Полный текст (588 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
سلسلة مقتطفات من السيرة [١٠]
يعيش المسلمون مشاكل اجتماعية مؤلمة، فمنها مشاكل في بيت الزوجية، ومشاكل في بيت الأبوة والبنوة، ومشاكل في بيت الأخوة الإسلامية، وكل ذلك مرده إلى عدم الامتثال لما نسمعه من هدي الله وهدي رسوله ﷺ في حياتنا، وإن لذلك لعلاجاً في الإسلام يصل به المرء إلى السعادة في حياته، فعلى المسلم أن يتبع خطوات هذا الدواء لينال أمنيته في دنياه وآخرته.
стр. 177
أسباب ظهور المشاكل الاجتماعية في حياة المسلمين
أحمد الله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد ﷺ صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو الدرس العاشر من دروسنا حول السيرة العطرة لسيدنا رسول الله ﷺ ، فنسأل رب العباد أن ينفعنا بما علمنا، وأن يجعل كل دروسنا خالصة لوجهه الكريم، وألا يجعل للشيطان فيها حظاً أو نصيباً، وأن يثقل بها موازيننا يوم القيامة، وأن يضيء لنا بها على الصراط يوم لا نور إلا نور الإيمان.
اللهم لا تدع لنا ذنباً إلى غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هما ًإلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عيباً إلا سترته، ولا مظلوما ًإلا نصرته، ولا ظالماً إلا قصمته، ولا مسافرا ًإلا غانماً سالماً رددته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا ضالاً إلا أخذت بيده إلى صراطك المستقيم، واجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا.
اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً، اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم إنها نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.
إن الذين يواظبون على دروس العلم ومجالس أهل العلم لابد أن يختلف الواحد منهم عمن لا يحضر، فالذي يواظب على درس العلم يجب أن يكون لدرس العلم عنده ثمرة، فيشعل درس العلم في قلبه جذوة الإيمان، فيجعله يحسن التعامل مع الناس ومع رب الناس، أما أن أحضر درس العلم وأظل فاشلاً في معاملتي للناس، سيئاً في معاملتي لخالق الناس وخالقي، فإن درس العلم حينئذٍ يكون حجة علي لا حجة لي؛ لأن المسلم في كل موعظة يستمع إليها وكل درس علم يستفيد منه، ويجب عليه أن يكون لهذا الدرس عنده ثمرة.
стр. 178
المشاكل الاجتماعية في حياة المسلمين
إنني عندما أنظر إلى مشاكل المسلمين أجد هذه العناوين الثلاثة: العنوان الأول: فشل معاملة الزوج لزوجته والعكس، فكيف تحضر مجلس العلم ثم تسيء إلى زوجتك في البيت، فما الذي استفدته -أخا الإسلام- من درس العلم؟! والعكس صحيح، فما الذي استفادته الأخت المسلمة التي تركت بيتها وجاءت لتستمع إلى درس العلم ثم تسيء معاملة الزوج! فالعنوان الأول في مشاكلنا، فإن لم نشعر في دروس العلم بالسكينة، ولم نستفد من الثمرة فلا فائدة فيها، وستبقى حجة علينا يوم القيامة.
العنوان الثاني: سوء معاملة الأبناء للآباء، وسوء معاملة الآباء للأبناء.
فالعنوان الأول والثاني في البيت المسلم.
العنوان الثالث: سوء معاملة المسلم لإخوانه من المسلمين في المجتمع، وأصل هذه العناوين الثلاثة سوء معاملة العبد لله ، وسوء الأدب مع الله؛ لأنني عندما أفشل في معاملة المخلوق يكون فشلي دليل على أن صلتي بالله واهية، ودليلاً على أن صلتي بالله ضعيفة، وقد جاء في الحديث الشريف: (من اتقى الله أحبه الناس شاءوا أم كرهوا) يعني: رضوا أم لم يرضوا فسيحبونه، والمهم أن يحسن معاملته مع الله.
стр. 179
أهمية المسجد والبيت في إزالة الهموم
ما الذي جعل الرجل في بيته يسيء معاملة الزوجة؟ وما الذي جعل المرأة تسيء معاملة زوجها؟ يجب أن نبحث عن العلة؛ لأننا نريد البيوت أن تكون هي المكان الذي يستريح فيه الإنسان بعد المسجد، فأنت تعود منهكاً من الأعمال التي في الدنيا، والوظيفة ثقيلة عليك، فلا بد من أن تذهب إلى مكانين لترتاح فيهما، فأول مكان هو بيت الله، فلا راحة لمؤمن إلا بلقاء الله، ولن تستريح -يا عبد الله- إلا حين تلقى الله ، فأفضل مكان تلقى فيه ربك هو بيته، فالله يدعوك إلى زيارته لتستريح نفسك.
ولذلك يروى أن أحد الصحابة رضوان الله عليهم دخل عليه المصطفى فسأله: ما الذي أوجدك في المسجد في وقت ليس من أوقات الصلاة؟! فقال: هموم وديون لزمتني يا رسول الله.
فالهموم والغموم هجمت على الرجل، فذهب إلى بيت الله، ليقول: (يا رب)، ولا ينفع أن تقول: (يا رب) أمام التلفزيون، ولا أن تقول: (يا رب) والأولاد بجوارك يلعبون، فنحن نريد كلمة (يا رب) تخرج من داخل القلب لا كحال الرجل الذي لقيه سيدنا موسى، فقد كان راعي غنم، فجلس يدعو ويبكي فقال: (يا رب) يريد شيئاً، فقال موسى برحمة النبوة: يا رب! لو الأمر بيدي لاستجبت له، فقال الله تعالى: (يا موسى! صاحبك يدعوني بلسانه وقلبه عند غنمه، وأنا لا أستجيب لعبد لسانه معي وقلبه مع غيري).
فحين تدعو الله لا بد لك من أن تكون قلباً وقالباً مع الله، فاللسان يدعو والقلب فيه حرارة الإيمان توصلك بالله ، فحينئذ يستجيب الله لك، فهذا معنى أن تقول: (يا رب).
وأنت بذلك تقصر المسافة بين الأرض والسماء، فاجعلها دعوة مستجابة، وقل: (يا رب) يقل الله لك: لبيك يا عبدي، ولا يوجد عبد يرفع يديه إلى السماء ويقول: (يا رب) إلا ويستحي رب العباد من أن يرد يدي العبد خائبتين.
فهو حنان منان، حنان يعطي السائل قبل أن يسأل، فأنت في عمرك وأنت تأكل لا تقول: يا رب! أعني على الهضم، إلا إذا كان عندك عسر هضم، فلا تسأل نعمة الهضم إلا إذا كان عندك عسر هضم، وفي غير ذلك لا تدعو بهضم الطعام، مع أنه لو أن هناك لقمة ما هضمت لبقيت يومك كله في تعب.
إذاً: فهناك نعم غير مرئية أنت لا تدعو الله بها، فهو حنان يعطي السائل قبل أن يسأل.
والمنان: هو الذي يمن على عباده دون أن يطيعوه، فهذا يظلم، وهذا يختلس، وهذا يرتشي، وهذا لسانه طويل، وهذا يغتاب، وهذا ينم، فلو أن الله تعالى حاسبنا على ما نعمل فماذا سيحصل؟! لقد ابتلي فرعون وقومه بالجراد والقمل والضفادع، والله قادر على أن يحل بنا ذلك، ولكن برحمته يعطينا مع عصياننا له، فالله تعالى يقول: (يا موسى! صاحبك يدعوني بلسانه وقلبه عند غنمه، وأنا لا أستجيب لعبد لسانه معي وقلبه مع غيري).
فكيف تدعوه وأنت مشغول عنه؟! فإذا أردت الإجابة فأقبل على الله بكلك.
стр. 180
بشرى للمظلوم
جاء رجل يشكو إلى رسول الله ﷺ ظلماً نزل به، فلم يتكلم الرجل قبل أن يأذن له الرسول ﷺ ، فقال له: اقعد.
فقعد، فقال ﷺ : (بشر المظلومين بنور يسعى بين أيديهم على الصراط، هم في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله) فقام الرجل وقال: السلام عليك يا رسول الله.
أي: إذا كان المظلوم له هذا الأجر فليس علي شيء في أن أبقى مظلوماً.
وأما نحن فكلنا لا نريد أن نبيت مظلومين، وإذا دعا المظلوم على الظالم قال الله : (يا عبدي! هناك مظلوم منك يدعو عليك، إن شئت أجبت لك وأجبت عليك، وإن شئت أخرتكما حتى يسعكما عفوي يوم القيامة).
يعني: أنت يا مظلوم قد ظلمت غيرك من غير أن تذكر، فيمكن أن نعطيك حقك، ولكن سنأخذ منك مظلمة غيرك عندك، ولكما أن تبقيا إلى يوم القيامة فيسعكما عفوي.
وقال ﷺ : (لا تدع على الظالم؛ فإن الظلم أسرع إليه من دعائك عليه) أي: لا تدع على الظالم، ولماذا لا أدعو على الظالم وأنا أريد الانتقام منه؟! يقول لك: لا تدع عليه؛ لأن نتيجة ظلمه أسرع إليه من دعائك عليه، لأن ربنا يقول: (وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين)، فظلمه أسرع إليه من دعائك عليه.
وأجدادنا في المثل قالوا: (جئت لأدعو فوجدت الجدار مائلاً)، فاتركه وخل الظلم يستشري عليه، وكل أمرك إلى الله.
تلك هي المشاكل الثلاث التي نواجهها كلنا: سوء علاقة الزوج بزوجته والعكس، وسوء معاملة الأبناء للآباء والعكس، وسوء معاملة المسلم لإخوانه المسلمين.
والمصيبة أن كل واحد منا يشكو، ولا يوجد أحد يقول: أنا سيء، ولا أحد يقول: أنا ظالم.
стр. 181
صفحات مشرقة من حياة السلف
لقي سفيان الثوري أبا حازم بعد أن دخل على أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور وقال: يا أمير المؤمنين! أنا أرحم بك من ابنك المهدي.
يقول له: أنا عالم أرحم بك وأعرف بمصلحتك وأحن عليك من ابنك المهدي.
وسفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث، ومعنى: (أمير المؤمنين في الحديث) أنه يحفظ ستمائة ألف حديث بأسانيدها إلى رسول الله ﷺ ، وهذه درجة في علم الحديث.
فلما لقي أبا حازم قال له: إني عاتب عليك يا أبا حازم، فقال: لماذا؟ قال: كيف تقول لـ أبي جعفر: ابنك المهدي.
يعني: أنه ولد ضائع لا يصلح أن يكون اسمه المهدي، فقال له: يا سفيان! كلنا مهدي.
أي: كلنا كان في المهد صغيراً.
يقول: أنا ليس قصدي أنه مهدي من الهداية، وإنما هو مهدي لأنه كان في المهد صبياً، وكلنا كان في المهد صبياً.
فانظر إلى الدقة في كلام هؤلاء.
وقعد أحمد بن حنبل يكلم واحداً من العلماء كان صاحباً له، وفي أثناء الكلام اقتلع نبتة من الأرض، فقال له: يا ابن حنبل! ارتكبت خمسة أخطاء: الأول: اقتلعت شيئاً يسبح بحمد الله.
الثاني: صنعت شيئاً لم تؤمر به.
والثالث: أن حديثك لغو، والمؤمن يعرض عن اللغو.
والرابع: شغلت نفسك بشيء غير ذكر الله .
والخامس: أنك عالم يقتدى به، فالناس حين ترى أحمد بن حنبل يقتلع النبتة تصنع صنيعه.
فالذي يتصدى ليقول للناس: هذا حلال وهذا حرام عليه أن يحاول بقدر الاستطاعة أن يكون كما كان يدعو ﷺ : وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت.
فاللهم أقمنا على طريقك يا أكرم الأكرمين.
стр. 182
أدوية المشاكل الزوجية
стр. 183
استئذان الزوج في الخروج من البيت
وهنا أريد أن أضع علاجاً لتلك المشاكل الثلاث: فالمشكلة الأولى: سوء معاملة الزوجين، فالحكم الفقهي الذي لابد من معرفته أنه لا يجوز للمرأة أن تذهب إلى المسجد بدون إذن زوجها، نعم هناك حديث آخر وهو: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) يعني: حين تأتي امرأة تريد أن تذهب إلى الجامع لا تمنعها، ولكن إذا اعترض الزوج على ذهاب زوجته إلى المسجد فلا يجوز للمرأة أن تذهب بدون إذن زوجها، والكارثة الكبرى أنه يسمح لها بالخروج كل يوم إلى السوق والعمل، فتأتيها سيارة تركبها في الساعة السادسة والربع، فإذا أرادت الذهاب إلى المسجد منعها! فإن فعل فيجب عليها أن تطيع، والذنب في رقبته، فلا تأتي إلى الجامع إلا بإذنه، ولا تذهب لزيارة أهلها إلا بإذنه، وقد بلغ الحال ببعض النساء الصالحات إلى أنها لا تطرق باب جارتها إلا بعد إذن من زوجها، وهذا هو الإسلام.
стр. 184
تقدير الزوج لزوجته وقصر نظره عليها
وفي المقابل لا بد للزوج من أن يقدر ذلك لزوجته، فهل من المعقول أن تحبك زوجتك مع ما يحصل من المشاكل؟! وهل ستبقى أنت والزمن ضدها، أم أنك ستكون معها ضد الزمن؟! لابد من أن تبقى معها، فأنت الصدر الحنون، ففي الحديث: (عيشوا مع الناس حتى إذا فارقتموهم حنوا إليكم، وإن متم ترحموا عليكم) فعاملها بحسن، حتى إذا غبت قالت: متى يأتي لنستأنس به في البيت.
فتحب رجوعك إلى البيت.
وأنت كذلك، فلا تقلب عينيك فيما حرم الله، ثم ترجع لترى زوجتك فتستقل نعمة الله عليك، فالشيطان يزين لك المعصية، ويضع لك السم في العسل، ويريك النساء الأخريات في العمل على أنهن النساء، أما التي في البيت هذه فهي امرأة عادية، ولو قصرت نظرك على ما أحل الله لك لحسن الله زوجتك في عينيك، ومن غض بصره اتقاء الله أعقبه الله إيماناً يجد حلاوته في قلبه، ويجري الله الحكمة على لسانه، فغض بصرك وتعود على هذا، وسترى الثمرة.
يروى: أن حاتماً الأصم كان صاحبه شقيق البلخي ثلاثين سنة، فجاء يوماً فقال شقيق لزوجته: من في الباب؟ فقالت: صاحبك الأعمى.
فجاء فرأى حاتماً، وحاتم ليس أعمى، فقال: زوجتي تظنك أعمى، فـ حاتم كان يغض بصره، فنريد أن نكون مثل حاتم.
وإنا لنعجب من حال ما يحصل في مدارسنا، فأحد الطلاب يقول: أنا في ثاني ثانوي، تدرسني مدرسة اللغة، فتقول لنا وهي تدرس: انظروا إلى فمي وأنا أتكلم؛ لأجل أن تعرفوا مخارج الحروف! وولي أمر طالبة يقول: ذهبت أسأل عن ابنتي في الثانوية، فدخلت وقت الفسحة فسألت عن الأستاذ، فدلوني عليه، فذهبت فلقيت الأستاذ وهو مع خمس من تلميذاته يأكل معهن، فقلت له: حضرتك الأستاذ فلان؟ قال: نعم، قلت: هل أكلم سيادتك على جانب؟ فأنا ولي أمر التلميذة فلانة، فغضب الرجل؛ لأنه قطع عليه خلوته! ومدرسة الكيمياء تدرس المعادلة على السبورة، فجاء الأولاد يشتكون، ومن شكواهم: أن المدرسة ترفع يدها وهي لابسة لبساً قصيراً، فبالله عليك هل الولد سينظر إلى المعادلة؟! فأنا أريد منك أن تجرب غض البصر، فيا ليت أنا نجرب غض البصر، ونجعله رياضة نفسية نتعود عليها، وفي البداية سيكون أمراً عسيراً، ولكن عسره يزول إلى أن يصير عادة، ولذلك يقال: إن سيدنا أحمد بن حنبل خرج مرة إلى صلاة العصر وإذا به يرجع، ففتح الباب فخافت زوجته وقالت: ما لك يا أحمد؟! فقال وقد وقعت عينه على كعب امرأة ماشية: هذا زمان الفتن.
فلا بد من أن نتواصى بالصبر، فالله تعالى يقول: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣]، والصبر أنواع، فأصعب أنواعه الصبر على الطاعة، فالصبر على البلية قد يكون سهلاً، وكذلك الصبر عن المعاصي، ولكن الصبر على الطاعة عسير، فمن منا يقوم الليل فيصلي ساعتين؟! فقيام الليل عسير؛ لأنه ضد هوى النفس، فالذي ضد هوى النفس يرضي الله، والذي مع هوى النفس يغضب الله، وكل ما ألصقك بالدنيا يبعدك عن الله، فالأموال حين تكثر يشغل البال، ولذلك قال ﷺ : (من حافظ عليها -يعني: الصلاة- كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة يوم القيامة، وحشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف) وإنما ذكر هؤلاء الأربعة؛ لأنه لا يمنعك عن الصلاة ولا عن دروس العلم ولا عن المساجد إلا شواغل هؤلاء الأربعة، فقد تكون ملكاً، فالملك يمنعه ملكه عن الصلاة، فلا يصلي ولا يذهب إلى المساجد، فهو مع فرعون، وقد تكون وزيراً فلا تصلي وتكون مع هامان، وقد يمنعك مالك فتكون مع قارون، وقد يمنعك عن الصلاة تجارتك فتكون مع أبي بن خلف.
فإذا أحسنت معاملة زوجتك فسوف تجد نتيجة طيبة، ولذلك يروى: أن أحد العلماء استضاف تلميذه فقرب إليه أكلاً، فبينما هما يأكلان إذا بزوجة العالم تؤنب العالم وتقول له: يا من يصنع ويغفل.
فالتلميذ قال: ما هذا؟ فابتسم العالم، فقال له التلميذ: لو كنت مكانك لخنقتها.
فقال له العالم: أتذكر عندما أكلنا في بيتك في الجمعة الماضية؟ قال: نعم، قال له: ماذا حدث؟ قال: قفزت الدجاجة على صحفة الأكل فقلبتها.
فقال: هل غضبنا من الدجاجة؟ قال: لا، قال: أنزلت امرأتي منزلة الدجاجة.
ورجل سفيه دخل على عالم يعظ الناس فتعمد وداس على رجله، فقام إليه الناس، وقال العالم: اسكتوا، فقالوا له: لقد داس على قدمك فابتسمت، ونحن الذين تألمنا، فقال: أنزلته منزلة الحجر، فلو عثرت بحجر فهل سأضربه؟! فانظر يا أخي إلى هؤلاء كيف يسهلون الأمور! وكلنا نعرف قصة سيدنا عمر بن عبد العزيز حين دخل المسجد في الظلام، وفيه رجل نائم، فداس على رجل النائم، فهب الرجل مذعوراً وأمسك بتلابيب أمير المؤمنين، وقال: أأنت أعمى؟! فقال سيدنا عمر: كلا، فالذين كانوا حول أمير المؤمنين غضبوا، فقالوا: يا أمير المؤمنين! يقول: أأنت أعمى وتسكت؟! قال: إنما سألني سؤالاً: أأنت أعمى؟ فقلت له: كلا.
فبالله عليك إذا كانت هكذا فهل ستغضب من زوجتك أو ستغضب زوجتك منك؟! فكيف تكون حنوناً على زوجتك؟! لقد قال الحبيب: (من نظر إلى زوجته نظرة رحمة نظر الله إليهما نظرة رحمة، ومن نظر الله إليه نظرة رحمة لم يعذبه يوم القيامة) فالله يغفر لك بنظرة إلى زوجتك.
فأنا أريد أن أقول: إن كل مشاكلنا في البيوت سببها عدم الصبر، فلا الرجل قادر على أن يصبر على زوجته، ولا الزوجة قادرة على أن تصبر على زوجها.
стр. 185
حالنا في معاملة إخواننا المسلمين
والمشكلة الثانية: سوء معاملة المسلم لأخيه المسلم، وهذه فينا كلنا حتى ونحن في المسجد، ففي المسجد لا يسع بعضنا بعضاً، ولا يرحم بعضنا بعضاً، ثم نريد من ربنا أن يبعث لنا حاكماً صالحاً، والحاكم الصالح إنما يأتي لقوم يحب بعضهم بعضاً، فاللهم ول أمورنا خيارنا، ولا تول أمورنا شرارنا، وأصلح أحوالنا، وآمن روعاتنا، واستر عوراتنا، واغفر ذنوبنا، وارحمنا وأنت خير الراحمين.
стр. 186
مراحل العمر وأثرها على المرء
إذا بلغ المرء أربعين سنة فإن عليه أن يقول: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ [الأحقاف:١٥]، ومن بلغ الأربعين من عمره ولم يغلب خيره شره فليتجهز للنار.
قال تعالى عن سيدنا موسى ﵇: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [القصص:١٤]، ولم يذكر تعالى: (واستوى) في شأن سيدنا يوسف ﵇، وبلوغ الأشد هو في الثامنة عشرة أو في الحادية والعشرين، وهذا رأي أبي حنيفة، وهذا هو الذي يؤخذ به في القانون المدني، ولكن هناك من يهبه الله تعالى الفضل قبل ذلك مثل سيدنا يحيى ﵇ قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢].
ومثل سيدنا داود عليه وعلى سيدنا سليمان وعلى نبينا الصلاة والسلام، فسيدنا داود قال تعالى عنه: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة:٢٥١] وكان عمره حينها خمسة عشر عاماً.
وكذلك سيدنا سليمان، ففي قصة الغنم احتكم الرجلان إلى داود ﵇، فقال لهما: لصاحب الزرع أن يأخذ الغنم مكان زرعه.
فلما خرجا وجدا سيدنا سليمان -وهو ابن خمسة عشر عاماً- قاعداً على الباب، فقال: بم حكم لكما أبي؟ فأخبراه، فقال سيدنا سليمان: لو كان الأمر بيدي لقلت: لصاحب الزرع المأكول أن يأخذ الغنم فيستفيد من ألبانها ونسلها حتى يعيد صاحب الغنم الأرض مزروعة كما كانت قبل أن تأكلها غنمه، ثم يأخذ صاحب الغنم غنمه وصاحب الأرض أرضه، فقال جبريل: يا داود! الحكم ما حكم به سليمان، ولذلك قال ربنا: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩]، فاللهم احشرنا في زمرتهم يا رب العالمين.
فربنا يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، ولكن لا يعطي الدين إلا لمن يحب، فمن أراد الله به خيراً فقهه في الدين، ورزقه الثبات على الدين.
إننا كلنا نعصي الله، وليس العجب أن يغفر الله للناس، بل إن العجب أن يستر الله على الناس؛ لأن المرء يخطئ مرة ومرتين وعشراً وعشرين، ولما أقام عمر الحد على رجل سرق بكت أمه قبل قطع يده، فقالت: يا أمير المؤمنين! هذه أول مرة يسرق فيها، فقال عمر بفراسة المؤمن: والله ما كان الله ليفضحه من أول مرة.
فلما قطعت اليد دخل سيدنا علي على الرجل الشاب فقال له: أستحلفك بالله! هل هذه أول مرة؟ أي: هل صحيح ما تقول أمك؟! فقال: هذه هي المرة الحادية والعشرون.
فاتق الله يا عبد الله وعد؛ لأنه ربما يأتيك ملك الموت وأنت على معصية.
ولكي يكون المسلم متقياً لله عليه أن يكثر من قراءة القرآن، ويكثر من العبادة، ويحسن المعاملة مع الزوجة، ومع الأبناء، ومع الجار، ومع الناس، فربنا حينئذٍ سيحسن قلبه، وسيحبه الناس، فاللهم اجعلنا من الذين يحبون الناس ويحبهم الناس.
فسيدنا موسى قال الله تعالى عنه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [القصص:١٤]، وسيدنا يوسف قال تعالى عنه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [يوسف:٢٢] لماذا؟ قالوا: لأن سيدنا يوسف سيفتن قبل أن يستوي، فسيعطيه الله الحكم من قبل، وسيعطيه المناعة، فحين تأتي المشكلة يلقاها بقلب مؤمن.
стр. 187
إرهاصات النبوة
لما بلغ النبي ﷺ أربعين سنة كان قد حبب إليه الخلوة قبلها بسنوات، فكان يأتي غار حراء في شهر رمضان من كل سنة، فيأخذ الأكل والشرب ويذهب ليجلس وحده في غار حراء يتعبد، فينظر إلى السماء، وإلى الجبال، وإلى الأرض، ويتفكر في حال الأصنام التي لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً، ولذلك نزل عليه قول الله : ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧]، فهل الرسول كان ضالاً؟! إن الضلال في اللغة قد يأتي بمعنى شدة الحب، ولذلك قال أولاد سيدنا يعقوب لأبيهم: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف:٩٥] يعنون الحب الذي كان ليوسف، فالضلال من درجات الحب، فالحب درجات، فمنه: العشق، والهيام، والصبابة، والجوى، إلى درجة الضلالة، والدرجة التي بعدها هي الجنون.
فالضلال شدة الحب، فكأن الله -والله أعلم- يريد أن يقول لحبيبه: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧] أي: وجدناك شديد الحب أو شديد التطلع لمعرفتنا أو شديد الحب لنا، فهديناك إلينا وعصمناك بنا، وليس المعنى أنه منحرف وبعيد عن الحق، لا، فما سجد لصنم قط، وما لعب مع الصبيان أبداً، بل كان إذا أراد اللعب يسمع صوتاً يقول: ما لهذا خلقت يا محمد.
стр. 188
الرؤيا الصادقة
وقبل نزول الوحي بستة أشهر كان الرسول يرى الرؤيا فتقع كفلق الصبح، وهذه من إرهاصات النبوة، ولذلك قال ﷺ : (الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)؛ لأن الوحي نزل على سيدنا الحبيب ثلاثاً وعشرين سنة، والستة الأشهر بالنسبة لهذه المدة جزء من ستة وأربعين، فمن يرى رؤيا صالحة كأنه حقق من النبوة جزءاً من ستة وأربعين، ومن حفظ القرآن وعمل به فليس بينه ويبن النبوة إلا أن يوحى إليه.
والرؤيا من الرحمن، والحلم من الشيطان، وليس كل رؤيا صادقة، بل شرط الصادقة أن تكون نائماً على طهارة، وأن تراها قبل الفجر، وأن يكون ذهنك غير مشغول بأمر آخر، باستثناء الاستخارة، كأن تكون مبيتاً النية على شيء، فرأيت في المنام شيئاً يتعلق به، فهذه هي الرؤيا الوحيدة التي لو حصلت تكون رؤيا صحيحة.
أما ما عدا هذه فلا، كأن تنام وأنت جائع، فترى أنك تأكل، أو تنام وأنت عطشان، فترى في الليل أنهاراً وبحاراً.
جاء رجل إلى ابن سيرين فقال له: رأيت أني أختم على أفواه الرجال والنساء، وأضع سترة على عوراتهم.
فقال له: أنت مؤذن تؤذن للفجر في رمضان قبل الفجر، فقال له: صدقت يا ابن سيرين.
والثاني قال له: يا إمام! رأيت كأن بيضاً في يدي، وأنا آخذ البياض وألقي الصفار.
فقال: استدعوا لي رجلاً من الشرطة، فقال: كيف الرؤيا تأتي بالشرطة؟! قال: أنت تسرق أكفان الموتى.
فوجدوه كذلك.
ويروى أن مريضاً طال مرضه رأى في المنام رسول الله صلى الله لعيه وسلم، فقال له: ادع الله لي.
فقال له: عليك بلا ولا، فأتى ابن سيرين فقال: رأيت رسول الله يقول لي: عليك بلا ولا، فقال له: هو زيت الزيتون، فقال: يا ابن سيرين! من أين أتيت بها؟ أكل شيء تقوله من القرآن، فقال: من قوله تعالى: ﴿شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥]، فالرجل أخذ زيت الزيتون فشفي بفضل الله.
والرؤيا كالطائر، فكيفما فسرت وقعت، فعليك ألا تقصها إلا على من يعرف الكتاب والسنة.
رأى بلال ﵁ رؤيا وهو في دمشق: أنه يسلم على رسول الله والرسول لا يرد السلام، فقام مذعوراً، فذهب إلى المدينة فقص الرؤيا على عمر، فقال له: يا بلال! منذ كم أنت في دمشق؟ قال: منذ أربعة أشهر يا أمير المؤمنين.
قال: لابد من أن تزور الحسن والحسين سبطي رسول الله، فذهب فزار الحسن والحسين، فقال الحسن والحسين لسيدنا عمر: يا أمير المؤمنين! نستشفع بك إلى بلال ليؤذن لصلاة الفجر؛ لأن سيدنا بلالاً بعد انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى امتنع عن الأذان، فقال: نعم، ثم قال: أذن لنا لصلاة الفجر، فقال: اعفني يا أمير المؤمنين.
قال: أستحلفك بالله، ومن أقسم على أخيه فليبر قسمه، فصعد بلال وقال: الله أكبر الله أكبر، فالمدينة كلها تعجبت، فهذا صوت كصوت بلال، فلما قال: (أشهد أن لا إله إلا الله) هرع الناس إلى المسجد النبوي الشريف، فلما قال: (أشهد أن محمداً رسول الله) خنقته العبرة وضجت المدينة كلها بالبكاء كيوم مات رسول الله ﷺ .
وأبو حنيفة وله اثنا عشر عاماً رأى أنه ينبش قبر رسول الله، فقام من الرؤيا مذعوراً، فذهب إلى شيخه فقال له: رأيت رؤيا أفزعتني، وقصها عليه، فقال: أبشر يا أبا حنيفة، إنك ستنقب عن سنة الرسول فتخرجها للناس، وقد كان، وهذه منة مثل منة التفسير ومنة التأويل يمن الله بها.
стр. 189
أول الوحي
مكث الرسول ﷺ ستة أشهر يرى الرؤيا فتقع كفلق الصبح، وبلغ أربعين سنة فإذا بجبريل يدخل عليه ولم يعرفه من قبل، فيقول له: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، يعني: أنا أمي لا أقرأ ولا أكتب.
والعرب تطلق (الأمي) على الذي لا يقرأ ولا يكتب، وكان تعليم القراءة والكتابة مقصوراً على الرجال فقط، فكان النساء كلهن لا يقرأن ولا يكتبن، فينسب الذي لا يقرأ ولا يكتب إلى أمه، فيقال: أمي.
فلما قال: ما أنا بقارئ غطه، ولذا قال ﷺ -كما في البخاري -: (فغطني حتى خشيت على نفسي.
فقال: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، فغطه المرة الثانية، فقال: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، فغطه المرة الثالثة، فقال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥]).
فهذه أول خمس آيات تنزل على قلب رسول الله ﷺ .
فلما حصل ذلك خاف ﷺ فولى من الغار تجاه مكة، فرأى بين السماء والأرض جبريل ﵇ تسد أجنحته مشرق الأرض ومغربها، فقال: يا محمد! أنت نبي هذه الأمة، وأنت رسول رب العالمين، وأنت خاتم النبيين، وأنا جبريل أمين وحي السماء.
وهي إحدى المرتين التي رأى الرسول فيها جبريل على حقيقته، والمرة الثانية كانت في ليلة الإسراء والمعراج، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم:١٣ - ١٦]، فرأى جبريل على حقيقته في الوقتين.
وهناك رواية ثالثة ضعفها البعض، فيها قال الرسول: (يا جبريل! أريد أن أراك على حقيقتك.
فقال: لا تستطيع.
ثم قال: اخرج إلى البقيع يا رسول الله، قال: فخرجت فرأيت رأس جبريل في السماء، وأقدامه في الأرض، وأجنحته تسد مشرق الأرض ومغربها، فقال: يا رسول الله! ما بالك بمكائيل وأنا بالنسبة له كحلقة ملقاة في فلاة، ولو رأيته وهو ينتفض خوفاً من الله حتى يصير كالعصفور؟!) فالملائكة ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، فكيف حالنا؟! ولذلك لا يأمن مكر الله إلا كل خاسر وكل منافق وكل كافر وكل فاجر، أما الإنسان الخائف من عذاب الله الذي يؤتي ما آتى وقلبه وجل فهو العبد التقي النقي، اللهم اجعلنا منهم يا رب العباد.
стр. 190
صور نزول الوحي
стр. 191
الصور البشرية
عاد ﷺ إلى خديجة وقال: زملوني زملوني، دثروني دثروني.
وإنما ضمه جبريل في غار حراء لينقل له النور الإلهي، وعلى أساس هذا كان جبريل يأتي إلى سيدنا الحبيب بصور شتى، فهذه الصورة الأولى أتى فيها على حقيقته، والصورة الثانية كان يأتيه فيها على هيئة رجل يشبه دحية الكلبي، وهو أحد الصحابة، وكان رجلاً وسيماً قسيماً، فكان جبريل يأتي مثل دحية الكلبي، ولذلك رأى الصحابة جبريل في هذه الصورة البشرية؛ لأن الملائكة تتشكل، فسيدنا أبو ذر كان يسير بجوار الحبيب فقال جبريل: هذا أبو ذر يا رسول الله، أقرئه مني السلام، فقال: أوتعرفه يا جبريل؟! قال: والذي بعثك بالحق نبياً إننا في طرقات السماء نعرف أبا ذر أكثر مما تعرفونه في طرقات المدينة.
قال: بم؟ قال: بكثرة قوله: لا إله إلا الله.
وقد قال ﷺ : (ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر)، وقال: (رحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث يوم القيامة أمة وحده).
وسيدنا عبد الرحمن بن عوف وجد رجلاً يكلم الحبيب ﷺ ، فأطال الكلام، فبعد أن أكمل قال: يا رسول الله! عطلك الرجل، وأوشكت أن آتي لأنهره.
فقال له الرسول: (أورأيته يا عبد الرحمن؟ قال: نعم، قال: هذا جبريل، ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه).
فكان يأتي بصورة بشر، ونحن نعلم حديث عمر في أركان الإسلام حين أتى رسول الله ﷺ رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، شديد بياض الوجه، ليس عليه أثر من آثار السفر، ولا يعرفه أحد، فجاء إلى رسول الله ﷺ وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ قال: (أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إلى ذلك سبيلاً، قال: صدقت).
стр. 192
هيئة صلصلة الجرس
وكان يأتيه الوحي كصلصلة الجرس لا يراه أحد، وهو أشد عليه، فكان يتصبب عرقاً في اليوم الشاتي ﷺ ، فيعرف الصحابة أن هذه لحظة وحي فلا يكلمه أحد، وقد نزل عليه في هذه الحالة ورأسه ﷺ على فخذ أحد الصحابة، فكادت الفخذ أن ترض، أي: أن تنكسر من شدة الألم.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥].
стр. 193
الأسئلة
стр. 194
حكم صيام التطوع بنيتين
السؤال
هل يجوز صيام التطوع بنيتين؟
الجواب
لا.
стр. 195
حكم جلوس الحائض فيما يتبع المسجد
السؤال
هل يجوز للحائض أن تحضر مجلس العلم، وتجلس في حديقة المسجد؟
الجواب
الحديقة تتبع المسجد، فلا يجوز لها الجلوس فيها.
стр. 196
حكم تأخير صلاة الفجر إلى خروج وقتها
السؤال
أنا أصلي الصبح في الساعة السابعة أو السابعة والنصف، فما الحكم؟
الجواب
هذا حرام.
стр. 197
الموقف من رفض الأم الخاطب المتدين
السؤال
تقدم شاب متدين لخطبة فتاة، فالفتاة موافقة لتدينه والأم رافضة، فهل تقبل الفتاة وتخالف أمها؟
الجواب
لا يصح الزواج بدون رضا الأب والأم.
стр. 198
سنة صلاة العشاء
السؤال
هل صلاة العشاء لها سنة أم لا؟
الجواب
صلاة العشاء لها سنة بعدية، ويجوز أن يصلي الإنسان السنة في بيته؛ لأن السنن والنوافل تضيء البيوت.
стр. 199
حكم صلاة المرأة في المسجد
السؤال
هل صلاة النساء في المسجد حرام؟
الجواب
ليست بحرام.
стр. 200
حكم العادة السرية
السؤال
ما حكم العادة السرية؟
الجواب
حرام، وهي معصية.
стр. 201
لا يلزم من المذي والودي الاغتسال
السؤال
هل يجب الاغتسال من المذي والودي؟
الجواب
ليس فيهما الاغتسال.
стр. 202
الصلاة بعد الوتر
السؤال
هل هناك صلاة بعد صلاة الوتر؟
الجواب
لا، لكن من أراد أن يقوم الليل بعدها فليقم.
стр. 203
حكم سماع القرآن أثناء المداعبة بين الزوجين
السؤال
هل يجوز سماع القرآن خلال مداعبة الرجل لزوجته؟
الجواب
لا، فليس ذلك من آداب استماع القرآن.
стр. 204
معنى التعريض بالخطبة
السؤال
ما معنى قوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٥]؟
الجواب
المعنى: أن المرأة التي توفي زوجها وهي في العدة لا تذهب فتخطبها، ولكن تعرض.
стр. 205
ما يصنعه التائب من مصاحبة البنات
السؤال
كنت أمشي مع فتاة قبل الزواج، فهداني الله فابتعدت عن طريق الشيطان، ثم تزوجت هي، وأنا تبت إلى الله، وقد عرفت أن أحد شروط التوبة استسماح صاحب الشيء، فكيف أستسمح أهلها، أأذهب إلى ذويها وأحكي لهم ذلك مع ما فيه من المخاطرة؟
الجواب
لا، بل ادع لهم، ونسأل الله قبول التوبة، فمن أخذت من حقه شيئاً ولم أستطع إرجاعه له فإني أدعو له.
стр. 206
درجة حديث (إني أخفيت عن عبادي ثلاثة أمور)
السؤال
هناك حديث قدسي: (إني أخفيت عن عبادي ثلاثة أمور لو كشفتها لأصبح كل عبادي يعبدونني: الكشف عن وجه الله، ورؤية العباد للجنة، ورؤية العباد للنار)، فما صحة هذا الحديث؟
الجواب
هذا ليس بحديث.
стр. 207
سلسلة مقتطفات من السيرة [١١]
الحرص على الأخلاق والتزام الأدب ومعرفة علامات الساعة من المواضيع الهامة جداً للمسلم، فيحرص على تعلمها والاستفادة منها في سيره إلى الله تعالى، وسبب بلاء الأمة اليوم وانتكاستها إعراضها عن تعاليم دينها وهدي نبيها ﷺ .
стр. 208
الإخلاص لله في الحضور إلى المسجد وحلقات العلم
أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاةً وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه، صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، أما بعد: فنسأل الله أن يجعل هذه الجلسة خالصة لوجهه الكريم، وألا يجعل للشيطان فيها حظاً أو نصيباً، اللهم ثقل بهذه الجلسات موازيننا يوم القيامة، وأنر بها على الصراط طريقنا، وأظلنا بظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، ونق قلوبنا، وبيض وجوهنا، وآمن روعاتنا، واغسل ذنوبنا، ونقنا منها كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم تب على كل عاص، واهد كل ضال، واشف كل مريض، وارحم كل ميت، واقض دين المدينين، وفك كرب المكروبين، وفرج اللهم كروبنا وكروب المسلمين، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.
اجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
هذه هي الحلقة الحادية عشرة أو الدرس الحادي عشر في سلسلة حديثنا عن السيرة النبوية العطرة على صاحبها أفضل الصلوات وأزكى التسليمات من رب الأرض والسماوات، وهي الحلقة الثانية في الحديث عن مسألة الوحي.
والحديث عن مسألة نزول الوحي على سيدنا رسول الله ﷺ لا يصلح أن يقرأ على قلوب مهمومة مشغولة بهم الرزق والعيال والزوجة والجار والدار والعمل والمال وقلة ذات اليد وسوء المعاملة من الناس، فلا يصلح العلم مع قلب كهذا القلب.
ولكن المسلم الذي يريد قلبه أن يتفتح للعلم يأتي إلى المسجد أولاً ابتغاء مرضاة الله، لا أن يأتي الجامع من أجل أن يراه فلان، من أجل أنه غاضب من زوجته ساعة، أو أن هذا الرجل يقول كلاماً حلواً فقط، فانتبه أن تكون أتيت من أجل هذا.
بل يجب أن يكون قدومك إلى بيت الله من أجل أنك تلقى أعز الأحبة، وليس لنا حبيب سوى الله، وأنت قد يكون لك ابن أو أخ أو أب عزيز لديك، فما بالك بعزة الله ومكانته عند المؤمن، وقد قيل للحسن البصري: ما مكانتي عند الله؟ فقال: انظر ما مكانة الله عندك، تعرف مكانتك أنت عند الله فإذا كان الله كل شيء عندك فأنت عند الله كل شيء، وإذا كان الله هو آخر الاهتمامات بالنسبة لك - يعني: إن كان آخر ما تهتم به هو الله والدين وأمر الآخرة - فثق تماماً أنك لا تساوي عند الله شيئاً، اللهم اجعلنا من الذين يساوون عندك أشياء يا رب العباد! ولا تأت إلى المسجد من أجل أن تتعلم كلمتين تتفلسف بهما على صاحبك في المكتب أو جارك الذي يحضر عند الشيخ فلان، فنحن لا نضرب الناس ببعضها، ولكن ائت إلى بيت الله ابتغاء مرضاة الله، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العالم رضاً بما يصنع، ومن أراد الدنيا فعليه بالعلم، من أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أرادهما معاً فعليه بالعلم.
فمسألة العلم أو مسألة إتيانك إلى بيت الله يجب أن تكون خالصة لوجه الله الكريم، ولذلك كان النبي ﷺ يرحب بطلاب العلم ويقول: (مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامى)، وكان يرحب بمن يريد العلم، وكان دائماً ينزل الناس منازلهم، وكان يقول عن سلمان الفارسي: (لقد جمع علم الأولين والآخرين).
وكان يقول عن ابن عمه ابن عباس: (وعاء ملئ علماً).
فـ سلمان الفارسي جمع علم الأولين والآخرين، ومعاذ بن جبل سيرفع راية العلماء يوم القيامة، وعمر بن الخطاب الملهم، وعلي بن أبي طالب باب مدينة العلم، فما بالك بعلم رسول الله ﷺ ؟
стр. 209
باب التجرؤ على الفتوى هذه الأيام
واليوم كلنا نفتي حتى النساء يفتين، والكارثة أن تقول لها: هل درست أصول الفقه؟ فتقول لك: إنها لا تحتاج إلى ذكاء، هذا حلال وهذا حرام، أفليس للعلم قوانين، وإذا اجتمعت النساء مع بعض في مكان واحد فقل على الدنيا السلام.
وإذا اجتمعن في مكان واحد بدون رابط فلا تظنن إلا شراً.
وسيدنا عمر ﵁ دخل على النبي ﷺ مع أبي بكر الصديق وإذا برسول الله ﷺ حوله نسوته أمهات المؤمنين كلهن، وهؤلاء أرقى صنف، وربنا قال فيهن: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب:٣٢] فقال عمر: ما لي أسمع ارتفاع أصواتهن عليك يا رسول الله؟! قال: يا ابن الخطاب! يسألنني النفقة، فـ عمر لم يحتمل وقال: وحفصة منهن؟ قال: نعم، فقام عمر يضرب حفصة، وقام أبو بكر يضرب عائشة، والرسول يحجز بينهم ويقول: دعاهن يطالبن بالحقوق.
فلما هدأ سيدنا عمر قال: يا رسول الله! لو رفعت ابنة زيد - زوجة عمر، وهي جميلة بنت زيد بن عبد الله، وهي زوجته الأولى - صوتها علي بالنفقة لوجأت عنقها، فتبسم الحبيب ﷺ وقال: (يا ابن الخطاب! من لا يرحم لا يرحم، إنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت إليه لتقومه كسرته).
стр. 210
صفات الزوجة الصالحة
والزوجة الصالحة هي أعظم نعمة ينعم الله بها على العبد بعد الإيمان بالله ، وهي التي فيها الشروط الأربعة، فيا ليت زوجتك تكون كذا، وإن لم تكن فيا رب اجعلها كذا، ونساؤنا كلهن كذا إن شاء الله وبالذات الحاضرين معنا الآن.
إن نظر إليها سرته، فهي ليست غاضبة، وإنما هي مبتسمة، وليست بلهاء، وليس عندها قصور في الفكر، وإنما هي مبتسمة؛ لأن هذا يشجع الزوج ويرفع حالته المعنوية، فيبدأ يعاملها معاملة جيدة، ويضعها فوق رأسه، فهو أصلاً إسلامه وإيمانه قليل، ولا يريد أحداً يشجعه على أن يرجع إلى الخلف.
وقد كان الطلبان الوحيدان كل يوم لكل الصحابيات - وما بلغنا أبداً في كتب السيرة ولا قرأنا أن واحدة من الصحابيات لما غضبت من زوجها قالت له ما لا يلذ ولا يطيب - أنها في الصباح تمسك زوجها من يده وتقول له: يا فلان! نستحلفك بالله ألا تدخل علينا حراماً؛ فإننا نصبر على حر الجوع ولا نصبر على حر جهنم يوم القيامة، هذا المطلب الأول، فقد كانت تشجع الرجل على أكل الحلال، وألا يمد يده إلى شبهة، وإذا رضيت عنك المرأة رضيت عنك الدنيا كلها.
ولا تنس أم زوجتك، فيجب أن تسترضيها، فإنها إن رضيت عنك فقد استتب الأمن في بيتك، فلا تناصبها العداء، فلست مثلها، ولو وضعتك في رأسها فلا تقل على الدنيا السلام.
ومصائبنا كلها من سوء معاملة الزوجات والأزواج، وليس معنى هذا أن الأزواج طيبون، فالطرفان متقاربان.
والمطلب الثاني للصحابية أنها كانت تأتي إلى زوجها بالليل وتقول له: يا فلان! ألك حاجة؟ أي: أتريد أن تأكل أو تشرب، فيقول: لا، جزاك الله خيراً، بارك الله فيك، فتقول: أتأذن لي أن أقوم لربي الليلة؟ ونحن نريد أن يكون في البيوت مودة ورحمة، ولا تأتي المودة ولا الرحمة إلا من ثمرة عمل طويل وصبر جميل، اللهم اجعلنا وإياهن من الصابرين والصابرات.
стр. 211
بيان ضعف المرأة
والمرأة فيها ضعف خلقي أوجده ربنا فيها، ففي كل شهر عدة أيام يصبح فيها جسدها ضعيفاً وعاطفتها متوترة ونفسيتها متقلبة، فعاملوا نساءكم أثناء الدورة الشهرية معاملة الأطفال، وإذا فهمت هذا كان ربنا قد فتح عليك، وإن لم تفهم فأنت حر، وفي هذه الأيام تكون التركيبة غير التركيبة.
فتقلب حالتها النفسية والتوتر العصبي كل هذا من أثر التكوين الطبيعي وعمل الدورة الشهرية والدم الفاسد في الجسد، فيتغير تكوينها كله، فأنت يجب أن تراعي هذه النقطة، فكن في هذه الأيام خفيف الظل.
وهي التي تقوم على البيت، فهي تلبس الكبير، وترضع هذا، وتعطي الدواء لهذا، وتنتظر أن يعود هذا من المدرسة، وهذا من الجامعة، وتعد الغداء، وتعرف أنك أول ما تأتي من العمل تريد أن تأكل لقمة، وأن يكون البيت نظيفاً، فكل المشاكل هذه فوق رأسها، ثم تأتي أنت تقول لها: القميص لماذا لم يصلح زراره؟ فلماذا لا تفعل مثلما كان الحبيب المصطفى ﷺ يفعل؟ فقد كان يرقع ثوبه، يعني: يخيطه، فكان إذا انقطع زرار قميصه خاطه بنفسه، ولا يقل: يا عائشة! خيطيه، وكانت عائشة تفرح بخياطته له، ولكنه كان هو يحمل عنها هذا العمل، فكان يخيط ثوبه ويرقعه، ويخصف نعله، (وكان في مهنة أهله، يقم لهن البيت)، يعني: ينظفه، وهل يوجد اليوم رجل فينا يساعد زوجته في التنظيف، إذا عملنا ذلك فنحن مقتدون برسول الله ﷺ (ويقطع معهن اللحم).
стр. 212
بيان أدب نساء الصحابة
قال ﷺ : (إذا أمرها أطاعته، وإن غاب عنها حفظته في ماله وعرضه).
وكانت الصحابيات بهذا المنطق كلهن، فاستقامت حياة الصحابة، ولم نسمع أن صحابية لما ذهب زوجها غدوة مع الحبيب صوتت، ونحن كل ثلاثة أشهر نسافر نحارب إسرائيل مثلاً نجد النساء واقفات لنا عند السويس يمنعننا، ويقلن: ربما تغرق في قناة السويس، فالعينة غير العينة.
وانظر إلى الصحابيات كيف تربين، فالسيدة سمية أم عمار بن ياسر استشهدت في سبيل الله، وخولة بنت ثعلبة جاءت تشكو بأدب إلى رسول الله ﷺ ، والسيدة فاطمة لما كانت تغضب على علي بن أبي طالب كانت تأتي تشتكي إلى أبيها، فكان يحكم بينهما وتنتهي المشكلة في لحظة، ونحن إذا كان هناك مشكلة بين الزوج والزوجة نظل ستة أشهر نصلح بينهما ولا يريدان أن يصطلح، قال تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥] لكنه هو لا يريد صلحاً، ولا هي تريد صلحاً، وإنما كل واحد يريد أن يحقق ما في هواه.
ومجالس العلم يجب أن نراعي فيها الاستفادة والنية الخالصة، ونحن جئنا كلنا ابتغاء لمرضاة الله، ولم نأت لغير هذا السبب، اللهم ثقل بهذه المجالس موازيننا يوم القيامة.
стр. 213
بيان أمانة الرسول ﷺ
وأما مسألة الوحي إلى سيدنا رسول الله ﷺ فتعالوا ننظر إلى الموحى إليه ﵊ من زوايا ثلاث: شهادة الخصوم له، وشهادة الأتباع، وشهادة الواقع.
فأما الخصوم فهل كان أبو جهل وأبو لهب وعقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف وأبو سفيان بن حرب ليسوا مقتنعين بصدق رسول الله وقد كان يسمى في الجاهلية الأمين؟ وفي ليلة الهجرة جعل رسول الله ﷺ علياً ينام في مكانه لسببين: السبب الأول: من أجل أن يعمي على قريش.
والثاني: أنه قال لـ علي: يا علي! عندما تستيقظ في الصباح أعد أمانات قريش إلى أصحابها، فهم يبحثون عنه من أجل أن يقتلوه، وهو يبحث من أجل أن يرجع لهم أماناتهم، فأي أمانة تلك؟! ولنفرض جدلاً أن أباك ترك عندك مائة جنيه، وأخاك ترك معك مائة جنيه، ثم تخاصمتما فشتمك وطردك من بيته ولم يرض أن يزوج بنته لابنك، وأكل في ميراثك من أبيك، فهل سترجع له المائة جنيه؟ الشيطان سيقول: هذا من حقك، وهذا الذي أنت ستقوله، ولكن سيدنا الحبيب ﷺ لما أخذت قريشاً بيوت الصحابة وأموالهم وخرجوا مهاجرين إلى الحبشة بثيابهم وبرواحلهم، وتركوا دورهم وحقولهم وآبارهم وأموالهم فأخذتها قريش غنيمة ورغم ذلك ما استحل النبي ﷺ لنفسه أن يأخذها كبدل لما ضاع من صحابته، بل بالعكس قال: (أرجع يا علي! ما ائتمنتنا عليه قريش) فهو الأمين ﷺ .
وأول خصم له أبو جهل، ولا يوجد خصم ألد من هذا الخصم، فقد كان خصماً عنيداً، وكان يقول: تسابقنا وبنو هاشم، أطعموا فأطعمنا، وسقوا فسقينا، يعني: أكرموا الناس بأن عملوا مثلهم، وقالوا: فينا السقاية فقلنا: فينا الحجابة، فقالوا: فينا السدانة، فقلنا: فينا اللواء، فقالوا: منا نبي، فأنى لنا بهذا الشرف؛ والله لن نؤمن به أبداً، يعني: المسألة تنافس غير شريف.
والرسول ﷺ وهو راجع من رحلة المعراج لقيه أبو جهل فقال له: قل لنا ما يثبت صدق كلامك، وأنك كنت في بيت المقدس وصعدت إلى السماء ورجعت في جزء من الليل، ونحن نذهب إليها في شهر ونعود في شهر، فقال له: ماذا تريد أن تعرف؟ قال له: صف لنا المسجد الأقصى، وهو دخل المسجد الأقصى وجلس فيه جزءاً من الليل، مقدار صلاة ركعتين، يعني: مقدار ربع ساعة، والوقت ليل، والمسجد الأقصى مسجد كبير ليس صغيراً، فكيف يصفه وهو قد دخله في جزء من الليل وما مكث فيه إلا قليلاً ثم خرج، فإذا بجبريل ﵇ ينقل المسجد الأقصى أمام رسول الله ﷺ ، أو ينقل ما يشابهه بقدرة الله.
ملك الملوك إذا وهب لا تسألن عن السبب فجبريل نقل المسجد الأقصى على يده فكان الرسول ﷺ ينظر ويصفه، فيه كذا باب وكذا شباك وكذا سارية وفيه كذا وفيه كذا، وسيدنا أبو بكر لأنه كان كثير السفر كان يقول: صدقت يا محمد! صدقت يا حبيب الله! صدقت يا رسول الله! صدقت يا صادق يا أمين! صدقت يا من لا تنطق عن الهوى! فسمي من يومها الصديق، لأن الكل كان يكذبه، وهو الوحيد الذي كان يقول له: صدقت.
فقالوا له: زدنا أمارة أيضاً مع أنه قد وصف المسجد تفصيلاً فقال: إن هناك قافلة قادمة، وفي القافلة بعير عليه غرارة سوداء - قطعة قماش سوداء - فرأى البعير البراق فجفل، - يعني: خاف - فتحرك سريعاً فكسرت ساقه، وسوف تصل القافلة قبل غروب شمس غد بإذن الله، وقد كان العربي يعرف المسافات والأزمنة ويحسبها فأوشكت الشمس على المغيب ولم يظهر في الأفق أثر للقافلة، ففرح أبو جهل وأبو سفيان وأبو لهب وشمتوا وقالوا: لقد كذبت علينا، فقال: يا رب! أخر لي قرص الشمس عن السقوط حتى تصل القافلة، فصاح صائح من قريش: إن قرص الشمس قد سقط خلف الجبل، فصاح آخر: وإن القافلة قد ظهرت، هذه هي الأمانة، فكان الخصوم لا يقدرون أن يكذبوه، والصدق هو أول شروط النبوة! وليس هذا فقط، بل كان يقول: لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة أعين، يعني: لا يأتي من خلف أحدهم ويتكلم عليه، وكان لا يحب أحداً من أصحابه يكلمه عن أحد من أصحابه، ويقول: أريد أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر.
وعمر بن عبد العزيز قال في أول يوم تولى الإمارة: الذي يدخل عندنا أشترط عليه ثلاثة شروط: ألا يغتاب عندنا أحداً، وألا يمتدحنا، فنحن أعلم بأنفسنا، وأن ينقل إلينا حاجة من لا يستطيع نقلها.
يعني: إذا كان هناك أحد مظلوم في أقصى البلاد لا يستطيع أن يوصل شكواه فأوصلها أنت مشكوراً، فما دخل عليه إلا أهل العلم.
стр. 214
بيان زهد العلماء في الحكام والدنيا
وقال: للحسن البصري: أنا صرت أميراً للمؤمنين - وكان صديقه - فبمن أستعين، ومن أجعل بطانتي؟ قال: يا أمير المؤمنين! أما أهل الدين فلا حاجة لهم بك؛ لأنهم لا يحبون المناظر، ولا المتاجرة بالدين، وأما أهل الدنيا فلا حاجة لك أنت بهم، قال: أهل الدين لا يريدونني وأنا لا أريد أهل الدنيا، إذاً: من يقف بجانبي فقال: عليك بأهل الشرف؛ فإن شرفهم يمنعهم من الخيانة! ونحن إن لم نستفد من السيرة فسنضيع وقتنا هباءً منثوراً.
وأبو حازم لما مشى خلفه أمير المؤمنين قال له: يا أمير المؤمنين! أنت تمشي خلفي من مكة إلى المدينة إلى حدود العراق فطلب شيئاً، قال له: يا أمير المؤمنين! من حاجات الدنيا أم من حاجات الآخرة؟ قال له: من حاجات الدنيا، فتبسم أبو حازم وقال: إذا كنت لم أطلب الدنيا ممن يملكها، فكيف أطلبها ممن لا يملكها؟! وهناك ناس يقولون: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة:٢٠٠ - ٢٠١] فهذا هو الذي فاز بالاثنين، فبدلاً من أن تطلب الدنيا اطلب الدنيا والآخرة، وبدلاً من أن تدعو وتقول: نجح الأولاد، واجعل زوجتي مهتدية، ولسانها طيباً وجاري جيداً، والمدير قلبه رحيماً، وكل هذا في الدنيا، أفلا يوجد شيء للآخرة، أو لا تريد شيئاً أبداً للجنة؟ أو لا تريد البعد عن النار؟
стр. 215
بيان عظم الهمة في النية
والحسن البصري أول ما شرب من ماء زمزم اقترب مريدوه منه وقالوا له: (ماء زمزم لما شرب له)، فأنت شربته بأي نية؟ وأنا أنوي أن بنت ابنتي شعرها يصلح، وغيرها من الدعوات الغريبة، وقبل الامتحانات الأمهات والآباء يبعثون لنا بالرسائل، فأجد على المكتب ستين أو سبعين ورقة، فيها جداول الامتحان، وهذا يريد قراءة يس وهذا آية الكرسي وهذا غيرها، ولو أن الولد ذاكر جيداً واتقيت الله فيه وأكلته الحلال فربنا سيأخذ بيده.
فـ الحسن البصري قال: شربت ماء زمزم بنية أن يرويني يوم العطش الأكبر.
فالنية نية كبيرة ضخمة واسعة.
وسيدنا عمر جلس مع الصحابة وقال: ليتمنى كل واحد منكم أمنية، والصحابة كانوا صرحاء، ونحن لا نعرف هذه الصراحة، ولو كنا صرحاء لقال الذي لا يعمل: أتمنى أن يعمل، والذي ليس عنده شقة أن يجد شقة، والذي لم يتزوج أن يتزوج، والذي ليس عنده ولد أن يرزقه ولداً، وأما الصحابة فأول واحد قال: أتمنى جبلاً كجبل أحد ذهباً؛ لأنفقه في سبيل الله تعالى، والذي بعده قال: أريد وادياً كوادي عوف - وهو واد كبير وواسع جداً - مليء بالخيل أغزو بها في سبيل الله تعالى، وعلى هذه الوتيرة بقيت الأماني تقال، فلما جاء الدور على أمير المؤمنين، قالوا: وأنت يا أمير المؤمنين! ما هي أمنيتك؟ فتبسم وقال: أتمنى مسجداً مثل هذا المسجد مليئاً برجال من أمثال أبي بكر الصديق.
وبالله عليك هل سمعت عن أمنية مثل هذه، ولو طلبت من كل مصري من الإسكندرية إلى أسوان أن يقول لك أمنيته لوجدتها أمنية خائبة، والمصيبة أنك تحدد على الله، والتحديد حرام، كأن تقول: نجح ابني فقط ولن أطلب شيئاً آخر، فإذا نجح ابنك ثم جاءت لك مصيبة بعد ذلك؟ فلماذا لا تدعو بأن ينجح لك ابنك ويكرمه ويوفقه ويبعده عن الشر؟ وهل خزائن الله تنفذ؟ فلماذا لا تطلب من الكريم وهو القائل: (إن من عبادي من لو جاء إلى باب أحدكم طلب منه سوطاً لمنعه، ولو طلب مني الجنة لأعطيتها له).
يعني: كأن يقول لشخص: أعطني شلناً أو عشرة فيقول له: لا يوجد، ولو قال لربه: أعطني الجنة لأعطاها له.
ومثل أبي نواس لما جاء فقير، فقال له: أعطني، قال: يا أم عبد الله! - زوجته - قالت: نعم، قال: أعطي السائل درهماً، قالت له: ليس عندنا دراهم، قال لها: أعطيه رغيفاً، قالت: ما عندنا أرغفة، فسكت أبو نواس إذ لا يوجد لا قرش ولا رغيف، فقال: السائل: كوب ماء، قال لها: أعطيه كوب ماء، قالت: ما عندنا ماء، فـ أبو نواس نظر إلى الرجل وقال له: انصرف يا فاجر! يا خاسر! يا منافق! فقال له: تمنعني وتشتمني! قال: أردت أن تنصرف مأجوراً أي: ما دام أنك لم تأخذ شيئاً من عندنا، أفلا تأخذ كلمتين في جنبيك تصبر عليهما توضع لك في ميزان الحسنات.
نسأل الله أن يرقق قلوبنا، وأن يشرح صدورنا، وأن يغفر زلتنا، وأن يغسل حوبتنا، إن ربنا على ما يشاء قدير.
следующие страницы →