← Сира

Сира · id 37043

مقتطفات من السيرة

عمر عبد الكافي

Полный текст (588 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

حكم من به سلس البول والذي عنده سلس بول يجب عليه الوضوء عند كل صلاة، فيتوضأ لكل صلاة ويصلي ولو تقاطر منه البول أثناء صلاته ويكملها، وصلاته صحيحة إن شاء الله، وهذا من تيسير الدين. والمسلم يشكر نعمة الله عندما يرى أشخاصاً عندهم سلس بول أو غيره من الآلام والمصائب. ولو أعطانا الله النعمة على قدر طلباتنا لما تقدمنا خطوة في الحياة، ولما استطعنا أن نعيش، فالله هو الحكيم بنا العليم بما يصلح حياتنا. فالله تعالى هو الذي يعطيك القوة البدنية التي تقدر تقعد بها في الشغل ثمان أو عشر ساعات، فاطلب من الله كل يوم أن يديم عليك هذا. والمؤمن لا يقول عن شيء إنه فاعله غداً إلا أن يشاء الله سبحانه، فلابد من ذكر المشيئة، قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]، فلابد من تقدم المشيئة عن العمل أو الفعل أو القول أو القصد. العمل الخالي من ذكر المشيئة عمل محكوم عليه بالفشل. وسيدنا نوح عندما وجد ابنه كافراً قال له: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود:٤٢]، ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ﴾ [هود:٤٣] أي: سأطلع فوق جبل عالي واقعد في أعلاه، ﴿يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود:٤٣] أي: يمنعني عن الغرق، ﴿قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود:٤٣]. وأهل العلم يقفون عند الجملة هذه: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود:٤٣] ويقولون: كل الناس اليوم يعملون عمل ابن نوح، فأحدهم لسان حاله يقول: سآوي إلى جبل عقلي، والآخر: سآوي إلى جبل عزتي سآوي إلى جبل جاهي ومنصبي، ولكن المهم أن تهوي بنفسك إلى رحمة الله وأن تفر من نفسك إلى الله، اللهم اجعلنا من الفارين إليك يا رب العالمين، ومادام أنت فررت من نفسك إلى الله فإنك تكون قد فررت من الركن الضعيف إلى الركن القوي. وقال تعالى حاكياً عن نبيه لوط: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠]، قال جبريل: يا لوط! قد أويت إلى الركن الشديد، وهو ركن رب العبيد . وقال تعالى حاكياً عن ابن نوح: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤٣]، فلما استوت السفينة على جبل الجودي تذكر نوح ابنه ولم يتذكر امرأته فقال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود:٤٥]. وقوله تعالى: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤٣] وذلك من أجل ألا يرى سيدنا نوح ابنه وهو يغرق فيحن قلبه على موت كافر. لذلك فالمسلم لا يحن على موت كافر ولا يصلي عليه ولا يدعو له ولا يقبره في مقابر المسلمين إلى غير ذلك من الأحكام التي ذكرها العلماء.

стр. 247

حكم الإجهاض وإجهاض الجنين لما دون أربعة شهور حرام؛ لأن الخلية الحية قد تكونت منذ اليوم الأول من الحمل، فالتي أجهضت جنينها في اليوم الأول من الحمل فقد قتلت نفساً بغير حق، وعليها دية، وهي مائة من الإبل إن كان الجنين ذكراً، وخمسون من الإبل إن كان أنثى، أي: ما يعادل خمسين ألف جنيه؛ لأنها استعجلت قدر الله وقضاءه مع أنها لو تركته إلى أن يبلغ الكتاب أجله سوف ينزل من غير تدخل منها وإنما بقضاء الله وقدره. وهناك احتمال أن الذي كان في بطنها هو الذي سوف يخلص المسلمين من البلاء، أو قد يكون عابداً صالحاً أو طيباً ناجحاً بما يرضي الله أو مدرساً بارعاً يعلم الآلاف من الطلاب أو مخترعاً يخترع قنبلة ذرية نضرب بها إسرائيل، أو قد يكون خليفة المسلمين الذي يجتمع المسلمون عليه، أو زعيماً مسئولاً، المهم أن المسلم لا يستعجل القدر، ولا يظن أن الإجهاض لما دون أربعة أشهر من عمر الجنين أنه جائز. فالإجهاض حرام منذ اليوم الأول من الحمل ولا يجوز إلا بسبب واحد وهو أن يقول الطبيب المسلم أو الطبيبة المسلمة إن هناك خطراً على حياة الأم أو على حياة الجنين. ولقد أعجبني أستاذ فاضل حينما سأله سائل فقال له: أنا طبيب أمراض نساء وتيقنت أن الذي في بطن الحامل سوف يخرج متخلفاً عقلياً، فهل يجوز الإجهاض في مثل هذه الحالة؟ قال الأستاذ: نفرض أن طفلاً عمره عشر سنين وهو كفيف لا يرى أبكم لا يتكلم أصم لا يسمع مشلول لا يتحرك فلا يجوز قتله وهو في هذه الحالة، وكذلك لا يجوز قتله لو كان جنيناً حتى ولو ثبت أنه مشوه. وهذه المسألة فيها خلاف بين الفقهاء، المهم أن هذا الجنين لو خرج من بطن أمه متخلفاً أو معوقاً أو متأخراً إلى آخره، فهذا هو قضاء الله وابتلاؤه الذي سوف يرفعك درجات، وقد يدخلك الجنة عن طريقه أو بسببه.

стр. 248

روابط الصلة بين المؤمنين وقوله تعالى: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦]، وقراءة ابن عباس: إنه عَمِلَ غيرَ صالح، فلما عمل غير صالح خرجت البنوة والأهلية؛ لأن الأهلية لا تكون إلا بالإسلام وبالعمل الصالح، ورب أخ لك لم تلده أمك، ورب أخ لك في الله تحبه ويحبك ولا تعرف اسمه، قال رسول الله ﷺ : (سلمان منا آل البيت). إذاً: سلمان مع الحسن والحسين وعلي وفاطمة ﵃ أجمعين. ولذلك قال ﷺ : (المؤمن مرآة أخيه) أي: مرآة ينظر فيها وجهه، ولذلك قال أحد العلماء لتلاميذه: أنا أريدكم لله وأنتم تريدونني لأنفسكم، فهذا تناقض. إذاً: المصلحة التي تجمعنا هي قوله ﷺ : (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه). والحسن البصري ترك قوماً فلم يجالسهم فسئل عن سبب ذلك فقال: لأنهم أناس إن غفلت ما ذكروني، وإن ذكرت ما أعانوني، وإن نصحت غضبوا مني. فالأخ المسلم لابد له أن يذكر أخاه المسلم بطاعة الله تعالى. وقالوا: إن العالم أهم للإنسان من أبيه وأمه؛ لأن العالم يقي الإنسان من نار الآخرة بخلاف الأبوين فإنهما لا يهتمان إلا بأمور ولديهما الدنيوية إلا ما رحم الله تعالى. ويجب على الإنسان أن يكون قدوة صالحة لأهله، قال ﷺ : (وخيركم خيركم لأهله). (وخير الناس أنفعهم للناس) وأولى الناس بك أهلك، قال تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ٠ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. والمؤمن يرى أن الحق قادم، وأن دولة الباطل ساعة ودولة الحق بلا تحديد، وهي الحياة الأخروية في الجنة دار النعيم تكون لأهل الحق، اللهم اجعلنا من أهل الحق ومن القائمين بالحق ومن القائلين بالحق ومن الذي يقبلون الحق يا أرحم الراحمين! قال النبي ﷺ : (إن الباطل خفيف كخفته يوم القيامة، وإن الحق ثقيل كثقله يوم القيامة) فالباطل في الدنيا خفيف مثل خفته يوم القيامة، والحق ثقيل في الدنيا والآخرة، وما يقبل الحق فينا إلا قلائل. ذهب النبي ﷺ إلى الطائف يدعوهم إلى كلمة التوحيد، وجو الطائف لطيف؛ لأنه مليء بالبساتين، أما مكة فهي وسط جبال فالحرارة تكون فيها دائماً مكتومة، ومن حكمة الله الجليلة أن جعل البيت الحرام الذي يحج إليه كل عام شديد الحرارة لئلا تعيش فيه الميكروبات والحشرات، فإن درجة الحرارة قد تصل إلى ثلاثين أو أربعين درجة مئوية. ومع ذلك فإن مليوني حاج يجتمعون في مكان واحد وقد أتوا من كل مكان، وكل واحد منهم يرجع سالماً غانماً، وقد ثبت على مر التاريخ كله أن السماء تمطر مطراً غزيراً بعد موسم الحج بأيام في مكة والمدينة، ومن حكمة ذلك تنظيف أرض الحرمين. والنبي ﷺ ترك مكة وذهب إلى الطائف ليقول لهم: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، أنا رسول الله إليكم، والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبداً أو النار أبداً). فعندما تتحجر القلوب لا يفيد الوعظ ولا النصح، فالإيمان مثل التيار الكهربائي مع التلفزيون، فإذا فتح التيار الكهربائي ظهرت الصورة على شاشة التلفزيون، وإذا أغلق التيار انعدمت الصورة، وهكذا الإيمان إذا حصل في القلب ظهرت في الجوارح البشاشة والرفق واللين والرحمة والرضا والثقة في الله والأمن والاستقامة وعدم الخوف، وإذا نزع الإيمان من القلب حصل عدم الرضا وضيق الصدر وعبوس الوجه وتقطيب الجبين، لا يتحمل امرأته وعياله.

стр. 249

قصة سحرة فرعون مع موسى ﵇ فالإيمان عندما يكون في شغاف القلب فإنه يعمل خيراً كبيراً وكثيراً، وقصة سحرة فرعون أكبر شاهد ودليل، وفقد ثبتوا على الحق ولم يخافوا الموت، وقد ذكرت كتب التفسير أنهم كانوا ستين ألف ساحر. والسحرة في ذلك الزمن بمثابة وزارة الإعلام والصحافة من إذاعة وتلفزيون في زماننا الحاضر. فقال السحرة لـ فرعون: ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الأعراف:١١٣ - ١١٤] أي: نحن سوف نرقيكم، فأجمعوا أمرهم وقالوا: ﴿يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ [طه:٦٥] أي: من سيرمي الأول، ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ [طه:٦٦] فلما ألقوا رموا الحبال والعصي، فكان ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦]. يقال: إنها كانت عبارة عن أنابيب مثل البلاستيك المطاطة مليئة بزئبق، فعندما رموها إلى الأرض فإن الزئبق لا يستقر في الأنبوبة فيحصل له تمدد مع أشعة الشمس فتتحرك الأنابيب المطاطية وكأنها ثعابين. قال تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه:٦٧] أي: أن النبي الرسول الكريم خاف منها. قال تعالى: ﴿قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٨ - ٦٩]. فلما ألقى سيدنا موسى عصاه التقمت كل الحبال والعصي حق الستين ألف ساحر، قال تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف:١١٧]، فالسحرة يفهمون لعبة الحسر، فعندما ألقى موسى عصاه فأكلت حبالهم وعصيهم عرفوا أن هذه آية منعند الله وليست من قبيل السحر، فإذا بالسحرة قد سجدوا لله رب العالمين وآمنوا برب موسى وهارون. قال تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [الأعراف:١٢٣]، لأنه كان مقتنعاً أنه إله، قال تعالى حاكياً عن قول فرعون: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]. قال الله : ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه:٧١]، أي: إنه لزعيمكم ورئيسكم الكبير الذي علمكم السحر. وحجة الطاغية التهديد، فالله هو الجبار القهار القوي وفرعون ضعيف لا يملك لنفسه نفعاً وضراً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، فرد عليه السحرة، قال تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ [طه:٧٢]، أي: لن نفضلك على ما جاءنا من أمور العقيدة الواضحة. قال تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢]، أي: الذي تريد أن تعمله فأعمله، ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٢ - ٧٣] فجعل الله تعالى تدمير فرعون في تدبيره.

стр. 250

قصة الغلام المؤمن ويروى أن هنالك ملكاً كان لديه ساحر مسن، فطلب من الملك أن يحضر إليه أذكى غلام في البلاد لكي يعلمه السحر، فأحضروا له غلاماً ذكياً، فكان يتردد إلى الساحر، وفي طريقه إلى الساحر كان هنالك راهب فتعلم منه الغلام الإيمان والعقيدة حتى عرف بالطبيب. وكان للملك وزير أعمى فقال له الغلام: إنني لا أستطيع أن أرد إليك بصرك إلا إذا آمنت بالله رب العالمين لا شريك له فآمن الوزير بالله تعالى، حتى علم الملك بذلك فأحضر الغلام فأخبره بما جرى بينه وبين الوزير فقال له الغلام: ربي وربك الله، فقال الملك خذوه في مركب فإذا كنتم في وسط البحر فألقوه فيه، فلما توسطوا به في البحر قال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت وكيف شئت، فاضطرب القارب بما فيه فانقلبوا في وسط البحر ورجع الغلام المؤمن إلى الملك سالماً غانماً، فقال له الملك: من الذي أنجاك؟ قال الله رب العالمين. فقال الملك: خذوه إلى أعلى جبل وارموه منه، فلما وصلوا به إلى قمة الجبل قال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت، فاهتز الجبل فسقطوا منه إلا الغلام، فعاد سائراً على قدميه إلى الملك. ثم قال له: أيها الملك إنك لن تستطيع أن تسلط عليّ إلا أن تجمع الناس في صعيد واحد، وتأخذ سهماً من كنانتي وتقول: باسم الله رب هذا الغلام فترميني به فسأموت حينئذ. فجمع الناس في صعيد واحد وربط الغلام على شجرة وأخذ من كنانته ووضعه في القوس وقال: باسم الله رب هذا الغلام، فألقي الغلام صريعاً، فقال الناس جميعاً: آمنا بالله رب الغلام. فحفر أخدوداً في الأرض وأضرم فيه النيران ورمى فيه كل موحد، قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٤ - ٨]. وكانت هنالك امرأة ومعها ابن صغير لها فخافت على ابنها من النار فتلكأت وتلعثمت، فإذا بالولد ينطق بلسان واضح: يا أماه اثبتي إنك على الحق وأنه لا إله إلا الله، فرمت بنفسها وابنها في النار. فيجب على المؤمن أن يثبت على لا إله إلا الله، وأن يكون دائماً متصلاً بالله وواثقاً برحمة الله وعارفاً أن فضل الله واسع.

стр. 251

دعوة النبي في الطائف ذهب النبي ﷺ إلى الطائف، فرفضوا الإيمان به، فأخرجوا صبيانهم وغلمانهم ومجانينهم وخدمهم ليقذفوا الرسول ﷺ بالحجارة، وزيد بن حارثة ﵁ كان معه يحميه من كل اتجاه حتى سالت قدما رسول الله الشريفتان بدماء غزيرة. فسيدنا زيد قال له: يا رسول الله! استرح في ظل هذا البستان، وكان صاحب البستان ابني ربيعة فتحركت له رحمهما، فبعثا مع خادم لهما قطفاً في طبق من عنب، وهذا الخادم يدعى عداساً، فقرب العنب بين يدي رسول الله فقال: (باسم الله، اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وارزقنا خيراً منه) هكذا كان يدعو رسول الله ﷺ عند الطعام. فسمع عداس هذه العبارة وما سمع بها قط في الطائف؛ لأن الطائف كانت مركز اللات الذي هو الصنم الكبير في الجزيرة، كما أن مركز هبل كان في مكة، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠] فقال عداس: (والله! إن هذا لكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله: ومن أي البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟ قال: أنا نصراني من نينوى -وهي في شمال العراق- فقال له رسول الله ﷺ : من بلد العبد الصالح يونس بن متى؟ قال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ قال رسول الله ﷺ : ذاك أخي كان نبياً وأنا نبي، فأكب عداس على رسول الله ﷺ يقبل رأسه ويديه وقدميه). ثم وضع الحبيب المصطفى ﷺ ظهره إلى جدار البستان فقال: (اللهم أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أضاءت له السماء والأرض، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل بي سخطك، لك الحمد حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك). فترتج السماء لهذا الدعاء فينزل ملك الجبال ويقرئه من الله السلام، ويقول له: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت، والمراد بهما جبلي مكة والطائف، فقال رسول الله: يا ملك الجبال! لا تفعل عسى رب العباد أن يخرج من أصلابهم من يقول: لا إله إلا الله. ثم رجع النبي ﷺ مع زيد بن حارثة إلى مكة، فكان رسول الله يقرأ سورة الرحمن ويسمع زيد بن حارثة، ثم يقول له: (يا زيد! إن الله ناصر دينه ورسوله)، وإذا به يعلم بعد ذلك أن الجن قد آمنت به، فإذا كان قد كذبه الأنس فقد صدقه الجن. ولما أراد أن يدخل إلى مكة، وقف الكفار على مداخل مكة ليمنعوه من الدخول، فأرسل إلى الأخنس بن شريق لكي يجيره ويكون في حمايته فرفض، ثم بعض إلى سهيل بن عمرو ثم إلى المطعم بن عدي وكان أحد عظماء مكة وكان كافراً فرضي، فجاء بأبنائه السبعة يحملون سيوفهم ويحيطون برسول الله. إن الله ليؤيد هذا الدين برجال لا خلاق لهم، فربنا له جنود لا يعملهم إلا هو. فجاء المطعم بن عدي بأبنائه يحيطون برسول الله ﷺ ، فطاف حول البيت سبعاً، ثم بات في بيت المطعم ثم رد عليه جواره. ثم ماتت خديجة ﵂ الزوجة الصالحة التي هي عبارة عن أم كان النبي ﷺ يستند إليها، والتي كانت الصدر الحنون للنبي ﷺ ، فقد كان رسول الله عندما يذبح ذبيحة يقول: (أرسلوا إلى صويحبات خديجة). ورحب مرة بامرأة عجوز، فسئل عنها فقال: (لقد كانت تزورنا أيام خديجة). وهذا من وفاء النبي ﷺ لبني جنسه، بل للمخلوقات الأخرى كالجذع الذي كان يخطب بجانبه، وعندما صعد جبل أحد ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فيهتز أحد فيقول له: (اثبت أحد فإنما فوقك نبي وصديق وشهيدان). وكان يقول: (أحد جبل يحبنا ونحبه)، فبذل الحب لجبل أحد لأن فيه أحبابه دفنوا فيه؛ وهم شهداء غزوة أحد. وشكا الجمل إلى النبي ﷺ ، فقال ﵊: (من الذي ينضح بهذا البعير؟ قال شاب من الأنصار: أنا يا رسول الله، قال: أحسن إلى بعيرك فإنه يشكو إليّ أنك تحمله فوق طاقته). اتقوا الله في البهائم العجماء فإن في كل كبد رطب أجراً عند الله .

стр. 252

حادثة الإسراء والمعراج تموت خديجة ويموت أبو طالب فيزداد تكذيب أهل مكة وإيذاؤهم للنبي ﷺ ، فبعد رجوعه من الطائف إلى مكة منعه أهل مكة من الدخول إليهم، وبعدما مات أبو طالب ودفن، جاء جبريل إلى رسول الله فقال له: يقرئك ربك السلام، وأنه يستضيفك هذه الليلة في سمائه. وهذا من أجل أن تتعادل القوى، ويحصل شرح وتثبيت لسيدنا الحبيب ﷺ ؛ لأن الأحداث متلاحقة والدعوة تريد قوة. فجاء جبريل ومعه البراق وهو أكبر من الحمار ودون البغل، قريب من الحصان، سمي البراق بهذا الاسم لأنه كالبرق في سرعته، يضع حافره آخر ما يقع عليه نظره، فسرى به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدم لما خطرت به التفوا بسيدهم كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم صلى وراءك منهم كل ذي خطر ومن يفز بحبيب الله يأتمم فدخل رسول الله ﷺ المسجد الأقصى فرأى الأنبياء وقوفاً صفاً صفاً لاستقباله ﷺ ، وهل صلى هؤلاء الأنبياء بأرواحهم أم بأجسادهم؟ فلا يعلم كيفية ذلك إلا الله. ووقف الحبيب المصطفى تواضعاً في الصف، فإذا بجبريل يأخذ بيد الحبيب ويقدمه عليهم ليصلي بهم؛ لأنه خاتمهم وسيد الخلق وحبيب الله. وفي هذا إعلان واضح وعام وشامل بمكانة الحبيب، فصلى بهم ركعتين على ملة إبراهيم ﵊، مع أن أباه إبراهيم موجود، ثم عرج به إلى السماء السابعة، وكان لكل سماء لون ومادة تختلف عن مادة ولو السماء الأخرى. وفي رواية البخاري أن جبريل طرق باب السماء الأولى، فقيل له: من؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، فرحب به أهل السماء، يعني: إذا كنت يا محمد! قد كفر بك بعض الإنس فقد آمن بك الجن، وإن كنت مكذباً في الأرض فأنت مصدق في السماء، فدخل النبي ﷺ فرأى أبا البشر آدم فرحب به فقال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد إلى السماء الثانية فرأى سيدنا إدريس ثم صعد إلى السماء الرابعة فرأى الكريم ابن الكريم ابن الكريم سيدنا يوسف بن يعقوب بن إبراهيم، ثم صعد إلى السماء الخامسة فرأى سيدنا نوحاً فقال له: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، ثم صعد إلى السماء السادسة فرأى سيدنا موسى، ثم صعد إلى السماء السابعة فوجد أباه خليل الله إبراهيم ﵇ فقال له: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح، بلغ أمتك مني السلام، وقل لهم: إن الجنة عذب ماؤها، حصباؤها اللؤلؤ، وغرسها سبحان الله والحمد لله. أقول: غمسة واحدة في الجنة تنسيك آلام الدنيا ومتاعبها ومصائبها. ثم صعد النبي ﵊ من السماء السابعة إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها -أي: حملها وثمرها- كقلال هجر، وهي عبارة عن جرار مصنوعة من الفخار، وأوراقها كآذان الفيلة، فتأخر جبريل وقال له: وما منا إلا له مقام معلوم، تقدم أنت فلو تقدمت لاحترقت، لأن جبريل مخلوق من نور، فتقدم النبي ﷺ خطوات فإذا ببرد وسلام فعلم أنه على بساط حظيرة القدس. والله لا يحيط به مكان ولا زمان، وكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك. قال رجل لـ أبي حنيفة: أنا لا أومن إلا بشيء أراه، فأخذه أبو حنيفة حتى أوصله إلى شاطئ نهر الفرات، وأنهار الجنة أربعة: نهران باطنان منبعهما الجنة ونهران في الدنيا: النيل والفرات، فحفر حفرة صغيرة في الشاطئ، وطلب من الرجل أن ينقل ماء النهر بكامله إلى وسط تلك الحفرة، فقال الرجل: أيعقل أن ينقل كل ماء النهر في هذه الحفرة؟ فقال أبو حنيفة: فهل يعقل بعقلك الصغير أن ترى الله ؟ فلما علم الحبيب أنه في حضرة الله أسرع بخلع نعليه كما صنع كليم الله موسى عندما كان في الوادي المقدس طوى، فقيل له: لا تخلع نعليك، فتلعثم النبي ﷺ في الكلام فألهمه الله فقال: التحيات لله والصلوات والطيبات، فقال الله : السلام عليك أيها النبي ورحمته وبركاته، فقال الملائكة أدباً: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فضجت ملائكة السماء وملائكة الأرض: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. وقدم جبريل للنبي ﷺ ثلاثة أكواب: كوباً من العسل وكوباً من الماء وكوباً من اللبن، فشرب اللبن فقال جبريل: هديت أمتك على الفطرة، ورأى النبي ﷺ المغتابين والنمامين والمرابين وهم يعذبون، ورأى الذين يفعلون الخير والذي يجاهدون في سبيل الله.

стр. 253

أسرار الصلاة والصلاة فيها أسرار، فأول ما يسأل العبد يوم القيامة عن صلاته، فإذا صلحت صلح باقي العمل وإن وجدت ناقصة ردت، وعندما يسمع المسلم المنادي يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح يستشعر ويجيب النداء، النداء يوم القيامة: يا فلان بن فلان: فيقول نعم يا رب! إذاً: في كل أذان تتذكر نداء الله عليك يوم القيامة، و (حي) بمعنى: تعالى وهلم وأسرع. وقبل أن يدخل المسلم في الصلاة فإن عليه أن يتوضأ، والوضوء هو طهارة الظاهر والباطن، فطهارة الباطن تطهير القلب، وطهارة الظاهر تطهير أعضاء الوضوء المعروفة، ثم بعد ذلك لا يتم الدخول في الصلاة إلا بتكبيرة الإحرام فتقول: الله أكبر، أي: أن ذكر الله أكبر من كل شيء مما سواه. فمن قال: الله أكبر وهو يفكر في الزوجة والولد، والمال والدنيا والوظيفة والمركز والانتخابات والترشيح والكلام الفاضي، يقال له: كذبت يا عبدي فلست أكبر شيء عندك، وكيف سيكون حاله وهو بين يدي الله ويقال له: كذبت يا عبدي! ثم بعد تكبيرة الإحرام يأتي بدعاء الاستفتاح وهو: سبحانك اللهم وبحمدك وتعالى جدك وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا الله غيرك، ولا حول ولا قوة إلا بك، وجهت وجهي إليك، وألجأت ظهري إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت، ثم يأتي بالاستعاذة، وهي قوله: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. نقول جميعاً: تبنا إلى الله، ورجعنا إلى الله، وندمنا على ما فعلنا، وعزمنا عزماً أكيداً على أننا لا نخالف أمراً من أمور الله، وبرئنا من كل دين يخالف دين الإسلام، والله على ما نقول وكيل. اللهم اشف كل مريض، اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين، اللهم تب على كل عاص واهد كل ضال وارحم كل ميت، اللهم فك كرب المكروبين، اللهم انصر المجاهدين، واختم لنا منك بخاتمة السعادة أجمعين، اطرد عن بيوتنا شياطين الإنس والجن، وانزع من قلوبنا الغل والحقد والحسد، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، اللهم إنا نسألك حبك وحب من أحبك وحب كل عمل يقربنا إلى حبك، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. جزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 254

سلسلة مقتطفات من السيرة [١٤] أمر الله بإقام الصلاة، وأوجب على العبد أن يتطهر استعداداً لها، فيدخل المسلم الصلاة وهو طاهر البدن والمكان من النجاسة، وطاهر القلب من الحقد والبغضاء والشحناء، وطاهر الجوارح من المعاصي والآثام، فإذا صلى العبد وهو على هذا الحال صار نقياً من الأنجاس الحسية والمعنوية، فيقبل الله صلاته ويرتفع بها درجات.

стр. 255

أنواع الطهارة أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده، وصلاةً وسلاماً على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه هي الحلقة الرابعة عشرة في سلسلة حديثنا عن السيرة العطرة على صاحبها أفضل الصلوات وأزكى التسليمات، من رب الأرض والسماوات، وهي الحلقة الخاصة بموضوع الصلاة كما وعدنا يوم الإثنين الماضي، حيث تعرضنا في سلسلة السيرة العطرة للرحلة العظيمة - رحلة الإسراء والمعراج - لسيدنا رسول الله ﷺ ، وقلنا: إننا لن نتعرض لما جاء في الكتب من تفصيلات ربما لا ترقى إلى مستوى الصحة، ولكن توقفنا عند الأمر بالصلاة الذي يرينا مكانة الصلاة في الإسلام، ومكانة الصلاة للمسلم، ومنزلة الصلاة بالنسبة لأركان الدين، فهي عماد الدين، من أقامها أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين. وفي بداية هذه الجلسة الطيبة ندعو الله عسى أن تكون ساعة من ساعات الإجابة، اللهم اجعل هذه الجلسة خالصة لوجهك الكريم، اللهم ثقل بها موازيننا يوم القيامة، اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل يا ربنا بيننا شقياً ولا محروماً. اللهم تب على كل عاصٍ، واهد كل ضال، واشف كل مريض، وارحم كل ميت، وانصر كل مظلوم، واقصم ظهر كل ظالم، اللهم اغفر لنا وارحمنا، وعافنا واعف عنا، وسامحنا وتقبل منا، صلنا بك يا ربنا ولا تقطعنا عنك، اللهم صلنا بك ولا تقطعنا عنك، اللهم صلنا بك ولا تقطعنا عنك. اللهم وكما رزقتنا الإسلام بدون أن نسألك اللهم فارزقنا الجنة ونحن نسألك، اللهم ارزقنا الجنة ونحن نسألك، وارزقنا الجنة بدون سابقة عذاب، اللهم زحزحنا عن النار وعما قرب إليها من قول أو عمل، وقربنا يا مولانا من الجنة، وما قرب إليها من قول أو عمل، إنك يا مولانا على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير، وصلى الله وسلم وبارك على البشير النذير، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. الحديث عن الصلاة حديث يستمد أهميته من مكانة الصلاة في الإسلام، وإذا أردت أن تدخل في الصلاة فلا بد لك من ثلاثة شروط، وتسمى شروط صحة، وهي: طهارة البدن، والثوب، والمكان. مسألة طهارة البدن سهلة؛ لأن الطهارة أنواع أربعة: أولاً: طهارة البدن من الأنجاس. ثانياً: طهارة الجوارح من المعاصي. ثالثاً: طهارة القلوب من الآثام والتفكر فيها. رابعاً: طهارة الباطن مما سوى الله ، وهي طهارة الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.

стр. 256

أهمية إقامة الحكم بشريعة الله قال ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم: (لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة)، يعني: الإسلام سينتهي حلقة حلقة (أولها نقضاً الحكم وآخرها الصلاة). الحكم بكتاب الله وبسنة الحبيب ﷺ قد انتهى أمره، فأول شيء ينتقض في الإسلام وينتهي هو الحكم، بشريعة الله، فهذا أول ما يضيعه المسلمون للأسف! تسمع عن شخص قبضوا عليه له ستة وأربعون سرقة، مع أنه لو سرق مرة واحدة قطعت يده، فإذا سرق مرة أخرى تقطع له رجله، فإذا سرق مرة ثالثة تقطع له يده الثانية، ثم تقطع رجله الثانية، فإن سرق مرة أخرى فللحاكم أو الوالي أن يرى ما يراه؛ لأن هذا مفسد في الأرض. فالله لا يفضح العبد من أول مرة، فمن كرمه سبحانه أنه لا يفضحك في الذنب من أول مرة، فمن ستر الله عليك أنه يسترك مرة ومرة ومرة ومرات، لكن إن تبجحت وتماديت كشفك رب العباد سبحانه؛ ولذلك قال ﷺ : (لا تتبعوا عورات المسلمين فتفضحوهم، فمن تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته وفضحه ولو في جوف بيته). يعني: إذا كانت عيناك تراقب عيوب الناس وتطلعان على عورات الناس وتبحثان عن المثالب والمعايب عند الناس فإن الله يتتبع عورتك، وإذا تتبع الله عورتك فضحك داخل بيتك؛ ولذلك الإمام الشاطبي ﵁ كان يقول: عفوا تعف نساؤكم في المحرم وتجنبوا ما لا يليق بمسلم من يزن في بيت بألفي درهم في بيته يزن بربع الدرهم إن الزنا دين فإن أقرضته كان القضا من أهل بيتك فاعلم من يزن يزن به ولو بجداره إن كنت يا هذا لبيباً فافهم فأنت إذا نظرت إلى عورات ومحارم الناس يسلط الله عليك من ينظر إلى محارمك، فلو نظرت أنت إلى محارم الناس ماذا أخذت منهم؟! ولو نظر هؤلاء الناس الذين نظرت إلى محارمهم أو خضت في عوراتهم بعينيك فماذا أبقوا لك؟! فإذا كنت تنهش في عرض الناس فكل الناس ينهشون في عرضك، وإذا كنت تعير بالذنب أخاك فإن الله يعافيه ويبتليك. ولقد ثبت أن امرأة حلفت بالله أنها كانت تزور قريبتها، وعند قريبتها ولد فيه مرض -نسأل الله أن يعافي مرضانا ومرضى المسلمين- فأقسمت هذه المسلمة بالله أنها كلما كانت تذهب تزور هؤلاء الناس تعيب عليهم الولد، فربنا رزقها بولد فيه نفس المرض، كما تدين تدان! قال ﷺ : (البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، واعمل ما شئت، فكما تدين تدان) صلى الله وسلم عليك يا سيدي يا رسول الله! فأنت إذاً يجب عليك أن تقرأ التاريخ فستجد أول عروة تضيع من المسلمين الحكم بكتاب الله، ولذلك قال ﷺ : (لحد يقام في أمتي خير لهم من أن يمطروا أربعين سنة)، يعني: لو طبقنا حداً واحداً من حدود الله ، لكان أحسن لنا من مطر أربعين سنة. فالموت على توبة خير من العيش على معصية، يعني: الإنسان يموت وهو تائب منيب إلى الله راجع إليه أحسن وأفضل بكثير من أن يعيش وهو عاص؛ لأن مسألة الإمساك بمن يتعاطى المخدرات علاجها بسيط جداً، قبض عليه وثبتت التهمة، لكن الكارثة أن ترى محامياً يدافع عن تاجر المخدرات، فيجب على القاضي أن يحكم على المحامي كما يحكم على تاجر المخدرات، فيكونا مع بعض، وما أدى إلى الحرام فهو حرام؛ ولذلك سيدنا الحبيب لما جيء بالمرأة المخزومية التي سرقت وأراد قطع يدها، فشفع فيها أسامة، فقال له رسول الله: (أتشفع في حد من حدود الله؟!). ثم سيدنا الحبيب صعد المنبر وكان إذا غضب يظهر منه عرق في جبهته ﷺ ، وكان يغضب إذا انتهكت حرمة من محارم الله، فقال: (إنما أهلك الذين كانوا من قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه) الشريف أي: ذو المكانة، (وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها). ولذلك هو كان يقدم أهله في المغرم ويؤخرهم في المغنم، في غزوة بدر خرج نفر من المشركين وقالوا: أخرج لنا أكفاءنا يا محمد! فقال النبي ﷺ : قم يا علي، وهو ابن عمه وزوج ابنته، وقم يا حمزة، وهو عمه، وقم يا أبا عبيدة وهو ابن الحارث بن عبد المطلب، فهؤلاء الثلاثة كانوا أول من يبارز في غزوة بدر، وفي ساعة توزيع الغنائم هم آخر أناس، فليس تولي الكرسي وسيلة للغنى! وليس هذا فحسب، بل كان يقول: (يا بني هاشم! يا بني عبد المطلب! يا بني عبد مناف! لا يأتيني الناس بحسناتهم يوم القيامة وتأتونني بذنوبكم تحملونها -أو أوزاركم- على ظهوركم تقولون: أدركنا يا محمد، لا أقول لكم إلا ما قاله العبد الصالح: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨] اللهم قد بلغت! اللهم فاشهد). سيدنا عمر بن عبد العزيز ﵁، أول ما تولى دخل على زوجته فاطمة من أجل أن يصلح البيت أولاً؛ لأن البيت لو صلح صلح من كان في البيت. المتصدرات للحركة النسائية في مصر، تبحث عن حياتهن فتجدهن فاسدات وفاشلات في الحياة الزوجية، وفاقد الشيء لا يعطيه، تجد واحدة فاشلة في الحياة الزوجية ومتصدرة، هل هذه هي التي تصلح أمر النساء؟! نحن نريد قدوة، فالمسلم عندما يرى القدوة تصلح حاله وكما قلنا: عمل رجل بألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل. وهذا عمر ﵁ أول ما تولى دخل على فاطمة بنت عبد الملك زوجته وبنت عمه، وكانوا يعيشون أيام عز ومال من قبل، فقال لها: يا فاطمة! لقد توليت أمر المسلمين، وسوف أعيش على الحصير، فأمرك إليك إن شئت المواصلة فواصلي، وإن شئت الفراق فالأمر إليك. فقالت: بل أعيش على الحصير لأدخل الجنة، وعاشت فاطمة على الحصير تقول: كنت أستيقظ بالليل فأرى عمر بن عبد العزيز رضوان الله عليه ينتفض، فأقول: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ يقول: كلما أتذكر أنني مسئول عن المسلمين أذكر اليتيم الجائع، والمسكين العاري، والأرملة التي لا تجد لأطفالها طعاماً، وأظن أنهم خصومي يوم القيامة، وربما لا تقوم لي حجة، وإنا لله وإنا إليه راجعون! جعلوا يقسمون المال عنده داخل بيت المال، فوضع يده على أنفه ليسدها، فقيل: ما هذا يا عمر؟ فقال: وهل ينتفع منه إلا برائحته! كيف أشم شيئاً ليس من حقي؟! هذا كلام نقوله ونفضفض، ونسأل الله السلامة. وكان أبو بكر يدعو قائلاً: يا من سترتنا في الدنيا لا تفضحنا على رءوس الأشهاد يوم القيامة، ادع هذه الدعوة الصالحة لا تنساها: اللهم يا من سترتنا في الدنيا لا تفضحنا على رءوس الأشهاد يوم القيامة. ومن كرم الله علينا أن الله إذا ستر عبداً في الدنيا فهو أكرم من أن يفضحه على رءوس الأشهاد يوم القيامة، ما دام ستر في الدنيا فيكون قد ستر في الآخرة، لكن نريد دعواتك، ندعو لك بالستر الجميل، اللهم سترك الجميل يا رب! نحن نذكر قصة المرأة لما جيء بسارق فقطع عمر بن الخطاب يده، وجاءت أمه باكية: يا أمير المؤمنين! أتقطع يده من أول مرة! قال لها: يا أمة الله! ما كان الله ليفضحه من أول مرة، فدخل سيدنا علي على الولد بعدما قطعوا يده، وقال له: أستحلفك بالله، كم مرة سرقت؟ قال: إحدى وعشرين مرة، تركه يسرق مرة ومرتين وثلاثاً. وفي إحدى محاكم الشام قبل أن تترك الشريعة في بلاد المسلمين أقيم الحد على شاب عمره عشرون سنة، فجاءوا به إلى القاضي، فنطق القاضي بالحكم على أن تقطع يده، فصرخ الولد وقال: اقطعوا لسان أمي قبل أن تقطعوا يدي، قال: سرقت بيضة من بيت الجيران، فزغردت أمي وقالت: لقد صار ابني رجلاً، مثلما تدلل ابنك عندما تجده يضرب ابن عمه فتفرح بأن الولد قد كبر، علمه الأدب بدلاً من تعليمه قلة الأدب. إذاً: الآن الولد يشرب الدخان من أجل أن يكون رجلاً، فتراه يضعه في فمه، ويخرجه من أنفه وأذنيه، إذاً كيف يكون هذا رجلاً؟! فلو وجد الصحبة الطيبة والأم الصالحة، لما كانت هذه حاله: (لحد واحد يقام في الأرض خير لأمتي من مطر أربعين سنة). إذاً: الله كتب على الأمة المحمدية أن أول عروة تنتقض وتضيع: الحكم بالشريعة، وآخر عروة تنقض الصلاة، فما دام الحكم ضائعاً ماذا بقي لنا؟ إذاً لا بد أن نتمسك بالصلاة.

стр. 257

طهارة الظاهر من النجاسات

стр. 258

نجاسة الكلب إذاً: الطهارة أنواع أربعة: النوع الأول: طهارة الظاهر من النجاسات، والنجاسات إما جمادات أو حيوانات أو موائع يعني: سوائل. الحيوانات كلها طاهرة ما عدا الكلب والخنزير، فيا من تربي في بيتك كلباً! هذا الكلب إذا ولغ في وعاء لك فإنه لا يطهر هذا الوعاء إلا بغسله سبع مرات أولاهن بالتراب. يقول بعضهم: لا يا أستاذ! الناس تحضروا وأنت ما زلت تأخذ بالتراب، الآن توجد المطهرات وغيرها، ويذكر لك أنواعاً من المطهرات التي يضحكون عليهم بها في الإعلام، ويقول لك: هذا الذي ينظف ويلمع ويصنفر وانظري غسيلك أنظف من غسيلي والغسيل كما هو، غش في غش، وتجد المرأة شعرها بدأ يتساقط، يقول لها: نحن عندنا شامبو يخرج القرف من الشعر، وإذا انتهى الشعر من أين سيخرج؟ عجوز ترجي أن تكون صبية وقد شاب منها الرأس واحدودب الظهر تدس إلى العطار ميرة أهلها وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر ويقول الشاعر: ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيب إن من شاب في الإسلام لن يعذبه الله يوم القيامة في النار، والناس البسطاء اليوم يذهبون إلى الحلاق، فيقولون له: اصبغ لي شعري، نق لي الشيب! يقول ﷺ : (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات أولاهن بالتراب). أهل العلم الحديث يقولون لنا: عندما يلغ الكلب في الإناء ينزل الميكروب في كمية من اللعاب ويبقى على شكل شريط، أنت لو تراها على الميكروسكوب الإلكتروني، تجده عبارة عن شريط من اللعاب، وفيه ميكروب الكلب، فعندما تأتي تغسل بأي نوع من المنظفات تجد المنظف ينظفه، وبعدما يمر عليه المنظف يعود اللعاب مرة أخرى ويحتفظ بالميكروب كما هو، ولو حتى غسلت سبعين ألف مرة فإنه يبقى الميكروب. والرجل الألماني الحاصل على جائزة نوبل في العلوم سنة خمسة وستين، لما قرئ عليه هذا الحديث رجع إلى المعمل، وقعد يغسل اللعاب بكل نوع من الكيماويات، فوجد أن الميكروب ما زال باقياً فلما مسح الطبق بالتراب نظفه ووجد أنه لا أثر للميكروب، فقال: إن محمداً يعرف هذا منذ ألف وأربعمائة سنة، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله. فوجود الكلب في بيتك له عدة مصائب: المصيبة الأولى: أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا تمثال، فالذي عنده كلب في البيت لا لصيد ولا لحراسة فإنه ينقص من ثوابه كل يوم قيراطان أقلهما كجبل أحد. إذاً: الكلب الموجود في البيت شر؛ لأن الملائكة لن تدخل بيتاً فيه كلب، كذلك الكلب نجاسة، يلعب بالبول ويلحس فيك وأنت متوضئ، إلى غير ذلك، فالحيوانات كلها طاهرة ما عدا الكلب والخنزير.

стр. 259

نجاسة الخنزير الخنزير نجس، بعضهم يقول: يا أستاذ! أنا عندي روماتيزم في مفاصلي قال لي الدكتور: ادهنها بدهن خنزير، وقد سئل النبي ﷺ سؤالاً كهذا أو قريباً منه، هل نتداوى بالخمر يا رسول الله؟ قال ﷺ : (إنما الخمر داء وليس دواء، ما جعل الله شفاء أمتي فيما حرم عليها). إذاً: البيرة حرام، وما دام أنها حرام فلا يستشفى بها، ولقد ثبت أن الذين يشربون البيرة أنها تريحهم مدة مؤقتة، ثم تنقلب فتترسب في الكلى فتتعب الكلى أكثر، فما جعل الله شفاء الأمة المحمدية فيما حرم الله عليهم أبداً. إن الله من حبه ورحمته عندما يحرم شيئاً يكون ضاراً بالإنسان، وعندما يحلل شيئاً يكون نافعاً للإنسان، فهناك آلاف الأنواع من المطاعم والمشارب جعلها حلالاً واستثنى منها بعض ما يذهب العقل، ويسبب ضرراً صحياً للجسد، فهذا حرمه الله. نحن لا نبحث عن العلة، ولكن نقول: آمنا بالله وسمعنا وأطعنا، فالصحابة لما قيل لهم: لا تأكلوا الخنزير، قالوا: سمعاً وطاعة، واليوم يقال لأحدنا: هذا فيه التيفود والدودة الشريطية، والفيروسات، والأميبيا وكلها تتعب البطن والأمعاء، وتصيب الإنسان بعدم الغيرة وغيرها، ونسي شيئاً اسمه: تعبد لله . واليوم يضحكون علينا، يقولون: الوضوء هذا نظافة، والصلاة رياضة، نقول: لا، الوضوء هذا عبادة، لأنه لو كان من أجل النظافة فوسائل النظافة أكبر من ذلك، والصلاة عبادة، وائتمار بأمر الله، وليست رياضة! هذا رجل فرنسي اكتشف في سنة خمس وثمانين شيئاً فقال: إن الذي عنده الغضروف يريد أن يعجل في شفائه فعليه أن يتعالج بعلاج طبيعي، فيقوم بحركات مثل حركات المسلمين في الصلاة وسيشفى، لكن أنت يجب أن تقول: سمعنا وأطعنا ونحن نصلي لأن الصلاة مفروضة، فإذا وجد فيها فوائد بدنية أو فوائد قلبية فهذا خير. وسميت الصلاة بهذا الاسم لأنها صلة بين العبد وربه، وسيدنا علي فسر كلمة الأمانة بالصلاة: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢] فقال: الأمانة الصلاة. بالنسبة للجمادات من النجاسات إذا مسها الإنسان ولم يعلق شيء منها بثوبه ولا ببدنه فلا شيء عليه، وإذا تحول هذا الجماد إلى مائع أو سائل فسيعلق في ثوبك.

стр. 260

طهارة الجوارح من الآثام والمعاصي النوع الثاني وهو أهم: طهارة الجوارح من الآثام والمعاصي: ومن فضل الله علينا أن الأشياء التي سنحاسب عليها أعطانا ربنا باباً نقفل به على هذا الشيء، من أجل ألا يعمل وقت ما نريد، وأسوأ ما عندنا هو اللسان، وعندما لا تريد أن تتكلم تقفل فمك. ولذلك أبو بكر ﵁ كان يضع حصاة في فمه تحت لسانه، فإذا أراد أن يتكلم يمسكها بيده ثم يتكلم، قال أبو بكر: أنا أضع حصاة في فمي من أجل أن يثقل لساني، فإذا أردت أن أتكلم أخرج الحصاة فأكون قد فكرت في الكلمة هل هي صحيحة أم هي خطأ؟ فإن كانت صحيحة قلتها، وإن كانت خطأ لا أقولها. إذاً: يجب أن يكون لسان العاقل خلف عقله، ولسان الجاهل أمام عقله، قيل للحسن البصري: لماذا تتكلم في اليوم سبع أو ثمان كلمات؟ قال: قبل أن أقول الكلمة أسأل نفسي هل توضع لي في ميزان الحسنات أم توضع لي في ميزان السيئات؟! فإن وجدتها توضع في ميزان الحسنات قلتها، وإن وجدتها توضع في ميزان السيئات امتنعت عنها، فرأيت أن أكثر كلماتي سوف توضع في ميزان السيئات؛ فلذلك سكت! يقول تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] انظر كم مضى من عمرك وأنت تتكلم؟ لا تحسب الثلاثة عشر عاماً؛ لأنك لا زلت صغيراً، فيكون لك سبع وأربعون سنة وأنت تتكلم فيها، فلو تكلمت في اليوم ساعة أو ساعة ونصفاً صار لديك خمسمائة ساعة في السنة، وأنا أضرب هذا المثال لشخص ما أحد يسمع صوته، سبحان الله خمسمائة ساعة في السنة، وطوال الخمسين سنة التي تكلمت فيها والملك يكتب عنك! ولذلك جعل مالك بن دينار رضوان الله عليه يبكي ويبكي، فقيل: ما يبكيك يا مالك؟ قال: بلغت اليوم ستين سنة وحسبت أيامي فوجدتها واحداً وعشرين ألف يوم وخمسمائة، فلو عملت في كل يوم ذنباً واحداً فقط، كيف ألقى الله بواحد وعشرين ألف وخمسمائة ذنب؟! هذا مالك بن دينار لكن اضرب أنت في ألف ذنب أو ألفين، أين تذهب يا عبد الله؟ الواحد منا يجب أن يستيقظ ويراجع نفسه، وليس كل شيء لا بد أن تتكلم فيه، حتى قال النبي ﷺ : (كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع) يعني: يجب أن تحبس لسانك قليلاً، لكن نحن نسمع الكلمة فنضاعفها إلى عشرين كلمة! كذلك النظر! فلا تفكر أن النظر إلى عرض المسلمين هذا هو الحرام فقط، لا. هذا جرير يقول: إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله إنسانا العينان ممكن أن تنظر بهما إلى إنسان باحتقار، فتنظر إلى المسلمين بازدراء أو بالشماتة والعياذ بالله، وهذا نظر حرمه الله ، إذاً: كيف يكون النظر بالعينين؟ انظر للمسلمين بالرحمة والعطف والرفق، تأخذ على النظرة ثواباً إذا نظرت إلى الناس برفق، فمثلاً: أنظر إلى اليتيم لأنني لا أستطيع أن أنفق عليه، وأقول: اللهم ارحم أباه، اللهم بارك في الولد أو البنت وأعن أمه أو أمها. كذلك أنظر بالعينين إلى المصحف، والحسن البصري كان إذا كان مريضاً فتح المصحف ونظر فيه، وإذا أردت أن تكلم الله فأحرم بالصلاة، وأنت تصلي كتبت الصلاة بينك وبين ربك، فتتكلم وربنا يسمعك، وهذا من فضل الله ولله المثل الأعلى! إذاً: أعطاني ربي عينين من أجل أن أحفظ المصحف، وأنظر إلى بيت الله، وأنظر إلى الطرقات، وأنظر إلى ملكوت الله، وأنظر إلى الكعبة، وأنظر إلى العالم الصالح، وأنظر إلى وجه الأب والأم، كل هذا نوع من أنواع العبادة، والملائكة تكتب لك حسنات وأنت تنظر إلى وجه أبيك وأمك برحمة وحنان. قال ﷺ : (من نظر إلى وجه أبيه أو إلى وجه أمه برحمة نظر الله إليه، ومن نظر الله إليه فلن يعذبه يوم القيامة). إذاً: طهارة الجوارح من الآثام والمعاصي، فاللسان لا يتكلم إلا بخير، والعينان لا تنظران إلا إلى ما أحل الله، واليد جعل الله لي الخيار أن أمدها في خير أو شر والعياذ بالله، فإن مددت اليد بخير كتب لك حسنات، وإن مددتها بشر كتب عليك سيئات. أبو حازم رفض أن يناول أمير المؤمنين الحبر، قال: أخاف أن يكتب شيئاً يظلم به مسلماً فأكون مشاركاً له في الإثم يوم القيامة. ولذلك جاء رجل خياط وقال: يا تلميذ أبي حنيفة: أنا كنت أخيط أثواب الحجاج؟! فقال: أنت كـ الحجاج، قال: وأنا ما ذنبي؟ أنت لو فاصلته وهذا فاصله كان سيراجع نفسه، أي: سيقول: لماذا يكرهني الناس؟! لماذا لا يحبني الناس؟! كان ابن عمر يقف في الصلاة إلى جوار الكعبة، فتحط حمام الحرم على رأسه، دليل على أنه يقف مدة طويلة حتى تظنه قطعة من الأرض؛ لأنه بقي مدة طويلة لا يتحرك، فهؤلاء هم الناس. داود الطائي صلى العصر وسلم عن يمينه وشماله، والتفت فلم يجد أحداً، والجامع كان مليئاً فسمع صوتاً في الخارج، فخرج وقال: أين ذهبتم؟ قالوا: هذا عمود في الجامع وقع في الخلف، فوقع السقف على الناس فهربوا، وهو لم يشعر بذلك، وهذا فيه دليل على أنه كان خاشعاًَ. جاء رجل إلى أبي حنيفة وقال: يا أبا حنيفة! بعت بيتاً من بيوتي، ووضعت المال عندي في البيت ثم نسيت مكانه، قال: وأنا ما ذنبي؟ قال: ألست عالمنا؟! ألست شيخنا؟! أخبرني أين المال! فقال له: عد إلى بيتك وقم لله الليلة، وصل لعل ربنا يعلمك ويعرفك، فجاء الرجل في صلاة الفجر وفمه مفتوح جداً، فقال له أبو حنيفة: لقد وجدت نقودك، قال: وكيف عرفت يا أبا حنيفة؟ قال: يظهر على وجهك، فقال له: ماذا حدث؟ قال: بينما أنا أكبر تكبيرة الإحرام في الركعة الأولى وقد نويت أن أقوم الليل كله، تذكرت مكان النقود، فخرجت من الصلاة! فقال له: أبو حنيفة: ثم نمت؟ قال: نعم، قال: كنت أثق أن الشيطان لن يدعك تتعبد لله الليلة، إذاً: النية لم تكن خالصة لله ، والشيطان لا يترك الإنسان أبداً. فهذا داود الطائي قالوا له: كيف لم تشعر بسقوط سقف المسجد؟ فقال لهم: أنا إن جاء وقت صلاتي أسبغت وضوئي، أي: أتوضأ جيداً، وجلست في المكان الذي سوف أصلي فيه حتى تجتمع جوارحي -أي: نفسه ليس لها هم بالدنيا- ثم أقوم أكبر للصلاة. وكلنا نكبر، لكن كلنا نخدع أنفسنا في التكبير، لأن معنى (الله أكبر) أنه أكبر من كل شيء، لكن من الخطأ أن أسرح في الصلاة عند الولد أو البنت أو الدراسة أو الفلوس أو المرتب أو العلاوة أو أذى الزوجة أو الجار أو صاحب البيت أو أو يجب أن تحقق ما قلت، فعندما تقول: الله أكبر، تستشعر أنه لا يوجد أكبر من الله. قال: ثم أقرأ قراءة بترتيل، وأركع ركوعاً بخشوع، وأسجد سجوداً بتواضع، واضعاً الجنة عن يميني، والنار عن يساري والصراط تحت قدمي، والكعبة بين حاجبي، وملك الموت ورائي؛ كي أظن أنها آخر صلاة لي، وأتبع ذلك بالإخلاص في النية، ثم لا أدري أقبلها مني رب العباد أم لم يقبلها؟! فهؤلاء هم الصالحون، يقول الحبيب ﷺ : (أول ما ينظر في عمل العبد يوم القيامة ينظر في صلاته إن وجدت كاملة قبلت وسائر عمله، وإن وجدت ناقصة ردت وسائر عمله). إذاً: النوع الثالث من الطهارة: طهارة الجوارح من الآثام والمعاصي، فلا تمشي إلا إلى كل خير، تذهب في الخير، وتسعى في الخير، وكان يحيى بن زكريا ﵉ يقول: اللهم إن رأيتني أغادر مجالس الذاكرين إلى مجالس الغافلين فاكسر لي رجلي. وتعال إلى البطن وما حوى، إن العبد ليقذف باللقمة الحرام في جوفه لا يتقبل الله له عملاً أربعين يوماً، سيدنا أبو بكر وضع إصبعه في فمه وأرجع شربة اللبن، لما شك في مصدرها، ونحن لا نبحث هل هي شبهة أو ليست شبهة؟ وهل هذا حرام أم ليس بحرام؟! وهل هذا سحت أم ليس بسحت؟! نسأل الله السلامة. يقول ﷺ : (يا سعد! أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، فوالذي نفسي بيده، إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه لا يتقبل الله له عملاً أربعين يوماً).

стр. 261

طهارة القلب من الآثام والأمراض النوع الثالث في الطهارة: طهارة القلب من الآثام والأمراض: اتفقنا من قبل أن القلوب ثلاثة: قلب سليم، وقلب سقيم، وقلب ميت، ما علامة السليم؟ وما علامة السقيم؟ وما علامة الميت؟ القلب السليم: هو القلب الذي ليس فيه إلا الله، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] قالوا: سليم من الدنيا وما فيها. اللغة العربية لها مدلولات غريبة؛ ولذا سمي القلب قلباً لتقلبه، بعد نصف ساعة تغضب، وبعد ساعتين تهدأ فأنت متقلب؛ ولذلك سيدنا الحبيب يدعو قائلاً: (اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك)، هذا دعاء مهم في ثبات القلوب، والقلوب بيد علام الغيوب يقلبها كيف يشاء، اللهم اجعلنا من القلوب الأواهة المخبتة المنيبة التي تتقلب في طاعتك يا رب! والإنسان سمي إنساناً لتناسيه، ومن نعمة الله على العبد أنه ينسى، فأنت عندما تتذكر كل المآسي التي جاءت في حياتك، يحصل لك انفجار في المخ، لكن من فضل الله أنك تنسى، تنام قليلاً ثم تقوم وقد هدأت وهذا النعاس جند من جنود الله، ونعمة من نعمه، والله يبعث عليك قليلاً من النوم حتى تستريح أعصابك وتفيق مرتاحاً. أول ما تفتح عينيك من النوم تقول: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور، تحمد الله أنك كنت في نعمة النوم، فكن أنت دائم الصلة بالله. كذلك المال سموه مالاً؛ لأنه مال بالناس عن الحق؛ ولذا يقول الشاعر: رأيت الناس قد مالوا إلى من عنده مال ومن لا عنده مال فعنه الناس قد مالوا رأيت الناس قد ذهبوا إلى من عنده ذهب ومن لا عنده ذهب فعنه الناس قد ذهبوا رأيت الناس منفضة إلى من عنده فضة ومن لا عنده فضة فعنه الناس منفضة إن قل مالي فلا خل يصاحبني وفي الزيادة كل الناس خلان كم من عدو لأجل المال صاحبني وكم صديق لفقد المال عاداني يقول النبي ﷺ : (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير). فالعبرة بالخلق والصلاح لا بالمال.

стр. 262

علامات القلب السليم

стр. 263

إذا تليت عليه آيات الله زادته إيماناً القلب السليم له علامات: أول علامة من علامات القلب السليم: أنه إذا تليت عليه آيات الله زادته إيماناً، ووجل وخاف، ورهب من الله ، سيدنا سلمان الفارسي فر من المدينة من أجل آية سمعها من فم الحبيب المصطفى، لم يستطع أن يلحقه ثلاثة أيام، قال له: أين كنت يا سلمان؟ قال له: آية سمعتها منك يا حبيب الله! وهي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان:٦٥]. كان الصحابي منهم إذا مر بآية من آيات الجنة شم رائحة الجنة، فهذا سيدنا أنس بن النضر يمر عليه سعد بن معاذ فيقول له: يا سعد! والله إني لأشم رائحة الجنة دون أحد! ومن فضل الله علينا أن ربنا ما جعل للذنوب رائحة، قال الحسن البصري: احمدوا ربكم الذي لم يجعل من ذنوبكم رائحة، وإلا لما جلس مؤمن بجوار مؤمن. تخيل أنت أن الذنوب لها رائحة! لكانت مصر كلها جيفة، ولكان بعضنا يغير بعضاً، فمن فضل الله أن جعل الستر علينا. ومن فضل الله علينا أنه أخفى عن سمعنا عذاب أهل القبور، ولا يسمع عذاب أهل القبور إلا الحيوانات والطيور. واسألوا أقاربكم الفلاحين، يمر أحدهم بالجاموسة التي لا تحلب من جنب القبر فترجع وتحلب هواء لشدة ما رأت وسمعت، والحمار الذي يمشي على شطر ويكون أعرج يمرون به من جنب المقابر فيجري بقوة من هول العذاب، فيصير فرساً سباقاً بسبب الذي يراه من العذاب! ولو كنا نحن نسمع العذاب لعير بعضنا بعضاً، ولسب بعضنا بعضاً، فمن ستر الله علينا وفضله لم يسمعنا العذاب، يسمع عذاب أهل القبور كل مخلوق إلا الثقلان: الإنس والجن، وكل شيء في الكون يسبح الله، حتى اللقمة التي تأكلها تقول: سبحان الله! أحد العلماء قعد مع صديق له عابد، ومع المريدين، فجعل يتلفت يميناً وشمالاً يريد أن يبصق فلم يجد مكان مناسباً للبصق، فقالوا له: مالك؟ قال: أريد أن أتخلص من الذي في فمي، فسمعت تسبيح الأرض، الرجل أعطاه الله كرامة فسمع هذا التسبيح، فلم يعزم أن يبصق في الشيء الذي يسبح. وكان العالم الآخر أفقه منه، وفوق كل ذي علم عليم فبصق هذا العالم فجأة، فقال له: يا رجل! ألا تسمع التسبيح؟ قال له: سمعت مسبحاً في مسبح، كله يسبح مع بعض. ولقد سمع النبي ﷺ تسبيح الحصى بين يديه، وهذا من معجزاته، وكذلك أبو بكر رضوان الله عليه قعد مرة يستجمر بحجارة بعدما قضى تبوله، فسمع تسبيح الحصى فرماها ثم أمسك واحدة أخرى فسمع التسبيح، أمسك الثالثة فقال: اللهم اصرف عن سمعي تسبيح الحصى الليلة فقط، فـ أبو بكر كان الله عنده في كل شيء!

стр. 264

صحابية ذات قلب سليم أول علامة من علامات القلب السليم أنه إذا سمع آيات الله تتلى عليه خاف ووجل، سيدنا الحبيب يقرأ في صلاة المغرب: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر:٤٤] وامرأة من المصليات خلف الحبيب سقطت وأغشي عليها، وهذا دليل يرد على الذي يقول لك: النساء يصلين في البيوت، يعني: أنت أغير على الدين من رسول الله؟! فلما أغشي عليها أفاقوها ودعوا على الرسول بعد الصلاة، فجاء وقال: مالك يا أمة الله؟ فقالت: سمعتك تقول في جهنم: لها سبعة أبواب، فاستشعرت أنه سيدخل كل عضو من أعضائي من باب! فقال: لا يا أمة الله! إنها سبعة منازل تلي بعضها، كل منزلة تشتد في حرها عن المنزلة التي فوقها سبعين ضعفاً، ومن سيوضع فيها؟ قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥] نؤخر الظهر إلى العصر، والعصر إلى المغرب بدون عذر شرعي. فقالت: يا رسول الله! عندي سبعة من العبيد أعتقتهم لوجه الله، لعل الله يعتقنا منها فنزل جبريل للتو قائلاً: أقرئ أمة الله منا السلام، وقل لها بعتقك لعبيدك السبعة سد الله عنك أبواب النار السبعة، وفتح لك أبواب الجنة الثمانية. القلب السليم إذا سمع آيات الله تتلى عليه تجده يرتجف ويخاف، فكان الصحابي إذا مر بآية من آيات الجنة شم رائحتها، وإذا مر بآية من آيات النار أحس بلسعها في جسده وقلبه.

стр. 265

إذا ذكر الله خالياً فاضت عيناه العلامة الثانية: صاحب هذا القلب إذا ذكر الله خالياً فاضت عيناه: إذا وجد أهل الجامع كلهم يبكون يقول: وأنا مثلهم أبكي معهم، وهذا من التأثير، لكن نريدك أن تكون أنت الذي تشحن غيرك، أنت الذي تبكي فتجعل الذي عن يمينك يبكي، والذي عن شمالك يبكي.

стр. 266

أن يهتم بالدين كاهتمامه بأبنائه العلامة الثالثة: أن يستشعر هذا القلب أن الإسلام ابن من أبنائه: يعني: كم لديك من الأولاد في البيت؟ أربعة أولاد، إذاً عندك خمسة، عندك ثلاثة أولاد؟ إذاً عندك أربعة، فتعتبر هذا الإسلام ابناً من أبنائك، فلو أننا اعتبرنا هذا الإسلام ابناً من أبنائنا لانتصر، لكن المشكلة أنه يقول لك: أنا خليني في حالي! هذا قلب اعترته الأمراض، الدنيا وما فيها، يقول لك: أنا أخرج من الصباح الباكر وأرجع الساعة واحدة بالليل وأنا تعبان، قال ابن مسعود: (لا يكن أحدكم قطرب نهار جيفة ليل) القطرب: الذي هو ذكر النحلة والمعنى: ناشط في النهار لكن في الليل جيفة ينام، والشيطان يعقد على رأسه ثلاث عقد، ويضربه على رأسه: نم عليك ليل طويل فارقد!

стр. 267

القلب السليم يكون بين الخوف والرجاء قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦] عنده خوف من الله وطمع في رحمة الله: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] خائف من الله ، لكن عنده رجاء وأمل. مثل سيدنا عمر ﵁، حيث قال: لو نادى مناد يوم القيامة كل الناس في الجنة إلا واحداً، لخشيت أن أكون أنا هذا الواحد، ولو نادى مناد يوم القيامة كل الناس في النار إلا واحداً؛ لرجوت من الله أن أكون أنا هذا الواحد. فهو يعبد الله بين الخوف والرجاء، خائف من الله لكن عنده أمل في رحمة الله . وذاك الأعرابي لما قال للحبيب: (من سوف يحاسبنا يوم القيامة يا رسول الله؟! قال: الله قال: إذاً لا أبالي -كيف لا تبالي- قال: إن الذي سوف يحاسبنا هو الكريم، وإن من صفات الكريم أنه إذا حاسب عبداً عفا). روى الإمام الترمذي عن أبي هريرة في ذكر الرجل الذي بقي له حسنة لو جاءت له يدخل الجنة، فقال له: عبدي إن جئتني بحسنة أدخلتك الجنة، فطاف على أهل المحشر: أعطني حسنة يا فلان! يا فلان! أمك يوم القيامة تذهب تسألها تقول لك: يا بني! كان بطني لك وعاء، وحجري لك وطاء، وصدري لك غطاء، فهل عندك من حسنة تنفعني في مثل هذا اليوم؟ يقول: يا أماه! أنا لا أنكر شيئاً من ذلك، أليس عندك أنت حسنة؟! ويقول الابن لأبيه: يا أبت! كنت باراً بك وكذا وكذا أليس من حسنة؟ يقول له: يا بني! لا أنكر شيئاً من ذلك أليس عندك أنت من حسنة؟! سيدنا عيسى يمسك بقائم العرش قائلاً: يا رب! لا أسألك عن مريم بنت عمران، وإنما نفسي نفسي، وعندما تزفر النار إحدى الزفرات الثلاث فالرسل المقربين يأخذون بقوائم العرش، وينسى الكليم أخاه هارون، وينسى الخليل ابنه إسماعيل، وينسى عيسى أمه مريم، وكل الأنبياء يومها يقولون: يا رب! سلم، يا رب! سلم، إلا حبيبنا محمداً فإنه يقول: يا رب! أمتي، يا رب! أمتي، ﵊. فيجب على الواحد أن يجهز لهذا اليوم، ويستعد للقاء الله ، ويستعد لهذا اليوم الذي تشيب منه الولدان، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]. اللهم خفف عنا العذاب يا رب العباد، وأبعدنا عن عذاب النار، وأدخلنا الجنة بدون سابقة عذاب يا أكرم الأكرمين!

стр. 268

القلب السليم لا يستصغر الذنوب إذاً: القلب السقيم قلب تعتريه الذنوب، والكارثة فيك أنك تستصغر الذنب، لكن يجب أن تستعظم هذا الذنب في حق من عصيته! قال أهل العلم: لا تستصغر الذنب، ولكن انظر إلى عظم من تعصيه! وقال أهل العلم: لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار. لا صغيرة إن قابلك عدله، ولا كبيرة إن واجهك فضله. فلو عاملك بالعدل ضعت، ولو عاملك بالفضل فهي منة منه سبحانه، اللهم عاملنا بفضلك ولا تعاملنا بعدلك؛ فإنك إن عاملتنا بفضلك رحمتنا، وإن عاملتنا بعدلك أهلكتنا. والعبد إذا لم يتب نكت فيه نكتة سوداء، ثم نكتة سوداء، ثم نكتة سوداء، ولا يوجد توبة، فيصير القلب كله أسود، ويصير محجوباً عن نور رب العباد سبحانه، بعدما كان سقيماً صار ميتاً! إذاً: لا تنظر إلى هذا الذنب على أنه صغير، لا يوجد شيء اسمه ذنب صغير وذنب كبير، هو ذنب في حق الله ، والذي يستصغر الذنب هو القلب السقيم، وإن تركت سقم القلب مات، لأننا كما قلنا ونقول: إن الجسد كما أن له غذاء فالقلب له غذاء، والغذاء الوحيد الذي يغذي القلب هو ذكر الله، والاستغفار، وحضور مجالس العلم، فتبحث عن مجالس العلم بقوة فالعلم يؤتى إليه، ومن طلب العز في العلم يفلح. وهذا الإمام علي بن أبي طالب يوصي ابنه الحسن فيقول: يا حسن! زاحم العلماء بالمناكب، فإن رحمة الله لا تفارقهم لحظة. زاحمهم وضيق عليهم في المجالس من أجل أن تشعر أن رحمة الله وراء هذا العالم.

стр. 269

وجوب تطهير القلب من الآثام نريد أن نقول: إن القلوب ثلاثة: سليم، وسقيم، وميت، فصاحب القلب الميت يقول لك: يا أستاذ! أنا قلبي نظيف ومتصل بالله، لا تهتم بهؤلاء المصلين هؤلاء أناس يكذبون، وهذه النساء المحجبات نصابات وكذابات، هذا يغلط على الكل ويغالط نفسه، أريد أن أقول: إن المسلم يجب أن يراعي هذه القضية، وأن ينقذ قلبه بين الحين والآخر؛ لكي يتحول القلب السقيم إلى قلب سليم، ولا يتحول القلب السقيم إلى قلب ميت والعياذ بالله رب العالمين! فطهارة القلب من الآثام والأمراض واجبة، والأمراض القلبية مثل الحقد والحسد والضغينة والغل والظن السيئ بالناس، وإذا رأيت إنساناً ملطخاً بالمعصية فلا تبحث خلفه من أجل أن تتهم الرجل، حتى قال أهل العلم: إذا فر المرجوم من ميدان الرجم لا يعاد، يعني: شخص اكتشفنا أنه يرتكب فاحشة، فجاءوا به وأدخلوه في الحفرة، وبدءوا يرجمونه فعندما أحس بألم الحجارة هرب، فلا يرجع مرة ثانية؛ لأنه احتمال أنه تراجع عن اعترافه، أو يكون الشهود لم يضبطوا الشهادة، فلا يعاد إلى مكان الرجم. وهذا سيدنا عمر ﵁ يقول للصحابة: ما بالكم إذا رأى أمير المؤمنين رجلاً يرتكب الفاحشة مع امرأة فأقام عليه الحد؟! قالوا: وجبت طاعة أمير المؤمنين، وسيدنا علي قاعد فقال: أمع أمير المؤمنين شهود ثلاثة؟ قال له: لا، قال: إذاً نقيم حد القذف على أمير المؤمنين، نعم، هؤلاء هم الناس! يقول عمر: لا تغالوا في المهور، ولا يزيد أحدكم عن أربعمائة درهم، فقالت له امرأة: يا ابن الخطاب ما هذا الكلام الذي تقوله؟! ربنا يقول لك: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء:٢٠] فالله يأمرك بقنطار وأنت تقول: أربعمائة. فطأطأ عمر رأسه، وقال: أصابت امرأة وأخطأ عمر، حاججت أميركم فحاجته، كم أخطأ عمر في دين الله؟! يقول بعض الناس: أنا لا أغلط، أنا صاحب عقل فأقول له: لا يغني العقل ولا الذكاء، والإنسان مجبول على الخطأ، نسأل الله السلامة والهداية. إذاً: الأحقاد والضغائن والآثام التي بداخل القلب يجب أن تزال، هذا هو الإطار العام للطهارة، من أجل أن أدخل على الصلاة طاهر القلب. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 270

سلسلة مقتطفات من السيرة [١٥] للصلاة أهمية عظيمة في الدين لا تخفى على مسلم، وإنما يحققها العبد بتطهير ظاهره وباطنه، ويتم تطهير الظاهر بتطهير البدن والثوب والمكان من النجاسات، وبقطع الأذى الخارج منه وإزالته، وبالوضوء المشتمل على الغسل والمسح.

стр. 271

أهمية الصلاة الحمد لله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه هي الحلقة الخامسة عشرة في السيرة العطرة لسيدنا رسول الله ﷺ ، وهي الحلقة الثانية في موضوع الصلاة. وأسأل الله أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، اللهم اجعلها خالصة لوجهك الكريم، اللهم ثقل بها موازيننا، اللهم ثقل بها موازيننا، اللهم ثقل بها موازيننا، اللهم ثبت أقدامنا على الصراط يوم تزل الأقدام. اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا صدراً ضيقاً إلا شرحته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا قصمته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مسافراً إلا غانماً سالماً رددته. اللهم ارحم برحمتك ضعفنا، واكفنا شر ما أهمنا وما يهمنا، وعلى الإيمان التام والسنة توفنا وأنت راض عنا، اللهم تب على كل عاص، اللهم تب على كل عاص، اللهم تب على كل عاص، واهد كل ضال، اللهم اهد كل ضال، اللهم اهد كل ضال، واشف كل مريض، اللهم اشف كل مريض، اللهم اشف كل مريض. اللهم فك كرب المكروبين، اللهم فك كرب المكروبين، واقض دين المدينين، وارحم موتانا وأموات المسلمين، واجعل -اللهم- برحمتك جمعنا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل بيننا -يا مولانا- شقياً ولا محروماً. اللهم إنك تعلم أنه في كل قلب كل واحد منا كرب، فنفس كروبنا، اللهم إنك رزقتنا الإسلام من غير أن نسألك، فارزقنا الجنة ونحن نسألك، اللهم ارزقنا الجنة بدون سابقة عذاب، اللهم نجنا من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، واجعلنا من الذي يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم اجعلنا من الذي يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واجعل -اللهم- خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك. إن موضوع الصلاة له أهمية قصوى؛ لأن هذا الأمر جعله الرسول عماد الدين، فالصلاة عماد الدين، فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين، قال الحبيب ﷺ : (أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر). وإن العلماء على رأيين في تارك الصلاة: فبعضهم يقول: إن تارك الصلاة المصر على تركها كافر، وبذا قال الإمام أحمد وغيره: إنه يفرق بينه وبين زوجته؛ لأن المرأة إن كانت تصلي فهي مسلمة. فالإمام أحمد اعتبر تارك الصلاة كافراً، ولا يجوز زواج المسلمة بالكافر، وأما جمهور الفقهاء فعلى أن الذي لا يصلي إن عاد فصلى فإنه يعيد الصلوات التي فاتته. وأهل الحجاز يتبعون ما قاله الإمام أحمد، فتارك صلاته عندهم كافر، فإن عاد فصلى فقد عاد إلى الإسلام، والإسلام يجب ما قبله. ومثال الذي يصلي والذي لا يصلي كاثنين درساً في وقت واحد، وتوظفا، وأحيلا على المعاش، فأحدهما اسمه محمود والثاني اسمه محمد، وأحدهما مسلم والآخر نصراني، فمحمود النصراني عاش بين المسلمين يعامل الناس معاملة جيدة، ومضى عليهما ستون سنة، وفي يوم فوجئ صاحب محمود بأنه يصلي، فقال: ما الذي جرى يا محمود؟ فقال له: إني أنا كنت مقصراً ستين سنة، ولقد تبت، وإن دينكم جميل جداً، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وبدءا يصليان في وقت واحد، فمحمود ترك الصلاة عشرات السنوات ولم يصل أي فرض وأما محمد فعمله جار عليه بالصلاة منذ أول صلاة. إن تارك الصلاة كافر على مذهب أحمد، ولهذا القول أدلته. وأما الجمهور فقالوا: إما أن يكون تاركاً للصلاة جحوداً أو تاركاً لها تكاسلاً، فالمسلم الذي ترك الصلاة جحوداً منكر لها، فهذا كافر. وأما إذا تركها تكاسلاً فقد قال أبو حنيفة احبسوه وعزروه حتى يصلي، فحين يأتي وقت الظهر يقال له: يا فلان! صل، وكذلك العصر والمغرب وسائر الفروض. وأما الإمام الشافعي فيرى أنه يستحق القتل، فمتى ما قيل له: يا فلان! لماذا لا تصلي، وقال: لن أصلي؛ فإنه لم يمتثل لأوامر الله، وهذه قلة أدب، فيستحق القتل. إذاً: الجمهور على أن تارك الصلاة جحوداً وإنكاراً كافر، مثل المسلمة غير المحجبة، فإن كانت منكرة للحجاب البتة، فإنه لو كان هناك حكم إسلامي لقطعت رقاب كثير من النساء. وأما تارك للصلاة تكاسلاً، تقول له: لم لا تصلي؟! فيقول لك: نسأل الله أن يهدينا، عندي ضيوف، فهو لا يريد أن يصلي، ولكنه خجل من أن يقول لك: أنا لا أصلي. فهذا يحكم بفسقه، والفاسق لا يشهد في المحكمة الإسلامية، فالقاضي يسأل عن الذي يشهد في المحكمة، ليعلم الذي يصلي والذي لا يصلي. فالصلاة موقعها من الدين أنها العمود الأساسي أو الركن الأساسي في الدين، ولذلك جاء في الحديث أن عرى الإسلام سوف تنقض عروة عروة، فأولها الحكم وآخرها الصلاة.

стр. 272

أنواع الطهارة وقد تحدثنا عن الطهارة، وقلنا: إن الطهارة أنواع أربعة: طهارة الظاهر من البدن والثوب من النجاسات. وطهارة الجوارح من المعاصي. وطهارة القلوب من الرذائل والأخلاق الذميمة. وطهارة السر عما سوى الله . ومسألة السر لن نتكلم فيها؛ لأنها طهارة الأنبياء، فكل حياة النبي من الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام لله، أما أنت فحياتك لامرأتك مرة، ولأولادك مرة، ولأقاربك مرة، ولمديرك في العمل مرة، ونعوذ بالله من الشرك الظاهر الخفي. والناس أنواع ثلاثة: الأول: من قدم معاشه على معاده، فهذا من الهالكين، كشخص يقدم الدنيا على الآخرة، وهذا كثير في المسلمين. النوع الثاني: من قدم معاده على معاشه، فهذا من الفائزين، وهذا عنوانه: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:٤٢]، يعرف أن النهاية عند الله ، والذي يتمنى شيئاً يعطيه الله إياه، فالذي يريد الدنيا وما فيها يعطاها، والذي يريد الآخرة وما فيها يعطاها. وقد دفنا أحد الإخوة الأعزاء علينا كان معنا منذ أكثر من عشرين سنة مواظباً على الدروس والجمع، وفي آخر كلام له عندي في البيت قال لي: يا شيخ! أنا أشتهي أن أموت وأنا أصلي، فيموت وهو ساجد لله ﵀ رحمة واسعة، فطالما كان محباً للخير، يتمنى من الله أن يموت وهو في الصلاة، فلما طلب من الله هذا أجابه الله، فالله سبحانه لا يخذل عبده أبداً. وهذا مثل حديث: (من لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق)، أي: أنك تتمنى وتقول: يا ليت أن الدولة تقول في يوم من الأيام؛ لنحارب إسرائيل، وأنت ما دخلت في الجيش ولا في التجنيد. وقد جاء في الحديث أن صلاة في المسجد الأقصى تعدل ألف صلاة، وصلاة في المسجد النبوي الشريف تعدل عشرة آلاف صلاة، وصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة، وصلاة في أرض الرباط تعدل ألف ألف صلاة، فركعة المجند في أرض المعركة بمليون ركعة، وخير من هذا كله ركعتان يصليهما المؤمن في جوف الليل والناس نيام.

стр. 273

المراد بطهارة الظاهر فأما طهارة الظاهر فعن النجاسات، كالبول. وبول الصبي ينضح، وبول الجارية يغسل، وهذا كلام الحبيب المصطفى، فإذا كان عندك ولد عمره ثلاثة أشهر فبال عليك أو على والدته فإن تأخذ في يدك قليلاً من الماء وتضعه على البقعة التي أصابها البول في الثوب، فيصير طاهراً، وإذا كان عندك بنت عمرها كذلك فبالت عليك فلا تقل: إنهم متعبون، بل اغسل ثوبك؛ وقد كنا نسأل العلماء الذين علمونا عن صحة الحديث، وعندما علمنا مقاييس الصحة اكتشفنا صحة هذا الحديث. وقد اكتشف الباحثون أن بول البنت في بداية تكوينها يختلف تماماً عن البول عند الولد، فهناك مواد كيماوية زائدة عند البنت تؤثر على نسيج البول، وهذا حديث الذي لا ينطق عن الهوى. ومن النجاسات بول الآدمي، وأما بول مأكول اللحم فطاهر، فعندما ترى الفلاح في بلادنا، وراد الجاموسة يمشي، فإن مسحت بالذيل فيه وبالت عليه قلنا: بول ما يؤكل لحمه طاهر، والإسلام دين اليسر. فبول وروث ما يؤكل لحمه طاهر، وبول الإنسان نجس، ولذلك قال سيدنا علي: يا ابن آدم! علام تتكبر وأنت نزلت من مجرى البول مرتين، تنتنك عرقة، وتقلقك بقة، وتميتك شرقة، فعلام الكبر على الله. ومعنى هذا أنك لا تساوي أي شيء، لكن في ميزان الله تساوي كل شيء.

стр. 274

المراد بطهارة الباطن وليس كل مصل بمصل، فقد جاء في الحديث: (إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، ولم يستطل على خلقي، ولم يصر على معصيتي، ورحم الأرملة والمسكين وابن السبيل، ورحم المصاب، فهذا أكلؤه برعايتي، وهو في الفردوس في الجنة أباهي به ملائكتي في السماء). فالمسألة هي مسألة تواضع وإخلاص نية لله، ولذلك ذكر أهل العلم مسألة النية في الصلاة عندما تصلي، فحين أصلي أطهر الظاهر وأبحث عن تطهير الباطن؛ لأن الظاهر محل نظر المخلوق، والباطن محل نظر الخالق ﷻ جلاله، ولذلك تنظف ما تقع عليه عينا أخيك، والله أولى بأن تنظف له ما ينظر إليه، ففي الحديث: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم). وفي حديث رسول الله ﷺ : (استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: والله إنا لنستحي يا رسول الله. فقال: الحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وأن تذكر الموت والبلى، وأن تؤثر ما يبقى على ما يفنى، وأن تعد نفسك مع الموتى). إنه إذا قيل: استح من الله نقول: إنا نستحي، والحق أن الحياء من الله هو حفظ الرأس وما وعى، ففي الرأس عقل وعينان وأنف وفم ومخ وسمع. فالعين خلقت للنظر إلى ما أحل الله، وكذلك الأنف والأذن خلق كل منهما لاستعماله فيما أحل الله، فلا أكفر نعمة الله بتلك الجوارح. وكفران النعمة هو أن أستعمل نعمة الله في معصية الله، حيث يستعمل المرء النعمة التي أعطاها الله له في أن يعصي الله، فالله يعطيه فلوساً، فبدل أن ينفقها في سبيل الله ينفقها في إغضاب الله. فالعينان يكون حفظهما بترك النظر إلى الحرام، والأنف بألا أشم به ما لا يجوز شمه، فقد جاء في الحديث: (أيما امرأة استعطرت فخرجت فشم الناس رائحتها فهي زانية، وكل عين زانية). فالله أمر المرأة بالحجاب، والحجاب شرطه ألا يكون لافتاً للنظر، وليس المراد أن تلبس الخمار أو النقاب فحسب كيفما كان. وأمر المرأة بعدم الاستعطار، وفي هذا الوقت تسمع بعض الناس يقول: إن فلانة كانت هنا في الأصانصير؛ لأنهم يرونها كل يوم تنزل في وقت معين وقد استعطرت وتركت رائحتها. والعجب أن المرأة قد تكون في خارج البيت معطرة، وفي داخل البيت مبصلة. ثم بعد ذلك تحفظ السمع، والسمع فيه مصائب، كسماع الغيبة والنميمة والطعن في أعراض الناس. وكذلك حفظ البطن، فلا يدخل البطن إلا الطعام الحلال، وقد جاء في حديث: (سوف يأتي زمان على أمتي من لم يأكل الربا أصابه غباره). فالمراد بحفظ البطن وما حوى حفظ المعدة، قال ﷺ : (وأن تذكر الموت والبلى، وأن تؤثر ما يبقى على ما يفنى، وأن تعد نفسك في الموتى). وأما طهارة القلب فتطهيره من آفاته، ومنها الكبر، فنسأل الله أن يخرج الكبر من قلوبنا، وأن يجعلنا وإياكم من أهل التواضع، فمن تواضع لله رفعه، اللهم اجعلنا من المتواضعين.

стр. 275

آداب قضاء الحاجة

стр. 276

الانحراف عن استقبال القبلة واستدبارها ثم ندلف إلى موضوع الصلاة، فهناك شروط لصحة الصلاة، منها: طهارة الثوب، وطهارة البدن، وطهارة المكان، والاتجاه إلى القبلة. فإذا أراد المرء الصلاة وأراد قبلها دخول الكنيف فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها. ومن آداب دخول الكنيف الدخول بالقدم اليسرى، والاستعاذة بالله من الخبث والخبائث.

стр. 277

ترك الكلام وعدم الدخول بما فيه ذكر الله ومن آداب دخول الكنيف ألا تتكلم إلا لضرورة، وألا تدخل بما فيه ذكر الله، وبعض الناس قد يدخل بالجريدة ويقول لك: أنا رجل أعمال ليس عندي وقت، وفيها آيات أو أسماء لله، فلا ينبغي أن تدخل بالجريدة أو الصحيفة إلى دورات المياه. وكذلك لو كان لك سلسلة فيها آية الكرسي أو مكتوب عليها (ما شاء الله) أو (الله أكبر) أو (لا إله إلا الله) أو أي ذكر من هذه الأذكار، فلا تدخل بها، إلا إذا كنت في منطقة وتخاف فيها إذا تركتها أن تضيع، ولا يجوز لك أن تدخل بخاتم مكتوب عليه (الله) أو (لا إله إلا الله) إلى دورة المياه، فهناك ناس يلبسون الدبلة المكتوب عليها -مثلاً- (عبد الله) ويدخلون بها دورات المياه؛ والواجب هو نزعها. وهذه العادة مستحدثة من جملة أمور ما أنزل الله بها من سلطان، فإنك تجد بعض المساجد بعدما يُنتهى من الأذان يقول فيها الناس اللهم صل وسلم عليك يا أسود الشعر، يا كحيل العينين، ونحو ذلك فمن أين أتي بهذا الكلام؟! إن رسول الله ﷺ يقول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا علي)، وذلك الذي يقال لم يثبت عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن تابعي التابعين، ولا عن الفقهاء الأربعة، ولا عن ابن تيمية، ولا عن ابن القيم، ولا عن العز بن عبد السلام، لم يثبت هذا إلا في عصور الانحلال بعد عهد الفاطميين. بل قد أفتى ابن القيم بأن الذي يأتي بالذكر قبل الفجر بساعة مبتدع، وقال: من جاء في ديننا هذا بشيء من عنده فهو عليه رد، لحديث رسول الله، فيكون عمله بدعة من البدع يرد عليه يوم القيامة، وهل أنت أعلم من الرسول أو من بلال، أو من أبي بكر أو عمر؟! وإنك لتجد مساجدنا كبيرة وفيها هذا الكلام مع الأسف. وقد ألف أحد العلماء العظماء رسالة في أن المساجد التي فيها بدع لا يصلى فيها، وأنا لا أريد أن أحرض، بل أنقل لك ما أعلمه من الكتاب والسنة وأقوال العلماء الخلص، وما جاء به الحبيب أسمعه، وما جاء به الناس لا أعرفه. ولا يقل قائل: هناك بدعة حسنة، ودليلها أن عمر بن الخطاب عمل بدعة حسنة، وهي صلاة التراويح، فلم يعملها عمر؛ لأن الرسول في يوم من الأيام في رمضان قام ليصلي، فصلى بالناس ثمان ركعات، فأصبح من شهد ذلك يقول: إننا صلينا وراء الرسول ثمان ركعات البارحة، ثم صلى بهم في اليوم الثاني ثمان ركعات، فزاد العدد وفي اليوم الثالث امتلأ المسجد، وفي اليوم الرابع صلى العشاء ودخل ولم يخرج، فقالوا: يا رسول الله! كنا ننتظرك؟ فقال: (خشيت أن تفرض عليكم). ثم جاء زمن عمر فنظر إلى الصحابة فرأى كل واحد بعد العشاء يصلي بمفرده، فقال: لو اجتمعوا على إمام واحد. إذاً: عمر أحيا سنة للحبيب، فالبدعة بدعة، ولا يوجد هناك بدعة حسنة وبدعة سيئة، فكل شيء في الكتاب والسنة يقال فيه: سمعاً وطاعة، وأما غير الكتاب والسنة فلا سمع له ولا طاعة. ولذلك يروى أن عمر بن عبد العزيز دخلت عليه امرأة فقالت: أين عطائي الذي كان يعطيني أعمامك من بني أمية؟! فقال لها: ليس لك عندنا شيء. فقالت: أأجيئك بصك الوليد؟ تعني الوليد بن عبد الملك، أي: أأحضر لك الورقة الممضاة بخط أمير المؤمنين قبل أن يموت؟ فتبسم عمر بن عبد العزيز وقال: أبالمصحف ستأتين؟! يعني: ما هي هذه الورقة التي كتبها أمير المؤمنين؟! فهل ستأتين بورقة من المصحف، فما دام أنها ليست من المصحف فلا عبرة بها. إذاً: لا تتكلم في دورة المياه إلا لضرورة، ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها، لا تدخل ومعك صحيفة أو ورقة مكتوب فيها اسم الله .

стр. 278

الاتكاء على الجانب الأيسر ومن آداب دورة المياه أن تتكئ على الجانب الأيسر قليلاً: وقد وجدوا في مباحث الطب والعلم البيولوجي أن الفضلات تتجمع نحو جهة الفتحة ليسهل إخراجها، ولذلك تجد كثيراً من الأوروبيين حين يسمعون بمثل هذا يدخلون في دين الله أفواجاً. وبعدما تتيقن من قضاء الحاجة تنظف محل النجاسة تماماً، ولا تكن كالذي يقول لك: أنا بعد أن أقضي الحاجة أشعر بقطرة نزلت وأنا أتوضأ، وأقول: إن المسلم يبذل احتياطاته الكاملة، وينتظر قليلاً، ولا يفتح باب الوسوسة الشيطانية، فإذا كان ينزل منه شيء أثناء الوضوء فعليه قبل أن يرتدي ثيابه وقبل أن يبتدئ بالوضوء أن يقف على يمينه ويحرك شماله حركة دائرية إن كان يقدر وهو واقف على رجله اليمين، ولا يفتح باب وسوسة الشيطان.

стр. 279

الخروج باليمين مع التلفظ بالذكر المأثور وبعدما تقضي الحاجة تخرج برجلك اليمين، وتقول: غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني وأبقى علي ما ينفعني.

стр. 280

صفة الوضوء

стр. 281

النية وبعد قضاء الحاجة يكون الوضوء، والوضوء له فرائض وسنن، ويجوز فيه أن تتلفظ بنية الوضوء، ويكره أن تتلفظ بنية الصلاة، فيجوز أن تقول: نويت الوضوء، ونويت أن أتوضأ، ولكن لا يجوز لك أن تقول: نويت صلاة العشاء بل إذا صليت خلف الإمام فنية الإمام لك نية، وقد قال أهل العلم: إن النية محلها القلب. إذاً: يجوز أن أنوي الوضوء جهراً ولو كنت في الحمام، فأقول: نويت أن أتوضأ.

стр. 282

غسل الكفين وتخليل أصابعها وبعد ذلك غسل الكفين ثلاثاً وتخليل أصابعهما، فيدك اليمين تخلل الشمال، والشمال تخلل اليمين. ومن كان لابساً لخاتم فعليه تحريكه إذا كان ضيقاً، لأنه عند بعض الفقهاء إذا لم تحرك الدبلة الضيقة يكون وضوءك باطلاً وصلاتك -أيضاً- باطلة، فلابد من أن تحرك الدبلة. هناك مسألة مهمة في الصلاة، وهي أن الحبيب المصطفى ﷺ نهى عن صلاة الصافد والحاقن والحاقب، والصافد -بالدال- الذي يضم قدميه، وإن من فقه الرجل أن يوسع بين رجليه على مقدار اتساع الكتفين، وأما المرأة فتضم قدميها. فالحبيب يهتم بك في الصلاة، ولو صليت ورجلاي مضمومتان فليس معنى ذلك بطلان الصلاة، ولكن الرسول يريدك أن تكون خاشعاً في الصلاة. ونهى ﷺ عن صلاة الصافن، والمراد به من يرفع إحدى رجليه، كما قال الله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ [ص:٣١]، فالخيل الصافنة التي تقف على ثلاث أرجل، فأنت عندما تقف في الصلاة فتعتمد على رجل وترفع الرجل الثانية تنافي حال الخشوع. ونهى عن صلاة الحابس فلو صليت وأنت حابس ستصلي وأنت قلق، ولذلك لا تصل وأنت تدافع الأخبثين، بل اذهب إلى الكنيف واقض حاجتك ثم صل براحة وكذلك الجائع بشدة لا يصلي حتى يذهب جوعه لفقد الخشوع بالجوع.

стр. 283

المضمضة والاستنشاق ثم بعد ذلك يتمضمض الإنسان ثلاث مرات على مهل ويرج الماء في فمه رجاً، ويحركه بأصبعه إذا لم يكن معه سواك، فالسر كل السر في السواك، وقد أجرى بعض الباحثين اختباراً للعاب الكائن في السواك والكائن في أصناف المعجونات، فوجدوا أن اللعاب في السواك فيه مادة كيميائية جديدة تقضي على اثنين وتسعين نوعاً من أنواع الميكروبات والبكتيريا، وقد قال ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة). وقال: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب). والفم والأنف تبع للوجه، فلا تقل: إن المضمضة والاستنشاق، بل هما سنة عند بعض الفقهاء واجبان، وأنا لا أريد أن أدخلك في خلافات الفقهاء، ولكن خذ الكلام بهذه الطريقة، فالفم والأنف تبع للوجه. فبعد المضمضة تستنشق وتستنثر، أي: تدخل الماء إلى أنفك ثم تخرجه، وتفعل ذلك ثلاث مرات.

стр. 284

غسل الوجه واليدين والرجلين ومسح الرأس والأذنين ثم يأتي غسل الوجه، والوجه من منبت الشعر الطبيعي إلى أسفل الذقن، وما بين شحمتي الأذنين. ويتعاهد المرء المناطق الغائرة، وكبير السن يتعاهد التجاعيد ما أمكن. ثم يغسل اليد اليمنى إلى المرفقين ثلاث مرات، ثم الشمال ثلاث مرات. ثم مسح الرأس كله ثلاث مرات أو ربعه، وبعد مسح الرأس مسح الأذنين بالسبابة من الداخل والإبهام من الخارج. ثم غسل الرجلين إلى الكعبين مع تخليل الأصابع، وليس ضرورياً تخليل الأصابع إذا كنت مريضاً. وبهذا يتم وضوءك، وبعده تقول كما قال ﷺ : (من توضأ ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المطهرين فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء). وبعد الوضوء تصلي ركعتين إن تيسر لك وبه تخرج الخطايا من كل أعضائك، وبالصلاة تتناثر الذنوب، فإذا سَلَّمت خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك. اللهم تقبل منا صلاتنا وصيامنا وعبادتنا. اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، اللهم علمنا ما جهلنا وذكرنا ما نسينا، ووفقنا إلى ما تحبه وترضاه، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 285

سلسلة مقتطفات من السيرة [١٦] إن مما يجب على المسلم في دينه العلم بوجوب اجتناب أماكن العصيان، والعلم بوجوب الإخلاص لله تعالى في عمله ومتابعة الرسول ﷺ فيما جاء به، والعلم بأحكام الغسل من الجنابة ونحوها، والعلم بأهمية صلاة الجماعة ولزومها على القادر.
следующие страницы →