Полный текст (3 275 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
تفسير قوله تعالى: (أيحسب أن لم يره أحد)
قال الله : ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ [البلد:٧] أي: أيحسب أن الله تعالى لم يطلع على باطنه ونيته حين ينفق ماله في السمعة والرياء والمباهاة لا على ما ينبغي في مراضي الله، وهذه رذيلة على رذيلة، من حيث التبذير في النفقة، ومن حيث أنه لا يريد بذلك وجه الله، فإن كانت رذيلة فوق رذيلة، فكيف يحسبها فضيلة؟!
стр. 3152
تفسير قوله تعالى: (ألم نجعل له عينين)
قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ٩] أي: ألم ننعم عليه بالآلات البدنية التي يتمكن بها من البصر والكلام، فهذا تذكير بنعم الله على العباد، وما يسر عليهم في تكاليفهم، وما تفضل به عليهم من الآلات التي يتوصلون بها إلى منافعهم، ويدفعون بها المضار عنهم؛ لأن الحاجة إلى أكثر المنافع الدينية والدنيوية ماسة، فالحاجة إلى العينين للرؤية، واللسان للنطق، والشفتين لحبس الطعام والشراب وإمساكهما في الفم، وللنطق أيضاً.
стр. 3153
تفسير قوله تعالى: (وهديناه النجدين)
قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] أي: طريقي الخير والشر كما قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣]، ومعنى: ((هَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)) أي: بينا له ووضحنا له طريق الخير وطريق الشر، والنجد هو الطريق المرتفع، والمراد بهما: طريقا الخير والشر، سماهما نجدين ليشير إلى أن في كل منهما وعورة وصعوبة، فليس الشر بأهون من الخير كما يظن، وكذلك ليشير إلى أنهما واضحان جليان لا يخفى واحد منهما على سالك.
فالله تعالى بين طريق الخير وطريق الشر فهما كالنجدين المرتفعين، والشيء العالي لا ينكره أحد إذا رآه، وقد بين الله الطريقين بما أوحى، فهما طريقان واضحان جليان لا يخفى واحد منهما على سالك في أحد الطريقين، فالعبد يختار أحدهما وهو على بصيرة؛ لأنه طريق غير ملتبس، بل طريق واضح.
وهذه الآية: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) يفسرها قوله تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)، وقيل: أي: أوزعنا في فطرته التمييز بين الخير والشر، وأقمنا له من وجدانه وعقله أعلاماً تدله عليهما، ثم وهبناه الاختيار بعدما بينا له، فعليه أن يختار أي الطريقين شاء، فالذي وهب الإنسان هذه الآلات، وأودع في باطنه تلك القوى؛ لا يمكن للإنسان أن يفلت من قدرته، ولا يجوز أن يخفى عليه شيء من سريرته، فأدوات الإدراك كلها منة من الله ، فإذا كان الله هو الذي أعطاك العينين واللسان والشفتين، وهو الذي هداك النجدين، فكيف تحسب بعد ذلك أن الله لم يطلع عليك حينما أنفقت مالاً لبداً للمباهاة والرياء والتفضل على الناس من غير ابتغاء وجه الله؟! وكيف يحسب أن الله لم ير ما في باطنه من النية الفاسدة والرياء؟! كيف يحسب ذلك والله هو الذي امتن عليه بكل آلات الإدراك، وهو المدبر الحكيم لهذه القوى، والإنسان لا يرى إلا بالله؟! وقول الله : ﴿وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد:٩] هذا اللسان نعمة عظيمة، ولكن هذه الجارحة لها خطورة مهلكة إن لم يحترز صاحبها؛ ولهذا جعل الله أمام اللسان باباً من عظم وهو الأسنان، وباباً من لحم وهو الشفتان؛ كي يستحكم إغلاقه، ولا يخرجه إلا بحساب؛ لخطورة هذا اللسان الذي إذا خرج كان كالثعبان يلدغ خلق الله .
стр. 3154
تفسير قوله تعالى: (فلا اقتحم العقبة)
قال تعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد:١١] يعني: ألم يشكر الإنسان تلك النعم الجليلة باقتحام العقبة؟! فحق هذا الإنسان الذي آتاه الله هذه النعم أن يقتحم العقبة، لكنه لم يقتحم العقبة! والاقتحام: هو الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة، والعقبة هي: الطريق الوعرة في الجبل التي يصعب سلوكها، والتعبير بهذا اللفظ هنا لما فيه من معاناة المشقة ومجاهدة النفس.
والمراد بالعقبة هنا بينه الله بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد:١٢ - ١٧]، فهذا كله هو معنى اقتحام العقبة، فاقتحام العقبة يكون بالإتيان بهذه الأمور التي فيها مشقة ومجاهدة نفس.
(وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ) أي: أي شيء أعلمك ما اقتحام العقبة؟! والاستفهام هنا فيه زيادة تشويق لها، وأن لها عند الله تعالى مكانة.
وقوله: (فَكُّ رَقَبَةٍ) أي: عتق رقبة أو المعاونة على عتقها وتخليصها من الرق وأسر العبودية، رجوعاً بها إلى ما فطرت عليه من الحرية.
стр. 3155
تفسير قوله تعالى: (أو إطعام في يوم ذي مسغبة)
قال تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد:١٤] يعني: إطعام في يوم مجاعة.
وإطعام مصدر، مفعوله يتيماً، أي: إطعام يتيماً، ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد:١٥] يعني: ذا قرابة، وهذا حض على تقديم ذوي النسب والقربى المحتاجين على الأجانب في الإطعام؛ لأن الصدقة على المسكين صدقة، أما الصدقة على القريب فهي صدقة وصلة، وثوابها أكثر؛ لأنها صدقة من جهة، وصلة رحم من الجهة الأخرى، وهذه الآية يفهم منها أن الإحسان إلى القريب المحتاج أولى وأفضل وثوابه أعظم من الإحسان لغير القريب.
وقيل: المقربة هنا غير مأخوذة من القرابة والقربى، بل من القرب، والقرب: هو الخاصرة، فكأن المعنى: أنه يطعم من خاصرته لصقت من شدة الجوع والضر، وهذا أشبه بقوله تعالى: (أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ)، والآية تحتمل أنه من ذوي القرابة، وتحتمل التفسير الآخر؛ لأن كل ذلك مبالغة في وصفه بالقرب.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد:١٦] أي: ذا فقر شديد لا يواريه إلا التراب، يقال: ترب يعني: لصق بالتراب، ويقال: الفقر المدقع أو فقير مدقع بمعنى: لاصق بالدقعاء وهي: التراب، فالفقر المدقع الذي يلصق صاحبه بالتراب.
وذهب الأكثرون إلى أن (لا) نافية في قوله تعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد:١١]، وإنما لم تكرر مع أن العرب لا تكاد تفردها كما في آية: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾ [القيامة:٣١] وكقوله تعالى: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٣٨]؛ وكما تقول: لا في العير ولا في النفير، استغناء بدلالة بقية الكلام على تكراره، فسياق الكلام يفيد تكرارها؛ لأن التقدير: لا فك رقبة ولا أطعم مسكيناً.
وفي الآية أجوبة أخرى منها أنه لما عطف عليه كان هو منفي أيضاً، فكأنها كررت، وقيل: لا للدعاء، كما تقول: فلان لا نجا ولا سلم، يعني: أسأل الله ألا يسلمه ولا ينجيه، وقيل: أصلها ألا للتحضيض، وقيل: إنها للنفي فيما يستقبل، وقال بعضهم: قولهم: (لا) إذا دخلت على الماضي وجب تكرارها؛ قول لا يلتفت إليه؛ لأن القرآن نفسه حجة في الفصاحة، ولم تتكرر (لا) في هذه الآية، وقد ورد في كلامهم عدم تكرارها.
стр. 3156
تفسير قوله تعالى: (ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة)
هذه الأعمال التي ذكرها الله في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد:١٢ - ١٦] لا تنفع إلا مع الإيمان، فلا تنفع صاحبها في الآخرة إلا إذا كان مؤمناً، قال الله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النحل:٩٧] فيشترط الإيمان حتى تنفع الأعمال الصالحة؛ ولهذا قال سبحانه هنا: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد:١٧]، و (ثم) هنا بمعنى: الواو، يعني: هو يفعل هذه الأشياء، ثم بعد ذلك يؤمن.
قوله تعالى: ((ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا)) أي: بالحق الذي جاءهم.
((وَتَوَاصَوْا)) أي: أوصى بعضهم بعضاً.
((بِالصَّبْرِ)) أي: على ما نالهم في سبيل الدعوة إلى الحق.
((وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ)) أي: بالرحمة على بعضهم كقوله تعالى: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، أو المعنى: بموجبات رحمته تعالى من القيام بالحق والصدع به، فالمرحمة هنا: أن يرحم بعضهم بعضاً، وكما قال سبحانه: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] أي: يتواصوا فيما بينهم بالأشياء التي إن فعلوها توجب لهم رحمة الله إياهم، وهي الأعمال الصالحة، والجهاد، والدعوة، والصدع بالحق، والصبر على ذلك.
وقوله: ﴿الْمَيْمَنَةِ﴾ [البلد:١٨] أي: اليمين، أو المراد جهة اليمين التي فيها السعداء أصحاب اليمين.
стр. 3157
فوائد في قوله تعالى: (فلا اقتحم العقبة)
يقول القاشاني: يشير قوله تعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد:١١] إلى آخره إلى قهر النفس بتكلف الفضائل، والتزام سلوك طريقها، والتزامها حتى يصير ذلك طبعاً، فهذه الآية إشارة إلى أن يقهر الإنسان نفسه وأن يجاهد نفسه، ويتكلف الفضائل حتى لو لم يكن متحلياً بالفضائل كلها، لكن يجاهد نفسه؛ ولذلك قال النبي ﷺ : (أفضل الجهاد أن يجاهد العبد نفسه وهواه في ذات الله) أو كما قال النبي ﵌، وهذا يستفاد من قوله: (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ)، فإن العقبة المرقى الوعر جداً في جبل، وصعود الجبال يترتب عليه مشقة كبيرة؛ لأن التنفس يصعب كلما ارتفع الإنسان إلى أعلى، فهو يقتحم هذه العقبة، ويتكلف المشقة في الارتفاع في هذه الطريق الوعرة، فالله يرشدنا في هذه الآية إلى مجاهدة النفس، وتحمل المشقة في جهاد النفس، فقال: (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) فكأنه يقتحمها بقوة وجرأة، والمقصود أن الإنسان يغالب نفسه ويقهرها، ويعودها الفضائل، ويلزم نفسه سلوك طريقها واكتسابها حتى يصير التطبع طبعاً، فيتطبع أولاً ومع المداومة يستطيع أن يغير طبعه إلى الخير وإلى الأحسن.
وقال بعض المفسرين: الإطعام في وقت شدة الاحتياج للمستحق هو من باب وضع النفقة في مستحقها، بخلاف الذي ينفق مالاً كثيراً مفاخرة ومباهاة ورياء، ويظن أن ذلك فضيلة، بل هي رذيلة فوق رذيلة، فضلاً عن كونها تبذيراً وإسرافاً من أجل المراءاة والتباهي؛ ولذلك نهى النبي ﵊ عن إجابة دعوة المتباريين وقال: (إن المتباريين لا يجابان ولا يؤكل طعامهما)، فإذا كان غنيان كل واحد منهما يعمل الوليمة، ويدعو الناس إليها مباهاة، وكانا يتباريان ويتنافسان، فإنهما يعاقبان بألا تجاب دعوتهما، ولا يؤكل طعامهما، فالمتباريان لا تجاب دعوتهما ولا يؤكل طعامهما؛ لأنهما لا ينفقان ابتغاء وجه الله ﵎، وهذا يعلم بالقرائن، فإذا عرف أنهما يريدان المباهاة لا النفقة في سبيل الله ﵎ فلا يجيبهما، أما هذا فيخرج الطعام في وقت المجاعة: ((فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ))، يطعم الطعام في وقت شدة احتياج الشخص المستحق للصدقة وللطعام، وهذا من باب فضيلة الإيثار، بل هو أفضل أنواعها؛ لأن المجاعة في الغالب تعم، فيكون هو محتاجاً للطعام، لكنه يطعم مع ذلك في وقت المجاعة.
стр. 3158
اقتحام الأهوال في سبيل الله
قوله تعالى: ((ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا))، الإيمان هو العلمي اليقيني ((وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)) الصبر على الشدائد من أعظم أنواع الشجاعة، والإيمان مقدم الشجاعة، فالإنسان يكون عنده يقين ثم تكون عنده الشجاعة، كما في الجهاد، فالمجاهد يضحي بنفسه وبروحه وعنده يقين بأن له عند الله الجنة، وهذا غيب، ولو لم يكن عنده يقين بالغيب لما أقدم، ولما حصلت له هذه الشجاعة، وهذه هي المشكلة التي تؤرق أعداء الإسلام في كل زمان، فالكفار الذين حاربوا المسلمين منذ العصر الأول إلى يومنا هذا مشكلتهم أن المسلمين يحبون الموت أشد من حب الكفار للحياة! وهذا هو الذي يقض مضاجع اليهود، وشواهد هذا من التاريخ كثيرة جداً، وما أكثر فزع الكفار من شدة حب المسلمين للموت! ومن لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الأسباب والموت واحد في عهد ريجن حصلت في لبنان عملية دك المبنى الأمريكي، ومات عدد كبير جداً من العسكريين الأمريكان في هذه الحادثة في بيروت، وعلى أثرها فرت أمريكا من لبنان كالجرذان الهاربة، وعاتبوا ريجن وقالوا له: كيف أن أمريكا أقوى دولة في العالم وعندها تكنولوجيا وكذا وكذا، ومع هذا يحصل هذا التفجير؟! فرد عليهم رداً منطقياً فقال: إن أقوى إجراءات الأمن في العالم لا تقف في وجه رجل يريد أن يموت! فالشاهد أن هذا هو الذي أقض أعداء الإسلام في كل وقت، وهذا من خصائص هذه الأمة، وما هو السر؟! الكفار لا يفقهون؛ لأنهم لو فقهوا لعلموا السر، السر هو أنه لا يقدم على هذا إلا وهو موقن بأنه سوف ينتقل إلى ما هو أفضل؛ لقول النبي ﵊: (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه)، والذنوب دائماً تصيب الإنسان بالجبن والهلع والخوف، فيخشى من الموت فيلقى الله بذنوبه، لكن الله يزيل من أمامه هذه العقبة، فيقول له: ضمنت لك إذا استشهدت في سبيلي أن أمحو عنك ذنوبك في أول دفعة من دمك، فتمسح منه كل الخطايا التي ارتكبها تماماً، فمن منا لا يحرص أن تمحى خطاياه بهذه السرعة؟! قال ﵊: (يغفر له في أول دفعة من دمه، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويحلى حلية الإيمان، ويزوج سبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه)، فهذا هو سر هذه القوة عند المسلمين، مع أنهم قد يدخلون في كثير من المعارك وهم في حالة شديدة من الضعف مادياً، لكن هذه النقطة بالذات هي التي أقضت الروم وأقضت الفرس وأقضت كل من يتصدى للمسلمين.
في حرب فلسطين سنة ١٩٤٨م كان اليهود أخوف ما يخافون من المجاهدين من الإخوان المسلمين، فكانوا يخافون منهم جداً، ويهربون من أي مكان يجدونهم فيه، قال أحد الضباط اليهود في ذلك الوقت: نحن أتينا إلى فلسطين لنعيش، وهم جاءوا إلى هنا من أجل أن يموتوا! فهم معترفون أنهم من أشتات الأرض، منهم اللصوص المجرمون، فالحل أن يرجع كل واحد إلى وطنه، يرجع الفلسطينيون إلى بلادهم، ويرجع اليهود من حيث جاءوا من أشتات الأرض التي كانوا فيها.
وإلى الآن يفزع اليهود من المجاهدين الفلسطينيين مع أنه لا وجه للمقارنة بين قوة هؤلاء المساكين أطفال الحجارة، وبين جيش عرمرم، ومع ذلك يضجون ويخافون ويفزعون! ولا أريد الآن الدخول في تفاصيل موضوع ما يسمى بالعمليات الانتحارية، فهو يحتاج إلى شيء من التفصيل من ناحية فقهية، لكن هي تدل على أن الشجاعة تأتي بعد اليقين، فلابد أولاً من اليقين، فالمجاهد يعلم أنه إذا قتل في سبيل الله فهو حي عند الله كما قال سبحانه: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]، فهو يصدق خبر الصادق المصدوق ﵊، ووعد الله لا يمكن أن يخلف، فإن الله لا يخلف الميعاد، قال الله حاكياً عن المؤمنين قولهم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢]، والرسول ﷺ قال: (الشهيد لا يجد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة) فألم السيف أو الرصاص أو العذاب لا يشعر به.
وقال النبي ﵇: (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة)، فلذلك الشهيد يجار من عذاب القبر، ولا يفتن في قبره، ويحلى حلية الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه، فماذا يريد الإنسان أكثر من هذا، وهو سيموت ولا بد بأي سبب؟ تعددت الأسباب والموت واحد ولن يموت إلا بأجله، قال خالد رضي الله تعالى عنه وهو على فراش الموت: ما في جسدي موضع شبر إلا وفيه طعنة برمح أو ضربة بسيف، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء! ومن الحكم: احرص على الموت توهب لك الحياة.
إذاً: فضيلة الشجاعة لا تأتي إلا مترتبة على فضيلة اليقين، فلابد من اليقين أولاً، ثم اليقين هو الذي يجعل الإنسان شجاعاً، أما إذا لم يوجد عند الإنسان يقين، فهو يريد الدنيا ولا يريد الآخرة، وهذا يجعله يرفع شعار: الجبن سيد الأخلاق كما يقولون.
стр. 3159
الصبر على الشدائد
الصبر على الشدائد من أعظم أنواع الشجاعة، وأخره الله عن الإيمان في قوله: ((ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ))؛ لامتناع حصول فضيلة الشجاعة بدون اليقين، فأولاً يؤمن فإذا آمن يكون واثقاً من ثواب الصبر، وعنده يقين بالعاقبة الحسنة لهذه الشجاعة والإقدام.
وقوله تعالى: ((وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ)) أي: بالتراحم والتعاطف، وهذا من أفضل أنواع العبادة.
قال بعض المفسرين: هنا عدد الله أجناس الفضائل الأربع التي يحصل بها كمال النفس، بدأ بالعفة التي هي أولى الفضائل، وعبر عنها بمعظم أنواعها وأخف خصالها الذي هو السخاء، ثم أورد الإيمان الذي هو الأصل والأساس، وجاء بلفظة (ثم) لبعد مرتبته عن الأولى في الارتفاع والعلو.
ثم رتب عليه الصبر لامتناعه بدون اليقين، فالصبر واليقين توءمان، والصبر أعلى درجات الشجاعة، والقرآن يربط رباطاً وثيقاً بين الصبر والإيمان، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]، يقول العلماء: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، لا يمكن أن يصل الإنسان إلى مرتبة الإمامة إلا ومعه الصبر واليقين، وكذلك هنا ربط بينهما فقال: ((ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)) فالإيمان هو اليقين، ثم ذكر الصبر، ولا يمكن أن يحصل صبر إلا باليقين، ولذلك تجد المؤمن أقل الناس جزعاً عند المصائب، فالمؤمن لا يجزع عند المصائب، حتى يعجب الناس من حاله إذا نزلت به مصيبة؛ لأنه يوقن أن ما عند الله خير وأبقى.
أحد الإخوة الشباب كان راكباً في طائرة فاختطفت، فكان يجلس بجواره بالطائرة رجل أمريكي، وكانت تحصل مفاوضات بين الخاطفين للطائرة وغيرهم، وكان الركاب في فزع وهلع وجزع؛ لأنهم يخافون من الموت، أما هذا الأخ فكان عنده سكينة ويقين وبرد وسلام، يذكر الله وكأن شيئاً لا يحصل، راضياً بما يقدره الله من موت أو حياة، فهو يستغفر الله ويذكر الله في غاية من الاطمئنان والهدوء والسكينة، فكان هذا يستفز الرجل الأمريكي الذي بجانبه، فقد كان في غاية من القلق والفزع والهلع من هذا الذي يحدث، فما صبر الأمريكي وكان كبيراً في السن، فقال له: ما هذا؟! نحن في هذه الحالة من الفزع وأنت جالس تتمتم بالأذكار مطمئناً! فقال له: لأنني مسلم، فقال له: ماذا تعني؟ فشرح له أن كل شيء سيكون بقضاء الله وقدره، والمسلم كل أمره له خير، ومهما حدث له فسيكون خيراً له إلى آخره، فالرجل من شدة إعجابه قال: لو نجوت من هذه الحادثة فسوف أدخل في الإسلام الذي يجعل أتباعه يصمدون أمام الشدائد بهذه الطريقة، فنجوا ولكن للأسف الشديد لم يسلم هذا الرجل! والله أعلم بحاله، وحسابه على الله.
الشاهد أن المؤمن بما عنده من اليقين لا يجزع عند الشدة ولا يخاف، بسبب ما عنده من اليقين، فاليقين هو أصل الشجاعة.
واستغنى بذكر المرحمة التي هي: صفة الرحمن عن سائر أنواعها كما استغنى بذكر الصبر عن سائر أنواع الشجاعة.
стр. 3160
تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [البلد:١٩] أي: كفروا بأدلتنا من الكتب والرسل وغير ذلك من آيات الأنفس والآفاق التي يرتقى بها إلى معرفة الصراط الذي تجب الاستقامة عليه في الاعتقاد والعمل، ((هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ)) أي: الشؤم على أنفسهم، أو الذهاب بهم إلى الشمال التي هي النار، قال الله: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة:٤١]، واليمين في لسان الإسلام هو: عنوان السعداء، والشمال هو: عنوان الأشقياء والعياذ بالله.
﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد:٢٠] أي: مطبقة أبوابها، كناية عن لبثهم المخلد فيها، وسد سبل الخلاص منها، أجارنا الله بفضله وكرمه منها!
стр. 3161
تفسير سورة الشمس
стр. 3162
بين يدي سورة الشمس
سورة الشمس هي السورة الواحدة والتسعون وكلها مكية بإجماعهم، وآياتها خمس عشرة آية، وجاء في حديث جابر في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لـ معاذ: (هلا صليت بـ (سبح اسم ربك الأعلى)، (والشمس وضحاها)، (والليل إذا يغشى)).
стр. 3163
تفسير قوله تعالى: (والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها)
قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ [الشمس:١ - ٢].
قوله: (وضحاها): وضوئها إذا أشرقت، قال الراغب: الضحى: انبساط الشمس وامتداد النهار، وبه سمي وقت الضحى.
قال الألوسي: وحقيقته تباعد الشمس عن الأفق المرئي وبروزها للناظرين، ثم صار حقيقة في وقته، يعني: هذا الوقت الذي تصعد الشمس فيه عن الأفق وتبرز للناظرين هو وقت الضحى.
ويقسم الله بالشمس نفسها إذا ظهرت أو غابت لأنها خلق عظيم، قال الله هنا: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) فالله يقسم بالشمس في حد ذاتها سواءً كانت ظاهرة أو كانت بعد الغروب؛ لأنها في حد ذاتها آية من آيات الله ﵎.
وهذه الشمس هي أكبر من الأرض بمليون مرة! ثم أقسم الله بضوئها فقال: (وَضُحَاهَا) أي: وضوئها؛ لأنه سبب الحياة ومصدر الهداية في الأرض، وهل سترى أحداً لولا ضياء الشمس؟! وهذه الشمس قد سماها الله آية النهار فقال: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء:١٢]، وهي آية من آياته وعجيبة من عجائب خلقه .
والشمس لها ارتباط وثيق جداً بالحياة على وجه الأرض، فأي تعديل في وضعها عن الوضع الحالي تتأثر منه الحياة تماماً، فلو اقتربت قليلاً أو بعدت أكثر، فهذا يفني الحياة على وجه الأرض تماماً، فالمسافة بيننا وبين الشمس (٩٣) مليون ميل! وهي سبب أساسي جداً من أسباب الحياة، ولا حياة في الأرض بدون الشمس؛ لأن الله ضبطها على وضع معين، وارتباط الشمس بالأرض له تأثير كفيل جداً ببقاء الحياة على وجه الأرض.
قوله: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ أي: والقمر إذا تبعها، ويكون ذلك في الليالي البيض، أي: الليلة الثالثة عشرة من الشهر إلى الخامسة عشرة، وهو قسم بالقمر عند امتلائه أو قربه من الامتلاء؛ ليضيء الليل كله من غروب الشمس إلى الفجر، وهو قسم بالضياء في طور آخر من أطواره، وهو أثناء الليل كله! والقمر تابع للشمس من حيث الإضاءة لأن القمر مثل المرآة يعكس ضوء الشمس، فالأساس هو الشمس، فقوله: (وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا) يعني: إذا تبع الشمس، قال المفسرون: وذلك في الليالي البيض؛ لأن فيها إضاءة طوال الليل.
стр. 3164
تفسير قوله تعالى: (والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها)
قال تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس:٣ - ٤].
قوله: (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا) أي: والنهار إذا أظهر الشمس، وذلك عند ظهور النهار وانبساطه؛ لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء! وفي هذه الأقسام كلها إشارة إلى تعظيم أمر الضياء، وإعظام قدر النعمة فيه، ولفت أذهاننا إلى أنه من آيات الله الكبرى، ونعمه العظمى، فالضياء ليس فقط من أجل نعمة البصر والرؤية وإنما هو سبب عظيم جداً من أسباب الحياة، فمثلاً: النباتات الخضراء لا يمكن أبداً أن تحيا بدون الشمس.
وقوله تعالى: (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا) قسم بالنهار في حالة معينة (إِذَا جَلَّاهَا)، فهذا بيان للحالة التي ينطق فيها النهار بتلك الفتنة الباهرة والآية الظاهرة، وهي حالة الصحو.
وقوله: (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا) مفهومه أنه لا يدخل في قسم النهار إذا كان هناك غيم، وإنما القسم بيوم الصحو حيث لا سحاب يحول بين الناس وبين الشمس، فالحالة التي ينطق فيها النهار بتلك الفتنة الباهرة والآية الظاهرة هي حالة الصحو، وأما يوم الغيم الذي لا تظهر فيه الشمس فحاله أشبه بحال الليل.
قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ أي: يغشى الشمس، ويعرض دون ضوئها، فيحجبه عن الأقطار، وذلك من خلال الظلمة الحالكة المشار إليها في قوله تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْر﴾ [الفجر:٢]، وهي ليالي عشر ذي الحجة أو العشر الأواخر من رمضان، وفيها تكون الظلمة حالكة حيث لا قمر طوال الليل.
يقول بعض المفسرين: إن الله قال في النهار: (جَلَّاهَا) بالماضي، لكن في الليل قال: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا) بالمضارع، والحكمة من ذلك أنه لقلة أوقات الظلمة عبر في ذلك بالمضارع المفيد للحاق الشيء وعروضه المتأخر عما هو أصل في نفسه، أما النهار فإنه يجلي الشمس دائماً من أوله إلى آخره، وذلك وصف له في ذاته، ولا ينفك عنه إلا لعارض، فالغيم أو الكسوف قليل العروض، ولهذا عبر في النهار بالماضي المفيد لوقوع المعنى من فاعله بدون إشارة أنه مما ينفك عنه.
стр. 3165
تفسير قوله تعالى: (والسماء وما بناها والأرض وما طحاها)
قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ [الشمس:٥ - ٦].
قوله: (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا) يعني: والسماء ومن رفعها وهو الله ، فيعبر بـ (ما) عن الله ، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:١ - ٥]، فكذلك هنا.
فقوله: (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا) يعني: ومن بناها، أي: ومن رفعها وصيرها بما فيها من الكواكب كالسقف أو القبة المحكمة المزينة المحيطة بالأرض، وبناء السماء بناء في غاية الإتقان والإحكام، وهو دليل على قدرة الله ﵎، فـ (ما) هنا موصولة بمعنى (من).
فالمقصود بقوله: (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا) يعني: والقادر الذي أبدع خلقها، فعبر بما لأنها تدل على وصف الله بأنه القادر على إبداع خلقها.
وقيل: إن (ما) هنا مصدرية، فيكون المعنى: والسماء وبنائها، يعني: الذي رفعها، فالسماء مرفوعة أصلاً، وفي اللغة كل ما علاك فهو سماء.
والحكمة من أن الله قال: (وَمَا بَنَاهَا) مع أنه لو قال: (والسماء) فقط لدل على ارتفاعها، أن في ذلك دلالة على إيجادها وموجدها صراحة، فالدلالة على إيجادها بمعنى أنها مخلوقة حادثة، والدلالة على موجدها صراحة، بمعنى: أن الله هو الذي بناها وهو الذي خلقها.
قوله: ﴿وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ أي: بسطها من كل جانب لافتراشها وازدراعها والضرب في أثنائها، وليس في ذلك دليل على أن الأرض غير كروية كما يزعم بعض الجاهلين بتحريفهم الكلم عن معناه المراد منه، فبعض الناس يظن أن معنى: (وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا) أنها غير كروية، لا، لكن الأرض لضخامة حجمها وسعتها، فهذا البسط فيها لا يلمح من قرب إنما يلمح بنوع من التأمل، وكروية الأرض حقيقة حسية لا تستنكر على الإطلاق، وليس فيها أي شيء غريب، ولا يوجد الآن أحد ممكن يقول: إن الأرض ليست كروية، لأن هذا شيء صعب جداً، وأدلة كروية الأرض كثيرة جداً، وأكبر دليل حسي على ذلك أن الناس الذين يخرجون للفضاء يصورونها كروية، وفي بعض رحلات الطيران تكون الطائرات محلقة في ارتفاع عال جداً، فيتضح تكور الأرض بصورة لا شك فيها.
ومن الأدلة كذلك أن راكب البحر يرى مركباً في الأفق، فلا يرى إلا مقدمه ثم إذا تقدم رآه كله.
فلا ينبغي الاستدلال بأن الله جعلها منبسطة، وجعلها مهاداً على أنها غير كروية، لكن لاتساعها لا يظهر هذا التكور إلا بما ذكرنا.
стр. 3166
تفسير قوله تعالى: (ونفس وما سواها وقد خاب من دساها)
قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٧ - ١٠] قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ أي: خلقها فعدل خلقها ومزاجها، وأعدها لقبول الكمال، فالنفس مخلوقة.
قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ قال القاسمي: أي: أفهمها إياهما، وأشعرها بهما بالإلقاء الملكي، والتمكين من معرفتهما، وحسن التقوى وقبح الفجور معلومان بالعقل الهيولاني.
وأصل كلمة (الهيولى) هي: مادة الشيء الذي يصنع منه، وهذا التعبير عند الفلاسفة، فمثلاً الهيولى بالنسبة للكرسي هو الخشب، والهيولى بالنسبة للمسمار هو الحديد، والهيولى بالنسبة للملابس القطنية هو القطن.
أما عند القدماء فالهيولى هو: مادة ليس لها شكل ولا صورة معينة، قابلة للتجديد والتطوير بشتى الطرق، والفلاسفة يقولون هي: المادة التي صنع الله منها أجزاء العالم المادية، والمراد بالعقل الهيولاني الذي ما زال في الحالة المبدئية، نقول: هذا رسم هيولاني، يعني رسم أولي لم يجاوز الخطوط الأساسية، ونحن نسميه رسم (كروكي)، فالرسم (الكروكي) هو الذي يُقال فيه: الرسم الهيولاني، بمعنى: ما زال في حالة مبدئية.
قول القاسمي: ((فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)) أي: أفهمها إياهما، يعني: أنه بين للإنسان طريق الخير وطريق الشر، طريق الفجور وطريق التقوى.
قوله: وأشعرها بهما بالإلقاء الملكي، يعني: أن الملك يلقي في قلب الإنسان الخير كما هو معروف في الحديث الذي ضربه الرسول ﷺ للصراط، وقال فيه: (والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم) فهذا هو الإلقاء الملكي، فالملك يحدث الإنسان بأن هذا خير فافعله، وهذا شر فاجتنبه.
قوله: والتمكين في معرفتهما، يعني: أن الله آتى الإنسان قدرات وعقلاً حتى يستطيع أن يميز بين الخير والشر ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠].
قوله: وحسن التقوى وقبح الفجور معلومان بالعقل الهيولاني، يعني: بالعقل المبدئي أو المادة الخام للعقل إن جاز التعبير.
وفي صحيح مسلم أن من دعاء النبي ﷺ : (اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها).
وجوز أن تكون (ما) مصدرية في كل هذه الآيات: يعني: والسماء وبناءها، والأرض وطحيها، ونفس وتسويتها، ونفس وإلهامها.
وأما تنكير (نفس) فللتكثير أو التعظيم، والإنسان طبعاً روح وبدن، ومعظم الناس إذا تفكر في خلق الله للإنسان فينظر فقط للبدن، أي للناحية العضوية أو الفسيولوجية لكن قلَّ من ينتبه ويفكر في النفس، فالإنسان مكّون من نفس كما أنه مكون من بدن، فهناك روح وهناك بدن.
قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ أي: زكى نفسه وطهرها من رجس النقائص والآثام، لأن التزكية تطلق على التطهير أو (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) يعني: نماها بالعلم والعمل والوصول إلى الكمال وبلوغ الفطرة الأولى.
قوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ قال ابن جرير: أي: أخملها ووضع منها بخذلانه إياها عن الهدى حتى ركب المعاصي وترك طاعة الله تعالى.
وقال غيره: أي: نقص تزكيتها وأخفى استعدادها وفطرتها التي خُلقت عليها.
فالإنسان أصلاً عنده استعداد للحق وللفضائل، لكنه يرسي هذه الفطرة السليمة ويخفيها ويدفنها عن طريق المعاصي والجهل والفسوق، وهو مأخوذ من دس الشيء في التراب، قال تعالى: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل:٥٩]، فدس الشيء في التراب يعني: أدخله فيه وأخفاه، وأصل دس: دسسه.
وجملة (قَدْ أَفْلَحَ) جواب القسم، وحذفت اللام للطول.
وهنا نتأمل الأقسام المذكورة في هذه السورة: ١ - (وَالشَّمْسِ) ٢ - (وَضُحَاهَا) ٣ - وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا ٤ - وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ٥ - وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ٦ - (وَالسَّمَاءِ) ٧ - (وَمَا بَنَاهَا) ٨ - (وَالأَرْضِ) ٩ - (وَمَا طَحَاهَا) ١٠ - (وَنَفْسٍ) ١١ - (مَا سَوَّاهَا) وجواب هذه كلها: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) (وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا).
قال البيضاوي: وكأنه لما أراد به الحث على تكميل النفس والمبالغة فيه أقسم عليه بما يدلهم على العلم بوجود الصانع ووجوب ذاته وكمال صفاته، الذي هو أقصى درجات القوة النظرية، ويذكرهم عظائم آلائه ليحملهم على الاستغراق في شكر نعمائه، الذي هو منتهى كمالات القوة العملية.
وذهب الزمخشري إلى أن هذه الجملة كلام تابع لقوله: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) على سبيل الاستطراد.
وجواب القسم محذوف تقديره: ليدمدمن الله على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله ﷺ كما دمدم على ثمود لأنهم كذبوا صالحاً ﵇.
стр. 3167
تفسير قوله تعالى: (كذبت ثمود بطغواها ولا يخاف عقباها)
قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس:١١ - ١٥].
قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ الباء هنا سببية، أي: بسبب طغيانها ومجاوزتها الحد في الفجور، والطغوى مصدر، ويجوز أن يراد به العذاب نفسه، يعني: كذبت بالعذاب على حذف المضاف، أي: كذبت بما وعدت به من عذابها بالطغوى كقوله: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة:٥] فالطغوى التجاوز عن الحد والزيادة من العذاب.
قوله: ﴿إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ إذ هنا ربط بين (كذبت ثمود بطغواها) وبين مقام أشقى ثمود، وهو عاقر ناقة صالح ﵇، وكانوا نهوا عن قربها بسوء، وأنذروا عاقبة المخالفة، قال الله: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء:١٥٥].
وأشقاها هو قدار بن سالف، قال النبي ﵊: (انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في قومه مثل أبي زمعة) رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي وغيرهم.
قوله: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ يعني: صالح ﵇.
وقوله: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ أي: احذروا واتقوا ناقة الله التي جعلها آية بينةً، واحذروا أيضاً سقياها يعني: شربها الذي اختصها الله به في يومها.
وكان ﵇ تقدم إليهم عن أمر الله أن للناقة شرب يوم ولهم شرب يوم آخر غير يوم الناقة، كما بينته آية الشعراء: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء:١٥٥ - ١٥٦] أي: لا تؤذوا الناقة ولا تتعدوا عليها في شربها ويوم شربها.
قوله: ((فَكَذَّبُوهُ)) أي: فيما حذرهم منه من حلول العذاب إن فعلوا، ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ يعني: قتلوها، وأصل العقر ضرب قوائم البعير أو الفرس بالسيف وهو قائم، ثم استعمل في القتل والهلاك؛ وذلك أنهم أجمعوا على منعها من الشرب، ورضوا بقتلها، وبسبب رضا جميعهم عن قتل قاتلها، وعقر من عقرها؛ نسب التكذيب والعقر إلى جميعهم، فالفاعل في قوله: (فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا) ضمير جمع مع أن الفاعل واحد، لكنه عقرها بتواطؤ ورضا الجميع.
قوله: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾ أي: أهلكهم وأبعدهم بسبب كفرهم به وتكذيبهم رسوله، وعقرهم ناقته؛ استهانة به واستخفافاً بما بُعث به، وقيل: دمدم يعني: أطبق عليهم العذاب، وقيل: الدمدمة حكاية صوت الهرة.
قوله: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ أي: فسوى الدمدمة عليهم جميعاً فلم يفلت منهم أحد، بمعنى: جعل الله الدمدمة سواء عليهم، فتساووا في أن أصابتهم هذه الدمدمة ولم يفلت منهم أحد، أو (فَسَوَّاهَا) الضمير لثمود يعني: جعلها عليهم سواء، وقال المؤرِّج: الدمدمة إهلاك باستئصال.
قوله: ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ أي: لا يخاف تبعة إهلاكهم.
والفاعل هنا فيه أقوال: القول الأول: يخاف الله العقبى، أي تبعة هذا الإهلاك، هل هناك غالب يغالب الله؟! الكفار هم أحقر الخلق عند الله، ولا وزن لهم عنده، فأهلكهم.
فقوله: ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ يعني: لا يخشى تبعة إهلاكهم؛ لأنه العزيز الذي لا يغالب، قال الله: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء:٢٣]، وقال: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد:٤١] وقيل: لا يخاف الله عاقبتها كما يخاف الملوك عاقبة ما يفعلون، وهذا لأهانتهم وبيان أنهم أذلاء عند الله ﵎، فالضمير في (يخاف) لله وهو الأظهر، ويجوز عوده لصالح ﵇، يعني: أنه لا يخاف عاقبة إنذاره لهم.
وقيل: الضمير للأشقى الذي عقر الناقة، أي: أنه لا يخاف عاقبة فعله الشنيع.
إذاً: الأشقى لا يخاف عقباها؛ فهو أقدم على هذا الفعل وهو لا يخشى عاقبته؛ لأنه كان يكذب الوعيد الذي تهددهم به صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فهو لا يخاف عاقبة ما صنع، والواو هنا للحال أو للاستئناف، أي أنه: لا يخاف عقباها حال عقره للناقة.
قال الإمام ابن القيم في مفتاح دار السعادة: والمقصود أن الآية أوجبت لهم البصيرة فآثروا الضلال والكفر عن علم ويقين، ولهذا -والله أعلم- ذكر قصتهم من بين قصص سائر الأمم.
قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء:٥٩]، وقال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ [فصلت:١٧].
يقول ابن القيم: ولهذا -والله أعلم- ذكر الله قصتهم من بين قصص سائر الأمم في سورة (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا)؛ لأنه ذكر فيها انقسام النفوس إلى النفوس الزكية الراشدة المهتدية، وإلى الفاجرة الضالة الغاوية.
وذكر فيها الأصلين القدر والشرع، فقال: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) فهذا قدره وقضاؤه، ثم قال: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) (وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) وهذا أمره ودينه.
فثمود هداهم الله كما في سورة فصلت: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧]؛ فذكر الله قصتهم ليبين سوء عاقبة من آثر الفجور على التقوى والتدسية على التزكية.
لكن لماذا خصت سورة الشمس بذكر قصة ثمود دون غيرهم من الأمم المهلكة؟
الجواب
لأن الله ذكر في هذه السورة انقسام النفوس إلى الزكية الراشدة، وإلى الغوية الضالة: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) وذكر فيها الخبر والشرع، الخبر في قوله: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) والشرع في قوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) فهذا أمره ودينه، فثمود هداهم الله، كما قال الله: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ) يعني: بينا لهم كل شيء (فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) فذكر قصتها ليبين سوء عاقبة من آثر الفجور على التقوى، والتدسية على التزكية، والله تعالى أعلم.
стр. 3168
تفسير سورة الليل
стр. 3169
تفسير قوله تعالى: (والليل إذا يغشى وما خلق الذكر والأنثى)
سورة الليل سورة مكية، وآياتها إحدى وعشرون آية، وقد تقدم قول النبي ﷺ لـ معاذ (هلا صليت بـ (سبح اسم ربك الأعلى)، (والشمس وضحاها)، (والليل إذا يغشى)).
بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [الليل:١ - ٣].
قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ أي: يغشى الشمس أو يغشى النهار بظلمته، فيذهب بذاك الضياء.
قوله: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ أي: إذا ظهر بزوال ظلمة الليل أو تبين بطلوع الشمس.
والتعبير في الغشيان بالمضارع (يغشى) وفي النهار بالماضي (تجلى) لقلة أوقات الظلمة، أما النور فهو أسمى مظاهر الوجود حتى عبر به عن الوجود نفسه.
قوله: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ أي: ومن خلق الذكر والأنثى، فـ (ما) موصولة، (وما خلق) أي: والذي خلق الذكر والأنثى من كل نوع له توالد.
وإنما أقسم الله بذاته بهذا اللفظ (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى) ولم يقل: والله؛ لما فيه من الإشعار بصفة العلم المحيط بدقائق المادة، والإشارة إلى الإبداع في الخلق عند التفريق بين الذكر والأنثى، وأن خلقهما لا يحصل بمحض الاتفاق من طبيعة لا شعور لها فيما تفعل كما يزعم بعض الجاهلين، فإن الأجزاء الأصلية في المادة متساوية، فتكوين الجنين من عناصر واحدة وجعله تارة ذكر وتارة أنثى دليل على أن واضع هذا النظام عالم بما يفعل، محكم لما يصنع.
стр. 3170
تفسير قوله تعالى: (إن سعيكم لشتى)
قال تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:٤] هذا هو جواب القسم، أي: إن سعيكم مختلف في جزائه، ومفترق في عاقبته، منه ما يسعد به الساعي ومنه ما يشقى به، فشتان ما بينهما كما فصله فيما بعد.
قوله: (شَتَّى) جمع شتيت بمعنى مفترق، و (سعيكم) مصدر مضاف يفيد العموم، فأي مصدر إذا كان مضافاً فإنه يفيد العموم؛ فهو من حيث المعنى جمع، ومن حيث اللفظ مفرد، لذلك أخبر عنه بالجمع في قوله: (شتى) فهو جمع شتيت وهناك وجه آخر وهو أنه: مفرد، وتكون شتى مصدراً مؤنثاً لذكرى وبشرى، وتكون خبراً لسعيكم بتقدير مضاف، أي: ذو شتى، أو بتأويله بالوصف، أي: شتيت، أو بجعلها عين الافتراق مبالغة، ويأتي في القرآن نفس المعنى في قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر:٢٠] وأيضاً قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨]، وقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥] وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١].
стр. 3171
تفسير قوله تعالى: (فأما من أعطى واتقى فسنيسره لليسرى)
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل:٥].
قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ هذا تفصيل أنواع السعي المذكور في قوله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى، فالله يفصل تلك المساعي الشتى ويبين مآلها.
وقوله: (أعطى) فيها قولان: القول الأول: أنفق المال في كل أمور الخير، من صدقات وعتق وتقوية المسلمين على عدوهم كما كان يفعل أبو بكر رضي الله تعالى عنه، سواء كان الإعطاء في فرض أو في نفل، وإطلاق هذا كالإطلاق في قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٣] فإن المراد منه كل ما كان إنفاقاً في سبيل الله سواء كان واجباً أو نفلاً، وقد مدح الله قوماً فقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان:٨]، وقال في آخر هذه السورة ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل:١٧ - ١٨].
القول الثاني: أن قوله: (أعطى) يتناول إعطاء حقوق المال، وإعطاء حقوق النفس في طاعة الله تعالى، فاستفرغ وسعه في طاعة الله تعالى.
والقول الأول هو المناسب للإعطاء، فهو إنفاق المال في جميع أمور الخير؛ لأن المعروف في الإعطاء تعلقه بالمال خصوصاً، وقد وقع في مقابلة ذكر البخل والمال، وهذا يقوي القول الأول، فإنه قال: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى) ثم ذكر في المقابل البخل في المال فقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل:٨].
وقوله: ﴿وَاتَّقَى﴾ أي: اتقى ربه فاجتنب محارمه.
قوله: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ أي: بالمثوبة الحسنى، أي: صدق بموعود الله الحسن، وهو الجنة، قال الله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، وكما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ [الشورى:٢٣] فسمى مضاعفة الأجر حسناً.
قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ أي: فسنهيئه ونوفقه للطريقة اليسرى التي هي سلوك طريق الحق، فهذه الطريق تؤدي إلى اليسر وإلى الأمر السهل الذي يستريح به الناس.
стр. 3172
تفسير قوله تعالى: (وأما من بخل واستغنى فسنيسره للعسرى)
قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٨ - ١٠].
قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ أي: بخل بالنفقة في سبيل الله، ومنع ما وهبه الله له من فضله، ولم يصرف ماله في الوجوه التي أمر الله بصرفه فيها، واستغنى عن ربه فلم يرغب إليه بالعمل بطاعته، فاستغنى عن ربه، ولا أحد يستغني عن الله، لكن المعنى: لم يرغب إلى الله بالعمل بطاعته أو استغنى بماله عن كسب الفضيلة.
﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ أي: بوجود المثوبة الحسنى لمن آمن بالحق واغتر بالحياة الدنيا ولم يستعد لعالم الآخرة.
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ أي: للطريقة العسرى المؤدية إلى الشقاء الأبدي، وهي الطريقة التي يحط الإنسان فيها من نفسه، ويقصر في حقها، وينزل بها إلى حضيض البهيمية، فيغمسها في أوحال الخطيئة، واختيار طريق الفسق والفجور هو أعسر الطريقين على الإنسان.
стр. 3173
تفسير قوله تعالى: (وما يغني عنه ماله إذا تردى وإن لنا للآخرة والأولى)
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى * إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى﴾ [الليل:١١ - ١٣].
قوله: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ أي: وما يفيده ماله الذي تعب في تحصيله، وأفنى عمره في جمعه، وبطر الحق لأجله، تم مات مثل من تردى من الجبل، وتردى في الهوة؟! وفي التعبير بتردى إشارة إلى أنه بما قدمه من أعماله الخبيثة هو المهلك لنفسه والموقع لها في الهاوية.
وقوله: (ما) نافية، أي: لا يغني عنه ماله أو تكون استفهامية والجواب لا شيء.
قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ أي: علينا بموجب قضائنا المبني على الحكم البالغة أن نبين لخلقنا طريق الهدى، فالله تكفل بأن يبين للناس طريق الهدى، وقد فعل سبحانه ذلك بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وتمكين العقل من الاستدلال.
قوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى﴾ يعني: ملكاً وخلقاً، فلا يضرنا توليكم عن الهدى؛ لأن الله بين لنا الهدى وهو غني عنا، قال سبحانه: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر:٧] فالله غني عنكم، وليس بحاجة إلى طاعتكم ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر:١٥].
فالله تعالى له التصرف المطلق في الدارين، والخلق في قبضة تصرفه، لا يحول بينهم وبينه أحد، ولا ينفعه أحد، ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.
وفي قوله: (وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى) إشارة إلى كمال عظمته، وتكامل قهره وجبروته، وأن من كان كذلك فجدير أن يبادر بطاعته، ويحذر من معصيته.
стр. 3174
تفسير قوله تعالى: (فأنذرتكم ناراً تلظى الذي كذب وتولى)
قال الله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لا يَصْلاهَا إِلَّا الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل:١٤ - ١٦].
قوله: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ يعني: الله الذي يملك الآخرة والأولى، وهو غني عن عباده لا تنفعه طاعتهم ولا تضره معصيتهم، فمن كان هذا فعله فينبغي للمخلوق أن يبادر نفسه إلى طاعته، وأن يحذر من معصيته؛ ولذلك رتبت هذه الآية: (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى) على قوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى﴾.
ومعنى (تَلَظَّى) أي: تتلظى وتتوهج، وهي نار الآخرة.
قوله: ﴿لا يَصْلاهَا إِلَّا الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ أي: كذب بالحق لما جاءه، ((وَتَوَلَّى)) أي: تولى عناداً عن آيات ربه وبراهينها التي وضح أمرها وظهر نورها.
وهذه الآية مما تعلق به بعض المغرورين فزعموا أن قوله تعالى: (لا يَصْلاهَا إِلَّا الأَشْقَى) دليل على أنه لا يدخل النار إلا كافر، وليس الأمر كما ظنوا؛ لأن هذه النار موصوفة بقوله: (نَارًا تَلَظَّى) ولأن النار طبقات، فدرجات الجنة تذهب علواً، ودركات النار تذهب سفلاً، ولأهل النار منازل، وسياق الآيات في الأشقى الذي أتى بأفظع أنواع الكفر والإجرام، فلا ينافي هذا أن هناك من عصاة الموحدين من يدخل النار كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة، فلو كان كل من لا يشرك لا يعذب لم يقل الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، ويكون -على هذا- قوله ﵎: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ) كلاماً لا معنى له إذا كان العاصي الموحد لا يعذب.
وأيضاً في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء:١٧ - ١٨]، فهؤلاء لا يتوب الله عليهم مع أن الفريق الأول ليسوا كفاراً، فالعصاة الموحدون إذا تابوا عند حضور الموت لا يتوب الله عليهم، فالتوبة عند الغرغرة لا تقبل.
إذاً: الذي يموت على شيء من المعاصي أو الكبائر وهو لم يتب منها فإنه تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فلا يصح أن يتعلق بهذه الآية على أنه لا يدخل النار إلا الأشقى؛ لأن أهل النار منازل.
стр. 3175
تفسير قوله تعالى: (وسيجنبها الأتقى ولسوف يرضى)
﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٧ - ٢١].
قوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ أي: ينفق ماله في سبيل الخير، (يَتَزَكَّى) أي: يطهر نفسه من البخل.
﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ أي: من يد يكافئه عليها، فليست صدقاته من باب المكافأة والمعاوضة، فهو لا ينفق لمقابلة إحسان سابق، وإنما ينفق ابتغاء وجه الله ﵎، وطلب مرضاته، لا لغرض مكافأة أو محمدة أو سمعة.
وفي قوله: (وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى) حصر للأتقى، مع أن الأتقى يعمل أعمالاً صالحة أخرى، لكن انظر إلى الترغيب في هذا العمل الذي استوجب له ذلك: (الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى) أي: ينفق ليزكي نفسه، ويؤتي ماله لوجه الله لا للمكافأة.
وقوله: (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى) (نعمة) نكرة في سياق النفي، فظاهرها العموم، وإذا دخلت (من) على النكرة فهي قطعية في العموم.
قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ قال ابن جرير: أي: ولسوف يرضى هذا المؤتي ماله في حقوق الله يتزكى، بما يثيبه الله في الآخرة عوضاً مما أتى في الدنيا في سبيله إذا لقي ربه ﵎.
فقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ فيه وعد كريم بنيل جميع ما يبتغيه على أكمل الوجوه وأجملها، إذ به يتحقق الرضا، وهذا باعتبار أن فاعل (يرضى) ضمير مستتر يعود إلى الأتقى.
وذهب بعضهم إلى أن قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ أي: ولسوف يرضى الله عن ذلك الأتقى الطالب لرضاه.
والتعبير بسوف لإفادة أن الرضا يحتاج إلى بذل كثير، ولا يكفي القليل من المال؛ لأن العبد إذا أراد أن يرضي ربه فلا بد أن ينفق في سبيل الله حتى يرضى الله عنه.
стр. 3176
سبب نزول قوله تعالى: (وسيجنبها الأتقى ولسوف يرضى)
قال ابن كثير: ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، حتى إن بعضهم حكى الإجماع على ذلك، ولا شك أنه داخل فيها، وأولى الأمة بعمومها.
وقال بعض العلماء: هو أبو بكر في قول جميع المفسرين.
لكن لفظ الآية لفظ العموم، لكن أولى الناس بالدخول في هذا العموم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.
стр. 3177
ذكر بعض فضائل أبي بكر الصديق ﵁
قال ابن كثير: ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف، وسائر الأوصاف الحميدة رضي الله تعالى عنه، فإنه كان صديقاً سخياً كريماً جواداً بذالاً لأمواله في طاعة مولاه ونصرة رسول الله ﷺ ، فكم من دراهم ودنانير بذلها في ابتغاء وجه ربه الكريم! ولم يكن لأحد من الناس عنده منة يحتاج إلى أن يكافئه بها، ولقد كان فضله وإحسانه على السادات والبؤساء من سائر القبائل، ولهذا قال له عروة بن مسعود -وهو سيد ثقيف يوم صلح الحديبية-: أما والله لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك.
وذلك أن عروة بن مسعود سيد ثقيف قال للنبي ﵊: ما أرى حولك إلا أوباشاً خليق بأن يفروا ويدعوك، أي: في ساعة الجد يفر الصحابة عنك ويتركوك لوحدك، فغضب أبو بكر فقال له كلمة شديدة جداً، فقال: من هذا؟! قالوا: أبو بكر.
فقال: أما والله لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، ولكن هذه بتلك، يعني: أنت لك فضل علي فيما مضى.
فهذا اعتراف من عروة بن مسعود الثقفي بأن أبا بكر متفضل عليه.
فإذا كان هذا حاله مع سادات العرب ورؤساء القبائل، فكيف إحسانه على المسلمين؟! قال رسول الله ﷺ : (من أنفق زوجين في سبيل الله دعته أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة نودي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصيام نودي من باب الريان، فقال أبو بكر: هل من أحد يدعى من هذه الأبواب كلها؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم) رواه البخاري.
والأحاديث في مناقب أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه كثيرة جداً، فلـ أبي بكر حق في عنق كل واحد من هذه الأمة؛ لأن أبا بكر هو الرجل الثاني في الإسلام، وأبو بكر أفضل البشر بعد الأنبياء رضي الله تعالى عنه.
فلـ أبي بكر مكانة عظيمة جداً في الإسلام، ويكفي أن الله قال: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، فكان الله معهما، وليس هذا فحسب بل لقب بعد وفاة النبي ﵇ خليفة رسول الله، فالله مع الرسول ﷺ ومع الخليفة، وما نودي أحد بهذا اللقب إلا أبا بكر؛ لأن عمر لما صار خليفة رأى أن اللقب سيطول، فيقال: خليفة خليفة رسول الله، ثم يقال: خليفة خليفة خليفة رسول الله؛ فاستبدل ذلك اللقب بلقب أمير المؤمنين.
وفضائل أبي بكر رضي الله تعالى عنه يطول الحديث فيها جداً، وفيها مصنفات مستقلة.
стр. 3178
ضلال الرافضة الذين يسبون الصحابة
ينبغي أن نحذر من أن يختل ميزان الولاء والبراء في قلوبنا؛ لأن بعض الناس ينبهر بأفعال الشيعة، وأفعال إيران، ويتغاضون عن جريمتهم في سب الصحابة، لا سيما أبو بكر وعمر ﵄، فينبغي للمسلم ألا ينخدع وينبهر بهم لمجرد مواقف حصلت مما يسمى بحزب الله ضد اليهود، ولو كانت هناك دولة إسلامية سنية لظهر منها أضعاف أضعاف أضعاف هذه المواقف ضد اليهود، لكن أهل السنة والجماعة ليس لهم دولة على وجه الأرض، ولا توجد دولة تطبق الإسلام كما أنزله الله، فأهل السنة مقهورون في كل مكان، بل ومحاربون، أما الشيعة فصارت لهم دولة، فلذلك يسمع لهم هذا الصوت، ويحصل انبهار بأفعالهم، لكن نحن لا نحبهم أبداً وهم يبغضون أصحاب الرسول ﵇، وما يجتمع في قلب مؤمن أبداً حب الصحابة وحب من يسب عائشة ومن يكفرها ويلعنها وأباها كما في دعاء صنمي قريش الذي وقع عليه الخميني، وهما عندهم أبو بكر وعمر والعياذ بالله! وفيه: اللهم العن صنمي قريش وطاغوتيهما وزوجتيهما وابنتيهما والعياذ بالله! فهذا كلام كله حقد على الصحابة، فمهما فعلوا لا يشفع لهم إزاء هذه الجريمة العظمى التي فيها تكذيب قول الله ﵎: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] فهم يقولون: الصحابة شر الأمة، والمناقب يحولونها إلى مثالب، فيأتون إلى قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة:٤٠] وهي أعظم منقبة لـ أبي بكر، حيث اختاره النبي ﵇ إياه رفيقاً له في الهجرة، فكيف يتصرفون في هذه الآية وهم يسبون أبا بكر؟ يقولون: الرسول ﵇ اصطحب أبا بكر معه حتى لا يدل قريشاً عليه! ويقولون: أبو بكر لقي كاهناً في الجاهلية، فأخبره أنه سوف يبعث نبي، فاقترب منه حتى تكون خليفة له، ويكون لك الملك من بعده! كل هذا أساطير وخرافات؛ لأن التضحية إذا لم تبن على إيمان صحيح وعقيدة صحيحة لا تجدي على الإطلاق، وكم من شجاعة معروفة عن أناس من الكفار، لهم مواقف كثيرة جداً في التضحية في كثير من البلاد الكافرة.
والمعلوم أنه توجد قرابة كبيرة بين الرافضة واليهود، وبينهم مودة عظيمة، فالذي أسس دين الرافضة هو يهودي اسمه عبد الله بن سبأ، وكان يلقب بـ ابن السوداء.
والشاهد أن القرآن يثني في آيات كثيرة جداً على أبي بكر وعمر والصحابة أما هؤلاء فإنهم يكفرون الصحابة إلا خمسة أو ثلاثة، بل كل الأمة مرتدة عن الإسلام في زعم هؤلاء المجرمين الأفاكين الحاقدين على خير أمة أخرجت للناس.
وهذه المسألة ليست مسألة جزئية، بل هي من صلب عقيدتنا؛ ولذلك ينص العلماء في كتب العقيدة على حب الصحابة، فحب الصحابة ليس اختيارياً، بل لها قوانين وضوابط بحسب بلائهم في نصرة الدين، وفي سبيل نشره.
والصحابة في الحكم والموالاة لهم ترتيب معين، فأفضل الصحابة على الإطلاق هو أبو بكر رضي الله تعالى عنه، ثم عمر، ولذلك يجب أن يكون للصحابة ترتيب معين في قلب المسلم، ولا يجتمع حب الصحابة مع حب أعداء الصحابة الذين يلعنونهم.
وهناك أهداف كثيرة مشتركة بين اليهود وبين الروافض، والأيام ستكشف شيئاً منها، ولو كان الرافضة يريدون أن يحرروا الأقصى فما الذي يمنعهم؟! يقول الرافضة: الطريق إلى القدس يمر بمكة! يعني: لازم يحررون مكة من الاستعمار الأمريكي من أجل أن يبدءوا في تحرير القدس، فطريق القدس عندهم يمر بمكة.
وعلينا نحن المسلمين ألا نغتر بالمواقف السياسية التي تحصل من الرافضة، كمواقف الخميني أو حزب الشيطان الذي هو حزب حسن نصر الله، فنحن في زمان مقفر، ما نجد أحداً يتكلم بعزة إلا هؤلاء، لأن لهم دولة، ولو كان لأهل السنة والجماعة -الذين هم أهل الحق وأصحابه- دولة تعمل بالإسلام كما أنزله الله ؛ لكان هناك أضعاف أضعاف هذه المواقف.
والرسول ﵊ عندما ذكر افتراق الأمة قال: (كلها في النار إلا واحدة، فسئل عنها فقال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي).
فالنجاة لا تكون إلا على مثل ما كان عليه الصحابة، فهل يجتمع هذا السبيل مع محبة من يلعن الصحابة ويكفرهم، ويقول عنهم: منافقون وزنادقة كـ الخميني وغيره من هؤلاء المجرمين الضالين؟! ونحن لا ننسى الحادثة التي حصلت في المدينة وبسببها أوقف الحذيفي إمام المسجد النبوي، وذلك أن رئيس إيران رفسنجاني دخل المسجد النبوي، فدخل الحجرة النبوية، ووقف أمام قبر الرسول ﵇ وسلم عليه، ثم لعن أبا بكر وعمر، فالحارس أبلغ الشيخ الحذيفي، فجعل خطبة الجمعة في البراءة من هؤلاء الرافضة، فأوقفته الدولة السعودية عن الخطابة إرضاءً لإيران.
إن الشعوب التي عاشرت الرافضة يعرفون حقدهم وعداءهم للمسلمين، والشيعة يخدعون الناس بالتقية، إذا واجهتهم يقولون لك: الصحابة ﵃، وعائشة هي أم المؤمنين، وهكذا! فالكذب عندهم عبادة، ويسمونها التقية.
والقرآن عندهم محرف، ويعتقدون أن ثلاثة أضعاف القرآن فقدت، وينكرون أن أبا بكر جمع القرآن، وينكرون مناقبه رضي الله تعالى عنه، وأنه الرجل الثاني في الإسلام، وأفضل البشر بعد الأنبياء على الإطلاق.
فلا تغض الطرف عن شيء غير قابل للتهوين من فعلهم، فكيف تحب هؤلاء الذين يلعنون الصحابة ويكفرون الصحابة، ويجعلون لعنهم أفضل من التسبيح والتهليل والتكبير؟! فينبغي الكلام في الشيعة بالتفصيل حتى يكون عندنا بصيرة، وحتى لا يتهاون في هذا الأمر، ولا يغتر بالفكر الرافضي.
وقد ألف أحد الرافضة كتاباً أسماه: (أهل السنة والجماعة شعب الله المختار) فاعتبرهم مثل اليهود! ومما يغيض أنك تجد بعض الشباب المسلم ينبهر بالشيعة، ويغض الطرف أو يحاول أن يعمي نفسه عن حقيقة هؤلاء الذين هم مع أعداء الله من اليهود والنصارى في خندق واحد ضد أهل السنة، ولا شك في هذا، فهؤلاء أعداء لنا، ولو تمكنوا منا لن يرحمونا، فينبغي الحذر منهم.
стр. 3179
تفسير سورة الضحى
стр. 3180
حكم التكبير عند قراءة سورة الضحى وما بعدها من السور وكيفيته
سورة الضحى هي السورة الثالثة والتسعون من سور المصحف الشريف، وهي سورة مكية، وآيها إحدى عشرة.
قال ابن كثير: روينا من طريق أبي الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي بزة المقرىء، قال: قرأت على عكرمة بن سليمان، وأخبرني أنه قرأ على إسماعيل بن قسطنطين وشبل بن عباد، فلما بلغت ﴿وَالضُّحَى﴾، قالا لي: كبر حتى تختم مع خاتمة كل سورة، فإنا قرأنا على ابن كثير فأمرنا بذلك، وأخبرنا أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك، وأخبره مجاهد أنه قرأ على ابن عباس ﵄ فأمره بذلك، وأخبره ابن عباس أنه قرأ على أبي بن كعب ﵁ فأمره بذلك، وأخبره أبي أنه قرأ على رسول الله ﷺ فأمره بذلك.
فهذه سنة تفرد بها أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله البزي من ولد القاسم بن أبي بزة وكان إماماً في القراءات، فأما في الحديث فقد ضعفه أبو حاتم الرازي وقال: لا أحدث عنه، وكذلك قال أبو جعفر العقيلي: هو منكر الحديث، لكن حكى الشيخ شهاب الدين أبو شامة في شرح الشاطبية عن الشافعي: أنه سمع رجلاً يكبر هذا التكبير في الصلاة، فقال: أحسنت وأصبت السنة.
وهذا يقتضي صحة هذا الحديث.
ثم اختلف القراء في موضع هذا التكبير وكيفيته، فقال بعضهم: يكبر من آخر: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل:١] وقال آخرون: من آخر ﴿وَالضُّحَى﴾.
وكيفية التكبير عند بعضهم أن يقول: الله أكبر، ويقتصر.
ومنهم من يقول: الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر.
وذكر القراء في مناسبة التكبير من أول سورة الضحى: أنه لما تأخر الوحي عن رسول الله ﷺ وفتر تلك المدة، ثم جاء الملك فأوحى إليه ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى:١ - ٢]، إلى آخر السورة بتمامها كبر رسول الله ﷺ فرحاً وسروراً، ولم يرو ذلك بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف، فالله تعالى أعلم.
стр. 3181
تفسير قوله تعالى: (والضحى والليل إذا سجى)
قال الله : ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى:١ - ٢].
قوله تعالى: (وَالضُّحَى)، تقدم في تفسير سورة الشمس: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس:١]، تفسير الضحى بالصعود وارتفاع النهار ارتفاعاً عالياً، قال تعالى: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف:٩٨]، أي: وقت ارتفاع النهار ارتفاعاً عالياً.
قوله: (وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى): أي: اشتد ظلامه، وأصله من التسجية وهي التغطية لستره بظلمته، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ:١٠]؛ لأن هذا الليل يستر ويغطي.
ويقال: سجى بمعنى أظلم، وقيل: ذهب، وقيل: أقبل، وقيل: سكن، وقيل: استقر ظلامه.
قال الطبري: قوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى)، يعني: والليل إذا سكن بأهله وثبت بظلامه، كما يقال: (بحر ساج) إذا كان ساكناً.
وأرجح الأقوال في معنى سجى: سكن واستقر ظلامه وثبت.
стр. 3182
تفسير قوله تعالى: (ما ودعك ربك وما قلى)
قال تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:٣]، هذا هو جواب القسم، والمعنى ما تركك وما قطعك قطع المودع.
قال الشهاب في العناية: إنه عبر عن التوديع بالترك هاهنا، وفيه من اللطف بالنبي ﵊ والتعظيم له ما لا يخفى؛ فإن الوداع إنما يكون بين الأحباب ومن تعز مفارقته، كما قال المتنبي: حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا فلم أدر أي الظاعنين أشيع والمعنى: أن هذا المحبوب لما حصل الفراق وودعنا، فروحي ونفسي أيضاً فارقتني معه ليس هو وحده فقط، حتى إنني احترت أي واحد منهما أودع، أَأُودع هذا المحبوب الذي فارقني أم أودع روحي أو نفسي التي فارقتني أيضاً؟! فهذا شاهد على أن الوداع إنما يكون بين الأحباب ومن تعز مفارقته.
وقيل في شرح الوداع: الوداع له معنيان في اللغة: الترك، وتشييع المسافر، فإن فسر بمعنى تشييع المسافر على طريق الاستعارة يكون فيه إيماء إلى أن الله لم يتركه أصلاً، وأنه معه أينما كان في كل حال وفي كل زمان، أما الترك لو تصور في جانبه فهو يدل على الرجوع، فالتوديع إنما يكون لمن يحب ويرجى عوده، وإليه أشار الأرجاني بقوله: إذا رأيت الوداع فاصبر ولا يهمنك البعاد وانتظر العود عن قريب فإن قلب الوداع عادوا أي: أن قلب كلمة (عادوا) هو (وداع).
فهذا فيما يتعلق بالتوديع.
والتوديع كما يقول أبو حيان: مبالغة في الودع؛ لأن من ودعك مفارقاً فقد بالغ في تركك.
كما قلنا: إن التوديع يكون بالترك، ويكون بتشييع المسافر.
وقوله : (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى)، يعني: ما تركك وما أعرض عنك، فهذا يؤكد نفس المعنى في قوله تعالى: (مَا وَدَّعَكَ).
وقال بعضهم: وهذا لم أر من ذكره مع غاية لطفه، وكلهم فسروه بالمعنى الأول: (وَدَّعَكَ) بمعنى: تركك.
ولما رأوا صيغة الفعل تفيد زيادة المعنى والمبالغة فيه، فيقتضي الانقطاع التام، قالوا: إن المبالغة في النفي لا في المنفي.
وقرئ: (ما وَدَعَكَ) بالتخفيف، يعني: ما تركك.
وهناك شاهد من السنة في استعمال كلمة ودع بمعنى ترك، وهو قوله ﵊: (إن شر الناس من ودعه الناس اتقاء شره)، قوله: (من ودعه) يعني: تركه الناس وابتعدوا عنه، اتقاء لسانه وبذاءته وفحشه.
وورد شاهد أيضاً في الشعر يقول الشاعر: فكان ما قدموا لأنفسهم أعظم نفعاً من الذي ودعوا يعني: من الذي تركوا.
وقال أبو الأسود: ليت شعري عن خليل ما الذي نما له في الحب حتى ودعه يعني: حتى تركه.
وقال الشاعر أيضاً: وثم ودعنا آل عمرو وعامر فرائس أطراف المثقفة السمر يعني: هناك تركنا آل عمرو وعامر فرائس أطراف السيوف.
وبعضهم استبعد قراءة اسمها: (ودعت) باعتبار أن استعمال ودع في اللغة العربية نادر، لكن يكفي أن القرآن الكريم ورد به، فما دامت صحت هذه القراءة فلا عبرة في هذه الحالة بكلام النحاة.
وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، وإن كان استعمالها نادراً.
وقد كان أحد الأدباء يكتب مقالات لبعض المجلات السيارة فلما عنّ له السفر كتب يودع القراء بقوله: أودعكم والله يعلم أنني أحب لقاكم والركون إليكمُ وما عن قلى كان الرحيل وإنما دواعٍ تبدّت فالسلام عليكمُ قوله: (وما عن قلى كان الرحيل) يعني: ليس هذا الرحيل عنكم هجراً ولا إعراضاً ولا بغضاً؛ لأن القلى يكون تركاً ينضم إليه بغض.
فقوله تعالى: (وَمَا قَلَى) يعني: ما هجرك عن بغض.
وقال الشهاب: وحذف مفعول قلى اختصاراً للعلم به، وهنا عدة أراء: قوله: (وَدَّعَكَ) فالمفعول هنا هو حرف الكاف، بينما هنا في كلمة (قلى) اقتصر على الفعل وحذف المفعول، الذي هو الكاف، فقال بعضهم: إنما اختصرها للعلم بها، وليجري على نهج الفواصل التي في السورة: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٣ - ٥]، أو لئلا يخاطبه بما يدل على البغض، فمجرد وضع الضمير مع الفعل لم يرضه الله لنبيه ﵊، فما بالك بالفعل نفسه، فهو سبحانه لم يقل: (وما قلاك) مع أنه ينفيها، لكن أراد ألا يتعب قلب نبيه ﵊ إذا قرن الضمير بالفعل مثل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [الأحزاب:٣٥]، فقوله: (والذاكرات) أي: والذاكرات لله كثيراً، لكن حذفت للعلم بها، وأيضاً مراعاة للفواصل.
يقول الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى: قوله تعالى: (وَمَا قَلَى) حذف كاف الخطاب لثبوتها في قوله: (ودعك) فدلت عليها.
وقال بعضهم: تركت لرأس الآية، يعني: مراعاة للفواصل، والذي يظهر من لطيف الخطاب ورقيق الإيناس ومداخل اللطف، أن الموادعة تشعر بالوفاء والود، يعني: كلمة التوديع مأخوذة من توديع المسافر.
مثلاً: الذي يودع المسافر ويخرج معه مسافة هم أحبابه الذين يريدون أن يبقوا معه إلى آخر لحظة ممكنة، حتى يتحرك القطار.
إذاً: التوديع يكون فيه ملاطفة وود ومحبة ووحدة، فالموادعة تشعر بالوفاء والود، فمن ثم أبرزت فيها كاف الخطاب (مَا وَدَّعَكَ) يعني: لم تتأت موادعتك وأنت الحبيب والمصطفى المقرب ﷺ .
أما (قلى) ففيها معنى البغض فلم يناسب إبرازها؛ إنعاماً في إبعاد قصده ﷺ بشيء من هذا المعنى؛ لأنه ما قلاه، كما تقول لعزيز عليك: لقد أكرمتك وما أهنت، ولقد قربتك وما أبعدت، وهذا المثال فيه إمعان في نفي الإهانة ونفي الإبعاد.
والقلى يمد ويقصر وهو يعني: البغض.
يقول الشاعر: أيام أم الغمر لا نقلاها ولو تشاء قفلت عيناها وقال كثير عزة: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت جاء في السيرة ما يشهد لهذا المعنى ويبين دوام موالاته لحبيبه ﷺ وعنايته به وحفظه له، فهو سبحانه ما تركه أبداً، فقد سخر له سبحانه عمه أبا طالب لينصره ويحفظه وقال عمه أبو طالب في ذلك شعراً: والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفيناً هذا ناشئ عن محبة طبعية؛ لأنه ابن أخيه، لكن ليست محبة شرعية.
وذكر ابن هشام في رعاية عمه له ﷺ : أنه كان إذا جن الليل وأرادوا أن يناموا فرش لرسول الله ﷺ مع أولاده، حتى إذا أخذ كل مضجعه عمد عمه إلى واحد من أبنائه فأقامه وأتى بمحمد ﷺ لينام موضعه، ويجعل ولده مكان محمد ﷺ ، حتى إذا كان هناك من رأى مكانه في أول الليل ثم جاء يريده بسوء وقع السوء لابنه، وسلم محمد ﷺ ، كما فعل الصديق رضي الله تعالى عنه عند الخروج إلى الهجرة في طريقهما إلى الغار.
(لقد كان أبو بكر ﵁ في طريق الهجرة تارة يمشي أمامه ﷺ وتارة يمشي وراءه، فسأله ﷺ عن ذلك؟ فقال: أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون وراءك) يعني: أتذكر العدو فأكون أمامك حتى إذا كان هناك سوء يصيبني قبلك، ثم أتذكر الطلب من الخلف فأكون وراءك حتى إذا كان هناك سوء يصيبني ولا يصيبك.
ويقول القاسمي رحمه الله تعالى: روى ابن جرير عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ لما نزل عليه القرآن أبطأ عنه جبريل أياماً فعير بذلك، فقال المشركون: ودعه ربه وقلاه، فأنزل الله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:٣]) وفي رواية: (إن قائل ذلك إمراة أبي لهب) وفي أخرى: (إنها خديجة رضي الله تعالى عنها) ولا تنافي لاحتمال وقوعه من الجميع، إلا أن خديجة لو صح أنها قالت له ذلك فيكون على سبيل التوجع والحزن والأسف.
وفي رواية إسماعيل مولى آل الزبير قال: (فتر الوحي حتى شق ذلك على النبي ﷺ وأحزنه، فقال: لقد خشيت أن يكون صاحبي قلاني -يعني: جبريل- فجاء جبريل بهذه السورة ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى:١ - ٢]).
стр. 3183
تفسير قوله تعالى: (وللآخرة خير لك من الأولى)
قال : ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى﴾ [الضحى:٣ - ٤].
يقول الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى: قوله تعالى: (وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى)، فخير تأتي مصدراً كقول الله سبحانه والله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة:١٨٠]، قوله: (ترك خيراً) يعني: مالاً كثيراً بمعنى المصدر، وتأتي أفعل تفضيل محذوفة الهمزة بمعنى أخير.
وهي هنا أفعل تفضيل: (وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ) والدليل هنا على أنها أفعل تفضيل قوله: (من).
مما يدل على أن الله أعطاه في الدنيا خيرات كثيرة، وما يكون له في الآخرة فهو خير وأفضل مما أعطاه في الدنيا، فيتوهم بعض الناس من الآية: (وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى)، أن الآخرة خير له ﷺ وحده من الأولى.
فجاء النص يدل على أن هذا ليس خاصاً بالنبي ﷺ وحده، بدليل قوله ﵎: (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٨]، أي: للأبرار من المؤمنين، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان:٥].
أما بيان الخيرية هنا لرسول الله ﷺ ففيها بيان ثواب الخيرية له في الدنيا، ثم الأفضل منها هو ما يكون في الآخرة، وصيغة أفعل التفضيل تأتي للمفاضلة بين طرفين يشتركان في أصل الوصف، بل إن أحدهما يزيد على الآخر، حينما تقول: علي أقوى من حسن، يعني: كلاهما مشترك في صفة القوة، لكن الأول أقوى من الثاني في هذه الصفة، فكذلك قوله: (خير لك من الأولى) تتضمن أن الدنيا خير له أيضاً، لكن الآخرة أفضل وأخير له من الأولى.
فأما الخيرية التي آتاه الله إياها في الدنيا، فأشار إليها القرآن الكريم في هذه السورة وفي التي بعدها، ففي هذه السورة قال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى:٦] يعني: تعهده الله منذ ولادته ونشأته ﷺ فصانه عن دنس الشرك وطهره، وشق صدره ونقاه، وكان رغم يتمه سيد شباب قريش ﷺ ، حتى روي أن عمه قال عند خطبته خديجة له ﷺ : فتى لا يعادله فتى من قريش حلماً وعقلاً وخلقاً إلا رجح عليه.
كذلك قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٧ - ٨] فهي نعم يعددها الله عليه، وهي من أعظم خيرات الدنيا من صغره إلى شبابه وكبره.
ثم اصطفاؤه بالرسالة، ثم حفظه من الناس: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧].
ثم نصره على الأعداء، وإظهار دينه وإعلاء كلمته.
أيضاً من الناحية المعنوية، قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:١ - ٤].
أما خيرية الآخرة على الأولى، فهي في قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥]، يعني في الآخرة، وليس بعد الرضا مطلب.
وفي الجملة فإن الأولى دار عمل وتكليف وجهاد، والآخرة دار جزاء وثواب وإكرام، فهي لا شك أفضل من الأولى.
قال ابن جرير: أي: وللدار الآخرة وما أعد الله لك فيها خير لك من الدار الدنيا وما فيها.
ثم يقول: فلا تحزن على ما فاتك منها، فإن الذي لك عند الله خير لك منها.
وقال القاضي: (وَلَلآخِرَةُ) يعني: لنهاية أمرك خير من بدايته، فإنه ﷺ لا يزال يتصاعد بالرفعة والكمال.
стр. 3184
تفسير قوله تعالى: (ولسوف يعطيك ربك فترضى)
قال : ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥].
أي: يعطيك من فواضل نعمه في العقبى حتى ترضى، وهذه عدة كريمة شاملة لما أعطاه الله تعالى في الدنيا.
وبعض الناس أخطأ في تفسير هذا العطاء فقال: هي الشفاعة في أمته حتى يرضى.
فعن ابن عباس قال: (عرض على رسول الله ﷺ ما يفتح على أمته من بعده كفراً كفراً -يعني: بلداً بلداً- فسر بذلك، فأنزل الله : ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٤ - ٥])، قال ابن كثير: إسناده صحيح، ومثله لا يقال إلا عن توقيف.
ولذلك عمم القاسمي هنا فقال: وهذه عدة كريمة شاملة لما أعطاه الله تعالى في الدنيا من كمال النفس وعلوم الأولين والآخرين، وظهور الأمر وإعلاء الدين من فتوح واقعة في عصره ﷺ ، وفي أيام خلفائه الراشدين، وغيرهم من ملوك الإسلام، وفشو دعوته في مشارق الأرض ومغاربها، ولما ادخر له من الكرامات التي لا يعلمها إلا الله تعالى، وبالجملة هذه الآية جامعة لوجوه الكرامة وأنواع السعادة، وثبوت الإنعام في الدارين، حيث أجمله ووكله إلى رضاه، وهذا غاية الإحسان والإكرام.
يعني: سيظل يعطيك ويوالي عليك النعم في الدنيا والآخرة حتى ترضى.
وقوله: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) هذه الآية كنا قد أشرنا إليها مراراً أن بعض العلماء قال: إنها أرجى آية في القرآن الكريم، ووجه ذلك أن الله يشفعه في أمته حتى يرضى.
وروى بعض الناس في ذلك بعض الأحاديث، وهي لا تصح، ومن هذه الأحاديث أنه ﵊ قال عند نزول هذه الآية الكريمة ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥]: (إذاً: لا أرضى، وواحد من أمتي في النار) وإذا صح الحديث فإن المقصود بالأمة أمة الإجابة.
وعبر بعض الشعراء عن هذا المعنى فقال: قرأنا في الضحى ولسوف يعطي فسر قلوبَنا ذاك العطاءُ وحاشا يا رسول الله ترضى وفينا من يعذب أو يساءُ هناك نصوص كثيرة في القرآن وفي السنة فيها أن من مات من أهل الكبائر وأهل المعاصي دون توبة يعذب في النار، وهناك أناس من الموحدين سوف يدخلون النار، ومنهم من يخرج بالشفاعة، ومنهم من يمكث إلى أن يشاء الله ، والحديث معروف في آخر من يخرج من النار.
إذاً: هناك من يعذب في النار، ويبقى إلى أن يشاء الله ، لكنه لا يخلد فيها.
وهذا الحديث: (إذاً: لا أرضى وواحد من أمتي في النار) إذا صح فيكون معناه: إذاً: لا أرضى وواحد من أمتي يخلد في النار، لكن الرسول ﵊ يرضيه ما يرضى ربه ، وهذا الحديث لم يثبت.
ثم إن التعلق بهذا المعنى يفتح على الناس باب التواكل، ويغتر به بعض الجهال من أنه لا يرضى أن يدخل أحد من أمته النار، فهو من غرور الشيطان لهم ولعبه بهم؛ فإنه صلوات الله عليه وسلامه يرضى بما يرضى به ربه ﵎، وهو يدخل النار من يستحقها من الكفار والعصاة، وقد ولع الحشوية بتقوية أمثال هذه الآثار المفتراة؛ تغريراً للجهال، وتزييناً لموارد الضلال، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إذاً: الله حكم عدل، كما أن إدخال الجنة يكشف عن صفات الرحمة والإحسان والتفضل والإكرام، كذلك أيضاً كونه شديد العقاب فيعذب الكفار بعد إنذارهم، أو يعذب العصاة بعد إقامة الحجة عليهم، فهذا أيضاً يكون مظهراً لعدله وحكمته، وهذه من صفات كماله .
إذاً: هذا الكلام يتعارض مع النصوص التي وردت من كون العصاة يدخلون النار فضلاً عن الكفار، مما ينبغي الحذر منه، وعدم الاعتراف بأقوال هؤلاء الشعراء وبهذه الروايات الضعيفة؛ لأنه لا يفرح بها كثيراً إلا المرجئة.
ونحن قلنا: إذا صح قوله: (لا أرضى وواحد من أمتي في النار) فالمقصود أمة الإجابة، وإن كان هناك أحاديث أخرى فيها معنى قريب من هذا، لكن ليس بنفس الإطلاق، مثل حديث: (لا أزال أشفع يوم القيامة فأشفع حتى يناديني ربي: أقد رضيت يا محمد؟! فأقول: أي رب رضيت) هذا في حق من أذن له في الشفاعة فيهم.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄: (أن النبي ﷺ تلا قول الله تعالى في إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦]، وقول عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨] فرفع ﷺ يديه وقال: اللهم أمتي أمتي، وبكى، فقال الله تعالى لجبريل ﵇: اذهب إلى محمد -وربك أعلم- فسله: ما يبكيك؟ فأتى جبريل النبي ﷺ فسأله فأخبره، فقال الله تعالى لجبريل ﵇: اذهب إلى محمد فقل له: إن الله يقول لك: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوءك).
فهذا يئول بالشفاعة وبغير ذلك.
أما أنه لا يدخل أحد من أمته النار على الإطلاق، وأن هذا هو الذي يرضيه، فنحن نقول: يرضيه ما يرضي ربه ﵎.
стр. 3185
تفسير قوله تعالى: (ألم يجدك يتيماً فآوى)
قال الله ﵎: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى:٦].
هذا تعديد لما أفاض عليه من أول أمره إلى ذلك الوقت.
يعني: من أول نشأته يتيماً والله يرعاه ويحفظه ويكلؤه.
فهذا تعديد لما أفاض عليه من أول أمره إلى ذلك الوقت، من فنون النعماء العظام؛ ليستشهد بالحاضر الموجود على المترقب الموعود.
فقوله: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى) هذه كلها في الماضي، حتى يستشهد بالحاضر في إحسان الله فيما مضى، على إحسانه المترقب بقوله: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى).
يعني: أنت قد لمست ذلك في ما مضى، فقطعاً سوف يحصل هذا فيما يستقبل ويكون أمرك إلى ازدياد.
يقول الشاعر: إن رباً كفاك بالأمس ماكان فسيكفيك في غد ما يكون فيطمئن قلبه وينشرح صدره، والهمزة لإنكار النفي وتقرير المنفي على أغلب وجه، كأنه قيل: قد وجدك يتيماً فآوى، وقد وجدك ضالاً فهدى.
والوجود هنا بمعنى العلم، روي أن أباه مات وهو في بطن أمه، وماتت أمه وهو ابن ست سنين، فكفله جده عبد المطلب ثم مات جده وهو ابن ثمان سنين ثم كفله عمه أبو طالب وعطف عليه فأحسن تربيته، وذلك إيواؤه ﵊ المذكور في قوله: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى).
стр. 3186
تفسير قوله تعالى: (ووجدك ضالاً فهدى)
قال : ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧].
أي: غافلاً عما أوحاه إليك من الهدى والفرقان، فهداك إليه وجعلك رسولاً له، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢].
وقال الشهاب: الضلال مستعار من ضل في طريقه إذا سلك طريقاً غير موصلة لمقصده؛ لعدم ما يوصله من علوم نافعة من طريق الاكتساب.
يعني: لم يكن النبي ﵊ يسلك طريقاً يوصله للعلوم الفكرية التي ينالها الإنسان بالكسب، وإنما كان الذي امتن الله عليه به هو علم وهبي وليس كسبياً؛ لأن النبوة لا تكتسب، والله امتن على النبي ﵊ بهذا الوحي الذي هو العلم الوهبي.
وقال بعضهم: قوله: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) يعني: وجد قومك ضالين فهداهم بك، على تقدير مضاف، كما في قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢]، يعني: واسأل أهل القرية.
يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في كتاب (دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب) قوله تعالى: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) هذه الآية الكريمة يوهم ظاهرها أن النبي ﷺ كان ضالاً قبل الوحي، مع أن قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] يدل على أنه ﷺ فطر على هذا الدين الحنيف، ومعلوم أنه لم يهوده أبواه ولم ينصراه ولم يمجساه، بل لم يزل باقياً على الفطرة حتى بعثه الله رسولاً، ويدل لذلك ما ثبت من أن أول نزول الوحي كان وهو يتعبد في غار حراء، فذلك التعبد قبل نزول الوحي دليل على بقائه ﷺ على الفطرة.
والجواب أن معنى قوله: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى)، أي: غافلاً عما تعلمه الآن من الشرائع وأسرار علوم الدين، التي لا تعلم بالفطرة ولا بالعقل، وإنما تعلم بالوحي، فهداك إلى ذلك بما أوحى إليك.
فمعنى الضلال على هذا القول: الذهاب عن العلم.
وفي القرآن الكريم أن الضلال يطلق على الذهاب عن العلم بالنسيان أو نحو ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢]، فقوله: (أن تضل) أي: تذهب عن العلم، ومنه أيضاً قوله تعالى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢] يعني: لا يذهب عن العلم، وكذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف:٩٥].
ويقول الشاعر: وتظن سلمى أنني أبغي بها بدلاً أراها في الضلال تهيم إذاً: قوله تعالى: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) يعني: ووجدك غافلاً عن هذا العلم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف:٣] أي: قبل القرآن، وقال : ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء:١١٣] وقال : ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص:٨٦].
وبعضهم فسر الضلال في قوله: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) تفسيراً حسياً فقال: هو أنه ضل الطريق وهو صغير في شعاب مكة.
وقيل: ضل الطريق في سفره إلى الشام، والقول الأول هو الصحيح، والله تعالى أعلم.
стр. 3187
تفسير قوله تعالى: (ووجدك عائلاً فأغنى)
قال ﵎: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٨].
قوله: (عَائِلًا) أي: فقيراً.
قوله: (فَأَغْنَى) يعني: فأغناك بمال خديجة ﵂ الذي وهبته إياك، أو بما حصل لك من ربح في التجارة.
وقيل في تفسيرها: رضاك بما أعطاك من الرزق؛ لأن الغنى كما قال النبي ﵊: (ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس).
ويقول الشاعر: غنيت بلا مال عن الناس كلهم إلا الغنى العالي عن الشيء لا به فغنى النفس أعلى درجات الغنى.
فقوله: (عَائِلًا) أي: فقيراً، يقول الشاعر: وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل يعني: وما يدري الغني متى يفتقر.
وقال ابن قتيبة: العائل الفقير.
أي فقير يسمى عائلاً، سواء كان له عيال أو لم يكن له عيال، لكن يقال: عال يعيل إذا افتقر.
وأعال يعني: كثر عياله، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء:٣].
стр. 3188
تفسير قوله تعالى: (فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر)
قال : ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى:٩]، لا تنهره على ماله، فتذهب بحقه استعطافاً منك له.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:١٠].
قال ابن جرير: أي: وأما من سألك من ذي حاجة فلا تنهره، ولكن أطعمه واقض له حاجته؛ لأن للسائل حقاً كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤ - ٢٥].
قوله تعالى: (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره.
فالمسلم إما أن يعطي وإما أن يقول كلمة طيبة، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء:٢٨]، فإذا أردت أن ترده ترده بكلمة طيبة، يقول الشاعر: لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد النطق إن لم تسعد الحال يعني: أنفق الكلمات الطيبة التي لا تكلفك شيئاً.
وقال الله : ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة:٢٦٣].
يعني: قد يلح السائل في السؤال فيحاول أن يحرج المسئول ويستفزه إذا أحس أنه لن يعطيه شيئاً، فقال الله : (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ) يعني: إما أن تقول قولاً معروفاً، وأيضاً مغفرة يعني: تتجاوز عما يحصل منه من الأذى أو الإلحاح أو الإحراج أو نحو ذلك، فلا ترد عليه إذا قال كلاماً لا ينبغي.
وقال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السؤّال يحملون زادنا إلى الآخرة.
يعني: لو كنت مسافراً من مكان إلى مكان بعيد ومعك الزاد والمتاع الثقيل فقال لك رجل: أنا أحمل عنك هذا المتاع وأوصله إلى المكان الذي تريده.
فهو يشبه السؤّال الذين يسألون الصدقات بعمال البريد، يعني: أنهم ينقلون لنا الزاد من الدنيا إلى الآخرة.
وقال إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: السائل بريد الآخرة، يجيء إلى باب أحدكم فيقول: هل تبعثون إلى أهليكم بشيء؟! يعني: هل تريد أن تبعث لوالدك أو لوالدتك أو لقريبك الذي مات بشيء؟! وقد ذهب الحسن فيما نقله الرازي عنه إلى أن المراد من السائل من يسأل العلم، فيكون في مقابلة قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧]، يعني: كما أنك كنت غافلاً عن هذا القرآن، وعارياً من هذا العلم النبيل، ثم إن الله هداك إليه بالتعليم وبالهبة وبالوحي، فتقابل هذه النعمة بألا تنهر من يسألك أو يسترسل من علمك.
قال ابن كثير: أي: وكما كنت ضالاً فهداك الله، فلا تنهر السائل في العلم المسترشد.
ويؤيد هذا المعنى ما ورد في أحوال الذين كانوا يسألون النبي ﷺ بيان ما يشتبه عليهم، فمنهم: أهل الكتاب الممارون، ومنهم: الأعراب الجفاة، ومنهم: من كان يسأل عما لا يسال عنه الأنبياء، فلا غرو أن يأمره الله تعالى بالرفق بهم، وينهاه عن نهرهم، كما عاتبه على التولي عن الأعمى السائل في سورة عبس.
وقال ابن العربي رحمه الله تعالى: وأما السائل عن الدين فجوابه فرض على العالم على الكفاية.
(وكان أبو الدرداء ينظر إلى أصحاب الحديث فيبسط رداءه لهم ويقول: مرحباً بأحبة رسول الله ﷺ .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: (أنه كان إذا أتاه طلبة العلم يقول: مرحباً بوصية رسول الله ﷺ ، إن رسول الله ﷺ قال: إن الناس لكم تبع، وإن رجالاً يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيراً).
стр. 3189
تفسير قوله تعالى: (وأما بنعمة ربك فحدث)
قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١]، ما المراد بهذه النعمة؟ قيل: هي النبوة، وقيل: القرآن، وقيل: هي عامة في جميع الخيرات.
فالتحديث بنعمة الله يكون بشكرها وإظهار آثارها، كما جاء في الحديث (أن النبي ﷺ رأى رجلاً عليه ثياب رثة فسأله: ألك مال؟ قال: نعم، قال: من أي المال؟ قال: من كل المال آتاني الله ، فقال له النبي ﵊: من كان له مال، فليرى أثر نعمة الله عليه وكرامته)، فهذا تحديث فعلي بنعمة الله، وكذلك يشرع الحديث القولي إذا أمن الإنسان العجب، فيتحدث بنعمة الله ﵎ عليه.
أما النبي ﵊ فقد أوجب الله عليه التحدث بهذه النعم بشكرها وإظهار آثارها، وعلى المسلم أن يحرص على أن تقضي الحاجات من طريقه، وهذا هو سر الأمر بالتحدث بها، فالغني مثلاً يظهر أثر النعمة عليه بحيث يتوجه الفقير إليه ويسأله.
وفي الآية تنبيه على أدب عظيم: وهو التصدي للتحدث بالنعمة وإشهارها؛ حرصاً على التفضل والجود والتخلق بالكرم، وفراراً من رذيلة الشح الذي رائده كتم النعمة والتمسكن والشكوى، ومن عادة البخلاء أن يكتموا مالهم؛ لتقوم لهم الحجة في خفض أيديهم عن البذل، فلا تجدهم إلا شاكين من القل، أما الكرماء فلا يزالون يظهرون بالبذل ما آتاهم الله من فضله، ويجهرون بالحمد بما أفاض عليهم من رزقه، فالتحديث بالنعمة كناية عن البذل وإطعام الفقراء وإعانة المحتاجين، فهذا هو معنى قوله تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ).
ويشهد لذلك قول الله تعالى: (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) فأنت عرفت في نفسك ما يكون فيه الفقير، فأوسع في البذل على الفقراء، وليس القصد في مجرد ذكر الثروة، فإن هذا يتنزه عنه النبي ﷺ ، ولم يعرف عنه ﵊ أنه كان يذكر ما عنده من نقود وعروض، ولكن الذي عرف عنه أنه كان ينفق ما عنده ويبيت طاوياً ﷺ .
وقد يقال: إن المراد من هذه النعمة النبوة، ولكن سياق الآيات يدل على أن هذه الآية مقابلة لقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ فيقابلها قوله هنا: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، فتكون النعمة بمعنى الغنى، ولو كانت بمعنى النبوة لكانت مقابلة لقوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾.
وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر).
стр. 3190
تفسير سورة الشرح
следующие страницы →