← Тафсир

Тафсир · id 37041

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (3 275 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

تفسير قوله تعالى: (إنه هو يبدئ ويعيد وهو الغفور الودود) قال : ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج:١٣] أي: يبدئ الخلق ثم يعيده، وهو في كل يوم يبدئ خلقاً من نبات وحيوان وغيرهما، ثم إذا هلك أعاد الله خلقه مرة أخرى، وهذا فيه دلالة على أنه يعيد الناس في اليوم الآخر ويبعثهم بعد موتهم للجزاء والحساب. (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ) بلا ممانع ولا منازع. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:١٤] أي: هو الغفور لمن يرجع إليه بالتوبة، يغفر ذنب من تاب إليه وخضع له ولو كان الذنب من أي شيء كان. قوله: (الْوَدُودُ) أي: المحب لمن أطاعه وأخلص له. وقال ابن عباس وغيره: الودود هو: الحبيب.

стр. 3117

تفسير قوله تعالى: (ذو العرش المجيد) قال : ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج:١٥] أي: صاحب العرش المعظم العالي على جميع الخلائق. الشيء المحزن أن القاسمي يفسر العرش بالملك والسلطان أو السماء، مع أن العرش مشهور ومعروف أنه من أعظم مخلوقات الله ﵎! قوله: (المجيد) المجيدُ صفة لمدح الله ، وهناك قراءة أخرى بالجر (ذو العرش المجيدِ) ولذلك يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: و (المجيد) فيه قراءتان: الرفع على أنه صفة للرب ، والجر على أنه صفة للعرش، وكلاهما معنى صحيح. يقول القاسمي: (المجيد) أي: العظيم في ذاته وصفاته، وقرئ بالجر صفة للعرش. ومجده علوه وعظمته.

стр. 3118

تفسير قوله تعالى: (فعال لما يريد) قال ﵎: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦] أي: لا يريد شيئاً إلا فعله، فلا يحول بينه وبين مراده شيء، فمتى أراد إهلاك الجاحدين ونصر المخلصين فعل؛ لأن له ملك السماوات والأرض، ولهذا أتبع ذلك بقوله : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج:١٧ - ٢٠]. قوله تعالى: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ يقول ابن كثير: أي: مهما أراد فعله لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل؛ لعظمته وقهره وحكمته وعدله، كما روينا عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قيل له وهو في مرض الموت: هل نظر إليك الطبيب؟ قال: نعم. قالوا: فماذا قال لك؟ قال: قال لي: إني فعال لما أريد. وقد سبق أن أشرنا إلى أن الإنسان عندما يكون في مرض الموت، فإننا نجد أهل هذا المريض يذهبون به من مستشفى إلى مستشفى، تجد السيارات آتية وذاهبة، بينما لا تجد واحداً من الأقارب لهذا المريض ولا الزوار يحاول أن يذكره بالموت، وينبهه أنه على وشك أن يرحل من الدنيا، وينصحه ويوصيه، ويرغبه في عفو الله ومغفرته! فنقول: المريض يحتاج منك إذا كنت محباً له حقيقة أن تنفعه في هذه اللحظة، وهي أشد لحظة أن يقف صديقه أو قريبه إلى جانبه فيذكره بالتوبة، ويذكره بلا إله إلا الله، لكن للأسف لا نجد من كثير من الناس إلا الاهتمام بالأسباب الدنيوية، حتى وإن ظهر لهم أنه مرض الموت، وأنه على وشك أن تخرج منه الروح! إذاً: ينبغي أن ننتبه لهذا الأمر، وهو أمر السياق الأخير، وذلك عند خروج الروح، فهذا أبو بكر وهو في مرض الموت لما سئل: هل نظر إليك الطبيب؟ قال: نعم. إذاً: علينا أن نهتم بالأولويات وأن نعطيها مكانها، ليس فقط أن نأتي بالطبيب والدواء والحقن للمريض حتى نقول له: نحن لم نقصر معك، فقد ذهبنا بك إلى أحسن مستشفى، وأحضرنا لك الأدوية من آخر الدنيا، واستوردناها من الخارج، وفعلنا كذا؛ لكن من منا ذكره بأنه مقبل على الموت؟ حتى لو لم يكن مرض الموت، فالموت آت وقد يأتي فجأة وقد يأتي بعد رسل ونذر كالشيب والمرض وهو الغالب، ولذلك تجد الفقهاء يذكرون أحكام المرض ثم يعقبونها بأحكام الموت؛ لأن الموت إما أن يأتي فجأة وإما أن يأتي بعد مرض، ورب إنسان مرض مرضاً ما كان يتصور أنه سيموت منه ثم إذا به يموت منه! فالإنسان إذا كان مريضاً فعليه أن يوصي أولاده ويذكرهم بالموت: يا أولادي إذا مت فافعلوا كذا وكذا، حافظوا على الصلاة والحجاب، علي حقوق لفلان فأدوها، هذا هو أمر الشرع، حتى لا تضيع حقوق الناس. كذلك على المريض أن يحافظ على الصلاة، وإذا عجز تماماً عن الوضوء فيمكنه أن يتيمم، وإذا عجز عن الصلاة حال القيام أو القعود فإنه يصلي مضطجعاً أو يشير بعينه أو يمر الأركان على قلبه. أيضاً المريض في لحظات المرض هو أحوج إلى من يذكره بالصلاة ويعينه عليها ويذكره بهذه الأمور، وألا يلتفت إلى الأسباب كالطبيب وغيره؛ لأن الرسول ﵊ قال: (إنك لست الطبيب، إنما الله هو الطبيب وأنت رفيق)، فلا بد أن نتوكل على الله ونعطي الأمور حجمها، وأن نرتبط دائماً بالله .

стр. 3119

تفسير قوله تعالى: (هل آتاك حديث الجنود فرعون وثمود) يقول ﵎: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ [البروج:١٧ - ١٨]. قوله: (هل أتاك حديث الجنود) أي: الذين تجندوا على الرسل بأذاهم. قال ابن جرير: (هل أتاك) يعني: قد أتاك ذلك وعلمته، فاصبر لأذى قومك إياه لما لابد فيه من مكروه كما صبر الذين تجند هؤلاء الجنود عليهم من رسلي، ولا يثنينك عن تبليغهم رسالتي، كما لم يثن الذين أرسلوا إلى هؤلاء، فإن عاقبة من لم يصدقك ويؤمن بك منهم إلى عطب وهلاك، كالذي كان من هؤلاء الجنود. فالجملة -كما قال أبو السعود: (استئناف مقرر لشدة بطشه تعالى بالظلمة العصاة والكفرة العتاة). وكونه فعالاً لما يريد متضمن البشارة للنبي ﷺ بالإشعار بأنه سيصيب قومه ما أصاب الجنود. قوله: (فرعون وثمود) هذا بدل من الجنود؛ لأن المراد فرعون وجنده كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص:٨]. قوله: (وثمود) المراد ما صدر عنهم من التمادي في الكفر والضلال، وما حل بهم من العذاب والنكال.

стр. 3120

تفسير قوله تعالى: (بل الذين كفروا في تكذيب والله من ورائهم محيط) قال تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج:١٩ - ٢٠]. قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾ أي: هم في شك وغي وكفر وعناد، وفي تكذيب بالحق والوحي مع وضوح آياته وظهور بيناته عناداً وبغياً. والإضراب انتقالي، فقوله: (بل الذين كفروا في تكذيب) كأنه قيل: ليس حال فرعون وثمود بأعجب من حال قومك، فإنهم مع علمهم بما حل بهم لم ينزجروا. وفي قوله: (بل الذين كفروا في تكذيب) إشارة إلى أنهم كانوا غارقين في التكذيب مهووسين متمسكين به، وقيل: إنه إشارة إلى تمكنه من أنفسهم، وأنه أحاط بهم إحاطة الظرف بمظروفه أو البحر بغريقة، مع ما في تنكيره من الدلالة على تعظيمه وتهويله. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أي: قادر عليهم قاهر ظاهر لا يفوتونه ولا يعجزونه، أو المعنى: محص عليهم أعمالهم لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيهم على جميعها، فهم في قبضته وحوزته كالمحاط إذا أحيط به من ورائه، فسد عليه مسلكه فلا يجد مهرباً. وفيه تعريض لهم بأنهم نبذوا الله وراء ظهورهم، وأقبلوا على الهوى والشهوات، والله من ورائهم محيط.

стр. 3121

تفسير قوله تعالى: (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ) قال ﵎: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١ - ٢٢]. قوله: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ) أي: كامل كريم عظيم لا يماثل في أسلوبه وهدايته. قوله تعالى: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ قرئ (محفوظ) قرئ بالرفع صفة لقرآن، والتقدير: بل هو قرآن محفوظ، وعلى قراءة الجر يكون صفة للوح (في لوح محفوظٍ). قال ابن جرير: والمعنى على القراءة الأولى: محفوظ من التغيير والتبديل في لوح، وعلى الثانية: محفوظ من الزيادة فيه والنقصان منه عما أثبته الله فيه. و (بل) إضراب عن شدة تكذيبهم وعدم كفهم عن التكذيب. ووصف القرآن بما ذكر للإشارة إلى أنه لا ريب فيه، ولا يضره تكذيب هؤلاء؛ فإنه تعالى تولى حفظه وظهوره أبد الآبدين. يقول ابن كثير: قوله: (فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) أي: هو في الملأ الأعلى محفوظ من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل. وقال الحسن البصري: إن هذا القرآن المجيد عند الله في لوح محفوظ، ينزل منه ما يشاء على من يشاء من خلقه. قال بعض العلماء: إذا كان القرآن محفوظاً عند الله في السماء في اللوح المحفوظ، فكذلك سيحفظ في الدنيا في لوح، فمن أراد حفظه فليحفظه في اللوح. وكانت هذه هي الطريقة التقليدية القديمة في الكتاتيب، فقد كان الصغار يحفظون القرآن عن طريقة الكتابة في لوح.

стр. 3122

تفسير سورة الأعلى

стр. 3123

فضل سورة الأعلى سورة الأعلى هي السورة السابعة والثمانون في ترتيب المصحف الشريف، وهي سورة مكية، وآيها تسع عشرة. قال ابن كثير: والدليل على أنها مكية ما رواه البخاري عن البراء بن عازب ﵁ قال: (أول من قدم علينا من أصحاب النبي ﷺ مصعب بن عمير وابن أم مكتوم ﵄ فجعلا يقرئاننا القرآن، ثم جاء عمار وبلال وسعد ﵃، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين رضي الله تعالى عنهم، ثم جاء النبي ﷺ ، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به، حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله ﷺ قد جاء، فما جاء حتى قرأت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] في سور مثلها) يعني: فما وصل المدينة حتى كنت قد حفظت سورة ((سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى)) في سور مثلها. وعن علي ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يحب هذه السورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾) تفرد به الإمام أحمد. وثبت في الصحيحين: (أن رسول الله ﷺ قال لـ معاذ رضي الله تعالى عنه: هلا صليت بـ ((سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى))، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس:١]، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل:١]). وعن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه: (أن النبي ﷺ كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأهما) رواه مسلم وأهل السنن. وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن النبي ﷺ كان يقرأ في الوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] والمعوذتين)

стр. 3124

تفسير قوله تعالى: (سبح اسم ربك الأعلى) قال ﵎: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]. أي: نزه ربك عما يصفه به المشركون من الولد والشريك ونحوهما، كقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ﴾ [الصافات:١٨٠]، فالاسم صلة، وسر إيراده أن المنوه به إذا كان في غاية العظمة فكثيراً ما تضاف ألفاظ التفخيم إلى اسمه، فيقال: سبح اسمه، ومجد ذكره، كما يقال: سلام على المجلس العالي، هذا هو القول الأول في تفسير هذه الآية الكريمة، وهو أن قوله: ((سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى)) أي: سبح ربك الأعلى، ويؤيده أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا إذا قرءوا ذلك قالوا: سبحان ربي الأعلى، ولم يكونوا يقولون: سبحان اسم ربنا الأعلى. وأيضاً: فإن الحق تعالى إنما يعرف بأسمائه الحسنى؛ فقوله: ((سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ)) فيه تنبيه على أن علينا أن نعرف الله عن طريق أسمائه الحسنى. ومما يؤيده ما ذكر من الآثار عن رسول الله ﷺ ، وعن الصحابة رضي الله تعالى عنهم: (أنهم كانوا إذا قرءوا ذلك قالوا: سبحان ربي الأعلى) رواه ابن جرير وغيره. وذهب بعضهم إلى أن المراد تنزيه اسم الله وتقديسه عن أن يسمى به شيء سواه؛ لأن المشركين كانوا يسمون آلهتهم بأسماء يزعمون أنها مشتقة من أسماء الله ، كاللات زعموا أنها مؤنث من الله، وأخذوا العزى من العزيز. فالمقصود بقوله: ((سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ)) أي: نزه اسم ربك وقدسه عن أن يسمى به شيء سواه ﵎، كما كان يفعل المشركون في تسميتهم لآلهتهم ببعضها كاللات والعزى، وهذا ما اعتمده الإمام ابن حزم في الفصل حيث رد على من استدل بهذه الآية في مسألة هل الاسم عين المسمى أم غيره؟ وهذه من المسائل المحدثة المبتدعة، وقد كره العلماء الانشغال بها، فالإمام ابن حزم رد على من استدل بهذه الآية على أن الاسم عين المسمى؛ لأن المعنى: سبح ربك، فالاسم هو نفس المسمى، ومن الممتنع أن يأمر الله أن يسبح غيره، فلو كان الاسم غير المسمى لما أمر الله بتسبيح اسمه . قال ابن حزم: وأما قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] فهو على ظاهره دون تأويل؛ لأن التسبيح في اللغة التي نزل بها القرآن وخاطبنا بها الله هو تنزيه الشيء عن السوء، وبلاشك أن الله تعالى أمرنا أن ننزه اسمه -الذي هو كلمة مجموعة من حروف الهجاء- عن كل سوء. فينبغي تعظيم اسم الله عن كل سوء، سواء كان في النطق به أو في كتابته. فأي ورقة كتب فيها اسم الله فينبغي صيانتها عن الامتهان وهكذا. ووجه آخر: وهو أن معنى قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، ومعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٩٥ - ٩٦] معنى واحد، وهو أن يسبح الله تعالى باسمه، ولا سبيل إلى تسبيحه تعالى ولا إلى دعائه ولا إلى ذكره إلا باسمه، فكلا الوجهين صحيح، وتسبيح الله تعالى وتسبيح اسمه كل ذلك واجب بالنص، ولا فرق بين قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ وبين قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور:٤٨ - ٤٩]، والحمد بلاشك هو غير الله ، وهو تعالى يسبح بحمده كما يسبح باسمه ولا فرق، فبطل تعلقهم بهذه الآية. وفي الحقيقة هناك تعليق على قول ابن حزم الأخير هذا: من أنه لا فرق بين قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور:٤٨]؛ لأن قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ يعني ملابسة الحمد للتسبيح، فتقول: سبحان الله وبحمده، فتقرن التسبيح بالحمد معاً، يعني: أنا أسبح الله وأحمده، فهذه تفيد الملابسة بخلاف الباء في قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ وهذا الذي أشار إليه القاسمي بقوله: وقد يقال: فرق بين الآيتين، فإن الباء في قوله: ((بحمد ربك)) للملابسة، ولا كذلك هي في قوله: ((باسم ربك)). ومع اتساع اللفظ الكريم للأوجه كلها، فالأظهر هو القول الأول: ((سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ)) يعني: نزه ربك عما يصفه به المشركون من الولد والشريك ونحوهما؛ وذلك لما أيده من الأخبار، وبقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْهُ﴾ [ق:٤٠]، وقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ [الصافات:١٨٠]، والله تعالى أعلم. قوله: ((الأعلى)) أي: الأرفع من كل شيء قدرة وملكاً وسلطاناً، واستدل السلف بظاهره في إثبات العلو بلا تكييف، والمسألة معروفة في إثبات العلو لله ﵎ على كل مخلوقاته .

стр. 3125

تفسير قوله تعالى: (الذي خلق فسوى) قال : ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى:٢]. قال الزمخشري: أي: الذي خلق كل شيء فسوى خلقه تسوية ولم يأت به متفاوتاً غير ملتئم، ولكن على إحكام واتساق، ودلالة على أنه صادر عن عالم، وأنه صنعة حكيم. أي: أن الله خلق كل المخلوقات محكمة متفقة متلائمة سوية، وفي هذا دلالة على أنها صدرت عن عالم ، ودلالة على أنها صنعة حكيم؛ لأن كل شيء خلقه الله ﵎ ستجد أنه وضع بحكمة وبسابق علم في موضعه. إن جميع الصفات البشرية للإنسان سواء الحسية أو النفسية، والأشياء التي لا ترى أصلاً بالعين المجردة وهي ما يسمى (بالجينات) و (الكرموزومات) وهذه الأشياء التي تكون صفات الإنسان بعد ذلك من هذه الجينات؛ دليل أكيد على أن هناك من دبر هذا وأحكمه وأتقنه: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾. إذا تأمل الإنسان مثلاً: الأسنان، لو أن أضراس الإنسان في الأمام والقواطع في الجانبين مثلاً، كيف يأكل الإنسان؟! إذاً: كل شيء وضع بحكمة. كذلك لو أن لسان الإنسان في قفاه في مؤخرة رأسه، أو الفم كانت في القلب، أو العين كانت تحت والأنف فوق! يعني تتعجب وتستغرب هذا، فهذا يدل على أن كل شيء وضع بحكمة. إذاً: الإنسان والنباتات والحيوانات وكل خلق الله ﵎ فعلاً تنطق بأن لا إله إلا الله ، كما قال الشاعر: تأمل سطور الكائنات فإنها من الملك الأعلى إليك رسائل وقد خط فيها لو تأملت خطها ألا كل شيء ما خلا الله باطل وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ لم يذكر الله سبحانه المفعول به؛ ليعم كل ما خلق، فكل خلق الله ﵎ مستو ومحكم ومتقن؛ أو ليدلنا على أنه قادر عالم، وأنه صنعة حكيم.

стр. 3126

تفسير قوله تعالى: (والذي قدر فهدى) قال : ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى:٣]. أي: قدر لكل حيوان ما يصلحه، فهداه إليه وعرفه وجه الانتفاع به. والهداية أنواع: منها: الهداية العامة، وهي هداية كل مخلوق إلى ما يصلحه، حتى لو لم يكن عنده عقل، لكن الله يهديه إلى ما يصلحه. أنت إذا طاردت نملة هل تستسلم النملة أم تهرب؟ تهرب وكذلك الذبابة أو الصرصور أو أي شيء من هذه الدواب، فإنها إذا رأت شيئاً يؤذيها فإنها تتجنبه، فهذه هي الهداية العامة لجميع المخلوقات. والطفل الصغير مجرد أن يولد يمارس عملية الرضاعة وكأنه خبير! فهذا الطفل من علمه؟ إنه الله . إن باب الهداية من أبواب العلم للتأمل في خلق الله ، ومما يفتح على القلب معرفة الله ، واليقين بحكمته وعلمه وقدرته ، وهذا الباب اهتم به العلماء جداً في مصنفاتهم، ويوجد الآن في زماننا مئات الكتب في هذا المجال، فنحن مطالبون جميعاً بأن نتأمل، ولذلك ابن القيم ﵀ في كتابه المبارك: (شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل) عقد فصلاً في هذا الموضوع، وأتى بأمثلة من هداية المخلوقات إلى ما يصلحها، وحكى أشياء عجيبة جداً في هداية المخلوقات إلى ما يصلحها. من ذلك مثلاً قال: إن طائراً ابتلعت الحية فرخه، فماذا فعل لينتقم لفرحه؟ أتى بنوع معين من الأعشاب السامة القاتلة، وهذا الطائر لم يدرس الصيدلة، فمن أين عرف ذلك؟! إنها هداية الله الهداية العامة، فظل هذا الطائر يقترب أمام تلك الحية منها حتى فتحت فمها فأسقط فيه هذه المادة السامة فقتل الحية! وحكى ابن القيم أيضاً عن إناء كان فيه عسل في وسط الحجرة، وكان الإناء في حوض من الماء، فالنمل لا يستطيع أن يصل إليه، لكن النمل اخترع حيلة وهي أنه مشى في اتجاه الجدار ثم صعد الجدار ثم مشى على السقف حتى صار موازياً للعسل فألقى بنفسه ليقع فيه، فالنملة ما عندها عقل، فمن علمها؟ إنها هداية الله، وهذه هي الهداية العامة، فيلهم الله كل مخلوق ما يصلحه. ومن ذلك أيضاً قال: إن هناك بعض الدببة في المناطق الجليدية إذا أراد أن يصطاد شيئاً معيناً فإنه يختبئ داخل غرف الثلج حتى تأتي الفريسة فينقض عليها! وهذا حديث يطول، والحديث عن عجائب صنع الله ﵎ شيق، وحكى ابن القيم أيضاً أن فأراً كان يشرب زيتاً من برميل معين، فظل يشرب الزيت حتى نزل ونقص البرميل ولم يستطع أن يشرب منه، فذهب الفأر وأخذ ماء في فمه، فصبه على الزيت حتى يرتفع؛ لأن كثافة الزيت أخف من كثافة الماء، فارتفع الزيت فشرب، فمن علم هذا الفأر هذا الفعل؟! إنه الله . قوله: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ كقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] أي: ثم هداه إلى ما يصلحه. وابن القيم ﵀ رغم أنه عاش في زمن بعيد لكن كان مطلعاً اطلاعاً واسعاً جداً في هذا الباب، ونحن عندنا الآن العجب العجاب، وتوجد قناة تلفزيونية أمريكية اسمها الطبيعة، هذه القناة متخصصة فقط في ذكر هذه الآيات وتصويرها، وهم يأخذونها كنوع من الانبهار بالطبيعة وصنعة الطبيعة، ولا ينسبونها إلى الله ! لكن المؤمن يستفيد من هذه الأشياء؛ لأن الذي صنعها هو الله ، فمن عجائب صنع الله (البكتيريا) التي تسبب الأمراض والالتهابات، وهي مع كثرة استخدام الأدوية المضادة لها لا تستطيع أن تقاومها، فمن الذي هداها إلى التفلت من هذه الأدوية؟! إنه الله سبحانه. وهذه الأشياء مما استطعنا أن نكتشفها وما خفي من آيات الله كان أعظم، فنقول: إنه ينبغي التفكر في هذه الآيات العظمى، ونرجو أن تأتي فرصة لنذكر هذه الأنواع من الهداية العامة. إذاً: قوله: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ يعني: قدر لكل حيوان ما يصلحه، فهداه إليه وعرفه وجه الانتفاع به.

стр. 3127

تفسير قوله تعالى: (والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى) قال : ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى:٤]. أي: أخرج من الأرض ما ترعاه الأنعام من صنوف النباتات. قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى:٥] قوله: ((فجعله)) يعني: هذا المرعى الذي ترعاه الأنعام كان أخضر من صنوف النبات، ثم جعله وصيره وحوله بعد خضرته ونضرته ((غُثَاءً أَحْوَى)) أي: جافاً يابساً تطير به الريح. قوله: ((أحوى)) يعني: أسود، وهذه الصفة مؤكدة لغثاء؛ لأن النبات إذا يبس تغير إلى الحوة وهي السواد. قال ابن جرير: وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يرى أن ذلك من المؤخر الذي معناه التقديم، وأن المعنى: والذي أخرج المرعى أحوى، أي: أخضر إلى السواد، فجعله غثاء بعد ذلك، ويعتل لقوله ذلك بقول ذي الرمة: حواء قرحاء أشرطية وكفت فيها الذهاب وحفتها البراعيم وهذا القول وإن كان غير مدفوع أن يكون ما اشتدت خضرته من النبات، قد تسميه العرب أسود؛ غير صواب عندي؛ بخلاف تأويل أهل التأويل في أن الحرف إنما يحتال لمعناه المخرج بالتقديم والتأخير إذا لم يكن له وجه مفهوم إلا لتقديمه عن موضعه أو تأخير، أما وله وجه صحيح فلا وجه لطلب الاحتيال لمعناه بالتقديم والتأخير.

стр. 3128

تفسير قوله تعالى: (سنقرئك فلا تنسى) قال ﵎: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾ [الأعلى:٦]. قوله: ((سنقرئك)) أي: سنجعلك قارئاً بأن نلهمك القراءة فلا تنسى ما تقرؤه، يعني: سندعك تحفظ بدون جهد، وبدون مراجعة، بخلاف الواحد منا إذا أراد أن يحفظ فإنه لابد من التكرار الكثير والمذاكرة، أما النبي ﷺ فقد ضمن الله له أن القرآن الذي يوحى إليه سوف يتكفل الله بحفظه في قلبه فلا ينساه ﷺ ، وهذه آية من آيات الله؛ لأن النبي ﷺ أمي لا يقرأ من الكتب، أما غيره فإنه يقرأ عن طريق معرفة القراءة والكتابة فينظر في الكتاب فيقرأ، أما النبي ﵊ فكيف يكون قارئاً وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب؟! هذه هبة من الله ومعجزة للنبي ﷺ . قال الزمخشري: بشره الله بإعطاء آية بينة: وهي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحي وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، فيحفظه ولا ينساه ﷺ . وقال الرازي: هذه آية تدل على المعجزة من وجهين: أحدهما: إنه كان رجلاً أمياً، فحفظه لهذا الكتاب المطول عن غير دراسة ولا تكرار ولا كتابة خارق للعادة، فيكون معجزاً. وثانيهما: إن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة، ومع ذلك فيها إخبار عن أمر عجيب غريب مخالف للعادة سيقع في المستقبل ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾. فمعظم القرآن نزل بعد ذلك، وهذه من أوائل السور في مكة. وقوله: ((فلا تنسى)) قيل: نهي، لكن في غير القرآن إذا كانت ناهية نقول: فلا تنس، يجزم الفعل بحذف الياء أو الألف. والجواب عن هذا عند من يقولون: إنها ناهية أن الألف للإطلاق في الفاصلة، مثل قول الله ﵎ ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب:٦٧] والمعنى: لا تغفل قراءته وتكريره فتنسى، فالنهي هنا مجاز عن ترك أسبابه الاختيارية. قال الرازي: والقول المشهور: أن هذا خبر ليس بنهي. يعني أن الله سيقرئه فلا ينسى، (فلا) هنا على هذا القول نافية. ويقول: والمعنى سنقرئك إلى أن تصير بحيث لا تنسى وتأمن النسيان كقولك: سأكسوك فلا تعرى. أي: فتأمن العري. قال الرازي: واحتج أصحاب هذا القول على ضعف القول الأول، بأن ذلك القول لا يتم إلا عند التزام مجازات في هذه الآية، فعلى القول بأن (لا) ناهية، (فلا تنس) تكون نهياً عن النسيان، والنهي مجاز عن ترك الأسباب الاختيارية. وهذا القول لا يتم إلا عند التزام مجازات في هذه الآية: منها: أن النسيان لا يكون إلا بقدر الله تعالى، فلا يصح ورود الأمر والنهي به، فلا بد وأن يحمل ذلك على المواظبة على الأشياء التي تنافي النسيان، مثل: الدراسة وكثرة التذكر، وكل ذلك عدول عن ظاهر اللفظ. ومنها: أن نجعل الألف مزيدة للفاصلة، وهذا أيضاً خلاف الأصل. ومنها: أنا إذا جعلنا قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾ خبراً كان معنى الآية: بشارة الله إياه بأني أجعلك بحيث لا تنساه، أما إذا جعلناه نهياً كان معناه: أن الله أمره أن يواظب على الأسباب المانعة من النسيان وهي الدراسة والقراءة، وهذا ليس في البشارة وتعظيم حاله مثل الأول الذي هو الخبر، وهذا على خلاف قوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة:١٦] قال ابن عباس: جمعه لك في صدرك وتقرؤه، فالآية الأولى فيها ضمان من الله أنه لا ينسى شيئاً، وهذه الآية فيها نهي عن أن يحرك لسانه خلف جبريل خشية أن ينسى هذا الوحي ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أي: اطمئن، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٧] أي: سوف نجمعه لك في صدرك ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ [القيامة:١٨] يعني: إذا قرأه عليك الملك جبريل ﵇، ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٨] يعني: أنصت لقراءته ولا تحرك لسانك؛ لأنه كان يحرك لسانه خشية أن ينسى، فأوحى الله إليه هذه الآيات التي فيها الضمان والتأمين من النسيان.

стр. 3129

تفسير قوله تعالى: (إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى) قال : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ [الأعلى:٦ - ٧] هذا استثناء مفرغ أي: لا تنسى مما تقرؤه شيئاً من الأشياء، إلا ما شاء الله أن تنساه مما تقتضيه الجبلة البشرية أحياناً. قال الزجاج: إلا ما شاء الله أن ينسى فإنه ينسى، ثم يتذكر بعد ذلك ولا ينسى نسياناً كلياً دائماً؛ لأن ما في الجبلة لا يتغير، وإلا لكان الإنسان عالماً آخر. وقد روى البخاري عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (رحم الله فلاناً! لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أسقطتها) وفي رواية: (كنت أنسيتها)، وهذا النسيان إنما يكون عارضاً طارئاً، كمن ينسى في الصلاة مثلاً آية أو نحو ذلك، فهذا هو المقصود بقوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾، وليس هو النسيان الذي يترتب عليه عدم التذكر مطلقاً. وقال ﵊: (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني) رواه الشيخان عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ يعني: على وجه القلة والندرة، كأن تقول مثلاً: قل من يقول كذا، وأنت تريد أنه لا يقول أحد هذا الكلام. وقال الفراء فيما نقله الرازي: إنه تعالى ما شاء أن ينسي محمداً ﷺ شيئاً، إلا أن المقصود من ذكر هذا الاستثناء بيان أنه تعالى لو أراد أن يصيره ناسياً لقدر عليه، كما قال: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا﴾ [الإسراء:٨٦]، ونحن نقطع بأنه تعالى ما شاء ذلك، هل شاء الله أن يذهب ما أوحى إليه؟ لا، بل هذا لمجرد بيان قدرة الله تعالى على ذلك، كذلك قوله هنا: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى:٦ - ٧] للتذكير بأن الله قادر على أن ينسيك إياه، فهذه فائدة الاستثناء هنا. قوله: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ يعني: يعلم ما يجهر به العباد وما يخفونه من الأقوال والأفعال، وهو تعليل لقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ [الأعلى:٦ - ٧]، مبين لحكمته، وهو سبق علمه تعالى لحاجة البشر إلى إقرائه الوحي، وإخراجهم به من الظلمات إلى النور. وكيف يكون هذا تعليلاً لقوله: ((سَنُقْرِئُكَ)) لأنه ((يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى))؟ الجواب أن الله يعلم بعلمه الأزلي أن البشر محتاجون إلى إقرائه الوحي، لأن الصلة بين الله وبين الرسول ﵊ ركنها المتين هو الوحي، لأن النبي هو من يوحى إليه، ونبوة الله هي الوحي، فهذا الوحي لو افترض وجود خلل في نفسه خاصة في حق هذا الدين الخاتم أو أصل الرسالة الخاتمة أو الشريعة الخاتمة؛ فتخيل الذي يمكن أن يحصل في البشر وهم بحاجة إلى الوحي أشد من حاجتهم إلى الهواء والطعام والشراب؟! فلذلك يفهم من هذه الآية أن الله ((يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى))، فمما يعلمه الله مسيس حاجة البشرية إلى أن يضمن الله لنبيه حفظ هذا القرآن، وذلك بأن يحفِّظه القرآن بحيث لا ينساه أبداً، ويجعله قارئاً بقدرة الله لا بأسبابه الحسية كالتكرار والمذاكرة، وإنما بتوفيق الله . فأول تأمين للقرآن أنه ﵊ حُفظ من نسيان شيء منه ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾، ((إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى)) هذه تعليل لقوله: (سنقرئك) أي: سنقرئك حتى تحفظ القرآن؛ لأن الله يعلم السر وأخفى، ومما يعلمه شدة حاجة البشر إلى هذا القرآن أن تبلغهم إياه كما أنزله الله إليك، وليخرجوا به من الظلمات إلى النور.

стр. 3130

تفسير قوله تعالى: (ونيسرك لليسرى) قال الله ﵎: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى:٨]. أي: فهذا الدين وهذا القرآن الموحى به لا حرج فيه ولا عسر فيه، وإنما هو يسير وسهل وسمح. واليسرى صفة لمحذوف تقديره: الطريقة اليسرى. قوله: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ أي: نوفقك للطريقة اليسرى، أي: الشريعة السمحة والسهلة التي هي أيسر الشرائع وأوفقها لحاجة البشر مدى الدهر.

стр. 3131

تفسير قوله تعالى: (فذكر إن نفعت الذكرى) قال : ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩]. قوله: ((فذكر)) أي: ذكر العباد بعظمة الله وعظهم وحذرهم عقوبته. قوله: ((إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى)) (إن) هنا بمعنى: إذ، أي: فذكر إذ نفعت الذكرى، كقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]، وكقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] أي: وأنتم الأعلون إذ كنتم مؤمنين. أو (إن) بمعنى: قد على ما قاله ابن خالويه. وقيل: (إن) هنا صرفية، والمعنى: ذم المُذَكَّرِينَ واستبعاد تأثير الذكرى فيهم بسبب الطبع على قلوبهم. يعني: أنت مطالب بالبلاغ والبيان فقط! لأن الله قال: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [المائدة:٩٩]، أما هداية القلوب فلا يملكها إلا الله . إذاً: قوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ ممكن أن تفهم في ضوء الآية الأخرى التي في سورة الذاريات: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥] يعني: إذا كان ذكراً نافعاً فيجب عليك أن تذكر به، وهذا التذكير لن ينتفع به إلا المؤمنون، أما الكافرون المعرضون فعليك إبلاغهم بالحق، سواء انتفعوا أم لم ينتفعوا به.

стр. 3132

تفسير قوله تعالى: (سيذكر من يخشى ثم لا يموت فيها ولا يحيا) قال ﵎: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى:١٠]. قوله: ((سيذكر)) أي: سيقبل التذكرة وينتفع بها من يخاف عقاب الله على الجحود والعناد بعد ظهور الدليل. وفي قوله: ((سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى)) حذف المفعول وهي التذكرة. ثم قال : ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى﴾ [الأعلى:١١] يعني: يتجنب التذكرة الأشقى. قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ [الأعلى:١٢] أي: العظمى ألماً وعذاباً. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [الأعلى:١٣] أي: لا يهلك فيستريح، ولا يحيا حياة تنفعه. قيل: إن العرب كانت إذا وصفت الرجل بوقوعه في شدة شديدة، قالوا: لا هو حي ولا ميت، فجاء على مألوفهم في كلامهم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾، وقوله: ((ثم)) هنا للتفاوت الرتبي إشارة إلى أن سبيله النار الكبرى، ليس هذا فحسب بل هناك ما هو أعظم وأشد رتبة وهي أن هذا عذاب خالد دائم لا ينقطع أبداً. وفي الحقيقة لو أن القلوب فقهت هذا المعنى الخطير لذهلت وبهتت وتحيرت وشابت الرءوس، فينبغي أن نتأمل هذا المعنى، من يستطيع أن يدخل النار أو يضع جزءاً من يده مثلاً داخل النار أو وجهه لا نقول: لمدة ساعة أو يوم كامل، وإنما لمدة دقيقة أو ثانية؟! من يتحمل ذلك؟ لا يستطيع أحد ذلك. فعذاب النار -والعياذ بالله- في غاية الخطورة، وليس هذا كلاماً للتخويف، بل هو حقيقة، ومن مقتضى حكمة الله وعدله وجود هذا العذاب، والملاحدة الزنادقة يؤولون آيات القرآن تأويلاً عجيباً جداً، يقولون: إن عذاب النار المذكور في النصوص الشرعية ليس حقيقياً، وإنما الله يخوف بها مجرد تخويف فقط! وهذا كفر وزندقة وتحريف وإلحاد في آيات الله . إذاً: الخلود في النار أشد من أن يدخل الواحد النار ويحترق فيها ويموت وانتهى، فالمعذب فيها ليس له نهاية، فالأمر خطير، فياويل الكافر الذي يكفر بالله بعد أن أعطاه الله العقل وأرسل الأنبياء وأنزل الكتب! لقد جاهد الصحابة ﵃ الكفار وفتحوا البلاد وضحوا بالدماء والأموال والأولاد والأنفس من أجل تبليغ دين الله وإيصال الحجة للناس، كذلك العلماء اتجهوا لتحقيق العلم وتقييده وبذله وتعليمه، وتناقلوه جيلاً عن جيل؛ كي تقوم الحجة، والكرة الأرضية لا تخلو أبداً من حجة الله، فالحجة قائمة، والقرآن موجود. فأي كافر على ظهر الأرض ممن سمع عن دين الإسلام يستطيع أن يبحث ويفتش حتى يصل إلى الدين الحق، فليس هناك سلاسل ستقيده وتمنعه عن الوصول إلى الدين الحق، كل من أراد الحق بإخلاص فإن الحق متاح وهو أقرب إليه من حبل الوريد، ولكنهم يعرضون ليس هذا فحسب، بل يصدون عن سبيل الله، ويريدون إطفاء نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. إن الكافر نوى عن إصرار وتعمد أنه ما دام حياً فسوف يكفر بالله إلى الأبد، فلذلك كان الجزاء من جنس العمل، فعوقب بالخلود في النار إلى الأبد، كذلك المؤمن أطاع الله وصبر على البلاء وهو لا يدري متى ينتهي عمره، فهو يطيع الله وينوي طاعته إلى الأبد، وليست الطاعة مؤقتة أو مؤجلة بأجل؛ ولذلك كوفئ بنعيم الجنة إلى الأبد بلا انقطاع وبلا نهاية، فتخيلوا مدى خسارة الكفار الذين يقول الله فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر:٦٣]، وقال: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:١٥]. ونار الآخرة ليس فيها من نار الدنيا إلا الأسماء، مع البون الشاسع بين هذه وتلك. وحين يتيقن الكافر من الخلود فيها يتمنى حينئذ أن يرجع إلى الدنيا ويكون مسلماً كما أخبر الله عنه: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر:٢]. إذاً: عذاب النار مهما حاولت أن تتخيله هو أفظع مما تتخيله والعياذ بالله، فلابد من الوقوف كثيراً عند قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [البينة:٨]، وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد:٢٠] ((مؤصدة)) أي: تغلق عليهم ولا تفتح ولا يستطيع أحد أبداً الهروب منها. أعظم أمنية للكافر الذي يعذب في النار الموت، لكن لا يمكن أبداً أن يموت؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [الأعلى:١٣]، وقال : ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦]. وهذه الآية من آيات الله التي فيها إعجاز علمي؛ لأن الجلد هو مكان الإحساس، فنسأل الله أن ينجينا وإياكم من أهوالها.

стр. 3133

تفسير قوله تعالى: (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) قال ﵎: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:١٤]. قوله: ((قَدْ أَفْلَحَ)) أي: فاز وظفر من تطهر من دنس الشرك والمعاصي، وعمل بما أمره الله به. ((مَنْ تَزَكَّى)) أي: أعلى تزكية هي تزكية النفس بالتوحيد، وقد فسر النبي ﷺ تزكية النفس أن يعلم المرء أن الله معه حيث كان كما صح في الحديث. قال بعض المفسرين قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ يعني: من آتى الزكاة. وقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٥] يعني: أقام الصلاة، وقالوا: إنه مما عهد في كلام الله ﵎ الجمع بين الصلاة والزكاة في عدة آيات من القرآن الكريم، مثل قول الله ﵎: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة:٥]، والزكاة والصلاة مبدأ كل خير، وعنوان السعادة، لكن قيل: إن المعهود في التنزيل الكريم عند ارتباط الصلاة بالزكاة تقديم الصلاة على الزكاة، فهنا في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٤ - ١٥] يخالف المعهود في القرآن من ذكر الصلاة قبل الزكاة، فهذا مما يبعد هذا التفسير. وأجيب بأنه لا ضير في مخالفة العادة مع أن العادة الجارية المعهودة في القرآن الكريم تقديم الصلاة إذا ذكرت بالاسم على الزكاة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، وقوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة:٥]، وقوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم:٥٥]، أما إذا ذكرت بفعل مأخوذ منها فلا، كقوله تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾ [القيامة:٣١]، فهنا أتت الصدقة أولاً، لكن صدق هنا الأقرب أنها من التصديق المقابل للتكذيب، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة:٣٢]، وهي في مقابل التكذيب. والتفسير الأول أظهر؛ لأنه لا يتعارض مع هذا بل يشمله، فقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:١٤] يعني: فاز وظفر من تطهر من دنس الشرك والمعاصي وعمل بما أمره الله به، فقمة التزكية هي التوحيد؛ ولذلك من ليس في قلبه التصديق بلا إله إلا الله فإن قلبه نجس، والمراحيض والمجاري والخنازير أطهر منه، وقد قال الله تعالى عنهم: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨]، وليست نجاسة المشركين نجاسة حسية وإنما هي نجاسة معنوية، نجاسة في قلوبهم والعياذ بالله، فأولى الزكاة على الإطلاق هي تطهير القلب بلا إله إلا الله من دنس الشرك والمخالفات، فالتزكية هنا عامة بالتوحيد وبالطاعات واجتناب الشرك والمخالفات. قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ أي: تذكر جلال ربه وعظمته فخشع وأشفق وقام بما له وعليه.

стр. 3134

تفسير قوله تعالى: (بل تؤثرون الحياة الدنيا) يقول : ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأعلى:١٦] هذا إضراب عن مقدر ينساق إليه الكلام، كأنه قيل إثر بيان ما يؤدي إلى الفلاح: أنتم لا تفعلون ذلك، يعني: مع أن من زكى نفسه وطهرها وذكر ربه فصلى هو الذي يفلح، لكن أنتم لا تزكون أنفسكم، ولا تذكرون اسم ربكم وتصلون، بل تؤثرون اللذات العاجلة الفانية فتسعون لتحصيلها! والخطاب إما للكفرة فيكون المراد بإيثار الحياة الدنيا هو الرضا والاطمئنان بها، والإعراض عن الآخرة بالكلية، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ [يونس:٧]، أو الخطاب للكل للمؤمن والكافر، فيكون المراد بإيثار الحياة الدنيا ما هو أهم مما ذكر، وما لا يخلو عنه الإنسان غالباً من ترجيح جانب الدنيا على الآخرة في السعي وترتيب المبادئ. إذاً قوله: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ خطاب لكل البشر، وذلك لتعلقهم بالحياة الدنيا. وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٤ - ١٥] وأنتم لا تفعلون ذلك ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأعلى:١٦]، فهنا تلاحظون أن الكلام الأول في سياق الغيبة ثم التفت إلى الخطاب: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأعلى:١٦]، وهذا الالتفات لتشديد التوبيخ على الكافر، فوبخ بأنه لا يفعل لا الزكاة ولا التزكية ولا الصلاة، بل يؤثر الحياة الدنيا. أما على القول الثاني: فالالتفات في حق الكفرة لتشديد العتاب، وفي حق المسلمين على أن الكفار معروف عنهم أنهم يؤثرون الحياة الدنيا على الإطلاق، فلا يليق بالمسلمين أن يتشبهوا بهم في ذلك، فهم يستحقون أيضاً العتاب؛ ولهذا جاء الالتفات. وقرئ: (يؤثرون) بالياء، وعلى هذا فلا التفات.

стр. 3135

تفسير قوله تعالى: (والآخرة خير وأبقى) قال ﵎: ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٧]. يقولون: شربت من النهر، والأصل شربت من ماء النهر، لكن شاع استعمالها بدون ذكر المضاف، وهكذا قوله تعالى: ((والآخرة)) أي: الدار الآخرة، فنقدر كلمة الدار، فيكون المعنى: والدار الآخرة خير، كذلك الآخرة هي صفة للدار الآخرة. قوله: ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ أي: أفضل لخلوصها عما يكدر. قوله: ((وأبقى)) أي: أدوم لعدم انقضاء نعيمها. يعني: نعيم الجنة لا ينقطع بل هو دائم. إن على المؤمنين والمسلمين ألا ينخدعوا بما يزينه لهم شياطين الإنس والجن من حولهم باسم الإسلام أحياناً، مثل قولهم: إننا نريد المجتمع المتحضر والحضارة والمباني والعمائر وناطحات السحاب والبساتين والخضرة، كما يحصل في البرازيل وغيرها. نقول: الاهتمام بمثل هذه الأشياء من العبث، وقد ذكر الله ذلك في القرآن، قال الله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء:١٢٨] هذا هو العبث، وإذا لم يكن هناك إلا تضييع الأموال وتبذيرها؛ بسبب المنظر حتى يكون جميلاً والخضرة وكذا وكذا لكان ذلك كافياً للترك. أيضاً الدنيا ليست وطنك، ومشكلة المسلمين حب الدنيا وكراهية الموت، فالإنسان إذا عمرها وزينها فإنه بالتالي يحب البقاء فيها. أيضاً الدنيا والآخرة ضرتان إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، فلا يمكن أن يجتمعا، إما الدنيا وإما الآخرة، فلذلك القرآن دائماً ينبهنا لهذا المعنى، وهو الالتفات إلى الآخرة وتعمير الآخرة وعدم الانخداع بزخرف الدنيا؛ لأن الدنيا كما قال النبي ﷺ : (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء). قوله: (الدنيا حلوة خضرة) يعني: تخدع وتسحر ألباب الناس، فينبغي الحذر منها، والصبر على المشقة في الدنيا، وعلى البلاء في الدنيا، وألا ننجرف مع من ينجرفون وراءها؛ لأن الدنيا لا قيمة لها عند الله ، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ [يونس:٢٤]، كنت دائماً أقرأ هذه الآية وأنا أنظر في الأفق إلى ناطحات السحاب في مدينة نيويورك، وهم في غاية الفخر بالإعمار وناطحات السحاب وهذه الأشياء الضخمة؛ فتيقنت زوال تلك العمارات الضخمة، مصداقاً لهذه الآية. وقد قيل: حب الدنيا رأس كل خطيئة، وإذا فكرت في هذا القول ستجد فعلاً أن حب الدنيا هو رأس كل خطيئة، فما يقع إنسان في معصية إلا من أجل الدنيا، الذي يسرق يسرق لأجل الدنيا، والذي يرتكب الفواحش يرتكبها لأجل شهوات الدنيا، الذي يرتشي، الذي يفعل كذا أو كذا هذا كله راجع إلى حب الدنيا. إذاً: مرضنا وداؤنا حب الدنيا وكراهية الموت كما أخبر النبي ﷺ ، فلا ينبغي للمسلم العاقل أن ينخدع بما ينخدع به الآخرون؛ لأن الإنسان الذي يعظم الدنيا إنما يعمر الدنيا ويخدمها، وفي الأثر: (يا دنيا اخدمي من خدمك) أي: أسعدي من خدمك، والإنسان يكد ويكدح في الدنيا ولا يأتيه إلا ما قدر له، والسعي الحثيث وراء الدنيا لن يغير شيئاً مما كتب الله ؛ لأن الرزق لا يجلبه حرص حريص ولا يرده كراهية كاره، فيعطى الإنسان رزقه رغم أنفه كما قال النبي ﵌: (لو أن ابن آدم يهرب من الرزق كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه أجله). إذاً: على الإنسان ألا يجزع؛ ولذلك قال النبي ﵊: (اتقوا الله وأجملوا في الطلب) يعني: هونوا عليكم طلب الدنيا، وقال : ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:١٥] امشوا مشياً، لكن في الآخرة قال سبحانه: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩]، وقال : ﴿وَسَارِعُوا﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقال: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠]، وقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠]، وقال: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]. فالإنسان المسلم في الدنيا يهون على نفسه، ولا يكون مثل هؤلاء الكفار الدواب الذين لا هم لهم إلا الدنيا، كما وصفهم النبي ﷺ بقوله: (إن الله يبغض كل جعظري جواظ، صخاب في الأسواق، جيفة في الليل، حمار بالنهار). قوله: (جيفة في الليل) أي: لا يذكر الله ، وهناك شعوب ينطبق عليها هذا الوصف أشد الانطباق، وهم اليابانيون، لقد قاموا بمظاهرات احتجاجاً على الحكومة؛ لأنها عملت إجازة في يوم معين! فهم من شدة حرصهم على الدنيا استنكروا على الحكومة أنها جعلت ذلك اليوم إجازة! قال لي أحد الإخوة من رجال الأعمال: كان هناك رجل من اليابان يعمل في القاهرة، وجاء إلى الإسكندرية لسبب معين، ثم يعود إلى القاهرة، فكان مجيئه يوم الخميس بالليل، ويوم الجمعة إجازة، فمن حرصه على العمل جعل السائق يرجعه إلى القاهرة في نفس الليلة؛ حتى يواصل الشغل؛ لأنه لا يطيق البعد عن العمل! قوله: (حمار بالنهار) يعني: يعمل كالحمار بالنهار من المشقة التي يبذلها في السعي وراء الدنيا. إذاً: العاقل الذي يسمع عن الجنة فيحرص على طلبها، قال النبي ﵊: (ما رأيت مثل الجنة نام طالبها! ولا مثل النار نام هاربها!) فالجنة تستحق التعب والنصب والتضحية والفداء والبذل، قال ﵊: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة). ويقول الشاعر: أيها النائم دعني لست أصغي للملام إنني أطلب ملكاً نيله صعب المرام قوله: ((والآخرة خير وأبقى)) الجملة مبتدأ وخبر، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب حال من فاعل ((تؤثرون)) مؤكدة للتوبيخ والعتاب. وقال الله ﵎ مخاطباً نبيه ﷺ : ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى﴾ [الضحى:٤] يعني: الدار الآخرة خير من الدار الأولى التي هي أقرب إلينا. قوله: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٦ - ١٧] هي أفضل وخير ومع ذلك هي دائمة وأهلها مخلدون فيها لا يموتون. والذي يؤثر الحياة الدنيا يؤثرها للمتاع الذي فيها، والنعيم الذي خلق في الدنيا ما خلق إلا لينبه على نعيم الآخرة، كما أن الآلام التي في الدنيا تنبه على آلام الآخرة، والدليل على ذلك قوله تعالى في النار: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة:٧٣] أي: جعلنا نار الدنيا تذكرة بحيث إذا رأيتموها تذكرتم نار الآخرة فتعوذتم بالله منها. ونعيم الدنيا لا يمكن أن يكون بغير تنغيص، لابد أن يشوبه تنغيص بصورة أو بأخرى، إما التنغيص الذي يلقاه في سبيل الحصول عليه، أو تنغيص عند تناول الأطعمة والأشربة؛ لأنه ليس المقصود منها أن تتمتع بالدنيا، بل المقصود أن تنبهك إلى نعيم الجنة الذي لا ينقطع، فمتاع الدنيا يقطع ويشوبه الأكدار والآلام والمنغصات وما أكثرها! فلذلك العاقل يؤثر الآخرة على الدنيا ولا يؤثر الدنيا على الآخرة، وإلا يكون قد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. فخلاصة الكلام لا ينبغي لمن يؤمن بالآخرة ويعلم أنها خير وأبقى أن ينساق مع من ينساق في تعظيم الدنيا، ومع من يجعلون الإسلام دين حضارة من عمران ومباني وغيره فقط وينسون أن القضية الكبرى للإسلام هي قضية تحقيق العبودية لله . وأذكر في هذا السياق مدرساً في بعض البلاد الإسلامية، أتى وفد أجنبي ليزور تلك البلاد، وشاء الله أن يدخل هذا الوفد هذه المدرسة التي فيها هذا المدرس، فطاف هذا الوفد في المدرسة، فدخل فصلاً فيه حصة لهذا الأخ الفاضل، فهذا الأخ أخذ يشرح الإسلام وكيفية الصلاة إلى آخره، فسأله بعض الناس لماذا تفعل هذا؟ قال: لأننا عندنا العمارات والمباني والحدائق إلى غيره من مظاهر الدنيا الخداعة، وكل كلامه كان على أن الإسلام دين الحضارة، تاركاً الحديث عن الآثار والأحجار التي تصرف للنظر عن جوهر القضية، فقضيتنا أعظم بكثير من ذلك، وهي قضية تحقيق العبودية لله في الأرض، فلا ننساق مع الذين يدعون في أن الإسلام جاء لتزيين الدنيا! الشاهد أن هذا الأخ قال لمن أنكر عليه هذا الأمر: إن هؤلاء لن تطلعوهم على شيء إلا وعندهم ما هو أفضل منه في بلادهم من المباني والمصانع، فمهما رأوا سوف يلاقونها هناك عندهم، ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ [يوسف:٦٥]، لكن نقدم لهم ما يفتقرون إليه وهو الإسلام وشريعة الإسلام ومكارم الإسلام والنبوة والرحمة وكذا، هذا هو الذي يحتاجون إليه. وبالنسبة للرياضة النافعة التي تعود عليك ببناء جسمك، هي الرياضة المطلوبة في الإسلام، التي فيها الصحة والقوة، أما أنك تجلس تتفرج وتقعد تشجع فريقاً على فريق، وتتابع البطولات، فنقول: أين البطولة في فلسطين؟! هل البطولة في إجازة؟! إذاً: لا يليق بنا أن ننشغل بما ينشغل به الآخرون، نحن كما قال ربعي بن عامر لما سأله رستم: ما جاء بكم؟ قال: نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. إذاً: لا تنسوا في زحمة الحياة الدنيا وزحمة الضغوط التي شغلتنا في كل وقت وفي كل أوان ومن كل جهة أن تتذكروا هـ

стр. 3136

تفسير قوله تعالى: (إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى) قال : ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ [الأعلى:١٨]. قوله: ((إن هذا)) أي: هذا الذي ذكر من أول قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:١٤] إلى قوله: ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٧]، ﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾، يعني هذا الكلام مدون وموجود وثابت في الصحف الأولى. قوله تعالى: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:١٩]. قوله: ((صحف)) بدل من قوله: ((الصحف الأولى)) ووصف الصحف بالقدم كقوله: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [طه:٥١] أي: القديمة، فأبهمها أولاً في قوله: ((إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى))، ووصفها بالقدم ثم بينها وفسرها بقوله: ((صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى))، وهذا فيه تفخيم لشأنها، وتعظيم لأمرها.

стр. 3137

تفسير سورة الغاشية

стр. 3138

بين يدي سورة الغاشية سورة الغاشية هي السورة الثامنة والثمانون، وهي مكية، وآياتها ست وعشرون، وقد تقدم حديث النعمان بن بشير ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان يقرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، والغاشية في صلاة العيد، ويوم الجمعة). وروى الإمام مالك: (أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير ﵁: بم كان رسول الله ﷺ يقرأ في الجمعة مع سورة الجمعة؟ قال: هل أتاك حديث الغاشية). رواه مسلم وأبو داود وغيرهما.

стр. 3139

تفسير قوله تعالى: (هل أتاك حديث الغاشية عاملة ناصبة) قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. أي: هل أتاك خبرها وقصتها؟ والغاشية: هي القيامة، وأصل الغاشية: الداهية التي تغشى الناس بشدائدها. والاستفهام للتعظيم والتعجب مما في حيزه، مع تقريره. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ أي: ذليلة، وهي وجوه أهل الكفر للحق والجحود له، وعبّر بالجزء عن الكل، فالمقصود بالوجوه الذوات، بدليل أنه قال: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية:٣ - ٥]، فهذا مما يؤكد أن المقصود بالوجوه الذوات. وقوله: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾، أي: تعمل أعمالاً صعبة تتعب فيها، ونلفت النظر إلى هذا المعنى المهم؛ وهو أن الأشغال الشاقة المؤبدة نوع من العقوبة، ففي النار أشغال شاقة، والدليل هذه الآية، فكأن ملائكة العذاب تكلف الكفار بهذا النوع من أنواع العذاب الذي لا يتناهى والعياذ بالله، فتكلفهم بأعمال شاقة؛ إتعاباً لأبدانهم وتعذيباً لهم. إذاً: قوله: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾، أي: تعمل دائماً أعمالاً صعبة تتعب فيها، كالهوي في دركات النار، والارتقاء في عقباتها، فهم يرمون -والعياذ بالله- في النار، ثم يكلفون بارتقاء العقبات العالية المرتفعة، فهذا بلا شك فيه تعب ونصب شديدان. أو (عاملة) من استعمال الزبانية إياها في أعمال شاقة من جنس أعمالها التي رضيت بها في الدنيا، وإتعابها فيها من غير منفعة لها منها إلا التعب والعذاب؛ لكنهم في الدنيا كانوا يجنون من ورائها ربحاً ومالاً، أما في النار فالعذاب بالإصعاد والأعمال الشاقة التي يكلفونها ليس فيه مقابل إلا التعب والعذاب. ويجوز أن تكون ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾: إشارة إلى عملهم في الدنيا، فيكون المعنى: كانت عاملة ناصبة في الدنيا. إذاً: يوجد وجهان للآية: الأول: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ أي: عاملة ناصبة في أعمال الدنيا، كالذي وصفه الرسول ﵊ في الحديث بقوله: (جيفة بالليل، حمار بالنهار) أي: يكدح بالنهار في عمل الدنيا كالحمار. الثاني: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ أي: الكافر الذي يتعب نفسه في العبادة كالرهبان الذين يعيشون في حرمان، بسبب تحريم الطيبات على أنفسهم من أطعمة وألبسة، وكذا التمتع بمتاع الحياة الدنيا الذي أباحه الله لخلقه، فيَحْرمون أنفسهم ويعذبونها بأنواع المشاق، ويجتهدون في الصلاة والصيام وغيرها من العبادات، ثم تكون هباءً منثوراً يوم القيامة، قال الله ﵎: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ [إبراهيم:١٨]، فتحبط جميع أعمالهم بالكفر، وكما قال الله ﵎: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤]، فهذا أشد الخسران، ففي حقهم يكون معنى: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ أي: أنهم يكدّون ويكدحون ويتعبون في التعبد بكافة أنواع المشقات، وهم يرجون بذلك الثواب من الله ، ثم إذا بهم يفاجئون يوم القيامة كما قال الله: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧]. ويجوز أن يكون قوله: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ إشارة إلى عملهم في الدنيا، أي: عملت ونصبت في أعمال لا تجزى عليها في الآخرة، فيكون بمعنى: حابطة أعمالها، أو جعلت أعمالها هباءً منثوراً كما تدل عليه آيات أخر، مثل قوله تعالى في سورة النور ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩]. ويؤيده مقابلة هذه الآية لقوله في أهل الجنة: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية:٩]، فأول صفة للكفار هنا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾، وأول صفة للمؤمنين: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ [الغاشية:٨]. الصفة الثانية للكفار: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾، والصفة الثانية للمؤمنين: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾، ما هو السعي؟ السعي الذي كان في الدنيا، فالمؤمن يأتي راضياً عما سعى في الدنيا من الأعمال الصالحة، ويقابلها: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾، وهذا يقوّي قول من قال: إن المقصود بـ ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾: عملها في الدنيا، والله تعالى أعلم.

стр. 3140

تفسير قوله تعالى: (تصلى ناراً حامية لا يسمن ولا يغني من جوع) قال تعالى: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٤] أي: تدخل ناراً متناهية في الحرارة. ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية:٥] آنية: أي بلغت غايتها في شدة الحر، فذكر أولاً الشراب، وقوله: (تُسقى) إشارة إلى أنه لا يقبل هو أن يشرب، ولكنه يُسقى رغماً عنه، ولا يستطيع أن يمتنع. ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية:٦] الضريع: هو نوع من الشوك ترعاه الإبل ما دام رطباً، فإذا يبس تحامته -أي: تجنّبته-، وهو سُمُّ قاتل. قال ابن جرير: الضريع عند العرب نبت يقال له: الشبرق، ويسميه أهل الحجاز الضريع إذا يبس. ولا منافاة بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة:٣٦]؛ لأن العذاب ألوان، والمعذبون طبقات، فمنهم: أكلة الغسلين، ومنهم: أكلة الضريع عافانا الله وإياكم. وقيل: الضريع أُريدَ به طعام مكروه حتى للإبل التي تتميز برعي الشوك، فلا ينافي كونه زقوماً أو غسليناً، فيكون الضريع كناية عن الطعام المكروه الذي تعافه الإبل رغم أنها تمتاز برعي الشوك، فليس لهم طعام إلا هذا الشيء المكروه، وهذا يناسب كونه زقوماً أو غسليناً. ﴿لا يُسْمِنُ﴾ [الغاشية:٧] أي: لا يسمن بدن الآكل، ﴿وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية:٧] أي: لا يسكّن داعي النفس ونهمها، فيظلون يتعذبون بالجوع والعطش، فلا الشراب يرويهم، ولا الطعام يشبعهم، وهذا نوع من أنواع العذاب أيضاً والعياذ بالله. وإذا صرخوا وطلبوا السقيا فكما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف:٢٩] أي: إذا اقتربوا منه ليشربوا شوى وجوههم لقوة حرارته!! فما بالك إذا شربوا منه؟! قال تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥]، نسأل الله العافية! فما أقوى هذا الكلام وما أشد تأثيره، ولكنها الغفلة التي تُخيّم على القلوب، وتحول بينها وبين الانتفاع بكلام الله ﵎.

стр. 3141

تفسير قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناعمة وزرابي مبثوثة) قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ [الغاشية:٨] بمعنى: أنها متنعمة بين النعيم، خلافاً لحُسن المنظر المحروم من التنعم، مثل أن نقول: فلان يعيش حياة ناعمة، أي: متنعمة في نعيم ورفاهية، أو أن المقصود بقوله: (ناعمة) من النعومة أي: وجوه أهل الجنة ذات حُسْن -إذ ليس في وجوههم لحى-. ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية:٩] أي: لعملها الذي عملته في الدنيا، وحزمها في طريق الجد، واكتساب الفضائل، فهي شاكرة لا تندم ولا تتحسر، فيقول أحدهم عند أخذه الكتاب باليمين: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩] فهو في غاية الفخر، لماذا؟ يقول: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الحاقة:٢٠ - ٢٢]. فقوله هنا: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ أي: للسعي الذي عملته في الدنيا راضية، ويحمدون الله أن وفقهم للعمل الصالح في الدنيا، وأن هداهم للإيمان وسائر أنواع البر، بخلاف الذي يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٩]. قوله: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الغاشية:١٠] أي: مرتفعة في المحل أو رفيعة القدر، فقوله: (عالية): إما علو القدر والمكانة، وإما علو المكان، ولا تعارض بين الصفتين، فالجنة عالية القدر، وهي أيضاً عالية في المكان والمحل. ﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ [الغاشية:١١] أي: لغواً، أو كلمة ذات لغو، أو نفساً تلغو؛ لأن كلامهم فيه الحشمة والعلو، والتسبيح والتحميد. ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ [الغاشية:١٢] أي: لا انقطاع لها. ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية:١٣] أي: مرتفعة؛ لأن السرر إذا كانت مرتفعة يتمكنون من رؤية جميع ما حولهم من النعيم. ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية:١٤] الأكواب: جمع كوب، وهو الإناء الذي لا أذن له، (مَوْضُوعَةٌ)، أي: بين أيديهم لا يعجزهم أخذها، فهي موضوعة ومهيأة أمامهم، فلا يذهبون للبحث عنها وإحضارها. ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية:١٥] النمارق: الوسائد، مصفوفة: صف بعضها إلى جانب بعض فوق الأسِرّة أو في الجوانب للاستناد إليها. ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية:١٦] الزرابي: البُسط والطنافس، ((مَبْثُوثَةٌ)) يعني: مفروشة.

стр. 3142

تفسير قوله تعالى: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى الأرض كيف سطحت) قال تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية:١٧]، هذا استئناف مسوق لتقريب ما فصل من حديث الغاشية، وما هو مدلول عليه من البعث الذي هم فيه مختلفون للاستشهاد عليه بما لا يستطيعون إنكاره، لكن ما علاقة هذه الآيات بالتي قبلها؟ إن الآيات السابقة فيها إخبار عن الغاشية ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١]، وبيان حال أصحاب الجنة، وحال أصحاب النار، وهذا كله مبني على الإيمان بالبعث والنشور، والدار الآخرة، والحساب والجزاء، والكفار ينكرون البعث، فالله يوجه أنظارهم إلى الإيمان به وبقدرته على الخلق، وهذا سيلزمهم بالإيمان بالبعث والنشور، وأحوال أهل الجنة، وأحوال أهل النار، فدلّهم إلى الإيمان بالله عن طريق أدلة محسوسة لا يستطيعون إنكارها؛ لأنها مشاهدة؛ فلذلك قال: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾، (أَفَلا) الهمزة: للإنكار والتوبيخ، والفاء: للعطف على مُقدّر يقتضيه المقام. ((أَفَلا يَنْظُرُونَ)) يعني: أينكرون ما ذُكر من البعث وأحكامه، ويستبعدون وقوعه من قدرة الله ؟! أفلا ينظرون إلى الإبل -التي هي نصب أعينهم ويستعملونها كل حين- كيف خُلقت خلقاً بديعاً معدولاً به عن سنن خلقة سائر أنواع الحيوانات؟! فالإبل فيها أشياء اختصت بها دون سائر الحيوانات، من عِظَم جثتها، وشدة قوتها وعجيب هيئتها اللائقة لحمل الأشياء الثقيلة، وجرّ الأثقال الفادحة إلى الأقطار النازحة - البعيدة-، وفي صبرها على الجوع والعطش، حتى إن إظماءها لتبلغ العشر فصاعداً، واكتفائها باليسير، ورعيها لكل ما يتيسر من شوك وشجر وغير ذلك مما لا يكاد يرعاه سائر البهائم، فأنت ترى الإبل ترعى ما تيسر من أنواع النبات، فهذه من خصائصها. وأيضاً انقيادها مع ذلك للإنسان في الحركة والسكون والجلوس والنهوض، حيث يستعملها في ذلك كيفما يشاء، وهذه من آيات الله ، فإن الجمل على رغم قوته الشديدة، إلا أنه يقوده طفل صغير أو رجل ضعيف أمامه! فالله يذلله ويسخره للإنسان. ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية:١٨] السماء التي يشاهدونها كل لحظة بالليل والنهار، ((كَيْفَ رُفِعَتْ)) أي: رفعت كواكبها رفعاً سحيق المدى، وأمسك كل منها في مداره إمساكاً لا يختل سيره، ولا يفسد نظامه. ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية:١٩] الجبال التي ينزلون في أقطارها، ((كَيْفَ نُصِبَتْ)) أي: أقيمت منتصبة، فلا تبرح مكانها حفظاً للأرض من الميلان. ﴿وَإِلَى الأَرْضِ﴾ [الغاشية:٢٠] التي يضربون فيها ويتقلبون عليها، ﴿كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:٢٠] أي: بُسطت ومُهّدت حسبما يقتضيه صلاح أمور ما عليها من الخلائق. قال الزمخشري: والمعنى: أفلا ينظرون إلى هذه المخلوقات الشاهدة على قدرة الخالق؛ حتى لا ينكروا اقتداره على البعث، فيسمعوا إنذار الرسول ﷺ ، ويؤمنوا به ويستعدوا للقاء الله ﵎.

стр. 3143

تفسير قوله تعالى: (فذكر إنما أنت مذكر ثم إن علينا حسابهم) قال تعالى: ((فَذَكِّرْ)) ذكّر من أُرسِلْت إليه بآياته تعالى التي تسوق إلى الإيمان بخالقها على الفطرة. ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية:٢١] أي: مُبلِّغ ما نُسي من شرعه تعالى. ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢] أي: بمتسلط تقهرهم على الإيمان. وقرئ بالسين على الأصل (بمسيطر). ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ﴾ [الغاشية:٢٣ - ٢٤]، وهو عذاب جهنم والعياذ بالله، والاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ منقطع، يعني: لكن من تولى وكفر فإن لله الولاية عليه والقهر له فهو يعذبه العذاب الأكبر على جحده الحق، فليس هنا استثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾، إذ ليس معناه أن الرسول يسيطر على من تولى وكفر! لكن المقصود: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾، لكن ﴿مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ﴾ [الغاشية:٢٣ - ٢٤]، على جحده الحق. ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٥] أي: رجوعهم ومعادهم بالموت والبعث، والجملة تعليل لتعذيبه تعالى بالعذاب الأكبر. ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٥ - ٢٦] نلاحظ هنا أن الضمير جمع، أما في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ﴾ [الغاشية:٢٣ - ٢٤] فإن الضمير مفرد، والإفراد هنا في قوله: (فيعذبه) باعتبار اللفظ، أما الجمع في قوله: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ فهو باعتبار معنى (من). إذاًَ: جمع الضمير فيه وفيما بعده باعتبار معنى (من) كما أن إفراده فيما سبق باعتبار لفظها. وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾، أي: سنجازيهم بالعذاب الأكبر، فإن القهر والغلبة لله ﵎ وحده.

стр. 3144

تفسير سورة البلد

стр. 3145

تفسير قوله تعالى: (لا أقسم بهذا البلد) سورة البلد مكية بإجماعهم، وهي عشرون آية. قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد:١ - ٣]، (لا أُقْسِمُ) فيها قولان: القول الأول: أن معناها: أقسم، وإنما أدخلت (لا) في التوكيد، فـ (لا) زائدة، وهذا معهود في لغة العرب، كما قال الله ﵎: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢٩]، يعني: ليعلم، فهي مزيدة للتوكيد. القول الثاني: أن هذا التركيب: (لا أقسم) صيغة من صيغ القسم. فقوله تعالى: (لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) يعني: أقسم بهذا البلد، وهو مكة المكرمة.

стр. 3146

تفسير قوله تعالى: (وأنت حل بهذا البلد) قال تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:٢] يعني: أقسم بهذا البلد وأنت في هذا البلد، فالقسم مقيد بكون النبي ﷺ حالاً بهذا البلد، وفيه عناية بالنبي ﷺ ، لأن الله أقسم بالبلد لأجل وجود النبي ﷺ فيه، وفيه الإشارة إلى عدم شرف أهل مكة، وأنهم جهلوا جهلاً عظيماً بهمهم بإخراج من هو حقيق بالبلد، فالنبي ﷺ هو أحق الناس أن يقيم في بلد الله الحرام، وشرف هذا البلد يتم بحلول النبي ﷺ فيه، فمثل هذا حقه أن يوقر وأن يؤمن به وأن يتبع وأن يصدق، لا أن يطرد ويخرج من هذا البلد. قال الشهاب: والحل صفة أو مصدر بمعنى: الحال، ولا عبرة بمن أنكره لعدم ثبوته في كتب اللغة. إذاً: قوله تعالى: ((وَأَنْتَ حِلٌّ)) أي: وأنت حال مقيم موجود في هذا البلد، وقيل معناه: وأنت يستحل فيه حرمتك، ويتعرض لأذيتك، ففيه تعجيب من حالهم في عداوته، وتعريض بتجميعهم وتفريقهم؛ لأنه لا يستحل فيه الحمام، فكيف يستحل فيه دم مرشد الأنام ﵊! وقيل: معناه ((وَأَنْتَ حِلٌّ)) به في المستقبل، أي: سيحل له القتال فيه، قال النبي ﷺ : (إن هذا البلد حرمه الله ، وإن مكة لم تحل لأحد قبلي، ولن تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار) يعني: ساعة الفتح، فعندما فتحها أحل الله له أن يفعل بأعدائه ما يشاء، ثم قال: (فإن ترخص أحد بقتال النبي ﷺ فقولوا له: إن الله أذن لنبيه ولم يأذن لك)؛ فلذلك فإن مكة البلد الحرام لا يجوز لأحد أن يستحل القتال فيها بحال من الأحوال. وهذه السورة مكية بإجماع المفسرين، وسورة النصر: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر:١ - ٢] إلى آخرها هي آخر سورة أنزلت على النبي ﷺ ، وهذا مما يدل على أن في هذه الآية إخباراً بشيء لم يكن قد وقع، فقوله: (وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ) يعني: سوف يأتي وقت تحل لك فيه مكة، وذلك ساعة من النهار كما حصل في فتح مكة، ثم عادت حرمتها بعد الفتح كما كانت قبل الفتح. فهذه الآية إشارة إلى ما سيقع من فتح مكة وإحلالها له ﷺ ساعة من نهار يقتل فيها ويأسر، مع أنها ما أحلت لأحد قبله ولا تحل لأحد بعده، ففيه تسلية له ووعد بنصره وإهلاك عدوه. والحل على هذين الوجهين ضد الحرمة، قال بعض المفسرين: هذا فيه بعد، لاسيما الوجه الأخير، فالتفسير الأول أولى، يعني: وأنت حال في هذا البلد، أي: أقسم بهذا البلد وأنت حال فيها، وفي ذلك زيادة في شرفها لوجودك وحلولك فيها. قال بعضهم: وإنما كان الأول أولى لتشريفه ﷺ ، بجعل حلوله به مناطاً لأعوانه، فهذا تشريف لمكة حتى أقسم الله بها؛ وإنما زاد شرفها لوجود النبي ﷺ فيها، مع التنبيه من أول الأمر على تحقق مضمون الجواب بذكر بعض مواد المكابدة على نهج براعة الاستهلال، وأنه كابد المشاق، ولاقى من الشدائد في سبيل الدعوة إلى الله ما لم يكابده داع قبله ﵌؛ لأن هذا القسم: (لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) جوابه في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤]، فذكر هذا القسم بالبلد مع حلول النبي ﷺ فيه تحقيق لمضمون الجواب، وهو أن الإنسان بالفعل خلق في كبد، حتى أن النبي ﷺ كابد من المشاق، ولاقى من الشدائد في سبيل الدعوة إلى الله ما لم يكابده داع قبله صلوات الله عليه وسلامه.

стр. 3147

تفسير قوله تعالى: (ووالد وما ولد) قال تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد:٣] هذا عطف على قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:١] يعني: أقسم بوالد وما ولد، قيل: يعني: آدم وذريته، وقيل: إبراهيم وولده، والصواب -كما قال ابن جرير -: أن المعني به كل والد وما ولد؛ لأن الصيغة صيغة عموم، قال ابن جرير: وغير جائز أن يخص ذلك إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل، يعني: من أراد أن يخصصه بآدم أو بإبراهيم أو غيرهما، فلابد أن يأتي بحجة نقلية أو عقلية، ولا سبيل إلى شيء من ذلك، قال ابن جرير: ولا خبر بخصوص ذلك، ولا برهان يجب التسليم له بخصوصه. وقوله تعالى: (وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ) عبر بما مكان من للعاقل كما في قول الله ﵎: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] والمقصود: من طاب، فإذا كان التركيب على الوصف تستعمل ما، ومثله قول الله ﵎: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران:٣٦] يعني: والله أعلم بأي مولود عظيم الشأن وضعته. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: فإدخال (ما) على (من) لإرادة الوصف، يفيد التعظيم في مقام المدح، وكأنه لا يحتمل كنهه لشدة إبهام ما؛ لأن الإبهام في (ما) أشد، فكأن هذا الشيء المعظم لا يشتبه وصفه؛ ولذا أفادت التعجيب وإن لم يكن استفهاماً كما في قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) أي: أي مولود عظيم الشأن وضعته. فقوله تعالى: (وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ) إن كان المقصود آدم أو إبراهيم فذكر (ما) ظاهر، فيكون المراد إبراهيم الوالد، وولده محمد ﷺ ، وهو عظيم عجيب، أو يكون المراد آدم وذريته فالتعجب من كثرتهم يعني: وما أدراك ما هذا الذي ولد له هذا الوالد وهو: آدم وكل ذريته؟! فالتعجيب هنا من خصائص آدم وذريته التي اختصوا بها على سائر المخلوقات كالنطق والعقل وحسن السيرة إلى آخر تلك الخصائص.

стр. 3148

تفسير قوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في كبد) قال في جواب القسم: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤] أي: في شدة يكابد الأمور ويعالجها في أطواره كلها، من حمله إلى أن يستقر به القرار إما في الجنة وإما في النار، من بداية ما يحصل الحمل به وهو نطفة مذرة ثم يستمر نموه شيئاً فشيئاً إلى أن يخرج من بطن أمه باكياً، ثم ينمو ويمر بالأطوار التي يمر بها كل إنسان من الطفولة، إلى الصبا، إلى الشباب، إلى الكهولة، إلى الشيخوخة، إلى الموت، إلى القبر، إلى البعث والنشور، إلى أهوال يوم القيامة، ومقداره خمسون ألف سنة، إلى الميزان، إلى الصراط، ثم إلى نهاية الرحلة وهي الاستقرار في دار القرار إما في الجنة وإما في النار، فالإنسان في كل هذه المراحل يكابد المشاق، ولا يخلو الإنسان أبداً من المشاق. قال الزمخشري: الكبد مأخوذ من قولك: كبد الرجل كبداً فهو أكبد إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع في هذا التعبير حتى استعمل في كل تعب ومشقة، ومنه اشتقت المكابدة، كما قيل: كبته بمعنى أهلكه، وأصله كبده، إذا أصاب كبده، قال لبيد: يا عين هلا بكيت أربد إذ قمنا وقام الخصوم في كبد أي: في شدة الأمر وصعوبة الخطب. وفي هذه الآية الكريمة: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) تسلية للنبي ﷺ مما كان يكابده من قريش من جهة أن الإنسان لم يخلق للراحة في الدنيا، وكل من كان أعظم إيماناً فهو أشد نصباً. (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) يعني: كل إنسان يعاني ويكابد المشاق، فهذه سنة الله الماضية، وهذا فيه تسلية للنبي ﷺ مما كان يكابده من قريش، من جهة أن الإنسان لم يخلق للراحة في الدنيا، ولذلك لما قيل للإمام أحمد: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: إذا خلف جسر جهنم وراءه. فالإنسان لا يجد الراحة إلا إذا مر على الصراط، ونجا من أهوال يوم القيامة، وأبصر النار بعيدة عنه، وأوشك أن يدخل الجنة، فعندها يجد طعم الراحة، أما قبل ذلك فهو في كبد، فمن يطلب الراحة في الدنيا فهو يطلب المحال؛ لأن الدار التي ليس فيها نصب هي الجنة فقط كما قال الله عنهم: ﴿لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر:٣٥]، أما الدنيا فلا يمكن أبداً أن يجد الإنسان فيها الراحة دائماً، فكل إنسان لم يخلق للراحة، وكل من كان أعظم إيماناً فهو أشد نصباً، ولذلك قال النبي ﷺ : (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه قوة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، وما يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة). قال القاسمي رحمه الله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) أي: مكابدة ومشقة، ومما ابتلي به هواه فهو معه في صراع ومجاهدة كما قال الشاعر: إني ابتليت بأربع يرمينني بالنبل قد نصبوا علي شراكا إبليس والدنيا ونفسي والهوى من أين أرجو بينهن فكاكا فالعبد في مكابدة ومشقة مع نفسه وهواه والدنيا والشيطان. والكبد مصدر القوى الطبيعية، فاستعير غلظ الكبد لغلظ حجاب القلب ومرض الجهل.

стр. 3149

تفسير قوله تعالى: (أيحسب أن لن يقدر عليه أحد) قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ [البلد:٥] أي: أيحسب هذا الإنسان لغلظ حجابه ومرض قلبه واحتجابه بالطبيعة أن لن تقوم قيامته، وأن لن يقدر الله على مجازاته وقهره وغلبته؟! هذا مع أن ما هو فيه من المكابدة يكفي لإيقاظه من غفلته واعترافه بعجزه.

стр. 3150

تفسير قوله تعالى: (يقول أهلكت مالاً لبداً) قال تعالى: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾ [البلد:٦] يعني: يقول الإنسان: أهلكت مالاً كثيراً، (لُبَدًا) من تلبد الشيء إذا اجتمع، كما قال الله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩] فسر أنهم كانوا طبقات بعضهم فوق بعض، وكذلك قوله هنا: (يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا) يعني: مالاً كثيراً متراكماً بعضه فوق بعض، والمراد هنا: ما أنفقه للافتخار والمباهاة والرياء، فيفتخر بأنه أنفق كثيراً، مثل قول بعض الناس إذا أنفق على شخص: خسرت عليه كذا وكذا يعني: ضحيت بهذا المال الكثير من أجل هذا الشخص، فهذا الإنسان الجحود يتفضل على الناس بالتبذير والإسراف، ويحسبه فضيلة لاحتجابه عن الفضيلة ولجهله، فمن الجواد؟ ومن البخيل؟ الجواد هو: الذي يعطي في موضع العطاء، ويمنع في موضع المنع، والبخيل هو: الذي يمنع في موضع العطاء، فلو أن إنساناً يعطي في غير موضع العطاء، بل لأجل المفاخرة والمباهاة؛ فهذا لا يمدح، ولا يسمى هذا جوداً وكرماً، وإنما هذه سفاهة وإسراف وتبذير، فالإنفاق لا يمدح على الإطلاق، وإنما يمدح الإنفاق إذا أنفق في المحل اللائق به، أما من ينفق ماله سفاهة فهذا لا يمدح، وليس هذا من الكرم ولا من الجود في شيء، مثل هذا الذي يقول: ((أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا)) فأنفق مالاً كثيراً يباهي به الناس، ويتفضل عليهم بالتبذير والإسراف، ويحسب أن هذا الإسراف فضيلة لاحتجابه عن الفضيلة وجهله.

стр. 3151

تفسير قوله تعالى: (أيحسب أن لم يره أحد) قال الله : ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ [البلد:٧] أي: أيحسب أن الله تعالى لم يطلع على باطنه ونيته حين ينفق ماله في السمعة والرياء والمباهاة لا على ما ينبغي في مراضي الله، وهذه رذيلة على رذيلة، من حيث التبذير في النفقة، ومن حيث أنه لا يريد بذلك وجه الله، فإن كانت رذيلة فوق رذيلة، فكيف يحسبها فضيلة؟!

стр. 3152

تفسير قوله تعالى: (ألم نجعل له عينين) قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ٩] أي: ألم ننعم عليه بالآلات البدنية التي يتمكن بها من البصر والكلام، فهذا تذكير بنعم الله على العباد، وما يسر عليهم في تكاليفهم، وما تفضل به عليهم من الآلات التي يتوصلون بها إلى منافعهم، ويدفعون بها المضار عنهم؛ لأن الحاجة إلى أكثر المنافع الدينية والدنيوية ماسة، فالحاجة إلى العينين للرؤية، واللسان للنطق، والشفتين لحبس الطعام والشراب وإمساكهما في الفم، وللنطق أيضاً.

стр. 3153

تفسير قوله تعالى: (وهديناه النجدين) قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] أي: طريقي الخير والشر كما قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣]، ومعنى: ((هَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)) أي: بينا له ووضحنا له طريق الخير وطريق الشر، والنجد هو الطريق المرتفع، والمراد بهما: طريقا الخير والشر، سماهما نجدين ليشير إلى أن في كل منهما وعورة وصعوبة، فليس الشر بأهون من الخير كما يظن، وكذلك ليشير إلى أنهما واضحان جليان لا يخفى واحد منهما على سالك. فالله تعالى بين طريق الخير وطريق الشر فهما كالنجدين المرتفعين، والشيء العالي لا ينكره أحد إذا رآه، وقد بين الله الطريقين بما أوحى، فهما طريقان واضحان جليان لا يخفى واحد منهما على سالك في أحد الطريقين، فالعبد يختار أحدهما وهو على بصيرة؛ لأنه طريق غير ملتبس، بل طريق واضح. وهذه الآية: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) يفسرها قوله تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)، وقيل: أي: أوزعنا في فطرته التمييز بين الخير والشر، وأقمنا له من وجدانه وعقله أعلاماً تدله عليهما، ثم وهبناه الاختيار بعدما بينا له، فعليه أن يختار أي الطريقين شاء، فالذي وهب الإنسان هذه الآلات، وأودع في باطنه تلك القوى؛ لا يمكن للإنسان أن يفلت من قدرته، ولا يجوز أن يخفى عليه شيء من سريرته، فأدوات الإدراك كلها منة من الله ، فإذا كان الله هو الذي أعطاك العينين واللسان والشفتين، وهو الذي هداك النجدين، فكيف تحسب بعد ذلك أن الله لم يطلع عليك حينما أنفقت مالاً لبداً للمباهاة والرياء والتفضل على الناس من غير ابتغاء وجه الله؟! وكيف يحسب أن الله لم ير ما في باطنه من النية الفاسدة والرياء؟! كيف يحسب ذلك والله هو الذي امتن عليه بكل آلات الإدراك، وهو المدبر الحكيم لهذه القوى، والإنسان لا يرى إلا بالله؟! وقول الله : ﴿وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد:٩] هذا اللسان نعمة عظيمة، ولكن هذه الجارحة لها خطورة مهلكة إن لم يحترز صاحبها؛ ولهذا جعل الله أمام اللسان باباً من عظم وهو الأسنان، وباباً من لحم وهو الشفتان؛ كي يستحكم إغلاقه، ولا يخرجه إلا بحساب؛ لخطورة هذا اللسان الذي إذا خرج كان كالثعبان يلدغ خلق الله .

стр. 3154

تفسير قوله تعالى: (فلا اقتحم العقبة) قال تعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد:١١] يعني: ألم يشكر الإنسان تلك النعم الجليلة باقتحام العقبة؟! فحق هذا الإنسان الذي آتاه الله هذه النعم أن يقتحم العقبة، لكنه لم يقتحم العقبة! والاقتحام: هو الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة، والعقبة هي: الطريق الوعرة في الجبل التي يصعب سلوكها، والتعبير بهذا اللفظ هنا لما فيه من معاناة المشقة ومجاهدة النفس. والمراد بالعقبة هنا بينه الله بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد:١٢ - ١٧]، فهذا كله هو معنى اقتحام العقبة، فاقتحام العقبة يكون بالإتيان بهذه الأمور التي فيها مشقة ومجاهدة نفس. (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ) أي: أي شيء أعلمك ما اقتحام العقبة؟! والاستفهام هنا فيه زيادة تشويق لها، وأن لها عند الله تعالى مكانة. وقوله: (فَكُّ رَقَبَةٍ) أي: عتق رقبة أو المعاونة على عتقها وتخليصها من الرق وأسر العبودية، رجوعاً بها إلى ما فطرت عليه من الحرية.

стр. 3155

تفسير قوله تعالى: (أو إطعام في يوم ذي مسغبة) قال تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد:١٤] يعني: إطعام في يوم مجاعة. وإطعام مصدر، مفعوله يتيماً، أي: إطعام يتيماً، ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد:١٥] يعني: ذا قرابة، وهذا حض على تقديم ذوي النسب والقربى المحتاجين على الأجانب في الإطعام؛ لأن الصدقة على المسكين صدقة، أما الصدقة على القريب فهي صدقة وصلة، وثوابها أكثر؛ لأنها صدقة من جهة، وصلة رحم من الجهة الأخرى، وهذه الآية يفهم منها أن الإحسان إلى القريب المحتاج أولى وأفضل وثوابه أعظم من الإحسان لغير القريب. وقيل: المقربة هنا غير مأخوذة من القرابة والقربى، بل من القرب، والقرب: هو الخاصرة، فكأن المعنى: أنه يطعم من خاصرته لصقت من شدة الجوع والضر، وهذا أشبه بقوله تعالى: (أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ)، والآية تحتمل أنه من ذوي القرابة، وتحتمل التفسير الآخر؛ لأن كل ذلك مبالغة في وصفه بالقرب. وقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد:١٦] أي: ذا فقر شديد لا يواريه إلا التراب، يقال: ترب يعني: لصق بالتراب، ويقال: الفقر المدقع أو فقير مدقع بمعنى: لاصق بالدقعاء وهي: التراب، فالفقر المدقع الذي يلصق صاحبه بالتراب. وذهب الأكثرون إلى أن (لا) نافية في قوله تعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد:١١]، وإنما لم تكرر مع أن العرب لا تكاد تفردها كما في آية: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾ [القيامة:٣١] وكقوله تعالى: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٣٨]؛ وكما تقول: لا في العير ولا في النفير، استغناء بدلالة بقية الكلام على تكراره، فسياق الكلام يفيد تكرارها؛ لأن التقدير: لا فك رقبة ولا أطعم مسكيناً. وفي الآية أجوبة أخرى منها أنه لما عطف عليه كان هو منفي أيضاً، فكأنها كررت، وقيل: لا للدعاء، كما تقول: فلان لا نجا ولا سلم، يعني: أسأل الله ألا يسلمه ولا ينجيه، وقيل: أصلها ألا للتحضيض، وقيل: إنها للنفي فيما يستقبل، وقال بعضهم: قولهم: (لا) إذا دخلت على الماضي وجب تكرارها؛ قول لا يلتفت إليه؛ لأن القرآن نفسه حجة في الفصاحة، ولم تتكرر (لا) في هذه الآية، وقد ورد في كلامهم عدم تكرارها.
следующие страницы →