Полный текст (588 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
النية
وبعد قضاء الحاجة يكون الوضوء، والوضوء له فرائض وسنن، ويجوز فيه أن تتلفظ بنية الوضوء، ويكره أن تتلفظ بنية الصلاة، فيجوز أن تقول: نويت الوضوء، ونويت أن أتوضأ، ولكن لا يجوز لك أن تقول: نويت صلاة العشاء بل إذا صليت خلف الإمام فنية الإمام لك نية، وقد قال أهل العلم: إن النية محلها القلب.
إذاً: يجوز أن أنوي الوضوء جهراً ولو كنت في الحمام، فأقول: نويت أن أتوضأ.
стр. 282
غسل الكفين وتخليل أصابعها
وبعد ذلك غسل الكفين ثلاثاً وتخليل أصابعهما، فيدك اليمين تخلل الشمال، والشمال تخلل اليمين.
ومن كان لابساً لخاتم فعليه تحريكه إذا كان ضيقاً، لأنه عند بعض الفقهاء إذا لم تحرك الدبلة الضيقة يكون وضوءك باطلاً وصلاتك -أيضاً- باطلة، فلابد من أن تحرك الدبلة.
هناك مسألة مهمة في الصلاة، وهي أن الحبيب المصطفى ﷺ نهى عن صلاة الصافد والحاقن والحاقب، والصافد -بالدال- الذي يضم قدميه، وإن من فقه الرجل أن يوسع بين رجليه على مقدار اتساع الكتفين، وأما المرأة فتضم قدميها.
فالحبيب يهتم بك في الصلاة، ولو صليت ورجلاي مضمومتان فليس معنى ذلك بطلان الصلاة، ولكن الرسول يريدك أن تكون خاشعاً في الصلاة.
ونهى ﷺ عن صلاة الصافن، والمراد به من يرفع إحدى رجليه، كما قال الله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ [ص:٣١]، فالخيل الصافنة التي تقف على ثلاث أرجل، فأنت عندما تقف في الصلاة فتعتمد على رجل وترفع الرجل الثانية تنافي حال الخشوع.
ونهى عن صلاة الحابس فلو صليت وأنت حابس ستصلي وأنت قلق، ولذلك لا تصل وأنت تدافع الأخبثين، بل اذهب إلى الكنيف واقض حاجتك ثم صل براحة وكذلك الجائع بشدة لا يصلي حتى يذهب جوعه لفقد الخشوع بالجوع.
стр. 283
المضمضة والاستنشاق
ثم بعد ذلك يتمضمض الإنسان ثلاث مرات على مهل ويرج الماء في فمه رجاً، ويحركه بأصبعه إذا لم يكن معه سواك، فالسر كل السر في السواك، وقد أجرى بعض الباحثين اختباراً للعاب الكائن في السواك والكائن في أصناف المعجونات، فوجدوا أن اللعاب في السواك فيه مادة كيميائية جديدة تقضي على اثنين وتسعين نوعاً من أنواع الميكروبات والبكتيريا، وقد قال ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).
وقال: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب).
والفم والأنف تبع للوجه، فلا تقل: إن المضمضة والاستنشاق، بل هما سنة عند بعض الفقهاء واجبان، وأنا لا أريد أن أدخلك في خلافات الفقهاء، ولكن خذ الكلام بهذه الطريقة، فالفم والأنف تبع للوجه.
فبعد المضمضة تستنشق وتستنثر، أي: تدخل الماء إلى أنفك ثم تخرجه، وتفعل ذلك ثلاث مرات.
стр. 284
غسل الوجه واليدين والرجلين ومسح الرأس والأذنين
ثم يأتي غسل الوجه، والوجه من منبت الشعر الطبيعي إلى أسفل الذقن، وما بين شحمتي الأذنين.
ويتعاهد المرء المناطق الغائرة، وكبير السن يتعاهد التجاعيد ما أمكن.
ثم يغسل اليد اليمنى إلى المرفقين ثلاث مرات، ثم الشمال ثلاث مرات.
ثم مسح الرأس كله ثلاث مرات أو ربعه، وبعد مسح الرأس مسح الأذنين بالسبابة من الداخل والإبهام من الخارج.
ثم غسل الرجلين إلى الكعبين مع تخليل الأصابع، وليس ضرورياً تخليل الأصابع إذا كنت مريضاً.
وبهذا يتم وضوءك، وبعده تقول كما قال ﷺ : (من توضأ ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المطهرين فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء).
وبعد الوضوء تصلي ركعتين إن تيسر لك وبه تخرج الخطايا من كل أعضائك، وبالصلاة تتناثر الذنوب، فإذا سَلَّمت خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك.
اللهم تقبل منا صلاتنا وصيامنا وعبادتنا.
اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، اللهم علمنا ما جهلنا وذكرنا ما نسينا، ووفقنا إلى ما تحبه وترضاه، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 285
سلسلة مقتطفات من السيرة [١٦]
إن مما يجب على المسلم في دينه العلم بوجوب اجتناب أماكن العصيان، والعلم بوجوب الإخلاص لله تعالى في عمله ومتابعة الرسول ﷺ فيما جاء به، والعلم بأحكام الغسل من الجنابة ونحوها، والعلم بأهمية صلاة الجماعة ولزومها على القادر.
стр. 286
ضرورة مجانبة أماكن المعاصي
بسم الله الرحمن الرحيم أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه -بمشيئة الله هي الحلقة السادسة عشرة في سلسلة حديثنا عن السيرة العطرة على صاحبها أفضل الصلوات وأزكى التسليمات من رب الأرض والسماوات، وهي الحلقة الثالثة في الحديث عن الصلاة وأسرارها.
وسوف نطيل الوقفة عند الصلاة؛ لأنها هي الباقية لنا من الدين، فقد ورد في البخاري ومسلم عن الصادق المعصوم ﷺ : (لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، أولها الحكم وآخرها الصلاة) وقد انتقضت عروة الحكم بالإسلام، ولم يبق لنا إلا الصلاة.
ونتوجه إلى الله في ضراعة وابتهال وقلوب مخبتة منيبة عسى أن تكون ساعة من ساعات الإجابة أن يجعل الله برحمته جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً.
اللهم لا تجعل بيننا شيقاً ولا محروماً، اللهم اغفر لنا وارحمنا عافنا واعف عنا، سامحنا وتقبل منا، لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، اللهم اكشف العذاب عنا إنا مؤمنون، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا صدراً ضيقاً إلا شرحته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ولداً عاقاً إلا جعلته باراً بوالديه، ولا طالباً إلا نجحته، ولا صاحب كرب إلا أذهبت كربه، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مسافراً إلا رددته لأهله غانماً سالماً.
اللهم تب على كل عاص، واهد كل ضال، واشف كل مريض، وارحم كل ميت، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.
اجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد: يأتي هذا الدرس في الحديث عن الصلاة في ليلة ينزل فيها سخط الله وغضبه على مصر، فنسأل الله أن تكون هذه الدروس جالبة لرحمة الله بالناس، وأن يجعلنا رب العباد من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعلنا من الذين يتقبل الله منهم أعمالهم، ولعل الله أن يرفع بفضله ورحمته غضبه، من أجل رجل كبير السن أو امرأة فاضلة أو مسلم صالح أو شاب تقي أو فتاة تعرف الله ، أو طفل رضيع لا ذنب له، أو بهيمة ترتع، فينزل علينا رحمته ولا ينزل علينا غضبه ولا عقابه.
ولعل ذلك يجعل المسلمين يستقبلون أي يوم من أيامهم بتقوى الله وبالاستغفار، فربما بات قوم على معصية الله فنظر الله إليهم نظرة مقت فغضب عليهم فلعنهم كما لعن بني إسرائيل من قبل.
فاللهم لا تلعنا معهم يا أرحم الرحمين، واكنفنا بعينك التي لا تنام، واحرسنا بركنك الذي لا يرام، إنك -يا مولانا- على ما تشاء قدير، فلا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، وأنت نعم المولى ونعم النصير.
منا الدعاء وعليك الإجابة، ومنا التكلان وعليك القبول، إنك أمرتنا بالدعاء ووعدتنا بالإجابة، فهانحن قد دعوناك فحقق لنا ما وعدتنا بإجابة دعائك، واغفر لنا وارحمنا يا أرحم الرحمين.
ولعلنا نذكر قصة الحسن البصري الذي كانت له جارية تركها على باب السوق وقال لها: يا ابنتي! امكثي هنا ولا تتحركي من مكانك، وعاد الحسن البصري بعد أن قضى حاجته فلم يجد الجارية، فلما عاد إلى البيت وجدها، فقال لها: يا بنية! لمَ لم تنتظريني كما أمرتك؟! فقالت: يا سيدي تركتني في مكان لا يذكر فيه اسم الله.
فالسوق فيه بايع ومشتر وحلاف مهين وكذاب، فخشيت أن ينزل الله غضبه عليهم فيمقتهم فتكون معهم، فأسرعت من توها لتعتصم بالبيت الذي يذكر الله فيه.
فاجتنب المكان الذي يعصى الله فيه، ولذلك قال الله في أمر الخمر: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠ - ٩١].
فالله قال في مسألة الخمر: (اجتنبوه) حتى لا تجلس في المكان الذي فيه معصية الله؛ لأن الشيطان يسول المعصية للإنسان.
وقد جيء لـ عمر بن عبد العزيز برسالة من واليه على حمص يقول له: هناك ثلاثة أو أربعة من علية القوم شربوا الخمر، فقال: أقم عليهم الحد.
فقال: فلان كان معهم، ولكنه كان صائماً.
فقال: ابدأ به يعني: أقم الحد عليه أولاً؛ لأن الله يقول: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠].
إذاً: أقام سيدنا عمر بن عبد العزيز الحد على الصائم الذي لم يشرب الخمر ولكنه جلس مع شاربي الخمر.
стр. 287
أثر النية الصالحة
والأعمال بالنيات، ولذلك رويت قصة في زمن موسى ﵇ في النية عجيبة، وإننا في دروس العلم نريد أن نصحح أمر العقيدة؛ لأن الذي حفظ المصريين ومصر هو وتد الإسلام، ولو أن الوتد مال لزعزع الإسلام كله.
فالشعب المصري فيه سر غريب، جاءه الفاطميون ليشيعوه، وبنوا الأزهر من أجل أن يكون منارة للفكر الشيعي، فصار الفاطميون أهل سنة.
وتجد فيهم الفطرة الصافية، حتى المنحرف عندما تذكره بالله تجد عنده استجابة، فالجزار الذي لا يعرف الله وميزانه مطفف، واللحمة عنده يملؤها ماءً إذا سمع من يسب الدين في الطريق يخرج بأداة الجزارة.
ففي زمن موسى ﵇ كان هناك رجل يمشي في زمن المجاعة، فأدخل يديه في جيبه فلم يلق مالاً، ففكر قائلاً: ما هو الذي يوجد عندي في البيت لأخرجه لله؟ فلم يجد، فنظر عن يمينه وعن شماله في جبال من رمال الصحراء، فقال: وعزتك وجلالك لو كانت هذه الجبال طعاماً لوزعتها على عبادك، فقال الله لكلميه موسى: بلغ عبدنا أننا قد قبلنا منه صدقته.
إذاً: (إنما الأعمال بالنيات)، فاللهم أحسن نوايانا.
فأنت يمكنك أن تنوي التوبة وأنت نائم.
стр. 288
قرب الشيخ من الرحمة
يروى أن الإمام الحسين بن فاطمة الزهراء ابن سيدنا علي أتاه رجل وقال له: عندي مرض وليس له علاج، فقال له: كل الأمراض لها علاج إلا مرضاً واحداً، وهو الهرم.
يعني: عندما يعجز الرجل.
والذي يعجز نتمنى أن يرضى لنقبل يده؛ لأن رحمة الله متمثلة فيه، لأن العبد إذا بلغ ستين أو سبعين سنة يسمى أسير الله في الأرض.
فيقول الله : عبدي! شاب شعرك، واحدودب ظهرك، ووهن عظمك، فاستح مني؛ فإني أستحي أن أعذبك.
ثم إن الله يأمر ملك السيئات إذا وصل العبد إلى هذه السن ألا يكتب عليه سيئة، ولذلك قيل: إن الله يكره العاصين، وكرهه للشيخ العاصي أشد، فالله يكره أهل المعصية، وعندما يكون الرجل كبيراً في السن عاصياً يكون كره الله له أشد؛ لأن كبير السن متمثلة فيه رحمة الله ، ولذلك قالت البنتان لسيدنا موسى: ﴿لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣].
وفي الحديث (ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويعطف على صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه).
وكان ابن عباس يضع ركاب الفرس لسيدنا زيد أحد كتبة الوحي، فقال له زيد: ما هذا يا ابن عباس؟! فقال: هكذا أمرنا أن نجل علماءنا.
فينزل زيد من فوق الفرس ويقبل يد ابن عباس التي قدمت له الركاب، ويقول: هكذا أمرنا أن نجل آل بيت نبينا، فهذا هو الاحترام المتبادل، فاللهم احشرنا في زمرتهم يا أكرم الأكرمين.
стр. 289
أقسام الناس في الإخلاص والمتابعة
стр. 290
المخلصون المتابعون وأسرار الإخلاص
الناس أقسام أربعة: فقسم فيه إخلاص ومتابعة، وقسم لا إخلاص فيه ولا متابعة، وقسم فيه إخلاص من غير متابعة، وقسم فيه متابعة ولكن لغير الله .
والإخلاص فيه أسرار ثلاثة: الأول: أنه لا يطلع عليه ملك مقرب فيكتبه؛ لأن الإخلاص كما قال الله فيه: (إنما الإخلاص سر من أسراري أستودعه قلب من أحب وأرضى عن عبادي)، فالذي يحبه الله ويرضى عنه يضع فيه الإخلاص.
وقد روي أن سيدنا داود ﵇ أراد أن يشكر ربنا بعد أن أنعم عليه بنعم عظيمة، فقال: (يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك)، فبحث الملائكة عن ثوابها، فلم يجدوا لها ثواباً عندهم، فقالوا: يا رب! كم نكتب ثوابها؟ فقال: يا ملائكتي! اكتبوها لداود كما هي وأنا أجازيه عليها يوم القيامة.
فالإخلاص لا يكتبه ملك مقرب؛ لأنه سر بين العبد وربه.
الثاني: أن الشيطان لا يطلع على قلب العبد المخلص فيفسد الإخلاص فيه؛ لأن الشيطان لا يقدر على المخلص، قال تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر:٤٠].
ولذلك لما كان سيدنا يوسف ﵇ من المخلصين لم يستطع الشيطان إغواءه فقد قال تعالى عنه: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤].
فسيدنا يوسف من المخلصين، فلا يستطيع إبليس أن يغويه.
الثالث: أن المخلص لا يفكر بإخلاصه، فالمخلص لا يعرف أنه مخلص.
فقد بعث سعد بن أبي وقاص رسولاً إلى عمر، وقال: اذهب وبشر أمير المؤمنين بأننا انتصرنا في القادسية.
فذهب الرجل فوصل المدينة في نصف الليل، فقال: عما قريب يطلع الفجر، وحين يدخل عمر ليصلي بالناس سأقول له، قال: فدخلت فصليت ركعتين في الروضة الشريفة فرأيت رجلاً ساجداً في المحراب يبكي بكاء مراً، ويقول: يا رب! لائذ ببابك، عائذ بجنابك، لا تطردني من رحابك.
فقال: إن هذا مسرف على نفسه، إنه رجل عمل سيئات، فسأنتظره حتى ينتهي لأحدثه بأحاديث الرحمة، فلعله قانط أو يائس، فبعد أن سلم واقترب عرف أنه أمير المؤمنين عمر، فقال له: يا أمير المؤمنين! ماذا تصنع هنا؟! فقال: يا أخا الإسلام! إن نمت الليل كله أضعت نفسي، وإن نمت النهار كله أضعت رعيتي.
وقد يسأل أحدنا نفسه سؤالاً فيقول: هل يعقل أن سيدنا عمر يخاف هذا الخوف كله، فيقول: يا ليت أم عمر لم تلد عمر، يا ليتني كنت نسياً منسياً؟! إنك لو سألت أي سارق في الدولة عن مآله بعد الموت لقال: الجنة، وكأن معه صك الغفران.
إن الصحابة الكبار كانوا على وجل، حتى قال الحبيب: (لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته).
стр. 291
إخلاص عطاء بن أبي رباح
ولقد روي أن عطاء بن أبي رباح ذهب ليحج، فبعدما أفاض الحجيج من عرفة، قيل له: أتظن أن الله سيقبل العمل أو لا؟ فقال: أوقن أن الله قبل، لولا أني فيكم، يعني: أنا الشر الوحيد الذي لن ينزل الله الرحمة بسببه.
وعطاء بن أبي رباح هو الذي نام ليلة المزدلفة، فرأى ملكين، يقول أحدهما للآخر: كم حج هذا العام؟ فقال له: ستمائة ألف، قال: وكم قبل الله منهم؟ قال له: ما قبل إلا ستة.
فقام عطاء فزعاً، والواحد منا لو رأى هذه الرؤيا لقال: أنا من الستة، لكن عطاء خاف على نفسه، فظل يدعو الله ، ويقول للناس: ألحوا في الدعاء، وفي ثاني أيام منى أخذته سنة من النوم، فرأى نفس الملكين، فقال أحدهما للآخر: كم حج هذا العام؟ قال له: ستمائة ألف، قال له: وكم قبل الله منهم؟ قال له: ستة، فقال الملك: لكن الله كريم، قال: نعم، إنه أعطى كل واحد من الستة مائة ألف.
وهذا من رحمة الله، ولذلك قيل: إنه لو أتي برجل مؤمن وأعطي مفاتيح الجنة يوم القيامة وقيل له: أدخل من شئت، فإنه سوف يدخل ويقف على الباب ويمنع ويقول: لا نريد الزحمة.
فالإنسان كنود بخيل لا يعرف العطاء، لكن الله كريم يغفر يوم القيامة مغفرة يتطلع إبليس إليها، فيظهر من رحمة الله ما لا يخطر على قلب بشر، فستظهر الرحمة يوم القيامة، حيث يجمع العباد ثم بعد ذلك يقول: يا عبادي! ما بيني وبينكم فقد غفرته لكم، فتصالحوا.
وقد أجاب العلماء عن ذلك السؤال، وهو: ما الذي جعل العظماء من أهل العلم وأهل التقوى يتهمون أنفسهم بالتقصير؟ فقالوا: إن ربنا من رحمته أن ينسي الصالحين الأعمال الصالحة التي يعملونها، فالواحد منهم يعمل العمل ولا يذكر عمله، فيقول: يا إلهي! إنني سأضيع، وسأكون في داهية، فلم أعمل شيئاً.
وأما أنت فإنك إذا عملت حسنة صغيرة تعيرنا بها سنتين، فلو أتى إليك أحد مرة وأخذ منك خمسة جنيهات فإنك بعد ثلاثين سنة تقول له: أتذكر الخمسة الجنيهات التي أخذتها؟! وقد قالوا لـ عطاء بن أبي رباح: يا عطاء! إننا نرى فئراناً كثيرة تخرج من بيتكم، قال: نعم، قالوا له: لماذا لا تحضر قطة؟ قال: أخاف أن تهرب الفئران إلى بيت جاري فأكون قد ظلمته.
إنك قد تحضر الكلاب المسعورة إلى باب جارك، وتتمنى أن شقة جارك تسقط على أولاده.
وسمعت بأذني في عرفة شخصاً يدعو الله بأن يهدم بيته، ويقول: آمين يا مولانا.
فقلت له: آمين على ماذا؟ فقال: أن يهدم الله بيتي، فقلت له: لماذا؟ قال: إن البيت قد أجرته في منطقة مهمة جداً، ويأتي بسبعين جنيهاً في الشهر، ومنذ عشرين شهراً وأنا أطالب جهة الإسكان ولا فائدة، فأدعو الله أن يهده من أجل أن أبيعه، فإن المتر وصل إلى ألفي جنيه! فسبحان الله، أتدعو على الناس؟! لنفرض أن الله استجاب: ﴿وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء:١١].
стр. 292
الإخلاص سر لا يكتبه الملك ولا يفسده الشيطان
فالإخلاص السر الذي فيه أن الملك لا يكتبه، والشيطان لا يفسده، والعبد لا يعرفه فأول نوع من الناس مخلص متابع، عنده إخلاص في العمل ومتابعة لرسول الله ﷺ ، فالذي عمله الرسول يعمله، والذي لم يعلمه لا يعمله.
يروى أن سهل بن عبد الله ذهب إلى أحد أصحابه فأحضر له بطيخاً فلم يأكل، فقال له: ما هذا يا سهل؟! هل البطيخ فيه نص؟! قال: لا، قال: فلم لا تأكل؟! قال: لم يصلني كيف كان يأكله رسول الله.
فانظر إلى المتابعة إلى أي حد وصلت.
وأبو ذر وضع مرة رجله اليسرى في نعله اليسرى، فتصدق بدينار، فقالوا: لماذا يا أبا ذر؟! قال: خالفت سنة حبيبي؛ إذ كان الأفضل أن يضع رجله اليمين أولاً.
وسيدنا أبو طلحة الأنصاري الصحابي الجليل كان واقفاً في بستانه يصلي، فجاء عصفور يشقشق في الشجرة، فشغله العصفور في الصلاة، فصلى وهو مشغول بالعصفور، فبعدما سلم ذهب إلى الحبيب فأخبره وقال: فأشهدك أني قد تصدقت بالبستان لله رب العالمين.
وسيدنا الحبيب روت عنه السيدة عائشة أنها غيرت له شراك نعله البالي، وكان الرسول يصلي أحياناً بنعليه، فلما صلى قال: (أين شراك نعلي القديم، قالت: ولم يا رسول الله! قال: لقد كاد الشراك الجديد أن يشغلني في الصلاة)، يعني: رباط الحذاء الجديد كان سيشغلني في الصلاة، فهو يخشع مع الله رب العالمين.
والنوع الثاني من الناس: ليس عندهم إخلاص ولا متابعة، فهؤلاء فاسقون فجرة.
стр. 293
الإخلاص من غير متابعة
والنوع الثالث: من عنده إخلاص، ولكن لا توجد عنده متابعة، فنيته صادقة، ولكن لا توجد عنده متابعة.
ومثال هؤلاء كمن يرزقه الله بولد، فهو مخلص في حبه لابنه، ولذا يهزه حتى يأتي له ارتجاج في المخ، ويضربه حتى يأتي له صمم.
قال الحبيب ﷺ : (لا يكن أحدكم إمعة، يقول: إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت، بل وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن تجنبوا إساءتهم).
فالرجل من هؤلاء قد لا يجد ما يأكل، ويأخذ من الشئون الاجتماعية مرتباً، وقد تسأل عنه فيقال لك: إنه عمل عيد ميلاد لابنه أو لابنته.
فهو إمعة يعمل عيد ميلاد، ويعمل ذكرى سنوية، وبعض هؤلاء تجده يقول لصاحبه: أنا أعرف أنك خاطب، فيقول له: من أين عرفت؟ فيقول له: الدبلة في يدك اليمين، ويقول له: لقد تزوجت، فيقول: من أين عرفت؟ فيقول: الدبلة في يدك الشمال.
وهذه بدعة منكرة ما أنزل الله بها من سلطان، ومن استن بسنة قوم حشر معهم يوم القيامة، ولذلك كان سيدنا عمر يقول: اللهم لا تجعل لفاجر علي نعمة حتى لا أحبه.
فلو أن شخصاً نصرانياً صنع لك معروفاً، وأخاك المسلم يؤذيك فإنك تحب الكافر؛ لأن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، وكراهية من أساء إليها.
فلو ربينا أبناءنا على الإخلاص والمتابعة لفعلنا شيئاً عظيماً.
стр. 294
المخلصون لغير الله
النوع الرابع: أناس عندهم إخلاص ولكن لغير الله، حيث يقول الواحد منهم: لو أن البنت نجحت في البكالوريوس هذه السنة فإني سأذبح عجلاً للسيد، فارتبط السيد بالعجل ولا أعرف لماذا.
فالسيد البدوي رجل كان تقياً ورعاً عالماً فاضلاً مجاهداً في سبيل الله، وكان يحارب التتار، ولكن لا أعرف ارتباط هذا الرجل الصالح بذبح العجل.
وهناك قصص في هذا الباب منسوجة كذباً، فقد ذكروا أن امرأً من أسيوط كان نذر أنه يذبح البقرة للسيد، وفي الصباح لم يلق البقرة في الزريبة، فظل يبحث عنها ولم يلقها، فذهب إلى طنطا فوجدها مربوطة هناك عند السيد! إنه لابد من أن نرقى في مسألة الفكر؛ لأن الفكر مرتبط بالعقيدة، وعقيدتنا -والحمد لله- صافية ليس فيها ألوان، فالعقيدة صواب أو خطأ، حلال أو حرام، استقامة أو انحراف، وجنة أو نار، ولا يوجد حل وسط.
لقد كان هناك شخص أيام محمد علي في السودان اسمه عثمان الدكين، وكان شيخ طريقة، فبلغهم أن جيش محمد علي ذاهب من أجل أن يحتل السودان ويضمها إلى مصر، فجاءوا إليه فقالوا: يا سيدنا الشيخ، إن محمد علي آت لاحتلالنا، فماذا نعمل؟ فقال: من أين سيأتون؟ قالوا: عن طريق النيل، فقال: أنا سأشرب ماء النيل كله بحيث إن مراكبهم تنزل في القاع وتلصق في الطين! وهناك أخ لي في الله ذهب إلى إحدى جلسات العلم عند أحدهم، فكان الدرس كله على وجوب تقبيل يد العالم.
فهذه حلقة فيها هوى، وانظر إلى الفرق بين هذا وبين الإمام مالك، فعندما وصل هارون الرشيد إلى المدينة أرسل إلى إمام دار الهجرة: يا إمام دار الهجرة! وصلت إلى مدينة رسول الله ﷺ ، وأريد أن تحضر إلي لأدارسك العلم، فأرسل مالك إليه: يا أمير المؤمنين! العلم يؤتى إليه ولا يأتي.
فالذي يريد التعلم يحضر، ولا يأتي العلم إلى البيوت.
ثم قال: يا أمير المؤمنين! إني أعقد درساً بعد صلاة العصر في مسجد رسول الله ﷺ ، فإن أردت أن تستزيد علماً فاحضر، ولكن لا تأت متأخراً وتتخطى رقاب المسلمين، فإن تخطيت رقاب المسلمين أحرجتك أمام رعيتك، فجاء هارون الرشيد متأخراً فجلس في الخلف، وكان يريد أن يرى وجه مالك الذي يقطر نوراً، فقال للخدم! ائتوني بكرسي من أجل أن أنظر، وكل الناس جالسون على الأرض، فجلس هارون الرشيد على الكرسي، فقال الإمام مالك: فيم كنا نتحدث البارحة؟ فقالوا: توقفنا يا إمام عند أركان الصلاة، فقال: وبم وعدتكم البارحة؟ قالوا: وعدتنا أن تحدثنا عن سنن الصلاة، فقال: كلا، سوف نلغي الموضوع ونؤجل سنن الصلاة، وسوف أحدثكم عن التواضع.
وهارون الرشيد لا يتغابى، فعلم أن الكلام عليه فترك الكرسي.
стр. 295
آداب مهمة في الصلاة
سبق الحديث عن الوضوء وآداب دخول دورة المياه، وبيان أن الوضوء ظاهري وباطني، فإذا كنت أنظف الأماكن التي تقع عليها نظرة المخلوق؛ فلابد من أن أنظف المكان الذي يقع عليه نظر الخالق ، ففي الحديث: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).
وقد قلنا: إن الطهارة في الصلاة تشمل طهارة البدن وطهارة الثوب وطهارة المكان، ثم ذكرنا الطهارة الباطنة، وهي طهارة الجوارح من المعاصي، وطهارة القلب من الحقد والحسد والغل والضغينة، وطهارة السر عما سوى الله .
وقلنا: إن كثيراً منا كاذب في صلاته، فعندما أكبر تكبيرة الإحرام وأقول: (الله أكبر)، فمعنى كلمة (الله أكبر) أن الله أكبر من كل شيء، فالله أكبر من كل شيء، فلو غفلت فذكرت الزوجة ومرض الأولاد والجار السيئ وصاحب البيت والمستأجر والمدير لصارت هذه الأمور -والعياذ بالله- أكبر عندك من الله، فستكون الزوجة أكبر، والابن أكبر، والمال أكبر، والرزق أكبر! لكن العبد المؤمن يوقن أن الله أكبر، ولذلك فإنه حين يرفع يديه يلقي الدنيا خلفه ويستقبل الله بوجهه وقلبه، مثل أحد الصالحين الذي كان يقف في الصلاة فيضع الجنة عن يمينه، والنار عن يساره، والصراط تحت قدميه، والكعبة بين حاجبيه، وملك الموت وراءه يظنها آخر صلاة، ويتبع ذلك بالإخلاص في النية، ثم لا يدري أقبلها منه رب العباد أم لم يقبلها، فهذه هي الصلاة.
ولذلك روي أن سيدنا الحبيب ﷺ صلى عند أم سلمة، فتقدم خطوات، ومد يده كأنما يريد أن يأخذ شيئاً، ثم تراجع، ثم أكمل صلاته، فلما أنهى الصلاة قالت أم سلمة: ما هذا يا رسول؟! فقال: أرأيتني يا أم سلمة؟! قالت: نعم، نظرت إليك تقدمت إلى الأمام ومددت يدك ثم أعدتها، ثم عدت إلى الوراء، وأكملت الصلاة، فقال: (بينا أنا أصلي إذا بباب من أبواب الجنة يفتح، وإذا بي أرى عنقوداً من عنب يتدلى من غصن من أغصان أشجارها، فمددت يدي لأقطف لتأكلي منه يا أم سلمة، فقيل لي: إنك ما تزال في الدنيا يا محمد)، فطعام الجنة لا ينفعك في الدنيا، وطعام الدنيا سيريحك الله منه في الجنة؛ لأنه لا ينال إلا بمشقة، فالدنيا لا يأتي فيها الرزق ولا العيش إلا بالكد، وأما الجنة فقد قال تعالى عنها: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان:١٤]، تنزل إلى فمه، ويرى الطائر في سماء الجنة، فيعجبه فيقع مشوياً بين يديه.
وليس بينك وبين هذا النعيم سوى الصبر، فالمسلم صبور؛ لأنه يرجو ما عند الله ، فإذا حرم في الدنيا من نعمة الله سيعوضه الله خيراً منها يوم القيامة.
والمرء يأكل في الدنيا عن جوع، وفي الجنة لا يوجد جوع ولا عطش، وفي الدنيا لو أكلت فأكثرت فإنك تصاب بالتخمة ولكن في الجنة لا توجد تخمة، فلو أكل المرء ألفي سنة لما شعر بالتخمة.
ثم إن أكل الدنيا له فضلات، وأما في الجنة فلا بول ولا غائط ولا مني ولا مخاط ولا عرق، بل تخرج فضلات الأكل على جسد العبد برشح كريح المسك.
فإذا دخلت في أمر الصلاة، فقلت: (الله أكبر) فكأنما ألقيت الدنيا خلف ظهرك واستقبلت الله رب العالمين.
وأول ركن من أركان الصلاة النية، وقد أجاز الفقهاء التلفظ بالنية في الوضوء، فيمكن في دورة المياه أن تقول: نويت الوضوء، لكن العمل وحده مقترن بالنية، فعند دخول الوقت أشمر كمي، إذاً أنا أريد أن أتوضأ، فهذه نية.
стр. 296
صفة الغسل
كيف كان يغتسل رسول الله؟ إن الاغتسال النموذجي للصغير وللكبير أن تعلم أنك أمام أحد أمرين: فإما أن الماء ينزل من صنبور أو دش، وإما أن تأخذه من إناء، فإن كنت ستغتسل من إناء فإنك تأخذه بإناء صغير، ولا تدخل يدك في الماء وأنت جنب، والمؤمن لا ينجس، فإذا كنت جنباً، فإنك تتناول الماء بإناء صغير، ثم بعد ذلك تغسل محل النجاسة، وبعدما تغسل محل النجاسة تغسل يديك، وبعد ذلك تبدأ فتتوضأ.
فقد تقول لك: سمعت شيخاً يجيز أن تضع المرأة على رأسها شيئاً وتغتسل! وقد سمعت هذا، وهذا لا يصح، فيجب على المرأة عند الاغتسال من الجنابة أن تغسل شعرها حتى يصل الماء إلى فروة رأسها وليس من الضروري أن تحل ظفائرها.
وبعد ذلك نأخذ ماء للأذن اليمنى ونغسلها، وكذلك اليسرى، وبعد ذلك نغسل الجسد، فنغسل الجانب الأيمن مع التدليك، ثم الأيسر مع التدليك، وبعد ذلك نصب الماء على الجسم كله.
والركن الأساسي في الاغتسال هو تعميم سائر البدن بالماء الطهور مع التدليك ما أمكن ذلك.
стр. 297
أهمية صلاة الجماعة
ثم بعدما يغتسل المسلم يدخل وقت الصلاة، فهو سيواظب على صلاة الجماعة، ومن واظب على ترك صلاة الجماعة في المسجد فقد أتى كبيرة من الكبائر؛ لأنك إن لم تصل في المسجد، وهذا إن لم يصل في المسجد، وهذا إن لم يصل في المسجد، فإن الجامع سيغلق.
فلذلك قال ﷺ : (لقد هممت بأن آمر بالصلاة فتقام، فآمر رجلاً يؤم الناس، ثم أخالف إلى أناس لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم).
وقد جاء ابن أم مكتوم إلى رسول الله فقال: يا رسول الله! إنني كفيف، وليس لي قائد يقودني، أأصلي الفرائض في بيتي؟ فقال: (أتسمع حي على الصلاة؟! قال: نعم، قال: لا أجد لك رخصة).
قال: إذاً فليس عندنا رخصة في ترك صلاة الجماعة إلا للمريض الذي يخاف أن يعدي إخوانه أو الإنسان الذي يشغله العمل الضروري للقوت عن الصلاة.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا.
وارحمنا يا أرحم الرحمين، واستر عيوبنا، ونق قلوبنا، وثبت أقدامنا يوم تزل الأقدام، وأعطنا كتبنا بأيماننا لا بشمائلنا، اللهم وفقنا إلى ما تحبه وترضاه، اللهم خذ بأيدي أولادنا في الامتحانات، ورقق قلوب الممتحنين لهم، اللهم أبعد عنهم شياطين الإنس والجن، وأكرمهم بالاستقامة كما أكرمتنا يا أرحم الراحمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 298
سلسلة مقتطفات من السيرة [١٧]
لا يزال العبد المسلم في طلب الخير من مظانه مدة حياته، وإن من الخير الذي ينبغي للمسلم علمه أن يعلم أسباب ثقل الطاعة عليه ليتقيها، وأن يعلم الأحكام الشرعية المتعلقة بصلاته، ومن جملتها الأحكام المتعلقة بصلاة فاقد الماء ومن في حكمه، وصلاة فاقد الطهورين، والأحكام المتعلقة بطهارة الحائض والنفساء، والأحكام المتعلقة بصفة الصلاة، وغير ذلك من الأحكام الشرعية.
стр. 299
تغير حال المسلمين
الحمد لله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده.
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد: فنسأل الله أن يغفر لنا ذنوبنا ويرحمنا.
اللهم لا تعذبنا فأنت علينا قادر، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك، ولا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا صدراً ضيقاً إلا شرحته، ولا غائباً إلا سالماً غانماً رددته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا قصمته.
اللهم تب على كل عاص، واهد كل ضال، واشف كل مريض، واقض دين المدينين، اللهم اقض دين المدينين، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.
يا أرحم الرحمين ارحمنا، فإن لم نكن أهلاً لرحمتك فرحمتك أهل لأن تصل إلينا.
اللهم توفنا على الإسلام، اللهم احشرنا في زمرة المؤمنين، اللهم احشرنا في زمرة المؤمنين اللهم أبعد عن بيوتنا وأبنائنا وبناتنا وذرياتنا وأزواجنا شياطين الإنس والجن.
اللهم باعد بيننا وبين الحرام بعد المشرقين، وبارك لنا في الحلال وإن كان قليلاً، وحببنا إلى الحلال يا أكرم الأكرمين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم كما رزقتنا الإسلام من غير أن نسألك ارزقنا الجنة ونحن نسألك، اللهم أدخلنا الجنة بدون سابقة عذاب، اللهم أدخلنا الجنة بدون سابقة عذاب، اللهم أدخلنا الجنة بدون سابقة عذاب، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.
هذه -بمشيئة الله هي الحلقة السابعة عشرة في سلسلة حديثنا في السيرة العطرة على صاحبها أزكى وأفضل الصلوات والتسليم من رب الأرض والسماوات، وهي الحلقة الرابعة في الحديث عن الصلاة.
وإن حلقات السيرة النبوية ليست منهجاً دراسياً نكمله، بل إن حلقات السيرة العطرة حلقات هامة؛ لأنها تلمس كل جوانب الدين الإسلامي من ناحية العقيدة ومن ناحية التشريع.
وحين توقفنا عند أحداث السنة العاشرة من البعثة تحدثنا عن الإسراء والمعراج، فتوقفنا عند أهم نقطة في مسألة الإسراء والمعراج، وهي الصلاة، حتى لقد قال الحسن البصري ﵁: لو بعث أحد من الصحابة في مدينة من مدن الإسلام أو قرية من قرى الإسلام فلن يعرف من الإسلام إلا الصلاة.
فالإسلام انتهى ولم يبق منه للمسلمين إلا الصلاة؛ لأنه سيمشي في الشارع فسيلقى امرأة لابسة بنطلوناً وأخرى لابسة الشورت، وأخرى جعلت شعرها أخضر، وأخرى جعلت عينيها حمراوين، فكل هذا سوف يراه، ولكن يرى نسوة يسرن كما أمر الله ، كما قال الله عن المرأة الصالحة وبنت الرجل الصالح: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص:٢٥]، فلن يجد هذا الاستحياء، ولن يجد حياء عند البنت ولا خفض صوت عند المرأة، بل بالعكس، فربما يجد أصوات الرجال قد انخفضت وأصوات النساء قد علت، فيتعجب من اختلاط الحابل بالنابل، فقد اختلط الرجال بالنساء في كل مكان، وأصبح في هذا الوقت الرجال مختلطين بالنساء في الباصات، وفي مكتب الوظيفة، فكل موظف جالس مع موظفة يتكلمان، ويعرف أدق أسرارها ويقول لك: هذه مثل أختي، وهي تضحك على نفسها وعلينا وتقول: هذا مثل أخي، وأنا أشكو له همي، ومدير المكتب هذا مثل أبي، والموظف الجديد هذا مثل ابني.
واختلطت الأمور ببعضها حتى إن الإنسان لا يستبين الحق من الباطل، ولكن الحق له مقياس واحد، فإن اختلفنا في شيء فحكمه إلى الله وإلى رسوله ﷺ ، فيجب أن نرد كل أمورنا إلى الله ، فلو أن أحداً من الصحابة بعث ونظر إلى الأسر والمجتمعات الإسلامية لهاله ما يرى، بل سوف يراع ويخاف ويرتعش، ويقول: هل هذه هي أمة محمد؟! هل هذه خير أمة أخرجت للناس؟! هل هي الأمة التي فيها الخير كله وفيها البركة كلها، وفيها تتمثل رحمة الله للبشرية كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]؟! فاللهم احشرنا في زمرة الصالحين وأكرمنا ولا تهنا يا أكرم الأكرمين.
стр. 300
أسباب ثقل الطاعة على العبد
ثم إن التوفيق للعبد في العبادة له علامات، وذلك لتسأل نفسك فتقول: ما هو الأمر الذي لم أوفق في الطاعة بسببه؟! فلماذا الطاعة ثقيلة علي، ولماذا المعصية يسيرة علي؟! فالواحد منا يسأل نفسه: لماذا كان قيام الليل صعباً على الواحد منا؟ ولماذا كان صيام الإثنين والخميس مسألة ليست سهلة؟ ولماذا كان الذهاب إلى المسجد يشكل عبئاً على القلوب؟! ولماذا صار قبول الحق صعباً؟! ولماذا لم تعد صفة التواضع فينا هي القاعدة الغالبة والكبر هو الاستثناء؟! فلقد صار الكبر قاعدة وصار التواضع هو الاستثناء! ولماذا صارت الخيانة طبع الجميع، والأمانة صارت استثناء في الناس؟! لقد كان الرعيل الأول إذا دخل الرجل إلى السوق لا يهم من يعامله، بل يقال له: عامل من شئت، وادخل عند أي تاجر في السوق؛ لأن كل التجار صادقون أمناء.
ثم جاء زمن تدخل فيه السوق فيقال: عامل من شئت إلا فلاناً وفلاناً، ثم جاء زمن يقال: لا تعامل إلا فلاناً أو فلاناً، ثم جاء زمن قيل فيه: لا تعامل أحداً.
وهذا الكلام يقوله سيدنا عبد الله بن مسعود، فكيف لو رأى زمننا هذا؟! لقد خرج الإمام أحمد لصلاة العصر فوقعت عينه على كعب امرأة، فوضع العباءة على وجهه وقال: هذا زمن الفتن.
فكيف بـ أحمد بن حنبل لو مشى في شوارع مدننا الكبرى؟! فماذا سيقول؟! نسأل الله العصمة، ونسأل الله الهداية، ونسأل الله الرحمة، ونسأل الله الستر، ونسأل الله العون، ونسأل الله شرح الصدور، إن ربنا على ما يشاء قدير.
فاسأل نفسك وقل: لماذا كانت الطاعة ثقيلة علي، وقبول الحق ثقيلاً علي، ولماذا كان الباطل حبيباً إلي؟! قال ﷺ : (إن الحق ثقيل كثقله يوم القيامة، وإن الباطل خفيف كخفته يوم القيامة)، يعني أن الحق في الدنيا ثقيل كما أنه في الميزان ثقيل، فاللهم ثقل موازيننا يا رب.
وهو في الدنيا -أيضاً- ثقيل على النفس؛ لأن النفس تستهويها المعصية، فأيهما أحب إلى النفس: أن تنام ساعتين بالليل وتغطي نفسك بالبطانية أو باللحاف الجيد وتقفل الغرفة والنوافذ، أو أن تقوم فتتوضأ بماء بارد لتصلي لله؟! وأيهما أحب إلى النفس: أن آكل سبعة أيام في الأسبوع أو أن أصوم يومين؟ وأيهما أحب إلى النفس: أن الحق يظهر، سواء على لساني أو على لسان غيري، أم ألا يظهر إلا على لساني؟! فسيدنا الحبيب ﷺ نهانا عن الجدل؛ لأن الجدال يجعلني أدخل في مرحلة أني أنتصر لنفسي بأي طريقة من أجل ألا يضحك علي أحد، وترى المتجادلين يقول أحدهما: أنا معي الدليل، فيأتي الآخر فيعطيه دليلاً أقوى فلا يلقى قبولاً، بل يقول: هذا حديث ضعيف، مع أنه في البخاري.
فالجدل محرم على المسلم مع أخيه المسلم، ولكنه جائز بين العلماء، فالعالم سيجادل العالم بالحجة فيصل إلى الحق.
وقد قال ﷺ : (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقاً).
стр. 301
الانشغال بالنعمة عن المنعم
وقد أجاب العلماء عن سبب ثقل الطاعة على العبد فقالوا: لذلك جملة أسباب: السبب الأول: انشغال الإنسان المسلم بالنعمة عن المنعم، كشخص يريد مالاً فقال يا رب! ارزقني ألف جنيه، ويظل يدعو، فرزق ذلك الألف، فشغله ذلك الألف.
ولذا قال أهل اللغة: سمي المال مالاً لأنه مال بالناس عن الحق.
وقد روي أن أبا سليمان الداراني كان له أخ في الله، فأغناه الله، قال: حجب الشيطان بيني وبينه، لأن الشيطان يزين له، فيصير الناس على طبقات، ولكن المسلم للمسلم كالبنيان.
وقد روي أن فقيراً دخل مجلس رسول الله ﷺ ، فجلس بجانب رجل غني، فالغني لم عباءته، مثل بعضهم حين يأتي يوم الجمعة آخر الخطبة ومعه سجادته ينظر إلى الناس باحتقار ويبتعد عنهم ويصلي لوحده، يخاف أن يطأ أحد بجانبه فيصيبه بميكروبات.
فلملم الغني عباءته، فأدرك الرسول ﷺ ذلك، فقال: (أيها الغني! أخفت أن يعديك فقره، أم خفت أن يعدو عليه غناك؟!)، ولم يكن الغني مثل غني اليوم يسمع الكلام بأذنه اليمنى ويخرجه من الأذن اليسرى، فقال: نزلت له عن نصف مالي يا رسول الله.
فقال رسول الله ﷺ : (أتقبل يا فقير؟ قال: لا يا رسول الله.
قال: لماذا؟ قال: أخاف أن يدخلني من الغرور ما دخله)، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٨].
يا ابن آدم! إنك تنزل من مجرى البول مرتين، أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وتحمل في بطنك العذرة، وقد قلنا: إن فضلات الحيوانات التي يؤكل لحمها طاهرة، فلو لمست ما نزل من الجاموس والبقر والغنم فإني أصلي، ولو مسست ما ينزل من ابن آدم فقد تنجست، فلم تتكبر على خلق الله؟! والكبر عند العلماء أنواع، فإما أن يكون بالمال، وإما أن يكون بالعلم، وإما بالعبادة، وإما بالجاه، وإما بالمنصب، وإما بالأتباع، فبعض الناس يتكبر بالمال، ولذلك يقول سيدنا علي ﵁: رأيت الناس قد مالوا إلى من عنده مال ومن لا عنده مال فعنه الناس قد مالوا رأيت الناس قد ذهبوا إلى من عنده ذهب ومن لا عنده ذهب فعنه الناس قد ذهبوا رأيت الناس منفضة إلى من عنده فضة ومن لا عنده فضة فعنه الناس منفضة والإمام الشافعي يقول: حتى الكلاب إذا رأت غنياً حركت أذنابها، وإن رأت فقيراً كشرت أنيابها.
فالكلاب تنظر إلى الفقير المسكين فتنبح عليه؛ لأنه ليس عنده شيء يعطيه لها، ولكن الغني تتملق إليه: إن الدراهم تكسو الرجال فصاحة وكمالاً.
فقد كان اسمه بكراً، فلما غني سمي (الحاج بكر)، والفارق المال.
قيل لـ قارون: هات الزكاة يا قارون.
فقال: زكاة ماذا؟ قيل: زكاة المال، قال: مال من؟ قيل: مال الله، قال: لا، ليس مال الله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]، وهذا طبع الناس كلهم، يقول المرء: إنني تعبت في السعودية وتعبت في الخليج في جمع المال.
والذين يريدون الحياة الدنيا ينظرون إلى السيارات الفارهة والطيارات ولا يدرون أن من فيها يحملون أمراضاً ومشاكل، فاترك العباد على رب العباد يغني من يشاء ويفقر من يشاء.
قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩]، أي: لو أن لنا مثل قارون! فقال المؤمنون: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ﴾ [القصص:٨٠] وفي آخر القصة بعدما قال الله : ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص:٨١] قال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ [القصص:٨٢] فتغير الحال.
ومن التكبر التكبر بالعلم، وهذا من أسوأ أنواع الكبر، فإذا تكبر العالم بعلمه كان -والعياذ بالله- أول من تسعر به النار يوم القيامة، نسأل الله سبحانه أن يبعدنا وإياكم عن طريق هؤلاء.
ومنه التكبر بالجاه وبالمنصب وبالأبناء، فكل هذا من أنواع الكبر.
ومنه الكبر بالعبادة، كأن تذهب إلى جارك فتقول له: يا فلان! لماذا لا نراك في درس ولا في الجامع؟! لماذا أنت هكذا؟! إن آخرتك سيئة يا أخي! وكأن آخرتك أنت هي الطيبة! فادع الله له بالهداية، ولا تظن أنك قد وصلت، فكلنا يطرق الباب عسى رب العباد أن يفتح، وأنت لا تعرف لمن يفتح.
فانشغال الناس بالنعمة عن المنعم سبب من أسباب ثقل الطاعة، فإن انشغلت بالنعمة فإنك تظل تتذكر نعمة الأولاد ونعمة الزوجة ونعمة البيت وتنسى الذي أنعم والذي أعطى والذي وهب، وهو الوهاب الفتاح العليم الرزاق الناصر المعين الستير.
стр. 302
الاغترار بصحبة الصالحين
السبب الثاني: الاغترار بصحبة الصالحين وعدم الاقتداء بهم.
فيقول المرء: كنا أمس مع العالم الفلاني فأحضر لنا كذا وكذا، ويفتخر، فماذا عملت بالذي سمعته منه؟! إن لنا سنوات طويلة نسمع فيها من العلماء، فماذا صنعنا؟! فحالنا هو الاغترار بصحبة الصالحين وعدم الاقتداء بهم.
وذلك لا ينفع، فـ عبد الله بن أبي ابن سلول صحب رسول الله ﷺ ، وكان يصلي وراءه، فماذا فعلت صلاته خلف رسول الله ﷺ ؟! ولذلك المسلم لا يظن أنه مادام يمشي مع الرجل الصالح الذي يحسبه صالحاً فقد أخذ براءة، فمن اعتقد هذا كان كحال أهل صكوك الغفران، وهي صكوك عند النصارى كانوا يوزرعونها في الكنيسة، وعندهم اليوم شيء اسمه كرسي الاعتراف، وفي الإسلام ليس هناك كرسي اعتراف، فالذي أذنب يذهب ويتوضأ ويصلي ركعتين لله بنية التوبة، فيقول الله: قبلت يا عبدي، ولا توجد واسطة بينك وبين الله، ولا أي أحد، ولا رسول الله ﷺ .
وهناك يذهب المرء إلى الكنيسة، فيقول له صاحب الكنيسة: بكم ستتبرع؟ فيقول: سأتبرع للكنيسة -مثلاً- بعشرين هكتاراً أو خمسين هكتاراً أو مائة هكتار، فيقول له: خذ هذا الصك، وفيه أن الرب يسوع غفر لفلان ومسح ذنوبه ولن يدخل النار.
فهذا الحاصل عندهم، وقد ذكر أن شخصاً كان ذكياً ناصحاً، فذهب إلى البابا وقال له: ماذا يشتري من عندك الناس؟ قال: يشترون قطعة في الجنة، فقال: أنا أريد أن أشتري جهنم! فقال: وهل أحد يريد أن يشتري جهنم؟! قال له: أنا حر بمالي أعمل ما بدا لي، فهل تبيع لي جهنم؟ فقال له: أبيعها بخمسين هكتاراً، فقال له: هذه خمسون هكتاراً، وأخذ صكاً فيه أن فلاناً الفلاني اشترى من البابا النار، ثم ذهب فجلس على الباب، فكان يلقى الشخص آتياً، فيقول له: إلى أين؟ فيقول: أذنبت كثيراً وأريد أن أجلس على كرسي الاعتراف من أجل أن أشتري قطعة من الجنة، فيقول له: من أي شيء تخاف؟ فيقول: أخاف من النار، فيقول: إنني قد اشتريتها! وهذه قصة وقعت؛ لأنه إذا غاب العقل فظن شراً ولا تسأل عن الخبر.
стр. 303
عدم قبول الحق
السبب الثالث: عدم قبول الحق: والحق ثقيل على القلوب؛ لأن الدنيا مدبره عنا ونحن نجري خلفها، والآخرة مقبلة علينا ونحن مولون أظهرنا لها.
فالدنيا ستنتهي، وكل يوم ينتهي ينقص من عمرك ويقربك من الآخرة، والمصيبة أنه كلما طالت الحياة بالمرء، تلقاه يمسك بالدنيا بيديه ولسانه، وينسى الآخرة.
فطول الأمل ينسي الآخرة، والهوى يصدك عن الحق، ويجعلك لا تقبل الحق.
стр. 304
أحكام الطهارة
стр. 305
تيمم فاقد الماء ومن في حكمه
كنا قد انتهينا إلى استقبال القبلة للصلاة، وتحدثنا عن تكبيرة الإحرام، فهي مأخوذة من لفظ الإحرام وكأن العبد يطوف حول الكعبة، وقلنا: إن إشارة العبد بيديه في تكبيرة الإحرام كأنما يلقي بها الدنيا خلفه ويستقبل الله بقلبه وبوجهه.
هناك مسألة في الطهارة، وهي فيمن لم يجد الماء، أي: فاقد الماء الطاهر في نفسه المطهر لغيره، أو الذي لم يجد من الماء إلا ما يكفي لشرب الإنسان، والحيوان المحترم، والحيوان المحترم هو الذي نأكله نحن ونستفيد منه، كالبقرة، والنعجة، وكذلك ما ينتفع به لغير ذلك، كالقطة وكلب الصيد وكلب الحراسة، فكل هذه محترمة.
فالماء إذا كان لا يكفي إلا هذا الحيوان فلا يصح أن أتوضأ به.
وانظر إلى حنان الإسلام، وانظر إلى عظمة الإسلام، فقد دخلت امرأة النار في هرة، والرجل المسرف على نفسه دخل الجنة في كلب.
ويقولون لنا اليوم: هناك جمعية الرفق بالحيوان، ومن قصصها أن كلباً حبس في شقة في إحدى شقق لندن، فجاء مفتش جمعية الرفق بالحيوان، وبعد وقت فتحوا الباب، فوجدوا أن صاحب الكلب كان يريد أن يخرج، فتعلق به الكلب، فتشاجر صاحب الكلب مع كلبه فعض الكلب في أنفه، لأنه من تربى مع شيء تخلق بأخلاقه، وكان الكلب ينزف، فالمهم أن القاضي حبس الرجل شهراً وغرمه مائة جنيه إسترليني.
وعندنا في الإسلام أحسن من هذا، فسيدنا عمر لقي رجلاً حمل حماراً أكثر من حمله، وكان الحمار لا يستطيع أن يمشي، فقال له عمر: حمار من هذا؟ فقال له: حماري، قال له: وما فوقه؟ قال: هذه أشياء لي، فقال: يا محمد بن مسلمة! حمله ما حمل الحمار.
فإذا بالرجل يسقط على الأرض، فقال له: أرأيت، أليس ذلك حراماً عليك؟! فهذا هو الرفق.
وكان سيدنا عمر يأتي إلى إبل الصدقة التي فيها جرب ويدهنها بالقطران بيده، ويقول: لو أن بغلة عثرت بالعراق لخشيت أن يسألني الله عنها: لم لم تسو لها الطريق يا عمر.
فهذا هو الشعور بالمسئولية.
ففاقد الماء، والذي لا يستطيع استخدامه؛ لأنه بارد بشدة، أو لأنه حار بشدة، ولا يوجد إناء آخر، أو أراد شراءه ولكن من يريد أن يبيع الماء لي يريد أن يبيعه بثمن أكثر من الثمن المعقول، وهذا يسمى فاقد الماء حكماً، فكل هؤلاء يعدلون إلى التيمم، فالإسلام علمنا التيمم، فييمم الإنسان وجهه وكفيه.
ومعنى (تيمم): توجه، ولذلك يقال: يمم صوب البلدة الفلانية.
فأنت تتيمم من الصعيد الطاهر الطيب، فكل ما جنسه الأرض، وكل شيء أصله من الأرض يمكن أن أتيمم منه، وكذلك لو كانت الوسادة عليها تراب، أو السجادة، أو البلاط، أو أي شيء طاهر ليس فيه نجاسة.
فأضرب بيدي ضربة واحدة، ثم أمسح وجهي، ولو كانت الأرض ترابية أو رملية فإني أضرب بيدي وأنفضها.
فانظر إلى حنان الإسلام وعظمة الإسلام، إلى درجة أن الفقهاء قالوا: إن المسلم إذا وجد ماء قليلاً لا يكفي لاغتساله وهو جنب، أو كانت الحائض تريد أن تقوم للصلاة بعد أن ذهب الحيض وتريد أن تغتسل وكان الماء قليلاً؛ فإنها تعدل إلى التيمم.
والوضوء لا يرفع الجنابة، وإنما يرفع الجنابة الاغتسال أو التيمم.
فأوامر الإسلام يقال فيها: سمعاً وطاعة، فيوم العيد نفطر فيه ولا نصوم، مع أن اليوم الذي قبله من رمضان يحرم فطره، وكذلك الحجر الأسود نقبله، وكل ذلك لا ندري بعلته.
وقد بعث النبي ﷺ سرية، فأصابت رجلاً منهم شجة، فأجنب في الليل، فسأل أصحابه فقالوا: لابد من أن تغتسل، فاغتسل فمات، فقال الحبيب: (قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟! إنما شفاء العي السؤال) فالذي لا يعرف لا حرج عليه في أن يسأل؛ لأن المتكبر بطبيعته لا يحب أن يسأل.
ويروى أن عمرو بن العاص رضوان الله عليه أصبح جنباً، وكان أمير السرية، ولم يكن يعرف الحكم، فتمرغ في الأرض وصلى بأصحابه، واستفتي الرسول فأجاز ما صنع عمرو.
وهناك صورة مثالية للتيمم، وهي أن أضرب الصعيد بيدي، وأضع كف يدي اليسرى على ظهر يدي اليمنى وأمرها على الظهر، وبعد ذلك على البطن، وأجعل بطن الكف الأيمن على ظهر الكف الأيسر، ثم أمرها على البطن، وبهذا أكون طاهراً، سواء من جنابة أو من حدث أصغر، وأصلي ما أشاء بهذا التيمم إلى أن ينتقض التيمم، ونواقضه نواقض الوضوء العادية، كخروج الريح.
стр. 306
حكم ما يشكل من الريح
وهنا مسألة في يسر الدين، فسيدنا أبو هريرة جاء إليه رجل فقال له: إني أشعر أن شيئاً يخرج مني مثل الريح.
وهذا من عمل الشيطان، فهناك شيطان اسمه خنزب، وعمله أخذ الصلاة مقاولة، فمن أول دخولك دورة المياه حتى تسلم وهو معك، فبعدما تتوضأ يأتي فينفخ في الدبر فيخيل إليك أنك أخرجت ريحاً، فقال أبو هريرة للرجل: أسمعت صوتاً؟ قال: لا، قال: أشممت ريحاً؟ قال: لا، قال: أنت طاهر.
فعندك قانون الصوت والرائحة، فإذا لم تشم ريحاً ولم تسمع صوتاً فأنت طاهر؛ لأن عمل الشيطان يشغلك في الصلاة فيعمل لك هذا الإزعاج، فاحذر الوسوسة أن تدخل فيها فتحال حياتك إلى جحيم، فإذا فتح لك باب الوسوسة فقل: اخسأ يا لعين، ولا تفسد علي عبادتي لله رب العالمين.
стр. 307
صلاة فاقد الطهورين
وهنا مسألة أخرى، وهي فاقد الطهورين، وهو الذي لا يجد ماءً ولا يستطيع أن يتيمم، كشخص عمل عملية وهو على السرير، فلا تسقط الصلاة عنه؛ إذ لا تسقط إلا عن الميت، ومن في حكمه، كالذي في غيبوبة، فتسقط عنه الصلاة إلى أن يزول المؤثر، فتجب عليه الصلاة أول ما يفيق.
وكذلك المجنون يعقل، والنائم يصحو، فكل هؤلاء مكلفون بالصلاة، ولا تسقط عنهم الصلاة.
فإن كان المريض لا يستطيع الحراك، ولا يجد من يوضئه أو ييممه، فإنه يصلي على السرير الذي هو عليه ولو إلى غير القبلة، ولو كان عليه نجاسة، كدم في ثيابه وصديد وجراح، فيصلي ولو بعينيه، فإن لم يستطع فليذكر الله في قلبه.
فمن قال: لا أستطيع الصلاة قائماً قلنا: صل قاعداً، فإن لم تستطع فصل مضطجعاً، فإن لم تستطع فصل مستلقياً، فإن لم تستطع فصل بعينيك، فإن لم تستطع فاذكر الله في قلبك، فالصلاة لا تسقط إلا عن ميت فقط.
стр. 308
حكم انقطاع دم النفساء قبل الأربعين
وهنا مسألة مهمة، وهي أحكام الحيض والاستحاضة والنفاس.
وقد كانت الأم تقول لابنتها: عندما تلدين -يا ابنتي- لا تصلي قبل أربعين يوماً فأصبح عند المرأة عقيدة أنها لا تصلي، ولا يعاشرها زوجها إلا بعد مرور أربعين يوماً، وهذا غير صحيح؛ فالقضية عند الفقهاء بإجماع مرتبطة بانقطاع الدم، فلو انقطع الدم عقب الولادة بلحظات فإنها تغتسل وتصلي ويعاشرها زوجها.
وهناك نساء كثيرات جداً عندما يحسب ما تركن من الصلاة يكون أمرهن خطيراً؛ لأن المرأة حين تطهر من الحيض تماماً تجب عليها الصلاة.
وبعضهن تطهر بعد صلاة الظهر فتقول: سأغتسل غداً وأبتدئ أصلي من الصباح، وهي طاهرة في بقية اليوم من الدم، فيكون عليها صلاة عصر وصلاة مغرب وصلاة عشاء، وعندما تضرب هذا في خمسين سنة يكون على هذه المرأة صلوات كثيرة، وهذه مشكلة كبيرة، فستأتي يوم القيامة وهي أسيرة جهلها.
فبعد الولادة حال انقطاع الدم تغتسل وتصلي وتصوم إن كانت قادرة، وما تركته يكون في ذمتها، فنج نفسك -أخي- قبل الممات وبلغها، وقل لها: هل صمت الأيام التي عليك؟! وهل صليت ما عليك؟! إن المرأة تمكث ثلاث ساعات في المطبخ لا تكل، وعند الصلاة تقول: يا سيدنا الشيخ! عندي روماتزم في ركبتي، فهل أصلي وأنا جالسة؟! إن الصحابي كان يرفع المطرقة فيسمع الأذان فيرمي المطرقة ويقول: لا بورك في طرقة سمع صاحبها الأذان ثم لم يجب.
فالله لن يبارك في هذه الطرقة، فالصلاة أولاً، والذي يتعود على أن تكون الصلاة أول أمره تصير ملكة له، فحين يسمع الأذان يمشي في أول الوقت، فأول الوقت رضوان، وأوسطه رحمة، وآخره مغفرة.
стр. 309
صفة الصلاة
стр. 310
كيفية رفع اليدين حال تكبيرة الإحرام
قلنا: إن أول ركن من أركان الصلاة النية، والنية محلها القلب، ثم تكبيرة الإحرام، ثم الوقوف لها، أي: لتكبيرة الإحرام، ولابد من أن تتوجه إلى القبلة وتقف ثم تكبر.
والرجل يرفع يديه بحذاء شحمة أذنيه حتى يمسهما بالإبهامين، من أجل أن نخرج من خلاف الفقهاء، والمرأة لا تعمل هكذا؛ لأنها عورة، وأما الرجل فبخلافها، فإذا أخذت ثوباً واشتملت به من السرة إلى الركبة فصلاتي صحيحة إن شاء الله، وأما المرأة فجميع جسدها عورة، ولابد أن تنبهوا نساءكم على أنه من باب الأحوط أن تغطى ظهور الأقدام، فإما أن يكون الثوب طويلاً، وإما أن تلبس شراباً، ولكن ليس مما يكشف الساق، بل هو السميك الذي يمسح عليه.
وبمناسبة ذكر المسح أقول: إذا توضأت في الصباح وصليت الفجر وارتحت قليلاً، وبعد ذلك أتى الضحى فتوضأت وصليت ركعتي الضحى وتوكلت على الله فلبست الشراب ثم ذهبت إلى العمل، ثم بعد ذلك انتقض وضوءك، فإنك تتوضأ وتمسح على الشراب.
وأما كيف أمسح فبأن آخذ الماء بيدي وأنثرها وآتي إلى ظاهر القدم فأمسحه، فهذا هو المسح على الجورب، ويجوز لي أن أمسح على الجورب يوماً وليلة إذا كنت مقيماً، وإذا كنت مسافراً فثلاثة أيام بلياليها.
وعودة إلى ما سبق أقول: إن لك أن ترفع يديك إلى أذنيك، أو إلى حذاء المنكبين، وأما المرأة فتقول: الله أكبر رافعة يديها إلى حذاء المنكبين فحسب، كما أنك تجهر في الصلاة في الركعتين الأوليين من الرباعية وفي ركعتي الصبح وركعتي المغرب، وأما المرأة فكل صلاتها سرية، وإذا صلت إمامة بالمسلمات تقف وسطهن، والصوت الذي يخرج منها هو (الله أكبر) و (سمع الله لمن حمده) فقط، أما غير هذا فلم يرد به نص، وذلك لأن المرأة عورة، ولذا تلم نفسها في صلاتها.
стр. 311
قراءة الفاتحة
وبعد تكبيرة الإحرام مع القيام لها قراءة الفاتحة، ولابد من إظهار كل حرف منها، فلو أن حرفاً من الفاتحة ضاع لبطلت الصلاة، إذ لا صلاة إلا بأم الكتاب.
والسرعة بها قد تسقط بعض حروفها، والشيطان لن يتركك تقرأ بهدوء، فيقول لك: الأوتوبيس كاد أن يحضر، فتبدأ تسرع في القراءة، يريد أن يضيع صلاتك، فتسرع حتى لا تعلم ما قلت.
وإذا قرأت الفاتحة واضحة وأتيت بها واقفاً، فلم تقرأ نصفها وأنت واقف والبقية وأنت راكع، فإنك تقول في آخرها: ((وَلا الضَّالِّينَ)) آمين.
و (آمين) ليست آية من آيات الفاتحة، وإنما هي من رحمة الله، ومعناها (استجب يا رب).
стр. 312
صفة الركوع
فإذا قرأت الفاتحة وقرأت السورة بعدها تركع.
والركوع النموذجي كما كان يركع رسول الله ﷺ ، فقد كان يضع يديه على ركبتيه شاداً ذراعيه مفرجاً بين أصابعه، ورأسه في استواء مع جسده، فلو وضع إناء على ظهره الشريف مليء بالماء لاستقر.
فهذا هو الركوع النموذجي عند رسول الله ﷺ ، كما جاء في الكتب الصحيحة.
стр. 313
حكم تغميض العينين في الصلاة
وفي الصلاة حال القراءة تفتح عينيك؛ لأن بعض الفقهاء يكره تغميض العينين، لكن إذا وجدت أن تغميض العينين مدعاة للخشوع فغمض؛ لأن الصحابة كانوا يصلون على حصى وعلى رمل، ولذلك يبعد عندهم الانشغال بغير الصلاة، وأما أنت فتصلي على سجادة في البيت شكلها غريب، فيأتي الشيطان وأنت في الصلاة فيشغلك.
وقد كره الفقهاء أن تصلي على ثوب فيه صور؛ من أجل أننا نريد أن تكون الصلاة فيها خشوع، ولذلك يروى أن سيدنا عمر أتى برجل ليبني مسجداً فقال له: لا تحمر ولا تخضر ولا تصفر، بل أكن الناس من البرد ومن الحر والمطر، فهل ستجد في هذه الأيام مثل هذا المسجد؟! ليس من الممكن.
وقد كان لي أخ كريم رافقني في العمرة، فذهبنا إلى مسجد القبلتين، وهو أستاذ عمارة خريج هندسة في العمارة، فسمع درساً لي ذكرت فيه حديث: (إذا زخرفتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدمار عليكم)، يعني أن المصحف حين يكون مصبوغاً وملوناً، والجامع حين يزخرف ولا يوجد فيه من يصلي يحل الهلاك.
وكان المسجد في الزمن الماضي فيه حصى ورمل وهو مليء بالناس، فقال لي: لا يا سيدنا الشيخ، الجامع بالزخرفة سيكون شكله جميلاً، والواحد منا يحب أن يجمل بيته.
فقلت: يا أخي! ذاك بيتك، وأما المسجد فمحل الخشوع، فقال: لست مقتنعاً، فقلت له: انتهينا، فذهبنا إلى مسجد القبلتين، فوقف يصلي في القبلة، وقد عملوا لها زخرفة غريبة، ولكونه صاحب خبرة في الهندسة المعمارية ظل ينظر فيها، ثم رجع يقول لي: ﷺ ، فقلت له: ماذا حصل؟ فقال: لم أكن في ركعتين ولا في نصف، بل مكثت أنظر إلى الزخرفة التي في القبلة.
فقلت له: إن الرسول يأتي بجوامع الكلم من أجل أن يريحك، لكن أنت تريد أن تجرب، والإسلام لا يدعمك بالتجربة، وإنما يعطينا التجربة جاهزة، فيقول لك: هذا حلال وهذا حرام، فيريحك، فقال لك: لا تصل وأنت جائع، أو حابس للبول، أو تدافع الجوع، فكل هذه الحالات ليست وقت طمأنينة، وأريدك في الصلاة أن تكون مستريح البال.
стр. 314
حكم تسبيحات الركوع
والتسبيحات التي في الركوع ليست فرضاً، وإنما الفرض الركوع والاطمئنان فيه، ولما نزل قول الله : ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٧٤] قال: (اجعلوها في ركوعكم) فلما نزل قول الله : ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] قال: (اجعلوها في سجودكم).
إذاً: الصلاة كلها قرآن، فتقول في الركوع: سبحان ربي العظيم، وتسمع العجب من بعض الناس بجانبك في الصلاة، والنبي ﷺ يقول: (صلوا كما رأيتموني أصلي) هكذا قال رسول الله ﷺ فلا نؤلف من عندنا صلاة.
وآخر يأتي ويقول في التشهد: اللهم صل على سيدنا محمد، والوارد: (اللهم صل على محمد)، فسيدنا الحبيب كان يقول حين كان يصلي: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.
فهو في غير الصلاة سيدي وتاج رأسي، ولكن في الصلاة لا سيد مع الله، فنريد أن تكون العقيدة صحيحة، وهذا الكلام فقه، والفقه ليس فيه بيع حمص، بل هو فقه حلال وحرام، يدخل الجنة ويدخل النار.
فعندنا كتاب وسنة، ونحن ملتزمون -بفضل الله- بالكتاب والسنة، فاللهم اعصمنا بكتابك وسنة رسولك يا رب العباد.
стр. 315
ذكر ما يقال بعد الرفع من الركوع
وبعد الرفع من الركوع تقول (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد).
ولك أن تطيل كما ثبت في الحديث، فتقول زيادة على ذلك: حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، لربي الحمد، لربي الحمد، لربي الحمد، تقولها إحدى وعشرين مرة كما قال سيدنا الحبيب.
стр. 316
الأسئلة
стр. 317
حكم من طلقت بعد العقد عليها والخلوة بها قبل البناء
السؤال
امرأة قد طلقت من زوجها قبل البناء بعد أن تم العقد عليها، وبعد أن طلقت من زوجها ذكرت أنه قد حدثت خلوة بينهما، ولكنها يوم الطلاق لم تقل للمأذون بأنه حدثت خلوة بينهما، فما حكمها في الإسلام؟
الجواب
هذه قضية خطيرة، فعندما نعقد القران فليس معناه أنها أصبحت كلأ مباحاً، فأتمنى عدم الخلوة، والأصل أن يكون العقد والبناء في يوم واحد من أجل ألا تحصل مشاكل، ولا يقل قائل: إنها امرأتي؛ إذ لابد من أن يعرف الناس أنه قد خلا بها؛ لأنه لو حدث في هذا النهار حمل، فابن من سيكون؟! وليعلم أن ذلك ليس بحرام، فالعقد يصير المرأة زوجة، فما حدث حلال ليس بحرام، ولكن لابد من أن يعلم الناس أنه قد حدثت خلوة، وعندما طلقت هذه الأخت كان لابد لها من أن تقول: إنه حدثت خلوة.
стр. 318
ما تصنعه مريدة الحجاب حال رفض أهلها
السؤال
أخت تريد أن ترتدي الخمار، ولكنها تلاقي من والديها رفضاً شديداً، ولا تقدر على إقناعهما، فماذا تفعل؟
الجواب
تكلم قريباً لها أو رجلاً ذا مرتبة عالية في أسرتها أو امرأة طيبة لإقناع الأب والأم.
стр. 319
كيفية قضاء الصلوات المتروكة
السؤال
كيف يصنع بالصلوات المتروكة؟
الجواب
تصلي مع كل فرض الفرض الذي ترك.
стр. 320
ما يصنعه من يرى في النوم ما يزعجه
السؤال
أقرأ القرآن كل يوم قبل النوم، ولكني أحلم كل يوم وأظل أصيح حتى يوقظني من بجواري في الفراش، فكيف أصنع؟
الجواب
هذه مرحلة مؤقتة إن شاء الله، وسوف يعود الاطمئنان، وعليك أن تختمي القرآن بالمعوذتين وتمسحي جسدك بهما.
следующие страницы →