Полный текст (588 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
بيان ضعف المرأة
والمرأة فيها ضعف خلقي أوجده ربنا فيها، ففي كل شهر عدة أيام يصبح فيها جسدها ضعيفاً وعاطفتها متوترة ونفسيتها متقلبة، فعاملوا نساءكم أثناء الدورة الشهرية معاملة الأطفال، وإذا فهمت هذا كان ربنا قد فتح عليك، وإن لم تفهم فأنت حر، وفي هذه الأيام تكون التركيبة غير التركيبة.
فتقلب حالتها النفسية والتوتر العصبي كل هذا من أثر التكوين الطبيعي وعمل الدورة الشهرية والدم الفاسد في الجسد، فيتغير تكوينها كله، فأنت يجب أن تراعي هذه النقطة، فكن في هذه الأيام خفيف الظل.
وهي التي تقوم على البيت، فهي تلبس الكبير، وترضع هذا، وتعطي الدواء لهذا، وتنتظر أن يعود هذا من المدرسة، وهذا من الجامعة، وتعد الغداء، وتعرف أنك أول ما تأتي من العمل تريد أن تأكل لقمة، وأن يكون البيت نظيفاً، فكل المشاكل هذه فوق رأسها، ثم تأتي أنت تقول لها: القميص لماذا لم يصلح زراره؟ فلماذا لا تفعل مثلما كان الحبيب المصطفى ﷺ يفعل؟ فقد كان يرقع ثوبه، يعني: يخيطه، فكان إذا انقطع زرار قميصه خاطه بنفسه، ولا يقل: يا عائشة! خيطيه، وكانت عائشة تفرح بخياطته له، ولكنه كان هو يحمل عنها هذا العمل، فكان يخيط ثوبه ويرقعه، ويخصف نعله، (وكان في مهنة أهله، يقم لهن البيت)، يعني: ينظفه، وهل يوجد اليوم رجل فينا يساعد زوجته في التنظيف، إذا عملنا ذلك فنحن مقتدون برسول الله ﷺ (ويقطع معهن اللحم).
стр. 212
بيان أدب نساء الصحابة
قال ﷺ : (إذا أمرها أطاعته، وإن غاب عنها حفظته في ماله وعرضه).
وكانت الصحابيات بهذا المنطق كلهن، فاستقامت حياة الصحابة، ولم نسمع أن صحابية لما ذهب زوجها غدوة مع الحبيب صوتت، ونحن كل ثلاثة أشهر نسافر نحارب إسرائيل مثلاً نجد النساء واقفات لنا عند السويس يمنعننا، ويقلن: ربما تغرق في قناة السويس، فالعينة غير العينة.
وانظر إلى الصحابيات كيف تربين، فالسيدة سمية أم عمار بن ياسر استشهدت في سبيل الله، وخولة بنت ثعلبة جاءت تشكو بأدب إلى رسول الله ﷺ ، والسيدة فاطمة لما كانت تغضب على علي بن أبي طالب كانت تأتي تشتكي إلى أبيها، فكان يحكم بينهما وتنتهي المشكلة في لحظة، ونحن إذا كان هناك مشكلة بين الزوج والزوجة نظل ستة أشهر نصلح بينهما ولا يريدان أن يصطلح، قال تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥] لكنه هو لا يريد صلحاً، ولا هي تريد صلحاً، وإنما كل واحد يريد أن يحقق ما في هواه.
ومجالس العلم يجب أن نراعي فيها الاستفادة والنية الخالصة، ونحن جئنا كلنا ابتغاء لمرضاة الله، ولم نأت لغير هذا السبب، اللهم ثقل بهذه المجالس موازيننا يوم القيامة.
стр. 213
بيان أمانة الرسول ﷺ
وأما مسألة الوحي إلى سيدنا رسول الله ﷺ فتعالوا ننظر إلى الموحى إليه ﵊ من زوايا ثلاث: شهادة الخصوم له، وشهادة الأتباع، وشهادة الواقع.
فأما الخصوم فهل كان أبو جهل وأبو لهب وعقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف وأبو سفيان بن حرب ليسوا مقتنعين بصدق رسول الله وقد كان يسمى في الجاهلية الأمين؟ وفي ليلة الهجرة جعل رسول الله ﷺ علياً ينام في مكانه لسببين: السبب الأول: من أجل أن يعمي على قريش.
والثاني: أنه قال لـ علي: يا علي! عندما تستيقظ في الصباح أعد أمانات قريش إلى أصحابها، فهم يبحثون عنه من أجل أن يقتلوه، وهو يبحث من أجل أن يرجع لهم أماناتهم، فأي أمانة تلك؟! ولنفرض جدلاً أن أباك ترك عندك مائة جنيه، وأخاك ترك معك مائة جنيه، ثم تخاصمتما فشتمك وطردك من بيته ولم يرض أن يزوج بنته لابنك، وأكل في ميراثك من أبيك، فهل سترجع له المائة جنيه؟ الشيطان سيقول: هذا من حقك، وهذا الذي أنت ستقوله، ولكن سيدنا الحبيب ﷺ لما أخذت قريشاً بيوت الصحابة وأموالهم وخرجوا مهاجرين إلى الحبشة بثيابهم وبرواحلهم، وتركوا دورهم وحقولهم وآبارهم وأموالهم فأخذتها قريش غنيمة ورغم ذلك ما استحل النبي ﷺ لنفسه أن يأخذها كبدل لما ضاع من صحابته، بل بالعكس قال: (أرجع يا علي! ما ائتمنتنا عليه قريش) فهو الأمين ﷺ .
وأول خصم له أبو جهل، ولا يوجد خصم ألد من هذا الخصم، فقد كان خصماً عنيداً، وكان يقول: تسابقنا وبنو هاشم، أطعموا فأطعمنا، وسقوا فسقينا، يعني: أكرموا الناس بأن عملوا مثلهم، وقالوا: فينا السقاية فقلنا: فينا الحجابة، فقالوا: فينا السدانة، فقلنا: فينا اللواء، فقالوا: منا نبي، فأنى لنا بهذا الشرف؛ والله لن نؤمن به أبداً، يعني: المسألة تنافس غير شريف.
والرسول ﷺ وهو راجع من رحلة المعراج لقيه أبو جهل فقال له: قل لنا ما يثبت صدق كلامك، وأنك كنت في بيت المقدس وصعدت إلى السماء ورجعت في جزء من الليل، ونحن نذهب إليها في شهر ونعود في شهر، فقال له: ماذا تريد أن تعرف؟ قال له: صف لنا المسجد الأقصى، وهو دخل المسجد الأقصى وجلس فيه جزءاً من الليل، مقدار صلاة ركعتين، يعني: مقدار ربع ساعة، والوقت ليل، والمسجد الأقصى مسجد كبير ليس صغيراً، فكيف يصفه وهو قد دخله في جزء من الليل وما مكث فيه إلا قليلاً ثم خرج، فإذا بجبريل ﵇ ينقل المسجد الأقصى أمام رسول الله ﷺ ، أو ينقل ما يشابهه بقدرة الله.
ملك الملوك إذا وهب لا تسألن عن السبب فجبريل نقل المسجد الأقصى على يده فكان الرسول ﷺ ينظر ويصفه، فيه كذا باب وكذا شباك وكذا سارية وفيه كذا وفيه كذا، وسيدنا أبو بكر لأنه كان كثير السفر كان يقول: صدقت يا محمد! صدقت يا حبيب الله! صدقت يا رسول الله! صدقت يا صادق يا أمين! صدقت يا من لا تنطق عن الهوى! فسمي من يومها الصديق، لأن الكل كان يكذبه، وهو الوحيد الذي كان يقول له: صدقت.
فقالوا له: زدنا أمارة أيضاً مع أنه قد وصف المسجد تفصيلاً فقال: إن هناك قافلة قادمة، وفي القافلة بعير عليه غرارة سوداء - قطعة قماش سوداء - فرأى البعير البراق فجفل، - يعني: خاف - فتحرك سريعاً فكسرت ساقه، وسوف تصل القافلة قبل غروب شمس غد بإذن الله، وقد كان العربي يعرف المسافات والأزمنة ويحسبها فأوشكت الشمس على المغيب ولم يظهر في الأفق أثر للقافلة، ففرح أبو جهل وأبو سفيان وأبو لهب وشمتوا وقالوا: لقد كذبت علينا، فقال: يا رب! أخر لي قرص الشمس عن السقوط حتى تصل القافلة، فصاح صائح من قريش: إن قرص الشمس قد سقط خلف الجبل، فصاح آخر: وإن القافلة قد ظهرت، هذه هي الأمانة، فكان الخصوم لا يقدرون أن يكذبوه، والصدق هو أول شروط النبوة! وليس هذا فقط، بل كان يقول: لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة أعين، يعني: لا يأتي من خلف أحدهم ويتكلم عليه، وكان لا يحب أحداً من أصحابه يكلمه عن أحد من أصحابه، ويقول: أريد أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر.
وعمر بن عبد العزيز قال في أول يوم تولى الإمارة: الذي يدخل عندنا أشترط عليه ثلاثة شروط: ألا يغتاب عندنا أحداً، وألا يمتدحنا، فنحن أعلم بأنفسنا، وأن ينقل إلينا حاجة من لا يستطيع نقلها.
يعني: إذا كان هناك أحد مظلوم في أقصى البلاد لا يستطيع أن يوصل شكواه فأوصلها أنت مشكوراً، فما دخل عليه إلا أهل العلم.
стр. 214
بيان زهد العلماء في الحكام والدنيا
وقال: للحسن البصري: أنا صرت أميراً للمؤمنين - وكان صديقه - فبمن أستعين، ومن أجعل بطانتي؟ قال: يا أمير المؤمنين! أما أهل الدين فلا حاجة لهم بك؛ لأنهم لا يحبون المناظر، ولا المتاجرة بالدين، وأما أهل الدنيا فلا حاجة لك أنت بهم، قال: أهل الدين لا يريدونني وأنا لا أريد أهل الدنيا، إذاً: من يقف بجانبي فقال: عليك بأهل الشرف؛ فإن شرفهم يمنعهم من الخيانة! ونحن إن لم نستفد من السيرة فسنضيع وقتنا هباءً منثوراً.
وأبو حازم لما مشى خلفه أمير المؤمنين قال له: يا أمير المؤمنين! أنت تمشي خلفي من مكة إلى المدينة إلى حدود العراق فطلب شيئاً، قال له: يا أمير المؤمنين! من حاجات الدنيا أم من حاجات الآخرة؟ قال له: من حاجات الدنيا، فتبسم أبو حازم وقال: إذا كنت لم أطلب الدنيا ممن يملكها، فكيف أطلبها ممن لا يملكها؟! وهناك ناس يقولون: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة:٢٠٠ - ٢٠١] فهذا هو الذي فاز بالاثنين، فبدلاً من أن تطلب الدنيا اطلب الدنيا والآخرة، وبدلاً من أن تدعو وتقول: نجح الأولاد، واجعل زوجتي مهتدية، ولسانها طيباً وجاري جيداً، والمدير قلبه رحيماً، وكل هذا في الدنيا، أفلا يوجد شيء للآخرة، أو لا تريد شيئاً أبداً للجنة؟ أو لا تريد البعد عن النار؟
стр. 215
بيان عظم الهمة في النية
والحسن البصري أول ما شرب من ماء زمزم اقترب مريدوه منه وقالوا له: (ماء زمزم لما شرب له)، فأنت شربته بأي نية؟ وأنا أنوي أن بنت ابنتي شعرها يصلح، وغيرها من الدعوات الغريبة، وقبل الامتحانات الأمهات والآباء يبعثون لنا بالرسائل، فأجد على المكتب ستين أو سبعين ورقة، فيها جداول الامتحان، وهذا يريد قراءة يس وهذا آية الكرسي وهذا غيرها، ولو أن الولد ذاكر جيداً واتقيت الله فيه وأكلته الحلال فربنا سيأخذ بيده.
فـ الحسن البصري قال: شربت ماء زمزم بنية أن يرويني يوم العطش الأكبر.
فالنية نية كبيرة ضخمة واسعة.
وسيدنا عمر جلس مع الصحابة وقال: ليتمنى كل واحد منكم أمنية، والصحابة كانوا صرحاء، ونحن لا نعرف هذه الصراحة، ولو كنا صرحاء لقال الذي لا يعمل: أتمنى أن يعمل، والذي ليس عنده شقة أن يجد شقة، والذي لم يتزوج أن يتزوج، والذي ليس عنده ولد أن يرزقه ولداً، وأما الصحابة فأول واحد قال: أتمنى جبلاً كجبل أحد ذهباً؛ لأنفقه في سبيل الله تعالى، والذي بعده قال: أريد وادياً كوادي عوف - وهو واد كبير وواسع جداً - مليء بالخيل أغزو بها في سبيل الله تعالى، وعلى هذه الوتيرة بقيت الأماني تقال، فلما جاء الدور على أمير المؤمنين، قالوا: وأنت يا أمير المؤمنين! ما هي أمنيتك؟ فتبسم وقال: أتمنى مسجداً مثل هذا المسجد مليئاً برجال من أمثال أبي بكر الصديق.
وبالله عليك هل سمعت عن أمنية مثل هذه، ولو طلبت من كل مصري من الإسكندرية إلى أسوان أن يقول لك أمنيته لوجدتها أمنية خائبة، والمصيبة أنك تحدد على الله، والتحديد حرام، كأن تقول: نجح ابني فقط ولن أطلب شيئاً آخر، فإذا نجح ابنك ثم جاءت لك مصيبة بعد ذلك؟ فلماذا لا تدعو بأن ينجح لك ابنك ويكرمه ويوفقه ويبعده عن الشر؟ وهل خزائن الله تنفذ؟ فلماذا لا تطلب من الكريم وهو القائل: (إن من عبادي من لو جاء إلى باب أحدكم طلب منه سوطاً لمنعه، ولو طلب مني الجنة لأعطيتها له).
يعني: كأن يقول لشخص: أعطني شلناً أو عشرة فيقول له: لا يوجد، ولو قال لربه: أعطني الجنة لأعطاها له.
ومثل أبي نواس لما جاء فقير، فقال له: أعطني، قال: يا أم عبد الله! - زوجته - قالت: نعم، قال: أعطي السائل درهماً، قالت له: ليس عندنا دراهم، قال لها: أعطيه رغيفاً، قالت: ما عندنا أرغفة، فسكت أبو نواس إذ لا يوجد لا قرش ولا رغيف، فقال: السائل: كوب ماء، قال لها: أعطيه كوب ماء، قالت: ما عندنا ماء، فـ أبو نواس نظر إلى الرجل وقال له: انصرف يا فاجر! يا خاسر! يا منافق! فقال له: تمنعني وتشتمني! قال: أردت أن تنصرف مأجوراً أي: ما دام أنك لم تأخذ شيئاً من عندنا، أفلا تأخذ كلمتين في جنبيك تصبر عليهما توضع لك في ميزان الحسنات.
نسأل الله أن يرقق قلوبنا، وأن يشرح صدورنا، وأن يغفر زلتنا، وأن يغسل حوبتنا، إن ربنا على ما يشاء قدير.
стр. 216
بعض معجزات النبي ﷺ
فشهادة الخصوم تشهد بأمانة رسول الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣].
فربنا يقول: هؤلاء لا يكذبونك يا محمد! وهم جاءوا له وقالوا: نحن سنؤمن بك لو شققت لنا القمر نصفين، فقال: يا رب! شق لقريش القمر نصفين، فأقسم الصحابة أنهم نصف القمر على جبل أبي قبيس والنصف الآخر على الجبل المواجه له، فقالوا: سحرنا محمد.
ومن الكارثة أنك تجد كثيراً من الناس للأسف الشديد إذا أقسمت له بالله لا يصدق، وإذا خلفت له بالصلاة صدق.
فإذاً: المشركون أو الكفار كانوا لا يكذبون رسول الله، وإنما كانوا يجحدون وينكرون آيات الله، فقالوا: نحن سنؤمن لك لو صيرت لنا الجبل الذي أمامك هذا ذهباً، فقال: وإن لم تؤمنوا فقد أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، يعني: لو لم تؤمنوا فإن الصاعقة ستنزل عليكم، وأبو سفيان كان رجلاً كبير العقل، فقال: أسألك الله والرحم يا محمد! لأنه يعرف أنه صادق.
وأبو لهب لما بصق عتبة ابنه على وجه رسول الله ﷺ وكان متزوجاً ابنته أم كلثوم فقال الرسول ﷺ : (اللهم سلط عليه كلباً من كلابك) فـ أبو لهب قال لأصحاب ابنه: انتبهوا لـ عتبة، فإن دعوة محمد مستجابة.
وأبو جهل كان يشعر بالهيبة من رسول الله ﷺ فقالوا له: يا أبا جهل! أتستطيع أن تضرب محمداً؟ قال: أقدر، فقام أبو جهل وبحث عنه فلم يجده، فعرف أنه في البيت، فطرق الباب، وقريش كلها خلف أبي جهل من أجل أن ترى ماذا سيفعل؟ فعندما فتح الرسول الباب هرب أبو جهل إلى الخلف، فقالوا: يا أبا الحكم! إنك وعدت أن تضربه، فقال: لما فتح الباب رأيت فحلاً خلفه مثل الجمل الكبير جداً يريد أن يأخذني، فلما سئل النبي ﷺ قال: ذلك جبريل لو مد يده لأخذه.
قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] وأنت عندما تقول لجارك إذا كنت مسافراًَ: انتبه للأولاد وقال لك: في عيني، فإنك تسافر وأنت مطمئن، فما بالك بالله يقول لحبيبه ﷺ : ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] ويقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] ولذلك كان رسول الله ﷺ يقول لهم: سيروا أمامي فيقولون: نسير خلفك يا رسول الله؟! فيقول: خلوا ظهري لملائكة ربي، وكان إذا سار كأنه ينصب من منحدر؛ لأن الأرض كانت تطوى له طياً.
وفي مطار أمستردام (٧٢) صالة، ومن أجل أن تتنقل بين الصالات جعلوا الطرق تمشي، فتقف على سير وينزل بنفسه؛ من أجل أن يمتعوا الناس، فإذا كان هذا يعمله الرجل الهولندي من أجل أن يريح البشر فما بالك بما يفعله الله لحبيبه محمد ﷺ ، فقد كان تطوى له الأرض طياً ﷺ .
وسيدنا أنس ﵁ حفر بئراً في بيته فخرج البئر مالحاً فردمه وحفر آخر فخرج البئر مالحاً، فذهب إلى سيدنا الحبيب وقال له: يا رسول الله! كلما حفرت بئراً وجدته مالحاً، فقال له: تعال معي، فذهبوا فأخرج دلواً فأخذ الرسول ﷺ قليلاً منه في فمه وتمضمض ثم بصقه في البئر، فكان الصحابة يتحيلون على أنس من شدة عذوبة ماء بئر أنس.
وسيدنا جابر كان له جمل كليل في السير، وكانت الجمال كلها تمشي وهو آخرها، فقال: يا رسول الله! هذا بعيري قد أتعبني، فنخسه ﷺ بعصا كانت في يده، فعاد يسابق الجمال في سيره.
ولما سافروا في سفر وشح عليهم الماء قال لهم رسول الله ﷺ : ائتوني بماء لأتوضأ، فتبسم الصحابة وقالوا: يا رسول الله! لا يوجد هناك ماء لا لوضوء ولا لشرب إلا قدح، فقال: ائتوني به، وفرج بين أصابعه، وصب عمر بن الخطاب ونبع الماء من بين أصابعه فشرب العدد كله، فسئل أسامة: كم كنتم يا أسامة؟! فقال: كنا سبعمائة رجل، فقد كان مؤيداً من ربه.
ولو أراد لكان أغنى الناس، فقد كان له في كل غنيمة من الغنائم الخمس، وخمس الغنائم في غزوة بني قريظة كان عبارة عن ثمانية آلاف بعير، واثني عشر ألف رأس شاة، وسبعة آلاف وخمسمائة مثقال من الفضة والذهب، غير الدروع والسيوف، ومع هذا فقد مات ودرعه مرهونة عند يهودي، فقد كان ينفقها لله، وكان عنده قانون: أنفق ينفق عليك، أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالاً، والله يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٤٥] وربنا عنده خزائن كثيرة كثيرة كثيرة، ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧] فاللهم وسع علينا في أرزاقنا يا أكرم الأكرمين! ولما قابله أعرابي وقال له: يا محمد! من يشهد لك بالرسالة؟ فالرسول ﷺ نظر ولم ير أحدً معه، فقال له: هذه الشجرة، فالأعرابي ضحك، فقال لها: تعالي يا شجرة! فتحركت من مكانها ولها حفيف، فقال لها: من أنا؟ قالت بلسان عربي مبين: أنت محمد رسول الله، قال لها: عودي إلى مكانك.
ومحمد حسين هيكل وطه حسين أنكروا معجزات رسول الله بالمرة، والرسول ﷺ بغير معجزات كيف يكون؟ فقد أيده الله بمعجزات كما أيد موسى بالعصا، وكما أيد عيسى بإحياء الموتى وبإبراء الأكمه والأبرص، وأنه يعمل من الطين طيراً فينفخ فيها فتكون طيراً بإذن الله إلى آخر المعجزات، وأيد سيدنا سليمان بالريح غدوها شهر ورواحها شهر، والشياطين كل بناء وغواص، والصافنات الجياد، وكل هذه المسائل أيد الرسل بها، فالمعجزات هذه مسألة حقيقية وردت بها الكتب الصحيحة وجاءت في كتاب الله .
стр. 217
بيان انتكاس المسلمين اليوم
والغربيون كلهم يكرهون الإسلام بلا استثناء وبدون نقاش، ونحن نري الناس الإسلام صورة مشوهة، ورجل منا تزوج امرأة أمريكية، وجلس يكلمها عن أبي بكر وعمر وحلاوة الخلق الإسلامي، وكيف كان الرسول ﷺ يتعامل والمجتمع الإسلامي، فقالت المرأة: أنا أريد المدينة الفاضلة هذه، ثم جاءت إلى القاهرة، ورأت في اليوم الثالث هذا يضرب هذا، وهذا يرفع صوته فقالت له: أين أبو بكر وعمر اللذان تحدثت عنهما؟ وأين الأخلاق التي تحدثت عنها؟ فنحن نظلم الإسلام ونظلم أنفسنا عندما نعرض الإسلام من أخلاقنا عرضاً مشوهاً، فالناس تنظر إلى الإسلام وتقول: أمعقول أن هؤلاء مسلمون، فالتصق الإسلام اليوم بالتخلف وباعتداء المسلم على أخيه المسلم، والكارثة أن الكل يتحدث باسم الإسلام.
وصدام لما اجتاح الكويت قال: أنا سأعيد توزيع الثروات، أفنصبت نفسك بديلاً عن الله ، كما قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٢] فهناك الغني وهناك الفقير، والدنيا دول، وقد بقينا إلى سنة تسعة وخمسين ونحن في مصر نرسل كسوة الكعبة، ونعمل لها زفة، ثم حدث ما حدث في مصر؛ نتيجة لظروف كثيرة، فافتقرت وصارت مدينة وصار أهل الحجاز هم أصحاب المال.
وهكذا الدنيا لا تظل على حال، وإنما يصير الغني فقيراً والفقير غنياً، ولكن الغنى غنى القلب.
ومصر كنانة الله في الأرض، والكنانة هي: الجعبة التي يضعون فيها السهام، فعندما تقول: مصر كنانة الله في الأرض، أي: أن الله سوف يحفظ مصر من سهام الأعداء، وما دامت مصر قوية في الإسلام وبالإسلام فالإسلام قوي في أنحاء العالم كلها، وإذا ضعف الإسلام في مصر ضعف في العالم كله؛ لأن المصري بشر به رسول الله ﷺ .
والشاب المصري لن تجد مثله أبداً، فإنك تجد فيه الشهامة والنخوة والإسراع في النجدة، ولا يجلس المريض مع المريض في سريرين متقاربين إلا وتكلما مع بعضهما بالذات النساء، وأنت تأخذ المعلومات في ثلاث ساعات، والمرأة تبرمجها لك في ثلاث ثوان، وتأتي لك بتاريخ حياة الرجل من سلالة أبيه رمسيس الأول بالتفصيل.
والإسلام هكذا، كله ود وحب وحنان، ونحن كمصريين هذه فطرتنا.
أما ما طرأ على المجتمع المصري في هذه الأيام فليست من طبيعتنا، فالحقد والغل والحسد ليست من طبيعة الشعب المصري أبداً، وليست هذه نزعة عرقية، والمسلم واحد في كل مكان، ولكن المصري فيه مميزات ليست موجودة في غيره، وهذا باعتراف هتلر، فقد قال: أنا أريد العقل الألماني والعسكري الإنجليزي والعاطفة المصرية، وأحتل العالم في أسبوع، والحاكم المصري إذا خرجت منه العاطفة صرنا في مصيبة، ولكنها ترجع بسرعة.
نسأل الله أن يجنب بلادنا وبلاد المسلمين كل شر، إن ربنا على ما يشاء قدير.
وكما شهد الخصوم للنبي ﷺ في وقته فقد شهدوا له وفي وقتنا الحاضر، فهذا فولتير أعظم مفكر في فرنسا وأوروبا يقول: من قال: إن محمداً ليس بنبي فهو كذاب.
وبرناردشو الساخر الأيرلندي الإنجليزي المعروف يقول: لو كان محمد بن عبد الله يعيش بيننا اليوم لحل لنا مشاكل الساعة كلها ريثما عملنا له فنجاناً من القهوة، أي: في خلال عشر دقائق.
стр. 218
الأخوة بين المهاجرين والأنصار
وقد كان العربي يحتل أرض العربي صاحبه، ويقاتله عشر سنوات أو أربعين سنة من أجل أن فرسه سبق فرسه، وقد قال ربنا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٣].
يعني: كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم، ولو قامت حرب بيننا وبين إسرائيل مثلاً فهجروا إخواننا الذين في السواحل -نسأل الله العفو والعافية- وجاء المسلم السويسي وقال لك: أنا أريد آخذ غرفتين أو غرفة في شقتك ونقسم الثلاجة نصفين، فقبل أن يكمل طلباته فستقول: إن هذا الرجل قد جن.
والرسول ﷺ آخى بين المهاجرين والأنصار، فكان يأتي المدني الأنصاري ويقول لأخيه المهاجري مثل سعد بن الربيع الذي آخى الرسول بينه وبين عبد الرحمن بن عوف، قال: يا عبد الرحمن! أنا لي بيتين، فالبيت الذي يعجبك خذه، وأنا متزوج امرأتين فأطلق لك واحدة فإذا انقضت العدة تزوجتها، وعندي كذا دينار فنقسمها نصفين، وأين تجد هؤلاء الناس؟ وما أخذ بسيف الحياء فهو حرام، وهذا حكم فقهي، وهذه النقطة مهمة، لأن الإيمان لما ضاع منا ضاع الحياء، مثل شخص جلس معك في المكتب، وجد أمامه قلماً جميلاً فقال: هذا القلم جميل لم أر مثله في السوق، فأعطيته وقلت: تفضل يا أخي! فيقول: لولا أنك حلفت، فأخذه في جيبه، فهذا كأنه سرقه، والإسلام يحاسبه على أنه سارق.
ومثل الموظف الذي لا يقضي لك المصلحة إلا برشوة، ويتعلل بأن الأولاد كثير هذه الأيام، والمدارس والمصاريف والحكاية والرواية.
فـ عبد الرحمن بن عوف قال له: جزاك الله خيراً يا أخي! دلني على السوق، قال له: ماذا تفعل في السوق؟ وماذا لديك؟ قال: عندي أقط، وقد دعا لي رسول الله ﷺ بالبركة في الرزق، فوالله لو وضعت يدي تحت حجر لظننت أني أجد تحته ديناراً، ولو أمسكت التراب لصار ذهباً، ببركة دعوة رسول الله.
ويوم موت عبد الرحمن بن عوف كانت نساؤه أربعاً، وهذا أمر حلال، أحله الله، واليوم صور الإعلام أن الزوجة الثانية بالنسبة للرجل تعني الحرب العالمية، والحاقة والصاخة والهول الأكبر.
فلما مات عبد الرحمن بن عوف كانت زوجته الرابعة حاملاً وأخذت اثنين مليون دينار، وهم ما كانوا يعرفوا المليون، وإنما كانوا يقولون: ألف ألف، والأربع يشتركن في الثمن، فهي أخذت اثنين مليون دينار، يعني: واحد من اثنين وثلاثين من التركة، فقد كانت تركة عبد الرحمن بن عوف يوم موته أربعة وستين مليون دينار، وهذا قبل ألف وأربعمائة سنة، فكانت أكثر من ميزان المدفوعات لأمريكا.
وهذا كله ببركة التجارة الحلال، وعدم الضحك على الناس، وعدم استخدام الدين للوصول إلى مآرب؛ لأن الدين غاية وليس وسيلة.
فالخصوم الحاليين قد شهدوا لسيدنا رسول الله ﷺ .
وكلنا قرأنا كتاب العظماء مائة، وأولهم محمد ﷺ ، فهذه شهادة الخصوم تشهد له بالصدق والأمانة.
وكان أتباع رسول الله ﷺ من عظماء الناس، فمن أتباعه أبو بكر، وكان من سلالة بني تيم، وعمر وكان من سلالة بني عدي، وعثمان وكان من سلالة بني أمية، وعبد الرحمن بن عوف وكان من سلالة العائلات، وخالد بن الوليد وكان من سلالة بني مخزوم، وسعد بن أبي وقاص.
وكلهم من علية القوم، ومن أعظم أصول وبطون قريش.
وقد كانوا يقولون: إن الفقير دخل الإسلام من أجل أن يحتمي فيه، وهو لم يجد الحماية في الإسلام! فقد كان يمر عليهم النبي ﷺ عند الكعبة وهم يعذبون فيقولون له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فكان يغضب ويقول: (والذي بعثني بالحق نبياً لقد كان الرجل من قبلكم ينشر ما بين مفرق شعره إلى أخمص قدميه لا يثنيه عن قوله لا إله إلا الله، اصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده).
وكان يقول (ليبلغن هذا الدين ما زوي لي من الأرض، حتى تخرج الظعينة من أرض العراق)، تحج بيت الله الحرام لا تخاف على نفسها إلا الذئب على الغنم)، فهي ستمشي وسط بلاد مسلمة، فالمسلم لا يروع المسلم، وسبحان الله! تمشي الظعينة من أرض العراق لا تخاف.
стр. 219
بيان بعض علامات الساعة
وسوف يأتي زمان قرب الساعة يعود فيه الأمان إلى الأرض، فترعى النمور مع الأبقار، والذئاب مع الغنم، وتلعب الصبية بالحية فلا تضرهم شيئاً، فالأمان سوف يعود، وترجع البركة إلى الأرض: (قال: فيستظل الفئام من الناس بالقحفة من الرمانة)، أي: قشرة الرمان.
نسأل الله ألا نكون على وجه الأرض عندما تقوم الساعة.
стр. 220
أولاً: العلامات الصغرى
لا تقوم إلا على شرار الناس.
وذكر ﷺ من علامات الصغرى أن: (يصير العام كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة)، وهذا قد حصل.
وأخبر أنه: (يصدق الكذوب ويكذب الصادق، ويؤتمن الخائن ويخون الأمين).
وأن يربي الإنسان جرو كلب خير له من أن يربي له ولداً، فتجد الآن بعضهم يقول: لو ربيت كلباً كان ظهر ذلك فيه! وقال: (وأن تصير الأمانة مغنماً)، فإذا وضعت أمانة عند شخص أكلها على أنها غنيمة: (والزكاة مغرماً، والمال دولاً)، أي: يتداوله الأغنياء: (وأن يبر الرجل صديقه ويعق أباه، ويطيع زوجته ويعصي أمه، وتنتشر القينات والمعازف)، والقينات جمع قينة وهي الراقصة: (ويشرب الخمر وترتكب الفاحشة على قارعة الطريق) أو مقدمات الفاحشة.
وهذا كما تجد اليوم ولداً تافهاً يخرج من الإعدادي أو الثانوي واضعاً يده على كتف بنت.
يقول الحبيب ﷺ : (أمثلهم)، أي: الغيور جداً: (أمثلهم من يقول: لو نحيتها عن الطريق قليلاً) وأن: (ينحسر الفرات عن جبل من ذهب، أو كنز من ذهب، يتقاتل الناس عليه، فيموت من كل مائة تسعة وتسعون، لا يدري القاتل لم قتل ولا المقتول لم قتل).
وأن: (تعود أرض العرب مروجاً خضراء)، أي: الجزيرة العربية الصحراء القاحلة تعود مروجاً خضراء، وهذا دليل على أنها كانت قبل كذا مزروعة، وثبت في تاريخ الجيولوجيا أن الجزيرة والحجاز كانت كلها أرض زراعية.
وأن: (تلد الأمة ربتها، وأن تجد الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان)، ولا نملك إلا أن نصلي على رسول الله ﷺ ، فكأنه جالس بيننا يقص واقعنا الذي نحن فيه.
اللهم تب علينا، اللهم تب علينا، اللهم تب علينا، اللهم تب علينا يا رب العالمين!
стр. 221
ثانياً: العلامات الكبرى
وبعد علامات الساعة الصغرى تأتي علامات الساعة الكبرى، ولو جاءت أول علامة من علامات الساعة الكبرى فلا تنفع التوبة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨] فقد قفل الباب، فأول ما تظهر يغلق باب التوبة.
وأول علامة هي: أن تطلع الشمس من المغرب، ثم ظهور الدابة، وأيهما ظهر أولاً فالأخرى على أثرها، والدابة ذكرها الله في كتابه في قوله: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٨٢].
والدابة هذه اسمها الجساسة، فتجوس في الأرض، وتدخل على الناس في الحرم من باب السلام معها عصا موسى وخاتم سليمان، فتخطم - تلمس - بعصا موسى وجه المؤمن فيبيض وجهه، وتلمس وجه الفاجر والفاسق والمنافق بخاتم سليمان فيسود وجهه، يعني: تعلوه كآبة، فينسى الناس الأسماء ويتعاملون بيا مؤمن ويا كافر، ثم يظهر الدخان، قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ [الدخان:١٠]، أي: وارتقب يا محمد! أنت وأتباعك: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ﴾ [الدخان:١٠ - ١١]، أي: يصبح الناس يجدون الدنيا مثل ضباب الشتاء، وهذا الضباب أو الدخان على رأس المؤمن كالزكام البسيط، وعلى رأس الكافر والمنافق والفاجر كنيران تغلي، اللهم سلم يا رب العباد! ثم يظهر المسيح الدجال، ومصيبته كبيرة، وكان الرسول ﷺ يستعيذ منه في كل صلاة، حتى أن عمر كان يقول: كان الرسول ﷺ يحدثنا على المنبر عن المسيح الدجال، فكنت أنظر خلفي مخافة أن يأتي ليجلس بجواري.
وأما صفة المسيح الدجال؟ فقال رسول الله ﷺ : (أعور كأن عينه طافية كالعنبة، يرى المؤمن مكتوباً على جبهته كافر، عندما تمتنع السماء عن المطر والأرض عن الإنبات، يقول: يا سماء أمطري فتمطر، يا أرض أنبتي فتنبت، يا ضرع امتلئ لبناً فيمتلئ، اقلص فيقلص، ويقول: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني دخل النار، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف فلا يضره بإذن الله).
والمسلم عندئذ لا يملك طعاماً ولا شراباً، قال رسول الله ﷺ : (طعام المؤمنين يومها التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، يلهمهم الله به كما يلهمون النفس، وأكثر أتباعه اليهود والمنافقون والنساء، حتى يعود الرجل إلى بيته فيحبس أمه وزوجته وأخته وابنته؛ مخافة أن يخرجن من خلفه فيتبعن المسيح الدجال).
ولا يسلط عليه أحد إلا المسيح ﵇، فعندما يراه يذوب كما يذوب الملح في الماء، فيقتله المسيح ثم يدخل المسيح على المسلمين في المساجد فيقدمه الإمام فيقول المسيح: لا، إنما جئت تابعاً لأخي محمد، ليصل بكم إمامكم، فيصلي خلف الإمام ﵇.
ثم بعد ذلك يأمر الله عيسى بأن يحرز عباده إلى جانب الطور، ثم بعد ذلك يأتي يأجوج ومأجوج، وهي العلامة السادسة من القرآن.
ولا يوجد أهم من أن نعرف علامات الساعة، فهو موضوع خطير جداً، فيظهر يأجوج ومأجوج كما قال الله: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء:٩٦ - ٩٧] فيدعو عيسى ﵇ ومن معه من المؤمنين عليهم، فتأتي طيور لها أعناق كأعناق البخت فتأخذ يأجوج ومأجوج فيلقونهم في البحر، ثم تمطر السماء، ويقول الله للأرض: ردى بركتك، ثم يقبض الله أرواح المؤمنين، فلا يبقى على الدنيا إلا لكع ابن لكع، وعليهم تقوم الساعة.
اللهم اغفر لنا وارحمنا، وتوفنا على الإسلام، واجعل خير أعمالنا خواتيمها يا أكرم الأكرمين! وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
تبنا إلى الله، تبنا إلى الله، تبنا إلى الله.
ورجعنا إلى الله، وندمنا على ما فعلنا، وعزمنا عزماً أكيداً على أننا لا نخالف أمراً من أوامر الله، وبرئنا من كل دين يخالف دين الإسلام، والله على ما نقول وكيل.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 222
سلسلة مقتطفات من السيرة [١٢]
مهما ادلهمت الخطوب على الأمة، واحلولك الظلام فإن بشائر النصر تنبئ عن فجر جديد للأمة، وانتصار وشيك، ولنا في حياة الرسول وصحبه في أول الإسلام أسوة حسنة، فدولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة.
стр. 223
الثناء على أمة محمد ﷺ والبشارة لها بالتمكين والرفعة
أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاةً وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، أما بعد: اللهم اجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم، اللهم ثقل بها موازيننا يوم القيامة، اللهم لا تجعل للشيطان فيها حظاً أو نصيباً.
اللهم اجعلها خالصة لوجهك الكريم واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ولا تجعل لنا ذنباً إلا غفرته، ولا تجعل فينا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا ذنباً إلا غفرته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا عيباً إلا سترته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا صدراً ضيقاً إلا شرحته.
اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين، اللهم أعد الغائبين المسافرين إلى أهلهم غانمين سالمين، وانصر اللهم الإسلام والمسلمين، واطرد عن بيوتنا وأبنائنا وبناتنا شياطين الإنس والجن، واطرد عن أزواجنا وذرياتنا شياطين الإنس والجن.
اللهم لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، اللهم خذ بيد أولادنا ووفقهم يا رب العالمين، اللهم اطرد عنهم شياطين الإنس والجن، اللهم وفقهم إلى ما تحبه وترضاه، اللهم اعصمهم من الزلل يا أرحم الراحمين.
اللهم باعد بينهم وبين الخطايا كما باعدت بين المشرق والمغرب، ووفقهم وإيانا إلى ما تحبه وترضاه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد: فهذه هي الحلقة الثانية عشرة في سلسلة حديثنا عن السيرة النبوية العطرة للحديث عن التاريخ العظيم لسيدنا رسول الله ﵊، حشرنا الله في زمرته وتحت لوائه وسقانا من يده الشريفة شربة لا نظمأ بعدها أبداً، وفرّح بنا قلب نبينا، وشفعه فينا، وأوردنا حوضه وجعلنا من أمته الذين يشفعه فيهم يوم القيامة إنه على كل شيء قدير.
стр. 224
منزلة رسول الله ﷺ وتواضعه
يقول الحبيب المصطفى ﷺ : (بشر هذه الأمة بالثناء والرفعة والتمكين في الأرض والنصر على الأعداء).
صدقت يا رسول الله، فالأمة مبشرة من المعصوم ﷺ برغم ما يحدث من سلبيات، أو من قصور، أو من تقاعس، أو من بعض الانحرافات أو من بعض التجاوزات من كثير منا وكثيرات، لكن رغم ذلك يبشرنا الحبيب المصطفى بالثناء والذكر الحسن من رب الأرض والسماء، وما دام ربنا يثني فظن خيراً ولا تسأل عن الخبث، وفي القرآن أثنى الله على خير أمة فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠].
فالخيرية كل الخيرية في هذه الأمة، وقد وضحها لنا الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس -رضوان الله عليه- فيما يروي عن الصادق المعصوم ﷺ ، عندما تلقى موسى الألواح فوق الجبل وموسى ﵇ هو الوحيد من الرسل الذي تلقى أوامر الله بدون وحي، فهو الكليم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤].
ولذلك ما احتمل سيدنا أبو بكر الرجل اليهودي الذي حلف وهو يتناقش معه بقوله: والذي اصطفى موسى على العالمين أن ما أقوله حق، فضرب الرجل وقال: إن الله اصطفى محمداً، فذهب أبو بكر يقص قصته على رسول الله لينظر ما يقول ﷺ .
وهنا يتجلى خلق التواضع لسيدنا الحبيب ﷺ ، وإلا فكل الدلائل تشير إلى أن اصطفاء خير البشر كان لسيدنا محمد ﵊؛ لكنه يقول بكل تواضع، (لا تفضلوني على موسى بن عمران، ولا على يونس بن متى)، فلو قيل: موسى كليم، لكن سيدنا يونس لم يذكر كثيراً مثل سيدنا موسى عليهم الصلاة والسلام.
ثم يقول: (ما كنت ليلة المعراج أقرب إلى ربي من يونس وهو في بطن الحوت أقرب إلى ربه، وأول من ينشق عنه القبر يوم القيامة نبيكم ولا فخر).
الحبيب يقول لـ أبي بكر: (أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة نبيكم، فيجد عند القبر جبريل، فيكون أول ما يسأله: كيف حال أمتي يا جبريل؟ فيقول: بخير حال يا رسول الله، ثم يسأله: وكيف حال الحسن والحسين وفاطمة) وذلك حناناً منه ﷺ ، ولذلك لو سمعت من يتكلف لك بالمسائل الصعبة فافتح أي كتاب عن رسول الله ﷺ تجد فيه أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما.
فأول من ينشق عنه القبر يوم القيامة نبيكم ولا فخر، ثم قال ﷺ : (فأجد موسى منبطحاً تحت العرش آخذاً بقوائمه، فلا أدري أصعق فيمن صعق أم كفته الصعقة الأولى).
ومع ما أوتيه ﷺ من العلم يقول: أنا لا أعرف هل اكتفى الله بأنه صعقه مرة واحدة يوم قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣].
стр. 225
التحذير من الاختلاف بين الدعاة لأنه يهدم ولا يبني
دخل أعرابي على النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا خير البرية! فقال ﷺ : (خير البرية إبراهيم الخليل)، ومع ذلك تجد اليوم بعض من يدعي العلم يقول: أنا الشيخ فقط، ينبغي أن تسمعني أنا فقط، غافلاً أو متغافلاً عن قاعدة التعلم التي قررها سيدنا الإمام مالك وهو يسند ظهره إلى قبر الحبيب ويشرح للناس كلام الله وكلام رسوله ويقول: كل الناس يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا المقام الشريف، وإنما استثناه لأنه لا ينطق عن الهوى ﷺ ، ولا يقول كلاماً من عند نفسه.
وكم أنزعج وغيري مثلي من بعض الناس الذين يحبون أن يستقطبوا الناس ويصدوهم عن سماع غيرهم، فأقول: هلا تركتم الناس يتعلمون ممن شاءوا طالما أن من يعلمهم يقول: قال الله قال الرسول.
أما أن يذهب عند هذا يوغر صدره من الدرس، ويذهب عند هذا فيفعل كما فعل الأول، فيصدق فيهم قول الشاعر: وإذا فرق الرعاة اختلاف علموا هارب الذئاب التجري والمعنى: أن الرعاة عندما يختلفون فيما بينهم تأكل الذئاب الغنم، وما أكثر الذئاب هذه الأيام.
وكم هزني البارحة خبر حتى ظللت كل يومي مكتئباً وكلما تذكرت اكتأبت من جديد، والخبر هو ما قرأته في آخر صفحة في الجريدة، أن شرطة الملاهي أمسكت بثلاث راقصات يرقصن من غير ترخيص، وهذا يشير أن هناك من يرقصن بتراخيص، أنا لا أدري هل يلزمها حمل الرخصة في جيبها مثل رخصة السيارة أم لا؟ ولك بعد هذا أن تتخيل كم من ذئاب حولك تحطم أسوار الفضيلة وأهل الدين وأهل الاستقامة، والمسألة خطيرة وليست بهينة، فأنت تبني ومن حولك مائة يهدمون، فما الفائدة إذا كنت تبني وغيرك يهدم؟ فسبحان الله العظيم!! وهنا يجدر التنبيه أن دروس السيرة ليست حكايات، فيحتج البعض فيقول: أنت لم تكلمنا عن شيء من أحداث السيرة، فالذي يريد السيرة حكايات فليذهب ويقرأ في الكتب، أما نحن فنعتقد أن السيرة علم نحاول به أن نأخذ بأيدينا وأيديكم إلى طريق الحق.
ولذلك قال أهل العلم: من احترقت بدايته أشرقت نهايته، فالطالب الذي يذاكر طوال السنة ليل نهار يكون في آخر السنة الأول، ومثلها: المؤمن وهو يعاني ويكابد الصبر على الطاعة والصبر عن المعصية لا يتكلم إلا بخبر، غاضاً بصره لا ينظر إلا إلى حلال، أصم لا يسمع إلا الخير، ويذهب بأرجله إلى الخير، فيحرص على أن يصلي الفجر والعشاء ويحضر دروس العلم، ويتذلل للعلماء ويتواضع للناس ولا يتكبر على أحد، كل هذا الكلام احتراق للنفس، فمن احترقت بدايته أشرقت نهايته جعل الله نهايتنا مشرقة.
стр. 226
الذين لا تبلى أجسادهم في القبر
وقد سألني أحدهم فقال: ألم تقل في خطبة سابقة: إن أجساد الأنبياء والعلماء والشهداء لا تأكلها الأرض، لماذا؟ فقلت له: أولاً: لست أنا الذي يقول! بل هذا الحبيب المصطفى هو الذي يقول، ثانياً: أما ما هو السبب؟ فقد ضربت له مثلاً بسيطاً جداً.
فقلت له: أنت لو أتيت بقالبين من طوب، قالب طوب لبن (غير محرق) ووضعته في الماء، ستجد أنه بعد ساعتين يتفكك، وأتيت بالقالب الثاني الذي أحرقته حتى صار طوباً أحمر، فإنك مهما وضعته في الماء يبقى كما هو، فقالب الطوب عندما حرق بالنار أصبح يتحمل الرطوبة والثقل، فالطوب اللبن الغير محرق مثله الذي لا يصلي ولسانه يخوض وعينه تزوغ وأذنه تسمع والرجل تمشي واليد تمتد للحرام، فهو ما تعب في شيء! فلذلك تكون نهايته مثل نهاية الطوب النيئ، فأول ما يدخل القبر يعصر حتى يذاب جسده.
أما الثاني فقد احترقت بدايته فأشرقت نهايته، ولذا عندما نقرأ عن الصحابة رضوان الله عليهم وما حصل لهم نجد عجباً.
فهذا سيدنا مصعب بن عمير -رضى الله عنه- أول سفراء الإسلام لما دعي الحبيب المصطفى ليصلي عليه بعد أن استشهد في أحد وجد عليه ثوباً إذا غطوا به وجهه ظهرت رجلاه، وإذا غطوا رجليه ظهر وجهه، فقال: (غطوا وجهه وضعوا على قدميه الإذخر، ثم بكى النبي ﷺ ! فقيل: ما يبكيك يا حبيب الله؟ قال: لقد رأيت هذا الشاب بمكة) وقد كان سيدنا مصعب قبل الإسلام يسمى الشاب المعطر وكانت أمه تستقدم ملابسه الداخلية من حرير اليمن الخالص.
شأنها اليوم شأن من يذهبون هذه الأيام إلى باريس لاستقدام كسوة الشتاء، وإلى لندن من أجل كسوة الصيف، فكانت أم مصعب بن عمير من الغنى تأتي له بالملابس الداخلية من الحرير اليمني، فكيف بالملابس الخارجية؟ فلما دخل في الإسلام منعته أمه من المال، وعاش على شظف العيش وبانت عليه الشدة، فتذكر الحبيب ﷺ أيامه وبكى، ثم قال: (كيف بكم إذا جاء عليكم زمن يغدى على أحدكم بصحفة ويراح بأخرى -أي: يعطونه طبقاً فيه نوع من الأكل ويأخذون طبقاً فيه نوع آخر من الأكل- يغدو أحدكم في حلة ويمسي في أخرى) أي: يلبس في الصبح (بدلة) وبعد الظهر (بدلة) ويلبس في الصبح (ثوباً) وبعد الظهر (ثوباً)، قالوا: ما أجمل هذا يا رسول الله، إذاً نتفرغ لنشر الدين ولا يشغلنا الرزق عنه.
فقال ﷺ : (لا، أنتم اليوم خير من يومئذ)، لأن المال سيشغل الناس عن الدين وعن الطاعة، ومثل محب الدنيا كشارب من البحر لا يزيده الشرب إلا عطشاً، ولن يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، فمن احترقت بدايته أشرقت نهايته.
стр. 227
ذكر بعض ما شرف الله به أمة محمد على من قبلها
وعودة إلى الحديث الذي صدرنا به كلامنا: أمسك سيدنا موسى ﵇ الألواح، بعد أن ألقى الله له الألواح على الجبل، فلما تلقى الألواح وفيها الوصايا العشر، وجد في الألواح صفات أمة معينة، لم تذكر من هذه الأمة؟ فقال: يا رب! أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدروهم -أي: الكتاب المقدس الذي نزل عليهم يستطيعون حفظه، ومعلوم أنه لا أحد من القساوسة يستطيع أن يحفظ الإنجيل، ولذلك إذا تحدث أحدهم بجملة من الكتاب المقدس اضطر إلى فتح الكتاب ليأتي بالعبارة فهو لا يجيد حفظها- فقال موسى: اجعلهم أمتي يا رب! قال: كلا يا موسى إنما هم أمة أحمد، قال موسى: وأرى في الناس أمة من الأمم من هم منهم بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، وإن هم بسيئة ولم يعملها ما كتبتها عليه شيء فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، اجعلهم أمتي يا رب! قال: كلا يا موسى إنما هم أمة أحمد.
قال: أرى في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها، -إذ الصدقات من قبل كان لا يحل أكلها، ويروى أن إسرائيل كان إذا أراد أن يخرج صدقة يضعها فوق الجبل، ودليل قبول الصدقة أن تنزل صاعقة لتحرقها، فإذا نزلت الصاعقة وأحرقت ما قدم كان ذلك دليلاً على قبول الصدقة، وإذا لم تنزل الصاعقة فالصدقة غير مقبولة، أما نحن فبإمكان الغني أن يعطي الفقير ولا حرج أن يذهب فيأكل عنده- قال موسى: اجعلهم أمتي يا رب! قال: كلا، إنما هم أمة أحمد.
قال: يا رب! أرى في الألواح أمة هم آخر الأمم، ولكنهم أول الناس دخولاً إلى الجنة، اجعلهم أمتي يا رب! قال: كلا يا موسى إنما هم أمة أحمد- وهكذا حتى عدد إحدى عشرة صفة، والحديث رواه ابن عباس وحسنه مسلم رضوان الله عليه، وقال: الحديث حسن صحيح، فأقسم ابن عباس راوي الحديث فقيل: يا ابن عباس! أنت تحلف؟ قال: لأن الرسول قد أقسم، وقال: فوالله لقد ألقى موسى الألواح من بين يديه وقال: اللهم اجعلني من أمة أحمد.
وهذه دلائل العظمة للأمة المحمدية -الأمة الإسلامية.
стр. 228
فضل مجالس الذكر والحث على المداومة عليها
من النعم التي تستوجب الشكر أن يوفق المرء لحضور مجالس التذكر والعلم والمداومة عليها.
ووالله لو كشف عنا الحجاب، ورأينا الملائكة يجلسون حولنا ما قام الواحد منا، ولذلك جاء في الأثر: ينادي مناد من تحت العرش على اثنين: المصلي والجالس في بيت الله، لو يعلم كلاهما من يناجي ومن يجالس ما انفتل من صلاته وما خرج من المسجد.
والمعنى: لو يعرف الذي يصلي من يكلم ما خرج من الصلاة، ولو يعرف الذي يجلس في الجامع مع من جلس ما كان يخرج؛ لأنه سيشعر حينها أنه كالسمك في الماء إن خرج منه أصيب بالاختناق، فنحن عندما نخرج إلى الناس هذه الأيام قطعاً ستتألم نفوسنا من الكلام ومن الناس الذين يمشون في الشارع ومن الأيمان الكاذبة والفاجرة والصفقات الخاسرة، أما في بيت الله فنحن نشعر براحة الصدر، كيف لا ونحن في بيت الكريم سبحانه! ويقول أهل العلم: لو كشف لنا الحجاب لرأينا الرحمة وقد غطت الجالسين في بيت الله كالملاءة أو كالغطاء الذي تغطي به أبناءك لو رأيتهم في البرد، فرحمة الله تنزل على العبد فتغطيه، وما دامت رحمة الله تغطي العبد فليظن خيراً وليستبشر خيراًً.
стр. 229
الثناء على الأمة من الملائكة
قال ﷺ : (بشر هذه الأمة بالثناء من الله).
والملائكة أيضاً تثني على المؤمنين حتى أن المؤمن النائم على وضوء وذكر، تدعو له الملائكة وتستغفر له؛ لأنه إذا لم ينم كان سيسبح ويذكر ويصلي، فهكذا حياته كلها، فلم يعطله عن الذكر إلا أنه يجب أن ينام، ولذلك فإن الملائكة تصلي عليه حتى وهو نائم، على أن حملة العرش، وهم أرقى نوع في الملائكة، يستغفرون لمن في الأرض.
ومن أعمال الملائكة أيضاً أنهم يؤمنون على دعاء المسلم، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة استجاب الله له، كما جاء في الحديث، فلو أن الإمام يدعو والناس يؤمنون، ثم أمنت الملائكة مع المؤمنين كانت الإجابة عند رب العالمين.
وعلى العكس من ذلك من دعت عليه الملائكة، وقد روي: أن الرجل الفاجر أو المنافق أو الفاسد أو المنحرف إذا مات تفرح الملائكة وتقول: الحمد لله الذي أراح الله منه البلاد والعباد، وقال فيه الحبيب ﷺ : (مستريح ومستراح منه).
ولذلك قال ﷺ : (عيشوا مع الناس معيشتهم حيث إن متم ترحموا عليكم وإن غبتم حنوا إليكم)، فعلى كل منا أن يحرص أن تكون فيه هاتان الصفتان: إذا غاب عن أخيه المسلم يحن إليه، ويتذكر أيامه وجلساته معه، وإذا مات دعا له بالرحمة.
وكم من علماء صالحين نذكرهم بالرحمة، وكم من أناس فاسدين مفسدين إذا ذكروا قال السامع: ماتوا والحمد لله، وما يمنعه أن يدعو عليهم إلا أنهم قد ماتوا والنبي ﷺ يقول: (اذكروا محاسن موتاكم)، لكنه لا يستطيع أن يخرج كلمة ﵀، أما العلماء والصالحون فندعو لهم، فنحن حين نذكر مثلاً العز بن عبد السلام ﵁، وكذا صلاح الدين الأيوبي ﵁، وخالد بن الوليد ﵁، وأخونا الشيخ إبراهيم عتوي ﵀ ورضي عنه، فندعو له لأنه كان يزرع خيراً في الناس.
لكنا لو ذكرنا فاجراً كان يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا أو ما شاكله فلن نترحم عليه، ولذا كانت وصية النبي ﷺ : (فعيشوا مع الناس معيشة إن غبتم حنوا إليكم وإن متم ترحموا عليكم).
стр. 230
أمة محمد شاهدة للرسل على أممهم يوم القيامة
وقوله ﷺ : (بشر هذه الأمة بالثناء والرفعة)، فالثناء من الله ومن الملائكة ومن الرسل أيضاً، فهم يثنون على أمة محمد ﷺ ، كما يثني عليها أتباع الرسل يوم القيامة، وقد ثبت أن المسلم من ضمن الشهداء الذين يشهدون على أمة نوح، وأمة إبراهيم، وأمة لوط، وأمة موسى، وأمة عيسى، وكل الأمم، فتأتي أمة نوح ليسألهم رب العباد: يا قوم نوح! هل بلغكم نوح الرسالة؟ فيقولون: لا، يا رب! ما بلغنا.
فيسأل نوحاً: يا نوح هل بلغت؟ يقول: نعم يا رب لقد بلغت، فيقال: لكن قومك ينكرون، أمعك من شهود؟ فيقول: نعم يا رب، فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: أمة محمد، فيقال لأمة محمد: أتشهدون يا أمة محمد؟ فيقولون: نشهد يا ربنا أن نوحاً بلغ قومه، فيقول قوم نوح: كيف تستشهد علينا قوماً لم يرونا؟ أي: كيف يشهدون علينا وقد جاءوا بعدنا بعشرة آلاف سنة أو عشرين ألف سنة! ولله الحجة يوم القيامة ولكي لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، يقول: يا أمة محمد كيف تشهدون وأنتم ما رأيتم نوحاً ولا قومه؟ فتقول أمة محمد يا ربنا! قرأنا كتابك وعلمنا أن ما فيه صدق، وقرأنا فيه أن نوحاً قد بلغ قومه وصدقنا بما جاء به محمد، فيقال: صدقتم يا أمة محمد، وهكذا سائر الأمم.
ثم يأتي بعد ذلك من يشهد على الأمة، وهو سيدنا الحبيب المصطفى ﷺ قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤١ - ٤٢].
ومعلوم أن شهادة الحبيب غير شهادة الكاره، ومن ذا يساوي الرسول ﷺ خوفاً على أمته، يروى أن الله قال له: يا محمد! أأجعل إليك حساب أمتك؟ فيقول الحبيب: (كلا يا رب، بل حسابهم إليك فأنت أرحم بهم مني).
стр. 231
أكثر أهل الجنة من أمة محمد ﷺ
ومما يشير إلى ذلك قوله ﷺ : (أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ -فكبر الصحابة فرحاً بهذا الخبر، ثم قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟)، وهنا ينبه على أن المسلم إذا وجد شيئاً يعجبه يقول: الله أكبر ولا يصفق، لأن التصفيق إنما جعل للنساء.
ثم قال ﷺ : (أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ فكبر الصحابة، فقال: أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة؟ -أي: نصف أهل الجنة- فكبر الصحابة ثم قال: أترضون أن تكونوا ثلثي أهل الجنة؟ فكبر الصحابة.
ثم قال: أهل الجنة مائة وعشرون صفاً أمتي ثمانون صفاً).
يذكر أن رضوان خازن الجنة يقف على الباب، فإذا جاء إليه أحد يريد أن يدخل سأله: من أنت؟ يقول: فلان، فيقول له: من أي أمة؟ فيقول: من أمة محمد، فيقول حينها: ما أمرت أن أفتح لأحد قبل أمة محمد، أي أنهم أول الناس دخولاً، ولذلك يقول سيدنا الرسول ﷺ : (لكظيظكم على باب الجنة أحب إلي من شفاعتي)، إذ أن شفاعته هي من أجل أن يدخل عدد منا الجنة، لكنه حين يراهم مزدحمين على باب الجنة يفرح وازدحامهم أحب إليه.
ولذلك قال ﷺ في الرؤيا التي رآها -والحديث رواه الإمام البخاري عن ابن عباس ﵄ وعن أبي هريرة -: (ورأيت رجلاً من أمتي والنبيون جلوس حلق حلق)، رأى في الرؤيا أن كل نبي جالس وحوله حلقة ذكر وعلم، وفي هذا حث على تتبع حلق العلم والبعد عن مجالس اللهو والموسيقى العربية أو الغربية.
ثم قال النبي ﷺ : (كلما جاء -أي: الرجل الذي رآه النبي ﷺ إلى فرج حلقة منع منها، فجاءته صلته للرحم فأجلسته الملائكة بجواري).
وصلة الرحم عظيمة جداً، حيث أجلست صاحبها بجانب الحبيب المصطفى ﷺ ، كأنه علي بن أبي طالب، أو الحسين، أو أبو بكر.
ثم قال ﷺ : (ورأيت رجلاً من أمتي يكلم الناس ولا يكلمونه فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فأمر الله الناس أن يكلموه فكلموه، ورأيت رجلاً من أمتي يقوم على الصراط ويكبو -أي: يقوم ويقع- تريد أن تتخطفه كلاليب جهنم، فجاءته صلاته علي فأوقفته فدخل الجنة سالماً)، اللهم صل على حبيبك رسول الله، صلى الله عليك وسلم، صلى الله عليك وسلم.
стр. 232
خروج عصاة الموحدين من جهنم
تقدم قول النبي ﷺ : (بشر هذه الأمة بالثناء)، وذكرنا أن الثناء من الله ومن الملائكة ومن الرسل.
وجاء أن أهل النار -أبعدنا الله عنها- ينظرون فيرون معهم جماعة في جهنم، ومعلوم أن النار سبع دركات.
وفي أول دركة في النار، يقول المشركون والكفار للمسلمين العصاة الذين يقضون مدة العقوبة: ما أغنى عنكم صلاتكم ولا إيمانكم ولا توحيدكم، فأنتم فقط حرمتم أنفسكم من الخمر وسائر الشهوات والملذات، فيحزن المسلمون العصاة، فيقول الله يقول للملائكة: أخرجوا من النار كل من قال: لا إله إلا الله، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر:٢].
وقولهم ذلك هو في هذا الموقف، وذلك بين لمن قرأ القرآن وتدبر قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر:٢] ولا غرابة، فهم يتمنون يوم القيامة أن يكونوا حميراً، وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠].
وذلك لأن الله حين يقتص للحيوانات والبهائم العجماء من الظالمين الذين يعذبونها يأخذ من حسناتهم، وهنا ننبه على ترك العصافير وعدم حبسها في الأقفاص، وقد يتعلل البعض بقوله: لو طارت من القفص فستموت فنقول له: لا دخل لك بها يرزقها من يرزق الدودة في باطن الصخر، كما أن الله حين خلق العصافير خلقها طليقة، ولم ينزلها في صندوق من السماء، ثم يقول الله سبحانه للحيوانات: كوني تراباً، إذ الحيوانات ليس لها جنة ولا نار، قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير:٥] والوحوش تحشر يوم القيامة من أجل أن يقتص الله من الخلائق، حتى إن العصفور الصغير يصبح يهز ما بين المشرق والمغرب يريد حقه.
فبعد أن يقتص يقول للحيوانات: كوني تراباً، فيقول الكافر كما أخبر الله عنه ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠] يتمنى أن يكون حيواناً من أجل أن يكون مآله في الآخرة التراب.
стр. 233
وعد المؤمنين بالتمكين في الأرض
(بشر هذه الأمة بالثناء والذكر والرفعة والتمكين في الأرض)، وقد وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [القصص:٦]﴾ أي: يحدث لهم التمكين.
صحيح أن سنوات طويلة مرت وقروناً تعاقبت ونحن غير ممكنين في الأرض وذلك لعصياننا لله ، لكن هناك قوانين عند الله لا تتعطل، ومؤدى هذه القوانين: من نصر الله نصره الله، ومن نصر دين الله نصره الله ، ومن حافظ على دين الله حافظ الله عليه، ومن اتقى الله سار في بلاد الله آمناً وعاش مطمئناً ومات منصوراً، ومن يتق الله خاف الناس منه وتهيبوه وأحبوه.
حتى عندما يجدون ابناً من أبنائنا متمسكاً بدينه، لا يشرب خمراً ولا فوضى ولا غيره يحترمونه؛ لأنه عندهم صاحب مبدأ، لا كما يفعل البعض إذا دخل روما صنع ما يصنع الرومان، وإذا دخل أثينا فعل ما يفعله النمساويون، بل أكون متمثلاً بأخلاق الإسلام أينما كنت، مسلم في القاهرة مسلم في فيينا، مسلم في نيويورك في أي مكان، فأنا مسلم أقول: لا إله إلا الله، لا تتغير عندي الأثواب أبداً، إنما كياني وحياتي كلها تحت شعار لا إله إلا الله محمد رسول الله.
أولاً: الصراع بين الحق والباطل صراع أزلي، منذ أن خلق الله الخلائق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد تظن أحياناً أن الباطل ينتصر، فمثلاً تسمع من يقول لك: يا أخي! الكذاب هو الذي يعيش جيداً، والنصاب هو الذي يعيش جيداً، والمرتشي هو الذي يستطيع العيش.
وهذا غير صحيح، وهو نتاج النظر بالبصر لا البصيرة، فإن من نظر بعين البصيرة أيقن أن دولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة، وقد تطول هذه الساعة في عرف الزمن، فنحن لنا منذ بعثة الحبيب المصطفى إلى الآن يوم ونصف؛ لأن اليوم عند الله بألف سنة مما نعد، وقد بلغ التأريخ ألف وأربعمائة وإحدى عشرة سنة، فنحن لم نكمل اليوم والنصف من أيام الله، فلو أن الباطل علا على الحق لمدة يوم من أيام الله فإن ذلك ليس بشيء من أيام الله.
وما ينبغي أن نصنعه أن نحرص على أن نضع لبنة في صرح الحق، وهكذا الجيل التالي إلى أن يأتي جيل ليرى أن البناء قديم.
стр. 234
العمل على البناء في الأمة وتدارك الهدم
أما أن أهدم وغيري يهدم فإن الجيل القادم لا يجد سوى الخراب، ومعلوم أن الجيل الماضي سلم لنا الراية منكسة، -أقصد جيل العشرينات والثلاثينات- مع أنه جيل جيد لكن كان محكوماً عليه وكان معذوراً بما وصل إليه، فقد كان هناك استعمار أجنبي، وتفريق دويلات ترزأ به الأمة، إلى أن وصل الحال أن بعثوا سنة تسعة عشر إلى السيدة التي تسمى: رائدة العمل المثالي في مصر، هدى الشعراوي وإلى امرأة أخرى على شاكلتها، اسمها نشيزة النبراوي من أجل أن تحضرا مؤتمر التنظيم النسائي العالمي، وطلبوا منهن بعد العودة إلى مصر أن يشكلن تنظيماً مثل هذا.
فرجعت هدى الشعراوي للأسف الشديد وأقامت مجلة أسمتها: مجلة السفور، فحذار منها، وتلتها جماعة من الشام للأسف ومن لبنان، وتبعهم في النهج مروان النقاش ويعقوب طنوح فأقاموا المسرح، وتبعهم السيد يوسف سنة ثلاث وثمانين وأقام مسرح رمسيس، وبدأ العالم العربي ينساق باتجاه الفن والحضارة الأوروبية، وتربى بعض الناس في الغرب منهم طه حسين وأحمد لطفي السيد ومحمد حسين هيكل وحمزة الشيخ ورفاعة الطهطاوي الأزهري، ومحمد عبده وقليل من هذه الفرقة رجعوا ونقلوا لنا الحضارة الغربية تحت عنوان الدين، ناقلين ما ليس في الحضارة الغربية من خير، بل جاءوا بالشر الذي فيها.
فصار الجيل السابق متأثراً جداً بهؤلاء الذين سموا بالعباقرة أو العمالقة، وأكاد أجزم أن أوروبا لن تستطع أن تخدمها فكرة عدو للإسلام أكثر مما خدمها رجل كـ طه حسين، ومما كان يقوله: الإسلام لا يصلح أن يكون ديناً في عصرنا، ناهيك عما كتبه في الشيخين، وعن منهج التعليم في الثانوية العامة يقول: أنا أجهز لهم أخطاء موجودة واضحة في كتاب الشيخين المقرر عليهم! من أجل أن يفهموا الخلفية الصحيحة للتاريخ الإسلامي؛ لأن طه حسين كان ينظر إلى التاريخ الإسلامي نظرة الغرب.
فالجيل الماضي سلم الراية منكسة، ضاعت حينها أرض فلسطين، وضاع المسجد الأقصى، وضاع روح الانتماء إلى الإسلام، ثم ابتلينا في العصر الحاضر منذ عشرين أو ثلاثين سنة بالفرق والجماعات، فهذه الجماعة تشتم تلك، وتلك الجماعة تعيب على هذه، وهذه الجماعة تضرب أفراد الجماعة الأخرى، والجماعة الأخرى لا تصلي خلف هذه، وللأسف الشديد أنه في عام واحد وثمانين في أحداث سبتمبر كانوا يصلون صلاة الفجر خمس جماعات داخل زنزانة واحدة، لأن جماعة كذا لا تصلي خلف جماعة كذا، ولعمري يريد العدوا أكثر من هذا.
وإذا تصارع أهل المحراب ألا يستولي عليه أصحاب الحانة والخمارة.
ومما يؤسف أشد الأسف أن إخواننا المسلمين في أحد مساجد واشنطن تقاتلوا مع بعضهم، وهم في أمريكا في عقر دار الصليبية العالمية، من أجل ختام الصلاة، هل هو جهر أم سر؟ وارتفعت الأصوات وكثر اللغط كعادة الصوت العربي الذي يثير الغرابة لارتفاعه وشدته، ولما سمعت الأصوات جاء الأمن الأمريكي، وبتهمة إزعاج للجيران، أصدر حاكم واشنطن أمراً بإغلاق المسجد!! فليت شعري ماذا كسبنا؟ هناك مثل عامي يقول: أنا وأخوي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب، أليس من باب أولى أن أقول: أنا وأخي المسلم على غير المسلم، لا كما هو حاصل اليوم أن المسلم الملتزم ضد المسلم الملتزم؟! ينبغي أن نعلم أننا إخوة متحابون في الله! معلوم أن الصراع بين الحق والباطل صراع أزلي، ولذلك لما ظهرت الدعوة وأصبحت علنية، قاسى النبي وصحابته من قريش ما لم يقاس أحد، وكما يقول أهل الفلسفة: الآلام العظيمة هي التي تصنع الأحلام الكبيرة، وهو معنى قولنا سابقاً: من احترقت بدايته أشرقت نهايته.
قد يظن البعض أن الباطل ينتصر، حين يرى في المسلمين من يرتشي ويختلس، أو يفعل الفواحش والمنكرات، ولا يصاب بمكروه معجل، وهو لا يدري إن الله يملي له، ويستره المرة تلو المرة، لكنه أن أصر أخذه الله أخذ عزيز منتقم.
يذكر أن شاباً جيء به إلى عمر بن الخطاب ليقيم عليه حد السرقة، فجاءت أمه تشفع له وتقول: يا أمير المؤمنين! والله إن هذه لأول مرة يسرق فيها، أفتقطع يده، فقال عمر: والله يا أمة الله ما كان الله ليفضحه من أول مرة، ثم بعد أن أقام عمر الحد على هذا الشاب دخل علي بن أبي طالب على الشاب وقال له: أستحلفك بالله أهذه أول مرة؟ قال: والله يا علي! إن هذه المرة هي الحادية والعشرون! فربنا يملي له مرة واثنتين وثلاثاً.
يقول رسول الله ﷺ : (لا تعير أخاك بالذنب فيعافيه الله ثم يبتليك)، فلو ذهبت لتزور أخاك المسلم ووجدت ابنه غير متأدب، فلا تعجل وتقول: ما هذا ألا يوجد رجال في البيت يربون هذا الابن، فلربما يرزقك الله بولد أقل منه أدباً عقوبة لك.
ولو ذهبت لتزور صاحبك فوجدت زوجته ترفع صوتها عليه وتسيء الأدب معه، فلا تقول: ما هذا أين ذهب الرجال؟ هل ماتوا أم ماذا.
فقد لا تلبث أن ترزق زوجة تعاملك بالمثل، ولذا لا ينبغي أن تعير بالذنب لأنك إن عيرت أخاك به قد لا تلبث أن تبتلي بنفس العيب.
بل إذا بلغك عن شخص سيئة فلتقل: غفر الله لنا وله، وتدعو له في ظهر الغيب، والدعاء في ظهر الغيب مستجاب، كما ثبت في الحديث كما أنك حين تدعو لأخيك المسلم بظهر الغيب يقول الملك: ولك مثل ذلك، فلو دعوت لأخيك المسلم وراء ظهره فقلت: اللهم يسر له أمره يقول الملك: ولك مثل ذلك والملائكة تؤمن على دعاؤك وهكذا لو قلت: يا رب اشف له ابنه، يقول: ولك مثل ذلك، وكذا لو قلت: اللهم اهد له زوجته، يقال: ولك مثل ذلك، ولو قلت: يا رب! ارزقه من عندك، يقال: ولك مثل ذلك، كما أنك لو دعوت عليه فقلت: يا رب! أنزل عليه مصيبة، يقال: ولك مثل ذلك، فالضد بالضد.
стр. 235
قريش توفد وفداً إلى أبي طالب ليثني ابن أخيه عن دينه
لا يظنن ظان أن الأمر مستوٍ عند الله، فإن للباطل جولة وإن للحق جولة، ولكن الحق غالب إن اعتضد بالصبر: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧] فلقد لاقى رسول الله ﷺ العناء قريش، إذ بعثوا إلى أبي طالب فقالوا له: يا أبا طالب! لقد رأيت ابن أخيك يسفه آلهتنا ويعيبهم، ويفرق بين المرء وأبنائه، وبين الزوج وزوجته، يا أبا طالب! أعطنا محمداً لنقتله ونعطيك شيبة بن ربيعة وتعرف أن هذا أفضل الشباب في قريش تربيه، فقال: سفهت أحلامكم معشر قريش، أفأعطيكم ابني لتقتلوه وتعطوني ابنكم لأربيه لكم، قالوا: فاجعله يسكت عنا.
فجاء أبو طالب وقال له: يا ابن أخي! إن قومي كلموني فيك، فقال: ماذا يريدون يا عماه؟ قال: يا بني! يقولون إنك عبت آلهتهم وسفهت أحلامهم وفرقت بين الابن وأبيه وبين الزوج وزوجته، فانظر ماذا تريد أن تعمل؟ وكان مما قالوه أيضاً: إن كان محمد يريد أن يكون ملكاً علينا ملكناه، وإن كان يريد أن يكون أغنانا جمعنا له المال فصار أغنانا، وإن كان هذا الذي يأتيه رأي من الجن نأتي له بالأطباء من أرجاء الجزيرة فيسعون في زواله وانتفائه، فقال ﷺ الله عليه وسلم: (يا عماه! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه).
وهنا ندرك أولاً أن أصحاب الدعوات الكبار لا ينظرون إلى دنيا، فالدنيا بالنسبة لهم دنيئة، ينظرون إليها بعين البصيرة لا بعين البصر، وقد ثبت أن النبي ﷺ ليلة المعراج رآها فرأى امرأة عجوزاً شمطاء حيزبون عليها من أنواع الحلي والدر والأحجار الكريمة ما لم تر عينه، تنادي وتقول: يا محمد، فأعرض عنها رسول الله، وقال: (من هذه يا جبريل؟ قال: هذه هي الدنيا ما نظر الله إليها منذ أن خلقها، فقالت: يا محمد! إن نجوت مني فلن تنجو مني أمتك).
ومما قاله سيدنا علي عن الدنيا: الدنيا ساعة فاجعلها طاعة.
فالدنيا كلها ساعة وسرعان ما تنتهي، ولذا إذا مات العبد قامت قيامته، فلكل قيامته، ومن الغريب أن تجد من يقول: حدثني عن علامات الساعة، ومتى هي، لا زال الوقت مبكراً على قيامها، فإنها لا تقوم إلا بعد أن نحرر بيت المقدس، وننتصر على اليهود، غافلاً أنه لو مات الآن قامت قيامته، إذ إن القيامة قيامتان: قيامة صغرى، وقيامة كبرى، فإذا مات العبد فقد قامت قيامته الصغرى.
فما دامت الدنيا ساعة فوصية سيدنا علي أن نجعلها طاعة، ثم يقول: والنفس طماعة فعودها القناعة.
وفي أثر آخر يقول: الدنيا إذا حلت أوحلت، فلو أنك بقيت تصارع لتكون المدير العام أو رئيس مجلس الإدارة، ومن ثم وصلت إلى ذلك المنصب ولكنك غافل عن المسئولية، إذ إن كل خطأ يحدث في المصلحة يكون المدير هو المسئول عنه.
стр. 236
نصيحة أبي حازم للمنصور العباسي
ومما يذكر لنا التأريخ أن أبا حازم دخل على أبي جعفر المنصور فقال: عظني يا أبا حازم، قال: يا أمير المؤمنين! صل إلى كل ذي حق حقه، وأبو جعفر المنصور حينها يحكم العالم كله، فقد دخلت الصين في الحكم الإسلامي والمغرب وكان موسى بن نصير على بعد مائة وخمسين كيلو من باريس، لا يحول بينه وبينها إلا مرتفعات حجزت بينه وبين فتحها، ولما رأى الجليد عليها وكان أول مرة يرى فيها الجليد، قال: والله لولا هذه الثلوج لذهبت مقاتلاً في سبيلك أفتح على اسمك بلاد الله، فقال أبو جعفر المنصور واعياً لسعة ملكة ومشقة إيصال الحقوق: فإن لم أستطع يا أبا حازم.
وهنا نلمس قوة أبي حازم في الحق، فهو لم يقل له: على قدر ما تستطيع، بل قال: إذاً دعها لمن يستطيع.
ثم قال الإمام علي وهو يصف الدنيا: الدنيا إذا حلت أوحلت، وإذا أينعت ظهرت ثمارها من العز والجاه والمال والكراسي والمناصب -نعت أي: تنعي الذي حظه قليل وتنوح كما تنعي الميت، والميت من مات قلبه، وليس من مات جسده، ثم قال: والدنيا إذا كست -أي عندما تكسيك- أوكست.
معلوم أن أول من يدخل الجنة بغير حساب أبو بكر، والأرملة التي ربت اليتامى، وأهل الصبر، ورجل إذا نادى زوجته وعنده ضيوف: ائتينا بشراب لم تقل له: أي شراب تريد؟ لأنه لا يوجد لديه إلا نوع واحد فقط، أما نحن اليوم فحين تذهب عند أحد الناس يقول لك: ماذا تحب أن تشرب بارد أم ساخن، إذا كان بارداً فعندنا كذا وكذا وكذا، وإذا كان ساخناً فعندنا كذا وكذا وكذا.
стр. 237
الصبر على البلاء ومراعاة النعمة
ومن أعظم ما سطر في التاريخ من مراعاة النعمة وشكرها والصبر على زوالها ما حدث للتابعي الجليل: عروة بن الزبير لما انتشر المرض في رجله وقرر الأطباء بترها فقال لهم: اتركوني أصلي، فلما قطعوا رجله أغمي عليه من شدة الألم، فلما أفاق ووجد رجله بجانبه أخذها وبكى، قالوا: أتبكي من قدر الله وقضائه، قال: لا، يعلم الله أني لم أسر بها إلى معصية قط، وما سرت بها إلا لتعمير بيت الله والإصلاح بين المتخاصمين وقضاء حاجات المسلمين، يا رب! إن كنت قد أخذت القليل فقد أبقيت الكثير فلك الحمد.
ويضرب لذلك مثل: وهو لو أن اثنين جلسا ليشربا كوبين من الشاي أحدهما قوي الإيمان والآخر ضعيف الإيمان فشرب هذا نصف الكوب وشرب الآخر نصف الكوب، فإن المؤمن يقول: الحمد لله الكوب لا زال فيها نصفها، أما الثاني فيقول: يا خسارة لقد انتصف الكوب، مع أنهم يشتركون في فعل واحد، لكن الفرق بين من ينظر إلى ما بقي ومن ينظر إلى ما شرب، فالذي قطعت رجله لم ينظر إلى الرجل المقطوعة، لكنه نظر إلى اليدين الباقيتين والرجل الأخرى والعينين والآذان، فنظر إلى الباقي معه من النعم، يعيش المرء منا عشرين أو ثلاثين سنة في صحة وعافية ثم يصاب بالأنفلونزا فينسى كل أيام الصحة، قال الله سبحانه: ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٤٢] لكن العبد الحق يكون راضياً وقانعاً ومتوكلاً على الله حق التوكل، فهذا سيدنا الحبيب المصطفى ﷺ لاقى من قريش الكثير ولم يثنه شيء عن دعوته ودينه.
стр. 238
الهجرة الأولى إلى الحبشة
أمر الرسول الصحابة بالهجرة إلى الحبشة، أي أنهم هاجروا من أرض كافرة إلى أرض هي أيضاً كذلك، إلا أن المسلم يفر من الأرض لأسباب ثلاثة، قال الإمام الشافعي: سافر تجد عوضاً عمن تفارقه وانصب فإن لذيذ العيش في النصب إني رأيت وقوف الماء يفسده إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب والتبر كالترب ملقى في أماكنه والعود في أرضه نوع من الحطب أي أن عود البخور في أرضه يسمى عوداً، لكنه حين يجلب إلى العطار يسمى بخور، والمياه عندما تقف في مكانها تكون راكدة لكنها حين تجري تكون طيبة، فالإمام الشافعي يشبه موضوع السفر، فيقول: سافر تجد عوضاً عمن تفارقه وانصب فإن لذيذ العيش في النصب فالسفر يكون لثلاثة أسباب: إما سعياً وراء العلم، وممن جسد ذلك من الأئمة الليث بن سعد، فقد ظل يبحث في الأحاديث فاستشكل حديثاً فأخذ يسأل عن الذي رواه؟ فقيل: تلميذ الأشتر النخعي أستاذ أبي حنيفة فقال: أين أجده؟ فقيل: في نجد، فأخذ الراحلة وذهب إلى نجد، وأخذ يسأل أين فلان؟ فقيل: هذه ناقته تجري وجرى وراءها، فلما أدرك الرجل وجده قد ثنى ثوبه يدعو ناقته إلى حجره، فقال له: أفي حجرك شيء؟ قال له: لا، وإنما أوهم الناقة لتأتي، فقال: تكذب على الناقة، حري بك أن تكذب على رسول الله، أنا لست بحاجة إلى حديثك، فرجع إلى مصر مرة أخرى.
ومن الأخطاء الفادحة ما يصنعه الآباء والأمهات من استسهال الكذب على الأطفال، ومواعدتهم بالمواعيد الكاذبة، فيعد أحدهم الطفل بأنه سيعطيه كذا، أو يشتري له كذا، وهو غير عازم حتى على إعطائه أو الشراء له، كل ذلك وهو غافل عن أن الله يكتب كل ذلك كذباً عليه.
سمع الرسول ﷺ امرأة وهي تدعو ابنها وتقول له: تعال أعطيك، فقال لها: (في يدك شيء؟ قالت له: لا، قال: لو لم يكن في يدك شيء لكتبت عليك كذبة)، فلو قلت لابنك: تعال أعطيك، أو: تذهب إلى المدرسة وأعطيك جنيهاً، وأنت لا تريد أن تعطيه فأنت كذاب، وما يزال الرجل يتعود الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً كما ثبت في الحديث.
كما أن الكذاب معرض لمصيبة أخرى، فلو أن كل كذبة قيلت في البلد تنسب إليه حتى وإن لم يكن قالها، فكلما كذبت كذبة قيل: فلان هو الذي قالها.
يذكر أن رجلاً كان يحدث صاحبه فقال له: انظر لا يوجد شيء غريب في الحياة؟ إن أبي يرحمه الله كان يصلي المغرب على شاطئ النيل، فمرت سمكة طويلة، ظلت تمر حتى نام وقام يصلي الفجر ولم يمر ذيلها بعد.
فسكت صاحبه برهة ثم قال له: أما أنا فإن أبي يرحمه الله ذهب إلى الحداد وطلب منه أن يصنع له قدراً قطره ثلاثين متراً -مثل الجامع- فقال الأول: يا لكذبك يا أخي، وهل هناك قدر قطره ثلاثين متراً؟ فأجابه: وأين ستطبخ سمكة أبيك.
وما ينبغي على المسلم هو أن يتحرى الصدق، فالصدق منجاة، ومن الخطأ أن تتوقع أن الكذب سينجيك، ذكر الإمام الغزالي أن رجلاً فر من أعدائه فوجد رجلاً يفتل الليف ويصنع منها الحبال، فقال له أخفني عندك، فقال له: لماذا؟ قال: هناك جماعة يجرون خلفي، فقال له: ادخل تحت كومة الليف هذه، فدخل تحت كومة الليف، فجاء الذين يجرون خلفه، فسألوه أرأيت رجلاً يمر من هنا؟ فقال لهم: نعم، ثم أخذوا يعددون أوصافه وهو يقول: نعم، ثم قال لهم: هو تحت كومة الليف هذه، فظنوا أنه يكذب عليهم واستبعدوا أن يكون متخفياً تحت كومة الليف فتركوه وذهبوا، فلما ذهبوا خرج الرجل من كومة الليف وأمسك بعنق صاحب الليف وقال، أما قلت لك أن تخفيني؟ فقال له: اسكت إن الصدق قد أنجاك، لأنه قال لهم: أنا لم أره، سيحرصون على أن يبحثوا عنه تحت كومة الليف.
تقدم أن السفر يكون لأسباب ثلاثة: إما سفر للعلم أو سفر للسعي على الرزق: فإذا رأيت أن الرزق ضيق في بلد أسافر إلى بلد آخر، لكن المهم أن لا يغير المال من أخلاقي، وأن تكون النية صادقة لله: أوسع على أولادي ولا أنسى حق الله ، ولذلك قال: يا ثعلبة! قليل تشكره خير من كثير لا تطيقه.
وقيل أيضاً: ما قل وكفى خير مما كثر وألهى.
وقيل أيضاً: قليل يكفيك خير من كثير يطغيك، لأن القليل الذي يكفيك وتكون شاكراً أفضل من الكثير.
لأنك لو كان لديك مائة جنيه وأخرجت منها عشرين جنيهاً لله، وآخر لديه مليون جنيه وأخرج عشرين ألفاً، فالأول أنفق الخمس من ماله، والثاني أنفق واحداً من أربعين، فسبق درهم درهمين.
ويكون السفر كذلك للفرار بالدين: فعندما تجد بلداً يعصى الله فيه وترتكب الفواحش ولا يوجد فيه أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر ولا مجالس علم ولا بيوت آمنة، حينها لك أن تهاجر إلى بلد تشعر فيها بالأمن والأمان.
ومن النوع الثالث كان فرار الصحابة وسفرهم رضوان الله عليهم إلى الحبشة وكان على رأس المهاجرين عثمان بن عفان وزوجه رقية بنت رسول الله، وجعفر بن أبي طالب ابن عم رسول الله، وغيرهم.
стр. 239
من دهاء عمرو بن العاص
أمر الرسول الصحابة بالهجرة إلى الحبشة، أي أنهم هاجروا من أرض كافرة إلى أرض هي أيضاً كذلك، إلا أن المسلم يفر من الأرض لأسباب ثلاثة، قال الإمام الشافعي: سافر تجد عوضاً عمن تفارقه وانصب فإن لذيذ العيش في النصب إني رأيت وقوف الماء يفسده إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب والتبر كالترب ملقى في أماكنه والعود في أرضه نوع من الحطب أي أن عود البخور في أرضه يسمى عوداً، لكنه حين يجلب إلى العطار يسمى بخور، والمياه عندما تقف في مكانها تكون راكدة لكنها حين تجري تكون طيبة، فالإمام الشافعي يشبه موضوع السفر، فيقول: سافر تجد عوضاً عمن تفارقه وانصب فإن لذيذ العيش في النصب فالسفر يكون لثلاثة أسباب: إما سعياً وراء العلم، وممن جسد ذلك من الأئمة الليث بن سعد، فقد ظل يبحث في الأحاديث فاستشكل حديثاً فأخذ يسأل عن الذي رواه؟ فقيل: تلميذ الأشتر النخعي أستاذ أبي حنيفة فقال: أين أجده؟ فقيل: في نجد، فأخذ الراحلة وذهب إلى نجد، وأخذ يسأل أين فلان؟ فقيل: هذه ناقته تجري وجرى وراءها، فلما أدرك الرجل وجده قد ثنى ثوبه يدعو ناقته إلى حجره، فقال له: أفي حجرك شيء؟ قال له: لا، وإنما أوهم الناقة لتأتي، فقال: تكذب على الناقة، حري بك أن تكذب على رسول الله، أنا لست بحاجة إلى حديثك، فرجع إلى مصر مرة أخرى.
ومن الأخطاء الفادحة ما يصنعه الآباء والأمهات من استسهال الكذب على الأطفال، ومواعدتهم بالمواعيد الكاذبة، فيعد أحدهم الطفل بأنه سيعطيه كذا، أو يشتري له كذا، وهو غير عازم حتى على إعطائه أو الشراء له، كل ذلك وهو غافل عن أن الله يكتب كل ذلك كذباً عليه.
سمع الرسول ﷺ امرأة وهي تدعو ابنها وتقول له: تعال أعطيك، فقال لها: (في يدك شيء؟ قالت له: لا، قال: لو لم يكن في يدك شيء لكتبت عليك كذبة)، فلو قلت لابنك: تعال أعطيك، أو: تذهب إلى المدرسة وأعطيك جنيهاً، وأنت لا تريد أن تعطيه فأنت كذاب، وما يزال الرجل يتعود الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً كما ثبت في الحديث.
كما أن الكذاب معرض لمصيبة أخرى، فلو أن كل كذبة قيلت في البلد تنسب إليه حتى وإن لم يكن قالها، فكلما كذبت كذبة قيل: فلان هو الذي قالها.
يذكر أن رجلاً كان يحدث صاحبه فقال له: انظر لا يوجد شيء غريب في الحياة؟ إن أبي يرحمه الله كان يصلي المغرب على شاطئ النيل، فمرت سمكة طويلة، ظلت تمر حتى نام وقام يصلي الفجر ولم يمر ذيلها بعد.
فسكت صاحبه برهة ثم قال له: أما أنا فإن أبي يرحمه الله ذهب إلى الحداد وطلب منه أن يصنع له قدراً قطره ثلاثين متراً -مثل الجامع- فقال الأول: يا لكذبك يا أخي، وهل هناك قدر قطره ثلاثين متراً؟ فأجابه: وأين ستطبخ سمكة أبيك.
وما ينبغي على المسلم هو أن يتحرى الصدق، فالصدق منجاة، ومن الخطأ أن تتوقع أن الكذب سينجيك، ذكر الإمام الغزالي أن رجلاً فر من أعدائه فوجد رجلاً يفتل الليف ويصنع منها الحبال، فقال له أخفني عندك، فقال له: لماذا؟ قال: هناك جماعة يجرون خلفي، فقال له: ادخل تحت كومة الليف هذه، فدخل تحت كومة الليف، فجاء الذين يجرون خلفه، فسألوه أرأيت رجلاً يمر من هنا؟ فقال لهم: نعم، ثم أخذوا يعددون أوصافه وهو يقول: نعم، ثم قال لهم: هو تحت كومة الليف هذه، فظنوا أنه يكذب عليهم واستبعدوا أن يكون متخفياً تحت كومة الليف فتركوه وذهبوا، فلما ذهبوا خرج الرجل من كومة الليف وأمسك بعنق صاحب الليف وقال، أما قلت لك أن تخفيني؟ فقال له: اسكت إن الصدق قد أنجاك، لأنه قال لهم: أنا لم أره، سيحرصون على أن يبحثوا عنه تحت كومة الليف.
تقدم أن السفر يكون لأسباب ثلاثة: إما سفر للعلم أو سفر للسعي على الرزق: فإذا رأيت أن الرزق ضيق في بلد أسافر إلى بلد آخر، لكن المهم أن لا يغير المال من أخلاقي، وأن تكون النية صادقة لله: أوسع على أولادي ولا أنسى حق الله ، ولذلك قال: يا ثعلبة! قليل تشكره خير من كثير لا تطيقه.
وقيل أيضاً: ما قل وكفى خير مما كثر وألهى.
وقيل أيضاً: قليل يكفيك خير من كثير يطغيك، لأن القليل الذي يكفيك وتكون شاكراً أفضل من الكثير.
لأنك لو كان لديك مائة جنيه وأخرجت منها عشرين جنيهاً لله، وآخر لديه مليون جنيه وأخرج عشرين ألفاً، فالأول أنفق الخمس من ماله، والثاني أنفق واحداً من أربعين، فسبق درهم درهمين.
ويكون السفر كذلك للفرار بالدين: فعندما تجد بلداً يعصى الله فيه وترتكب الفواحش ولا يوجد فيه أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر ولا مجالس علم ولا بيوت آمنة، حينها لك أن تهاجر إلى بلد تشعر فيها بالأمن والأمان.
ومن النوع الثالث كان فرار الصحابة وسفرهم رضوان الله عليهم إلى الحبشة وكان على رأس المهاجرين عثمان بن عفان وزوجه رقية بنت رسول الله، وجعفر بن أبي طالب ابن عم رسول الله، وغيرهم.
стр. 240
دهاء عمرو بن العاص في تخلصه من مكيدة هرقل
لما وصلوا إلى أرض الحبشة، تضايقت قريش من هجرتهم فبعثوا وراءهم داهية العرب عمرو بن العاص ليأتي بهم، وكان ذكياً ذكاء خارقاً، ومما يستدل به على دهائه أنه دخل على ملك الروم، وهو أحد قواد الجيش الإسلامي الذي فتح الروم، هو وخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل ومعاوية بن أبي سفيان فلما دخل عمرو، ظن هرقل ملك الروم أن الرجل هو القائد العام للمسلمين لما رأى في عمرو من اللباقة والفطانة والفصاحة، فكلم هرقل من حوله بكلمة لم يفهم عمرو معناها إذ قال: إذا خرج هذا الرجل من باب البلاط فاقتلوه، إلا أن خادماً عربياً عند بلاط هرقل قال لـ عمرو: يا عمرو! كما أحسنت الدخول فأحسن الخروج.
وفي كلام الخادم إلغاز لا يفهمه إلا الدهاة، ومن الإلغاز في الكلام ما حدث لـ موسى بن عبد الله النصيري عندما كان أحد ولاة مصر في زمن أحد خلفاء الدولة العباسية، فغضب الخليفة العباسي على الوالي المصري وأراد قتله، لكنه يريد أن يأتي به إلى بغداد من أجل أن يقضي عليه، إلا أن أحد من في بيت الخليفة أدرك ما يريده الخليفة، فبعث له رسالة كتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم يا موسى إن وختم الرسالة وبعث بها إليه.
فلما فتح موسى الرسالة وجد فيها: يا موسى إن، فاحتار في أمر هذه الرسالة، وكان عنده جارية حافظة القرآن، ففطنت لمعنى الرسالة وقالت له إن صاحبك يريد أن يقول لك: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص:٢٠]، وهو بدوره أرسل رسالة إلى صاحبه كتب فيها: يا موسى إنا، فلما وصلته عرف الرد ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤].
ومثل ذلك قول الخادم لـ عمرو: يا عمرو كما أحسنت الدخول فأحسن الخروج، فرجع عمرو مرة ثانية إلى الملك وقال له: أيها الملك! لي مائة من أصحابي أنا أحد تلامذتهم وأريد أن يشرفوا بلقائك، فاغتر الملك بكلام عمرو وقال في نفسه: بدلاً من قتل واحد نقتل مائة، فأذن له الملك بالذهاب وأمر حاشيته ألا يمسوه بسوء، ونجا عمرو مما كاد له الملك، وهذا شأن المؤمن كيس فطن.
стр. 241
دهاء عمرو بن العاص يفشل أمام جعفر بن أبي طالب في الحبشة
كانت تلك لمحة تدل على دها عمرو أما ما حدث من أمره مع النجاشي فإنه استجلب له هدايا عظيمة فلما دخل عليه قال له: إن قوماً من قومنا خرجوا على دين آبائهم وأجدادهم، واعتصموا بأرضك، وإن كبراء أمتي أرسلوني إليك لكي تعيدهم إلينا.
فاستدعا النجاشي المهاجرين فجاءوا يقدمهم جعفر بن أبي طالب، وكانوا قد اختاروه ليتحدث عنهم، فتكلم جعفر وقال: أيها الملك! كنا قوماً ضلالاً نستحل الحرمات، ونغتصب الأموال، ونسرق، ونرتكب الفواحش، ونقطع الرحم، ونجور في الحق، حتى جاءنا رجل منا لا ننكر نسبه، أمين لا يخون، صادق لا يكذب، يقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، ويصنع كذا وكذا أمرنا بأن نصل الأرحام، وأن نراعي الأيتام، وأن نعطي لكل ذي حق حقه، وأمرنا بعبادة الله وحده لا شريك له، فإن آمنا دخلنا الجنة فاتبعناه.
قال: والله إن ما يقوله هذا وما قاله عيسى يخرج من مشكاة واحدة، أنتم آمنون في أرضي، فانهزم عمرو في الجولة الأولى، فعزم على أن يكيدهم بأشد من كيده الأول فأتى الملك وقال له: أيها الملك! إنهم يقولون في عيسى ومريم كلاماً، -يريد: كلاماً سيئاًَ- فاستدعاهم الملك مرة أخرى ثم قال لهم: ما تقولون في عيسى يا رجل، فقال: إن عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول وروح الله ثم قرأ عليه من سورة مريم، فبكى النجاشي ومن حوله وقال: لا أسلمكم لأحد أبداً، أنتم آمنون في أرضي.
стр. 242
مقاطعة قريش لبني هاشم والمسلمين
وبعد أن هاجر المسلمون إلى الحبشة الهجرة الأولى، قامت قريش بمقاطعة الرسول وأصحابه، وكتبوا صحيفة المقاطعة، ومما ورد فيها: أنهم لا يتاجرون مع أصحاب محمد، ولا يزوجونهم ولا يعطونهم شيئاً، ولا يزورونهم، فدخل الرسول ﷺ وأصحابه في شعب أبي طالب ودخل معهم كل بني هاشم مسلمهم وكافرهم تعصباً لقومهم، ما عدا رجلاً واحد وهو أبو لهب فقد شذ عن قومه وجلس في مكة، ودام مكوثهم بالشعب ثلاث سنين، وكانوا حين كتبوا شروط المقاطعة على صحيفة ألصقوها على جدار الكعبة، فلما طال مكوثهم وألم بهم من الجهد ما ألم، اجتمع ثلاثة من خيار قريش وقالوا: يا معشر قريش! نحن نأكل وبنو هاشم لا يأكلون، ونشرب وهم لا يشربون، ونرعى وهم لا يرعون، هل هذا من حسن الجوار وحسن العشرة، يجب أن نذهب لنقطع ونمزق الصحيفة.
فذهبوا إلى الصحيفة فوجدوا الأرضة وهي: دودة أو حشرة -قد أكلتها وما بقي منها إلا (باسمك اللهم)، خرج الرسول من شعب أبي طالب، ليذهب بعد ذلك إلى الطائف وهناك يكذب في الطائف، وفي طريق عودته يؤمن به الجن ثم يعود إلى مكة فتموت خديجة ويموت أبو طالب فكأن النصير في الأرض ولى عنه، فعندئذ جاءته رحلة الإسراء والمعراج.
وهذا هو موضوع حلقتنا إن شاء الله في الدرس القادم بمشيئة الله.
стр. 243
مسألة
هناك حكم فقهي فيما يتردد على ألسنتنا من قول المسلم لأخيه: في ذمتك حصل، في ذمتك لا أعرف وهو أن الذي يقول للمسلم: في ذمتك، فكفارته قوله: لا إله إلا الله، لأن قوله: في ذمتك، حولتك من مسلم إلى شخص من أهل الذمة نصراني أو يهودي.
فينبغي من الآن ألا تقول لأخيك: في ذمتك، وأن تتكلم مباشرة.
стр. 244
سلسلة مقتطفات من السيرة [١٣]
الصراع بين الحق الباطل سنة كونية منذ امتنع إبليس من السجود لآدم أبي البشر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، والناس في ذلك على ضربين: مؤمن بدعوة الله تعالى وهم القليل على مدار الأزمان، وكافر بالله وبرسله وهم الأكثر، والعاقبة للمتقين.
стр. 245
موقف الكفار من دعوة الرسل
الحمد لله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وآله، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه الحلقة الثالثة عشرة في سلسلة حلقاتنا في الحديث عن السيرة العطرة لسيدنا رسول الله ﷺ .
اللهم اجعل هذه الجلسة خالصة لوجهك الكريم، اللهم ثقل بها موازيننا يوم القيامة، اللهم ثقل بها موازيننا يوم القيامة، اللهم ثقل بها موازيننا يوم القيامة، اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم لا تدع لنا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عيباً إلا سترته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا قصمته، ولا مسافراً إلا رددته غانماً سالماً لأهله، اللهم تب على كل عاص، واهد كل ضال، واشف كل مريض، وارحم كل ميت، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.
كما نسألك يا مولانا أن تشرح صدورنا، اللهم اشرح لنا صدورنا، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، اللهم توفنا على الإسلام، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.
موضوع حلقة درس اليوم إن شاء الله هو: خروج النبي ﷺ إلى الطائف لدعوة أهل الطائف إلى الإسلام ثم رجوعه إلى مكة بعد أن لم يستجب له أهل الطائف، ثم عام الحزن بوفاة السيدة خديجة رضوان الله عليها، ووفاة عمه أبي طالب.
وسوف نتحدث بمشيئة الله عن رحلة الإسراء والمعراج وما فيها من حكم وعبر ودروس مستفادة، فنقول: أهل مكة وقفوا من الدعوة الإسلامية موقف العداء، وهذه سنة الله في خلقه، فإن الصراع الأزلي قائم بين الحق والباطل، وبين أهل الخير وأهل الشر.
وقلنا فيما مضى إنه وإن كان يقع بعض النصر المؤقت لأهل الباطل على أهل الحق، فإنه لا يصيب أهل الحق خوف طالما أنهم يوافقون الكتاب والسنة ويثقون ثقة مطلقة في نصر الله ، فسنة الله لا تتخلف في كونه أبداً؛ لأن القضية في الصراع بين الحق والباطل هو صبر وثبات أهل الحق على الحق، لكن الإنسان الذي لا يصبر لا نصر له، والإنسان السريع في غضبه والمتضايق من المصابرة والمثابرة لا يكون النصر حليفاً له.
ومثال ذلك: سيدنا نوح أول الدعاة على وجه الأرض عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، ومع ذلك كانت زوجه كافرة وابنه كافراً.
فإذا كانت زوجة سيدنا نوح وزوجة سيدنا لوط وابن سيدنا نوح كافرين؛ فلا تيأس من هداية زوجاتنا ولا نقنط من رحمة الله بنا؛ فقد كان عم النبي أبو لهب زوجة عم النبي أم جميل كافرين، وهي أخت أبي سفيان بن حرب وعمة معاوية بن أبي سفيان ومع ذلك لا نيأس من رحمة الله.
وأبو سفيان أتم الله له النعمة بالإسلام، وكذلك خالد بن الوليد أكره الله بالإيمان، وعكرمة بن أبي جهل أتم الله له الإيمان وصار صحابياً من أصحاب الحبيب ﵊، وقد كانوا من ألد أعداء الإسلام ثم هداهم الله، فلا نقنط من رحمة الله؛ لأن سيدنا علياً يقول: سبحانك! قطرة من فيض رضاك تملأ الأرض ريا، ونظرة من عين رضاك تقلب الكافر ولياً.
والماء الذي يصح الوضوء به لا يتغير طعمه ولا لونه ولا ريحه عند وقوع النجاسة فيه إذا كان الماء أكثر من قلتين كما ذكر الفقهاء.
فالماء نعمة مطلقة يجب أن نحمد الله عليها، وهي نعمة لا توازيها أي نعمة أخرى.
وأبو حازم نظر إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد وفي يده كوب من الماء، فقال له: يا أمير المؤمنين! لو منع عنك هذا الكوب من الماء بكم تشتريه؟ قال: بنصف ملكي، قال له: وإذا دخل هذا الماء إلى بطنك فلم يخرج منها فبكم ستخرجه؟ قال: بنصف ملكي الآخر.
قال: تباً لملك لا يساوي كوب ماء.
ومن فضل ربنا علينا أن جعل عضلة تتحكم في البول وتخرجه عندما تأتي الإشارات من المخ وتنبه العضلة على الإفراغ، فالمسلم عندئذ يقول: الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني وأبقى علي ما ينفعني.
стр. 246
حكم من به سلس البول
والذي عنده سلس بول يجب عليه الوضوء عند كل صلاة، فيتوضأ لكل صلاة ويصلي ولو تقاطر منه البول أثناء صلاته ويكملها، وصلاته صحيحة إن شاء الله، وهذا من تيسير الدين.
والمسلم يشكر نعمة الله عندما يرى أشخاصاً عندهم سلس بول أو غيره من الآلام والمصائب.
ولو أعطانا الله النعمة على قدر طلباتنا لما تقدمنا خطوة في الحياة، ولما استطعنا أن نعيش، فالله هو الحكيم بنا العليم بما يصلح حياتنا.
فالله تعالى هو الذي يعطيك القوة البدنية التي تقدر تقعد بها في الشغل ثمان أو عشر ساعات، فاطلب من الله كل يوم أن يديم عليك هذا.
والمؤمن لا يقول عن شيء إنه فاعله غداً إلا أن يشاء الله سبحانه، فلابد من ذكر المشيئة، قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]، فلابد من تقدم المشيئة عن العمل أو الفعل أو القول أو القصد.
العمل الخالي من ذكر المشيئة عمل محكوم عليه بالفشل.
وسيدنا نوح عندما وجد ابنه كافراً قال له: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود:٤٢]، ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ﴾ [هود:٤٣] أي: سأطلع فوق جبل عالي واقعد في أعلاه، ﴿يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود:٤٣] أي: يمنعني عن الغرق، ﴿قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود:٤٣].
وأهل العلم يقفون عند الجملة هذه: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود:٤٣] ويقولون: كل الناس اليوم يعملون عمل ابن نوح، فأحدهم لسان حاله يقول: سآوي إلى جبل عقلي، والآخر: سآوي إلى جبل عزتي سآوي إلى جبل جاهي ومنصبي، ولكن المهم أن تهوي بنفسك إلى رحمة الله وأن تفر من نفسك إلى الله، اللهم اجعلنا من الفارين إليك يا رب العالمين، ومادام أنت فررت من نفسك إلى الله فإنك تكون قد فررت من الركن الضعيف إلى الركن القوي.
وقال تعالى حاكياً عن نبيه لوط: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠]، قال جبريل: يا لوط! قد أويت إلى الركن الشديد، وهو ركن رب العبيد .
وقال تعالى حاكياً عن ابن نوح: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤٣]، فلما استوت السفينة على جبل الجودي تذكر نوح ابنه ولم يتذكر امرأته فقال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود:٤٥].
وقوله تعالى: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤٣] وذلك من أجل ألا يرى سيدنا نوح ابنه وهو يغرق فيحن قلبه على موت كافر.
لذلك فالمسلم لا يحن على موت كافر ولا يصلي عليه ولا يدعو له ولا يقبره في مقابر المسلمين إلى غير ذلك من الأحكام التي ذكرها العلماء.
стр. 247
حكم الإجهاض
وإجهاض الجنين لما دون أربعة شهور حرام؛ لأن الخلية الحية قد تكونت منذ اليوم الأول من الحمل، فالتي أجهضت جنينها في اليوم الأول من الحمل فقد قتلت نفساً بغير حق، وعليها دية، وهي مائة من الإبل إن كان الجنين ذكراً، وخمسون من الإبل إن كان أنثى، أي: ما يعادل خمسين ألف جنيه؛ لأنها استعجلت قدر الله وقضاءه مع أنها لو تركته إلى أن يبلغ الكتاب أجله سوف ينزل من غير تدخل منها وإنما بقضاء الله وقدره.
وهناك احتمال أن الذي كان في بطنها هو الذي سوف يخلص المسلمين من البلاء، أو قد يكون عابداً صالحاً أو طيباً ناجحاً بما يرضي الله أو مدرساً بارعاً يعلم الآلاف من الطلاب أو مخترعاً يخترع قنبلة ذرية نضرب بها إسرائيل، أو قد يكون خليفة المسلمين الذي يجتمع المسلمون عليه، أو زعيماً مسئولاً، المهم أن المسلم لا يستعجل القدر، ولا يظن أن الإجهاض لما دون أربعة أشهر من عمر الجنين أنه جائز.
فالإجهاض حرام منذ اليوم الأول من الحمل ولا يجوز إلا بسبب واحد وهو أن يقول الطبيب المسلم أو الطبيبة المسلمة إن هناك خطراً على حياة الأم أو على حياة الجنين.
ولقد أعجبني أستاذ فاضل حينما سأله سائل فقال له: أنا طبيب أمراض نساء وتيقنت أن الذي في بطن الحامل سوف يخرج متخلفاً عقلياً، فهل يجوز الإجهاض في مثل هذه الحالة؟ قال الأستاذ: نفرض أن طفلاً عمره عشر سنين وهو كفيف لا يرى أبكم لا يتكلم أصم لا يسمع مشلول لا يتحرك فلا يجوز قتله وهو في هذه الحالة، وكذلك لا يجوز قتله لو كان جنيناً حتى ولو ثبت أنه مشوه.
وهذه المسألة فيها خلاف بين الفقهاء، المهم أن هذا الجنين لو خرج من بطن أمه متخلفاً أو معوقاً أو متأخراً إلى آخره، فهذا هو قضاء الله وابتلاؤه الذي سوف يرفعك درجات، وقد يدخلك الجنة عن طريقه أو بسببه.
стр. 248
روابط الصلة بين المؤمنين
وقوله تعالى: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦]، وقراءة ابن عباس: إنه عَمِلَ غيرَ صالح، فلما عمل غير صالح خرجت البنوة والأهلية؛ لأن الأهلية لا تكون إلا بالإسلام وبالعمل الصالح، ورب أخ لك لم تلده أمك، ورب أخ لك في الله تحبه ويحبك ولا تعرف اسمه، قال رسول الله ﷺ : (سلمان منا آل البيت).
إذاً: سلمان مع الحسن والحسين وعلي وفاطمة ﵃ أجمعين.
ولذلك قال ﷺ : (المؤمن مرآة أخيه) أي: مرآة ينظر فيها وجهه، ولذلك قال أحد العلماء لتلاميذه: أنا أريدكم لله وأنتم تريدونني لأنفسكم، فهذا تناقض.
إذاً: المصلحة التي تجمعنا هي قوله ﷺ : (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه).
والحسن البصري ترك قوماً فلم يجالسهم فسئل عن سبب ذلك فقال: لأنهم أناس إن غفلت ما ذكروني، وإن ذكرت ما أعانوني، وإن نصحت غضبوا مني.
فالأخ المسلم لابد له أن يذكر أخاه المسلم بطاعة الله تعالى.
وقالوا: إن العالم أهم للإنسان من أبيه وأمه؛ لأن العالم يقي الإنسان من نار الآخرة بخلاف الأبوين فإنهما لا يهتمان إلا بأمور ولديهما الدنيوية إلا ما رحم الله تعالى.
ويجب على الإنسان أن يكون قدوة صالحة لأهله، قال ﷺ : (وخيركم خيركم لأهله).
(وخير الناس أنفعهم للناس) وأولى الناس بك أهلك، قال تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ٠ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
والمؤمن يرى أن الحق قادم، وأن دولة الباطل ساعة ودولة الحق بلا تحديد، وهي الحياة الأخروية في الجنة دار النعيم تكون لأهل الحق، اللهم اجعلنا من أهل الحق ومن القائمين بالحق ومن القائلين بالحق ومن الذي يقبلون الحق يا أرحم الراحمين! قال النبي ﷺ : (إن الباطل خفيف كخفته يوم القيامة، وإن الحق ثقيل كثقله يوم القيامة) فالباطل في الدنيا خفيف مثل خفته يوم القيامة، والحق ثقيل في الدنيا والآخرة، وما يقبل الحق فينا إلا قلائل.
ذهب النبي ﷺ إلى الطائف يدعوهم إلى كلمة التوحيد، وجو الطائف لطيف؛ لأنه مليء بالبساتين، أما مكة فهي وسط جبال فالحرارة تكون فيها دائماً مكتومة، ومن حكمة الله الجليلة أن جعل البيت الحرام الذي يحج إليه كل عام شديد الحرارة لئلا تعيش فيه الميكروبات والحشرات، فإن درجة الحرارة قد تصل إلى ثلاثين أو أربعين درجة مئوية.
ومع ذلك فإن مليوني حاج يجتمعون في مكان واحد وقد أتوا من كل مكان، وكل واحد منهم يرجع سالماً غانماً، وقد ثبت على مر التاريخ كله أن السماء تمطر مطراً غزيراً بعد موسم الحج بأيام في مكة والمدينة، ومن حكمة ذلك تنظيف أرض الحرمين.
والنبي ﷺ ترك مكة وذهب إلى الطائف ليقول لهم: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، أنا رسول الله إليكم، والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبداً أو النار أبداً).
فعندما تتحجر القلوب لا يفيد الوعظ ولا النصح، فالإيمان مثل التيار الكهربائي مع التلفزيون، فإذا فتح التيار الكهربائي ظهرت الصورة على شاشة التلفزيون، وإذا أغلق التيار انعدمت الصورة، وهكذا الإيمان إذا حصل في القلب ظهرت في الجوارح البشاشة والرفق واللين والرحمة والرضا والثقة في الله والأمن والاستقامة وعدم الخوف، وإذا نزع الإيمان من القلب حصل عدم الرضا وضيق الصدر وعبوس الوجه وتقطيب الجبين، لا يتحمل امرأته وعياله.
стр. 249
قصة سحرة فرعون مع موسى ﵇
فالإيمان عندما يكون في شغاف القلب فإنه يعمل خيراً كبيراً وكثيراً، وقصة سحرة فرعون أكبر شاهد ودليل، وفقد ثبتوا على الحق ولم يخافوا الموت، وقد ذكرت كتب التفسير أنهم كانوا ستين ألف ساحر.
والسحرة في ذلك الزمن بمثابة وزارة الإعلام والصحافة من إذاعة وتلفزيون في زماننا الحاضر.
فقال السحرة لـ فرعون: ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الأعراف:١١٣ - ١١٤] أي: نحن سوف نرقيكم، فأجمعوا أمرهم وقالوا: ﴿يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ [طه:٦٥] أي: من سيرمي الأول، ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ [طه:٦٦] فلما ألقوا رموا الحبال والعصي، فكان ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦].
يقال: إنها كانت عبارة عن أنابيب مثل البلاستيك المطاطة مليئة بزئبق، فعندما رموها إلى الأرض فإن الزئبق لا يستقر في الأنبوبة فيحصل له تمدد مع أشعة الشمس فتتحرك الأنابيب المطاطية وكأنها ثعابين.
قال تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه:٦٧] أي: أن النبي الرسول الكريم خاف منها.
قال تعالى: ﴿قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٨ - ٦٩].
فلما ألقى سيدنا موسى عصاه التقمت كل الحبال والعصي حق الستين ألف ساحر، قال تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف:١١٧]، فالسحرة يفهمون لعبة الحسر، فعندما ألقى موسى عصاه فأكلت حبالهم وعصيهم عرفوا أن هذه آية منعند الله وليست من قبيل السحر، فإذا بالسحرة قد سجدوا لله رب العالمين وآمنوا برب موسى وهارون.
قال تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [الأعراف:١٢٣]، لأنه كان مقتنعاً أنه إله، قال تعالى حاكياً عن قول فرعون: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨].
قال الله : ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه:٧١]، أي: إنه لزعيمكم ورئيسكم الكبير الذي علمكم السحر.
وحجة الطاغية التهديد، فالله هو الجبار القهار القوي وفرعون ضعيف لا يملك لنفسه نفعاً وضراً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، فرد عليه السحرة، قال تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ [طه:٧٢]، أي: لن نفضلك على ما جاءنا من أمور العقيدة الواضحة.
قال تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢]، أي: الذي تريد أن تعمله فأعمله، ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٢ - ٧٣] فجعل الله تعالى تدمير فرعون في تدبيره.
стр. 250
قصة الغلام المؤمن
ويروى أن هنالك ملكاً كان لديه ساحر مسن، فطلب من الملك أن يحضر إليه أذكى غلام في البلاد لكي يعلمه السحر، فأحضروا له غلاماً ذكياً، فكان يتردد إلى الساحر، وفي طريقه إلى الساحر كان هنالك راهب فتعلم منه الغلام الإيمان والعقيدة حتى عرف بالطبيب.
وكان للملك وزير أعمى فقال له الغلام: إنني لا أستطيع أن أرد إليك بصرك إلا إذا آمنت بالله رب العالمين لا شريك له فآمن الوزير بالله تعالى، حتى علم الملك بذلك فأحضر الغلام فأخبره بما جرى بينه وبين الوزير فقال له الغلام: ربي وربك الله، فقال الملك خذوه في مركب فإذا كنتم في وسط البحر فألقوه فيه، فلما توسطوا به في البحر قال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت وكيف شئت، فاضطرب القارب بما فيه فانقلبوا في وسط البحر ورجع الغلام المؤمن إلى الملك سالماً غانماً، فقال له الملك: من الذي أنجاك؟ قال الله رب العالمين.
فقال الملك: خذوه إلى أعلى جبل وارموه منه، فلما وصلوا به إلى قمة الجبل قال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت، فاهتز الجبل فسقطوا منه إلا الغلام، فعاد سائراً على قدميه إلى الملك.
ثم قال له: أيها الملك إنك لن تستطيع أن تسلط عليّ إلا أن تجمع الناس في صعيد واحد، وتأخذ سهماً من كنانتي وتقول: باسم الله رب هذا الغلام فترميني به فسأموت حينئذ.
فجمع الناس في صعيد واحد وربط الغلام على شجرة وأخذ من كنانته ووضعه في القوس وقال: باسم الله رب هذا الغلام، فألقي الغلام صريعاً، فقال الناس جميعاً: آمنا بالله رب الغلام.
فحفر أخدوداً في الأرض وأضرم فيه النيران ورمى فيه كل موحد، قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٤ - ٨].
وكانت هنالك امرأة ومعها ابن صغير لها فخافت على ابنها من النار فتلكأت وتلعثمت، فإذا بالولد ينطق بلسان واضح: يا أماه اثبتي إنك على الحق وأنه لا إله إلا الله، فرمت بنفسها وابنها في النار.
فيجب على المؤمن أن يثبت على لا إله إلا الله، وأن يكون دائماً متصلاً بالله وواثقاً برحمة الله وعارفاً أن فضل الله واسع.
следующие страницы →