فاتكلوا عليه.
ثم قال: وكاغترار بعض الجهال بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ فيقول: كرمه، وقد يقول بعضهم: إنه لقن المغتر حجته.
وللأسف أن هذا مذكور في بعض كتب التفاسير.
قال: كأنه إذا قيل لك: ما غرك بربك الكريم فقل له: كرمك أو لأنك كريم، وهذا جهل قبيح وإنما غره بربه الغرور: ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ وهو الشيطان، ونفسه الأمارة بالسوء، وجهله وهواه، وأتى سبحانه بلفظ (الكريم) وهو السيد العظيم المطاع الذي لا ينبغي الاغترار به، ولا إهمال حقه، فوضع هذا المغتر الغرور في غير موضعه، واغتر بمن لا ينبغي الاغترار به.
يقول الغزالي رحمه الله تعالى: وفي مثل هذا الغرور يجب على العبد أن يستعمل الخوف، فيخوف نفسه بغضب الله وعظيم عقابه.
ويقول: مع أنه: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر:٣] ومع أنه كريم فقد خلد الكفار في النار أبد الآباد، مع أنه لم يضره كفرهم، بل سلط العذاب والمحن والأمراض والعلل والفقر والجوع على جملة من عباده في الدنيا، وهو قادر على إزالتها.
وهو سبحانه قد خوفك عقابه فكيف لا تخافه؟! وكيف تغتر به؟! فالتعلق بكرم الله بهذا المعنى ليس في الحقيقة رجاء، وإنما هو اغترار وحمق، فالخوف والرجاء يبعثان الناس على العمل، فما لا يبعث على العمل تزيين وغرور.
ورجاء كافة الخلق هو بسبب قصورهم وبسبب إقبالهم على الدنيا، وبسبب إعراضهم عن الله تعالى، وإهمالهم السعي للآخرة فذلك غرور.
وقد روي: أن الغرور يغلب على قلوب آخر هذه الأمة.
وقد كان ذلك، فقد كان الناس في الأعصار الأول يواظبون على العبادات، ويؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون، يخافون على أنفسهم، ويقضون الليل والنهار في طاعة الله، يداومون على التقوى والحذر من الشبهات والشهوات، وأما الآن فترى الخلق آمنين مسرورين مطمئنين غير خائفين، مع إكبابهم على المعاصي وانغماسهم في الدنيا، وإعراضهم عن الله تعالى، زاعمين أنهم واثقون بكرم الله تعالى وفضله، راجون لعفوه ومغفرته، كأنهم عرفوا من فضله وكرمه ما لم يعرفه الأنبياء والصحابة والسلف الصالحون.
فالأنبياء والصالحون يعرفون أن الله كريم ولم يفعلوا ما تفعلون، فإذا كان هذا الأمر يدرك بالمنى وينال بالهوينى، فعلى ماذا كان بكاء أولئك وخوفهم.
قال الغزالي: والقرآن من أوله إلى آخره تحذير وتخويف لا يتفكر فيه متفكر إلا ويطول حزنه ويعظم خوفه إن كان مؤمناً بما فيه، وترى الناس يهذونه هذاً -يعني: يقرءونه قراءة سريعة لا تدبر فيها- يخرجون الحروف من مخارجها، ويتناظرون على خفضها ورفعها ونصبها وكأنهم يقرءون شعراً من أشعار العرب، لا يهمهم الالتفات إلى معانيه والعمل بما فيه، وهل هناك غرور أكثر من هذا؟!
стр. 3086
تفسير قوله تعالى: (كلا بل تكذبون بالدين يعلمون ما تفعلون)
قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:٩ - ١٢].
﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ أي: لا شيء يغرك ويخدعك بربك الكريم، بل سعة عطاء ربك وحكمته في كرمه تدلك وتوحي إلى نفسك أنك مبعوث في يوم آت، فيه ثواب أو عقاب، وإنما الذي يقع منك أيها الإنسان هو العناد والتكذيب بيوم الدين يوم الجزاء، مع أن الله تعالى لم يترك عملاً من أعمالك إلا حفظه وأبقاه عليك حتى يوفيك جزاءه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ أي: رقباء يحفظون أعمالكم ويحصونها عليكم.
﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ أي: يكتبون ما تقولون.
﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ أي: من خير أو شر، أي: يحكونه عليكم فلا يغفلون ولا ينسون.
قال الرازي: إن الله تعالى أجرى أموره مع عباده على ما يتعاملون به فيما بينهم؛ لأن ذلك أبلغ في تقرير المعنى بينهم، ولما كان الأبلغ عندهم في المحاسبة إخراج الكتاب بالشهود عند المحاسبة، فخوطبوا بمثل هذا فيما يحاسبون به يوم القيامة: فتُخْرج لهم كتب منشورة ويُحْضر بذلك ملائكة يشهدون عليهم، كما يشهد عدول السلطان على من يعصيه ويخالف أمره، فيقولون له: أعطاك الملك كذا وكذا وفعل بك كذا وكذا، ثم قد خالفته وفعلت كذا وكذا، فكذا هاهنا والله أعلم.
يكفي أن نوجز بأن الملائكة الكرام الكاتبين هم حفظة يحفظون أعمال العباد ويدونونها، عن اليمين وعن الشمال قعيد، أما كيف يكتبون فهذا غيب لا ينبغي إدراكه ولا علم حقيقته، بل يجب أن نكل علمه إلى الله.
стр. 3087
تفسير قوله تعالى: (إن الأبرار لفي نعيم وما هم بغائبين)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ [الانفطار:١٣ - ١٦].
﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ أي: إن الذين بروا بأداء فرائض الله واجتناب معاصيه في الجنة ينعمون فيها، والأبرار جمع بر، وهو المتصرف بالبر أي الطاعة.
قال الأصفهاني: وقد اشتمل على البر قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧] ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ أي: الذين انحرفوا عن أمر الله وخالفوه.
قوله: ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾ أي: يوم يدان العباد بالأعمال فيجازون بها.
قوله: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ أي: بخارجين؛ لأنهم مخلدون في النار.
стр. 3088
تفسير قوله تعالى: (وما أدراك ما يوم الدين) إلى آخر السورة
قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٧ - ١٩].
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾، ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ هذا تفخيم لأمر ذلك اليوم وتعظيم لشأنه، أي: أي شيء أعلمك به؟ فأنت لا تدريه مع أنه من أوجب ما تهمك درايته والبحث عنه، والخطاب للإنسان المتقدم أول السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:٦] فهنا يخاطبه الله بقوله: (وما أدراك) أي: يا أيها الإنسان (ما يوم الدين) (ثم ما أدراك ما يوم الدين).
ثم فسر تعالى بعض شأنه ذلك اليوم فقال: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ أي: لا يقدر أحد على نفع أحد ولا خلاصه مما هو فيه إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى.
﴿وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ أي: أمر الملك الظاهر ونفوذ القضاء القاهر يومئذ لله وحده.
وهذا وعيد عظيم من حيث إنه عرفه بأنه لا يغني عنهم إلا البر والطاعة يومئذ، دون سائر ما كان قد يغني عنهم في الدنيا من مال وولد وأعوان وشفعاء.
والله أعلم.
стр. 3089
تفسير سورة المطففين
стр. 3090
مقدمة عن سبب تسمية السورة بالمطففين ومكان نزولها وأسباب النزول
نشرع بإذن الله تعالى في تفسير سورة المطففين، وهي السورة الثالثة والثمانون في ترتيب المصحف الكريم.
قال المهايمي: سميت بالمطففين دلالة على أن من أخل بأدنى حقوق الخلق استحق أعظم ويل من الحق.
حيث قال : ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:١ - ٣].
فإذا كان من أخل بحقوق الخلق عوقب بالويل الذي هو أعظم العذاب من الله ، فكيف بمن أخل بأعظم حقوق الله على العباد من الإيمان به وبآياته ورسله؟! وسورة المطففين هي سورة مكية على الأظهر، فإن سياقها يؤيد أنها نزلت بمكة لا سيما خاتمتها، فإنها في صفات المستهزئين الذين كانوا بمكة، قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٢٩] إلى آخرها.
وحملها على المنافقين بالمدينة بعيد، إذ لم يبلغ بهم الحال ذلك، فالمنافقون في المدينة ما تجرءوا إلى حد أن يفعلوا ذلك صراحة مع المؤمنين.
وأما ما رواه النسائي وابن ماجة كما في ابن كثير عن ابن عباس ﵄ قال: (لما قدم النبي ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً، فأنزل الله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين:١] فحسنوا الكيل بعد ذلك) فقد ذكرنا مراراً أن سبب النزول في إطلاق السلف لا يكون مقصوراً على سبب النزول؛ لأنه قد تشمل الآية حكمه، فأهل المدينة تلي عليهم ما سبق إنزاله في مكة، وقيل لهم: أنزل الله ما أنتم عليه من تطفيف فأقلعوا، وهذا ظاهر.
ومنه يعلم أن قول بعضهم: نزلت بمكة إلا قصة التطفيف وشيئاً آخر، وقولهم: إن كل نوع من المكي والمدني منه آيات مستثناة، إنما منشؤه الحيرة في المطابقة بين ظاهر ما يتناقل من المأثور في سبب النزول، وبين ما يدل عليه السياق، وبالوقوف على عرف السلف يزول الإشكال، ويعلم سبب هذه الحيرة.
وكثيراً ما يشير إلى هذا القاسمي رحمه الله تعالى حيث يذكر عدة أسباب للنزول في بعض السور وبعض الآيات، يقول الأول: نزلت في كذا.
ويقول آخر: نزلت في كذا، في أشياء متغايرة؛ فلا يستلزم من ذلك تعدد النزول في كل الأحوال, ولا يستلزم التعارض بين هذه الأسباب؛ لأنها تكون قد نزلت لسبب واحد أو لغير سبب أصلاً, إلا أن حكمها ينطبق على هذه الوقائع، فيقال: نزلت فيمن يفعل كذا وكذا، بمعنى أن الحكم الذي تدل عليه الآية يشمل هذا وهذا.
стр. 3091
تفسير قوله تعالى: (ويل للمطففين يخسرون)
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:١ - ٣].
يقول ﵎: ((وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ)): أي: هلاك للمطففين.
قال الأصفهاني: ومن قال: ويل واد في جهنم، فإنه لم يرد أن ويلاً في اللغة هو موضوع لذلك، وإنما أراد: من قال الله تعالى ذلك فيه فقد استحق مقراً من النار.
ثم عرف تعالى المطففين فقال: ((الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ)) أي: إذا أخذوا الكيل من الناس يأخذونه وافياً زائداً، على إيهام أن ذلك تمام الكيل، فإذا فعلوا ذلك في الكيل الذي هو أقل مقداراً ففي الوزن بطريق الأولى.
وهنا يقول الله: ((الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ)) ولم يقل: الذين إذا اكتالوا من الناس، فكلمة: (على) قدرت بـ (من) للإشارة إلى ما في عملهم المنكر من الاستعلاء والقهر، وبيان شأن الظالم المتحامل المتسلط الذي لا يستبرئ لدينه ولذمته.
((وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ)) أي: إذا كالوا للناس أو وزنوا لهم ينقصونهم حقهم الواجب لهم، وهو الوفاء والتمام في الكيل والوزن.
قال ابن جرير: من لغة أهل الحجاز أن يقولوا: وزنتك حقك، وكلتك طعامك.
بمعنى: وزنت لك وكلت لك.
وفي الإكليل: في الآيتين ذم التطفيف والخيانة في الكيل والوزن.
أي: أنه من المنكر ومن المحظورات أشد الحظر؛ لما فيه من أكل أموال الناس بالباطل في الأخذ والدفع ولو في شيء قليل؛ لأن من دنت نفسه إلى القليل فطويته فاسدة وملكته خبيثة، وأنه لا يبعده عن التوثب إلى الكثير إلا عجز أو رقابة.
يعني: لو كان قادراً على أن يستولي على ما ليس بحقه لفعل، ولو لم يكن عليه رقيب لأخذ ما استطاع، ولو لم يكن من حقه.
قال ابن جرير: وأصل التطفيف من الشيء الطفيف، والطفيف هو القليل النزر، والمطفف المقلل حق صاحب الحق عما له من الوفاء والتمام في كيل أو وزن، ومنه قيل للقوم الذين يسيرون سواءً في حسبة أو عدد: هم سواء كطف الصاع.
وقد أمر تعالى بالوفاء في الكيل والميزان, فقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء:٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن:٩] وقص علينا سبحانه أنه أهلك قوم شعيب ودمرهم على ما كانوا يبخسون الناس في الميزان والمكيال.
стр. 3092
تفسير قوله تعالى: (ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون لرب العالمين)
﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُون * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٤ - ٦].
يقول الله سبحانه متوعداً لهم: ((أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ)) يعني: من قبورهم بعد مماتهم.
((لِيَوْمٍ عَظِيمٍ)) أي: عظيم الهول جليل الخطب كثير الفزع، من خسر فيه أدخل ناراً حامية.
((يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)) أي: لأمره وقضائه فيهم بما يستحقون، في موقف يغشى العبد فيه من الهول ما يود الافتداء بكل مستطاع.
وفي تأكد الويل للمطففين بما ذكر في هاتين الآيتين مبالغة في المنع عن التطفيف وتعظيم حرمه؛ لأنه بعدما ذكر أحوالهم: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:٢ - ٣] قال: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٥ - ٦]، مع اسم الإشارة الدالة على التبعيد ((أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ)) أي: البعداء الذين هم بعيدون؛ تحقيراً لهم.
وقوله: ((لِيَوْمٍ عَظِيمٍ)) فيه وصف يوم القيامة بالعظمة أيضاً.
وقوله: ((يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)) هذا يدل على استعظام ما استسصغروه، يعني: هم يستصغرون هذا اليوم لكنه عظيم.
وقوله تعالى: ((يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)) فعنوان رب العالمين المالكية والتربية، لأنه هو الذي يملكهم وهو الذي يربيهم, الدال على أنه لا يفوته ظالم قوي، ولا يترك حق مظلوم ضعيف، واقتضت حكمته ألا يهمل مثقال ذرة من خير أو شر.
وفي تعظيم أمر التطفيف إيماء إلى العدل وميزانه, وأن من لا يهمل مثل هذا كيف يهمل تعطيل قانون عدله في عباده؟! وناهيك بأنه وصفهم بصفات الكفرة، فتأمل هذا المقام ففيه ما تتحير فيه الأفهام.
يعني: وصفهم بصفة الكفرة بقوله: ((أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ)) أي: إن كانوا من المسلمين المصدقين فقد تشبهوا بمن لا يؤمن بيوم الحساب ولا بالبعث والنشور, ولو كانوا يؤمنون لاتقوا الله وخشوا حسابه على هذا التطفيف؛ لأن الكافر الذي لا يؤمن بيوم الحساب لا يبالي بأكل أموال الناس.
стр. 3093
تفسير قوله تعالى: (كلا إن كتاب الفجار لفي سجين كتاب مرقوم)
يقول الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين:٧ - ٩].
قوله تعالى: ((كَلَّا)) هذا اللفظ فيه ردع عن التطفيف الذي يقترفونه؛ لغفلتهم عن يوم الحساب وضعف استيقانهم به.
قوله: ((كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ)) أي: ما كتب فيه من عملهم السيئ وأحصي عليهم، وإيثار المظهر للإشعار بوصف لهم ثانٍ وهو الفجور.
وفي غير القرآن كان يمكن أن يقال: كلا إن كتابهم لفي سجين.
والضمير يعود على المطففين، لكن أوثر اللفظ الصريح المظهر وهو قوله تعالى: ((الفُجَّارِ)) لأن في العدول عن الضمير إلى المظهر إشعاراً بوصف لهم ثانٍ.
الوصف الأول: التطفيف، الوصف الثاني: الفجور, فلو أشار إلى الضمير لما شعر أحد بالوصف الثاني وهو الفجور.
وإيثار المظهر للإشعار بوصف لهم ثانٍ وهو الفجور، لخروجهم عن حد العدالة المتفق عليها في الشرع والعقل.
يعني: أن وصفهم بالفجور يفيد أنهم خارجون عن العدالة التي اتفق عليها العقل والشرع معاً.
قوله: ((كِتَابٌ مَرْقُومٌ)) أي: مكتوب بيّن الكتابة، أو فيه علامة تنبئ عن صدقه.
((كلا إن كتاب الفجار لفي سجين)) وسجين على وزن فعيل من السجن وهو الحبس والتضييق؛ لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم، فهو بمعنى فاعل في الأصل، أو بمعنى مفعول، أي: مسجون لما ذكر في مكان مظلم.
وقيل: سجين اسم مكان، فيقدر مضاف فيه أو فيما بعده، والتقدير: ((وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ)) ما كتاب سجين؟ أو ما محل كتاب سجين؟ فحذف المضاف.
وقيل: إنه مشترك بين المكان والكتاب.
وقال الأصفهاني: السجين اسم لجهنم بإزاء عليين.
يعني: في مقارنة عليين تسمى جهنم سجين.
وقيل: وزيد في لفظه تنبيهاً على زيادة معناه.
وقيل: هي اسم للأرض السابعة.
ثم قال: وقد قيل: إن كل شيء ذكره الله تعالى بقوله: (وما أدراك) فسره، وكل ما ذكره من قوله: (وما يدريك) تركه مبهماً.
يعني: إذا جاءت في القرآن الكريم لفظة: (وما أدراك)، فإن القرآن يبينها ويشرحها في السياق، أما قوله تعالى: (وما يدريك) فإنه يتركه مبهماً، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس:٣] أما لفظة (وما أدراك) فمثل: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:١ - ٣].
وهنا أيضاً: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين:٨ - ٩] وكذلك قوله بعد ذلك: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين:١٩] ثم فسر الكتاب.
فقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين:٨ - ٩] أي: ذلك الكتاب المكتوب فيه أعمالهم هو كتاب مرقوم، كتبت فيه أعمالهم وما في ضمائرهم وقلوبهم.
стр. 3094
تفسير قوله تعالى: (ويل يومئذ للمكذبين قال أساطير الأولين)
يقول الله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [المطففين:١٠ - ١٣].
(يكذب بيوم الدين) الدين بمعنى الحساب والمجازاة، وفيه إشعار بأن المطففين ممن يتناولهم هذا الوصف؛ لأن إصرارهم على التعدي والإجرام يدل على عدم الإيمان بالبعث، فقوله تعالى هنا مباشرة بعد أن انتهى الكلام عن المطففين: ((وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)) يشعر أن هؤلاء المطففين ممن يتناولهم هذا الوصف, وهو أنهم يكذبون بيوم الدين؛ لأن الذي يكذب بيوم الدين لا يبالي بما يقع، ولا يخشى حساباً ولا عقاباً، فبالتالي لا ينزجر عما تقوده إليه أهواؤه.
إذاً: إصرار هؤلاء المطففين على التعدي والإجرام وانتقاص حقوق الناس يدل على عدم تصديقهم بالبعث، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل:١٠٥] وهذه المعاصي تليق بالذين لا يؤمنون ولا يخافون يوم الحساب، فلا يبالون بما يأتونه وما يفعلونه من الجرائم، فكذلك لا تصدر هذه الأخلاق كالتطفيف ونحوه إلا ممن يكذب بيوم الدين، فهذه الأخلاق لائقة بهم.
قوله تعالى: ((وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ)): أي: كل مجاوز للفطرة الإنسانية، بتجاوزه حد العدالة إلى الإفراط في ارتكاب البغي والعدوان.
قوله: ((أثيم)) , أي: مبالغ في ارتكاب أفاعيل الإثم وأنواع المعاصي.
قوله تعالى: ((إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)) أي: هذا القرآن حكايات وقصص وأخبار الأولين، وليس بوحي رباني ولا تنزيل إلهي.
стр. 3095
تفسير قوله تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون)
﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤].
يقول تعالى: ((كَلَّا)) أي: ليست هذه الآيات بأساطير الأولين، بل هي الحق المبين وشفاء لما في الصدور.
قوله: ((بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)) أي: غطى على مداركهم ما اكتسبوه من الآثام، حتى كدر جوهرها, وصار صدأً عليها بالمكوث فيها.
أي: إن السبب الذي حال بينهم وبين الإيمان بالحق وبآيات الله مع وضوح البراهين على أنها من عند الله كامن في الظلم؛ لأنهم لكثرة ما ارتكبوا من المعاصي رين على قلوبهم، أي: صار الران يعلو قلوبهم طبقة فوق طبقة حتى أعماها، كما يعلو الصدأ المعدن والحديد حتى يحول بينه وبين اللون الأصلي، فكذلك هذه المعاصي مع تواصلها وإصرارهم عليها وإدمانها ورسوخهم فيها رانت على قلوبهم بما كانوا يكسبون، وبالتالي حصل هذا الغطاء الكثيف على القلب الذي حال دون خروج الكفر منه ودخول الهدى فيه, فهذا هو السبب في ذلك.
والرين أصل معناه الصدأ والوسخ والقار الذي لا يزول بالغسيل، وإنما يلتصق تماماً بالشيء ولا يفارقه.
وشبه به حب المعاصي الراسخة في النفس, وذلك أنه يحصل من تكرار الفعل ملكة راسخة لا تقبل الزوال, وصفة في النفس قارة فيها.
فكذلك هؤلاء من كثرة ما تكررت منهم المعاصي صار لديهم ملكة راسخة لا تقبل الزوال، وصفة في النفس قارة فيها، فلكثرة المعاصي يرسخ حبها في القلب بحيث لا يزول، كالصدأ الذي لا يزول بسهولة.
والران: ما غطى على القلب وركبه من القسوة بسبب الذنب بعد الذنب.
فإدمان المعاصي والإصرار عليها وعدم التوبة منها يفسد القلوب ويغلفها بهذا الران، قال النبي ﷺ : (إنه ليغان على قلبي لولا أني أستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة)، وفي رواية: (مائة مرة).
فهذا الران نشأ من تراكم المعاصي والإصرار عليها، حتى صار ذلك طبقة راسخة لا يستطاع التخلص منها، فيقال: ران عليه الشراب والنعاس.
ران عليه الشراب يعني: غلب على عقله.
وران عليه النعاس.
يعني: غلب أيضاً على عقله.
ونظيره الغين, والمراد هنا ما يتغشى القلب.
стр. 3096
تفسير قوله تعالى: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم)
يقول الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ﴾ [المطففين:١٥ - ١٦]: قال ابن جرير: فلا يرونه ولا يرون شيئاً من كرامته يصل إليهم, فهم محجوبون عن رؤيته وعن كرامته.
أي: فهم محجوبون عن رؤية الله ﵎ التي ينعم بها المؤمنون, ومحجوبون عن كرامة الله أن تصل إليهم.
وتخصيص الحجب بهؤلاء يقتضي أن غيرهم غير محجوب، فيراه تعالى ويرى كرامته، وهؤلاء هم المؤمنون.
قال الشهاب: لما كان الحجاب هو الساتر من طرف بيت وغيره استعير تارة لعدم الرؤية؛ لأن المحجوب لا يرى ما حجب، وتارة للإهانة؛ لأن الحقير يحجب ويمنع من الدخول على الرؤساء، ولذا قالت العرب: الناس ما بين مرحوب ومحجوب.
مرحوب: أي مكرم ومرحب به.
محجوب يعني: مهان.
ونلاحظ هنا أن وصف المحجوبية إنما هو وصف للمخلوقين وليس وصفاً لله ﵎.
قوله: ((ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ))، أي: محترقون بها؛ لأن صال بمعنى دخل، أي: دخل الجحيم ليعذب فيها ويحترق بها.
وقد أشار القاشاني إلى سر ترادف هذه الجمل الكريمة، وهو أن ما اكتسبوه من الذنوب لما صار كالطبع على قلوبهم من الرسوخ فيها كدر جوهرها وغيرها عن طباعها، فعندها تحقق الحجاب, وانغلق باب المغفرة، ولذلك قال: ((كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ)) لامتناع قبول قلوبهم للنور.
أي: أن قلوبهم لا يصل إليها النور بسبب هذه الحجب وهذا الران الذي جاء بسبب إصرارهم على المعاصي.
يقول: وامتناع عودها إلى الصفاء الأول الفطري، كالماء الكبريتي مثلاً, إذ لو صعد لما رجع إلى الطبيعة المائية المبردة لاستحالة جوهرها، بخلاف الماء الساخن الذي استحالت كيفيته دون طبيعته.
يعني: كأنه يشير إلى أن بعض المواد تتغير صفاتها الفيزيائية بالبرودة وبالحرارة, فالماء مثلاً يكون بارداً ويكون ساخناً؛ لكن جوهره لا زال كما هو, بخلاف ما لو حصل تفاعل كيميائي للماء فتتغير مكوناته, فكذلك هؤلاء الكفار، لم يكن التغير مجرد مظاهر قابلة للتغير، بل حصل تغير في جوهرهم وطبيعتهم؛ ولذلك استحقوا الخلود في العذاب، وحكم عليهم بقوله: ((ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ)).
стр. 3097
كلام ابن القيم في معنى قوله تعالى: (كلا إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون)
قال ابن القيم في بدائع الفوائد: في هذه الآية جمع لهم بين العذابين: عذاب الحجاب وعذاب النار، فألم الحجاب يجعل في قلوبهم وأرواحهم ألماً نفسانياً، تتألم وتتعذب به قلوبهم وأرواحهم، نظير ما تفعله النار في أجسادهم، كحال من حيل بينه وبين أحب الأشياء إليه في الدنيا وأخذ بأشد العذاب.
يعني: جمع له هذان الأمران, فرق إلى الأبد بينه وبين أحب إنسان إليه في الدنيا، بالإضافة إلى ذلك عذب أشد العذاب، فجسمه في عذاب، وقلبه وروحه في عذاب، والعياذ بالله.
يقول: فإن أخطر عذاب الروح أن تتعلق بمحبوب لا غنى لها عنه, وهي ممنوعة من الوصول إليه, فكيف إن حصل لها مع غياب المحجوب عنها وطول احتجابه بغضه لها ومقته وطرده وغضبه الشديد عليها؟! ولذلك فـ ابن القيم يريد أن يبين أن هذا الألم الذي يقع على القلوب والأرواح ألم نفسي أشد بكثير جداً مما يقع على الأبدان، ويزداد العذاب شدة عندما يتوارى هذا المحبوب ويطول احتجابه عنها.
يقول: فأي نسبة لألم البدن إلى هذا الألم الذي لا يتصوره إلا من بلي به أو بشيء منه, فلو توهمت النفوس ما في احتجاب الله عنها يوم لقائه من الألم والحسرة لما تعرضت لأسباب ذلك الاحتجاب.
يعني: لو أن الإنسان أعمل فكره وأخذ يتأمل كيف تكون حسرته إذا كان من المحجوبين عن الله ﵎ في ذلك اليوم, لاتقى أسباب هذا الاحتجاب؛ حتى لا يعذب هذا العذاب.
ثم يقول: وأنت ترى المحبين في الدنيا لصورة منتهى حسنها إلى ما يعلم -يعني إلى الموت-.
فالرجل العاشق مثلاً لامرأة في غاية الجمال نهايتها الموت.
ناهيك عن الأمور الأخرى التي هي دون الموت.
يقول: وأنت ترى المحبين في الدنيا لصورة منتهى حسنها إلى ما يعلم، كيف يصيبهم من ألم احتجاب محبوبهم عنهم وإعراضه وهجره, ويرى أحدهم كالموت أو أشد منه من بين ساعة.
يعني: من فراق ساعة, فالبين هو الافتراق والابتعاد, أي: كل ما حصل هو فراق ساعة من الزمان, فهو يتألم ألماً شديداً, كما يقول الشاعر يرثي أخاه لأمه: وكنت أرى كالموت من بين ليلة فكيف ببين كان ميعاده الحشر.
أقول لنفسي في الخلاء ألومها لك الويل ما هذا التذلل والصبر.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: وإنما يتبين الحال في هذا بمعرفة ما خلقت له الروح وما هيئت له، وما فطرت عليه, وما لا سعادة لها ولا نعيم ولا حياة إلا بإدراكه.
فاعلم أن الله خلق كل عضو من الأعضاء لغاية ومنفعة، فكماله ولذته في أن يحصل فيه ما خلق له، فخلق العين للإبصار, والأذن للسمع, والأنف للشم, واللسان للنطق والذوق، واليد للبطش, والرجل للمشي، والروح لمعرفته ومحبته وللابتهاج بقربه والتنعم بذكره، وجعل هذا كمالها وغايتها, فإذا تعطلت من ذلك كانت أسوأ حالاً من العين والأذن واللسان واليد والرجل التي تعطلت عما خلقت له وحيل بينها وبينه، بل لا نسبه لألم هذه الروح إلى ألم تلك الأعضاء المعطلة ألبتة، بل ألمها أشد الألم, وهو من جنس ألمها إذا فقدت أحب الأشياء إليها وأعزه عليها, وحيل بينها وبينه, وشاهدت غيرها قد ظفر بوصله وفاز بقربه ورضاه.
والروح لا حياة لها ولا نعيم ولا سرور ولا لذة إلا بأن يكون الله وحده هو معبودها وإلهها ومرادها, الذي لا تقر عينها إلا بقربه والأنس به، والعكوف بكليتها على محبته والشوق إلى لقائه، فهذا غاية كمالها وأعظم نعيمها وجنتها العاجلة في الدنيا، فإذا كان يوم لقائه كان أعظم نعيمها رفع الحجاب الذي كان يحجبها في الدنيا عن رؤية وجهه وسماع كلامه.
يعني: الإنسان إذا عمر قلبه بمحبة الله سبحانه والأنس به ومعرفته, والعكوف على الشوق إليه، يعيش في الدنيا كأن في صدره جنة، ويرى من النعيم ما لا يوصف، كما قال العلماء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣ - ١٤]: فهذه عامة لا ينبغي تخصيصها بالنعيم في البرزخ ولا بالنعيم في الجنة, بل هي في الدور الثلاثة: في الدنيا, وفي البرزخ، وفي الجنة.
ولذلك كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول: ما يصنع أعدائي بي، جنتي في صدري, فأينما رحت فهي معي.
يقصد جنة العلم ومحبة الله ومعرفته.
وقال بعض الصالحين: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من لذة النعيم لجالدونا عليه بالسيوف.
أي: لو ذاق الملوك وأبناء الملوك النعيم الذي نتمتع به في قلوبنا من ذكر الله ومعرفته والأنس به ومحبته لجالدونا عليه بالسيوف، لكنهم لا يعلمون؛ لأنهم يتلهون بنعيم الدنيا ويرغبون عن ذلك النعيم الحقيقي.
فطريق السعادة أن تستقيم على مراد الله, كما قال بعض العلماء: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وهي جنة الرضا عن الله ومحبته.
والإنسان يشعر بهذا إذا ذاقه, أما إن كان مجرد خبر فإنه لا يوقن به كما لو ذاقه، كما يقول الصوفية: من ذاق عرف ومن حرم انحرف.
ثم يقول: والروح لا حياة لها ولا نعيم ولا سرور ولا لذة إلا بأن يكون الله وحده هو معبودها وإلهها ومرادها، الذي لا تقر عينها إلا بقربه والأنس به, والعكوف بكليتها على محبته والشوق إلى لقائه، فهذا غاية كمالها وأعظم نعيمها وجنتها العاجلة في الدنيا، فإذا كان يوم لقائه كان أعظم نعيمها رفع الحجاب.
يعني: أعظم نعيم في الدنيا هو أن يعمر القلب بمحبة الله، وأعظم نعيم في الآخرة إذا قوبل المحبوب أن يرفع الحجب التي كانت في الدنيا بينه وبينه، كما قال النبي ﵇: (حجابه النور, لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) ففي الآخرة يخلق المؤمن ويخلق أهل الجنة خلقاً بحيث يتحملون رؤية الله ﵎، أما في الدنيا فلا يمكن لأحد أن يرى الله: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف:١٤٣] هذا الجبل الضخم القوي لم يتحمل فما قوة موسى ﵇ بالنسبة للجبل؟! لما تجلى الله للجبل اندك تماماً، فأراد الله أن يبين لموسى أنه بخلقته هذه في الدنيا لا يستطيع رؤيته , وأما في الآخرة فيخلقون خلقاً جديداً بحيث يطيقون رؤية الله , فالله لا يرى بهذه العين الفانية, وإنما يرى بخلق آخر يخلقه الله في جنة الرضوان، وحينئذ يكون أعظم نعيم في حقهم, بحيث إذا نعموا به يتلهون وينسون سائر ما في الجنة من نعيم، فرؤية الله في اليوم المهيب ورؤية وجهه الكريم وسماع كلامه هو أعظم نعيم على الإطلاق.
وفي حديث الرؤية يقول النبي ﷺ : (فو الله ما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إلى وجهه) فبعداً وسحقاً لأولئك الكفرة الذين يعيرون المسلمين بأن دينهم يدعوهم إلى الجنة لينالوا فيها المتاع الحسي من الحور العين والأكل والشراب والفاكهة واللحم، وأن نبيهم يغريهم بالشهوات الجسدية، وهذا كله نابع عن جهلهم وحماقتهم وظلمة قلوبهم بالكفر، وهو ناتج عن غلوهم في تحريم الطيبات، فهم ينظرون إلى متع الحس على أنها نجس وخبث، حتى إن القذارة عندهم شيء طيب، والنظافة شيء خبيث ينفرون منه، فانعكس هذا على العقائد عندهم, فهم ليس عندهم شيء اسمه الجنة والنار بالتفاصيل التي نعرفها نحن, والتي امتن الله بها على هذه الأمة المحمدية المصطفاة، كما في كتابها القرآن الكريم وسنة نبيها ﵊، أما هؤلاء الضلال فأقصى شئء عندهم هو الدخول في الملكوت.
ما هو الملكوت؟ لا يعرفون عنه شيئاً، ونحن امتن الله علينا بالقرآن وبالسنة فجاءت لنا بالتفاصيل لهذه الحياة الغيبية، حتى إننا لنعلم أكل أهل الجنة وملابس أهل الجنة وصفة الجنة وأشجارها وثمارها إلخ, كل هذا كي يكون محرراً وقائداً للمؤمنين إلى السعي لنيل هذا النعيم.
ثم لماذا ينسى النعيم الحسي؟ أليس الإنسان مركباً من روح وجسد؟ والروح تتنعم والجسد أيضاً يتنعم، فما الذي يستغربونه من هذا الفضل الرباني الإلهي؟ أيستبعدون أن ينعم الله الروح والجسد؟ ما الذي يستغربه هؤلاء الحمقى ويعيرون به المسلمين ويقولون: إن دينكم يغريكم بالشهوات؟ ثم ما جريمته إن كانت هذه خلقة الإنسان وهذه فطرة الإنسان؟ ومع ذلك فإن أعظم نعيم الجنة في الحقيقة هو النعيم الروحي، وليس الحسي, بدليل الأحاديث التي دلت على أن أهل الجنة إذا تجلى لهم الله ورأوه فإنهم يتلهون عن كل ما في الجنة من ملذات, فينسون الحور العين وغيرها من الملذات، ويقول النبي ﵊: (فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه).
والله سبحانه يقول: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢] فرضوان الله أكبر من نعيم الجنة الحسي وملذاتها, وقد عرفنا أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما نلهم النفس، والإنسان إذا نام يبقى يتنفس، فكذلك أهل الجنة يلهمون التسبيح؛ لأنهم في دار ليست بدار تكليف وإنما هي دار جزاء، فلذلك لا يتعبدون بالتسبيح، كما هو الحال في الدنيا وإنما التسبيح يأتي بصورة لا إرادية.
ثم يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: وكما جمع الله لأعدائه بين هذين العذابين, وهما ألم الحجاب وألم العذاب.
وهما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ﴾ [المطففين:١٥ - ١٦] فألم الحجاب أن يتحسر أهل النار حينما يكونون من المحجوبين عن الله، ولا أمل عندهم أن يروا الله ، فاجتمع لهم ألم الحجاب وألم العذاب أي: عذاب النار.
يقول: فكما جمع الله لأعدائه بين هذين العذابين وهما: ألم الحجاب وألم العذاب، جمع لمحبيه بين نوعي النعيم: نعيم الخلد والنظر, ونعيم الأكل والشرب والتمتع بما في الجنة.
جمع الله لأهل الجنة
стр. 3098
تفسير قوله تعالى: (ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون)
يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين:١٧].
يقال لهم هذا زيادة في التنكيل والتوبيخ، فإن أشد شيء على الإنسان إذا أصابه مكروه أن يزجر عن شيء وهو يتألم له؛ لأن وسائل النجاة من مصابه كانت بين يديه فأهملها، وأسباب التخطي عنه كانت في متناوله فأغفلها.
يعني: لو أن إنساناً آتاه الله المال فأخذ يبدده في السفاهات والمعاصي والمخالفات، فمثل هذا ينطبق عليه قول الله ﵎ في سورة الإسراء: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء:٢٩].
((ملوماً)) أي: أن الآخرين يلومونك: ألم تفعل كذا، وهكذا يكون ملوماً من الآخرين.
((محسوراً)) حسرة منازعة وتوبيخ لنفسه.
إن مما يعظم المصيبة على الإنسان أنه إذا وقع في المصيبة أن يتذكر وهو يتألم توبيخ الناس له: لو كنت فعلت كذا ما وقعت في كذا.
ومما يضاعف عذابه وألمه أن يتذكر وهو يتألم للمصائب بأن وسائل النجاة كانت بين يديه فأهملها، وأسباب التخطي عنه كانت في متناوله فأغفلها، فلذلك من أنواع العذاب المعنوي أيضاً على نفوس الكفار أن يبكتوا ويوبخوا ويعنفوا، بأن يقال لهم: ((هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ)) أي: ألم تكونوا تسخرون من المؤمنين في الدنيا؟ فـ ((هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ)).
стр. 3099
تفسير قوله تعالى: (كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين نضرة النعيم)
يقول الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين:١٨ - ٢٤].
((كلا)) هذا ردع عن التكذيب، أو بمعنى حقاً.
قوله: ((إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ)) أي: ما كتب من صور أعمال السعداء في عليين، وهو مقابل للسجين في علوه وارتفاع درجته, وكونه ديوان أعمال أهل الخير، كما قال تعالى: ((وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ)) ((كِتَابٌ مَرْقُومٌ)) أي: محل شريف رسم بصور أعمالهم.
((يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ)) أي: يحفه المقربون من حضرة ذي الجلال كما في قوله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥]، والمقربون هم الأبرار, وأعاد ذكرهم بوصف ثانٍ؛ تنويهاً بهم وتعديداً لصفاتهم.
أو المقربون: هم الملائكة؛ إجلالاً لهم وتعظيماً لشأنهم.
وبعد أن عظم تعالى كتاب الأبرار أتبع ذلك بتعظيم منزلتهم بقوله سبحانه: ((إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ)) ((عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُون)) ((تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ)).
قوله: ((إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ)) أي: عظيم دائم، وليس نعيمهم في انحلال.
((عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ)) أي: على الأسرة ينظرون إلى ما أعطاهم الله من الكرامة وأفانين النعيم.
((تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ)) أي: بهجته ورونقه كما يرى على وجوه المترفين ماؤه وحسنه.
وكان ينبغي أن يزيد القاسمي الإشارة إلى أن نضره النعيم إنما هي أثر من آثار رؤية الله ﵎, كما ذكر جماعة من المفسرين.
قوله: ((عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ)) يعني: ينظرون إلى وجه الله في جنات الرضوان، لأنه إذا وصف الفجار بأنهم محجوبون؛ فإن ذلك يستلزم أن يوصف الأبرار بأنهم غير محجوبين؛ لأنهم يرون الله ، ولذلك هذه الآيات مما استدل به على رؤية الله ﵎ لأهل الجنة.
стр. 3100
تفسير قوله تعالى: (يسقون من رحيق مختوم)
يقول الله تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ [المطففين:٢٥]: (من رحيق) , أي: خمراً، إلا أنه خص بالخالص الذي لا رجس فيه، كما قال حسان: يسقون من ورد البريص عليهم بردى يصفق بالرحيق السلسل.
ومنه قولهم: مسك رحيق لا غش فيه، وحسب رحيق لا شوب فيه.
قوله: (مختوم) أي: ختم على أوانيه تكريماً له لصيانته عن أن تمسه الأيدي، على ما جرى فيه العادة من ختم ما يكرم ويصان.
الختم هنا كما يفهم من كلام العلماء مثل غطاء الزجاجة مثلاً, وهو ما يختم به عليها كي تحفظ، فكذلك قوله: ((يسقون من رحيق مختوم)) يعني: مختوماً على أوانيه كي لا تتعرض للتلف، ولا تمسها الأيدي كي تكرم.
قوله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين:٢٦].
قال: القفال: الذي يختم به رأس قارورة, ذلك الرحيق هو المسك.
فكأن ذلك المسك رطب ينطبع فيه الخاتم.
ومن المسك ما يكون صلباً وليس سائلاً، فكأن هذا هو الذي يختم به على رأس تلك القوارير.
وعن بعض السلف واللغويين: المختوم هو الذي له ختام، يعني: عاقبة.
وقد فسر قوله تعالى: ((ختامه مسك)) أي: من شربه كان ختم شربه على ريح المسك.
يعني: يشرب من هذا الرحيق، فآخر شيء يشربه من داخل هذا الرحيق يكون المسك.
والقصد هو اللذة وزكاء الرائحة، على خلاف خمر الدنيا الخبيثة الطعم والرائحة، فهنا وصف لخمر الجنة بالصفات التي تشيع في القرآن الكريم من كونها شراباً طهوراً طيب الطعم والريح؛ لأن ختامه مسك.
وإذا ذكر أي شيء من نعيم الجنة فالقاعدة كما ذكرناها مراراً: أنه ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء فقط، أما الحقيقة فلا يمكن للإنسان مهما اجتهد أن يتخيل حقيقة نعيم أهل الجنة، فإذا قلنا: (ختامه مسك)، فلا يتخيل أنه نفس مسك الدنيا، كما قال النبي ﵊: (أطيب الطيب المسك)، فهذا تشابه في الاسم فقط؛ لكنه لا شك أنه يتفاوت تفاوتاً عظيماً.
стр. 3101
تفسير قوله تعالى: (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون)
يقول الله: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦].
((وفي ذلك)) أي: في ذلك النعيم المنوه به وما تلاه.
((فليتنافس المتنافسون)) أي: فليرغب الراغبون بالإقبال على طاعة الله تعالى.
قال ابن جرير: التنافس أن ينفس الرجل على الرجل بالشيء يكون له, ويتمنى أن يكون له دونه, وهو مأخوذ من الشيء النفيس, وهو الذي تحرص عليه نفوس الناس وتطلبه وتبتغيه، وكأن معناه في ذلك: فليجدّ الناس فيه وإليه، وليستبقوا في طلبه ولتحرص عليه نفوسهم.
قال الرازي: إن مبالغته تعالى بالترغيب فيه تدل على علو شأنه.
يعني: كون الله هو الذي يحرضنا على التنافس في هذا النعيم، فهذه أعظم دليل على علو شأن هذا النعيم.
يقول: وفيه إشارة إلى أن التنافس يجب أن يكون في مثل ذلك النعيم العظيم الدائم، لا في النعيم الذي هو سريع الفناء.
فالناس إنما يتنافسون في الدنيا، والتنافس في الدنيا والتحاسد عليها يورث البغضاء؛ لأنها ضيقة، والناس تتحاسد على الشيء الذي يكون محدوداً؛ لكن الجنة واسعة جداً وأدنى أهل الجنة منزلة له مثل الكرة الأرضية مرتين، فالتنافس لا يكون فيما هو مكدر؛ لأن الإنسان الذي يحسد في الدنيا إما أن يحسد مؤمناً أو يحسد كافراً، فإذا كان يحسد كافراً فإن نهايته الخلود في الجحيم إلى الأبد, فعلام يحسد هذا الشخص الذي نهايته الخلود في الجحيم؟! وإذا كان يحسد مؤمناً على هذا النعيم الذي أوتيه فما هو هذا النعيم بالنسبة لنعيم أهل الجنة، فالمؤمن صائر إلى الجنة والكافر صائر إلى النار, فلا ينبغي أن يحسد، والناس حينما يتنافسون على الشيء الضيق تحصل عداوة، كأن تكون المنافسة على الأموال أو المناصب والانتخابات؛ فتجد الأحقاد والتخاصم، لكن التنافس ينبغي أن يكون في شيء مستحق، بأن نتنافس فيما ندبنا للتنافس فيه, ففي الشرع هناك تنافس مأمور به، وهناك تنافس منهي عنه، أما المأمور به فهو في هذه الآية: ((وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)) وفي قوله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١].
أما التنافس المنهي عنه ففي مثل قول النبي ﷺ : (ولا تنافسوا) يعني: في الدنيا؛ ولذلك قالوا: من ينافسك في الدنيا فادفعها في نحره.
أي: لا تنافس في الدنيا، وإنما التنافس الذي ينبغي أن يكون في ابتغاء رضوان الله ﵎، وهو الذي قيل فيه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣] وقيل فيه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠] وقيل فيه: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون:٦١] فالمسابقة والمنافسة إنما تكون في أعمال الآخرة؛ لأن نعيمها عظيم كبير دائم، أما نعيم في الدنيا فهو نعيم مكدر سريع الفناء, إن بقيت أنت له لم يبق لك، وإن بقي لك لم تبق، وكل ما له نهاية فهو قليل.
стр. 3102
تفسير قوله تعالى: (ومزاجه من تسنيم عيناً يشرب بها المقربون)
يقول : ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:٢٧ - ٢٨].
((ومزاجه من تسنيم)) الواو هنا واو العطف، معطوف على ((ختامه مسك)) لكن بينهما قوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦].
فالمعنى: ختامه مسك ومزاجه من تسنيم، عطف على أنه صفة أخرى لهذا الرحيق المختوم.
وما بينهما اعتراض مقرر لنفاسته.
يعني: ما يوجد في ذلك الرحيق من ماء تسنيم، والتسنيم في الأصل مصدر سنمه، بمعنى رفعه، ومنه سنام الجمل.
قوله: ((وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ)) أي: ذات تسنيم.
قوله تعالى: ((عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ))، أي: هذا الماء ماء عين تسمى تسنيماً، وسمي الماء به لارتفاعه وانصبابه من علو، وقد بينه بقوله: ((عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ)) أي: يشربون بها الرحيق.
والكلام في الباء، كما في قوله تعالى: ((عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٦]، من كونها زائدة, أو بمعنى (من) فقوله: ((يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ)) يعني: يشرب منها المقربون، أو تضاف للتلذذ.
стр. 3103
تفسير قوله تعالى: (إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون)
يقول تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا)) وهم كفار قريش.
((كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ)) أي: استهزاءً بهم لإيمانهم بالله وحده، وبما أوحاه الله إلى رسوله ﷺ , ونبذهم ما ألفوا عليه آباءهم، فإذا تأملنا كلمة: ((كانوا)) وجدنا أن المشهد يتكلم عن موقف يوم القيامة، فكل الآلام التي عاناها المؤمنون في الدنيا صارت ذكريات ماضية وانتهت، وصارت العاقبة للتقوى فما أعظم ما تواسينا هذه الكلمة، فربنا يصف هؤلاء بالإجرام، فهذا يفيد أن الكافر في ميزان الله مجرم.
((كانوا)) استرجاع لما كان يعانيه المؤمنون في الدنيا في سبيل الله ﵎, وفي سبيل دينهم، مثل قوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨] يعني: لو أن هؤلاء المجرمين ينقمون منهم أنهم سرقوا أموالهم واعتدوا على أعراضهم أو ظلموهم ونهبوهم، لكان هناك ما يسوغ، لكن أن ينقموا منهم وليس لهم جريمة سوى أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله، أو أنهم يقيمون دين الله ﵎ أو يدعون إليه, فهذا هو الذي لا يمكن أن يسوغ لهم المعاداة للدين وأهله.
(إن الذين أجرموا) هم المعتدون الأثمة الذين خبثت نفوسهم، وصمت آذانهم عن سماع دعوة الحق، هؤلاء كانوا يضحكون من الذين آمنوا؛ وذلك لأنه حين رحم الله هذا العالم ببعثة النبي ﷺ كان كبار القوم وعرفاؤهم على رأي الدهماء وفي ضلال العامة، وكانت دعوة الحق خافتة لا يرتفع بها إلا صوته ﷺ ، ثم يُسِرُّ بها بعض من يليه، ويجيب دعوته من الضعفاء الذين لم تطمس أهواؤهم سبيل الحق إلى قلوبهم، فيسروا بها إلى من يرجون، ولا يستطيعون الجهر بها لمن يخافون قتله وبطشه.
ومن شأن القوي المستعد بالقدرة والكثرة أن يضحك ممن يخالفه بالمبدأ ويدعوه إلى غير ما يعرفه، وهو أضعف منه قوة وأقل عدداً.
فطبيعة الإنسان إذا استغنى بكثرة المال أو كثرة الولد والقوة أن ينظر إلى من هو دونه بمنطق القوة لا بمنطق الحق، فهم يعتمدون على حق القوة، أما المؤمنون فيعتمدون على قوة الحق, حتى لو كانوا ضعفاء في عددهم أو عدتهم، أما الآخرون فيعتمدون على حق القوة, أي: بما أنه قوي ومتغلب فهو يسخر ممن هو دونه حتى ولو كان الحق له, فكذلك كان شأن جماعة من قريش كـ أبي جهل والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل وأشياعهم، وهكذا يكون شأن أمثالهم في كل زمان.
فمتى عمت البدع, وتفرقت الشيع، وخفي طريق الحق بين طرق الباطل، وضيع معنى الدين، وأزهقت روحه من عباراته وأسانيده, ولم يبق إلا ظواهر لا تطابقها البواطن، وحركات أركان لا تسايرها السرائر، وتحكمت الشهوات فلم تبق رغبة تحدو بالناس إلى العمل، إلا ما تعلق بالطعام والشراب والزينة والرياسة والمناصب والألقاب، وتشبثت الهمم بالأمل الكاذب، وأحب كل واحد أن يحمد بما لم يفعل، وذهب الناقص يستكمل ما نقص منه بتنقيص الكامل، واستوى في ذلك الصغير والكبير، والأمير والمأمور، والجاهل والملقب بلقب العالم.
إذا صار الناس إلى هذه الحال ضعف صوت الحق، وازدرى التابعون قول الداعي إليه، وانطبق عليهم نص الآية الكريمة: ((إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ))؛ لأنهم يستندون إلى حق القوة.
((وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ)) أي: إذا مروا بالمؤمنين فإنهم يتغامزون فيما بينهم استهزاء وسخرية بالمؤمنين، كما يحصل الآن من السخرية بالإخوة والأخوات المتدينين من هؤلاء القوم.
والغمز هو الإشارة بالجفن والحاجب.
قال السيوطي: في هذا دلالة على تحريم السخرية بالمؤمنين, والضحك منهم, والتغامز عليهم.
ولذلك عد العلماء من المكفرات معاداة المؤمن لأجل دينه.
يعني: لو كان الواحد يعادي مؤمناً بسبب الاعتداء على أرض أو على مال أو أي شيء من الدنيا -بغض النظر من المحق ومن المبطل- فقد يكون المتدين هو المبطل فلا مشكلة هنا، لكن عندما تعاديه من أجل تدينه فقد عد العلماء هذا من المكفرات.
стр. 3104
تفسير قوله تعالى: (وإذا انقلبوا إلى أهلهم عليهم حافظين)
﴿وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ [المطففين:٣١ - ٣٣].
((وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ أي: إذا انقلب هؤلاء المجرمون من مجالسهم إلى أهليهم انقلبوا فكهين بالسخرية وحكاية ما يعيبون به أهل الإيمان، أو فاكهين بما هم فيه من الشرك والطغيان والتنعم في الدنيا.
((وَإِذَا رَأَوْهُمْ)) يعني: إذا رأوا المؤمنين.
((قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ)) يعني: تركهم لما عليه العامة، والاعتصام بغيره.
((وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ)) يعني: ما أرسل هؤلاء المجرمون القائلون ما ذكر على المسلمين حافظين لأعمالهم، فهذه جملة حالية من واو (قالوا) أي: قال أولئك والحال أنهم ما أرسلوا من جهة الله تعالى موكلين بهم يحفظون عليهم أحوالهم، ويهيمنون على أعمالهم، ويشهدون بغيهم وضلالهم.
وهذا تهكم بهم! وقد جوز أن يكون ذلك من جملة قول المجرمين، كأنهم قالوا: إن هؤلاء لضالون, وما أرسلوا علينا حافظين يعني: إنكاراً لصدهم عن الشرك ودعوتهم إلى الإسلام، وإنما قيل (عليهم) نقلاً له بالمعنى، كما في قولك: حلف لأفعلن.
стр. 3105
تفسير قوله تعالى: (فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ما كانوا يفعلون)
﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين:٣٤ - ٣٦].
قال ﵎: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٣٤] أي: يوم القيامة.
هذا متعلق بما قبله من قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٤] أي يوم القيامة.
وقد قال تعالى عن الكفار: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة:٨٢] أي: من يضحك الآن فسوف يبكي غداً بكاء طويلاً لا ينتهي، والمهم أن المؤمن هو الذي يضحك في النهاية وتكون له العاقبة.
يقول تعالى: ((فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ)) هذا تفريع على ما قبله، للدلالة على أنه جزاء سخريتهم, والجزاء من جنس العمل.
قوله: ((فاليوم)) هو يوم الدين والجزاء.
وضحكهم من الكفار ضحك المسرور بما نزل بعدوه من الهوان والصغار بعد العزة والكبرياء.
((عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ)) أي: ينظرون ما أوتوا من النعيم وما حل بالمجرمين من عذاب الجحيم وأيضاً: ينظرون أعظم نعيم على الإطلاق وهو رؤية الله تعالى في الآخرة، خاصة وأن الآية اشتملت المقابلة بين عاقبة المؤمنين وعاقبة الكافرين، فعاقبة الكافرين فيها عذاب البدن وعذاب الحجاب، فالنعيم يشمل الأمرين: رؤية الله ، وينظرون ما أعد لهم من النعيم، وينظرون أيضاً ما حل بالمشركين من عذاب الجحيم.
يقول تعالى: ((هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)) أي: جوزوا ثواب ما كانوا يفعلون في الدنيا.
والاستفهام للتقرير، كأنه خطاب للمؤمنين؛ تعظيماً لهم وتكريماً، كأن الله يقول: وهل رأيتم كيف جازيت الكافرين بأعمالهم وكيف فعلت بهم؟! وثوبه وأثابه يعني: جازاه، وهو من ثاب بمعنى رجع، فالثواب ما يرجع على العبد في مقابلة عمله، ويستعمل في الخير.
ونظير هذه الآيات قول الله ﵎: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٨ - ١١١].
نسأل الله أن يجعلنا من هؤلاء الأئمة الفائزين.
стр. 3106
تفسير سورة البروج
стр. 3107
تفسير قوله تعالى: (والسماء ذات البروج واليوم الموعود)
سورة البروج هي السورة الخامسة والثمانون من القرآن الكريم، وهي سورة مكية، وآيها اثنتان وعشرون آية.
روى الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في العشاء الآخرة بالسماء ذات البروج، والسماء والطارق).
قال الله ﵎: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ [البروج:١ - ٢].
قوله: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ) أي: الكواكب والنجوم، شبهت بالبروج -وهي القصور- لعلوها، أو البروج منازل عالية في السماء.
قال ابن جرير: وهي اثنا عشر برجاً، فمسير القمر في كل برج منها يومان وثلث، فذلك ثمانية وعشرون منزلة، ثم يستتر لليلتين، ومسير الشمس في كل برج منها شهراً.
وأصل معنى البروج الأمر الظاهر من التبرج، ثم صار حقيقة في العرف للقصور العالية، فالقصر العالي يطلق عليه برج؛ لأنه ظاهر للناظرين، ويقال لما ارتفع من سور المدينة: برج أيضاً.
يقول ابن كثير: يقسم تعالى بالسماء وبروجها وهي النجوم العظام كما تقدم بيان ذلك في قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان:٦١].
وقيل: البروج النجوم.
وقال مجاهد: البروج التي فيها الحرس.
وقال يحيى بن رافع: البروج قصور في السماء.
وقال المنهال بن عمرو: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ) ذات الخلق الحسن.
واختار ابن جرير أنها منازل الشمس والقمر، وهي اثنا عشر برجاً.
قوله: (وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ) أي: الذي وعد فيه العباد بفصل القضاء بينهم، وذلك يوم القيامة.
стр. 3108
تفسير قوله تعالى: (وشاهد ومشهود)
قال : ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج:٣].
يقول القاسمي: الشاهد هو كل ما له حس يشهد به، والمشهود: هو كل محس يشهد بالحس، فيدخل فيه العوالم المشهودة كلها.
وتخصيص بعض المفسرين بعضاً مما يتناوله لفظهما لعله الأهم أو الأولى أو الأعرف والأظهر لقرينة عنده، وإلا فاللفظ على عمومه حتى يقوم برهان على تخصيصه.
قوله: (وشاهد ومشهود) اختلف المفسرون في ذلك، ومن ذلك ما حكاه ابن كثير رحمه الله تعالى أن الشاهد هو يوم الجمعة وما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه إياه، ولا يستعيذ فيها من شر إلا أعاذه.
قوله: (وَمَشْهُودٍ) هو يوم عرفة، والحديث الوارد في هذا ضعيف، ثم ذكر جملة من الأحاديث مما ذكرنا.
وعن ابن عباس قال: الشاهد هو محمد ﷺ ، والمشهود يوم القيامة، ثم قرأ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود:١٠٣].
يعني: يوم القيامة.
وسأل رجل الحسن بن علي عن قوله: (وشاهد ومشهود) قال: سألت أحداً قبلي؟ قال: نعم.
سألت ابن عمر وابن الزبير فقالا: يوم النحر ويوم الجمعة، فقال: لا، ولكن الشاهد محمد ﷺ ثم قرأ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] والمشهود: يوم القيامة، ثم قرأ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود:١٠٣].
وقال الضحاك وغيره: الشاهد: ابن آدم، والمشهود: يوم القيامة.
وعن عكرمة: الشاهد: محمد ﷺ ، والمشهود: يوم الجمعة.
وعن ابن عباس: الشاهد: الله، والمشهود: يوم القيامة.
وعنه أيضاً: (وشاهد ومشهود) قال: الشاهد: الإنسان، والمشهود: يوم الجمعة.
وعن سعيد بن جبير: الشاهد: الله، وتلا: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٧٩]، والمشهود: نحن.
ثم قال ابن كثير: والأكثرون على أن الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة.
وقد ذكر القاسمي كلاماً قوياً، وهو: أن الشاهد هو كل ما له حس يشهد به، والمشهود هو كل مُحَس يُشهد بالحس، فيدخل فيه العوالم المشهودة كلها، وتخصيص بعض المفسرين بعضاً مما يتناوله لفظهما؛ لعله الأهم أو الأولى أو الأعرف والأظهر لقرينة عنده، وإلا فاللفظ على عمومه حتى يقوم برهان على تخصيصه.
стр. 3109
تفسير قوله تعالى: (قتل أصحاب الأخدود)
قال ﵎: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج:٤].
هم الذين كانوا يعذبون المؤمنين، قتلهم الله وأهلكهم وانتقم منهم، على أن الجملة خبرية وهي جواب القسم، أو دليل جوابه إن كانت جملة دعائية، والتقدير: لتبلون كما ابتلي من قبلكم، ولينتقمن الله منكم -يا كفار قريش- كما انتقم من الذين ألقوا المؤمنين في الأخدود.
قال الزمخشري: وذلك أن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى أهل مكة، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب على الإيمان، وإلحاق أنواع الأذى وصبرهم وثباتهم، حتى يأنسوا بهم، ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم، ويعلموا أن الكفار ملعونين عند الله بمنزلة أولئك المعذِّبين بالنار، أحقاء بأن يقال فيهم: قتلت قريش كما قيل: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج:٤]، والأخدود: الحفرة المستطيلة في الأرض.
стр. 3110
تفسير قوله تعالى: (النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود)
قال ﵎: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ [البروج:٥].
قوله: (النار) بدل من الأخدود، أي: النار سبب في الوقود.
والوَقود بالفتح الحطب الذي يوقد به، لكن الوُقود بالضم هو الإيقاد، مثل الوَضوء والوُضوء والطَهور والطُهور.
قوله ﵎: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ [البروج:٦] أي: على حافة أخدودها.
(قُعُودٌ) أي: قاعدون يتشفون من المؤمنين، ويتلذذون برؤية المؤمنين وهم يحترقون.
стр. 3111
تفسير قوله تعالى: (وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود)
قال ﵎: ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج:٧] يعني: حضور يشاهدون احتراق الأجساد الحية وما تفعل بها النيران، لا يرقون لهم؛ وذلك لقسوة قلوبهم.
يقول : ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨] أي: وما أنكروا منهم ولا كان لهم ذنب إلا الإيمان بالله وحده! قال الراغب: نقمت من الشيء ونقمته إذا أنكرته، إما باللسان وإما بالعقوبة ومنه الانتقام.
قوله: (الْعَزِيزِ) أي: الغالب على أعدائه بالقهر والانتقام.
قوله: (الْحَمِيدِ) أي: المحمود على إنعامه وإحسانه.
يقول الحافظ ابن كثير: قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج:٤] أي: لعن أصحاب الأخدود، وجمعه أخاديد، وهي الحفر في الأرض، وهذا خبر عن قوم من الكفار عمدوا إلى من عندهم من المؤمنين بالله ، فقهروهم وأرادوهم أن يرجعوا عن دينهم فأبوا عليهم؛ فحفروا لهم في الأرض أخدوداً وأججوا فيه ناراً، وأعدوا لها وقوداً يسعرونها به، ثم أرادوهم فلم يقبلوا منهم فقذفوهم فيها، ولهذا قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج:٤ - ٧] أي: مشاهدون لما يفعل بأولئك المؤمنين.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ أي: وما كان لهم عندهم ذنب إلا إيمانهم بالله العزيز الذي لا يضام من لاذ بجانبه، المنيع الحميد في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، وإن كان قد قدر على عباده هؤلاء هذا الذي وقع بهم بأيدي الكفار به فهو العزيز الحميد، وإن خفي سبب ذلك على كثير من الناس.
قال ﵎: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج:٩]، من تمام الصفة أنه المالك لجميع السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما.
قوله: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) أي: لا يغيب عنه شيء في جميع السماوات والأرض ولا تخفى عليه خافية.
قال القاسمي: أي على كل شيء من أفاعيل هؤلاء الفجرة أصحاب الأخدود وغيرهم شاهد شهوداً لا يخفى عليه منهم مثقال ذرة، وهو مجازيهم عليه.
وفي توصيفه تعالى بما ذكر من النعوت الحسنى إشعار بمقام إيمانهم، فإن كونه تعالى قاهراً ومنعماً، له ذلك الملك الباهر، وهو عليم بأفعال عبيده؛ مما يوجب أن يخشاه من عرف المصائب.
وفي الآية نوع من البديع يسمى تأكيد المدح بما يشبه الذم، وهو معروف في كتب المعاني، وهناك بيت شعر مشهور فيه تأكيد للمدح بما يشبه الذم، يقول الشاعر: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب وقد تمدح شخصاً فتقول: لا عيب فيه إلا أنه سيموت، فهذا تأكيد المدح بما يشبه الذم، فالشاعر يقول: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم قد يتوقع أن سيوفهم قصيرة، أو أن سيوفهم من خشب، أو أي شيء فيه ذم، لكن قال: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب أي: أن كثرة الخدش في سيوفهم هو من كثرة ما يقاتلون الأعداء ويبارزون في القتال.
قوله: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ) يعني: ما أمسكوا عليهم ذنباً إلا أنهم يعمرون المساجد بالعبادة، فهذا تأكيد للمدح بما يشبه الذم، لكن هو في هذه الآية ليس بذم، بل هذا أعظم ما يمدح به الإنسان.
стр. 3112
أقوال المفسرين في أصحاب الأخدود
روى ابن جرير عن ابن عباس في أصحاب الأخدود قال: هم ناس من بني إسرائيل خدوا أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ناراً، ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء فعرضوا عليها.
وقال الضحاك: هم من بني إسرائيل أخذوا رجالاً ونساء فخدوا لهم أخدوداً، ثم أوقدوا فيه النيران فأقاموا المؤمنين عليها، فقالوا: تكفرون أو نقذفكم في النار.
وقال مجاهد: كان الأخدود شقوقاً بنجران، كانوا يعذبون فيها الناس.
وتفصيل النبأ: أن دعوة المسيح ﵇ الأولى العارية عن شوائب الإلحاد لما دخلت بلاد اليمن، وآمن كثير من أهلها كانت في مقدمة تلك البلاد بلدة نجران، وكان أقام عليها ملك الحبشة أميراً من قبله نصرانياً مثله، وكان بها راهب كبير له الكلمة النافذة والأمر المطاع، ثم إن اليهود الذين كانوا في تلك البلاد تآمروا على إزالة السلطة النصرانية من اليمن والإيقاع بمن تنصر بغضاً في المسيحية.
والحقيقة أن كلمة المسيحية كلمة غير صحيحة؛ لأن المسيحية ليست مثل الناصرية والماركسية بمعنى أن ينسب المذهب إلى مؤسسه، بل المسيح لم يؤسس دعوة المسيحية وإنما جاء بالإسلام، يقول : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] فجميع الأنبياء دعوتهم هي دعوة الإسلام، لكن اشتهرت دعوة المسيح بأنها النصرانية، وهناك نصرانية حقة ونصرانية مزيفة.
إذاً: فكلمة المسيحية ما ينبغي التساهل فيها، إنما هي النصرانية، فينبغي أن تقول: فلان نصراني ولا تنسبه إلى المسيح؛ لأن المسيح بريء منه، كالذين ينتسبون إلى علي وما هم بعلويين، بل هؤلاء أعداء لـ علي وهو يتبرأ منهم.
فالشاهد أن القاسمي أتى من كتب هؤلاء بقصة معروفة عند النصارى بخبر أراكا ورفقته، ويرادفونها بعام (٥٢٤م) من تاريخهم، والله تعالى أعلم.
وهؤلاء الذين عذبوا في الأخدود كانوا قطعاً مسلمين بشهادة القرآن الكريم.
يقول الحافظ ابن كثير: وقد اختلف أهل التفسير في أهل هذه القصة من هم؟ فعن علي ﵁ أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل تزويج المحارم فامتنع عليه علماؤهم فعمد إلى حفر أخدود فقذف فيه من أنكر عليه منهم، واستمر فيهم تحليل المحارم إلى اليوم.
وعنه: أنهم كانوا قوماً باليمن اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم فغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين فخدوا لهم الأخاديد وأحرقوهم فيها.
وعنه: أنهم كانوا من أهل الحبشة، واحدهم حبشي.
وعن ابن عباس: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ [البروج:٤ - ٥] قال: ناس من بني إسرائيل خدوا أخدوداً في الأرض، ثم أوقدوا فيه ناراً، ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء فعرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه.
وقيل غير ذلك.
وروى الإمام مسلم والإمام أحمد رحمهما الله تعالى عن صهيب ﵁، وهذا الحديث لا نستطيع القطع بأنه مرفوع إلى النبي ﵊، ويوجد احتمال أنه قصة حكاها صهيب الذي كان رومياً، وعنده علم من أخبار النصارى، فيحتمل أن يكون من كلام صهيب، ويحتمل أن يكون مرفوعاً إلى النبي ﷺ .
عن صهيب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (كان فيمن كان قبلكم ملك وكان له ساحر، فلما كبر الساحر قال للملك: إني قد كبر سني وحضر أجلي، فادفع إلي غلاماً لأعلمه السحر، فدفع إليه غلاماً فكان يعلمه السحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب، فأتى الغلام على الراهب فسمع من كلامه فأعجبه نحوه وكلامه، وكان إذا أتى الساحر ضربه وقال: ما حبسك؟ وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا أراد الساحر أن يضربك فقل: حبسني أهلي، وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل: حبسني الساحر.
قال: فبينما هو ذات يوم إذ أتى على دابة فظيعة عظيمة قد حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا، فقال: اليوم أعلم أمر الراهب أحب إلى الله أم أمر الساحر، قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك وأرضى من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس، ورماها فقتلها، فمضى الناس، فأخبر الراهب بذلك فقال: أي بني! أنت أفضل مني وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي.
فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم -أي: بإذن الله-، وكان للملك جليس فعمي فسمع به، فأتاه بهدايا كثيرة فقال: اشفني ولك ما هاهنا أجمع، فقال: ما أنا أشفي أحداً، إنما يشفي الله ، فإن آمنت به دعوت الله فشفاك، فآمن فدعا الله فشفاه، ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس، فقال له الملك: يا فلان! من الذي رد عليك بصرك؟ فقال: ربي.
فقال: أنا؟ قال: لا، ربي وربك الله.
قال: أولك رب غيري؟! قال: نعم، ربي وربك الله، فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فبعث إليه فقال: أي بني! بلغ من سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص وهذه الأدواء؟! قال: ما أشفي أحداً إنما يشفي الله ، قال: أنا؟ قال: لا، قال: أولك رب غيري؟! قال: ربي وربك الله، فأخذه بالعذاب فلم يزل به حتى دل على الراهب، فأتي بالراهب فقال: ارجع عن دينك فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه، وقال للأعمى: ارجع عن دينك فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه إلى الأرض، وقال للغلام: ارجع عن دينك، فأبى، فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا فقال: إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه -يعني دحرجوه- فذهبوا به، فلما علوا به الجبل قال: اللهم اكفنيهم بما شئت! فرجف بهم الجبل فدهدهوا أجمعون، وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك، فقال: ما فعل أصحابك؟! قال: كفانيهم الله.
فبعث به مع نفر في قرقور -والقرقور: سفينة صغيرة-، فقال: إذا لججتم به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه في البحر، فلججوا به البحر، فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت، فغرقوا أجمعون، وجاء الغلام حتى دخل على الملك، فقال: ما فعل أصحابك؟! قال: كفانيهم الله.
ثم قال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني، وإلا فإنك لا تستطيع قتلي.
قال: وما هو؟! قال: تجمع الناس في صعيد واحد، ثم تصلبني على جذع، وتأخذ سهماً من كنانتي، ثم قل: باسم الله رب الغلام، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني.
ففعل ووضع السهم في كبد قوسه ثم رماه وقال: باسم الله رب الغلام، فوقع السهم في صدغه، فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام.
فقيل للملك: أرأيت ما كنت تحذر؟! فقد والله نزل بك، قد آمن الناس كلهم! فأمر بأفواه السكك فخدت فيها الأخاديد، وأضرمت فيها النيران وقال: من رجع عن دينه فدعوه وإلا فأقحموه فيها، قال: فكانوا يتعادون فيها ويتدافعون، فجاءت امرأة بابن لها ترضعه فكأنها تقاعست أن تقع في النار، فقال الصبي -وهو أحد الأطفال الرضع الذين نطقوا-: اصبري يا أماه! فإنك على الحق) وهكذا رواه مسلم في آخر الصحيح إلى آخره.
يقول الحافظ ابن كثير: وهذا السياق ليس فيه صراحة أن سياق هذه القصة من كلام النبي ﷺ ، قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: فيحتمل أن يكون من كلام صهيب الرومي فإنه كان عنده علم من أخبار النصارى، والله تعالى أعلم.
стр. 3113
تفسير قوله تعالى: (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠].
قوله: (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات) أي: بلوهم بالأذى والنار ليرجعوا عن دينهم.
قال أبو السعود: والمراد به إما أصحاب الأخدود خاصة أو المفتونين المطروحين في الأخدود، والذين بلوهم في ذلك داخلون في جملتهم دخولاً أولياً.
قوله: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) يعني: صرفوهم عن دين ربهم وعن طاعته .
قوله: (ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا) يعني: عن كفرهم وفتنتهم.
قوله: (فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) أي: عذابان منوعان: عذاب على الكفر، وعذاب على الفتنة، أو هما واحد، أي: (فلهم عذاب جهنم) بسبب الكفر، (ولهم عذاب الحريق)؛ لأن الجزاء من جنس العمل، كما أحرقوا المؤمنين فلهم أيضاً عذاب الحريق، أو كلاهما شيء واحد، أو هو من باب عطف الخاص على العام للمبالغة فيه؛ لأن عذاب جهنم بالزمهرير والإحراق وغيرهما، والأظهر أنهما واحد، وأنه من باب عطف التفسير والتوضيح.
يقول ابن كثير: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) أي: حرقوا.
قوله: (ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا) أي: لم يقلعوا عما فعلوا، ويندموا على ما أسلفوا.
قوله: (فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) وذلك أن الجزاء من جنس العمل.
وقال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة! أي: قتلوا أولياءه ومع ذلك يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ دلالة على أن التوبة تجب ما قبلها كائناً ما كان.
стр. 3114
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات)
قال ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [البروج:١١] بخلاف ما أعد لأعدائه من الحريق والجحيم ثم قال: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [البروج:١١].
يقول القاسمي: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) يعني: من هؤلاء المفتونين وغيرهم.
قوله: (لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) أي: لهم في نشأتهم الأخرى (جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ).
قوله: ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ أي: التام الذي لا فوز مثله.
стр. 3115
تفسير قوله تعالى: (إن بطش ربك لشديد)
قال : ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:١٢] استئناف خوطب به النبي ﷺ إيذاناً بأن لكفار قومه نصيباً موفوراً من مضمونه، كما يصدر عنه التعرض لتوحيد الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره ﷺ في قوله: (ربك)، والبطش هو الأخذ بعنف، وحيث وصف بالشدة، فقد تضاعف وتفاقم.
قوله: (إن بطش ربك لشديد) أي: أن بطشه بالجبابرة والظلمة وأخذه إياهم بالعذاب والانتقام لشديد، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]، وهو تعالى ذو القوة المتين الذي ما شاء كان كما يشاء في مثل لمح البصر أو هو أقرب.
стр. 3116
تفسير قوله تعالى: (إنه هو يبدئ ويعيد وهو الغفور الودود)
قال : ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج:١٣] أي: يبدئ الخلق ثم يعيده، وهو في كل يوم يبدئ خلقاً من نبات وحيوان وغيرهما، ثم إذا هلك أعاد الله خلقه مرة أخرى، وهذا فيه دلالة على أنه يعيد الناس في اليوم الآخر ويبعثهم بعد موتهم للجزاء والحساب.
(إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ) بلا ممانع ولا منازع.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:١٤] أي: هو الغفور لمن يرجع إليه بالتوبة، يغفر ذنب من تاب إليه وخضع له ولو كان الذنب من أي شيء كان.
قوله: (الْوَدُودُ) أي: المحب لمن أطاعه وأخلص له.
وقال ابن عباس وغيره: الودود هو: الحبيب.
стр. 3117
تفسير قوله تعالى: (ذو العرش المجيد)
قال : ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج:١٥] أي: صاحب العرش المعظم العالي على جميع الخلائق.
الشيء المحزن أن القاسمي يفسر العرش بالملك والسلطان أو السماء، مع أن العرش مشهور ومعروف أنه من أعظم مخلوقات الله ﵎! قوله: (المجيد) المجيدُ صفة لمدح الله ، وهناك قراءة أخرى بالجر (ذو العرش المجيدِ) ولذلك يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: و (المجيد) فيه قراءتان: الرفع على أنه صفة للرب ، والجر على أنه صفة للعرش، وكلاهما معنى صحيح.
يقول القاسمي: (المجيد) أي: العظيم في ذاته وصفاته، وقرئ بالجر صفة للعرش.
ومجده علوه وعظمته.
стр. 3118
تفسير قوله تعالى: (فعال لما يريد)
قال ﵎: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦] أي: لا يريد شيئاً إلا فعله، فلا يحول بينه وبين مراده شيء، فمتى أراد إهلاك الجاحدين ونصر المخلصين فعل؛ لأن له ملك السماوات والأرض، ولهذا أتبع ذلك بقوله : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج:١٧ - ٢٠].
قوله تعالى: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ يقول ابن كثير: أي: مهما أراد فعله لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل؛ لعظمته وقهره وحكمته وعدله، كما روينا عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قيل له وهو في مرض الموت: هل نظر إليك الطبيب؟ قال: نعم.
قالوا: فماذا قال لك؟ قال: قال لي: إني فعال لما أريد.
وقد سبق أن أشرنا إلى أن الإنسان عندما يكون في مرض الموت، فإننا نجد أهل هذا المريض يذهبون به من مستشفى إلى مستشفى، تجد السيارات آتية وذاهبة، بينما لا تجد واحداً من الأقارب لهذا المريض ولا الزوار يحاول أن يذكره بالموت، وينبهه أنه على وشك أن يرحل من الدنيا، وينصحه ويوصيه، ويرغبه في عفو الله ومغفرته! فنقول: المريض يحتاج منك إذا كنت محباً له حقيقة أن تنفعه في هذه اللحظة، وهي أشد لحظة أن يقف صديقه أو قريبه إلى جانبه فيذكره بالتوبة، ويذكره بلا إله إلا الله، لكن للأسف لا نجد من كثير من الناس إلا الاهتمام بالأسباب الدنيوية، حتى وإن ظهر لهم أنه مرض الموت، وأنه على وشك أن تخرج منه الروح! إذاً: ينبغي أن ننتبه لهذا الأمر، وهو أمر السياق الأخير، وذلك عند خروج الروح، فهذا أبو بكر وهو في مرض الموت لما سئل: هل نظر إليك الطبيب؟ قال: نعم.
إذاً: علينا أن نهتم بالأولويات وأن نعطيها مكانها، ليس فقط أن نأتي بالطبيب والدواء والحقن للمريض حتى نقول له: نحن لم نقصر معك، فقد ذهبنا بك إلى أحسن مستشفى، وأحضرنا لك الأدوية من آخر الدنيا، واستوردناها من الخارج، وفعلنا كذا؛ لكن من منا ذكره بأنه مقبل على الموت؟ حتى لو لم يكن مرض الموت، فالموت آت وقد يأتي فجأة وقد يأتي بعد رسل ونذر كالشيب والمرض وهو الغالب، ولذلك تجد الفقهاء يذكرون أحكام المرض ثم يعقبونها بأحكام الموت؛ لأن الموت إما أن يأتي فجأة وإما أن يأتي بعد مرض، ورب إنسان مرض مرضاً ما كان يتصور أنه سيموت منه ثم إذا به يموت منه! فالإنسان إذا كان مريضاً فعليه أن يوصي أولاده ويذكرهم بالموت: يا أولادي إذا مت فافعلوا كذا وكذا، حافظوا على الصلاة والحجاب، علي حقوق لفلان فأدوها، هذا هو أمر الشرع، حتى لا تضيع حقوق الناس.
كذلك على المريض أن يحافظ على الصلاة، وإذا عجز تماماً عن الوضوء فيمكنه أن يتيمم، وإذا عجز عن الصلاة حال القيام أو القعود فإنه يصلي مضطجعاً أو يشير بعينه أو يمر الأركان على قلبه.
أيضاً المريض في لحظات المرض هو أحوج إلى من يذكره بالصلاة ويعينه عليها ويذكره بهذه الأمور، وألا يلتفت إلى الأسباب كالطبيب وغيره؛ لأن الرسول ﵊ قال: (إنك لست الطبيب، إنما الله هو الطبيب وأنت رفيق)، فلا بد أن نتوكل على الله ونعطي الأمور حجمها، وأن نرتبط دائماً بالله .
стр. 3119
تفسير قوله تعالى: (هل آتاك حديث الجنود فرعون وثمود)
يقول ﵎: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ [البروج:١٧ - ١٨].
قوله: (هل أتاك حديث الجنود) أي: الذين تجندوا على الرسل بأذاهم.
قال ابن جرير: (هل أتاك) يعني: قد أتاك ذلك وعلمته، فاصبر لأذى قومك إياه لما لابد فيه من مكروه كما صبر الذين تجند هؤلاء الجنود عليهم من رسلي، ولا يثنينك عن تبليغهم رسالتي، كما لم يثن الذين أرسلوا إلى هؤلاء، فإن عاقبة من لم يصدقك ويؤمن بك منهم إلى عطب وهلاك، كالذي كان من هؤلاء الجنود.
فالجملة -كما قال أبو السعود: (استئناف مقرر لشدة بطشه تعالى بالظلمة العصاة والكفرة العتاة).
وكونه فعالاً لما يريد متضمن البشارة للنبي ﷺ بالإشعار بأنه سيصيب قومه ما أصاب الجنود.
قوله: (فرعون وثمود) هذا بدل من الجنود؛ لأن المراد فرعون وجنده كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص:٨].
قوله: (وثمود) المراد ما صدر عنهم من التمادي في الكفر والضلال، وما حل بهم من العذاب والنكال.
стр. 3120
تفسير قوله تعالى: (بل الذين كفروا في تكذيب والله من ورائهم محيط)
قال تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج:١٩ - ٢٠].
قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾ أي: هم في شك وغي وكفر وعناد، وفي تكذيب بالحق والوحي مع وضوح آياته وظهور بيناته عناداً وبغياً.
والإضراب انتقالي، فقوله: (بل الذين كفروا في تكذيب) كأنه قيل: ليس حال فرعون وثمود بأعجب من حال قومك، فإنهم مع علمهم بما حل بهم لم ينزجروا.
وفي قوله: (بل الذين كفروا في تكذيب) إشارة إلى أنهم كانوا غارقين في التكذيب مهووسين متمسكين به، وقيل: إنه إشارة إلى تمكنه من أنفسهم، وأنه أحاط بهم إحاطة الظرف بمظروفه أو البحر بغريقة، مع ما في تنكيره من الدلالة على تعظيمه وتهويله.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أي: قادر عليهم قاهر ظاهر لا يفوتونه ولا يعجزونه، أو المعنى: محص عليهم أعمالهم لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيهم على جميعها، فهم في قبضته وحوزته كالمحاط إذا أحيط به من ورائه، فسد عليه مسلكه فلا يجد مهرباً.
وفيه تعريض لهم بأنهم نبذوا الله وراء ظهورهم، وأقبلوا على الهوى والشهوات، والله من ورائهم محيط.
следующие страницы →