← Тафсир

Тафсир · id 37041

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (3 275 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

تفسير قوله تعالى: (ووجدك ضالاً فهدى) قال : ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧]. أي: غافلاً عما أوحاه إليك من الهدى والفرقان، فهداك إليه وجعلك رسولاً له، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢]. وقال الشهاب: الضلال مستعار من ضل في طريقه إذا سلك طريقاً غير موصلة لمقصده؛ لعدم ما يوصله من علوم نافعة من طريق الاكتساب. يعني: لم يكن النبي ﵊ يسلك طريقاً يوصله للعلوم الفكرية التي ينالها الإنسان بالكسب، وإنما كان الذي امتن الله عليه به هو علم وهبي وليس كسبياً؛ لأن النبوة لا تكتسب، والله امتن على النبي ﵊ بهذا الوحي الذي هو العلم الوهبي. وقال بعضهم: قوله: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) يعني: وجد قومك ضالين فهداهم بك، على تقدير مضاف، كما في قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢]، يعني: واسأل أهل القرية. يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في كتاب (دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب) قوله تعالى: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) هذه الآية الكريمة يوهم ظاهرها أن النبي ﷺ كان ضالاً قبل الوحي، مع أن قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] يدل على أنه ﷺ فطر على هذا الدين الحنيف، ومعلوم أنه لم يهوده أبواه ولم ينصراه ولم يمجساه، بل لم يزل باقياً على الفطرة حتى بعثه الله رسولاً، ويدل لذلك ما ثبت من أن أول نزول الوحي كان وهو يتعبد في غار حراء، فذلك التعبد قبل نزول الوحي دليل على بقائه ﷺ على الفطرة. والجواب أن معنى قوله: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى)، أي: غافلاً عما تعلمه الآن من الشرائع وأسرار علوم الدين، التي لا تعلم بالفطرة ولا بالعقل، وإنما تعلم بالوحي، فهداك إلى ذلك بما أوحى إليك. فمعنى الضلال على هذا القول: الذهاب عن العلم. وفي القرآن الكريم أن الضلال يطلق على الذهاب عن العلم بالنسيان أو نحو ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢]، فقوله: (أن تضل) أي: تذهب عن العلم، ومنه أيضاً قوله تعالى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢] يعني: لا يذهب عن العلم، وكذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف:٩٥]. ويقول الشاعر: وتظن سلمى أنني أبغي بها بدلاً أراها في الضلال تهيم إذاً: قوله تعالى: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) يعني: ووجدك غافلاً عن هذا العلم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف:٣] أي: قبل القرآن، وقال : ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء:١١٣] وقال : ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص:٨٦]. وبعضهم فسر الضلال في قوله: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) تفسيراً حسياً فقال: هو أنه ضل الطريق وهو صغير في شعاب مكة. وقيل: ضل الطريق في سفره إلى الشام، والقول الأول هو الصحيح، والله تعالى أعلم.

стр. 3187

تفسير قوله تعالى: (ووجدك عائلاً فأغنى) قال ﵎: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٨]. قوله: (عَائِلًا) أي: فقيراً. قوله: (فَأَغْنَى) يعني: فأغناك بمال خديجة ﵂ الذي وهبته إياك، أو بما حصل لك من ربح في التجارة. وقيل في تفسيرها: رضاك بما أعطاك من الرزق؛ لأن الغنى كما قال النبي ﵊: (ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس). ويقول الشاعر: غنيت بلا مال عن الناس كلهم إلا الغنى العالي عن الشيء لا به فغنى النفس أعلى درجات الغنى. فقوله: (عَائِلًا) أي: فقيراً، يقول الشاعر: وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل يعني: وما يدري الغني متى يفتقر. وقال ابن قتيبة: العائل الفقير. أي فقير يسمى عائلاً، سواء كان له عيال أو لم يكن له عيال، لكن يقال: عال يعيل إذا افتقر. وأعال يعني: كثر عياله، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء:٣].

стр. 3188

تفسير قوله تعالى: (فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر) قال : ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى:٩]، لا تنهره على ماله، فتذهب بحقه استعطافاً منك له. قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:١٠]. قال ابن جرير: أي: وأما من سألك من ذي حاجة فلا تنهره، ولكن أطعمه واقض له حاجته؛ لأن للسائل حقاً كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤ - ٢٥]. قوله تعالى: (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره. فالمسلم إما أن يعطي وإما أن يقول كلمة طيبة، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء:٢٨]، فإذا أردت أن ترده ترده بكلمة طيبة، يقول الشاعر: لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد النطق إن لم تسعد الحال يعني: أنفق الكلمات الطيبة التي لا تكلفك شيئاً. وقال الله : ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة:٢٦٣]. يعني: قد يلح السائل في السؤال فيحاول أن يحرج المسئول ويستفزه إذا أحس أنه لن يعطيه شيئاً، فقال الله : (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ) يعني: إما أن تقول قولاً معروفاً، وأيضاً مغفرة يعني: تتجاوز عما يحصل منه من الأذى أو الإلحاح أو الإحراج أو نحو ذلك، فلا ترد عليه إذا قال كلاماً لا ينبغي. وقال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السؤّال يحملون زادنا إلى الآخرة. يعني: لو كنت مسافراً من مكان إلى مكان بعيد ومعك الزاد والمتاع الثقيل فقال لك رجل: أنا أحمل عنك هذا المتاع وأوصله إلى المكان الذي تريده. فهو يشبه السؤّال الذين يسألون الصدقات بعمال البريد، يعني: أنهم ينقلون لنا الزاد من الدنيا إلى الآخرة. وقال إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: السائل بريد الآخرة، يجيء إلى باب أحدكم فيقول: هل تبعثون إلى أهليكم بشيء؟! يعني: هل تريد أن تبعث لوالدك أو لوالدتك أو لقريبك الذي مات بشيء؟! وقد ذهب الحسن فيما نقله الرازي عنه إلى أن المراد من السائل من يسأل العلم، فيكون في مقابلة قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧]، يعني: كما أنك كنت غافلاً عن هذا القرآن، وعارياً من هذا العلم النبيل، ثم إن الله هداك إليه بالتعليم وبالهبة وبالوحي، فتقابل هذه النعمة بألا تنهر من يسألك أو يسترسل من علمك. قال ابن كثير: أي: وكما كنت ضالاً فهداك الله، فلا تنهر السائل في العلم المسترشد. ويؤيد هذا المعنى ما ورد في أحوال الذين كانوا يسألون النبي ﷺ بيان ما يشتبه عليهم، فمنهم: أهل الكتاب الممارون، ومنهم: الأعراب الجفاة، ومنهم: من كان يسأل عما لا يسال عنه الأنبياء، فلا غرو أن يأمره الله تعالى بالرفق بهم، وينهاه عن نهرهم، كما عاتبه على التولي عن الأعمى السائل في سورة عبس. وقال ابن العربي رحمه الله تعالى: وأما السائل عن الدين فجوابه فرض على العالم على الكفاية. (وكان أبو الدرداء ينظر إلى أصحاب الحديث فيبسط رداءه لهم ويقول: مرحباً بأحبة رسول الله ﷺ . وعن أبي سعيد الخدري ﵁: (أنه كان إذا أتاه طلبة العلم يقول: مرحباً بوصية رسول الله ﷺ ، إن رسول الله ﷺ قال: إن الناس لكم تبع، وإن رجالاً يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيراً).

стр. 3189

تفسير قوله تعالى: (وأما بنعمة ربك فحدث) قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١]، ما المراد بهذه النعمة؟ قيل: هي النبوة، وقيل: القرآن، وقيل: هي عامة في جميع الخيرات. فالتحديث بنعمة الله يكون بشكرها وإظهار آثارها، كما جاء في الحديث (أن النبي ﷺ رأى رجلاً عليه ثياب رثة فسأله: ألك مال؟ قال: نعم، قال: من أي المال؟ قال: من كل المال آتاني الله ، فقال له النبي ﵊: من كان له مال، فليرى أثر نعمة الله عليه وكرامته)، فهذا تحديث فعلي بنعمة الله، وكذلك يشرع الحديث القولي إذا أمن الإنسان العجب، فيتحدث بنعمة الله ﵎ عليه. أما النبي ﵊ فقد أوجب الله عليه التحدث بهذه النعم بشكرها وإظهار آثارها، وعلى المسلم أن يحرص على أن تقضي الحاجات من طريقه، وهذا هو سر الأمر بالتحدث بها، فالغني مثلاً يظهر أثر النعمة عليه بحيث يتوجه الفقير إليه ويسأله. وفي الآية تنبيه على أدب عظيم: وهو التصدي للتحدث بالنعمة وإشهارها؛ حرصاً على التفضل والجود والتخلق بالكرم، وفراراً من رذيلة الشح الذي رائده كتم النعمة والتمسكن والشكوى، ومن عادة البخلاء أن يكتموا مالهم؛ لتقوم لهم الحجة في خفض أيديهم عن البذل، فلا تجدهم إلا شاكين من القل، أما الكرماء فلا يزالون يظهرون بالبذل ما آتاهم الله من فضله، ويجهرون بالحمد بما أفاض عليهم من رزقه، فالتحديث بالنعمة كناية عن البذل وإطعام الفقراء وإعانة المحتاجين، فهذا هو معنى قوله تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ). ويشهد لذلك قول الله تعالى: (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) فأنت عرفت في نفسك ما يكون فيه الفقير، فأوسع في البذل على الفقراء، وليس القصد في مجرد ذكر الثروة، فإن هذا يتنزه عنه النبي ﷺ ، ولم يعرف عنه ﵊ أنه كان يذكر ما عنده من نقود وعروض، ولكن الذي عرف عنه أنه كان ينفق ما عنده ويبيت طاوياً ﷺ . وقد يقال: إن المراد من هذه النعمة النبوة، ولكن سياق الآيات يدل على أن هذه الآية مقابلة لقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ فيقابلها قوله هنا: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، فتكون النعمة بمعنى الغنى، ولو كانت بمعنى النبوة لكانت مقابلة لقوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر).

стр. 3190

تفسير سورة الشرح

стр. 3191

تفسير قوله تعالى: (ألم نشرح لك صدرك) سورة الشرح هي السورة الرابعة والتسعون، وهي سورة مكية، وقيل: مدنية، وهذا أقوى، فإن استقرار هذه النعم المعدودة فيها إنما كان بالمدينة النبوية كما لا يخفى، وآيها ثمان. قال ﵎: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١]. قوله: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ)، أي: ألم نوسعه بإلقاء ما يسره ويقويه، وإظهار ما خفي عليه من الحكم والأحكام، حتى علم ما لم يعلم، وصار مستقر الحكمة، ووعاء حقائق الأنباء. والهمزة لإنكار النفي، ونفي النفي إثبات، ولذا عطف المثبت عليه ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح:٢]. ما معنى قوله: نفي النفي إثبات؟ معنى ذلك: أن الهمزة نفسها فيها معنى النفي، ثم أتت بعدها أداة نفي وهي (لم)، فنفي النفي إثبات، كما قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦]، وقال أيضاً على لسان فرعون: (أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء:١٨]. وقال الشاعر: ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح إذاً: هذا استفهام معناه التقرير، فقوله: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) فيكون معنى الآية: قد شرحنا لك صدرك، فلذلك عطف على هذا قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح:٢]. وأصل الشرح بسط اللحم ونحوه مما فيه توسيع مستلزم لإظهار باطنه وما خفي منه. واستعمل في القلب الشرح والسعة؛ لأنه محل الإدراك لما يسر وضده، فجعل إدراكه لما فيه مسرة، يزيل ما يحزنه فرحاً وتوسيعاً؛ وذلك لأنه بالإلهام ونحوه مما ينفس كربه ويزيل همه، وبظهور ما كان غائباً عنه وخفياً عليه مما فيه مسرته، كما يقال: شرح الكتاب: إذا وضحه، ثم استعمل الشرح في الصدر، والصدر محل القلب؛ لأن اتساع الشيء يتبعه اتساع ظرفه، ولذا تسمع الناس يسمون السرور بسطاً ثم سموا ضده ضيقاً وقبضاً.

стр. 3192

تفسير قوله تعالى: (ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك) قال ﵎: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح:٢ - ٣]. الوزر: هو الحمل الثقيل، ووضعه: إزالته عنه؛ لأنه إذا تعدى بعلى كان بمعنى التحميل، وإذا تعدى بمن كان بمعنى الإزالة، مثلاً تقول: وضعت على الجمل الأثقال. هذا بمعنى التحميل، لكن وضعت عنه هذه الأثقال بمعنى الإزالة. قوله: (الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ) الإنقاض: هو حصول النقيض بالضاد، والنقيض هو صوت فقرات الظهر. وقيل: صوت الجمل أو الرحل أو المركوب إذا ثقل عليه، فالإنقاض التثقيل في الحمل حتى يسمع له نقيض، أي: صوت. وقال ابن عرفة: هو الأثقال يجعل ما حمل عليه نقضاً، أي: مهزولاً ضعيفاً، وقد مثل بذلك حاله ﷺ مما كان يثقل عليه ويهمه من كثرة المستهزئين بدعوته، وضعف من سبق إلى الإيمان به، وشيوع الشرك والضلال في جزيرة العرب، وقوة أهلها؛ ووضع الأثقال عنه هو كثرة من آمن به، ودخولهم في دين الله أفواجاً، وقوة أتباعه، وانمحاء الشرك والجاهلية من الجزيرة، وذل أهلها بعد العز، وانقيادهم بعد شدة الإيذاء. وقيل: الآية كناية عن عصمته وتطهيره من دنس الآثام، كما قال الله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح:٢]. والوجه الأول أقوى؛ لأن الوزر هو حال النبي ﵊ مما كان يثقل عليه من تألمه بحال المستهزئين به، وعدم استجابتهم له، وضعف أتباعه إلى آخره. وسبق أن تكلمنا بالتفصيل في سورة الفتح، في تفسير قوله تعالى: ((لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)) وبينا أن النبي ﵊ معصوم من المعاصي، وأن الأنبياء كلهم معصومون من المعاصي والآثام، وأن ما ورد في الكتاب أو السنة مما يفهم منه خلاف ذلك فهو محمول على أحد أمرين: إما أن النبي ﷺ فعل ما هو خلاف الأولى، فيكون هذا في حقه كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، فعد معصية بالنسبة إلى مقامه العالي الشريف وعوتب عليه. وإما أن يكون ﵊ اجتهد في هذا الأمر وظن أنه يوافق مرضاة الله، ثم بعدما فعله اتضح أنه بخلاف ذلك، فعد ذنباً بهذا الاعتبار، لكن تعمد مخالفة أمر الله لا تصدر عنه. والقاعدة المقررة عند أهل السنة: هي عصمة الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.

стр. 3193

تفسير قوله تعالى: (ورفعنا لك ذكرك) قال : ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤] يعني: بالنبوة، وفرض الاعتراف برسالتك. ولذلك: يجب على كل إنسان من البشر أن يؤمن بالنبي محمد ﷺ ؛ لأن الإيمان به شرط في قبول الإيمان وصحته؛ ولأنه لا يمكن أبداً أن يدخل أحد الجنة بعد بعثته ﷺ إلا من طريقه. وقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة ﵊، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. وقال مجاهد: لا أُذكر إلا ذكرت معي. قال الشهاب: وهذا -أي: قول مجاهد - إن أخذ كلية خالف الواقع؛ فإنه كم ذكر لله وحده، وكم ذكر الرسول ﷺ وحده، وإن عين موضعاً فهو ترجيح بلا مرجح، وإن جعلت القضية مهملة فلا يخفى ما في الإهمال من الركاكة. فينبغي لمن كان من أهل العلم أن يناقش الكلام بتمحيص، فهنا مجاهد ﵀ فسر قوله: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) بقوله: لا أُذكر إلا ذكرت معي. فيفهم منها على إطلاقها أنه لا يمكن أن يذكر الله إلا ويذكر معه رسول الله ﵌، وهذا لا يوافق الواقع؛ لأن ما أكثر ما يقول المسلم: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، دون أن يذكروا معه النبي ﷺ ، وكم ذكر الرسول ﷺ وحده. ثم قال الشهاب: وقد أمعنت فيه النظر حتى لاح لي أن الجواب الحق أن يقال: الذكر محمول على الذكر في مجامع العبادة ومشاهدها، فإن ذكره ﷺ مقرون بذكره في الصلوات وفي الخطب، فلا ترى مشهداً من مشاهد الإسلام إلا وهو كذلك، فلا ينفك ذكره ﷺ عن ذكره تعالى في يوم من الأيام، ولا ليلة من الليالي، بل ولا في وقت من الأوقات المعتد بها فتتجه الكلية. وعلى هذا التفسير نقبل القاعدة الكلية التي أطلقها مجاهد في تفسير الآية بقوله: لا أُذكر إلا ذكرت معي، يعني: لا أذكر في مجامع العبادة ومشاهدها، كصلاة العيد وصلاة الجمعة. والتشهد في الصلاة مثلاً، وفي الأذان إلا ذكرت معي. في الأذان كما قال حسان بن ثابت وهو يمدح النبي ﷺ : أغر عليه للنبوة خاتم من الله من نور يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد ﷺ . ويقول الإمام الصرصري: لا يصح الأذان في الفرض إلا باسمه العذب في الفم المرضي ويقول أيضاً: ألم تر أنا لا يصح أذاننا ولا فرضنا إن لم نكرره فيهما ويقول الشاعر أيضاً: يا آل بيت رسول الله حبكم من الله فرض في القرآن أنزله يكفيكم من عظيم المجد أنه من لم يصل عليكم فلا صلاة له ﵌ والمعنى: أنه لا يوجد وقت على الإطلاق إلا ويذكر فيه النبي ﵊؛ لأن الأرض كروية، والليل هنا يكون نهاراً في مكان آخر، فتنتقل مسافات الزمن، ونحن الآن ندرك هذه الأمور بما اكتشف من العلوم الحديثة، بحيث لو اتصلت إلى أمريكا في الساعة الثامنة والربع مساءً فإن الوقت عندهم يكون الساعة الواحدة والنصف ظهراً؛ لأن الوقت يترحل باستمرار يقول : ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر:٥]. يقول: فلا ينفك ذكره ﷺ عن ذكره تعالى، لا ينفصل عنه في يوم من الأيام، ولا ليلة من الليالي، بل ولا في وقت من الأوقات المعتد بها، فتتجه الكلية، أي: قول مجاهد: لا أذكر إلا ذكرت معي. فإن قلت: من أين لك هذا التخيير؟ فهل هو إلا ترجيح من غير مرجح؟ قلت: المقام ناطق بهذا القيد، فإن المراد التنويه بذكره ﷺ وإشاعة قدره، الدال على قربه من ربه، كقرب اسمه من اسمه، وإنما يكون هذا بذكره في المحافل والمشاهد والجوامع والمساجد، وأي إشاعة أقوى من الأذان، لا في الأسواق والطرق التي يطرح فيها كل ذكر. ثم قال: واعلم أن تحقيق هذا المقام ما قاله الإمام الشافعي في أول رسالته الجديدة وبينه بالتفصيل، فقال رحمه الله تعالى: قول مجاهد في تفسير الآية: لا أذكر إلا ذكرت معي، أي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. يعني: ذكره عند الإيمان بالله، والأذان، ويحتمل ذكره عند تلاوة القرآن، وعند العمل بالطاعة والوقوف عن المعصية. قال السبكي: هذا الاحتمال من الشافعي جيد جداً، وهو مبني على أن المراد بالذكر الذكر بالقلب؛ لأن الفاعل للطاعة أو الكاف عن المعصية امتثالاً لأمر الله تعالى به ذاكر للنبي ﷺ بقلبه؛ لأنه المبلغ لها عن الله، وهذا أعم من الذكر باللسان؛ فإنه -أي: الذكر باللسان- مقصور على الإسلام عند الدخول في الإسلام والأذان والتشهد والخطبة ونحو ذلك. قال الشافعي: فلم تمس بنا نعمة ظهرت ولا بطنت نلنا بها حظاً في دين أو دنيا، أو رفع عنا بها مكروه فيهما أو في واحد منهما إلا ومحمد ﷺ سببها. فعلم من هذا أنه إن أبقى العموم والحصر على ظاهره، حمل الذكر على الذكر القلبي، فيشمل كل موطن من مواطن العبادة والطاعة، فإن العاقل المؤمن إذا ذكر الله تذكر من دل على معرفته وهداه إلى طاعته، وهو رسول الله ﷺ ، كما قيل: فأنت باب الله أي امرئ أتاه من غيرك لا يدخل ولك أن تقول: المراد برفع ذكره ﵊ تشريفه بمقارنته بذكره في شعائر الدين الظاهرة، وأفضلها كلمتا الشهادة، وهما أساس الدين، ثم الأذان والصلاة والخطب كلها تنحصر في شعائر الدين. يقول الشيخ عطية سالم: وقد نص القرآن أن الله جعل الوحي ذكراً له ولقومه، فقال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف:٤٣ - ٤٤]. ومعلوم أن ذكر قومه ذكر له، كما قال الشاعر: وكم أب قد علا بابن ذرى رتب كما علت برسول الله عدنان فتبين أن رفع ذكره ﷺ ، إنما هو عن طريق الوحي، سواء كان بالوقوف على توجيه الخطاب إليه كمثل: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة:٤١]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال:٦٤]، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١]، والتصريح باسمه في مقام الرسالة ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩]، أو كان في فروع التشريع كما في الأذان والإقامة، والتشهد والخطب والصلاة عليه ﵌.

стр. 3194

تفسير قوله تعالى: (فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً) قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥ - ٦]. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، إشارة إلى أن الذي منحه ﷺ من شرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر بعد ضيق الأمر، واستحكام حلقات الكرب في أول السير، كان على ما جرت به سنته تعالى في هذا النوع من الخليقة، وهو أن مع العسر يسراً، ولهذا وصل العبارة بالفاء التي هي لبيان السبب، فَإِنَّ سببية. و (أل) في قوله: (العسر) للاستغراق، يعني: مع كل عسر. ولكنه استغراق بالمعهود عند المخاطبين من أفراده وأنواعه، فهو العسر الذي يعرض من الفقر والضعف، ودهن الصديق وقوة العدو وقلة الوسائل إلى المطلوب، ونحو ذلك مما هو معهود ومعروف. فهذه الأنواع من العسر مهما اشتدت، وكانت النفس حريصة على الخروج منها ظافرة لكثرة شدتها، واستعملت من وسائل الفكر والنظر والعمل ما من شأنه أن يعد لذلك في معروف العقل، واعتصمت بالتوكل على الله، حتى لا تدركها الخيبة لأول مرة. ولا تضر عزيمتها بما تلاقيه عند الصدمة الأولى، فلا ريب في أن النفس تخرج منها ظافرة، وقد كان هذا حال النبي ﷺ ، فإن ضيق الأمر عليه كان يحمله على الفكر والنظر، حتى آتاه الله ما هو أكبر من ذلك وهو الوحي والنبوة. ثم لم تكسر مقاومات قومه شيئاً من عزمه، بل ما يزال يلتمس الغنى في الفقر، والقوة في الضعف، حتى أوتي من ذلك ما زعزع أركان الأكاسرة والقياصرة، وترك منه لأمته ما تمتعت به أعصاراً طوالاً. ثم يذكر القاسمي لطيفة حول تنكير قوله: (يُسْرًا) يقول: فتنكير (يُسْرًا) للتعظيم، والمراد يسر عظيم، وهو يسر الدارين، وفي كلمة (مَعَ) إشعار في غاية سرعة مجيء اليسر، كأنه مقابل للعسر. يعني: أنها تفهم كما في قوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٧] يعني: الشدة أولاً، ثم يتبع ذلك الفرج. فأراد الله أن يجعل لعباده الأمل في تفريج الكربات، بأن جعل اليسر مقارناً للعسر وليس قريباً منه. فاستعير لفظ (مع) بمعنى: بعد. وقوله تعالى: (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) تكرير للتأكيد، أو عظة مستأنفة؛ لأن هذا العسر سيأتي بعده يسر آخر، كثواب الآخرة؛ ولذلك جاء في الأثر: (لن يغلب عسر يسرين). يقول أبو بكر: (إنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة، يجعل الله بعده فرجاً، وإنه لن يغلب عسر يسرين). إشارة إلى ما جاء في هذه الآية: (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) فالعسر واحد؛ لأنه أتى بـ (أل) أما اليسر فأتى منكراًً فهو يسرين. فإن المعرف إذا أعيد، يكون الثاني عين الأول، سواء كان معهوداً أو جنساً. أما اليسر في الآية الأولى وفي الثانية فهو منكر (يُسْرًا) فيكون مغايراً لما أريد بالأول، فلذلك قالوا: لن يغلب عسر يسرين. يقول الشاعر: إذا اشتد بك العسر ففكر في ألم نشرح فعسر بين يسرين إذا ذكرته فافرح

стр. 3195

تفسير قوله تعالى: (فإذا فرغت فانصب) قال : ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ [الشرح:٧]، أي: إذا فرغت من عمل من أعمالك النافعة لك ولأمتك، فانصب، أي: خض في عمل آخر واتعب فيه، فإنك تجد لذة الراحة عقب النصب لما تجنيه من ثمرة العمل. يقول الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى بعدما بين أنه لا سبيل إلى الفراغ عند المؤمن الحق، يقول: المؤمن لا يعرف الفراغ، فموضوع ما يسمى ضبط الفراغ، وتجزية وقت الفراغ، حتى يقول قائلهم: أنا أقتل الوقت، وفي الحقيقة هو يقتل نفسه. النصب: هو التعب بعد الاجتهاد، يقول تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية:٢ - ٣] أي: أنها تعمل وتكد وتجتهد وتكدح فيترتب عليه النصب. وقد يكون النصب للدنيا أو للآخرة. فلذلك اختلف في المقصود من قوله هنا: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ)، فقال بعضهم: فانصب في الدعاء، أو في الذكر بعد الفراغ من الصلاة، وقيل: إذا فرغت من الفريضة فانصب في النافلة. يعني: فاجتهد فيه ما استطعت، والذي يشهد له القرآن، أنه توجيه عام للأخذ بحظ الآخرة، بعد الفراغ من عمل الدنيا، كما في مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٦]، أي: لأنها وقت الفراغ من عمل النهار وسكون الليل، وقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر:١ - ٢]، يعني: أديت مهمة تبليغ الدين، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:٣]، فيكون وقته كله مشغولاً إما للدين وإما للدنيا. وفي قوله تعالى: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ) حل لمشكلة الفراغ التي شغلت العالم، حيث لم تترك للمسلم فراغاً في وقته؛ لأنه إما في عمل للدنيا وإما في عمل للآخرة. ولذلك مر بعض السلف بأناس يلهون فقال: ما بهذا أُمر الفارغ. يعني: من فرغ من العمل ما أمر باللعب واللهو، إنما أمر بالنصب وتلا قوله تعالى: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ). وعن عمر أنه قال: (إني لأكره لأحدكم أن يكون خالياً سبهللاً، لا في عمل دنيا ولا دين). لذلك السلف لم يعرفوا مشكلة الفراغ وضياع الوقت، فالوقت هذا أعظم نعمة كما قال ﵊: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ). فالفراغ رأس مال الإنسان وهو الوقت، فمن جمع الله له الأمرين: الصحة والفراغ، فهما أعظم نعمة، ومغبون من ضيع الصحة والفراغ، ممكن واحد معه صحة، لكن ليس عنده فراغ، ممكن واحد عنده فراغ، لكنه مبتلى بالأمراض والأوجاع، فلا يستطيع استثمار هذه النعمة، لكن إذا جمع الله لك هاتين النعمتين: الصحة والفراغ؛ فاعلم أنهما أعظم نعمة. فلذلك ينبغي على الإنسان أن يحافظ على الوقت والصحة. وقد ذكر الألوسي في قوله تعالى: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ قراءة شاذة: (فإذا فرغت فانْصِب) بمعنى التنصيب، يعني: عيِّن الإمام من بعدك. وهذا هو مذهب الشيعة الضلال، فالشيعة قالوا: (فَإِذَا فَرَغْتَ) إذا فرغت من أعباء النبوة وأديت ما عليك، فنصب علياً إماماً، هذا من إلحادهم في آيات الله وما أكثرها. وقال الألوسي: ليس الأمر متعيناً بـ علي. الألوسي يرد على الشيعة، يقول لهم: ليس الأمر متعيناً بـ علي؛ لأن السني قد يقول: معنى قوله: (فانصب) يعني: نصب أبا بكر ﵁، كذلك إذا احتج الشيعي بما كان في غدير خم، احتج السني بأن وقته لم يكن وقت الفراغ من النبوة، بينما الرسول ﷺ قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) وهذا كان بعد بعد حادثة غدير خم، وكان قرب فراغ النبي ﷺ من النبوة؛ لأنه كان في مرض موته ﷺ ، فأولى أن يكون هذا في حق أبي بكر. وعلى كل حال إذا كان الشيعة يحتجون بهذه القراءة، فيكفي لرد احتجاجهم أنها شاذة، وتتبع الشواذ قريب من التأويل المسمى باللعب عند علماء التفسير، وهو صرف اللفظ عن ظاهره لا لقرينة صارفة ولا علاقة رابطة. ولقد استطرد الشيخ عطية سالم وذكر صوراً أخرى من اللعب في التأويل في هذه الآية الكريمة، يقول: ومن اللعب في التأويل في هذه الآية ما يفعله بعض العوام، يقول: رأيت رجلاً عامياً عادياً قد لبس حلة كاملة من عمامة وثوب قصير وحزام جميل مما يسمونه نصبة -النصبة يعني: بدلة كاملة- فقال له رجل: ما هذه النصبة يا فلان؟ فقال له: لما فرغت من عملي نصبت كما قال تعالى: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ. وسمعت آخر يتوجع لقلة ما في يده، ويقول: يا فلان! ألا تعرف لي شخصاً أنصب عليه، يعني: أقترض منه، فقلت له: ولم تنصب عليه، والنصب كذب وحرام؟ فقال: إذا لم يكن عند الإنسان شيء، ويده خالية فلا بأس، إذا فرغت يدك من الأموال (فانصب) فلا بأس؛ لأن الله قال: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وهذا وأمثاله مما يتجرأ عليه العامة لجهلهم، أو أصحاب الأهواء لضلالهم. يقول الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ)، أي: إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها وقطعت علائقها فانصب إلى العبادة، وقم إليها نشيطاً فارغ البال، وأخلص لربك النية والرغبة، ومن هذا القبيل قول النبي ﷺ في الحديث المتفق على صحته: (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان)، وقوله ﷺ : (إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدءوا بالعشاء).

стр. 3196

تفسير قوله تعالى: (وإلى ربك فارغب) قال ﵎: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٨] يعني: وإلى ربك ترغب، التقديم هنا مشعر بالتخصيص، مثل قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] أي: لا نعبد غيرك، وهكذا هنا لا ترغب إلى غيره . كأنه يقول: الذي أنعم عليك بكل ما تقدم هو الذي ترغب فيما عنده لا سواه؛ لأنه سبحانه هو الذي أنعم عليك بكل هذه النعم المعدودة في سورة الضحى والشرح. فإذا كان كل هذه النعم هي من عند الله، فلا ينبغي أن ترغب إلا بما عند الله لا فيما سواه: (وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ). يقول القاسمي: قوله: (فإذا فرغت) أي: من عمل من أعمالك النافعة لك ولأمتك. قوله: (فانصب) أي: خض في عمل آخر واتعب فيه، فإنك تجد لذة الراحة عقب النصب بما تجنيه من ثمرة العمل. قوله: (وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) أي: في الدعوة إليه، ولا ترغب إلا إلى ذاته، دون توان أو غرض آخر، لتكون دعوتك ووجهتك إليه وحده. وقال ابن جرير: اجعل نيتك ورغبتك إليه دون من سواه من خلقه، إذ كان هؤلاء المشركون من قومك قد جعلوا رغبتهم في حاجاتهم إلى الأنداد. يقول القاسمي: والأظهر عندي اعتماداً على ما صححناه من أن الآية مدنية، وأنها من أواخر ما نزل، وأن يكون معنى قوله تعالى: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ) أي: إذا فرغت من مقارعة المشركين، وظفرت بأمنيتك منهم بمجيء نصر الله والفتح، فانصب في العبادة والتسبيح والاستغفار. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 3197

تفسير سورة التين

стр. 3198

تفسير قوله تعالى: (والتين والزيتون وهذا البلد الأمين) سورة التين هي السورة الخامسة والتسعون، وهي مكية، وقيل: مدنية، والأرجح الأول لقوله تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين:٣]، إشارة إلى المكان الذي نزلت فيه السورة، وهو مكة. وآيها ثمان. عن البراء بن عازب ﵁: (أن النبي ﷺ كان يقرأ في سفره في إحدى الركعتين بـ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين:١]، فما سمعت أحسن صوتاً أو قراءة منه) أخرجه الجماعة. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين:١ - ٣].

стр. 3199

أقوال بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى: (والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين) اعلم أن المفسرين لم يختلفوا في أن البلد الأمين هو مكة المشرفة، الآمن أهلها أن يحاربوا، فهذا الحرم آمن وأمين في اللغة بمعنى: آمن، كما قال الشاعر: ألم تعلمي يا أسم ويحكِ أنني حلفت يميناً لا أخون أميني! أميني: أي: آمني، فمكة هي البلد الأمين، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٦٧]. أما المقسمات بها قبل ففيها أقوال للسلف؛ لاحتمال موادها لكل البشر، وقد أقسم بأربعة أشياء وهي: التين، والزيتون، وطور سنين، وهذا البلد الأمين. فالثلاثة الأولى هي محل الخلاف، لكن البلد الأمين لم يختلف في أنها مكة، فعن مجاهد والحسن أن التين: الذي يؤكل، والزيتون: الذي يُعصر، قالوا: وخصّهما لكثرة فوائدهما وعظم منافعهما. وعن قتادة قال: التين: هو الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس. وعن كعب وابن زيد: التين: مسجد دمشق، والزيتون: بيت المقدس. وعن ابن عباس: التين: مسجد نوح الذي بُني على الجودي، والزيتون: بيت المقدس. فظهر أنهما الشجرتان المعلومتان أو جبلان أو مسجدان. وصوّب ابن جرير الأول منها، وهو: أن التين والزيتون هما الشجرتان المعروفتان، حيث قال: والصواب من القول في ذلك عندنا قول من قال: التين هو التين الذي يؤكل، والزيتون: هو الزيتون الذي يُعصر منه الزيت؛ لأن ذلك هو المعروف عند العرب، ولا يُعرف جبل يسمى تيناً، ولا جبل يقال له: زيتون، إلا أن يقول قائل: أقسم ربنا جل ثناؤه بالتين والزيتون، والمراد من الكلام: القسم بمنابت التين ومنابت الزيتون، فيكون ذلك مذهباً، وإن لم يكن على صحة ذلك أنه كذلك دلالة في ظاهر التنزيل، ولا من قول من لا يجوّز خلافه؛ لأن دمشق بها منابت التين، وبيت المقدس منابت الزيتون. انتهى كلامه وفيه نظر؛ لأن مَن حَفظ حجة على من لم يحفظ.

стр. 3200

كلام القاسمي في قوله تعالى: (والتين والزيتون) يقول القاسمي معلقاً على كلام ابن جرير: لا، مَن حفظ حجة على من لم يحفظ، ومعروف في التاريخ القديم أن جبل الزيتون جبل بفلسطين، يكون معروفاً ذلك عند علماء أهل الكتاب والمؤلفين. قال صاحب الذخيرة في تعداد جبال فلسطين: ويتصل بجبال إسرائيل جبل الزيتون، وقد دعي كذلك لكثرة الزيتون فيه، وهو قريب المسافة من أورشليم، وفيه صعد المسيح لكي يرتفع إلى السماء، ويسمى أيضاً: طور زيتا إلى الآن، أي: جبل الزيتون. فعلى قول ابن جرير الطبري: إن التين والزيتون هما الشجرتان. وكان طور سينين موضعاً أو مكاناً، والبلد الأمين مكان، فإذا أمكن أن نحمل التين والزيتون على أنهما منابت التين والزيتون، أو أنهما موضعان، فسيكون هناك اتفاق بين المقسمات كلها. ثم يقول القاسمي: على أن في ما قرره ابن جرير تبقى المناسبة بينهما وبين طور سينين والبلد الأمين، وحكمة جمعهما معاً في نسق واحد غير مفهوم، فالأرجح أنهما موضعان أو موضع واحد معروف، ويكون المقسم به ثلاثة مواضع مقدسة.

стр. 3201

كلام ابن كثير قي قوله تعالى: (والتين والزيتون) قال ابن كثير: وقال بعض الأئمة: هذه محالّ ثلاثة -أي: أماكن ثلاثة- بعث الله من كل واحد منها نبياً مرسلاً من أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار. فالأول: محلة التين والزيتون، وهو بيت المقدس الذي بعث الله فيه عيسى بن مريم ﵉. والثاني: طور سينين، وهو طور سيناء، وسيناء: الجبل الذي كلّم الله عليه موسى بن عمران. والثالث: مكة، وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمناً، وهو الذي أرسل فيه محمد ﷺ . وفي آخر التوراة ذكر هذه الأماكن الثلاثة وفيها: (جاء الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران). وهذا اللفظ موجود في التوراة إلى اليوم، وهو بشارة ببعثة النبي محمد ﷺ ، ولا يستطيع أن ينكره إلا مكابر. قوله: (جاء الله من طور سيناء)، أي: الذي كلم الله عليه موسى، (وأشرق من ساعير)، أي: جبل بيت المقدس، الذي بعث الله عنده عيسى، (واستعلن من جبال فاران)، فاران: مكة في لغة ما يسمى بـ (العهد القديم)، وجبال فاران: أي: جبال مكة. ويوجد أيضاً في التوراة لفظ: (إن إسماعيل نشأ في جبال فاران) أو (بين جبال فاران). قال ابن كثير: أي: جبال مكة التي أرسل الله منها محمداً ﷺ ، فذكرهم مخبراً عنهم على الترتيب المدني بحسب ترتيبهم في الزمان، ولهذا أقسم بالأشرف، ثم الأشرف منه، ثم بالأشرف منهما. انتهى كلام ابن كثير.

стр. 3202

كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله تعالى: (والتين والزيتون وهذا البلد الأمين) لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ورضي عنه كتاب: (الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح)، وهذا الكتاب من روائع شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو كتاب جدير أن يفنى العمر في دراسته؛ لأنه كتاب قيم جداً، ومن أروع الكتب في هذا الفن، والأمريكان من اهتمامهم بهذا الكتاب ترجموه، وتوجد منه نسخة في مكتبة الكونجرس باللغة الانكليزية، مع أن منا من لم يره أصلاً -فضلاً عن أن يقرأه أو يبحث فيه- فليعلم أن هذا الكتاب من أروع الكتب، وأكثر من ألّف في بحث عقيدة النصارى إنما كان عالة على هذا الكتاب. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فصل: شهادة الكتب المتقدمة بنبوته ﷺ . ثم يقول: وذلك مثل قوله في التوراة ما قد ترجم بالعربية: جاء الله من طور سيناء. وبعضهم يقول -في الترجمة-: تجلّى الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران. قال كثير من العلماء -واللفظ لـ أبي محمد بن قتيبة -: ليس بهذا خفاء على من تدبره ولا غموض؛ لأن مجيء الله من طور سيناء: إنزاله التوراة على موسى من طور سيناء، كالذي هو عند أهل الكتاب وعندنا، وكذلك يجب أن يكون إشراقه من ساعير إنزاله الإنجيل على المسيح، وكان المسيح من ساعير -أرض الخليل- بقرية تدعى: ناصرة، وباسمها يسمى من اتبعه: نصارى. وكما وجب أن يكون إشراقه من ساعير بالمسيح، فكذلك يجب أن يكون استعلانه من جبال فاران: إنزاله القرآن على محمد ﷺ ، وجبال فاران هي جبال مكة. قال: وليس بين المسلمين وأهل الكتاب خلاف في أن فاران هي مكة، فإن ادّعوا أنها غير مكة، فليس ينكر ذلك من تحريفهم وإفكهم. قلنا: أليس في التوراة أن إبراهيم أسكن هاجر وإسماعيل فاران؟! وقلنا: دلّونا على الموضع الذي استعلن الله منه واسمه فاران؟! والنبي الذي أنزل عليه كتاباً بعد المسيح؟! أوليس (استعلن) و (عَلِنَ) هما بمعنى واحد، وهو ما ظهر وانكشف؟! هل تعلمون ديناً ظهر ظهور الإسلام وفشا في مشارق الأرض ومغاربها فشوه؟ إن استعلن هي: الظهور والإعلان والانتصار الكبير، وهذا ليس إلا من ملة الإسلام. وقال أبو هاشم بن ظفر: (ساعير) جبل بالشام، منه ظهرت نبوة المسيح ﵇. قلت -القائل: ابن تيمية -: وبجانب بيت لحم -القرية التي ولد فيها المسيح- قرية تسمى إلى اليوم: ساعير ولها جبال تسمى: جبال ساعير وعلى هذا فيكون ذكر الجبال الثلاثة حقاً، جبل حراء الذي ليس حول مكة جبل أعلى منه، ومنه كان نزول أول الوحي على النبي ﷺ ، وحوله من الجبال جبال كثيرة. وجبل النور أو الجبل الذي فيه غار حراء شكله مميز جداً، حيث ترى المنظر في قبة الجبل كأن الجبل مُنطوٍ يستقبل شيئاً من السماء. ثم يقول ابن تيمية ﵀: (وذلك المكان يسمى (فاران) إلى هذا اليوم، وفيه كان ابتداء نزول القرآن، والبرية التي بين مكة وطور سيناء تسمى: برية فاران، ولا يمكن لأحد أن يدعي أنه بعد المسيح نزل كتاب في شيء من تلك الأرض ولا بعث نبي، فعلم أنه ليس المراد باستعلانه من جبال فاران إلا إرسال محمد ﷺ ، وهو سبحانه ذكر هذا في التوراة على الترتيب الزماني، فذكر إنزال التوراة، ثم الإنجيل، ثم القرآن، وهذه الكتب نور الله وهداه. وقال في الأول: جاء أو ظهر، وفي الثاني: أشرق، وفي الثالث: استعلن. وكان مجيء التوراة مثل طلوع الفجر أو ما هو أظهر من ذلك، ونزول الإنجيل مثل إشراق الشمس زاد به النور والهدى، وأما نزول القرآن فهو بمنزلة ظهور الشمس في السماء، ولهذا قال: واستعلن من جبال فاران. فإن النبي ﷺ ظهر به نور الله وهداه في مشرق الأرض ومغربها أعظم مما ظهر بالكتابين المتقدمين، كما يظهر نور الشمس إذا استعلت في مشارق الأرض ومغاربها؛ ولهذا سماه الله (سراجاً منيراً)، وسمى الشمس (سراجاً وهاجا). والخلق يحتاجون إلى السراج المنير أعظم من حاجتهم إلى السراج الوهاج؛ فإن الوهاج يحتاجون إليه في وقت دون وقت، بل قد يتضررون به في بعض الأوقات، وأما السراج المنير فيحتاجون إليه كل وقت وفي كل مكان، ليلاً ونهاراً، سراً وعلانية، وقد قال النبي ﷺ : (زُويت لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زُوي لي منها) اهـ. ونحن نجد أن شيخ الإسلام ابن تيمية يرجح القول بأن قوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين:١] أن القسم هو بالمكان الذي ينبت فيه التين والزيتون، وأيضاً: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين:٢] مكان، ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين:٣] مكان أيضاً. وذلك يتضح من قول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بعد الكلام السابق: (وهذه الأماكن الثلاثة أقسم الله بها في القرآن في قوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين:١ - ٣] الآيات. فأقسم بالتين والزيتون وهو الأرض المقدسة التي ينبت فيها ذلك، ومنها بعث المسيح وأنزل عليه فيها الإنجيل، وأقسم بطور سيناء، وهو الجبل الذي كلم الله فيه موسى، وناداه من واديه الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة، وأقسم بهذا البلد الأمين، وهو مكة، وهو البلد الذي أسكن إبراهيم ابنه إسماعيل وأمه هاجر فيه، وهو الذي جعله الله حرماً آمناًَ ويتخطف الناس من حولهم، وجعله آمناً خلقاً وأمراً، قدراً وشرعاً. ثم قال شيخ الإسلام في بسط هذه الآيات الثلاث: فقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين:١ - ٣]؛ إقسام منه بالأمكنة الشريفة المعظمة الثلاثة، التي ظهر فيها نوره وهداه، وأنزل فيها كتبه الثلاثة: التوراة والإنجيل والقرآن، كما ذكر الثلاثة في التوراة بقوله: جاء الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران. ولما كان ما في التوراة خبراً عنها أخبر بها على ترتيبها الزماني، فقدم الأسبق فالأسبق). إذاً: التوراة جاءت في الترتيب الزماني الأول، حيث بدأ بها بقوله: جاء الله من طور سيناء. أي: رسالة موسى، وأشرق من ساعير. أي: رسالة عيسى، واستعلن من جبال فاران. أي: رسالة محمد ﵊. ثم قال شيخ الإسلام: (وأما القرآن فإنه أقسم بها تعظيماً لشأنها؛ وذلك تعظيم لقدرته وآياته وكتبه ورسله، فأقسم بها على وجه التدريج درجة بعد درجة، فختمها بأعلى الدرجات. فأقسم أولاً بالتين والزيتون، ثم بطور سينين، ثم بمكة؛ لأن أشرف الكتب الثلاثة: القرآن، ثم التوراة، ثم الإنجيل). والتوراة أعظم وأهم بكثير من الإنجيل؛ لأن الإنجيل جاء مكملاً ومتمماً فقط، كما قال عيسى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:٥٠] إلى آخر الآيات. لكن الشريعة كاملة كانت في التوراة، فانظر إلى هذه الدقة؛ لأن السياق في القرآن سياق تعظيم لرسالة محمد ﵊، فبدأ بها حسب دلالتها، فقوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين:١] هذه رسالة عيسى، ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين:٢] رسالة موسى ﵇، ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين:٣] القرآن الذي أوحاه إلى النبي ﷺ . ثم قال شيخ الإسلام: وكذلك الأنبياء، فأقسم بهم على وجه التدريج حسب مقامهم، فهذا كقوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات:١ - ٤]. فأقسم بطبقات المخلوقات طبقة بعد طبقة، فأقسم بالرياح الذاريات، ثم بالسحاب الحاملات للمطر، فإنها فوق الرياح، ثم بالجاريات يسراً، وقد قيل: إنها السفن، ولكن الأنسب أن تكون هي الكواكب المذكورة في قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير:١٥ - ١٦]. انتهى كلامه ﵀. (فالمقسمات أمراً): هي الملائكة التي هي أعلى درجة من هذا كله.

стр. 3203

تفسير آخر لقوله تعالى: (والتين) استظهر بعض المعاصرين أن قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ﴾ [التين:١] أي: شجرة بوذا مؤسس الديانة البوذية، والتي تحرفت كثيراً عن أصلها الحقيقي. وقال هذا المعاصر: فإن تعاليم بوذا لم تكتب في زمانه، وإنما رويت كأحاديث بالروايات الشفهية، ثم كتبت بعد ذلك حينما ارتقى أتباعه. ثم قال: والراجح في ذلك -بل المحقق- إذا صح تفسيره لهذه الآية: أنه كان -أي: بوذا- نبياً صادقاً، ويسمى: خيامونجي أو زوناما، وكان في أول أمره يأوي إلى شجرة تين عظيمة، وتحتها نزل عليه الوحي وأرسله الله رسولاً، فجاءه الشيطان ليفتنه هناك فلم ينجح معه، ولهذه الشجرة شهرة كبيرة عند البوذيين، وتسمى عندهم: التينة المقدسة، وبلغتهم: أجافالا. ثم قال: ففي هذه الآية ذكر الله تعالى أعظم أديان البشر الأربعة الموحاة منه تعالى لهدايتهم ونفعهم في دينهم ودنياهم، فالقسم فيها كالتمهيد لقوله بعده: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤]، فبدأ تعالى بالقسم بالبوذية؛ لأنها أقل درجة في الصحة وأشد الأديان تحريفاً عن أصلها، ثم ارتقى إلى النصرانية، ثم اليهودية، ثم الإسلامية إلخ.

стр. 3204

تفسير قوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤] هذا هو المقسم عليه، والمعنى: في تقويمٍ هو أحسن تقويم، فـ (أحسن تقويم) نعت لمحذوف، والتقويم هو التعديل كما في قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَاً * قَيِّمًا﴾ [الكهف:١ - ٢]، والتعديل أو التقويم حسّاً ومعنى، حساً: في شكل الإنسان وبُنيته، حيث يمشي منتصب القامة، ولا يمشي على أربع، وهذه أكمل وأجمل صورة. وأما معنوياً: فمن حيث أن الله ميّزه بالروح الإنسانية: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠]، وقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس:٧]، أي: عدلها. وهذا التقويم الذي قوم الله الإنسان أو عدله عليه هو من دلائل القدرة ودلائل البعث، وبالتالي يكون دليلاً على قدرته على البعث والنشور، كما يقول الشاعر: دواؤك منك وما تشعرُ وداؤك منك وما تبصرُ وتزعم أنك جُرْمٌ صغير وفيك انطوى العالم الأكبرُ يقول تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٣٧ - ٤٠]؟ بلى. وقوله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ) الإنسان هنا مفرد لكنها اسم جنس، والدليل على أنها اسم جنس أنه قال بعدها: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التين:٦] يعني: أن كلمة الإنسان يستثنى منها الذين آمنوا فدلّ على أنها اسم جنس، مثل سورة العصر: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر:٢ - ٣] فهذا الاستثناء يدل على أن كلمة (إنسان) اسم جنس. قوله: (فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) أي: في أحسن تعديل خلقاً وشكلاً صورة ومعنى، فهو في أحسن صورة وأعدلها.

стр. 3205

كلام الشنقيطي في قوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: هذه الآية الكريمة: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤] تُوهم أن الإنسان ينكر أن ربه خلقه، فالكفار لما أنكروا البعث ظهرت عليهم أمارة إنكار الإيجاد الأول؛ لأن من أقر بالأول لزمه الإقرار بالثاني؛ لأن الإعادة أيسر من البدء، فأكد لهم الإيجاد الأول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤]. ثم يقول الله تعالى بعد ذلك: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين:٧]، أي: إذا كان الله هو الذي خلقك وبدأك بأحسن تقويم (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ)، الدين: هو الجزاء، كما قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، يوم الدين: يوم الجزاء. أي: ما يحملك أيها الإنسان على التكذيب بالبعث والجزاء بعد علمك أن الله أوجدك أولاً؟! فمن أوجدك أولاً فهو قادر على أن يوجدك ثانياً، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩]، وقال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤] , وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم:٢٧]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج:٥] إلى غير ذلك من الآيات. فلذلك ذكر تعالى أن من أنكر البعث فقد نسي إيجاده الأول، مع أنه مُقرّ بأن الله هو الذي خلقه، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]، فهم لا ينكرون أن الله هو الذي خلقهم، لكنهم تصرفوا تصرف الذي ينكر أن الله خلقهم؛ لأنهم ينكرون البعث والنشور، فلذلك زعموا بأنهم أيضاً ينكرون الإيجاد الأول، ولذلك فإن الإنسان لا ينكر البعث والنشور إلا إذا نسي الإيجاد الأول، قال الله : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]. وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ﴾ [مريم:٦٦ - ٦٧]. وفي هذا إشارة إلى أنه ليس من الممكن أنه ينكر النشور إلا إذا نسي البعث، فتأمل كلمة: (أولا يذكر!)، وفي سورة يس: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨]، أي: أنه يقرّ أن الله هو الذي خلقه، لكنه ينسى؛ لأنه بإنكاره البعث والنشور يلزمه أن ينكر أيضاً بداية الخلق، فلذلك هو ينسى الخلق الأول: ﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:٦٦ - ٦٧]. وبعض المفسرين قالوا في تفسير: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين:٧]، أي: من يقدر على تكذيبك يا نبي الله! بالثواب والعقاب بعدما تبين أنا خلقنا الإنسان على ما وصفنا.

стр. 3206

تفسير قوله تعالى: (ثم رددناه أسفل سافلين) إلى آخر السورة يقول الله : ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين:٥]، أي: جعلناه أسفل من سَفُل، وهُم أصحاب النار؛ لعدم جريانه على موجب ما خلقناه عليه من الصفات التي لو عمل بمقتضاها لكان في أعلى عليين. وأسفل سافل للمتعثر المتفاوت؛ لأن دركات النار كلما كانت أسفل تكون أسوأ، فقوله: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين:٥] يعني: أحطّ منزلة، و (ثم) للتراخي الزماني، أو هو رتبي، أو (أسفل سافلين) أي: إلى مكان أشد سفولاً وهو النار بمعنى: جهنم. وقوله: (أسفل سافلين) قيل: نزلهم منزلة العقلاء، كذا قالوا، ولو قيل: هم أهل النار والدركات؛ لأنهم أسفل السفل لكان أولى. قوله: (ثم رددناه) يعني: أننا نفعل هذا بكثير من الناس، وليس بكل إنسان، والعرب تقول لمن ينفق: أَنفَقَ ماله على فلان. مع أنه لم ينفق كل المال، وإنما بعض المال، ويقول تعالى: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل:١٨] هل يقصد كل ماله؟ لا، بل بعض ماله. وبعض المفسرين ذهبوا إلى أن معنى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤]، أي: القوة والشباب والفتوة، ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين:٥]، أي: بأن يُردّ إلى أرذل العمر.

стр. 3207

الاختلاف حول معنى قوله تعالى: (ثم رددناه أسفل سافلين) يقول تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين:٦]. المقصود بهذا الاستثناء قولان: القول الأول: ((إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا)) يعني: فإنهم لا يُردون إلى الخرف وأرذل العمر، وإن عُمّروا طويلاً فهم في عافية من أن يصيبهم الخرف ونحوه. قال ابن عباس: من قرأ القرآن لم يُردّ إلى أرذل العمر. القول الثاني: ((إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا)) أي: فإنهم لا يُردّون إلى النار، فالنار هي المقصودة بقوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين:٥]. قوله تعالى: ((فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)) أي: غير مقطوع، أو غير منقوص، أو غير محسوب، أو غير ممنون به عليهم، وسبق في سورة القلم البيان بالتفصيل أن هذا التفسير الأخير لا يصح؛ لأن الذي يمنّ هو الله ، فله المنّة وله الفضل، وما من خير إلا من الله .

стр. 3208

تفسير ابن جرير لهذه الآيات وقد اعتمد ابن جرير في تخريج الآية ما روي عن ابن عباس ﵄ من أن معنى الآية: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين:٥] أي: ثم رددناه إلى أرذل العمر، وأن من كان يعمل بطاعة الله في شبيبته كلها، ثم كبر حتى ذهب عقله، كُتب له مثل عمله الصالح الذي كان يعمله في شبيبته، ولم يؤاخذ بشيء مما عمل في كبره وذهاب عقله من أجل أنه مؤمن وكان يطيع الله في شبيبته. انتهى كلامه. وهذا غير صحيح؛ لأن الواقع يشهد بخلافه، فكم نرى من أناس صالحين أصابهم الخرف، مثل بعض علماء الحديث تجد أنه تغير في آخر عمره واختلط حفظه! وهذه سنة الله ، فإن كل كمال يؤول وينتهي إلى النقصان، ومهما بلغ الإنسان فلابد أنه يرجع إلى الضعف، وتضمحل قواه، وهذا ليس بعيب، وإن كان يوجد فعلاً بركة في العمر وفي الصحة لكثير من الناس والعلماء الأفاضل ممن طعنوا في السن، ومع ذلك لم تذهب عنهم العافية، وهذا من بركة القرآن وبركة العلم والطاعة، لكن هل نقول: إن عدم وجودها نذير شؤم وبلاء على صاحبه وعلامة سوء خاتمة والعياذ بالله؟! الجواب لا؛ لأنه لا يُتصور أن الإنسان الذي اجتهد طول عمره في الطاعة والاستقامة ثم ابتلي بمرض من أمراض الشيخوخة المعروفة، مثل فقدان الذاكرة أو نحو ذلك أن نعامله كأنه إنسان مجنون. فالله هنا كأنه يُطمئن من جرت عليه هذه السنّة حين طعن في السن ورد إلى أرذل العمر أنه ما دام مكلفاً فهو ينال ثواب عمله إذا ابتلي بأي مرض، وبعض الناس لو رأى أحداً ممن ابتلي بالسرطان أو غيره من الأمراض فإن أول ما يتبادر إلى ذهنه أن هذه علامة سوء! نقول: لا، هذه سنن الله، وهي تمضي على كل خلق الله ، وربما ترتفع بها درجات الإنسان إذا ابتلي بالبلاء الكبير. وعلى هذا، فقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين:٦]، كأنها بشارة ومواساة وتعزية لمن يبتلى بمثل هذا، أنه إذا اختلّ عقله مثلاً بسبب كبر السن، فلا يؤاخذ على ما يصدر منه من أشياء غير حميدة، وفي هذه الحالة يبشره الله أنه ما دام حياً فإنه يجري عليه ثواب الأعمال الصالحة التي كان يعملها قبل أن يبتلى بهذا المرض؛ لأنه ظل مستقيماً إلى آخر إمكانياته. ولذلك قال تعالى: ((فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)) يعني: غير منقطع عند تغير العقل بسبب كبر السن، وسيظل يجري عليه أجره تامّاً، كما جاء في الحديث: (إذا سافر العبد أو مرض كتب الله مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً). ومثله من كان مواظباً على قيام الليل ثم فاته قيام بعض الليالي لمرض أو نحوه، فإنه يكتب أجره كاملاً كما كان يقوم الليل من قبل، ما دام أن الذي أقعده هو المرض. فكذلك قوله: ((فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)) أي: أنه إذا دخل في هذا السن وأصابه المرض فلا ينقطع أجره، بل يجري عليه أجر ما كان يعمله في حال شبابه وقوته؛ لأنه ما حال بينه وبين الطاعة إلا عذر سماوي لا يد له فيه. وفي آخر العمر يصيب الإنسان الضعف وذهاب العقل، يقول الشاعر: إن الثمانين وقد بُلَّغْتُهَا أحوجت سمعي إلى ترجمان فالحواس كلها تضعف، والآيات في هذا واضحة بأن معنى: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) أي: الرد إلى أرذل العمر، يقول تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [يس:٦٨]، ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾ أي: لأن الكبير يعود إلى حال الأطفال بالضبط، وكما كانت أمك وهي تنظفك من النجاسات والأقذار دون أن تتأفف أو تتضجر، فإذا احتاجت هي وأبوك لهذا في يوم من الأيام ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء:٢٣]. قال تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [النحل:٧٠]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الروم:٥٤] !!

стр. 3209

تفسير النخعي وابن قتيبة لقوله تعالى: (فلهم أجر غير ممنون) يقول النخعي رحمه الله تعالى: إذا بلغ المؤمن من الكبر ما يعجز عن العمل، كُتب له ما كان يعمل، وهو قوله تعالى: ((فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)). وقال ابن قتيبة: ((إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)) يعني: إلا الذين آمنوا في وقت القدرة والقوة، فإنهم حال الكبر غير منقوصين وإن عجزوا عن الطاعات؛ لأن الله تعالى علم أنه لو لم يسلبهم القوة لم ينقطعوا عن أفعال الخير، فهو يجري لهم أجر ذلك. فكأن الله من رحمته يثيبه على النية، مثلما يحصل في سبب خلود أهل النار وخلود أهل الجنة، فإن الخلود للنية، مع أن الكافر يكفر لفترة سنوات محدودة، والمؤمن يؤمن ويطيع الله لمدة محدودة، وله مقابل إيمانه وعمله الخلود في الجنة؛ لأن المؤمن ينوي أن يستقيم على طاعة الله مهما امتدّ به العمر، ولو عاش للأبد سيظل مستقيماً على طاعة الله، مؤديا ًحق الله، والكافر مُصرّ على الكفر إلى آخر ما أمكنه، فعامل الله هذا بنيته وذاك بنيته. فكذلك المؤمن في حياته، ما دام ينوي الاستقامة على الطاعة، ثم حيل بينه وبينها بمرض أو عذر، كما في هذه الأحوال التي ذكرنا، فإنه لا ينقطع أجره، بل يستمر وكأنه يعمل نفس الأعمال التي كان يعملها قبل هذه الشيخوخة.

стр. 3210

إيراد كلام ابن جرير حول هذه الآيات، وما رجح في تفسيرها قال ابن جرير: (وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصحة قول من قال: معناه: ثم رددناه إلى أرذل العمر، ((إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)) في حال صحتهم وشبابهم، ((فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)) بعد هرمهم، كهيئة ما كان لهم من ذلك على أعمالهم، في حال ما كانوا يعملون وهم أقوياء على العمل). والسورة فيها الإشارة إلى المراحل التي يمر بها ابن آدم: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين:٤ - ٥]. فهذا الكلام جاء في سياق الاحتجاج بذلك على منكري قدرته على البعث بعد الموت؛ لأن الآية بعد إقامة هذه الحجة والدليل الواضح على البعث والنشور لا يجرؤ إنسان على أن يكذب بالدين، وهو هنا: الجزاء، لذا قال في آخر السورة: ((فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ)) أي: من الذي يقوى ويتجاسر ويجرؤ على أن يكذب بالبعث والنشور بعد هذه الحجة، وقد احتج الله عليهم بما لا يقدرون على دفعه مما يعاينونه ويحسونه. يقول الإمام ابن جرير ﵀: قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين:٥] فيها احتمالين: الأول: إما (رددناه أسفل سافلين) بأن يُردّ إلى أرذل العمر والكبر. الثاني: أن يدخل النار في أسفل سافلين. وسياق الآيات هنا سياق إقامة الحجة عليهم بقدرة الله على البعث والنشور، وأنت إذا أردت أن تقيم الحجة على الخصم، فإنك تأتي له بكلام لا يمكن أن ينكره أو يدفعه، فأنت لو قلت له: إن معنى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين:٧]، أي: فما يكذبك بعد هذه الحجة -وهي: أن العصاة والكفرة يردون إلى أسفل السافلين من جهنم؟ فمن الممكن أن يقول لك الخصم: أنا أنكر النار أصلاً، ولا يوجد شيء اسمه نار! فالله هنا في سياق إقامة الحجة بمراحل الخلق لإثبات القدرة على البعث والنشور، أتى بشيء لا يستطيعون أن ينكروه، فهو يصلح أن يكون حجة على البعث والنشور. يقول الإمام ابن جرير: وإنما قلنا: هذا القول أولى بالصواب في ذلك؛ لأن الله تعالى ذكره أخبر عن خلقه ابن آدم وتصريفه في الأحوال، احتجاجاً بذلك على منكري قدرته على البعث بعد الموت، ألا ترى أنه يقول: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين:٧] يعني: بعد هذه الحجج، ومحال أن يحتج على قوم كانوا منكرين معنى من المعاني بما كانوا له منكرين، وإنما الحجة على كل قوم بما لا يقدرون على دفعه، مما يعاينونه ويحسونه، أو يقرون به وإن لم يكونوا له محسين، وإذا كان ذلك كذلك، وكان القوم للنار التي كان الله يتوعدهم بها في الآخرة منكرين، وكانوا لأهل الهَرَم والخرف من بعد الشباب والجلد شاهدين، عُلم أنه إنما احتجّ عليهم بما كانوا له معاينين من تصريفه خلقه، ونقله إياهم من حال التقويم الحسن والشباب والجلد، إلى الهرم والضعف وفناء العمر وحدوث الخرف.

стр. 3211

إيراد كلام الشيخ عطية سالم في تتمة أضواء البيان يقول الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى: لأن الله تعالى قال في آخرها: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين:٧] أي: بعد هذه الحجج الواضحة، وهي بدء خلق الإنسان وتطوره إلى أحسن أمره، ثم رده إلى أحط درجات العجز أسفل سافلين، وهذا هو الشاهد لهم، يحتج به عليهم. أما رده إلى النار فأمر لم يشهدوه ولم يؤمنوا به، فلا يصلح أن يكون دليلاً يقيمه عليهم؛ لأن من شأن الدليل أن ينقل من المعلوم إلى المجهول، والبعث هو موضع إنكارهم، فلا يحتج عليهم لإثبات ما ينكرونه بما ينكرونه، وهذا الذي ذهب إليه. ومما يشهد لهذا الوجه: أن حالة الإنسان هذه في نشأته من نطفة، فعلقة، فطفلاً، فغلاماً، فشيخاً، فهرماً، فهرم وعجز، جاء مثلها في النبات، وكلاهما من دلائل البعث، كما في قوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الحديد:٢٠] إلى قوله: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ [الحديد:٢٠]. وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٢١]. فكذلك الإنسان؛ لأنه كالنبات سواء كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح:١٧ - ١٨]. ويكون الاستثناء: ((إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا)) فإنهم لا يصلون إلى حالة الخرف وأرذل العمر؛ لأن المؤمن مهما طال عمره فهو في طاعة وفي ذكر الله، فهو كامل العقل، وقد تواتر عند العامة والخاصة أن حافظ كتاب الله المداوم على تلاوته لا يصاب بالخرف ولا الهذيان. وقد شاهدنا شيخ القراء بالمدينة المنورة، الشيخ: حسن الشاعر لا زال على قيد الحياة عند كتابة هذه الأسطر تجاوز المائة بكثير، وهو لا يزال يقرئ تلاميذه القرآن، ويعلمهم القراءات العشر، وقد يسمع لأكثر من شخص يقرءون في أكثر من موضع، وهو يضبط على الجميع. انتهى كلامه. وهذا أمر ملاحظ، ولكنه ليس قاعدة في أن من وصل إلى هذه السن وحفظ الله عليه صحته، فإن ذلك يكون بسبب العلم أو نحوه، وليس معناه أن من ابتلي بأمراض الشيخوخة يكون هذا بذنب منه أو أن هذا غمز فيه، لا، بل هذه سنة الحياة. فمثلاً: العلامة الألباني رحمه الله تعالى توفي عما يقارب تسعين سنة، والشيخ ابن باز كان عمره حوالي واحد وتسعين سنة، ﵏ أجمعين. فهذا موجود ومشاهد، ومن العجيب جداً ما كان من أمر العلامة الكبير القاضي الشيخ عبد الله بن يوسف، الذي تلقيت عنه شيئاً بسيطاً من العلم في أبها، وكان قرين ابن باز أو ربما أكبر منه قليلاً، وهو إلى الآن حي يُرزق، وهو مشهور جداً بصفة معينة -والشيخ عائض القرني باعتباره من بلده يعرف هذه الصفة- وهي: أنه لا يفتر أبداً عن ذكر الله بأي حال من الأحوال، ولا يمكن أن يوقف لسانه عن الذكر مطلقاً، وهذا من العجائب، وهذا الشيخ كبير جداً في السن، ومع ذلك -ما شاء الله- يحفظ بعض كتب العلم بالحرف، فهو يحفظ كتاب (المغني) من الجلدة إلى الجلدة عن ظهر قلب، وأنا كنت أقرأ عليه أحياناً في كتاب (لطائف المعارف) لـ ابن رجب، فكان يصحح لي في الكتاب غيباً. فالله أعلم، ربما ما تعلم كتاباً إلا وكان حافظاً له. وقد كان على درجة عظيمة جداً من العلم، وكان إذا تغيب شيخه عن الدرس فإنه يقوم مقامه في إلقاء الدرس للشيخ ابن باز ورفاقه. وقد كنت أظن أنه توفي؛ لأنه كبير جداً في السن، ولكن قبل شهور قليلة فوجئت بأحد الإخوة من أبها يقول لي: إنه ما زال حياً يُرزق، حفظه الله تعالى. فالشاهد: أن هذا شيء ملاحظ، وهو أن الله يحفظ العبد إذا حفظ جوارحه.

стр. 3212

تفسير سورة البينة

стр. 3213

ذكر بعض الأحاديث الواردة في فضل سورة البينة هذه السورة ترتيبها في المصحف: الخامسة والتسعون. وتسمى بسورة البينة، وسورة لم يكن، وسورة القيمة، وسورة المنفكين، وسورة البريّة. وعدد آياتها ثمان، وهي مدنية على الأصح. روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ لـ أبي بن كعب ﵁: (إن الله أمرني أن أقرأ عليك: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا) قال: وسماني لك؟ قال: نعم. فبكى ﵁ وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم. وفي رواية للإمام أحمد عن أبي حبة البدري قال: (لما نزلت: ((لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا)) [البينة:١] قال جبريل: يا رسول الله! إن ربك يأمرك أن تقرئها أبياً، فقال النبي ﷺ لـ أبي: إن جبريل أمرني أن أقرئك هذه السورة، قال أبي: وقد ذُكرت ثَم يا رسول الله؟! قال: نعم، قال: فبكى أبي رضي الله تعالى عنه). وهذا الحديث فيه فضيلة عظيمة لـ أبي رضي الله تعالى عنه، إذ أمر الله رسوله أن يقرأ عليه هذه السورة، وهذا يشير إلى أنه أقرأ الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. واختصاص هذه السورة بالذكر يقتضي اختصاصها وامتيازها بأمور معينة؛ وذلك أن هذه السورة على وجازتها وقصرها اشتملت على أمهات أمور العقيدة والدين من التوحيد والرسالة والإخلاص والصحف والكتب المنزلة على الأنبياء وذكر الصلاة والزكاة والمعاد وبيان أهل الجنة وأهل النار، فكل هذه المعاني الأمهات موجودة في هذه السورة الوجيزة الجامعة. يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: قرأها عليه رسول الله ﷺ قراءة إبلاغ وتثبيت وإنذار لا قراءة تعلم واستذكار. وذلك بأن يقرأ شخص على آخر إما لأجل التعلم منه، أو الاستذكار، أو العرض عليه، كما يقرأ مثلاً متعلم القرآن على شيخه، فهذه قراءة تعلم، أو يقرأ على صاحبه للاستذكار والمراجعة. وقال ابن العربي ﵀: وفيه -أي: في هذا الحديث- من الفقه: قراءة العالم على المتعلم؛ لأن الأصل أن المتعلم هو الذي يقرأ على العالم، لكن يجوز أن يقرأ العالم على المتعلم. وقال بعض العلماء: إنما قرأ النبي ﷺ على أبي ليعلم الناس التواضع؛ لئلا يأنف أحد من التعلم والقراءة على من دونه في المنزلة.

стр. 3214

تفسير قوله تعالى: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب) قال الله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة:١ - ٣]. قوله تعالى: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) كلمة (منفكين) معناها: منفصلين وزائلين، يقال: فككت الشيء فانفك أي: انفصل، والمراد من الآية: لم يكونوا زائلين عن كفرهم وشركهم حتى تأتيهم البينة، وقيل: لم يكونوا منتهين عن كفرهم مائلين عنه حتى تأتيهم البينة. والمراد من قوله هنا: ((لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا)) أي: جحدوا نبوة النبي ﷺ بعنادهم بعدما تبينوا الحق منها. وقوله: ((مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)) أي: اليهود والنصارى الذين عرفوه ﷺ ، وسمعوا أدلته، وشاهدوا آياته، فإنهم لم يكونوا هم والمشركون وهم وثنيو العرب ((مُنفَكِّينَ)) أي: منفصلين وزائلين عن كفرهم وشركهم، أو منتهين عن كفرهم مائلين عنه ((حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ)) أي: الحجة القاطعة المثبتة للمدعى، وهي هنا النبي ﷺ ، بدليل قوله تعالى: ((رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ)). فمجيئه ﷺ هو الذي أحدث هذه الضجة فيما رسخ من عقائدهم، وتمكن من عوائدهم، حتى أخذوا يحتجون لعنادهم ومكابرتهم بأنه كان شيئاً معروفاً لهم يصلون إليه بما كان لديهم، ولكنه ليس بمستحَقّ أن يتبع، فإن ما هم فيه أجمل وأبدع، ومتابعة الأذى فيه أشهى إلى النفوس وأنفع. وقوله تعالى: ((حَتَّى تَأْتِيَهُمُ)) عبر هنا بالفعل المضارع الذي يدل على الاستقبال، مع أنها في الماضي، فمعنى ((لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ)) أي: حتى أتتهم البينة، وتلك البينة التي تعرفهم وجه الحق هي رسول من الله، وأطلق على النبي ﷺ بيّنة؛ لأنه هو الذي بين لهم ضلالهم وجهلهم، وهذا السياق فيه بيان نعمة الله على من آمن من الفريقين؛ إذ أنقذهم به. وقيل: معنى الآية: لم يختلفوا أن الله سيبعث إليهم نبياً، فلما بُعث إليهم نبي افترقوا. وقوله: ((رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ)) هو محمد ﷺ ، ((يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً)) وهي صحف القرآن المطهرة من الخلط والباطل وحذف المدلسين، فلهذا تنبعث منها أشعة الحق فيعرفه طالبوه ومنكروه معاً. وقوله هنا: ((يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً)) المقصود: يتلو ما تضمنته الصحف، والمكتوب فيها، وهو القرآن الكريم، والدليل على أنه يتلو ما تضمنته تلك الصحف وهي القرآن الكريم، أن النبي ﷺ كان يتلو القرآن عن ظهر قلب لا من كتاب؛ لأنه كان أمياً ﵊. ثم وصف الله ﵎ هذه الصحف المطهرة فقال: (فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) أي: مستقيمة لا عوج فيها، واستقامة الكتب اشتمالها على الحق الذي لا يميل إلى باطل، كما قال تعالى في وصف هذا القرآن الكريم: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]. وقد اختلف المفسرون في المقصود من قوله ﵎: (فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ)، فقيل: إن هذه الكتب القيمة هي ما تضمنه القرآن الكريم من أحكام. وقيل: هي اقتباسات من الكتب السماوية التي سبق إنزالها من قبل، فالقرآن فيه أشياء مما في صحف إبراهيم وموسى كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:١٨ - ١٩] أي: هذه المعاني التي وردت في سورة الأعلى. وكذلك هناك آيات منها قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا) أي: في التوراة ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥] إلى آخره، فهذا أيضاً إشارة إلى تلك الكتب القيمة التي أشار القرآن إلى مواضع منها، وكما في آخر سورة الفتح أيضاً: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الفتح:٢٩]، ثم قال: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ﴾ [الفتح:٢٩]، فهذا إخبار عن أشياء موجودة في الكتب السابقة قبل إنزال القرآن الكريم، فإن الكتب التي في صحف القرآن هي ما صح من كتب الأولين كموسى وعيسى وغيرهما مما حكاه الله في كتابه عنهم، فإنه لم يأت منها إلا بما هو قوي سليم، وقد ترك حكاية ما لبس فيه الملبسون إلا أن يكون ذكره لبيان بطلانه. وهذا الكلام فيه نظر، فكيف يُقال: ترك حكاية ما لبس فيه الملبسون وإنما كلامنا هنا عن التوراة والإنجيل اللذين أنزلهما الله؟! لا ما طرأ عليه التحريف من بعد، فهذا الاحتمال غير وارد أصلاً؛ لأن القرآن الكريم حينما يشير إلى الكتب السابقة فالمقصود بها تلك كما أنزلها الله، وليست كما طرأ عليها التحريف، فهذا التعليل بأن الله قص علينا ما يوافق الحق وكان قوياً وسليماً، كما قال هنا القاسمي، فهذا غير وارد ابتداء؛ لأن هذه الكتب التي أنزلها الله ليس فيها إلا الحق والتوحيد، فالإشارة هنا إلى الكتب كما أنزلها الله، وليست إلى الكتب المحرفة، فليس هناك حاجة أبداً إلى أن يقول: وقد ترك حكاية ما لبس فيه الملبسون. يقول: ولهذا لم يجد الجاحدون لرسالته ﷺ من أهل الكتاب سبيلاً إلى إنكار الحق، وإنما فضلوا عليه سواه، ومعنى (فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) يعني: سور القرآن، ((حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ)) أي: الرسول ﵊. وهناك تفسير آخر لقوله: (يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً) (فالصحف مطهرة) قد يراد بذلك ما بينه ﵎ في قوله ﵎: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩]، أو أنه في اللوح المحفوظ، و (فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) يعني: فيها سور القرآن وآياته، وإنما قيل لها: كتب؛ لأن الكتب -كما قلنا مراراً- هو الجمع، فسميت الآيات والسور كتباً لما جمعت من أحكام وأمور شتى، ((قَيِّمَةٌ)) يعني: عادلة مستقيمة تبين الحق من الباطل. وهناك قول بأن الكتب المقصود بها الأحكام (فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) أي: فيها أحكام قيمة، واستدل من قال بذلك بقول الله ﵎: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة:٢١] أي: حكَم وقضى الله، وقال النبي ﵊ في الحديث: (والله! لأقضين بينكما بكتاب الله) أي: بحكم الله؛ لأن الذي قضى به في هذا الحديث ليس مذكوراً في القرآن؛ فدل على أنه حكم الله الذي شرعه على لسان رسوله ﷺ . إذاً: هناك قول بأنها (كتب قيمة) يعني: سور القرآن، فإن كل سورة من سوره كتاب قويم، فصحف القرآن أو صحائفه وأوراق مصحفه تحتوي على سور من القرآن هي كتب قيمة مجموعة قيمة، ولما كان لسائل أن يسأل: إذا كان هؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين قد انفكوا عن ذلك الضلال المطبق، وبدا لهم من الحق ما عرفوه كما يعرفون أبناءهم، فما بالهم لم يؤمنوا بهذا الحق الذي جاءهم؟! فأجاب الحق تعالى: بأن أهل الكتاب قد جاءتهم البينة والحجة القاطعة على الحق الذي لا يختلف وجهه بما أوحى الله به إلى أنبيائهم، وكان من حقهم أن يسترشدوا بكتبهم في معرفة سبيله؛ حتى لا ينحرفوا عنه، فإذا عرض لأحد شبهة رجع في تفسيرها إلى العارف بمعاني الكتب، ثم كان عليهم أن يحرصوا على تعلم معانيها، وفهم أسانيدها، وأن يحافظوا عليها؛ حتى لا يضللهم فيها مضلل، لكن هذه البينة لم تفدهم شيئاً، فإنهم اختلفوا في التأويل، وتفرقوا في المذاهب، حتى صار أهل كل مذهب يبطل ما عند أهل المذهب الآخر، وكان ذلك بغياً منهم، واستمراراً في المراء، وإصراراً على ما قاد إليه الهوى، وهذا هو قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا﴾ [البينة:٤ - ٥] يعني: في كتبهم، ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]. وقال بعض العلماء: إن صدر السورة من أول قوله تعالى: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) * (رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً) * (فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) في مدح الذين آمنوا من أهل الكتاب وأسلموا، ثم من أول قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:٤] إلى آخره في ذم الذين كفروا ولم يهتدوا بهذه البينة. ونزيد هذه الآية إيضاحاً؛ لأن للعلماء في هذه الآية كلام مميز.

стр. 3215

كلام الشيخ عطية سالم في تفسير قوله تعالى: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب) يقول العلامة الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى: ذكر هنا الذين كفروا ((لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)) وجاء بعدها ((أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ)) مما يشعر بأن وصف الكفر يشمل كلاً من أهل الكتاب والمشركين، كما يشعر مرة أخرى أن المشركين ليسوا من أهل الكتاب؛ لوجود العطف، فالعطف يقتضي المغايرة. إذاً فالمشركون ليسوا من أهل الكتاب، وأهل الكتاب ليسوا من المشركين، وهذا لا يؤخذ من مجرد لفظ الآية، وهذا المبحث معروف عند المتكلمين وعلماء التفسير، واتفقوا على أن أهل الكتاب هم اليهود والنصارى، وأن المشركين هم عبدة الأوثان، وأن الكفر يجمع القسمين، ولكن الخلاف: هل يجمعهما الشرك أيضاً أم لا؟ فهل يوصف أهل الكتاب أيضاً بأنهم مشركون كما يوصفون بأنهم كفار؟ يقول الشيخ: بين الفريقين عموم وخصوص، عموم في الكفر، وخصوص في أهل الكتاب لليهود والنصارى، وخصوص في المشركين لعبدة الأوثان. إذاً: الوصف العام في الكفر، ثم هناك اختص اليهود والنصارى بأنهم يسمون أهل كتاب، واختص عبدة الأوثان بكونهم هم المشركين، وهذا في حدود فهم هذه الآية فقط. وقد جاءت آيات أخرى تدل على أن مسمى الشرك يشمل أهل الكتاب أيضاً، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٠ - ٣١] فالشاهد في آخر هذه الآية وهو قوله تعالى: (عَمَّا يُشْرِكُونَ)، ولا شك أن الإشارة هنا إلى اليهود وإلى النصارى، فوصفهم أيضاً بالإشراك، لأن النصارى قالوا: ثالث ثلاثة، واليهود قالوا: عزير ابن الله، واليهود أيضاً مشبهة كما هو معلوم من كفرهم، فهذا من الشرك. وجاء عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه منَع نكاح الكتابية، وقال: وهل هل هناك شرك أكبر من قولها: اتخذ الله ولداً؟ فالشاهد هنا في وصف عبد الله بن عمر الكتابية بالشرك، وإن كان جمهور العلماء يختلفون معه في ما ذهب إليه من منع الزواج من الكتابيات، ومن هنا وقع النزاع في مسمى الشرك: هل الشرك يشمل أهل الكتاب أم لا؟ مع أننا وجدنا فرقاً في الشرع بين معاملة أهل الكتاب ومعاملة المشركين، فأحل الله ذبائح أهل الكتاب، ولم يحل ذبائح المشركين، وأحل نكاح الكتابيات، ولم يحله من المشركات كما قال تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة:٢٢١]، وقال : ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:١٠]، وقال: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠]، ثم بين ما في حق الكتابيات وقال : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة:٥] إذاً: فهناك مغايرة في الحكم بين أهل الكتاب وبين المشركين. وقد فصل العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في كتابه المبارك (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) عند الكلام على الآيات في سورة براءة، وذلك عند قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] إلى قوله: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١]. يقول الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى: هذه الآية فيها التنصيص الصريح على أن كفار أهل الكتاب مشركون؛ بدليل قوله فيهم سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ بعد أن بين وجوه شركهم بجعلهم الأولاد لله، واتخاذهم الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله، أي: أنّ الآيات التي نعت على المشركين شركهم في أي نوع من أنواع الشرك كثيرة، كزعمهم أن الملائكة بنات الله، فهذا شرك، وكذلك الذين قالوا: (عزير ابن الله) فهذا شرك، والذين قالوا: (المسيح ابن الله) فهذا أيضاً شرك. فيقول الشيخ رحمه الله تعالى: ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] فأجمع العلماء على أن كفار أهل الكتاب داخلون في هذا الحكم؛ لأن مقتضى قول بعض الضالين المضلين المنافقين الزنادقة الذين يتجرءون ويزعمون أن أهل الكتاب مؤمنون، وأن صالحهم يدخل الجنة، والعياذ بالله، وهذا تكذيب صريح بالقرآن، ومن شك في كفر اليهودي أو النصراني فهو كافر خارج من الملة، ولا يمكن أن يكون له حظ من الإسلام، ومع ذلك تجد بعض هؤلاء الزنادقة والمضلين يتلاعبون بآيات الله، ويريدون أن يمارسوا هواية اليهود القديمة في تحريف كلام الله عن مواضعه، فالقرآن الكريم صريح في هذه المسألة بلا خلاف، ومقتضى كلامهم أن الله لا يغفر لمن يعبدون الأوثان فقط، وأما اليهود والنصارى فهؤلاء داخلون في قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وهذا إلحاد في آيات الله ﵎. يقول الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى: وقد جاءت آيات أخر تدل بظاهرها على أن أهل الكتاب ليسوا من المشركين، كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:١]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [البينة:٦]. وقوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) [البقرة:١٠٥]، والعطف يقتضي المغايرة. والذي يظهر لمقيده عفا الله عنه -هو العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى-: أن وجه الجمع: أن الشرك الأكبر المقتضي للخروج من الملة أنواع، وأن أهل الكتاب متصفون ببعضها، وغير متصفين ببعض آخر منها. فأما البعض الذي هم غير متصفين به فهو ما اتصف به كفار مكة من عبادة الأوثان صريحاً، أي: أن عبادة الأوثان صراحة غير موجودة في أهل الكتاب، نعم أنه يوجد فيهم هذه العبادة، ولكنه ليست بطريقة صريحة، فهم الآن يتوسلون بالأصنام، ويبكون أمامها، ويتبركون ويتمسحون بها، فعبادة الأصنام موجودة، ولكنها ليست بصورة صريحة كما هو الحال في مشركي مكة. إذاً: فعطفهم عليهم هو لاتصاف كفار مكة بما لم يتصف به أهل الكتاب من عبادة الأوثان، وهذه المغايرة هي التي سوغت العطف. أي: أن الوثنيين تلبسوا بنوع من الشرك غير النوع الذي تلبس به أهل الكتاب، فهذا هو معنى المغايرة هنا، فكل واحد اختص بنوع من الشرك، فالشرك أنواع، والجنون فنون، فعبادة الأوثان شرك، وعبادة الكواكب شرك، وعبادة الأحجار شرك، وعبادة الأنبياء شرك، وعبادة الملائكة شرك، وعبادة الفئران كما في شرق آسيا شرك، بل وتبني القصور الفخمة من الرخام لعبادتها، وكذلك عبادة الأبقار شرك، فالشاهد أنّ الشرك أنواع، فالمغايرة ناشئة من أن شرك هؤلاء غير شرك هؤلاء، فلا تنافي أن يكون أهل الكتاب مشركين بنوع آخر من أنواع الشرك الأكبر، وهو طاعة الشيطان والأحبار والرهبان، فإن مطيع الشيطان إذا كان يعتقد أن ذلك صواب فهو عابد للشيطان، ومشرك بعبادته للشيطان الشرك الأكبر المخلد في النار، كما بينه قوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [النساء:١١٧ - ١١٨] أي: وما يعبدون إلا شيطاناً؛ لأن عبادتهم للشيطان هي طاعتهم له فيما حرمه الله عليهم. وقوله تعالى أيضاً: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس:٦٠]. وقال تعالى عن خليله إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم:٤٤]. وقال تعالى: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ:٤١]. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام:١٣٧]. فكل هذا الكفر هو بشرك الطاعة في معصية الله تعالى، ولما أوحى الشيطان إلى كفار مكة أن يسألوا النبي ﷺ عن الشاة تصبح ميتة من قتلها؟ فإنه إذا قال ﵊: الله قتلها، أوحى إليهم أن يجادلوا المسلمين ويقولوا: ما قتلتموه بأيدكم حلال وما قتله الله حرام؟! فأنتم إذاًً أحسن من الله! فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١] وما أشبه كثير من الناس في طريقة وأسلوب طعنهم في الأحكام الشرعية -بأسلوب الشيطان وطريقته، وذلك حتى يشككوا الناس في دين الله ﵎، فالأسلوب نفس الأسلوب، فهؤلاء ليس لهم رد غير التوقف عن جدالهم، وعدم التنزل إلى هذه الدرك المهلك، (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)، فأقسم تعالى في هذه الآية على أن من أطاع الشيطان في معصية الله فإنه مشرك بالله، ولما سأل عدي بن حاتم ﵁ النبي ﷺ عن

стр. 3216

اختلاف المفسرين في معنى قوله تعالى: (منفكين) يقول الشيخ عطية ﵀: اختلف في (منفكين) اختلافاً كثيراً عند جميع المفسرين، حتى قال الفخر الرازي عند أول هذه السورة: قال الواحدي في كتاب البسيط: هذه الآية من أصعب ما في القرآن العظيم نظماً وتفسيراً، وقد تخبط فيها الكبار من العلماء. ثم أشار إلى وجود إشكال في هذه الآية، لكنه لم يفصل، ولم يبين وجه الإشكال؛ ولذلك يقول الشيخ عطية سالم ﵀: وأنا أقول: وجه الإشكال أن تقدير الآية: لم يكن الذين كفروا منفكين حتى تأتيهم بينة، والبينة هي رسول الله ﷺ ، وقد كان شيخنا الشنقيطي يبين الإشكال، ثم بعد ذلك في مرحلة ثانية يرد على هذا الإشكال. فالشيخ عطية يريد هنا أن يقول: إنّ الرازي نقل أنّ هذه الآية من أصعب ما في القرآن العظيم نظماً وتفسيراً، وقد تخبط فيها الكبار من العلماء، يعني: في تفسيرها، ومع ذلك لم يبين وجه صعوبة هذه الآية، ولا وجه الإشكال، فالمرحلة الأولى يريد الشيخ عطية سالم ﵀ أن يستخرج الإشكال، ثم في مرحلة لاحقة سوف يرد على هذا الإشكال. ثم إنه تعالى لم يذكر الشيء الذي لم ينفك عنه الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، فقيل: هو الكفر الذي كانوا عليه، إذاً فقوله: ((لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ)) أي: عن الكفر الذي كانوا عليه حتى تأتيهم البينة، والتي هي الرسول ﷺ . ثم قال الشيخ عطية بعد ذلك: ((وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ)) وهذا يقتضي أن كفرهم قد ازداد عند مجيء الرسول ﷺ ، وقد يكون هناك تناقض في الظاهر بين الآية الأولى والآية الثانية، وأما في حقيقة الأمر وعند تحرير المسألة فلابد أن يرتفع التناقض، فلا يمكن أبداً أن يقع تناقض في القرآن الكريم، بل إنّ القرآن الكريم يصدق بعضه بعضاً، فالإشكال يكون في عقولنا وفي أفهامنا نحن، فإذا رجعنا إلى الراسخين في العلم أزالوا لنا هذا الإشكال بما لديهم من ملكات تؤهلهم لذلك. ففي الجزء الأول من الآية: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) أنهم لن يتركوا الشرك والكفر الذي هم عليه حتى تأتيهم البينة، فمعنى ذلك أن البينة إذا جاءت فسوف يزول عنهم ذلك الشرك، وسوف ينفكون عنه، وفي الآية الأخرى: ((وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ)) أنهم لما جاءتهم البينة ازدادوا كفراً وتفرّقاً، في حين أن صدر السورة يُفهم أن البينة إذا جاءت فسيزول عنهم الشرك. وقد سبق أن بينا في أثناء الكلام أن فريقاً من العلماء قال: إن الشطر الأول من الآيات يتكلم فيمن آمن فعلاً لما جاءته البينة، وأما قوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ﴾ [البينة:٤] إلى آخره، فهي في شأن الذين لم يهتدوا ولم يؤمنوا بعدما جاءتهم البينة، فهذا فريق وهذا فريق. وهذا الإشكال مبني على أن منفكين بمعنى: تاركين، وعليه جميع المفسرين، والذي جاء عن الشيخ رحمه الله تعالى: أن معنى (منفكين) أي: مرتدعين عن الكفر والضلال ((حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ)) يعني: وقد أتتهم. يقول: ولكن في (منفكين) وجه يرفع هذا الإشكال، وهو أن تكون (منفكين) بمعنى: متروكين، لا بمعنى تاركين، أي: لم يكونوا جميعاً متروكين على ما هم عليه من الكفر والشرك حتى تأتيهم البينة، يعني: أن الله ما كان ليتركهم سدى، ولا ليهملهم حتى تقوم عليهم الحجة، وهذا مثل قول الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة:٣٦] يعني: لا نوحي إليه وحياً، ولا نجعل له حساباً ولا جزاءً، ومثل قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢] أي: أنهم لن يتركوا، وقريب من هذا قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود:٥٣]. وقد حكى أبو حيان عن ابن عطية أنه قال: ويتجه في معنى الآية قول ثالث بارع المعنى، وذلك أن يكون المراد لم يكن هؤلاء القوم منفكين من أمر الله تعالى وقدرته ونظره لهم حتى يبعث الله تعالى إليهم رسولاً منذراً تقوم عليهم به الحجة، ويتم على من آمن به النعمة، فكأنه قال: ما كانوا ليتركوا سدى، فالله لابد أن يرسل إليهم رسولاً يقيم عليهم الحجة، فهذا القول يزيل هذا الإشكال الكبير عند المفسرين. يقول: ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قول في ذلك نسوقه لشموله، وأورد في الكلام على هذه السورة، وفي كون المشركين وأهل الكتاب لم يكونوا منفكين ثلاثة أقوال ذكرها غير واحد من المفسرين: هل المراد: لم يكونوا منفكين عن الكفر؟ أو المراد: لم يكونوا مكذبين بمحمد ﷺ حتى بعث؟ يعني: أنهم قبل أن يبعث لم يتركوا التصديق به؛ لأنهم يعرفون صفته من كتبهم، لكن لما بُعث كفروا به وجحدوا، أو أن المراد: أنهم لم يكونوا متروكين حتى يرسل إليهم رسول؟ وهذا هو الراجح كما قلنا. وناقش شيخ الإسلام تلك الأقوال وردها كلها ثم قال: فقوله: ((لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ)) أي: لم يكونوا متروكين باختيار أنفسهم على هواهم يفعلون ما يهوونه ولا حجر عليهم، كما أن المنفك لا حجر عليه إلى أن قال: فالمقصود أنهم لم يكونوا متروكين لا يؤمرون ولا ينهون، ولا ترسل إليهم رسل، والمعنى: أن الله لا يخليهم ولا يتركهم، فهو لا يفكهم حتى يبعث إليهم رسولاً كقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة:٣٦] أي: لا يؤمر ولا ينهى، يعني: أيظن أن هذا يكون؟! فهذا ما لا يكون البتة، بل لابد أن يؤمر وينهى. وقريب من ذلك قول الله ﵎: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ * أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف:٣ - ٥]، فقوله: (أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا) [الزخرف:٥] أي: أنعرض عنكم بسبب إشراككم؟! فهذا استفهام إنكاري بمعنى: ألأجل إشراككم نترك إنزال الذكر، ونعرض عن إرسال الرسل؟! فهذا ما لا يكون. فتبين من ذلك كله أن الأصح في تفسير قوله تعالى: ((مُنفَكِّينَ)) أي: متروكين، وبه يزول الإشكال الذي أورده الفخر الرازي، ويستقيم السياق، ويتضح المعنى وبالله التوفيق.

стр. 3217

تفسير قوله تعالى: (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب) قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:٤]. قوله: ((وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)) المقصود بذلك هنا من لم يؤمن من أهل الكتاب، المقصود ((إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ))، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا﴾ [الشورى:١٤]. والبينة هنا قيل: هي رسول الله محمد ﷺ ، والمعنى: لم يزالوا مجتمعين على الإيمان به حتى بعث، وقد سبقت الإشارة إلى هذا المعنى، وقيل: ((مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ)) أي: القرآن الكريم، وقيل: ((مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ)) أي: ما في كتبهم من بيان نبوته ﷺ ، والمعنى: وما تفرقوا في كفرهم بالنبي ﷺ إلا من بعد أن تبينوا أنه الذي وعدوا به في كتبهم. يقول القاسمي في تفسير قوله: (إلا من بعد ما جاءتهم البينة): أي: على ألسنة أنبيائهم، فهكذا كان شأنهم في النبي ﷺ جحدوا بينته كما جحدوا بينة أنبيائهم في كتبهم، كذلك أيضاً جحدوا بينته في القرآن الكريم لما بعث ﵊، فتفرقوا فيها، وابتعدوا عن حقيقتها بسبب هذا التفرق، فإن هذا كان شأن أهل الكتاب في بينته وبينتهم، أي: إذا كان أهل الكتاب وهم الذين أنزل إليهم الكتابان من قبل: الإنجيل والتوراة، وهذان الكتابان مملوءان بالبشارات ببعثة النبي ﷺ ، حتى أن كلمة الإنجيل نفسها تعني البشارة، والبشارة هي أساس البيان لمحمد ﵊، حتى إن معنى اسمه في الإنجيل: البشارة، والمقصد من دعوة المسيح هو البشارة بمحمد صلى الله عليه وعلى آله سلم، فإذا كان هؤلاء هم أهل الكتاب، وكانوا على علم بوصف الرسول ﵊، ووصف أصحابه، فإن ذلك كان موجوداً في كتبهم، ومع ذلك اختلفوا فيه، وجحدوا بعدما بعث، فما ظنك بالمشركين الذين هم أميون لا كتاب لهم، وهم أبعد عن العلم!! فلا شك أنهم سيكونون أولى بالانقياد للهوى، والغرق في الجهالة. وقال بعض العلماء: خص أهل الكتاب بالتفريق دون غيرهم وإن كانوا مجموعين مع الكافرين؛ لأنهم مظنون بهم العلم، فالمفترض أن يكونوا على علم، فإن تفرقوا كان غيرهم ممن لا كتاب له أدخل في هذا الوصف، وأولى بوصف الكفر، والإعراض عن دين الله ﵎. وقد فاتنا تنبيه مهم يتعلق بقوله تعالى: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة:٣]. يقول الشيخ عطية سالم: مدلول الكتب على ظاهرها، أي: أن بعض العلماء -كما قلنا- قالوا: الكتب هنا هي الآيات وسور القرآن الكريم، أو هي الأحكام. وقول آخر: أن الكتب على ظاهرها جمْع كتاب، والمراد الكتب المنزلة على الأنبياء من قبل كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٦ - ١٧]، ثم قال بعدها: ((إِنَّ هَذَا)) يعني: هذا الكلام نفسه ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:١٨ - ١٩]. وكقوله أيضاً في عموم الكتب الأولى: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف:٣٠]، وقال أيضاً: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ﴾ [آل عمران:٣ - ٤]. وقال أيضاً: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١١٤]؛ لأن ما فيه يصدّق ما في كتبهم التي سبق إنزالها، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النور:٣٤]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل:٧٦]، فهو مهيمن على ما عندهم، ومحاسب ومرسخ للحق، ومبين للباطل، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأنعام:٩٢]، فهذا كله يدل على أن آيات القرآن متضمنة كتباً قيمة مما أنزلت من قبل. وقال الله أيضاً: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا) أي: في التوراة ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، فهذا الكلام موجود في التوراة، وهذا هو معنى قوله: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة:٣] يعني: أنّ القرآن فيه أشياء من الكتب القيمة التي سبقت. وقال أيضاً: ((وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ)) يلاحظ أن السورة في أولها عن الكفار عموماً من أهل الكتاب والمشركين، وهنا الحديث عن أهل الكتاب فقط: ((وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ))؛ وذلك مما يخصهم في هذا المقام دون المشركين؛ لأنهم أهل كتاب، وعندهم علم به ﷺ وبما سيأتي به، فكانوا ﴿مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة:٨٩]، وكقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:١٤] فاختصوا بالذكر هنا لمعرفتهم بالنبي ﵊ قبل مجيئه، واختلافهم فيه بعد مجيئه. ثم يقول الشيخ عطية سالم: ومما يدل على ما ذكرنا من معنى (كتب قيمة) أمران من كتاب الله: الأول منهما: اختصاص أهل الكتاب هنا بعدم عموم الحديث عن الذين كفروا، مما يؤكد أنّ تفسير (كتب قيمة) يكون بهذا المعنى الذي أشرنا إليه آنفاً. والثاني منهما: أن القرآن لما ذكر الرسول ﵊ يتلو على المشركين قال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [الجمعة:٢] فجاء نفس الأسلوب الذي استعمل مع المشركين فقال: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ)؛ لأنهم لم يكن لهم علم بالكتب الأخرى، ولذا قال: (يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ) فاقتصر على الآيات، وأما أهل الكتاب فذكر أن فيها كتباً قيمة؛ لأنهم على علم بالكتب -يعني- السابقة.

стр. 3218

تفسير قوله تعالى: (وما أمروا إلّا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) قال ﵎: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البينة:٥]. قوله: ((وَمَا أُمِرُوا)) أي: والحال أن أهل الكتاب ما أمروا بلسان أنبيائهم وكتبهم (إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، أي: موحدين لا يعبدون سواه، ومذعنين خاضعين لا يشركون بالله شيئاً: لا واسطة، ولا مالاً، ولا كرامة، ولا جاهاً. إذاً: فأهل الكتاب تفرقوا بعد ما جاءتهم البينة، مع أن المفروض أن البينة والعلم تجعلهم يتحدون وينقادون لها، ومع ذلك أعرضوا عنها. فالواو في قوله: ((وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ)) واو الحال، أي: والحال أن أهل الكتاب ما أمروا بلسان أنبيائهم وكتبهم إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين، فهذا يقتضي أن يؤمنوا به، فيأتي النبي، وتأتي البينة، ويأتي القرآن يدعوكم إلى أن تعبدوا الله وحده مخلصين له الدين، فعلام التفرق والأمر في غاية الوضوح؟! ولذلك فأنا أعجب من عقلية هؤلاء اليهود والنصارى وغيرهم؛ فالمسلمون لا يدعونهم إلى عبادة محمد ﵊، ولا ادعاء أنه ابن لله، ولا إلى عبادة الأصنام والأحجار، وإنما يدعونهم إلى عبادة الله الواحد الذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فهل مثل هذا يعرض عنه الإنسان؟! قوله تعالى: ((وَمَا أُمِرُوا)) أي: والحال أن أهل الكتاب ما أمروا بلسان أنبيائهم وكتبهم ((إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ))، واللام في قوله: ((إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ)) بمعنى: (أن) والمعنى: وما أمروا إلا أن يعبدوا الله، قال الفراء: والعرب تجعل اللام في موضع (أن) في الأمر والإرادة كثيراً، فأحياناً يستعملون اللام مكان (أن) كقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء:٢٦] أي: يريد الله أن يبين لكم، وهذا يتعلق بالإرادة، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [الصف:٨] فمعناه: يريدون أن يطفئوا، وقال في الأمر: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٧١]، أي: وأمرنا أن نسلم، وهذا في الأمر، فهذا له شواهد كثيرة كما بينا. فقوله: ((وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)) أي: أن يكونوا موحدين لا يعبدون سواه، ((حُنَفَاءَ)) أي: مائلين عن الأديان كلها إلى الإسلام، فالحنيف: هو المائل، والحنف الذي يكون في السقف هو الميل الذي يكون في السقف. فمعنى (حنيفاً) أي: مائلاً عن الأديان ومعرضاً عنها إلى دين الإسلام، والحنفية هي ملة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ((حُنَفَاءَ)) أي: متبعي إبراهيم ﵇، أو على مثاله، وأصله: جمع حنيف وهو المائل المنحرف، وسمي به إبراهيم ﵇؛ لانحرافه عن وثنية الناس كافة. قوله: ((وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ)) أي: يقيمون الصلاة المكتوبة، ويأتون بها بحدودها، وفي أوقاتها، بإحضار القلب هيبةَ المعبود، وترهيبه به، وأن تكون بخشوع لا أن تكون الصلاة مجرد حركات ظاهرة، فإن ذلك ليس من الصلاة في شيء البتة. وقوله: ((وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ)) أي: عند وجوبها، وذلك بصرفها في مصارفها التي عينها الله ﵎. قوله: ((وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)) أي: وذلك الذي أمروا به سواء على لسان أنبيائهم وفي كتبهم، أو على لسان نبينا محمد ﷺ ((وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)) أي: الكتب القيمة، وهناك اختلاف بين العلماء في المقصود بدين القيمة، ولكن قبل أن نبين ذلك ننقل قول ابن كثير رحمه الله تعالى، قال: استدل كثير من الأئمة كـ الزهري والشافعي بهذه الآية الكريمة على أن الأعمال داخلة في الإيمان، ولهذا قال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]. أقول: يشيع الاستدلال بهذه الآية: ((وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)) في كل أبواب العبادات على الإخلاص، وأن أي عبادة يشترط فيها النية، فالنية ركن أساسي في الصلاة، والنية ركن في الحج، والزكاة لابد فيها من النية، والصيام لابد فيه من النية، فلو أن رجلاً أخرج في آخر السنة مالاً ولم ينو أنه زكاة ماله فلا تسقط عنه فيها الزكاة. ولو أن شخصاً كان جنباً فانغمس في البحر وخرج، أو اغتسل بسبب حرارة الجو، فلا يرفع ذلك جنابته، لأنه لم ينو رفع الحدث الأكبر، إذن: فالنية ركن متين في العبادات، وهذا موضوع كبير ومهم، لكن هذه إشارة تابعة، فهذه الآية دائماً نجدها في كل باب من أبواب الفقه عند بيان ركنية النية، فهي تميز العادة من العبادة، فلو رجلاً جلس في المسجد عشرة أيام متواصلة ولم يغادره، ولم ينو الاعتكاف، وآخر يعمل نفس العمل لكنه نوى الاعتكاف، فالأول لا يكتب له أجر الاعتكاف، والآخر يكتب، والمفرق بينهما هي النية. فالنية لها شأن خطير جداً في الشرائع الإسلامية، وهي أيضاً تميز العبادات عن بعضها، فتميّز بين النفل وبين الفرض، فقد تشتبه صورة الصلاة في النفل والفريضة، ثم تأتي النية فتميز وتفرق بينهما. قوله تعالى: ((وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)) (وذلك) أي: الذي أمروا به، (دين القيمة) أي: دين الكتب القيمة، أو وذلك دين الأمة القيمة الوسط، وهي أمة الإسلام، فتكون لفظة (القيمة) صفة لمحذوف. ومعنى الآية: إن أهل الكتاب قد افترقوا، ولعنت كل فرقة أختها، وكانت فرقهم في العقائد والأحكام وفروع الشريعة، مع أنهم لم يؤمروا، ولم توضع لهم تلك الأحكام إلا لأجل أن يعبدوا الله، ويخلصوا له عقائدهم وأعمالهم، فلا يأخذونها إلا عنه مباشرة، ولا يقلدون أهل الضلال من الأمم الأخرى، وأن يخشعوا لله في صلاتهم، وأن يَصِلوا عباد الله بوفائهم، فإذا كان هذا هو الأصل الذي يُرجع إليه في الأوامر فما كان عليهم إلا أن يجعلوه نصب أعينهم، فيُردّ إليه كل ما يعرض لهم من المسائل، ويحل به كل ما يعترض أمامهم من المشاكل. ومتى تحتم الإخلاص في الأنفس تخلق الإنصاف عليها فكانت فيها الرحمة، ولم تطرق طرقها الفرقة، وهذا ما نعاه الله من حال أهل الكتاب، فما نقول في حالنا؟! أفما ينعاه كتابنا الشهيد علينا بسوء أعمالنا في افتراقنا في الدين، وأن صرنا فيه شيعاً، وملأناه محدثات وبدعاً؟! من خلال ما تقدم عرفت أن الذين كفروا هم الذين أنكروا رسالة النبي ﷺ عند دعوته إلى قبول ما جاء به، وأن (مِن) في قوله تعالى: ((مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)) للتبعيض؛ لأن منهم من آمن ومنهم من كفر، وهذا كلام القاسمي رحمه الله تعالى. فالمقصود: ((لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)) في قول أنها ماذا؟ من للتبعيض يعني: لأن في طائفة أخرى أسلمت واضح؟ وأن معنى (لم يكن منفكين) أي: لم يكن وجه الحق ينكشف لهم فيقع الزلزال في عقائدهم فينفك عن الرهبة المحضة التي كانوا فيها حتى تأتيهم البينة.

стр. 3219

كلام الشيخ عطية سالم في قوله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله) يقول العلامة الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ((وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ)): وهذا لا يستوجب التفرق في أمره ﷺ ، وقد بيّن القرآن العظيم أن هذا الأمر موجود في كل كتبه يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]. وقال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة:٤٠ - ٤١] إلى آخر الآيات. فهذه الأوامر سواء كانت في كتبهم أو في القرآن فإنها لا تقتضي التفرق، بل تستوجب الاجتماع والوحدة. قوله تعالى: ((وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)) القيمة: فيعلة من القوامة، وهي غاية الاستقامة، وجاء بعده قوله: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة:٣] أي: مستقيمة بتعاليمها. وبين الله أن القرآن الكريم هو أقوم الكتب وأعدلها على الإطلاق في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩]، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا﴾ [الكهف:١ - ٢] فنفى عنه العوج، وأثبت له الاستقامة، فهذه غاية القيام، فإن المستقيم قد يكون فيه انحناء كالطريق المعبد المستقيم عن المرتفعات والمنخفضات، لكنه قد ينحرف تارة يميناً وشمالاً مع أنه مستقيم، إذن فقد يكون الشيء مستقيماً لكن لا يخلو من العوج، لكن أكمل الأحوال أن ينتفي عنه العوج وتثبت له الاستقامة، فهو الطريق الذي يمتد في اتجاه واحد بدون أي اعوجاج إلى أي الجانبين، مع استقامته في سطحه، وهكذا هو القرآن، فهو الصراط المستقيم، ولذلك قال تعالى: ((وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)) أي: دين الملة القيمة، فهي قيمة في ذاتها، وقيمة على غيرها ومهيمنة عليه، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم:٣٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦١ - ١٦٣]. وفي قول الله ﵎: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] يقول الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى فيها: إن في هذه الآية رداً صريحاً على أولئك الذين ينادون بدون علم إلى دعوة لا تخلو من تشكيك، حيث لم تسلم من لبس، وهي دعوة وحدة الأديان، ومحل اللبس فيها أن هذا القول منه حق ومنه باطل. أقول: والصواب أن نقول: وحدة الأديان بالكسر أي: أن الدين واحد، وأما وَحدة الأديان بالفتح فمعناها أن هناك أديان مختلفة ثم توحدت مع بعضها، وهذا غلط. فالحق أن هذه الدعوة فيها شيء من الحق، وفيها تلبيس وباطل، فأما الحق فهو أن هذه الأديان كلها في الأصل دين واحد، فوحدة الأديان أي: وحدة أصولها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] فهذا جوهر جميع الرسالات السماوية. لذلك، فالصواب أن يقال: الرسالات السماوية، ولا يقال: الديانات السماوية؛ لأن الدين واحد، فجميع الأنبياء دعوا إلى دين واحد ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] فهو دين واحد، وإلا فكيف تكون كلها سماوية وهي يضرب بعضها بعضاً؟ فكيف تكون الأديان متضاربة ومتناقضة وقد نزلت من مصدر واحد؟! فجميع الأنبياء دعوا إلى دين واحد، وهو دين الإسلام، ودين الإسلام مكون من جملتين: لا إله إلا الله، فلان رسول الله، فجميع الأنبياء من آدم ﵇ وحتى خاتمهم وهو محمد ﵊ كلهم دعو إلى: (لا إله إلا الله) نفس الإله، وأمروا بعبادته وبالإيمان وبالقضاء والقدر، والإيمان بالملائكة، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالبعث والنشور، فهذه أمور ثابتة في جميع رسالات الأنبياء ﵈. والشق الثاني: نوح رسول الله مثلاً، وهذا في عهد نوح ﵇، ففي عهد نوح كانت النجاة بأن يشهدوا هاتين الشهادتين أي: لا إله إلا الله نوح رسول الله، وفي عهد موسى: لا إله إلا الله موسى رسول الله. فلا يصح أن تؤمن وتعبده دون أن تؤمن بالرسالات؛ لأن معرفة ما يرضي الله، وما يقرب من الله، وما يبعد عن الله لا يصل إليها العقل بمفرده، بل لا بد فيها من الوحي، فهو الذي يبين ذلك؛ لأن العقل لا يدرك المعاني التعبدية في كثير من الأحيان، فالبتالي فكلمة النجاة ألّا تعبد إلا الله وفق ما يشرعه لك على لسان نبيه ورسوله، فإن معنى: محمد رسول الله، أو نوح رسول الله، أو عيسى رسول الله معنى ذلك: أن تتبع هؤلاء الرسل لا أن تتبعوا وتخترعوا من تلقاء أنفسكم. فهذه كانت كلمة النجاة، وأما الفرق بين الأديان فهو اختلاف في بعض الشرائع: في أحكام الطلاق والزواج، وتفاصيل بعض العبادات، وأما التوحيد فهو جوهر جميع الرسالات، وكل الأنبياء دعوا إليه، وهذه الحقيقة هي أنصع وأطهر وأهم حقيقة في الوجود كله وهي: لا إله إلا الله، فما خلق الخلق كلهم إلا من أجل لا إله إلا الله، وما بعث الأنبياء إلا من أجل لا إله إلا الله، وما خلقت الجنة والنار إلا من أجلها، وما شرعت فريضة الجهاد إلا من أجلها، وما شرع الحلال والحرام إلا من أجلها، وما قسم الناس إلى أهل الجنة وأهل النار إلا على أساسها وهكذا، فهي إذن محور الحياة كلها، ولذلك ذكرت في مناسبة سابقة أن التفسير الوحيد الصحيح للتاريخ هو أن يفسر على أنه صراع بين أهل التوحيد وبين مناوئيهم من المشركين والكفار، فهذا هو التفسير الحقيقي، وليس كما يقولون: إن الصراع إنما هو بين طبقات حاقدة من الفقراء وبين البرجوازيين، كما هو معروف من خرافات الشيوعية، أو أنه من أجل صراع سياسي، أو صراع من أجل الشهوات كما ذهب إليه بعضهم. فالشاهد: أن المحور الحقيقي للتاريخ منذ أن خلق الله آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها إنما هو صراع بين الإسلام والكفر، فهذا هو التفسير الوحيد المقبول في التاريخ، ويجب أن ينظر إلى الموضوع من هذا المحور، وليس كما يقول بعضهم: إن أحداث الدنيا كلها من أجل الدنيا، وفي هذا الزمان الذي نعيش فيه نرى الصراع واضحاً بين الإسلام والكفر، فمن الخداع أن يصور بصورة أخرى خلاف ذلك، بل من العدوان على الحق وغمطه أن يسوى بين الكفر والإسلام، ولو زال الحد الفاصل بين الإسلام والكفر: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣] لاختلت الموازين، فهذا ياسر عرفات يقول لزوجته لما أرادت أن تدخل في الإسلام وقد كانت نصرانية: لا، ليس هناك داعٍ، فالكل شيء واحد، فلتبقِ على النصرانية؛ فإنها والإسلام سواء، فعنده أن كل الأديان شيء واحد. فالشاهد هذا تشويش على الإسلام وخصوصاً إذا صدر من أناس لهم ثقلهم في العلم أو في الإسلام، فهذه القضية لا تحتمل مساومة على الإطلاق. فهذا الذي يدعون إليه يعتبر جناية في حق البشرية، فطالما قررتُ أن أعظم حق، وأول حق، وأهم حق من حقوق الإنسان -لمن عقل- هو ألّا يحال بينه وبين الإسلام كما أنزله الله، وأعظم جريمة ترتكب في حق الإنسان ليست أن يستعبد، ولا أن يعذب، ولا أن تؤخذ أمواله، لا، بل هي أن يحال بينه وبين الدخول في الإسلام بالتشويش على الإسلام، ووصف المسلمين بالإرهابيين، ووصف الإسلام بأنه دين التطرف، وغيرها من عبارات التنفير، فهذه أكبر جريمة في حق البشرية كلها وخصوصاً الكفار؛ لأنهم إذا حرموا من هذه النعمة فسوف يخلدون أبد الآباد في نار جهنم، فأي جريمة في حق الإنسان أكثر من أن يحال بينه وبين سعادة الدارين في الدنيا والآخرة؟! إذاً: فأصحاب هذه الدعوى يتسترون ويقولون: الأديان الإبراهيمية، وهي كلمة حق، لكننا لا نسميها أدياناً، بل إن ملة إبراهيم ﵇ دين واحد، وهو دين الإسلام. فكأنه من هذه الآية: ((وَمَا أُمِرُوا)) أي: كل هؤلاء الكفار، وما أمروا سواء كان في كتبهم أو جاء به نبينا محمد ﵊، وهذا الأمر لا يقبل التصرف ولا الاختراع ((إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ)) وحده ((مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)) بلا شرك ولا ند، ((حُنَفَاءَ)) كما كان إبراهيم، ((وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)) وأما الباطل في دعوة الأديان الإبراهيمية أو توحيد الأديان فهو الإبهام بأن هذا ينجر على الفروع مع الجزم عند الجميع؛ لأن فروع الإسلام قد لا تتفق كلها مع فروع الدين الآخر، كالصلاة والصيام إلى آخره. فالذي جاء به القرآن هو دين القيمة ((وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)) فالإسلام هو الدين القيم، والقرآن يهدي للتي هي أقوم، وليست كلمة (أقوم) أفعل تفضيل، فلا يمكن أن يص

стр. 3220

مراحل الدعوة إلى وحدة الديان هذه القضية في غاية الأهمية، وهي أخطر قضية عُرفت في الوجود كله، وهي عملية إزالة الحد الفاصل بين الإسلام والكفر، وهي الآن تجري على قدم وساق، وهذا أخطر خطر يتعرض له الإسلام، وهذه القضية تعرض لها العلامة الجليل الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد في كتاب له يسمى: (الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان) والشيخ بكر أبو زيد حفظه الله تعالى رجل مبدع في كتاباته، فإنه يغوص في أعماق الأسفار، ويخرج لنا من بطونها هذه الكنوز، فأي كتاب عليه اسم الشيخ بكر أبو زيد فلابد أن يشترى، فهو لا يؤلف في موضوع إلا وقد أتقنه، فلابد أنك سوف تستفيد منه، فهذا الكتاب ناقش فيه هذه القضية بالتفصيل نقاشاً رائعاً جداً، وفصل فيها تفصيلاً رائعاً، ففي هذا الدرس نقتنص منه بعض الأشياء، وقد جعل غالبه في ذكر المصدر التاريخي لهذه النظرية، فذكر أن هذه هي نظرية اليهود والنصارى لسحب المسلمين عن الإسلام، وهذه المؤامرة يراد منها الخلط بين الأديان، وأن المسلمين يخرجون من الملة، ويزحفون من الإسلام إلى ضلال اليهود والنصارى، وهذا من تدابيرهم الكيدية ومواقفهم العدائية للإسلام والمسلمين، ففي عصر النبي ﷺ كانت محاولتهم دائبة لإضلال المسلمين عن إسلامهم، وردهم إلى الكفر، يقول تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٠٩]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:١١١ - ١١٢]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة:١٣٥]. فشاء الله أن تبقى هذه الآيات على مر الزمن تتلى في المحاريب؛ حتى لا يغيب هذا الكيد عن قلوب المؤمنين. والمرحلة الثانية: مرحلة الدعوة إليها بعد انصرام القرون المفضلة، وهذا كان في عهد النبي ﵊، فلما انصرمت القرون المفضلة وجاءت القرون التي بعدها جاءت الدعوة لإخراج المسلمين من إسلامهم تحت اسم: الاتحاد والحلول، وذلك على أيدي ملاحدة المتصوفة في مصر والشام وفارس وأقاليم العجم وهكذا الرافضة، حتى بلغ الحال أن بعض هؤلاء الملاحدة يجيز التهود والتنصر! بل إن فيهم من يرجح دين اليهود والنصارى على دين الإسلام!! وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كان له مواقف في الرد على هؤلاء الغلاة مثل الحلاج الحسين بن منصور الفارسي المقتول على الردة سنة (٣٠٩هـ)، وابن عربي: محمد بن علي الطائي قدوة القائلين بوحدة الوجود كما في كتابه (الفصوص)، وابن سبعين والتلمساني وابن هند وغيرهم كثير، والملاحدة أعداء الإسلام يحاولون ويجتهدون الآن في أن يعيدوا تراثهم، وهذه وصية أيضاً لإضعاف انتماء المسلمين إلى الإسلام، والهدف هو إخراج المسلمين من الإسلام، وليس من المهم أن يتهودوا أو يتنصروا، فهذا غير ممكن، وهم عاجزون عنه أصلاً، لكن يهمهم إخراج المسلم عن إسلامه، فمن الصور التي فيها إخراج عن الإسلام قول: إن الذي يعبد أي شيء هو أصلاً ما عبد إلّا الله، كما يقول الخبيث ابن عربي: العبد رب والرب عبد فليت شعري من المكلف إن قلت عبد فذاك رب أو قلت رب أنى يكلف أستغفر الله، انظر إلى هذا الكفر، ويقول: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسة ويعتبر ابن عربي أن أكبرَ موحدَينِ في الدين هما: محمد ﵇، وإبليس لعنه الله، فهذا الشرك والضلال كله كان الهدف منه إخراج المسلمين من دين الإسلام، وبعضهم الآن يؤلف الكتب في الحلاج، ويعمل المسرحيات وكل الضلالات، ويتكلمون في الوهابيين بحجة أنهم هم الذين قتلوا الحلاج، ويظهرون الحلاج بأنه كان رجلاً مظلوماً إلى آخر هذا الكلام، وذلك كله من أجل أن يعيدوا هذا التراث العفن، سواء كان هذا التراث لـ كمال مصطفى، أو لـ ابن عربي، أو للحلاج أو لـ ابن سبعين، أو للتلمساني، أو لـ ابن هند. وأيضاً مرحلة الدعوة إليها في النصف الأول من القرن الرابع عشر، فهذه الدعوة جمدت في وقت من الأوقات، ثم عادت من جديد تحت اسم جديد وهو الماسونية، وهي منظمة يهودية هدفها السيطرة على العالم، ونشر الإلحاد والإباحية تحت غطاء الدعوة إلى وحدة الأديان، ونفي التعصب، وأن كل الناس مؤمنون بالله تعالى، وقد دخل في دعوتهم وتورط فيها رجل شيعي أصلاً، وهو المسمى بـ جمال الدين الأفغاني، وهو شيعي إيراني وليس أفغانياً. وتلطخ بها أيضاً زعيم الطائفة ميرزا محمد باقر الإيراني، فدخل في جمعية التقريب بين الأديان الثلاثة، ودخل فيها بعض الإيرانيين، وبعض الإنكليز، وبعض اليهود. وأما مرحلة الدعوة وهي في العصر الحاضر في الرُّبع الأخير من القرن الرابع عشر الهجري، وذلك في ظل النظام العالمي الجديد، فظهر اليهود والنصارى بالدعوة إلى التجمع الديني بينهم وبين المسلمين، وبعبارة أخرى: التوحيد بين الموسوية والعيسوية والمحمدية، ونحن نؤمن بمحمد وعيسى وموسى ﵇ جميعاً، بل لو كفر مسلم بأحد هؤلاء الأنبياء لخرج من الملة تماماً، ولكان مشركاً كافراً مرتداً، فنحن نؤمن بالأنبياء ونعظمهم، لكن لا على ما يزعم هؤلاء. فالدعوة إذاً أخذت صورة الدعوة للتقريب بين الأديان، ونبذ التعصب الديني، ثم اسم الإخاء الديني، ومجمع الأديان واسم الصداقة الإسلامية النصرانية، التضامن الإسلامي النصراني ضد الشيوعية، ثم خرجت من بعد شعارات وحدة الأديان: توحيد الأديان الإبراهيمية، والوحدة الإبراهيمية، ووحدة الدين الإلهي، والمؤمنون المتحدون، والناس المتحدون، والديانة العالمية، والتعايش بين الأديان الملية العالمية، وتوحيد الأديان، ووحدة الكتب السماوية، وآخر ما وصلوا إليه: الإعلان عن فكرة طبع القرآن الكريم والتوراة والإنجيل في غلاف واحد مع بعض، ثم دخلت في الحياة التعبدية العملية، فدعا ما يسمى بالبابا إلى إقامة صلاة مشتركة بين ممثلي الأديان الثلاثة: الإسلاميين والكتابيين في قرية أسيس في إيطاليا، وأقيمت الصلاة جماعة في تاريخ (٢٧/ ١٠/١٩٨٦م) ثم تكرر هذا الحدث مرات أخرى باسم صلاة روح القدس، لكن يا تُرى إلى أي قبلة اتجهوا؟!! وفي أي مكان صلوا؟!! وما يتبع ذلك من الأساليب البارعة للاستدلال ولفت الأنظار إليها، والالتفاف حولها، كالتلويح بالسلام العالمي، ونشر الطمأنينة والسعادة الإنسانية والإخاء والفضيلة والمساواة والبر والإحسان، وهذه مثل شعارات الدعوة إلى الحرية والإخاء والمساواة أو السلام والرحمة والإنسانية. أيضاً: فالدعوة الروحية الحديثة قائمة على تحضير الأرواح: روح المسلم واليهودي والنصراني والبوذي وغيرهم، وكل هذه دعاوى طغيانية هدامة.

стр. 3221

آثار دعوى وحدة الأديان أول آثار هذه الدعوى: اقتحام العقبة لكسر حاجز الهيبة من المسلمين، وكسر حاجز النفرة من الكافرين. ومن آثارها: تقديم هذا المدعو بالبابا نفسَه إلى العالم بأنه القائد الروحي للأديان جميعاً، وأنه حامل لرسالة السلام العالمي الإنساني. ومن آثارها: أنه اعتبر يوم (٢٧/ ١٠/ ١٩٨٦م) عيداً لكل الأديان، وأول يوم من شهر يناير هو يوم التآخي. ومن آثارها: اتخاذ نشيد يردده الجميع، وأسموه نشيد الإله الواحد: رب وأب. ومن آثارها: انتشار عقد المؤتمرات لهذه النظرية، وقد عقد المؤتمر الإبراهيمي سنة (١٩٨٧م) في قرطبة بمشاركة عدد من اليهود والنصارى والمنتسبين للإسلام من القاديانيين والإسماعيليين، باسم: مؤتمر الحوار الدولي للوحدة الإبراهيمية. كان المتولي لذلك النصراني، والذي يفخر بأنه ما زال نصراني وهو رجل يهودي، وليس كما يفهم الناس، فقد قال: أنا ما تخليت عن النصرانية، وله فكرة في غاية الخطورة، وبعد ذلك تأسست الجماعة العالمية باسم المؤمنون متحدون، ونادي الشباب المتدين أيضاً، وجماعة أخرى باسم الناس متحدون، وعمل لهذه المؤسسات لوائح وأنظمة داخلية ركّزت على إذابة الفوارق بين الإسلام واليهودية والنصرانية، وتجريد الشخصية الإسلامية من هويتها، فينسى المرء أن الإسلام ناسخ لما قبل، أو أن القرآن ناسخ لجميع الكتب، وأنه مهيمن عليها، باسم وحدة الأديان. ويبلغ رأس مال جماعة (المؤمنون المتحدون) (٨٠٠. ٠٠٠ دولار) وفي حال حل الجمعية تعود أموالها إلى الصليب الأحمر، ومؤسسة الصدقات الكنيسية. من معتبرات هذه الجمعية رموز: رمز الإحسان هو مؤسس الصليب الأحمر. رمز التطور هو داروين. رمز المساواة هو كارل ماركس. ورمز السلام العالمي للبشرية والإخاء الديني هو البابا. واتخذت هذه الجمعية راية عليها الشعارات الآتية: شعار الأمم المتحدة، وألوان علم الأمم المتحدة متخذة من التوراة الدين السماوي، وشعار قوس قزح وهذا أيضاً مأخوذ من سفر التكوين التوراتي، وشعار السبعة رمز النصر عندهم، وهو اسم أول سفينة اكتشفت القارة الأمريكية، وحملت النصرانية إلى هذه القارة. ومن آثار هذه النظرية جلبها إلى ديار الإسلام، وتأييدها على بعض الألسنة، ومنها ما حصل في مؤتمر شرم الشيخ في مصر سنة (١٤١٦هـ) وقد تركزت كلمات بعض أصحاب الفخامة على الصفة الجامعة بين المصلين وهي الإبراهيمية، وهو مؤتمر يجمع لفيفاً من المسلمين واليهود والنصارى والشيوعية. وفي تاريخ (١٠/ ١٠/ ١٤١٦هـ) أعلن بعضهم عن إصدار كتاب يجمع بين دفتيه القرآن الكريم والتوراة والإنجيل، وفي بعض الآفات صدر قرار رسمي بجواز تسمية موالي المسلمين بأسماء اليهود المختصة بهم، ونلاحظ أن من المسلمين من سمى ابنه رابين، والله المستعان. ومن ذلك أن نصرانياً سمته أمه محمداً فأصبح اسمه: محمد صبحي، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا شيء مؤلم جداً أن يكون نصرانياً ويسمى محمداً. ومن ذلك أن سورياً كان معجباً بـ هتلر، وفي سنة (١٩٣٠م) رزق ولداً، وسماه محمد هتلر، وهناك رجل كويتي سمى ابنه عبد الله جورج بوش الصالح، ووالدته دكتورة اسمها: بدور المطوع، قالت: سمينا الطفل على اسم الرئيس الأمريكي؛ كبادرة عرفان في تحرير بلادنا، وهذا مظهر من مظاهر ذوبان الهوية، وذوبان الحد الفاصل بين المسلمين وبين غيرهم. فالشيخ بكر فصل جداً في هذا الكتاب، وأنا أنصح بقراءة هذا الكتاب القيم جداً واسمه: (الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان). هذا ما تيسر المرور عليه من موضوعات هذا الكتاب.

стр. 3222

تفسير قوله تعالى: (إنّ الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين) قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٦]. قرئت: البريّة، وقرئت: البريئة أي: شر من برأه الله وخلقه، فأكثر العرب وأكثر القراء على ترك الهمز، أي: البرية؛ لكثرة ما جرت على الألسنة، وهي فاعلة بمعنى مفعولة من برأ الله الخلق فهي بريئة، أي: مخلوقة من الله ، كما قال تعالى ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]. فهذه الآية تضمنت أن أولئك في نار جهنم خالدين فيها، وأنهم شر البرية، ومن البرية: الدواب والطيور، فاللفظ هنا على العموم. ومفهوم الآية أن هؤلاء شر الخليقة كلها، أي: أنهم شر من الحيوانات والدواب؛ لأنها تدخل في البرية، وهذا ما صرح به القرآن في موضع آخر فقال : ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال:٢٢]، وقال ﵎: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٣]، فبان بذلك أن المراد بهم الكفار، وقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:٤٠]، فهل الدواب في ضلال مبين؟ لا، ليست الدواب في ضلال مبين، بل إن الكفار في ضلال مبين. وأما الدواب فتؤمن بوحدانية الله، فهدهد سليمان ﵇ أنكر شرك بلقيس وقومها فقال: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٢ - ٢٣]، ثم يقول: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل:٢٤] إلى آخر الآية، فالهدهد فاهم لقضية التوحيد فهماً عميقاً كما في هذه السورة. وفي الحديث في فضل يوم الجمعة: (وما من دابة إلا تصيخ بأذنها من فجر يوم الجمعة إلى طلوع الشمس شفقاً من الساعة)، فهذا خبر الصادق المصدوق، والكفار ليس لديهم من ذلك خبر، فلذلك فإن الدواب أفضل منهم كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩]. وفي الآخرة لما يجمع الله جميع الدواب فيقتص للعجماء من القرناء، ويقول لها: كوني تراباً، فحينئذ يتمنى الكافر لو أنه كان مثلها، وهيهات أن يحصل مثل ذلك، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠] فالدواب لم تعمل خيراً حتى تجازى عليه، ولم تعمل شراً لتعاقب عليه، فالدواب خرجت من الدنيا لا لها ولا عليها، إلا ما كان فيما بينها، فإذا نطحت ذات القرن التي بدون قرن فإنه يقتص من بعضها البعض، ثم تكون نهايتها وعودتها إلى منبتها، وهو التراب، بخلاف الكافر فإن عليه حساب وعقاب المخالفة، فيعاقب بالخلود في النار، فكان بذلك شر البرية.

стр. 3223

تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٧] أي: إن الذين آمنوا بالله ورسوله محمد ﵌ أولئك هم خير البرية. وقد جاء حديث في هذا المعنى عن أنس ﵁ قال: (قال رجل للنبي ﷺ : يا خير البرية! فقال ﵊: ذاك إبراهيم)، وجواب العلماء عن هذا ونحوه كحديث: (لا تفضلوني على يونس بن متى) إما أن هذا الخبر كان قبل أن يوحى إليه ﵊ أنه أفضل الأنبياء والمرسلين، أو أنه قاله على سبيل هضم النفس والتواضع ﵌. وقوله: ((أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ)) هنا يعقد العلماء مسألة، وهي: المفاضلة بين صالحي البشر وبين جنس الملائكة. يقول ابن كثير: اختلف الناس في تفضيل الملائكة على البشر على أقوال، فأكثر ما قيل في هذه المسألة في كتب المتكلمين، والخلاف فيها مع المعتزلة ومن وافقهم. وأقدم كلام روي في هذه المسألة ما جاء في ترجمة أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص أنه حضر مجلساً لـ عمر بن عبد العزيز وعنده جماعة، فقال عمر: ما أحد أكرم على الله من كريم بني آدم، ومن الصالح من بني آدم، واستدل بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٧]، فوافقه على ذلك أمية بن عمرو بن سعيد، فقال أراق بن مالك: ما أحد أكرم على الله من ملائكته، فهم خدم داريه، ورسله إلى أنبيائه، واستدل بقوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف:٢٠]، فأجاب المخالف فقال: قد كرم الله آدم فخلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وجعل من ذريته الأنبياء والرسل، ومن تزوره الملائكة. وهنا نبيّن باختصار موضع النزاع فنقول: لا خلاف في أن الكفار والمنافقين غير داخلين في هذه المفاضلة على الإطلاق؛ لأنهم كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩]، وليس المقصود بهذه المفاضلة المفاضلة بين حقيقة البشر وحقيقة الملائكة من حيث العنصر مثلاً، أو الجنس الذي خلق منه، لا، إنّها المفاضلة في هذه المسألة بين صالحي البشر وبين الملائكة، فهذا هو محل النزاع، وذهب بعضهم إلى أن الملائكة أفضل من سائر المؤمنين، وقالوا: إنّ الخلاف بين الملائكة وبين الأنبياء فقط. ولن نناقش هنا الأدلة، ولكن نختم الكلام بترجيح ابن تيمية في المسألة وهو: أن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية، وذلك حينما يدخلون الجنة، وينالون الزلفى، ويسكنون الدرجات العلى، ويحييهم الرحمن، ويخصهم بمزيد قربه، ويتجلى لهم فيستبشرون بالنظر إلى وجهه الكريم، وتقوم الملائكة في خدمتهم بإذن ربهم. فصالحو البشر أفضل باعتبار كمال نهايتهم في الجنة، والملائكة أفضل باعتبار البداية، فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى متنزهون عما يلابسه بنو آدم، ومستغرقون في عبادة الرب، ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحول البشر، فهذه خلاصة الكلام في هذه القضية.

стр. 3224

تفسير قوله تعالى: (جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري) قال تعالى: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة:٨] قوله: (عدن) تعني: إقامة، فمعدن الشيء مستقره ومركزه الذي يوجد فيه، فمعنى قوله: ((جَنَّاتُ عَدْنٍ)) أي: جنات إقامة. قوله: ﵃ أي: بما أطاعوه في الدنيا، وعملوا في خلوصهم من عقابه، ((وَرَضُوا عَنْهُ)) أي: رضوا عن ثوابه ﵎، ولا شك أن مقام رضا الله تعالى عنهم أعلى مما أوتوه من النعيم المقيم، والدليل قوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢]، فهذا النعيم أعظم بكثير من كل ما أوتوه من النعيم، ((ذَلِكَ)) أي: هذا الجزاء ((لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ))، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك:١٢]، قوله: (لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) أي: خاف الله تعالى في الدنيا في سره وعلانيته، فاتقاه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، فإن الخشية ملاك السعادة الحقيقية.

стр. 3225

تفسير سورة الزلزلة والعاديات القارعة
следующие страницы →