← Сира

Сира · id 37043

مقتطفات من السيرة

عمر عبد الكافي

Полный текст (588 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

نصيحة للمقصر في الصلاة السؤال أنا شاب أصلي أحياناً وأترك الصلاة أحياناً، وأرجو النصيحة؟ الجواب حين تصلي ادع الله في السجود أن يجعلك من المحافظين على الصلاة.

стр. 142

القبول غيب لا يعلمه غير الله تعالى السؤال أنا شاب كلما حصلت لي مشكلة أو ضائقة أتوجه إلى الله وأصلي إلى أن تنتهي، فهل أنا عند الله غير مقبول، وبماذا تنصحني؟ الجواب الرضا من الله عن العبد مسألة لا يعلمها إلا الله ، فما عليك إلا أن تدعو الله في حالة اليسر وفي حالة العسر.

стр. 143

ما تقوله الحائض بعد الطهر السؤال ماذا تقول الحائض بعد التطهر؟ الجواب لا تقول شيئاً.

стр. 144

حكم قصر الصلاة في البلدة بعد الرجوع من السفر السؤال كنت مسافراً إلى خارج القاهرة، فصليت الظهر قصراً، ثم رجعت إلى القاهرة بعد صلاة العصر، فهل أصلي العصر قصراً؟ الجواب لا.

стр. 145

حكم العادة السرية السؤال العادة السرية حلال أو حرام؟ الجواب حرام.

стр. 146

حكم الاكتفاء بغسل ما أصاب الثوب من المني السؤال يصيب ملابسي المني أحياناً، فهل يجوز لي أن أغسل الجزء المبتل منها فقط؟ الجواب يجوز.

стр. 147

سلسلة مقتطفات من السيرة [٨] المسلم يلتزم بالإسلام بجميع جزئياته، ولا يفرط في شيء منها، وهو دائماً معتصم بالله، لا يعيقه اليأس ولا القنوط من الوصول إلى بابه، ولا تثنيه الأسباب المادية عن التوكل عليه.

стр. 148

أهمية محافظة المسلم على المظهر العام الحمد لله، وأفضل الصلوات وأزكى التسليمات من رب الأرض والسماوات على سيدنا محمد وعلى آله وسلم: وبعد: فالعبد المسلم منا قد يرى أمامه في المجتمع أموراً متشابكة متضاربة، وهذه الأمور قد تصيب البعض منا بالإحباط، وقد تصيب بعضنا باليأس لما يرى من فساد الناس والذمم، وانتشار الفوضى، وبعد الناس عن طريق الله ، حتى صار كثير من الناس ينظرون إلى الملتزمين في طريق الله أنهم أهل سوء ومصالح ذاتية، لا أهل مبادئ، وللناس بعض من الحق، لأنهم يرون بعضنا يسيء إلى الدين دون أن يدري. فربما يخلف الناس كلهم مواعيدهم، ولكن عندما يخلف المحافظ على الصلوات في المساجد ودروس العلم والمنتمي إلى ما يسمونه الآن التيار الإسلامي فإن ذلك خطير، والحمد لله أننا لسنا تياراً ماركسياً ولا شيوعياً ولا فنياً. اللهم اجعلنا من تيار المسلمين يا رب العالمين! واجعلنا موجات متعاقبة من تيار لا إله إلا الله محمد رسول الله، اللهم احشرنا في زمرة الموحدين، واجعلنا من هؤلاء يا أكرم الأكرمين! آمين يا رب العالمين! وعندما يخلف الوعد من يشار إليه بالبنان بأنه يذهب إلى المسجد في كل وقت، ويؤدي العمرة والحج ويزكي عن ماله إلخ فلا يعيب الناس عليه كما يعيب بعضهم على بعض في الشارع؛ لأنه ألزم نفسه خطاً، فوجب عليه أن يلتزم بهذا الخط. وقد تضحك امرأة بصوت مرتفع في مكتب من مكاتب الموظفين أو في الشارع، ولكن المخمرة أو المنقبة إذا ضحكت بصوت مرتفع فإن هذا يثير حفيظة الناس ضدنا الذين نقول: إننا على الخط أو نكاد؟ وبلا شك نظرتهم إلى الملتزم غير نظرتهم إلى غير الملتزم. ولو أن امرأة تلبس بنطلوناً وتمضغ لبانة في الشارع وصوتها مرتفع فلا أحد يعيب عليها، ولكن المحجبة والمختمرة والمنقبة إذا علا صوتها على صوت الرجل أو في الطريق العام فهي تلفت النظر. فالإنسان المسلم يجب أن يراعي أن كل حركة محسوبة عليه. ولو أن إنساناً لا يعرف طريق المسجد جلس على قارعة الطريق أو على قهوة من القهاوي وجلس ينظر إلى الذاهبين والراجعين فلا يعاب عليه، ولكن إذا جلست أنت يا من تحافظ على دروس العلم في المساجد وتنقب عن مجالس العلماء على قهوة من هذه القهاوي فسوف يعاب عليك، ولن يعاب عليك فحسب، ولكن للأسف سيخوض الناس في الإسلام، ولذلك كان الصحابة والتابعون من بعدهم يتأسون برسول الله ﷺ في أن يكون ظاهرهم كباطنهم، فلابد من الحفاظ على المظهر العام؛ حتى لا تخوض الناس في عرضه، فلا ينهى الناس عن شيء ويأتيه هو، فهذه هي الكارثة. والحكيم العربي يقول: إن عمل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل. يعني: إنسان يلتزم بما يقول من غير أن يقول شيئاً، وإنما هو مخلص في عمله، محافظ على مواعيده، لا يعطل مصالح الناس، إن كان في يده مشكلة حلها بفضل الله، ويسعى بين الناس في الخير، ولا يتكلم، فهذا عنوان طيب للإسلام. وهذا عمل رجل في ألف رجل، وخير من قول ألف رجل في رجل. ومن قبل خمسة وعشرين سنة من انقلاب اثنين وخمسين إلى نكسة سبعة وستين وهم يبحثون على تعريف للفلاح، ومن هو الفلاح؟ ويأتون يمين وشمال، ولجان تنفض ولجان تجتمع؛ حتى يعرفوا الفلاح! وهو كلام لا يغادر حلوقهم، ولذلك يدخل من أذن ويخرج من الأذن الأخرى. ورجل من الجزائر اسمه أحمد بن بلا ركن سنوات طويلة إلى الاشتراكية ثم بدأ يقرأ عن الإسلام، ثم قال قبل أن يصل إلى الجزائر وهو في المنفى: ضيعت شطر عمري في أشياء لا تمت إلى الحقيقة بصلة، فقد تسمينا بالاشتراكية وبالقومية، ولا شيء يبقى إلا الإسلام وكلمة التوحيد والعمل بها. وهذا بعد أن رفعوا الشعارات الضخمة والقوية.

стр. 149

معالجة الغرور أو الافتتان بالشخصيات

стр. 150

موقف رسول الله من علي ﵁ في غزوة خيبر والمسلم ليس عنده هذا، وإنما يعمل مثل سيدنا علي ﵁ في غزوة خيبر، فقد كسر الدرع الذي كان يتلقى به السيوف، فالمحارب العربي كان يمسك السيف بيد والدرع أو الدرقة أو الترس باليد الثانية؛ لأجل أن يتلقى عليها ضربات السيوف، فكسر درع أو ترس علي، فبحث عن ترس فلم يجد، فلقي باب من أبواب الحصن وقع، فحمل الباب واستخدمه كدرع. قال سيدنا أنس بن مالك: فلما انتهت المعركة وفتحنا خيبر حاول سبعة وأنا ثامنهم أن نزحزح الباب عن مكانه فلم نستطع. ولم يكن هناك لجنة تعطيه نجمة داود أو نجمة عبد السميع. فتبسم علي ﵁، وخاف الرسول ﷺ من هذه الابتسامة، فقد تكون ابتسامة فخر أو غرور أو خيلاء، فالرسول أراد أن يقفل عليه الباب. ولا تفكر أنك أذكى من الشيطان، صحيح أن الشيطان كيده ضعيف، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦]، ولكنك في أحيان كثيرة أضعف من الشيطان؛ لأنه يعمل ضدك أربعاً وعشرين ساعة متواصلة، وأنت تعمل ضده لحظات، أنت تقول: أعوذ بالله، ولكن هو يخطط وينظم. فسيدنا الحبيب خاف على علي من هذه الابتسامة فقال: يا علي! قال: نعم. قال: أأنت فارس العرب؟ قال: يقولون ذلك يا رسول الله! يعني: لست أنا الذي أقول، وإنما الناس يقولون هذا. وكل الناس هكذا هذا الوقت، فكلما تكلم أحد يقول: أنت لا تعرف من أنا؟ وأنا لا يهمني أن أعرف، ولكنك تراب ابن تراب، وأنا أبي تراب ابن تراب، و (كلكم لآدم وآدم من تراب). ولنفرض جدلاً أنك تزوجت من امرأة ذات حسب ونسب، فمعنى هذا أن المرأة كل يوم الصباح ستقول لك: ألا تعرف أنا بنت من؟ وكل قليل تذكرك بذلك، ولو لم تتزوجها لعنست في بيت أبيها. فسيدنا الحبيب قال: أأنت فارس العرب يا علي! وشجاعها؟ قال: يقولون ذلك يا رسول الله! قال: هناك فارس خلف هذا الجبل، أتحب أن تلقاه وتقابله؟ قال: أقابله يا رسول الله! فذهب، فقال الفارس لـ علي: أتبارزني؟ قال: أبارزك، فبارز الفارس علياً، فصرع الفارس علياً على الأرض، مع أنه يقال: أن سيدنا علياً لما كنت تعييه الحيلة في فارس كان ينزعه من قفاه من فوق الفرس فيرضه على الأرض رضة يكون فيها أجله، وهذا حق وحقيقة. فـ علي الذي كان يأخذ الفارس من على فرسه ويرميه في الأرض يكون أجله، جاء الفارس وصرعه مرة وثانية وثالثة، فسيدنا علي قال: الموضوع فيه سر، أستحلفك بالله أن تكشف لي عن وجهك، فإذا به رسول الله ﷺ ، حتى تقف الأمور عند حدودها، ولا يترك الأمور تتسع؛ لأنه لو أشيع بين الناس أن علياً كان يستخدم ترساً عبارة عن باب يعجز ثمانية عن أن يحملوه فهذه ستكون خيلاء وغروراً.

стр. 151

موقف عمر بن الخطاب من خالد بن الوليد ﵄ وقال قائد الفرس يوماً لـ خالد بن الوليد: يا خالد! هل أنزل الله سيفاً من السماء على نبيكم فأعطاه لك، فما دخلت معركة إلا وانتصرت؟ وهذا اليوم مثل قضية مس الجن، وهذا الكلام المسلم لا يلقي له بالاً، وحتى وإن كان حقيقة فما عليك إلا أن تعتصم بالله ، فمن ذا الذي قال: يا رب! وخذله رب العباد سبحانه؟! ومن ذا الذي رفع يديه إلى السماء وقال: يا رب! والله لم ينصره؟! فارفع يديك بإلحاح وبإلحاف وبتضرع وبتذلل وقل: إني فقير فأغنني، إني ضعيف فقوني، إني مذنب فتب علي، وليكن هكذا دعاؤك لله في كل وقت، وتوجه إلى الله بأسمائه الحسنى، وقل: يا غني أغنني فأنا فقير، يا قوي قوني فأنا ضعيف. وإذا أردت أن تسأل فلا تسأل إلا الله، ولا تسأل أحداً، فلا يوجد واسطة بينك وبين ربنا، وادع بأسماء الله الحسنى وسوف يستجيب الله لك. فاللهم استجب لنا دعاءنا يا أكرم الأكرمين! فـ خالد بن الوليد تعجب! وقال: لم ينزل سيف من السماء، ولكنها دعوة رسول الله ﷺ ، فاستجيبت الدعوة في سيدنا خالد.

стр. 152

أسباب عزل عمر بن الخطاب لخالد بن الوليد ولما رأى عمر بن الخطاب أن الناس ستفتن بـ خالد بن الوليد كشخص عزله، ليس للأسباب التي نقرؤها في كتب التاريخ، ولكن حتى لا يفتتن الناس به، لأن الناس بدأت تفتتن بالشخصيات. ثم إن المرحلة التي عزل فيها خالد كانت مرحلة تستدعي السلم والمصالحات والمعاهدات، ولم يكن خالد يصلح لهذه المعاهدات، فكل واحد له شخصية وطريقة، فكان أبو عبيدة بن الجراح ومعاوية بن أبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل يجيدون التفاوض والسياسات والمعاهدات، وأما خالد فكانت طريقته أو شخصيته مجبولة على القتال وعلى المعركة، فكان يهون عليه في سبيل الله ما يلاقي ﵁، ورغم ذلك مات على فراشه وقال: ما من موضع في جسدي إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح، وهأنذا أموت على سريري كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء. وإذا لم يكن من الموت بد فمن العجز أن تموت جباناً وقال أبو بكر ﵁: احرص على الموت توهب لك الحياة. وقس على وزنها: احرص على الآخرة توهب لك الدنيا والآخرة، واحرص على الدنيا فلن تأتيك لا الدنيا ولا الآخرة، فلو حرصت على الآخرة لآتاك ربنا الدنيا والآخرة؛ لأن الله عنده مفاتح الغيب، ومفاتح الدنيا والآخرة. اللهم! إن أحييتنا في الدنيا فأحينا على الاستقامة، وإن أمتنا فأمتنا على الإسلام والإيمان يا أكرم الأكرمين!

стр. 153

أسباب اليأس وعلاجها

стр. 154

السبب الأول: جهل الناس بطبيعة الدين الإسلامي وأنت عندما ترى المجتمع اختلطت فيه الأمور، فلا احترام فيه لكبير، ولا عطف على صغير، ولا رحمة وعطف من غني على فقير، ولا تواضع من فقير أو من غني أو من موظف أو من ذي جاه أو مال أو منصب؛ فلا تظن أن الدنيا قد انتهت، كلا. واليائسون من الإصلاح يئسوا لأمور ثلاثة، ونحن ما زال عندنا أمل بصلاح الأمة، وأكبر عنوان لصلاح هذه الأمة نساؤها وشبابها الذين تعرف أقدامهم بيت الله ، وما دامت أقدامك قد عرفت بيت الله ودروس العلم فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر. السبب الأول من أسباب اليأس: جهل الناس بطبيعة الدين الإسلامي: والدين الإسلامي حول العرب الغوغاء من أنعام سائمة ترتع في الصحراء إلى أناس فيهم الاحترام والوقار والعبادة والفروسية والنخوة والإيثار وحب الخير للغير كما يحبونه لأنفسهم ويكرهون لهم ما يكرهون لأنفسهم. وهكذا حول الإسلام العرب من أمم متصارعة ومتحاربة وقبائل متناحرة إلى إخوة متحابين في الله، والله يمن على المسلمين بقوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٣] فهذه منة من الله . والأقرع بن حابس كان له عشرة من الولد في الإسلام، وما قبل واحداً منهم، ودفن سبعاً من بناته أحياء قبل الإسلام، ثم لما جاء الإسلام وأسلم وجد الرسول ﷺ يحتضن الحسن والحسين ويقبلهما، فقال: أتقبلون أبناءكم يا رسول الله؟! وهناك أناس فيهم جفاف في العاطفة، ويعتبرون عطفك الشديد على ابنك أو على ابنتك ضعفاً، فقال ﷺ : (من لا يرحم لا يرحم، وماذا أصنع وقد نزع الله الرحمة من قلبك؟). فما كان الأقرع بعدها إلا رحيماً بأبنائه وبأبناء المسلمين، وتحول هذا الإنسان ذو القلب الغليظ إلى إنسان رقيق القلب. وقال سيدنا أنس ﵁: كنت لا أحب اليقطين، واليقطين هو: القرع. قال: فلما رأيت الرسول ﷺ يلتقطها من طرف الصحفة أحببتها لحب رسول الله ﷺ . فالإسلام حول الحب، ولذلك سيدنا عمر قال: يا رسول الله! والله إني لأحبك أكثر من كل شيء إلا من نفسي، فقال: (يا عمر! لن يكمل إيمان أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وزوجه وولده ونفسه التي بين جنبيه. فقال عمر: والله إنك الآن يا رسول الله! أحب إلي من ولدي وأهلي ونفسي التي بين جنبي، قال: الآن يا عمر!). أي: هذا الوقت تحول إيمان عمر ودرجات الإيمان عنده من حب محدود إلى حب مطلق. ووصل الأمر بـ عثمان بن عفان ﵁ إلى أن يجهز جيش العسرة، والجيش في هذا العصر يحتاج إلى مليارات ليتجهز بها. والعساكر الأمريكان الذين كانوا في درع الصحراء على بعد ألف وخمسمائة كيلو متر من مكة المكرمة استخدموا في شهري أغسطس وسبتمبر ثمانمائة واثنين وثلاثين مليون دولار ثمناً لكريمات دهن الشفاه بسبب القشف في الصحراء. والجندي منا راتبه ثلاثة جنيه، ربنا يعينه، ويوسع عليه من واسع فضله. وهو حامد وشاكر، والحمد لله فهذه نعمة من النعم. فالجندي الأمريكي جالس يدهن شفتيه وهو غضبان، وقد أتوا له بصديقته لتسليه، فكيف سيحارب؟! ولكن الجندي المسلم الذي يتحرك بإذن الله أول ما يقال: هناك حرب ضد إسرائيل فكلنا سنذهب صفاً واحداً إن شاء الله. ولو فتح التطوع لإخراج إسرائيل من المسجد الأقصى فسوف يجدون بإذن الله ملايين الملايين يقولون: لا إله إلا الله، حي على الجهاد. والمسلم بطبيعته يعلم أن الدين حول العرب من أناس تتصارع وتتحارب وتتناحر وتتشاكس إلى إخوة متحابين في الله. هذا هو السبب الأول ليأس المصلحين، ومن فضل الله فأنا لا أيأس أبداً من أنه ما زال هناك خير في الأمة، بل بالعكس الخير يكثر، والشر ينحسر، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧]، فالذي ينفع الناس سيبقى وسيظل بلا إله إلا الله. وفي الحديث: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق لا يضرها من ضل). لأنها مستمسكة بالكتاب والسنة. وأعظم شيء أنك تلقى زوجتك رغم الفوضى والعري في الشوارع منقبة ومختمرة، تمشي بأدب، وتأتي إلى المسجد وتسمع درس العلم، وتقوم تصلي الفجر وتصلي ركعتين في جوف الليل، وتقرأ القرآن، وأولادك الصغار على الأكل يقولون: باسم الله، اللهم بارك لنا في ما رزقتنا! وبعد أن يكملوا يقولون: الحمد لله رب العالمين، وتجد أولادك مصلين وبناتك مطيعات. فهذه نعمة من النعم، وهذا فضل يجب أن تحمد الله عليه، وتستزيد الله من فضله، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]. اللهم اجعلنا من الشاكرين، وممن تقبل شكرهم وتزيدهم من فضلك يا أكرم الأكرمين! يا رب العالمين!

стр. 155

السبب الثاني: انتشار الفساد السبب الثاني من أسباب يأس البعض منا: انتشار الفساد: والشيطان لا يريهم إلا كل صورة سيئة، ولا يضع أمامهم إلا الشر فقط. وإذا ذهبت إلى أمريكا فستجد الطوابير أمام العيادات النفسية، تريد حجز مكان عند الدكتور النفسي؛ لأن عندهم إما مكتئب، وإما مقدم على الانتحار، وإما قانط من الحياة وما فيها، وإما من دخل مرحلة الجنون. وواحدة من هذه تكفي. والله يعطي الإنسان شيئاً ويسلبه شيئاً، ولو أعطاه كل شيء لأصبح مثل فرعون، فـ فرعون أعطي من كل شيء فاستكبر، ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٤٩ - ٥٠] قال له: والذي يؤمن به أين يذهب؟ قال: يذهب إلى جنات تجري من تحتها الأنهار وملك لا يفنى. قال: أنا عندي هذا كله، عندي ملك مصر، ﴿وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١]. وسيدنا موسى بعدما دخل على فرعون بالرسالة لم يمرض أبداً. اللهم لا تسلبنا بعد العطاء يا رب! وثبت علينا نعمة الإيمان يا أكرم الأكرمين فقد كان صاحب غنى وجاه ومنصب ومكانة والناس كلها -والعياذ بالله- تعبده من دون الله. ثم إن ربنا بدأ يبتليهم، فابتلاهم بالدم، فكان الطباخون يغرفون ويذهبون بالأطباق إلى فرعون فتعود مليئة بالدم، فقالوا: يا موسى ﴿اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان:١٢]، فلما كشف العذاب قالوا: لن نؤمن لك، فابتلاهم الله بالضفادع، فكان فرعون وقومه يأتون ليتكلموا وما إن يفتح أحدهم فمه حتى تقفز الضفدعة إلى فمه، والفئران في عام ١٩٨٥م حولت حياة أهل الريف والصعيد إلى جحيم، نسأل الله العافية والرحمة. فأرسل الله عليهم الجراد والقمل والدم والضفادع آيات مفصلات. ثم قال سيدنا موسى: نأخذ هؤلاء المؤمنين ونذهب بهم بعيداً عن انحراف فرعون إلى الأرض المقدسة، فسار بهم نحو سيناء، فأتبعهم فرعون ومن معه من جنوده، فلما رءوهم ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦١ - ٦٢]، ثم عبر سيدنا موسى ومن معه البحر. وكان سيدنا جبريل يجلس مع سيدنا الحبيب ﷺ يسامره ويكلمه عن أخبار الأمم السابقة، ولذلك الرسول ﷺ كان عنده من العلم ما ليس عندنا، ولكن الشيء الذي يخص أمر العقيدة والوصول إلى الله لم يخبئه عنا رسول الله ﷺ أبداً، فما خبأ شيئاً مما علم ﷺ ، وما علمه بلغه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]. فقال له: لو تراني يا رسول الله! وأنا أدس الماء في فمه؛ كي يغرق قبل أن تدركه رحمة الله . وانظروا إلى غيظ سيدنا جبريل منه، فهو يريد أن يغرقه قبل أن تنزل عليه رحمة ربنا؛ لأن سيدنا جبريل يغار على مقام الوحدانية. وأنت تريد الانتقام ممن يشتم أباك، فما بالك بمن يقول: أنا ربكم الأعلى. وقد كان الشافعي يدعو الله ويبكي ويقول: يا رب! تقول هذا لمن قال: أنا ربكم الأعلى -يعني: أنت قلت لموسى وهارون: اذهبا إلى فرعون وقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى- فكيف بمن يقول في كل لحظة: سبحان ربي الأعلى، أي: إنك ستكرمه يا رب! إن شاء الله. اللهم أكرمنا ولا تهنا، اللهم أكرمنا ولا تهنا. فالشيطان قد يوسع لك منظر الفساد أمامك، وعندئذٍ أيضاً لا تشك في الصلاح والإصلاح أبداً.

стр. 156

السبب الثالث: توهم الداعية أنه وحيد في الدعوة النقطة الثالثة التي تصيب من يرشد الناس باليأس: أنه يقول: أنا يد واحدة، واليد الواحدة لا تصفق. ونقول اليد الواحدة بفضل الله وإن شاء الله ستصفق، لأنها يد مع يد مع يد، وكل الأيادي المؤمنة إن شاء الله سوف تجتمع على الخير، ولا تجتمع أمتي على ضلالة أبداً. فاللهم اجمعنا بعد فرقة، ووحدنا بعد شتات، واهدنا بعد ضلال، إنك يا مولانا على ما تشاء قدير.

стр. 157

مولد فاطمة الزهراء عام إعادة بناء الكعبة هذه هي الحلقة الثامنة وسنقف فيها مع أصغر بنات النبي ﷺ ، ومن حازت حب أبيها أكثر من غيرها، وظلت على قيد الحياة بعد انتقال أبيها إلى الرفيق الأعلى ﷺ ، ومنها كان عقبه ونسله الطاهر ﵊، فأنجبت أربعة من الأبناء والبنات، وهي السيدة فاطمة الزهراء. وقد كان يوم ولادتها يوم عظيم في تاريخ البشرية، فالسيول هدمت الكعبة، والكعبة كانت كلما تأتيها سيول تهدمها، وكانت قريش تخاف الاقتراب من الكعبة، لأنه كان لهذا المكان احترام، فأرادوا أن يعيدوا بناءها، وخافوا من هدمها، وقالوا: إن هدمناها فقد يصيبنا الله بشيء؛ لأنهم رأوا ما صنع الله بـ أبرهة عندما أراد سوءاً بالكعبة، ورأوا الطير الأبابيل، وذكروها في شعرهم، ورأوا هلاك أبرهة أمام أعينهم. وكانت الحجارة التي أتت بها الطير الأبابيل حجارة مسومة معلمة، يعني: الحجر أو الحصاة مكتوب عليها اسم الذي ستقتله، وسبحان الله، فأنت لابد أن تكون مع الله حتى يأتيك نصر الله ! وكان قد قال أبرهة لـ عبد المطلب يا عبد المطلب! آتي لهدم بيت آبائك وأجدادك وتسألني عن مائة ناقة لك ولأبنائك؟! فقال له: الإبل أنا ربها، وللبيت رب يحميه. والذين يقولون: احتمال أن تعمل أمريكا أو إسرائيل أو العراق كذا، نقول لهم: هذا بيت محمي من الله ، والملائكة ستحرسه، ولا تظنوا إلا كل خير، ولا تشكوا في قدرة الله ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]، فبيت الله محروس من قبل الله ، وعلى حدود مكة والمدينة ملائكة تحرس الحرمين الشريفين. فرد عليه الإبل، وقام أبرهة ومعه اثنا عشر فيلاً، والفيل الكبير كان اسمه محموداً، يعني: محمود الفعال، فكان يوجه الفيل يميناً فيمشي، وشمالاً فيمشي، وغرباً فيمشي، وشرقاً فيمشي. وعندما نذهب نحج نأتي إلى مكان بين الصفا والمروة ونسرع فيه قليلاً، وهو وادي محسر، وهو عند المشعر الحرام ببضع أمتار، وهذا هو المكان الذي هلك فيه أبرهة، فالرسول ﷺ كان يأمر الصحابة أن يسرعوا في هذه المنطقة، واليوم بعض السائقين ينزلون الحجاج في وادي محسر؛ لالتقاط الحصى، وإذا قلت له: لا أحد ينزل في هذا المكان، قال: انزلوا هنا حتى لا تقع لنا مشاكل. فلما وصل إبرهة وادي محسر إذا بالطير تحجب ضوء السماء، وكان ينزل كل طير معه ثلاث حصيات، حصاة في منقاره، وحصاة في رجله اليمنى، وحصاة في رجله اليسرى، وكل حصاة مكتوب عليها اسم المقتول بها، مسومة عند ربك. وأبرهة اجتمعت عليه الطيور حتى جمعه جنوده قطعاً في جرة. فيجب على كل مسلم أن يدرك أن للبيت رباً يحميه. والرسول ﷺ ولد في عام الفيل، ولما بلغ من العمر ثلاثين عاماً أرادت قريش أن تعيد بناء الكعبة، فدخل الوليد بن المغيرة والد خالد بن الوليد وأمسك بالمعول وقريش ساكتة كلها وقال: يا رب! إنك تعلم أننا لا نريد إلا خيراً، وضرب فوقعت حجر من الكعبة، فقالت قريش: انتظروا حتى الصباح، فإن حدث شر للوليد أعدنا الحجر إلى مكانه ولن نقترب من الكعبة، وإن لم يحصل له شيء هدمناها وبنيناها كما كانت، فانتظروا إلى الصباح فإذا الوليد سليماً معافى، فذهبوا لإكمال الهدم والبناء، وكان الرسول ﷺ يشاركهم في ذلك. ثم اختلفوا فيمن يضع الحجر الأسود، فاحتكموا وقالوا: أول واحد يدخل من باب الحرم نحتكم إليه، فإذا به سيدنا محمد، ولم يكن رسولاً بعد، وقالوا: هذا هو الأمين محمد، قد رضينا بالأمين محمد، فسألهم: مالكم؟ فقالوا: لقد اختلفنا من الذي يضع الحجر، وكاد أن يحدث تنازع بين القبائل، لأن كل قبيلة تريد أن تحوز هذا الشرف، وهذا شرف كبير لأي قبيلة تضع الحجر في مكانه، وعندئذٍ خلع عباءته الشريفة، وبسطها على الأرض، ووضع الحجر فيها، ثم قال: لتختر كل قبيلة واحداً منها ليرفع من طرف، فلما اقترب الحجر من مكانه أخذه ﷺ بيده الشريفة ووضعه مكانه، وانتهت المشكلة، فعاد إلى البيت فإذا بـ خديجة قد وضعت فاطمة الزهراء. فأبوها ولد في عام الفيل، وهي ولدت في يوم إعادة بناء الكعبة، وقد سماها فاطمة الزهراء، قالوا: لأنها كانت كأن الشمس تشع من وجهها كأبيها، فـ الزهراء يعني: مضيئة، فالسيدة فاطمة حرمت حنان أمها وهي صغيرة، وتزوجت في غيبة أمها.

стр. 158

هجرة فاطمة ﵂ وبيان ما لاقت فيها وأرسل النبي ﷺ زيد بن حارثة وأحد الأنصار وأحد بني عبد المطلب من المدينة ليأتيا بـ فاطمة وأم كلثوم، وكانت السيدة رقية مع زوجها عثمان بن عفان في الحبشة ساعة الهجرة، والسيدة زينب كانت ما تزال في عصمة زوجها أبي العاص بن الربيع الذي هو ابن خالتها، فأمه هي السيدة هالة أخت السيدة خديجة. فالسيدة أم كلثوم والسيدة فاطمة تبعتا من جاء من عند أبيهما ليأخذهما، فخرج عليهم الحويرث بن عبد قصي أحد صناديد قريش فنخس بعيرهما فوقعت السيدة فاطمة على الأرض وأصابها جروح وكدمات في جسدها ﵂، فكان ﷺ يقول: (من لقي الحويرث بن عبد قصي فليقتله ولو وجده تحت الحجر الأسود). وقد قتله علي بن أبي طالب في عام الفتح. هاجرت السيدة فاطمة ولحقت بأبيها ﷺ في المدينة، وقد كانت صغيرة؛ لأنها ولدت قبل البعثة بعشر سنوات. فأول ما نزل الوحي على سيدنا الحبيب ﷺ بإقرأ كانت السيدة فاطمة بنت عشر سنوات، وفي بعض الروايات: ثمان، وفي بعضها: ست. من كرم الله عليها أن كرم زوجها علياً، قال أنس بن مالك: بعث النبي ﷺ يوم الإثنين، وصلى علي خلفه يوم الثلاثاء. وهذا كرم ما بعده كرم. والسيدة فاطمة كانت ترى كيف كانت قريش تعذب أباها، ورأت طلاق أختيها السيدة رقية والسيدة أم كلثوم من عتبة وعتيبة ابني أبي لهب، والعياذ بالله.

стр. 159

بيان عاقبة من سب النبي ﷺ وعتبة بعدما طلق زوجته السيدة رقية بنت سيدنا رسول الله ﷺ شتم الرسول ﷺ عند الكعبة، فقال الحبيب ﷺ : (اللهم سلط عليه كلباً من كلابك)، فعندما سمع أبو لهب الدعوة كان لا يسير إلا وعتبة في يده، ويقول: إن دعوة محمد مستجابة. ولما أراد إخوة عتبة أن يأخذوه معهم في رحلة إلى الشام، قال أبو لهب لهم: أعينكم على عتبة؛ فإن محمداً دعا عليه، ودعوة محمد مستجابة، لا يسير عتبة أمامكم ولا خلفكم ولا أيمنكم ولا أيسركم، وإنما سيروه وسطكم، واجعلوه ينام في وسطكم، فناموا وهو وسطهم، فقال أحدهم وكان آخر الشهر وهو في ظلام في الصحراء: أشعر أن أسداً يتشممنا. فقال الذي بجانبه: اسكت، ما أظن أن الأسد يتشمم، وإنما الأسد يفترس. فكأنه كان يبحث عن أحد حتى شم عتبة فأخذه وسحبه من بين أصحابه وأكله. فيا ويل من يسب الرسول ﷺ أو يسب دين الله ! فالذي يسب الدين والعياذ بالله فقد خرج من الملة وقد حبط عمله وصار مرتداً، وإن أراد التوبة فليجدد الإيمان، وليغتسل ولينطق بالشهادتين، وليصلي ركعتين بنية التوبة، وليعقد على زوجته من جديد، وليستأنف عمله فلقد حبط عمله.

стр. 160

دفاع فاطمة ﵂ أمام المشركين عن أبيها والسيدة فاطمة رأت مرة أبا جهل وهو يضع سلى الجزور -يعني: ما يبقى بعد الولادة- على ظهر أبيها ﷺ ، فكانت تأتي وتزيلها عن ظهر أبيها وتبكي وتقول: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله. فهي بنت ضعيفة لا تجد من ينصر أباها. فكان يقول سيدنا الحبيب ﷺ عند الكعبة: من ينصرني، فتقول فاطمة: أنا أنصرك يا أبتاه! وابن عمه علي وكان عمره عشر سنين يقول: أنا أنصرك يا ابن العم! ولقد كان نعم النصير. ولو تفكرنا بجدية فإن الذي ينام في مكان الرسول ﷺ ليلة الهجرة محكوم عليه بالقتل. وانظر إلى عظمة النبي ﷺ ، فهو يقول لـ علي: نم في هذا الفراش!

стр. 161

من أخلاق الرسول ﷺ وسيدنا الحبيب ﷺ رغم عداء قريش له كانت لا تحفظ أماناتها إلا عنده، فقال لـ علي: نم هنا، فإذا طلع الصباح أعد أمانات قريش إلى أصحابها. فهم يبحثون عنه ليقتلوه، وهو يبحث ليعيد الأمانة، فانظر إلى هذه الأخلاق! ورحم الله أمير الشعراء إذ يقول في الحبيب ﷺ : يا من له الأخلاق ما تهوى العلا منها وما يتعشق الكبراء زانتك في الخلق العظيم شمائل يغرى بهن ويولع العظماء فإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هما الرحماء وإذا أخذت العهد أو أعطيته فجميع عهدك ذمة ووفاء وأحدهم قبل البعثة أراد الرسول في شيء، فقال له: انتظرني عند الكعبة قبل الغروب، فذهب الرسول ينتظر كما وعد الرجل، فلم يأت، وفي اليوم الثاني لم يأت، فقعد ستة أيام، وفي اليوم السابع جاء الرجل ماشياً فرأى النبي ﷺ جالساً فقال: ما الذي يجلسك هكذا يا محمد؟! فقال: يا بني! هذا سابع يوم أنتظرك. فهو قد أعطى الرجل كلمة أنه ينتظره قبل الغروب، فمر أول يوم فقال: أنتظر ثاني يوم، وهكذا حتى جلس سبعة أيام ينتظره، ومن يعمل منا هكذا، فنحن نتشكك حتى نلغي المواعيد. والمستشرقون يقولون: لو لم يكن محمد رسولاً لكانت أخلاقه تصلح أن تكون وحدها رسالة. وما ضرب امرأة ولا خادماً بيده قط، إلا في سبيل الله . وفي غزوة بدر قال أمام الصحابة قبل احتدام المعركة: من جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه، ومن أخذت من ماله شيئاً فهذا مالي فليأخذ منه ما يشاء. فقال سواد بن عبد الله رضوان الله عليه: أنا يا رسول الله! قال له: ماذا؟ قال: ضربتني، قال: وماذا تريد؟ قال: أضربك كما ضربتني. فالصحابة هابوا، فقال: أين ضربتك؟ قال: على ظهري، فقال الحبيب: وهذا ظهري وانحنى ﷺ ، فقال: لا، لقد ضربتني بدون ثوب، فلا أضربك على القميص الذي تلبسه، فكشف عن كتفيه، فأكب سواد يقبل خاتم النبوة ويبكي ويقول: يا رسول الله! ربما لا يكون لي حياة بعد الغزوة، فلربما رزقت الشهادة، فأريد أن يكون آخر ما يقع نظري عليه خاتم النبوة، وسمعتك تقول: (من نظر إلى خاتم النبوة فلن يدخل النار يوم القيامة). وما كان لـ سواد بن عبد الله أن يجلد ظهر خير عباد الله ﷺ . فالرسول ﷺ تركه بعد أن حصنه بكلمات الله ليلة الهجرة خرج والمشركون واقفون صفين، ووضع التراب على رءوسهم وقرأ سورة ياسين، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩]، ثم غادر المكان إلى أبي بكر حيث كان ينتظره ومعه الراحلة وعبد الله بن أريقط وعامر بن فهيرة، وسار في الطريق في كنف الله ، ونام علي فقال الله : يا جبريل! يا ميكائيل! اهبطا، لتكون أنت يا جبريل! عند رأس علي، وأنت يا ميكائيل! عند أقدام علي، فإن أرادوا علياً بسوء فخذوهم، فإني أفدي حياته، لأنه فدى حياة حبيبي محمد ﷺ . فهو مربى على الشجاعة وعلى التضحية وعلى الذود عن الذمار والدفاع عن الحرمات، رضوان الله عليه.

стр. 162

خطبة علي لفاطمة ﵄ فهاجرت السيدة فاطمة إلى أبيها وكبرت في السن، وجاء أبو بكر ليخطب فاطمة، فرده الرسول ﷺ برفق، وجاء عمر ليخطبها فرده الرسول ﷺ برفق، إلى أن جاء علي. وتقول رواية من الروايات: إن سيدنا الحبيب قرب لـ علي المسألة فقال: أجئتنا لتخطب فاطمة؟ قال: نعم، قال: توكلنا على الله. الرواية الثانية: قال: يا رسول الله! جئت أخطب منك فاطمة، قال: أهلاً ومرحباً، فسكت. فخرج فرأى عمر على الباب قال: ماذا قال لك رسول الله، قال: والله ما فهمت شيئاً، قال: أهلاً ومرحباً، قال: تكفيك إحداهما من رسول الله.

стр. 163

زواج عمر بن الخطاب من أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وسيدنا عمر لما خطب أم كلثوم من علي أبيها رضوان الله عليه، وكانت أم كلثوم رابع أبناء السيدة فاطمة، فأبناؤها: الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم. فقال له علي: إنها صغيرة يا أمير المؤمنين! فقال له: يا علي! ألا ترضى الخير لأخيك المسلم؟ قال: نعم، قال: أنا أريد أن آخذ من هذه السلالة، فقال له: سوف أرسلها لك، فإن أعجبتك كان بها. فقال سيدنا علي لـ أم كلثوم وهي بنت صغيرة: خذي يا ابنتي هذا البرد وقولي لأمير المؤمنين: أيعجبك هذا الثوب؟ فلما وصلت أم كلثوم إلى عمر قالت له: يقول أبي: أيعجبك هذا البرد؟ فقال لها عمر: قولي لأبيك: وهل هذا البرد لا يعجب أحداً. فرجعت تقول له: هو يقول لك: وهل هذا البرد لا يعجب أحداً فقال لها: أترضي بأمير المؤمنين زوجاً؟ فسكتت، فقال: توكلنا على الله. وقد كان هناك شيء اسمه حياء العذارى، وترى البنت إذا خطبت تبكي من الخوف والخجل، واليوم نسأل الله العصمة لبناتنا وأبنائنا. ولنخفف من المهر، ونشجع الشباب على الزواج، والمصيبة أننا نقول هذا الكلام وكلما جاءنا عريس نكدنا عليه، فيسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا، وكونوا عباد الله إخواناً، وساعدوا الشباب، ولا تتركوهم يصلون إلى الأربعين سنة وهم لم يتزوجوا، فساعدوهم على إقامة البيت المسلم، ونريد كل يوم أن نعقد قراناً بين اثنين هنا في المسجد بإذن الله، فلنشجع الشباب، ولنيسر الأمر.

стр. 164

الحث على إكثار النسل ونريد تطبيق القاعدة الإسلامية: (تناكحوا تناسلوا) وليس حددوا أو نظموا، فأكثروا من الذرية، ولا يضحك عليكم أحد ويقول: واحد أحسن من أربعة. فالأربعة أحسن من الواحد، والعشرة أحسن من الكل، وإن شاء الله تأتي بعشرين ولداً. وإن فلاحاً أسبانياً له واحد وعشرون ولداً -ولو كان عندنا لضربناه في ميدان التحرير بالرصاص- أهدى له الملك الأسباني أعلى وسام أسباني، وسماه بطلاً قومياً؛ لأنه كثر الذرية. والفرنسيون الذين يصدرون لنا حبوب منع الحمل رئيسهم ميتران يعطي الولد الثاني ثمانمائة وأربعين فرنكاً زيادة على مرتب الأب، ويعطي الولد الثالث ألفاً وأربعمائة وستين فرنكاً فرنسياً زيادة على المرتب. فهم يكثرون النسل ويضحكون علينا، ويصدرون لنا الخيبة. والذي يقول: إن أكثر القادرين مادياً هم الذين عندهم ولد واحد أو اثنان، حتى نربيه نقول له: والدتك لما أتت بكم سبعة أربتكم أم لم تربكم؟ وإذا نظرنا الآن إلى أبناء جيل الأمهات من خريجات الجامعة نجد أن الولد قد تربى في الحضانة، نسأل الله السلامة، وليس عنده عطف ولا حنان. وقد عملوا إحصائية فوجدوا أن ابن الموظفة جبان؛ لأنه مرمي من صغره في الحضانة؛ لأن أمه في الشغل، وليست فارغة لتربيته، ربنا يهديهن لأن يعدن، ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل:١٨].

стр. 165

عقد علي ﵁ على فاطمة ﵂ فسيدنا علي لما قيل له: أهلاً ومرحباً رجع ثانياً إلى سيدنا الحبيب وقال له: يا رسول الله! أرضيت أن تزوجني فاطمة؟ قال: نعم يا علي! اذهب فأحضر أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير ومثلهم من الأنصار؛ حتى يشهدوا على العقد. فحضر العشرة، ودخلوا إلى بيت رسول الله ﷺ ، فسأله رسول الله ﷺ : يا علي! ما عندك؟ قال: عندي درع حطمية، يعني: تتحطم السيوف عليها. فقال رسول الله ﷺ : اذهب بعها يا بلال! في السوق، فباعها بأربعمائة درهم، وجاء بالأربعمائة وجلس متأدباً بين يدي رسول الله ﷺ في حضور عشرة من صحابته رضوان الله عليهم جميعاً، فقال: يا علي! اخطب لنفسك. فخطب علي في حضرة الحبيب المصطفى ﷺ فقال: الحمد لله شكراً لأنعمه وأياديه، وأشهد أن لا إله إلا الله تبلغه وترضيه، وهذا محمد رسول الله ﷺ زوجني ابنته فاطمة على صداق مبلغه أربعمائة درهم، فاسمعوا ما يقول، واشهدوا على العقد. فقال الصحابة بأدب: ماذا تقول يا رسول الله؟ قال ﷺ : الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع بسلطانه، المهروب من عذابه، النافذ أمره في أرضه وسمائه، الذي خلق الخلق بقدرته، ونيرهم بأحكامه، وأعزهم بدينه، وأكرمهم بنبيه محمد ﷺ . إن الله جعل المصاهرة نسباً لاحقاً، وأمراً مفروضاً، وحكماً عادلاً، وخيراً جامعاً يعني: إن ربنا جعل المصاهرة تجمع بين الأسر، وهي تناسب وتقارب بين الناس، وقد قال أجدادنا: النسب مثل اللبن. فلا تقل: إن القطيعة حصلت، وحاول أن تقرب، لا أن تبعد، ودع الوزر على من يقطع الأرحام. اللهم لا تجعلنا من المقطعين للأرحام يا رب العالمين! أوشج بها الأرحام أي: اجعلها وشيجة وقربة، وألزمها الأنام، فقال : ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان:٥٤] وأمر الله يجري إلى قضاء، وقضاؤه يجري إلى قدره، ولكل قضاء قدر، ولكل قدر أجل، ولكل أجل كتاب ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] ثم إن الله قد أمرني أن أزوج فاطمة بنت خديجة من علي بن أبي طالب، فاشهدوا أني قد زوجته على أربعمائة مثقال فضة إلى آخر القصة.

стр. 166

سلسلة مقتطفات من السيرة [٩] تمتاز حياة إبراهيم ﵇ بالمواقف العظيمة والابتلاء الذي قابله بالصبر، فقد ألقي في النار فصبر، وأمره الله تعالى بترك هاجر وابنها إسماعيل بمكة فنفذ أمر الله وصبر، وأمره تعالى بذبح ابنه إسماعيل فعزم على التنفيذ وصبر.

стр. 167

أسباب الحديث عن الخليل ﵇ بسم الله الرحمن الرحيم. أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده. وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو الدرس التاسع في سلسلة دروسنا عن السيرة النبوية العطرة على صاحبها أفضل الصلوات وأزكى التسليمات من رب الأرض والسموات. ونسأل الله في بداية هذه الجلسة الطيبة أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يثقل بها موازيننا يوم القيامة، وألا يجعل للشيطان فيها حظاً أو نصيباً. اللهم لا تدع لنا -يا مولانا- ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مديناً إلا قضيت دينه، ولا عيباً إلا سترته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا قصمته، ولا حاجة من حوائج الدنيا لك فيها رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها بكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم اشرح صدورنا، واغفر ذنوبنا، ويسر أمورنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وأذهب الغل والحسد من قلوبنا، واجعلنا إخوة متحابين فيك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك حبك، وحب من أحبك، وحب كل عمل يقربنا إلى حبك، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين. كنا قد توقفنا عند زواج السيدة فاطمة الزهراء قرة عين الحبيب المصطفى ﷺ من ربيب بيت النبوة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي الله عنه. وتحدثنا عن أبناء فاطمة الأربعة ذكوراً وإناثاً، فتحدثنا عن الحسن وعن الحسين وعن زينب وعن أم كلثوم، فاللهم ألحقنا بهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر يا أكرم الأكرمين. وتحدثنا عن زواجه ﷺ بالسيدة خديجة، وكيف وقفت معه، وكيف ناصرته، وكيف أيدته، وكيف كانت القلب الحنون، وكانت الإنسانة التي تخفف وطأة الحياة على قلب الحبيب المصطفى ﷺ . وهكذا يجب أن تكون المرأة المسلمة، فيجب أن تكون بجوار زوجها هي الزوجة، وهي الأم، وهي الابنة، وهي الحبيبة، وهي الرفيقة، وهي التي تكون مرآة لزوجها يرى فيها عيوبه، ويصل هو وهي بطاعتهما لله إلى حياة هانئة سعيدة فيها سكن وفيها مودة وفيها رحمة، فاللهم اطرد عن بيوتنا شياطين الإنس والجن، ووفقنا وزوجاتنا وذرياتنا إلى ما تحبه وترضاه يا أرحم الراحمين. والتاريخ كله سلسلة واحدة، فهو عبارة عن حلقات، كل حلقة متصلة بالتي تليها، وقبل أن أدخل في قضية بعثة الحبيب المصطفى ونزول سيدنا جبريل ﵇ أقف قبل ذلك قليلاً عند أبي الأنبياء الذي نحن على ملته، وسمانا بالمسلمين، ووصفه الله بأنه كان أمة قانتاً لله، ولقيه الحبيب ليلة المعراج في السماء السادسة فرحب به وحياه: وقال: أهلاً بالنبي الصالح والابن الصالح، وأنبأه بأن الجنة كلها قيعان، غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فالحديث عن خليل الرحمن سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فنحن في كل تشهد نذكر الفضل لخليل الرحمن ﵇، فنقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. والأنبياء -كما قال ﷺ كلهم إخوة، دينهم واحد وأمهاتهم شتى، فكل رسول من الرسل يأتي فيقول: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، فهذه الجملة عنوان لدعوة كل رسول إلى الله . ومما نعلل به الحديث عن سيدنا الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أن قصة سيدنا إبراهيم تكاد تتقارب مع رسالة الحبيب المصطفى، ثم إن الابتلاءات التي ابتلي بها الرسل كان للخليل النصيب الأعظم منها، فمدحه رب الأرض والسموات فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:٣٧]، فبم وفى؟ قال أهل العلم: وهب جسده للنيران، وطعامه للضيفان، وابنه للقربان، وروحه للرحمن، فهو متصل بالله . ثم إن سيدنا إبراهيم هو أبو الأنبياء، ويدعيه أهل كل ملة، ولكن يبين الله الحقيقة الأساسية والتاريخية فيقول: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧]، فسيدنا إبراهيم ليس بيهودي ولا نصراني، ولكنه حنيف مسلم ﵇.

стр. 168

الصبر عنوان حياة أولي العزم من الرسل وسيدنا إبراهيم ﵇ أحد أولي العزم من الرسل، والله قد أمر رسوله ﷺ بالصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، وأولو العزم هم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ ، فهؤلاء الخمسة أولو العزم، فعند الحديث عنهم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام يقوى قلب الحبيب المصطفى، فكلهم قد ابتلوا وشردوا، واتهموا بالجنون والتخريف. وكان ﵊ بتواضعه يقول: (إنما مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فجمله وحسنه إلا موضع لبنة فيه، فجعل الناس يطوفون به ويقولون: ما أحسنه لولا هذه اللبنة) فالناس تطوف حول البيت وتقول: ما أجمل هذا البيت، ما أعظم هذا البيت، لو وضعت هذه اللبنة، قال: (فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين). فهل هناك تواضع أكثر من هذا؟! مع أنه ﷺ مهما تحدثنا عن عظمته فلن نبلغ ذرة من بحار ومحيطات فضل الله سبحانه على حبيبه ﷺ .

стр. 169

نشأة الخليل وهجرته ﵇ إلى مصر نشأ سيدنا الخليل وبعث في أرض العراق، ولما أتعبه أهل العراق -كما هي عادتهم- هاجر إلى نابلس في فلسطين، فلما حدثت المجاعة في العراق والشام -وكانت تشمل الأردن وفلسطين وسوريا- جاء الخليل إلى مصر؛ لأن مصر أرض الخيرات، وإذا استقام أهل مصر على طريق الله كان الخير كله، ومصر هي عمود الإسلام في كل الأزمان، فاللهم اهد أهلها ووفق ولاتها إلى ما تحبه وترضاه يا أكرم الأكرمين، وجنبهم بطانة السوء وارزقهم بطانة خير تحضهم على الخير وتحثهم عليه.

стр. 170

ولادة إسماعيل ﵇ وقد مكث سيدنا الخليل ﵇ سنوات ولم ينجب، حتى قال أهل العلم: بلغ ستاً وثمانين سنة من عمره ولم ينجب، فيا من يئست من الإنجاب، ويا من ترغب في البنين ويئست أن يأتي ولي العهد! ثق في رحمة الله الذي يقول للشيء كن فيكون، فسوف يقول للعاقر: كوني ولوداً، وسوف يقول لمنجبة البنات: انجبي أبناءً. وأنت لا تعرف الخير أين يكون، فالخير فيما أنت فيه، فإذا وصل الإيمان إلى ذروته فاختيارك ما اختار الله لك، لأن ربنا سبحانه ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨] فالاختيار من عند الله. وإذا اختار لك فإنه سيقنعك بما اختار لك، وإذا قنعك بما اختار لك رضي عنك، فاللهم ارض عنا جميعاً. فلو لم ترض بزوجتك وكشف لك الحجاب لرأيت أن فيها الخير كله، ولو أن المرأة الغاضبة على زوجها كشف لها عالم الغيب لما اختارت إلا زوجها، حتى وإن كان سيئ الطبع أو بذيء اللسان أو بخيلاً؛ لأن أعمالها لا ترقى لأن تدخلها الجنة، فالله يحبها فيبتليها بزوج سليط اللسان أو بخيل أو قليل الأدب من أجل أن يكثر حسناتها كل يوم، فعندما تموت تموت وهي كيوم ولدتها أمها، وهكذا أنت حين يرزقك الله بزوجة سيئة. ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه يتغابى والبيوت كلها فيها عيوب، وهل هناك بيت من غير عيب غير بيت سيدنا الحبيب ﷺ ؟! ثم إن في النساء سيئة وأسوأ، وكذلك الرجال، وفيهم حسن، وأما الأحسن فقليل، وهو الذي يقدم خيراً لمن قدم إليه شراً، وهو النوع من الناس نادر، والنادر لا حكم له. كرجل امرأته تؤذيه ثلاثين سنة وهو صابر، فهذا رجل من القلة الذين هم صابرون، فاللهم اجعل لنا صبراً كصبر أيوب، واجعل نساءنا كآسية امرأة فرعون. فسيدنا إبراهيم بلغ به السن مبلغه، فهاجر إلى مصر ورجع بالسيدة هاجر، فتسرى بها، فحملت بإسماعيل.

стр. 171

بيان حقيقة ترك إبراهيم إسماعيل وهاجر في مكة وفي الكتب أن السيدة سارة غارت، والواقع أنه لو كانت غيرة لبنى لهذه بيتاً ولهذه بيتاً، فيضع واحدة في مكان والأخرى في مكان آخر، ولكن سيدنا إبراهيم أخذ هاجر وابنه الرضيع وذهب إلى مكة، ولا يتحرك نبي من الأنبياء ولا رسول من الرسل إلا بإذن من الله. فسيدنا يونس ﵇ لما تحرك خطوة بدون استئذان الوحي حصل له ما حصل، كما قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء:٨٧]، فليس براض عنه قومه؛ لأنهم لم يؤمنوا، ويجب أن يكون غضبك لله . وهناك قصة في الغضب لله والغضب للنفس، وهي أن أناساً كان يعبدون شجرة، وعلم بهم رجل مسلم، فأخذ الفأس وذهب ليقطعها، فقابله إبليس في صورة رجل فقال: إلى أين؟ قال له: هناك شجرة تعبد من دون الله سوف أذهب لأقطعها، فقال له: مالك وللناس، دع الناس في شأنهم، وعد إلى بيتك وسوف تجد تحت وسادتك كل صباح عشرة من الدنانير. فالشيطان يغرك ثم يضرك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص:١٥]، ويأتي يوم القيامة إلى أهل الفسق والفجور فيقول لهم: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢] ويقول لمن أغواه: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:٢٨]. فالرجل عاد إلى البيت فلم يجد تحت وسادته في الصباح شيئاً، وكذلك في اليوم الثاني والثالث، فقال: الرجل يضحك علي، فأخذ الفأس وذهب، فلقي الشيطان في صورة ذلك الرجل فقال له: إلى أين؟ فقال: أنت كذاب تضحك علي، لقد رفعت الوسادة ثلاثة أيام فلم أجد شيئاً. فقال له: إلى أين ستذهب؟ قال: سأذهب لأقطع الشجرة، فقال له: لو مددت يدك لقطعتها قبل أن تمدها إلينا. فقال له: لماذا لم تقطع يدي أولاً؟ قال له: لقد خرجت أول مرة غضباً لله، فما كان لأحد أن يمسك بسوء، وأما الآن فإنك خرجت غضباً لنفسك، فإن مددت يدك قطعتها. فيونس ﵇ خرج مغاضباً، فركب في السفينة، فكانت الأمواج تأخذها وتضعها، فقال راكبوها: لا بد من إجراء قرعة لقذف أحدنا في البحر، فوقعت القرعة على يونس، فقذف في البحر ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات:١٤٢]. وحين ابتلعه قال له الله: لم أرسل يونس لك طعاماً، وإنما أرسلتك له حافظاً، وحين دخل في جوف الحوت قال: وعزتك وجلالك لأذكرنك في مكان ما ذكرك أحد فيه من قبل، ثم قال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، أوله تهليل وأوسطه تسبيح وآخره اعتراف بالذنب. فلما قال ذلك قالت الملائكة: يا ربنا صوت معروف في مكان غريب. فأسماع الملائكة تتعود على ذكر الذاكرين، فأنت حين تكون من الذاكرين لله تتعود الملائكة على سماع صوتك. قال تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤]. قال تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات:١٤٥ - ١٤٦] واليقطين هو القرع، والقرع هو النبات الوحيد الذي لا يأتي حوله ولا فوقه الذباب، لأن سيدنا يونس سيخرج مبتلاً من الحوت، فالذباب سيجتمع عليه، فكساه الله تعالى بالقرع ثم أرسله إلى مائة ألف أو يزيدون، قال تعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات:١٤٨]. فسيدنا الخليل أخذ هاجر وابنه إسماعيل وتركهما في واد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم، وهذا أمر من الله. فكل حركة من حركات الأنبياء لا تكون إلا بوحي، ولذا لا ينبغي أن تساوي بيوت الأنبياء والمرسلين ببيوتنا؛ فهم المثل الأعلى.

стр. 172

بيان عظمة توكل هاجر على الله وثقتها به فتركهما في مكان لا زرع فيه ولا ماء ولا عمران، فقالت هاجر: يا إبراهيم! آلله أمرك بهذا؟ قال لها: نعم، قالت: إذاً لن يضيعنا. فانظر إلى اليقين، فإذا كان الله هو الآمر فلن نضيع، والذي يمشي تبعاً لأمر الله لا يضيع، فإذا كنت داخل حدود ما أمر الله فأنت في راحة وفي مأمن من الشيطان ومأمن من كل سوء إن شاء الله رب العالمين؛ لأنك عندما تعمل الطاعة يكافئك الله بطاعة بعدها، وإن للطاعة لنوراً في الوجه ورضا في القلب ومحبة في قلوب الخلق وسعة في الرزق وبركة في العمر، وإن للمعصية لظلمة في الوجه وانقباضاً في القلب وضيقاً في الرزق وكراهية في قلوب الخلق وضنكاً في المعيشة، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤]. فـ هاجر لم تقل لسيدنا إبراهيم: يا رجل! جئت بي من مصر من أجل أن تهينني في بلاد الغربة، وترميني في صحراء، بل قالت: الله أمرك بهذا؟! فقال لها: نعم، فقالت: لن يضيعنا. فكانت على ثقة بالله. فمن اعتمد على ماله قل، ومن اعتمد على عقله ضل، ومن اعتمد على ذكائه اختل، ومن اعتمد على الله فما قل ولا ذل ولا ضل ولا اختل. فأنت موصول بالله تكل الأمور إلى القوي المتين، وتقول: يا رب! لست قادراً، فاهد ابني، واهد امرأتي. إن أم أبي هريرة شتمت الرسول ﷺ فجاء أبو هريرة إلى رسول الله فقال له: يا رسول الله! ادع لأمي، فقال: اللهم اهد أم أبي هريرة، فرجع البيت، فسمع صوت ماء، فطرق الباب، فقالت أمه: انتظر يا بني، فخرجت والماء يقطر منها قد أسلمت. فلما ذهب إبراهيم ﵇ مكثت هاجر مع ابنها، فانتهى الزاد، فبكى الطفل الرضيع، فقامت السيدة هاجر تركض بين الصفا والمروة سبع مرات حتى نزل جبريل ﵇ وفجر الأرض تحت أقدام سيدنا إسماعيل، فتفجرت بئر زمزم وأتت جرهم، وكبر سيدنا إسماعيل، فتعلم منهم الفروسية، وتعلم منهم اللغة العربية، ونشأ عربياً بينهم.

стр. 173

البلاء المبين وفي أول زيارة وأول لقاء بين إبراهيم وإسماعيل قال إبراهيم لإسماعيل: إن الله أمرني بأمر، أتعينني عليه؟ قال له: أعينك يا أبتاه، فقال: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢]. فتخيل أنك أخذت امرأتك وابنك وهو رضيع وتركتهما في مكان بعيد، وبعد اثنتي عشرة سنة أتيت إلى ابنك فقلت له: أنا أتيت لأذبحك. فبالله عليك ماذا سيقول الولد؟! فسيدنا إبراهيم قال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢]، فقال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢]، فالأمر من الله، ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]. ثم قال: يا أبت! إن أردت تنفيذ أمر الله فألقني على وجهي، فقال: لماذا يا بني؟ قال: ربما رأيت وجهي فتأخذك الرقة فلا تنفذ أمر الله في. فالابن يشجع أباه على الطاعة وأما أبناء اليوم فإنهم يشجعون آباءهم على المعصية. لقد كان عمر سيدنا إبراهيم في الوقت الذي سيذبح فيه إسماعيل ثمانية وتسعين عاماً، هل له بعد ذلك أمل في أن يخلف ولداً آخر؟! إنه تنفيذ أمر الله. وقال له أيضاً: وشد وثاقي، لكي لا يتطاير بعض من دمي يصيب ثوبك. فالذي نخرج به من دروس السيرة هو التوكل على الله، وتنفيذ أمر الله، سواء رضي العقل أم لم يرض. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات:١٠٣]، أي: أسلما لله، ولذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣٠ - ١٣١]، والإسلام ليس كلاماً، بل الإسلام عمل وعقيدة، فكلام الإيمان سهل، ولكن العمل الإيماني هو الصعب، فالعمل الإيماني هو تحويل الكلام إلى عمل، وساعتها تكون المؤمن الحقيقي. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات:١٠٣] أي: أسلما أمرهما لله، ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣]، أي: جعله على وجهه كما قال له. فحينئذٍ نزل جبريل بكبش الفداء: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٦ - ١٠٧] فنجح في الامتحان.

стр. 174

إبراهيم ﵇ في بيت إسماعيل بعد زواجه وبعد ذلك تزوج إسماعيل، وبعد زمن جاء إبراهيم وكانت امرأة إسماعيل في البيت، فقال لها: كيف حالكم يا بنيتي؟ فقالت: بشر حال، فقال لها: إذا جاء إسماعيل فقولي له: إبراهيم يقرئك سلاماً، ويقول لك: غير عتبة بابك. فلما رجع قالت له: جاء شخص كبير اسمه إبراهيم فسأل عليك، وهو يسلم عليك ويقول لك: غير عتبة بابك. فقال لها: أنت العتبة، أنت طالق. فهي عتبة لا ترضى، وعتبة ليست متواضعة. ثم تزوج سيدنا إسماعيل، وجاء سيدنا إبراهيم يسأل عليه، فوجد امرأته فقال لها: كيف الحال يا بنية؟ فقالت: بخير حال يا عماه، نحمد الله، هذا فضل من الله كبير، فقال لها: إذا جاء إسماعيل فقولي له: إبراهيم يقرئك السلام، ويقول: تمسك بعتبة بابك. ثم جاء سيدنا إبراهيم يزوره، فلقيه فقال: يا إسماعيل! إن ربي أمرني أن نرفع القواعد من البيت، فلبى إسماعيل مباشرة، وبدءا في رفع القواعد، وارتفع البنيان، فقال إبراهيم: يا إسماعيل! هات لي حجراً أقف عليه، فكان سيدنا إبراهيم يقف عليه ثم ينقله، فالحجر بقدرة الله يتحرك إلى الجهة التي يريد إبراهيم أن يتحرك إليها.

стр. 175

الصبر العظيم في حياة إبراهيم ﵇ لقد تعرض سيدنا إبراهيم لابتلاءات توالت، فيا من ابتلي بضنك في المعيشة، وولد عاق، قل: يا رب! أغنني، فسوف يغنيك من فضله، وإن كانت امرأتك غاضبة عليك، فاتق الله يهدها لك، وإن كان ابنك على غير المرجو وقد ربيته فلم يكن فيه فائدة فاعلم أن هذا ابتلاء من الله، فاصبر على الابتلاء، وإذا كان بعض العمال قد أتعبوك في محلك فاستجر بالله ، فسيقذف الرأفة والرحمة في قلوبهم. فسيدنا إبراهيم وهو صغير كان أبوه منشغلاً بصناعة التماثيل، فكان يقول له: يا إبراهيم! بع الآلهة. وكانت الآلهة أنواعاً، فالغني يشتري إله ذهب، والفقير يشتري إله طين. فسيدنا إبراهيم جمعها كلها في مكان وقال: من الذي يشتري ما لا ينفع ولا يضر! ثم كسر الأصنام وقال لقومه: اسألوا كبيرهم هذا، فقذفوه في النار، قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]، فكانت الملائكة تسامر سيدنا إبراهيم وهو قاعد في وسط النار، ولم تحترق إلا القيود والحبال التي ربطوه بها. لكن برد وسلام. ثم دخل عليه نفر من الملائكة، وكان كريماً، فقد كان يمشي مسافة ميلين قبل الطعام ليأتي بضيف. قال تعالى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود:٦٩]، فرآهم لا يأكلون فخاف، فقالوا: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ [هود:٨١] فنحن ملائكة آتون إلى قوم لوط لنعذبهم، فقال لهم: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ [العنكبوت:٣٢] فقالوا: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ [العنكبوت:٣٢]، ثم بشروا سارة ﴿بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١]. ويروى أن كافراً آكل في بيت الخليل، فعلم إبراهيم بحقيقته، فأخذ الأكل من أمامه وطرده، فقال الله: يا خليلي! أبيت أن تضيفه في بيتك ساعة، وأنا -مع كفره بي- أضيفه في ملكي منذ خمسين سنة. فانطلق سيدنا إبراهيم ليرده، فقال له: لقد طردتني، فقال: لقد عاتبني فيك ربي. فقال: رب يعاتب خليله في كافر مثلي؟! هذا رب أولى بالعبادة والتوحيد، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، فقال الله: يا إبراهيم! أعجبت من رجل أكل نصف طعامه كافراً ثم أكل نصفه مؤمناً بفضل حسن الخلق؟! وشتان ما بين الأكلتين. فحاصل حياة الأنبياء هو التربية على الصبر.

стр. 176

سلسلة مقتطفات من السيرة [١٠] يعيش المسلمون مشاكل اجتماعية مؤلمة، فمنها مشاكل في بيت الزوجية، ومشاكل في بيت الأبوة والبنوة، ومشاكل في بيت الأخوة الإسلامية، وكل ذلك مرده إلى عدم الامتثال لما نسمعه من هدي الله وهدي رسوله ﷺ في حياتنا، وإن لذلك لعلاجاً في الإسلام يصل به المرء إلى السعادة في حياته، فعلى المسلم أن يتبع خطوات هذا الدواء لينال أمنيته في دنياه وآخرته.

стр. 177

أسباب ظهور المشاكل الاجتماعية في حياة المسلمين أحمد الله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد ﷺ صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو الدرس العاشر من دروسنا حول السيرة العطرة لسيدنا رسول الله ﷺ ، فنسأل رب العباد أن ينفعنا بما علمنا، وأن يجعل كل دروسنا خالصة لوجهه الكريم، وألا يجعل للشيطان فيها حظاً أو نصيباً، وأن يثقل بها موازيننا يوم القيامة، وأن يضيء لنا بها على الصراط يوم لا نور إلا نور الإيمان. اللهم لا تدع لنا ذنباً إلى غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هما ًإلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عيباً إلا سترته، ولا مظلوما ًإلا نصرته، ولا ظالماً إلا قصمته، ولا مسافرا ًإلا غانماً سالماً رددته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا ضالاً إلا أخذت بيده إلى صراطك المستقيم، واجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً، اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم إنها نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين. إن الذين يواظبون على دروس العلم ومجالس أهل العلم لابد أن يختلف الواحد منهم عمن لا يحضر، فالذي يواظب على درس العلم يجب أن يكون لدرس العلم عنده ثمرة، فيشعل درس العلم في قلبه جذوة الإيمان، فيجعله يحسن التعامل مع الناس ومع رب الناس، أما أن أحضر درس العلم وأظل فاشلاً في معاملتي للناس، سيئاً في معاملتي لخالق الناس وخالقي، فإن درس العلم حينئذٍ يكون حجة علي لا حجة لي؛ لأن المسلم في كل موعظة يستمع إليها وكل درس علم يستفيد منه، ويجب عليه أن يكون لهذا الدرس عنده ثمرة.

стр. 178

المشاكل الاجتماعية في حياة المسلمين إنني عندما أنظر إلى مشاكل المسلمين أجد هذه العناوين الثلاثة: العنوان الأول: فشل معاملة الزوج لزوجته والعكس، فكيف تحضر مجلس العلم ثم تسيء إلى زوجتك في البيت، فما الذي استفدته -أخا الإسلام- من درس العلم؟! والعكس صحيح، فما الذي استفادته الأخت المسلمة التي تركت بيتها وجاءت لتستمع إلى درس العلم ثم تسيء معاملة الزوج! فالعنوان الأول في مشاكلنا، فإن لم نشعر في دروس العلم بالسكينة، ولم نستفد من الثمرة فلا فائدة فيها، وستبقى حجة علينا يوم القيامة. العنوان الثاني: سوء معاملة الأبناء للآباء، وسوء معاملة الآباء للأبناء. فالعنوان الأول والثاني في البيت المسلم. العنوان الثالث: سوء معاملة المسلم لإخوانه من المسلمين في المجتمع، وأصل هذه العناوين الثلاثة سوء معاملة العبد لله ، وسوء الأدب مع الله؛ لأنني عندما أفشل في معاملة المخلوق يكون فشلي دليل على أن صلتي بالله واهية، ودليلاً على أن صلتي بالله ضعيفة، وقد جاء في الحديث الشريف: (من اتقى الله أحبه الناس شاءوا أم كرهوا) يعني: رضوا أم لم يرضوا فسيحبونه، والمهم أن يحسن معاملته مع الله.

стр. 179

أهمية المسجد والبيت في إزالة الهموم ما الذي جعل الرجل في بيته يسيء معاملة الزوجة؟ وما الذي جعل المرأة تسيء معاملة زوجها؟ يجب أن نبحث عن العلة؛ لأننا نريد البيوت أن تكون هي المكان الذي يستريح فيه الإنسان بعد المسجد، فأنت تعود منهكاً من الأعمال التي في الدنيا، والوظيفة ثقيلة عليك، فلا بد من أن تذهب إلى مكانين لترتاح فيهما، فأول مكان هو بيت الله، فلا راحة لمؤمن إلا بلقاء الله، ولن تستريح -يا عبد الله- إلا حين تلقى الله ، فأفضل مكان تلقى فيه ربك هو بيته، فالله يدعوك إلى زيارته لتستريح نفسك. ولذلك يروى أن أحد الصحابة رضوان الله عليهم دخل عليه المصطفى فسأله: ما الذي أوجدك في المسجد في وقت ليس من أوقات الصلاة؟! فقال: هموم وديون لزمتني يا رسول الله. فالهموم والغموم هجمت على الرجل، فذهب إلى بيت الله، ليقول: (يا رب)، ولا ينفع أن تقول: (يا رب) أمام التلفزيون، ولا أن تقول: (يا رب) والأولاد بجوارك يلعبون، فنحن نريد كلمة (يا رب) تخرج من داخل القلب لا كحال الرجل الذي لقيه سيدنا موسى، فقد كان راعي غنم، فجلس يدعو ويبكي فقال: (يا رب) يريد شيئاً، فقال موسى برحمة النبوة: يا رب! لو الأمر بيدي لاستجبت له، فقال الله تعالى: (يا موسى! صاحبك يدعوني بلسانه وقلبه عند غنمه، وأنا لا أستجيب لعبد لسانه معي وقلبه مع غيري). فحين تدعو الله لا بد لك من أن تكون قلباً وقالباً مع الله، فاللسان يدعو والقلب فيه حرارة الإيمان توصلك بالله ، فحينئذ يستجيب الله لك، فهذا معنى أن تقول: (يا رب). وأنت بذلك تقصر المسافة بين الأرض والسماء، فاجعلها دعوة مستجابة، وقل: (يا رب) يقل الله لك: لبيك يا عبدي، ولا يوجد عبد يرفع يديه إلى السماء ويقول: (يا رب) إلا ويستحي رب العباد من أن يرد يدي العبد خائبتين. فهو حنان منان، حنان يعطي السائل قبل أن يسأل، فأنت في عمرك وأنت تأكل لا تقول: يا رب! أعني على الهضم، إلا إذا كان عندك عسر هضم، فلا تسأل نعمة الهضم إلا إذا كان عندك عسر هضم، وفي غير ذلك لا تدعو بهضم الطعام، مع أنه لو أن هناك لقمة ما هضمت لبقيت يومك كله في تعب. إذاً: فهناك نعم غير مرئية أنت لا تدعو الله بها، فهو حنان يعطي السائل قبل أن يسأل. والمنان: هو الذي يمن على عباده دون أن يطيعوه، فهذا يظلم، وهذا يختلس، وهذا يرتشي، وهذا لسانه طويل، وهذا يغتاب، وهذا ينم، فلو أن الله تعالى حاسبنا على ما نعمل فماذا سيحصل؟! لقد ابتلي فرعون وقومه بالجراد والقمل والضفادع، والله قادر على أن يحل بنا ذلك، ولكن برحمته يعطينا مع عصياننا له، فالله تعالى يقول: (يا موسى! صاحبك يدعوني بلسانه وقلبه عند غنمه، وأنا لا أستجيب لعبد لسانه معي وقلبه مع غيري). فكيف تدعوه وأنت مشغول عنه؟! فإذا أردت الإجابة فأقبل على الله بكلك.

стр. 180

بشرى للمظلوم جاء رجل يشكو إلى رسول الله ﷺ ظلماً نزل به، فلم يتكلم الرجل قبل أن يأذن له الرسول ﷺ ، فقال له: اقعد. فقعد، فقال ﷺ : (بشر المظلومين بنور يسعى بين أيديهم على الصراط، هم في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله) فقام الرجل وقال: السلام عليك يا رسول الله. أي: إذا كان المظلوم له هذا الأجر فليس علي شيء في أن أبقى مظلوماً. وأما نحن فكلنا لا نريد أن نبيت مظلومين، وإذا دعا المظلوم على الظالم قال الله : (يا عبدي! هناك مظلوم منك يدعو عليك، إن شئت أجبت لك وأجبت عليك، وإن شئت أخرتكما حتى يسعكما عفوي يوم القيامة). يعني: أنت يا مظلوم قد ظلمت غيرك من غير أن تذكر، فيمكن أن نعطيك حقك، ولكن سنأخذ منك مظلمة غيرك عندك، ولكما أن تبقيا إلى يوم القيامة فيسعكما عفوي. وقال ﷺ : (لا تدع على الظالم؛ فإن الظلم أسرع إليه من دعائك عليه) أي: لا تدع على الظالم، ولماذا لا أدعو على الظالم وأنا أريد الانتقام منه؟! يقول لك: لا تدع عليه؛ لأن نتيجة ظلمه أسرع إليه من دعائك عليه، لأن ربنا يقول: (وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين)، فظلمه أسرع إليه من دعائك عليه. وأجدادنا في المثل قالوا: (جئت لأدعو فوجدت الجدار مائلاً)، فاتركه وخل الظلم يستشري عليه، وكل أمرك إلى الله. تلك هي المشاكل الثلاث التي نواجهها كلنا: سوء علاقة الزوج بزوجته والعكس، وسوء معاملة الأبناء للآباء والعكس، وسوء معاملة المسلم لإخوانه المسلمين. والمصيبة أن كل واحد منا يشكو، ولا يوجد أحد يقول: أنا سيء، ولا أحد يقول: أنا ظالم.
следующие страницы →