← Джавами‘

Джавами‘ · id 37046

دروس الدكتور عمر عبد الكافي

عمر عبد الكافي

Полный текст (165 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

جوانب الشكر الشكر له جوانب وهي: حب المشكور، والثناء عليه، والخضوع له، وعدم استعمال نعمه فيما يغضبه. أول جانب من جوانب الشكر: أن تخضع لصاحب النعمة. فقد أنعم الله علينا بصغير الأمر وكبيره، وأعطانا مثلاً: الصحة، فإن هناك أناساً آخرين ليس عندهم صحة، قال الشاعر: لا تعجبين من سقمي صحتي هي العجب يعني: من كثر البلاء الذي رآه في جسده قال: لا تستغربين من المرض الذي عندي ولكن استغربي من الصحة المتبقية لدي. فالإنسان منا عندما يُنعم عليه بالصحة يراها نعمة لا يتساوى فيها كل الناس، فليس كل إنسان عنده صحة، وليس كل إنسان ظهره سليم ويستطيع أن يقف في المسجد نصف ساعة، هناك أناس يبكون بكاءً مراً في الهاتف ويقولون: نتمنى أن نصلي معكم مثل زمان، لكن لا نستطيع أن نمشي ولا أن نأتي إليكم، ادعوا لنا، الهم اشفهم واشف كل مريض. فأنت في نعمة الصحة يجب أن تحمد الله عليها، وهذه نعمة أنت متفرد فيها، ولا تظن أن جميع الناس أصحاء، فلو كشفت الغطاء أو حللت بعض التحاليل لجميع الناس لوجدت في الألف رجلاً واحداً صحيحاً والباقي مرضى، والرجل المسكين الذي كان يحكي عنه الشيخ كشك ربنا يبارك فيه، عندما ذهب ليمتحن فصعبوا له الامتحان حتى لا يتم تعيينه، لأنهم لا يريدون تعيينه. فقال الرجل: هم يتعذرون بأن البول فيه شيء ما، فأخذ قليلاً من ماء الحنفية وأعطاها لصاحب المعمل، وهم في نيتهم ألا يعينوه، فقال صاحب المعمل: البول فيه سكر وبلهارسيا وغير ذلك، فقال له: اذهبوا فاشتكوا أصحاب الصرف الصحي هؤلاء، ولا تشتكوني أنا. وعندما تذهب لعمل رسم القلب وأشعة مقطعية وغير مقطعية فإنك تسمع صوت الدم وهو يندفع بين حجرات القلب مثل شلالات نياجرا، فهو صوت رهيب، وحركة القلب رهيبة. وامرأتك عندما تحمل وتقول للطبيب أو الطبيبة: هل الجنين ولد أم بنت؟ فإنك تسمع الولد يتنفس بالدقة ويتهيأ لك أنه يتنفس وهو لا يتنفس، بل هو صوت الجنين وهو في بطن أمه. ولو ظهرت أصوات حركة الدم داخل جسمك وصارت جلية لما طابت لنا الحياة لحظة، لكن كل شيء مكتوم، فنعمة الصحة نحن متفردون فيها، ثم إنها نعمة من المنعم سبحانه. والحمد لله أن الصحة لا توزعها وزارة الصحة، ولو أن الصحة كانت توزع من قبل الوزارة بالبطاقة لخسرنا الكثير من الصحة، والحمد لله على نعمة هذا الهواء وأنه لا توجد وزارة للهواء. فالنعم التي جعل الله قيام الحياة بها لم يجعل لأحد فيها يداً أو سبيلاً، فلم يجعل حنفية الهواء عند أحد، وإلا لو جعلها عند أحد لاغتاظ منك ولقفل عليك حنفية الهواء، فمن رحمة الله علينا أن النعم التي لا نحيا إلا بها أنها بيد المنعم . فلا تستخدم نعمة الصحة فيما يغضب الله، فربنا أنعم علينا بالرئتين فلا ندخل إليه الدخان، فإن الدخان فيه إهدار لنعمة الله، وأعطانا نعمة المال فلا نهدره في شراء الدخان، وأعطانا نعمة الصحة فلا نهدرها بشرب الدخان، فإن هذا ليس بشكر.

стр. 72

الخضوع للمشكور فأول جانب من جوانب الشكر: خضوعك للمشكور، بأن يكون عندك خضوع لله، قال سيدنا داود: يا رب! كيف أشكرك وشكري لك نعمة تستوجب الشكر؟ وهذا من أدب النبوة! فإنه يقول: يا رب! كيف أشكرك والشكر نفسه نعمة رزقتني إياه، فيجب أن أشكرك عليه؟ قال: يا داود! الآن شكرتني. وقال داود أيضاً: الحمد لله ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، فأخذت الملائكة تقلب في دفتر الحسنات فلم يجدوا مثل هذه الكلمات فيه، فقالوا: يا ربنا! لقد قال عبدك داود كلمة لم نجد له ثواباً، يعني: على هذه الصيغة، فالذي يقول: سبحان الله يعطى عشر حسنات، والذي يقرأ حرفاً من القرآن يعطى له قدراً من الحسنات، والذي يصلي ركعتين كذلك يعطى له قدراً محدوداً من الحسنات، فمعروف الحد الأدني والحد الأقصى عند الله ، فقال الله لملائكته: (اكتبوها كما هي وأنا أجازي عبدي داود عليها يوم القيامة). صلى الرسول ﷺ صلاة الصبح بالناس وجلس في المسجد حتى طلعت الشمس، ثم صلى ركعتي الضحى، ثم دخل بيته فوجد السيدة جويرية ﵂ قد عملت كوماً من النوى وتسبح الله وتحمده، فتقول مثلاً: سبحان الله وتنقله من ناحية إلى الناحية الأخرى، ثم تقول: الحمد لله وتنقله من الناحية الأخرى إلى الناحية الأولى، وهكذا عندما تكبر وتهلل، فقال النبي ﷺ : (ماذا تصنعين؟ قالت: أسبح وأحمد وأكبر وأهلل يا رسول الله! قال: أما أنا فقد قلت كلمة تعدل ما قلت، سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته). فعدد خلقه لا يحصيهم إلا الله، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]، والله تعالى يرضى عن العباد وليس لرضاه منتهى، ولا يعلم زنة العرش إلا الله، وكذلك مداد كلماته. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧]، فعليكم بالجوامع الكوامل. وقال رسول الله ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان للرحمان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) والرسول ﷺ كان يعلم الصحابة، وسيدنا معاذ بن جبل كان أستاذ الحفظ خلف رسول الله، لذلك فإن سيدنا معاذ يحمل راية العلماء يوم القيامة، فسيدنا بلال كانت حفيظته على قدر حاله، وكان لا يحفظ، فقال: يا رسول الله! أنا لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ بن جبل، فسمى الذكر: دندنة، وأهل زماننا يسمونه نكد، فيقولون: الجماعة الهبل يعملون درساً بعد صلاة الفجر! وهل هناك أحد يعمل درساً في الفجر؟!! فابتداء اليوم عندهم من الساعة العاشرة! وهذا نوم غير شرعي، إنما اليوم يبتدأ من صلاة الفجر، قال رسول الله ﷺ : (بورك لأمتي في بكورها). قال علماء الطبيعة: هناك أشعة اسمها الأشعة الكونية إذا تعرض الجسد لها وقي من سبعة وثلاثين نوعاً من أنواع المرض، وأن وقتها قبل وأثناء وبعد أذان الفجر. فالعلماء لا يعرفون تركيب هذه الأشعة الكونية إلى هذا اليوم، وهي تقي من سبعة وثلاثين نوعاً من أنواع المرض، وتعطي مناعة للجسد، وهذا الفضل لا يكون إلا للمواظب على صلاة الفجر. والعسكري المسكين الذي يقف في الدرك أو الضابط الذي في القسم أو الرجل الذي في المطار في برج المراقبة إذا صبح الصبح وجدت وجهه أصفر، أما الذي يصلي الفجر ويمكن أنه نام ساعة أو ساعتين فترى وجهه منيراً، مع أن هذا سهران وهذا سهران، وهناك من سيقول: يا أستاذ! العمل عبادة، وأنا لا أتكلم من هذه الناحية بتاتاً، ولا أقول لك: لا تعمل، لكن أقول لك: انظر إلى الفرق بين من يعبد الله ومن يغفل. فقال رسول الله ﷺ لـ بلال: (فماذا تقول يا بلال؟ قال أقول: اللهم إني أسألك رضاك والجنة، وأعوذ بك من سخطك والنار، فقال: يا بلال! إنما حولهما ندندن) فلم يقل له: تريد أن تعمل رأسك برأس معاذ بن جبل الذي جالس يحفظ، أو أنت غير فالح، أو لا تنفع، وإنما قال: (إنما حولهما ندندن) ثم في اليوم التالي مباشرة حتى يزيل من قلب بلال الحزن الذي أصابه من عدم القدرة على الحفظ قال له: (يا بلال ماذا تصنع فإني ما دخلت الجنة إلا وسمعت دبيب نعليك أمامي؟) فيعطي له تصريحاً أخضر، وكرت دخول. وكان الرسول ﷺ يرى في النوم أنه يدخل الجنة ويرى فيها ما يرى، فقال له: (ما دخلت الجنة مرة إلا وسمعت دبيب نعليك، فماذا تعمل؟ قال: ما توضأت وضوءاً من ليل أو نهار إلا وصليت ركعتين، وما أذنبت ذنباً إلا وأعقبته باستغفار) يعني: أنه كان يخلص حسابه أول بأول. وأنت أيضاً قم بتخليص حسابك أول بأول، ولا تؤخر التوبة إلى سن أربعين سنة ثم تقول: هل لي توبة؟ نعم لك توبة، فالتوبة مفتوحة وهل نحن معنا المفاتيح حتى نعقدها على الناس؟ والمرأة في البيت عندما تطبخ الطبيخ وتترك الطبق لمدة يومين أو ثلاثة أيام في الحوض بدون تنظيف فإنه ييبس ولا يتنظف، لكن إذا غسلته مباشرة بعد الأكل يكون سهلاً، وهكذا الذنب في القلب، فعندما تمسحه مباشرة ينتهي بسهولة، فإذا تراكم كان من الصعب إزالته؛ لأنه قد تعود على الذنب. فموضوع الشكر موضوع قائم عليه الدين كله، قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] أي: ليس كل أحد يشكر الله. فالخضوع للمشكور أول جانب من جوانب الشكر.

стр. 73

الثناء على المشكور والجانب الثاني: الثناء عليه سبحانه، لأنه أهل للثناء وأهل للمدح، ومن أدب النبوة في الدعاء أن النبي ﷺ كان قبل أن يدعو يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك) ويسن للذي يدعو أن يقول قبل ذلك: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، ثم يبدأ في الدعاء، ثم عندما ينتهي من الدعاء يصلي على رسول الله ﷺ . وثق تماماً أن أي صيغة من الصلوات على رسول الله مقبولة عند الله، فالله تعالى يقبل الصلاة الأولى وقبل الصلاة الأخيرة، وهو أكرم من أن يدع ما بينهما ما دام الدعاء ليس بإثم ولا قطيعة رحم. والثناء على الله لا يستوجب الثناء اللساني فقط، وإنما يستوجب أيضاً الشكر من جنس النعمة، فشكر الأموال الكثيرة الصدقة، وشكر العالم الذي أعطاه الله علماً أن يزكي عن العلم، فشكرك من جنس النعمة التي أنعم الله عليك بها، وهكذا ونحن بفضل الله أهل علم ولو علماً قليلاً، فالله ربنا أعطانا الفاتحة وبعض من آيات الله، وهناك من أكرمه ربنا بحفظ القرآن، وهناك من أفهمه ربنا القرآن، وهكذا، وقد قال الحكيم العربي: قال حمار الحكيم توما لو أنصف الدهر كنت أَركب فإنني جاهل بسيط وصاحبي جهله مركب أي: لو أن الدنيا تمشي بشكل صحيح كان من الواجب أن الحمار يركب فوق راكبه، والراكب يصير مركوباً، لأن الحمار جاهل بسيط، فجهله على قدره، وصاحبه جاهل جهلاً مركباً، فالجاهل الجهل المركب جاهل ويجهل أنه جاهل، فإذا أتيت تكلمه في الدين مثلاً قال لك: أنا فاهم كل شيء، وأنا عارف كل شيء، فهذا جاهل جهلاً مركباً، فهو لا يدري ولا يدري أنه لا يدري.

стр. 74

حب المشكور الجانب الثالث: حبك للمشكور ، فيجب أن يكون هناك حب، لأن النفوس جُبلت على حب من أحسن إليها، فالواجب أن تحب عمك الحنون وخالك الحنون، وتكره عمك الجاحد، ولا تحب خالتك التي لا تحن عليك بعد موت أمك، فالواجب أن تحب من أحسن إليك. ولذلك سيدنا عمر كان له دعاء غريب فكان يقول: (اللهم لا تجعل لفاجر علي نعمة حتى لا أحبه) أي: يا الله! لا تجعل فاجراً يعمل معي معروفاً؛ حتى لا أضطر إلى حبه، لأني مجبول على هذا. فالإنسان مجبول على حب من أحسن إليه. الجانب الرابع: لا تستخدم النعمة في إغضاب صاحب النعمة، فالإنسان لا يستخدم المال في إسراف ولا في إنفاق غير ما يرضي الله، ولا يستخدم الصحة فيما لا يرضي الله، ولا يستخدم الجاه فيما لا يرضي الله، وإلا لم يصر من الشاكرين.

стр. 75

الفرار إلى الله الدنيا مليئة بالأحزان والأكدار، والضيق والضنك، فلا سعيد فيها إلا من فر منها إلى خالقها، فيفر المؤمن من شهواتها وزخارفها وتضليلها إلى الله سبحانه. وأما الشقي فيفر من الله، ومن مظان رحمته وعفوه، إلى حبائل الدنيا وشياطينها. فشتان ما بين الفرارين، وما أعظم البون بين الطائفتين!

стр. 76

معنى الفرار إلى الله وأنواعه أحمد الله رب العالمين، وأصلي وأسلم على سيدنا رسول الله ﷺ . أما بعد: فمن مراتب الهداية ودرجاتها: الفرار، وهو على نوعين: فرار السعداء، وفرار الأشقياء، أما فرار السعداء فهو فرار الذين يفرون من كل شيء إلى خالق كل شيء، وهذا فرار أهل السعادة، فيفرون من الدنيا ومن بلاياها ومن الناس ومن كل شيء إلى الله ، ففروا إلى الله جميعاً. إذاً: فالفرار إلى الله هو فرار السعداء، وهناك -والعياذ بالله- فرار الأشقياء، وهو فرار الذين يفرون من الله ومن الهداية، ومن أهل الخير، ومن أصحاب الحق، ويرون بعين البصر المحدد غير المنطلق من أنوار الوحي، فيرون أن السعادة فيما يتخيله الواحد منهم لا فيما حدده الشرع الحنيف. وكل واحد من هؤلاء يفكر أن الكتاب والسنة يضعان عليه قيوداً، فيقول لك: يا أخي! كل مرة يذهبون للصلاة، ويجلسون في الدرس، وفي كل حين أوامر ونواه، وحديث عن الجنة والنار، وسلوكيات مطلوبة، ثم يقول لك: في الانحراف توسيع على الناس، وفيه انطلاق وحرية، فأنا بالخيار آكل ما أريد، وأصلي أو لا أصلي، وأشرب الخمر، وأنظر إلى ما أشاء، وأسمع أي كلام أشاء مما يريحني! فهذا حال من سخط الله عليه، فالمعصية عنده لها حلاوة، والطاعة عنده لها مرارة، فلذلك يرى المعصية جميلة، فالمرأة التي ترتدي الحجاب عنده مستنكرة؛ لأنها غطت الجميل الناعم السايح، أفمعقول هذا تغطيه؟! ولماذا خلقه الله؟ فنقول: هو مخلوق للمحارم كالزوج فقط، فهو قطاع خاص لا عام، لكن الجهلة مصممون على القطاع العام! والجاهلة تظن بعقلها المحدود أن الدين هذا قيد عليها وعلى الناس، مع أن الدين يفك قيد الإنسان، أي: يفك قيده من المعصية، ومن الجهل، ومن الانحراف، ويفك قيده من ضيق الدنيا ليعطيه سعة الآخرة، ويفك قيد الكبت والاكتئاب إلى الرضا والتوكل على رب العباد .

стр. 77

صفة الفار إلى الله إن كل من يفر إلى الله فهو كريم؛ لأنه يفر إلى الكريم، فيأخذ من صفة الكرم التي لله ، وليس الكرم أن يعطي أو يبذل المال، وإنما الكرم في خلق المسلم كله، فالكرم في معاملاتك، فإن أساءت إليك زوجتك تكون كريماً معها، فترد الإساءة بالإحسان، وهكذا إن أساء إليك جارك. وسيدنا الحبيب ﷺ ليس هناك أكرم منه إلا ربه، فكان اليهودي يأتي كل ليلة قبل الفجر في المدينة ويضع القاذورات على بيت الحبيب المصطفى، ولو كان مثل حالتي وحالتك لربما كان يقوم أحدنا فيقتله! لكن الرسول ﷺ لم يفعل ذلك. وبعد صلاة الفجر طرق الحبيب المصطفى ﷺ على اليهودي، والعربي بطبيعته كان ينهض في الصباح، لكن العرب هذه الأيام لا ينهضون الصباح، المهم: أن العرب كان النوم عندهم ساعة الفجر نوماً غير شرعي، المسلم وغير المسلم، فكان يوم العربي قبل الإسلام يبدأ عند البكور، فجاء الإسلام وأقر ذلك، يقول لنا النبي ﷺ : (بورك لأمتي في بكورها) فمثلاً: أنت عندما تأتي المسجد في الصبح لا يحصل لك إغماء ولا غيره، بل بالعكس فالذي يحصل لك هو انشراح الصدر طوال اليوم. واليوم الذي تنام فيه بعد الفجر -والمتعود على الفجر يعرف هذا- تجد صدرك ضيقاً طوال اليوم، وتقول: ما الذي حصل ما لي ضائق هكذا وليس هناك خبر سيئ؟ ولما تبحث عن السر تجد أنك استيقظت بعد أن أشرقت الشمس؛ لأن الشيطان قد بال في فمك وأذنيك، فأكثر الشعب صار دورة مياه للشيطان، فلا بورك في هذا الشعب إذا كان بهذا الشكل، لكن بورك في شعب استيقظ عند الصباح. يقول امرؤ القيس الشاعر العربي: وقد أغتدي والطير في وكناتها بمنجرد قيد الأوابد هيكل يعني: أنه يخرج الصبح وما زالت الطيور في أعشاشها، فهذا زمن خروجه للعمل. إذاً: فالإنسان الذي يفر إلى الله إنسان كريم، فليس الكرم في بذل المال فحسب، ولكن للأسف نحن كل حدودنا في البخل والكرم في مسألة المال، وكل تفكيرنا فيه، وإن كان مهماً واقعاً، فمن ذلك: رجل بخيل قال لخادمه: هناك شخص يضيق علي في المسجد كل يوم ويقول لي: ألا تؤكلني عندك؟ فاليوم سآتي به، وسأقول لك: يا غلام! ائتنا بالطعام، فتأتي بالدجاجة مسلوقة وجاهزة، ولكن تأتي بها باردة، وسأقول لك: يا بني سخنها، فتذهب لتسخنها فتغيب حتى يضيق الضيف فيذهب. فالرجل البخيل يقول للضيف: تعال يا أخي! فأخذه معه، وقد اتفق سلفاً مع الغلام كما تقدم، فقال: يا غلام! ائتنا بالطعام، فأتى بدجاجة مثلجة، فقال له: يا بني! هذه باردة سخنها، فذهب الولد فغاب حتى العصر، وقرب موعد الأذان والانتظار من الظهر، فقال المضيف: نذهب نصلي العصر، وبعد ذلك بقي البخيل يتسكع في الجامع ويقول: أنا عندي جزء قرآن أقرؤه، أو سنحضر درس العلم، فحضرا، وبقي الضيف معه إلى صلاة العشاء، فالرجل البخيل لم يجد مفراً من أخذه معه، فقال: يا غلام! والغلام لم يتفق على هذا الموضع مع سيده، فقال سيده: ائتنا بالطعام، فأتى بالفرخة أيضاً، فقال سيده: يا بني! هذه باردة من أجل أن يفهم الغلام، فذهب الغلام للداخل، والضيف أصابه الغيض، فقال: أدجاجتكم هذه من آل فرعون تعرض على النار غدواً وعشياً؟! سنأكلها باردة. ففي الناس من الكرم طبيعته، وهناك أناس -والعياذ بالله- بخلاء، وأحسبكم من أهل الكرم؛ لأن الكريم قريب من الله، وقريب من الجنة ومن الناس، وبعيد عن النار، وأما البخيل فهو بعيد عن الله، وبعيد عن الجنة وبعيد من الناس، قريب إلى النار، والعياذ بالله رب العالمين. لذلك قال أهل العلم: إن الذي يسألك إذا شكيت فيه: هل يستحق أو لا يستحق؟ ولو أعطيته فاحتمال أني جعلت الصدقة في غير موضعها، لكن لو منعته فيمكن أنه يستحق، فأعطه ولو القليل، ثمن إراقة ماء الوجه، هكذا قال أهل العلم، ولك الخيار. أما مسألة: أن الصدقة للسائل ولو راكباً على الحصان فهذا لم يقله الرسول ولا الصحابة، وإنما هو من اختراع المصريين، فصاحب الحصان يبيعه أولاً، ثم عندما يفقد ثمنه، نعطي له حاجته، وليس هناك شيء يجوز للراكب على الحصان، فمثلاً شخص راكب سيارة بمائة ألف جنيه، أفأضع يدي في جيبي وأعطي له صدقة؟! ليس هذا من المعقول، فليبع السيارة، وعندما تنتهي المائة ألف -أي: ثمن السيارة- نعطي له.

стр. 78

أقسام فرار السعداء

стр. 79

فرار العامة فرار السعداء ثلاثة أقسام: فرار العامة، وفرار الخاصة، وفرار خاصة الخاصة. أما العامة الذين مثلنا فيفرون من الجهل إلى العلم، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الشك إلى اليقين، ومن الضيق إلى السعة، فهذا فرار العامة، وإن قال قائل: وهل نحن نستطيع أن نفر الفرار الذي ذكرته هذا؟! أي: أن ننتقل من الجهل إلى العلم ونحوه؟ فتقول: نعم يدرك هذا أصحاب العزائم والصدق مع الله، فيفرون من الجهل إلى العلم، ومن الضيق -أي: ضيق الدنيا- إلى سعة الآخرة، ولا تظن أن الدنيا فيها سعة أبداً، فالله يأتي يوم القيامة بأبأس أهل الأرض، يعني: يأتي بشخص فقير دوماً لم ير يوماً يهنأ فيه أبداً، ولكنه اتقى الله، يعني: كان الرجل يصلي ويصوم، ويده ليست طويلة إلى الحرام، فهذا يغمس في الجنة غمسة فقط، فيخرج كالقمر ليلة التمام، فيقول الله له: عبدي! هل رأيت بؤساً من قبل قط؟ فيقول: وعزتك وجلالك أنا في النعيم منذ أن خلقتني، فغمسة واحدة أنسته بلايا الدنيا. ويؤتى بأنعم أهل الأرض ولكنه لم يتق الله، فيغمس في النار غمسة، فيخرج كالفحمة السوداء، فيقول الله له: عبدي! هل رأيت نعيماً من قبل قط؟ فيقول: وعزتك وجلالك أنا في الشقاء منذ أن خلقتني، فانظر أخي! غمسة واحدة في الجنة، وأخرى في النار ماذا صنعت! ولذلك العبد الصالح عندما يأخذه الناس على أعناقهم بعد موته يرى عمله أمامه، وعندما يمشون به يقول: علام تبطئون بي؟ لو تعلمون ما ينتظرني من الخير لأسرعتم بجنازتي، إذاً: فهو يرى الذي أمامه. والآخر -أي: العاصي- يقول: علام تسرعون بي؟ ولذلك سيدنا عمر قال: عندما تحملوني فاجروا بالجنازة جرياً، قالوا: لماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: إن كان خيراً فقد قدمتموني إليه، وإن كان شراً فقد سرحتموه من فوق أعناقكم. فهذا فرار العامة من الجهل للعلم، ومن الضيق للسعة، ومن الشك لليقين، أي: لا يكون المؤمن قلقاً من غد، لكن عنده يقين تام، فما دام غداً من عمري فسيأتيني رزقي. لو أن لي قرشين في الحكومة، أو في القطاع الخاص أو في أي مكان قد كتبها الله لي، وأنها من رزقي، فستأتيني، ولو أصدرت الأمم المتحدة قراراً بمنع الصرف لك فسيصرف لك، فلو أن من في الأرض جميعاً اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشي قد كتبه الله لك، وكذلك لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف، وفي رواية: (رفعت الأقلام، وطويت الصحف)، وهذه أبلغ؛ لأنها تعني: أن الصحف قد حفظت بعد الكتابة.

стр. 80

فرار الخاصة أما فرار الخاصة: فهم يفرون من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، مثلاً: عندما يخرج الجنيه في سبيل الله فهو قد وضع في ذهنه أن هذا الجنيه يقع في كف الرحمن، كما كانت عائشة تصنع، أي: كانت تعطر الدرهم وتعطيه للفقير، قالت: أعلم أنه لا يقع في كف الفقير، ولكن يقع في كف الرحمن. والفقير يدعو لها: جزاك الله خيراً يا أم المؤمنين! وتقول: بل جزاك أنت؛ لأنك حملت زادنا إلى الآخرة، ويقال لها: يا أم المؤمنين! هذا هو الذي ينبغي أن يدعو؛ فهو الذي يأخذ، فتقول: دعوة بدعوة؛ ليضل لنا الثواب كاملاً عند الله يوم القيامة. أي: هو يدعو لنا دعوة فنرد عليه بدعوة، فتكون الحسنة صافية، فيمكن أن تضيع مقابل دعوته، فهي خائفة على حسنتها! والحسن البصري ﵁ يقول: أدعو الله ، فأرى يد الله تكتب لي الإجابة. إذاً: فهذا فرار الخاصة: أن يرى يد ربنا تكتب له الإجابة. ويقول سيدنا عمر: أنا لا أحمل هم الإجابة، ولكن أحمل هم الدعاء. ونحن نحمل هم الإجابة لا هم الدعاء للأسف، أما سيدنا عمر فيحمل هم الدعاء، أي: لو كان الدعاء صادقاً صاعداً من لسان طاهر، ومن قلب نقي، وفي وقت من الأوقات التي يستجيب ربنا فيها الدعاء، مثل: قبل صلاة الفجر وبعدها، وما بين العصر والمغرب، وعند السجود، وعند إفطار الصائم، وعند زحف الصفوف على العدو، وبين الأذان والإقامة، وعند هطول المطر، وعند سفر المسافر، فكل الدعوات في هذه الأوقات مظنة الاستجابة من الله رب العالمين. لذلك فأهل الجنة عندما يجمعهم ربنا -اللهم اجمعنا معهم يا رب- يتذاكرون أحوالهم في الدنيا، فيقول أحدهم: أنت متى غفر الله لك؟ ثم يقول: أتذكر يوم كذا؟ في ذلك اليوم غفر لنا فيه.

стр. 81

فرار خاصة الخاصة وهناك فرار خاصة الخاصة، وهو فرار مما دون الحق، فكل شيء لله ، فكل حياته لله سبحانه، وفي مقدمة هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم. والفرار درجة من درجات الهداية التي بينها لنا العلماء. اللهم اجعلنا من الفارين إليك يا رب العالمين.

стр. 82

المحاسبة إن المحاسبة للنفس ينظر لها من زاويتين: جناية العبد على نفسه، وعناية الله سبحانه بالعبد، فعلى العبد أن يحاسب نفسه في كل صغيرة وكبيرة قبل أن يحاسب يوم القيامة، فليس في ذلك اليوم دينار ولا درهم وإنما هي الحسنات والسيئات، وهو يوم يشيب فيه الولدان من هوله.

стр. 83

جهات النظر إلى المحاسبة الحمد لله حمد عباده الشاكرين الذاكرين، وأصلي وأسلم على سيدنا رسول الله ﷺ . وبعد: مرتبة المحاسبة ينظر إليها من ناحيتين: من ناحية العناية، ومن ناحية الجناية، والجناية منك، والعناية من ربك، ونحن في حالة من حالات الجناية، فالذنب عبارة عن جناية، وفي القانون الوضعي هناك مخالفة وهناك جنحة، وهناك جناية، وأما في النصوص الإلهية فهناك لمم وصغائر وكبائر.

стр. 84

جنايات العبد إن العبد قد يجني على نفسه، وقد يكون جانياً على غيره، والجناية على النفس فيها أقوال، والجناية على الغير فيها قول واحد.

стр. 85

جناية العبد على نفسه إن الجاني على نفسه هو إنسان ضيع أيامه الخمسة، فالعبد له خمسة أيام: يوم مفقود، ويوم مشهود، ويوم مورود، ويوم موعود، ويوم ممدود. فاليوم المفقود هو اليوم الذي ضاع منك ومضى، واليوم المشهود: هو اليوم الذي تعيش فيه حاضراً، فيومك من الساعة الخامسة والنصف إلى أن ينتهي هذا اليوم، والله أعلم من الذي سيبقى منا إلى المغرب، ومن الذي سيتوفاه رب العباد، والله أعلم ماذا سيحدث فيه من أخبار، نسأل الله أن يجعل يومنا أفضل من أمسنا، وأن يجعل غدنا خيراً من يومنا، وأن يحول حالنا إلى أحسن حال. وقد روي في الأثر: من كان يومه خيراً من أمسه فهو سعيد، ومن كان يومه أسوأ من أمسه، أو غده أسوأ من يومه فهو مغبون. أي: مظلوم ظلم نفسه، إذاً: فظلم النفس نوع من أنواع الجناية. واليوم المورود: يوم غد. واليوم الموعود: عند مجيء ملك الموت فيقفل الحساب، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤]. فهناك ملك يعد الحسنات وملك يعد السيئات، قال الله تعالى: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦]، وقال تعالى: ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩]، فالله سيحاسبنا، لكن من فضله أنه يخفف حسابه عنا، ويفتح مجالات للرحمة. فالمغبون هو الذي جنى على نفسه وضيع أيامه الخمسة، هذه هي الجناية.

стр. 86

عناية الله سبحانه بالعبد وهناك عناية، فربما فتح لك باب العمل وأغلق عليك باب القبول والعياذ بالله، وربما أتاك الله بالذنب لتتوب، فكان سبباً للوصول. فقد يأتي الخير من داخل الشر، والعبد لا يعلم خواتيم الأعمال كيف ستأتي، فلو افترضنا على سبيل المثال أن هناك رجلاً أميناً على خزينة في محل، ففي آخر اليوم يغلق الحساب ويقول: وجد في الخزينة في هذا اليوم سبعمائة جنيه، وصرف منها ثلاثمائة جنيه، فكان الباقي أربعمائة جنيه مثلاً، فيقيد ذلك عنده على أنه حساب يومي. وقد يجلس مع صاحب العمل بعد أسبوع، فيقول: جمعنا في هذا الأسبوع أربعة آلاف جنيه، وصرفنا ألفين وخمسمائة جنيه، وبقي لك في الخزينة ألف وخمسمائة جنيه. فالمسألة مسألة مقاصة، وحساب يومي، ومن ثم حساب أسبوعي، وهناك حساب شهري، وهناك حساب سنوي يسمى بالميزانية؛ ليعطي الضرائب نصيبها. ومن الأمور العجيبة أن المسلمين يسألون العلماء كيف يدفعون زكاة أموالهم، فإذا قيل لأحد المسلمين: عليك مثلاً ألف جنيه زكاة، يقول: اجعلها ألفاً ومائة جنيه، أو ألفاً ومائتي جنيه، فالمزكي يزكي ويزيد. ولكن إذا رأى الناس رجل الضرائب، أو مكتب محاسبة فإنهم يسألونه: كيف يتهرب أحدهم من الضرائب، ولكن لا يوجد أحد يحاول أن يتهرب من الزكاة بل تراه يدفع أكثر. إذاً: من واجب الحكومة أن تراجع الحسابات، فتقول: ما الذي جعل الناس يرغبون في الدفع أكثر في الزكاة والضرائب يحاولون التهرب منها؟ الجواب لأن الناس يشعرون أن مال الزكاة يصل إلى مستحقيه، وأنه أمر من الله ، وأن زكاة المال إن زاد الواحد عن النصاب الذي كتب عليه إنما هو في ميزان حسناته، وأنه يثق أنه يوضع في مصارفه الطبيعية التي يرضاها رب العباد سبحانه. وأما في مسألة الضرائب فهو لا يشعر بالمسألة هذه. إذاً: فهذا هو الفرق بين قانون الله الذي ليس عليك رقيب فيه إلا يقينك وقلبك الناصع، وإيمانك الراسخ بالله، وبين قوانين الدنيا، فإنه لا يمكن لأحد أن يجعل على كل شخص مأمور ضرائب يقف فيحاسبه حساب الملكين. ففي قوانين الدنيا يستطيع الإنسان أن يتهرب، ولكن في قوانين الآخرة وبالإيمان يدفع الإنسان أكثر مما يطلب منه. إذاً: فالعبد في مسائل الآخرة يريد أن يقدم خيراً، وفي مسائل الدنيا يريد أن يتهرب منها؛ لأنه يخاف من الله، ومسألة الخوف من الله نوع من أنواع الحساب.

стр. 87

كيفية محاسبة النفس لابد أن تحاسب نفسك في أمور خمسة: الأمر الأول: أن تجلس كل ليلة قبل أن تنام عشر دقائق مع نفسك، فإن كان في رمضان فقبل المغرب بربع ساعة اغلق على نفسك الغرفة، أو اختل مع نفسك فترة وجيزة بعيداً عن الناس، وقل: كم سنين صليت من عمري؟ وقل مثلاً: أنا صليت حين كان عمري عشرين سنة، فإن كان كذلك بقي عليك ست سنين أو سبع منذ أن بلغت إلى أن بدأت في الصلاة، فما فاتتك من صلوات يجب أن تؤديها مع كل فرض فرضاً أو فرضين أو ثلاثة فروض، وذلك بأن تأتي قبل الفجر بساعة أو بساعتين وتقوم لله قيام الليل وتصلي يومين أو ثلاثة أو أربعة مما عليك، وإذا استطعت في عرض النهار أن تصلي مع كل ظهر ظهرين، ومع كل عصر عصرين، ومع كل مغرب مغربين فخير وبركة، وإذا لم تستطع فقد صليت ثلاثة أو أربعة أيام من التي عليك في قيام الليل، ثم بعد ذلك إن عشت سنتين أو ثلاثاً أو أربعاً فقد قضيت ما عليك من صلوات. فإن أدركتك المنية قبل أن تقضي ما عليك من صلوات فكأنك صليت كل ما عليك، يقول رسول الله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) وهكذا في أمر الصيام، وهكذا في أمر الحج، وهكذا في أمر ديون الناس وحقوقهم، وهذه هي محاسبة النفس على الفرائض والأركان. الأمر الثاني: محاسبة النفس على النوافل، يقول الله ﵎ في الحديث القدسي: (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) فالسنن المؤكدة اثنتا عشرة ركعة: ركعتان قبل الفجر، وأربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، غير الشفع والوتر، وأما الشفع والوتر فقد أوجبهما أبو حنيفة، والواجب يقترب من الفرضية. وقد يقول قائل: إن الفرائض والنوافل والشفع والوتر كلها قد تشغل من يصليها عن عمله وطلب رزقه؟ الجواب إذا أحب الله عبداً بارك له في إيمانه، وفي يقينه وقناعته، وبارك له في وقته، ومن أبغضه الله أماته بعد أن ضيع حياته سدى، قال تعالى: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥٨]، وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. إن المسلم قد يختم القرآن ست مرات في رمضان، فإن قلت له: في غير رمضان؟ يقول: سأختمه في عشرة أيام في كل يوم ثلاثة أجزاء، هذا هو تفاعلي مع كتاب الله . قيل لـ أحمد بن حنبل: ما أفضل الأعمال؟ قال: قراءة القرآن، قيل: بفهم أو بغير فهم؟ قيل: بفهم وبغير فهم، كما وضح الحبيب ﷺ : (كل حرف في القرآن بعشر حسنات، لا أقول: (الم) حرف، وإنما ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف). إن القرآن سيدخل معنا في القبور، وسيأتي الملكان لمحاسبة كل شخص، فيأتيانه من جهة العين فتقول العين: دعني؛ إن صاحبي كان ينظر بي في كتاب الله. فيأتيان للسان فيقول: كان صاحبي ذاكراً للقرآن يريد الله رب العالمين، فيأتيان من ناحية الأذن فتقول: لقد كان مستمعاً بي لآيات كتاب الله. فيأتيان من ناحية القلب فيقول: كان يعي كلام الله. فيقال: لقن الحجة، وحاج القرآن عن العبد، فصار حجة له لا حجة عليه. اللهم اجعله لنا في الدنيا دستوراً، وفي القبر منيراً، وعلى الصراط مؤنساً، وإلى الجنة صاحباً وصديقاً يا رب العالمين! الأمر الثالث من مسألة الحساب: مسألة حقوق الناس، فإن كان لأحد عندي شيء رددته له، فإن لم يكن عندي مقدرة أطلب منه السماح، وإن اغتبته أقول له: يا أخي! اغتبتك فسامحني. ونحن في رمضان في الأيام الأخيرة أطلب منكم السماح، والذي ذكر أخاه بسوء، أو تكلم على أخيه بكلمة قبيحة، أو فهم موقفاً من المواقف خطأً فاغتاب أخاه غيبة فهو في حل منها، ويسامح بعضنا بعضاً. ولنبدأ صفحة جديدة وبقلوب مضيئة مشرقة منيرة بكلام الله وذكره، قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]، اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين! الأمر الرابع في مسألة الحساب: ماذا قدمت للإسلام؟ هل قدمت ولداً صالحاً يحفظ القرآن؟ فإن لم أستطع أن أحفظ حفظت ابني، كذلك هل الأم قدمت بنتاً صالحة للإسلام؟ هل قدمت العون للمسلمين؟ هل جمعت المسلمين ولم أفرقهم؟ وهكذا يكون سؤالك لنفسك كل يوم. إذاً: مسألة الحساب إما مسألة الجناية منك وإما مسألة العناية من ربك، والله هو الحنان المنان الذي يعتني بك دون أن تسأل، فأنت في بطن أمك من كان يعتني بك؟ وبعد أن تخرج للحياة يا أخي المسلم؟ فإن عنايته بك باقية إلى أن يأخذك عنده مرة أخرى. إذاً: مسألة المحاسبة درجة من درجات الهداية لابد أن ندركها وأن نتعلمها. وصلى الله وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 88

المراقبة درجة المراقبة من أعلى درجات الإيمان، فبها يسمو العبد، وترقى النفس، ويصفو القلب، ويستيقظ الضمير، وصاحبها حيي خائف مشفق وجل من الله ، وهي عنوان النجاة عند الله يوم القيامة؛ إذ إنها تبعث على التقوى والعمل الصالح، وتجنب كل ما يغضب الله ﷻ .

стр. 89

المراقبة من مراتب الهداية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ﷺ . وبعد: فمن مراتب الهداية: مراقبة الخالق، ومراقبة الجوارح، ومراقبة الأعمال. ومراقبة الخالق هي درجة الإحسان، وهي أعلى درجة في الإيمان، فهناك درجة الإسلام، وأعلى منه الإيمان، وأعلى منه الإحسان، وهو: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك). فهذه درجة الإحسان، وهي أول درجة من درجات المراقبة، ولو كانت هذه الدرجة موجودة عندنا في العالم الإسلامي لما عصى أحد ربه؛ لأنه يرى أن الله مطلع عليه.

стр. 90

حياء الصحابة ﵃ ومراقبتهم لله تعالى يقال: إن الصديق ﵁ كان إذا جلس في الحجرة وحده لا يتخفف من ثيابه كلها، فسألته أمه: لم يا أبا بكر؟! قال: لأني أرى ربي ينظر إلي. فكان يستحي. وسيدنا عثمان ﵁ عاش سنة مع الحبيب المصطفى ﷺ ، فمدحه الرسول ﷺ وقال: (والله لقد عاش سنة معي ما سمعت خشخشة مائه في الطست)، يعني: أن سيدنا عثمان كان إذا أراد الاغتسال أو الوضوء لا يتوضأ في الغرفة، بل يذهب إلى البقيع ليغتسل أو يتوضأ؛ حياء من رسول الله ﷺ . وقد دخل أبو بكر ﵁ والرسول ﷺ يتوضأ وركبته مكشوفة، ودخل عمر ﵁، فلما دخل عثمان ﵁ غطى الرسول ﷺ ركبته، فقالوا: لم صنعت هذا عندما دخل عثمان يا رسول الله؟! قال: (ألا أستحي من رجل تستحي منه ملائكة السماء). تنبيه: يقول العلماء: ليس هناك داع لأن نقول: سيدنا محمد في الصلاة، ولا بأس أن نقول ذلك خارج الصلاة فهو سيدنا ﷺ ، وأما داخل الصلاة فلا سيد مع الله، وقد قال ﷺ : (وصلوا كما رأيتموني أصلي)، وكان يقول في التشهد: (اللهم صل على محمد)، فلنصل كما كان يصلي ﵊.

стр. 91

نصيحة الحسين ﵁ للعاصي إن مسألة المراقبة مسألة مهمة، فهذا سيدنا الحسين ﵁ جاءه رجل وقال له: كلما أتوب أرجع، يعني: أتوب من الغيبة ثم أرجع، وأتوب من النميمة ثم أرجع، وأتوب من أكل الحرام ثم أرجع، وكلنا مثل هذا الرجل. فقال له سيدنا الحسين ﵁: عليك بخمسة أشياء: إن أردت أن تعصي الله فاعصه في مكان لا يراك فيه. قال: كل مكان يراني فيه. وأحد الشباب ذهب إلى سيدنا الحبيب ﷺ وقال له: أذنبت ذنباً، قال له: (أما علمت أن الله قد كان يراك، قال: أوقد كان يراني؟ أوقد كان يراني؟ أوقد كان يراني؟ ثم خرجت روحه. فغسله الرسول ﷺ بيديه، وكفنه وصلى عليه ولحده في قبره، وقال: اللهم إني أمسيت عنه راضياً اللهم فارض عنه. قال ابن مسعود: يا ليتني كنت صاحب ذلك القبر). فهذا شديد الخوف من الله. ولو أن صاحب قصر جاء بمن يعمل له في القصر عملاً وذهب هو، فانقسم العمال ثلاثة أقسام: قسم ذهب ونام، لأن صاحب الشغل ليس موجوداً، والقسم الثاني: كانوا يشتغلون قليلاً وينامون قليلاً، والقسم الثالث قالوا: نحن نحلل القرش الذي نأخذه، ونعمل الذي علينا لإرضاء الله، ثم في ساعة الحساب اكتشفوا أن صاحب القصر لم يمش وإنما كان مختبئاً في غرفة في الداخل ينظر إليهم، فكيف سيكون حال الذي لم يشتغل؟ ولله المثل الأعلى، فربنا أنزلنا إلى الأرض للعمل، وأخبرنا أنه مطلع علينا ومراقب لنا في كل وقت. يقول النبي ﷺ : (يأتي زمان على أمتي يمر الرجل بقبر أخيه فيقول: يا ليتني كنت مكانه) أي: ولم أنظر إلى هذه البلايا، مثل: ولد يطرد أمه، أو ابن يأخذ أباه إلى دار المسنين. نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الابتلاءات كلها، وألا تكون بليتنا أو مصيبتنا في الدين، آمين يا رب العالمين! قال الحسين: فإن أنت لم تعمل هذه فإن أردت أن تعصي الله فلا تأكل من رزق الله. وهذا مثل الأب الذي يقول لابنه: كيف أصرف عليك وأتعب أنا وأمك من أجلك ثم تعصينا! فما بالك بالذي يغذيك الحياة كلها؟! ثم قال: والثالثة: إن أردت أن تعصي الله فاعصه في ملك غير ملكه. فعيب عليك أن تعصيه في داخل ملكه، فكن مؤدباً، ونحن ضيوف على الله في أرضه، فلابد أن نعمرها كما أراد، قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود:٦١]. وتعمير الأرض يكون بطاعة الله، وتخريبها بمعصيته. فقال: هذه شديدة جداً، قال له: الرابعة: إذا أردت أن تعصي وجاءك ملك الموت فقل له: أخرني حتى أتوب. أي: لماذا أنت مستعجل علي؟ انتظر قليلاً حتى أتوب. وسيدنا موسى الكليم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام دخل بيته فوجد فيها رجلاً غريباً، فما كان من موسى ﵇ إلا أن لطم الرجل على وجهه ففقأ عينه، فالرجل اختفى، فعلم موسى أن الزائر ليس من بني آدم وإنما هو ملك الموت، فلبث قليلاً ثم عاد فقال: من؟ قال: ملك الموت، فجلس موسى ﵇ على الأرض، ولقاء الله ليس سهلاً يا إخواني! ولكن الناس فقط نائمة. وفي رواية مسلم: أن ملك الموت قال: (يا رب! أرسلتني إلى رجل يكره الموت)، وفي رواية الترمذي: (قال موسى: يا رب! هل رأيت حبيباً يسيء إلى حبيبه؟ قال: يا موسى! وأنت هل رأيت حبيباً يكره لقاء حبيبه؟ يا ملك الموت! مر موسى أن يضع يده على جلد الثور، وبعدد الشعرات التي تحت يديه نعطيه عن كل شعرة سنة زيادة، قال موسى: ثم ماذا بعد؟ قال: الموت. قال: فخذني الآن إلى ربي). قال الحسين: إن أردت أن تعصي الله وأتى لك ملك الموت فقل له: انتظر، قال: لا ينفع هذا. قال: والخامسة: إن أردت أن تعصي الله فإذا وقفت بين يديه يوم القيامة وقال: عبدي لم عصيتني؟ فقل: أنا لم أعصك يا رب! قال له: أكون كذاباً في الدنيا وأكذب على الله في الآخرة؟! أشهد الله أني قد تبت إليه توبة خالصة نصوحاً.

стр. 92

الغربة من أعظم ما يقاسيه المتمسكون بهدي الإسلام ونهجه غربتهم في مجتمعاتهم وبيئاتهم التي تتنكر لالتزامهم واستقامتهم، لكن لا ينبغي أن يكون ذلك حائلاً دون استمرار المرء في الاستقامة والطاعة، بل لا بد أن يزيده ذلك ثباتاً ويقيناً أنه على الحق.

стр. 93

وضوح الحلال والحرام الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين. وبعد: فإن غربة المؤمن تكون في مسكنه وفي أسرته وفي عائلته وفي وطنه ثم في دنياه، فلا تجد إنساناً يحاول أن يشق طريق الهداية إلا وتجده غريباً عمن حوله، لا بد أن لك لحظات تترك فيها الزحام من حولك، تترك العائلة، والأسرة، والناس، والعمل، والزوجة، والأولاد، والأقارب، وتجلس فيها صادقاً مع نفسك قبل أن تنام كل يوم، وإذا لم يكن كل يوم فليكن كل أسبوع كيوم الجمعة مثلاً، وإلا تذهب حياتك في غمرة الزحام. وحين تجلس مع نفسك ينبغي أن تسأل نفسك سؤالاً واحداً: أين أنا من طريق الله؟ يمكنني أن أضحك عليك، وأنت تضحك علي، ويضحك بعضنا على بعض، لكن لا يستطيع أحد أن يضحك على الله. وأيضاً لا يستطيع الإنسان أن يضحك حتى على فطرته، وقلنا من قبل: إن الحلال والحرام لا يحتاج إلى سؤال، أي: أن الأمر لا يحتاج إلى عالم تسأله: هل الموضوع هذا حلال، أم أنه حرام؟ بل ما دام أنه تلجلج في صدرك فهذا دليل على أنه ليس حلالاً فلم السؤال؟ فمدلول الكلمة العربية نفسها يدل على ذلك، فأنت عندما تقول: حلال، تجد الفم مفتوحاً أثناء النطق بها، فلا أحد يستطيع أن يقول: حلال وفمه مغلق! كما أنك عندما تقول: حرام، تجد أن فمك مغلقاً، ولا أحد يستطيع أن يقول حرام وفمه مفتوح. إذاً: فالحلال في النور، والحرام في الظلام، فأنت تعمل الحلال أمام الناس جميعاً، ومن الممارسات اليومية التي تدل على ذلك أنك حين تذهب لموظف الخزنة لتطلب مستحقاتك تطرق الباب بكل جرأة وشجاعة، وتسأله مستحقاتك بصوت جريء مسموع، لكن لو أن الموظف يأخذ الرشوة فسيتحرى خلو المكان، والتحدث بهدوء، ويحرص على ألا يشعر به أحد؛ إذ الحرام لا يستطيع أن يمارسه العبد أمام الناس، وهكذا في كل شيء، فكل ما تلجلج في صدرك عرفت حرمته ولم تحتج إلى سؤال. فالمرأة مثلاً لا يمكن أن تسأل وتقول: زوجي مرتبه حلال فهل هذا الأكل الذي يأتي به حلال أم حرام؟ لكن لا يبعد أن تسأل: لو أخذت من مال زوجي من وراء ظهره هل ما آخذه حلال أم حرام؟ فهي إذاً بدأت تتساءل عن الشيء غير الطبيعي، وهو يصدق فيه وصف النبي ﷺ : (الحرام ما تلجلج في صدرك، وخشيت أن يطلع الناس عليه)، فالإنسان عندما يعيد حساباته وهو في طريق الهداية يجد أنه غريب في المجتمع.

стр. 94

غربة الزوجة في بيتها وبيئتها الذي يؤرقني ويزعجني أمران: فإن الرجل عندما يكون مهتدياً وزوجته بعيدة عن الهداية لا تكون المشكلة كما لو أن المرأة هي التي اهتدت والرجل هو البعيد عن الهداية، كما أن هذه أهون مما لو كان الولد هو الذي اهتدى إلى الطريق المستقيم والأب والأم بعيدان عن الهداية. أما الموقف الأول: وهو غربة الزوجة في بيتها مع زوجها، فإنها عندما تعرف وتتذوق طعم الهداية فالرجل يصبح مثل المجنون، فلا تراه إلا شاكياً: ما هذا، كل لحظة حرام حلال، وتقوم تصلي الليل، وأستأذنك غداً أصوم الإثنين، وأستأذنك غداً أصوم الخميس، فيبدأ يعمل القيود والأوامر ليضيق عليها، فهذه نوع من الغربة الشديدة. وهناك نوع آخر من الغربة يعيشه الشباب، فإني أعرف شاباً عمره قرابة العشرين أو خمس وعشرين سنة، يأتي أبوه بعد الساعة الحادية عشرة ليلاً ويغلق الباب ويأخذ المفتاح ليضعه تحت الوسادة؛ لكي لا ينزل الابن ليصلي الفجر في المسجد! فكيف ترى أمر هذا الشاب المستقيم على طريق الله، الذي لا يبعد أن الله يرحم هذه الأسرة من أجله، لكن المصيبة والطامة أن هذا الابن لو سهر في النادي إلى الساعة الواحدة، وأكمل سهرته على القهوة، يقول أبوه: لا إشكال لدي طالما أن ابني بعيد عن أصحاب المسجد والملتزمين! وكم من آباء وأمهات يبكون ويشكون مر الشكوى، يتمنى الواحد منهم لو أن ابنه يترك شتمه وأذاه. ولذلك أقول: إن الغربة التي يشعر بها المؤمن سواء المستقيم في العائلة، أو المستقيم في المجتمع غربة ليست هينة، فإذا ذهبت أنت وزوجتك عند أقربائها للزيارة فيدخل ابن عمها: كيف حالك يا زينب؟ فتجيبه: أهلاً وسهلاً، فيمد يده ليصافح، فإذا امتنعت عن المصافحة لا تسمع إلا عبارات اللوم والتوبيخ: يبدو أنها انحرفت، وزوجها يشعر بالاستحياء والخجل؛ لأن زوجته أصبحت إرهابية عندما لا تصافح. فالرجل يشعر أنه خطأ، رغم أنه سعيد أن امرأته لا تسلم، وأن امرأته أصبحت -بما يشبه- قطاعاً خاصاً وملكاً خاصاً له لا يلمسه أحد، فرغم قناعته بسلامة طريقة زوجته في التعامل مع الناس لكنه يستحي من صنيعها، فيقول لها: لا إشكال فهو ابن عمك، فتقول: عيب يا أستاذ! هو أجنبي، نعم هو في الفقه أجنبي. فالأجنبي هو الذي يجوز له أن يتزوجها، يقول لك: يا أستاذ! عيب هذا في سن والدها، ف السؤال هل ينفع أن يتزوجها أم لا ينفع؟ يقول لك: يا أستاذ! كيف يتزوجها مادام هي زوجتي؟! و الجواب ماذا لو طلقتها أنت هذا اليوم هل يصح لهذا أن يتزوجها؟ فيجيبك: نعم، يصح. إذاً: فلا يجوز أن تسلم عليه. ولك أن تنظر إلى السخرية التي تنال الموظفة كل صباح في المكتب لو تركت السلام، وأغرب من ذلك عندما تتحجب الموظفة، وطبعاً هي لا تتحجب الحجاب الكامل، فهي مثلاً: ترتدي شراباً شفافاً، وتضع منديلاً على رأسها لتخفي شعرها، ظناً منها أن شعرها هذا هو المصيبة، لكن نحرها ورجليها إذا انكشفت فلا إشكال عندها، ومع ذلك لا تسلم من اللوم والتعنيف والسخرية: هل تحجبتي؟! فتقول: الحمد لله، وحين يسأل الشيخ عن حجابها يقول لك: هذا ليس حجاباً، فتشعر أنها في حالة من الغربة شديدة. والكارثة أنها حين تبتدئ متدرجة نحو الحجاب الصحيح حيث يصبح المنديل طرحة، والطرحة تصبح خماراً، تفاجأ بمن يقول لها: ما دمت تحجبت فإن زوجك سيتزوج عليك!! ولا ندري ما علاقة الحجاب بأن زوجها سيتزوج عليها؟ وحتى لو تزوج ما علاقة هذه بهذه؟! فتجد التعليلات السخيفة: لو تحجبت سينظر زوجك إلى الخارج. سبحان الله! هل قيل لها تحجبي على زوجك، أم تحجبي على الغريب؟! بل قد يقول بعض الأزواج السذج مثل هذا الكلام. سبحان الله! وهذا يدل على أن هذا الزوج ينظر إلى الخارج تحجبت أم لم تتحجب! فما علاقة أن المرأة تتحجب؟! والإسلام عندما شرع الحجاب هل اعتبر أن المرأة جالسة خارج البيت أربعاً وعشرين ساعة أو جالسة ساعة كل أسبوع في الخارج للضرورة؟! الحالة الثانية بالطبع، بمعنى: أن المرأة لا تخرج إلا للضرورة، وإن كانت تعمل فهي تعمل للضرورة، وإن كانت تخرج فهي تخرج مضطرة، إذاً فأكثر وقت المرأة في البيت، فهي قاعدة في البيت لا محتجبة. والشيطان يأتي ويقول لها: لو تحجبتي فإن شعرك الناعم سيتساقط وتصبحين بلا شعر، فتخاف، وقد تحجم عن الحجاب إن كانت ضعيفة، ومنهم النساء التي بلغت ثمانين سنة أو ما يقاربها قد أبيض شعرها فتقول: اصبغوه لي بالأسود، ومع أن هناك صبغة غير الأسود، فإن من الحماقة فعل ذلك؛ إذ كيف لا يوجد أسنان وهناك شعر أسود!! كما أن رسولنا ﷺ لما دخل عليه أبو قحافة والد سيدنا أبي بكر وهو في الثمانين من عمره، وقد أبيض شعر رأسه وشعر لحيته، قال: (غيروا هذا الشيب، وجنبوه السواد). ليس أضنى لفؤادي من عجوز تتصابا وعليم يتغابى وجهول يملئ الأرض سؤالاً وجواباً وقال آخر يصف عجوزاً ذهبت إلى العطار تريد الزينة: ذهبت إلى العطار تبغي شبابها وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر فمن الحمق والغباء أن يطلب إعادة العمر إلى الوراء، إذ لكل سن رونق وجمال ووصف لا يشاركه غيره. فالرجل العجوز تكبر معه امرأته، فليست متوقفة وهو الذي يكبر! فسن المرأة يكبر، فيكون الرجل عمره سبعون سنة وزوجته عمرها ستون أو خمسة وستون، وتكون مناسبة له، وأما التي يكون عمرها عشرين سنة فليست مناسبة له، وهذا أمر طبيعي أن السن له جمال في مكانه، وكل سن له وضعه، وفي الحديث: (حتى إذا بلغ العبد الستين قال الله للملائكة: أحسنوا إلى أسيري في الأرض، فإذا بلغ السبعين قال: تجاوزوا لعبدي عن سيئاته -أي: لو أخطأ خطأ لا تحاسبوه عليه-، فإذا بلغ الثمانين قال: عبدي شاب شعرك، واحدودب ظهرك، ووهن عظمك، فاستحي مني فإني أستحي أن أعذبك)، فكبير السن يستحي الله منه وهو غير مستح من نفسه، سبحان الله!

стр. 95

الغربة أمر محمود والمراد: أن الغربة التي يحياها المؤمن أمر طبيعي أخبر عن فضله النبي ﷺ فقال: (فطوبى للغرباء، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يكثرون عندما يقل الناس)، وليس المراد أنهم يكثرون عدداً، وإنما يكثرون هداية عندما يقل إقبال الناس على الهداية. فأنت إذا شعرت بغربة في بيتك، أو في عائلتك، فاعلم أنك على الحق طالما أنت تأخذ من الكتاب والسنة، وطالما أنت لا تعمل خطأ، بل تعمل ما أمرك به الحبيب المصطفى ﷺ ، وأخبرك العلماء به عنه، فثق أن هذه الغربة التي تحياها أمر طبيعي، فأمر الغربة مرتبة من مراتب الهداية. اللهم اجعلنا من الغرباء، وأحينا وأمتنا على كلمة التوحيد يا رب العالمين. اللهم أبعد عنا شياطين الإنس والجن يا رب العالمين، واجعل اللهم جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل بيننا شقياً ولا محروماً، واجعل أول يومنا هذا صلاحاً، وأوسطه نجاحاً، وآخره فلاحاً، ولا تدع لنا فيه ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا مجاهداً في سبيلك إلا نصرته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مسافراً إلا غانماً سالماً لأهله إلا وقد رددته. اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 96

صفات أهل الغربة إن أمة الإسلام تعيش في غربة عامة، وهناك غربة خاصة، وهناك غربة أخص منها، فينبغي لكل مسلم أن يسعى إلى دفع هذه الغربة بالوسائل الشرعية، وأعظم هذه الوسائل والعوامل التي تدفع الغربة عدم التنازع فيما بيننا، ونبذ الفرقة والاختلاف، والاجتماع على الكتاب والسنة.

стр. 97

أقسام الغربة

стр. 98

الغربة العامة وصفة أهلها الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أوضح الحجة، وأتم المحجة، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كفر الكافرون. وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، اللهم صل عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون. أما بعد: أيها الإخوة المسلمون! إننا نعيش عصر الغربة الذي أخبرنا به الصادق المعصوم ﷺ عندما قال: (إن هذا الدين سوف يعود غريباً كما بدأ غريباً، فطوبى للغرباء، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله! قال: المستمسكون بسنتي عند فساد أمتي). من هم أهل الغربة؟ من هي الفرقة الناجية التي حدثنا عنها الحبيب المصطفى ﷺ في قوله: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وصحابتي). فالغربة ثلاثة أقسام: غربة عامة، وغربة خاصة، وغربة أخص. فالغربة العامة: هي التي يحياها المسلمون في العالم اليوم. والغربة الخاصة: هي التي تحياها الفرقة الناجية التي تحدث عنها الحبيب المصطفى ﷺ . والغربة الأخص: هي غربة الفرقة المنصورة التي وعدها رب العباد بالتمكين في الأرض، وبالنصر على العدو. ما صفات هذه الغربة العامة؟ وما صفات الغربة الخاصة؟ وما خصائص الفرقة المنصورة؟ وما هي أخلاقيات جيل النصر الذي نتوخاه في شبابنا، وفي نسائنا، وفي كبارنا وصغارنا، بعد أن رمانا أعداؤنا عن قوس واحدة من خارج دول الإسلام ومن تلاميذهم في داخل دول الإسلام؟ نسأل الله أن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته، بعز عزيز أو بذل ذليل، اللهم انصر دينك يا رب العالمين. هذه غربة عامة يحياها المسلمون في العالم اليوم، فقد اجتمع العدو الحاقد الذكي مع بعض الأغبياء من المتمسلمين في جعل الإسلام غريباً على هذا المجتمع، والمجتمع العالمي الذي يريد أن يصف نفسه بالحرية والإخاء، والنزعة الإنسانية العالمية، والشرعية الدولية. إننا نحيا غرباء في هذا العالم، فقد أخذوا الفتات المتساقط من حول موائدنا عبر التاريخ وأنشئوا به حضارات، ثم بعد ذلك امتصوا دماءنا، وأخذوا خيراتنا، واستعمروا بلادنا الإسلامية، وكانت بلادنا كلها من الهند شرقاً إلى الأندلس غرباً عبارة عن أماكن للمصانع والمنتجات الأوروبية فالغربية، المواد الخام تؤخذ من بلادنا لتصنع هناك وليعاد بيعها مرة أخرى لنا بالملايين، وبعد أن كنا دائنين صرنا مدينين، وبعد أن كنا أقوياء صرنا ضعفاء. فلقد تداعت الأمم علينا كما نبأنا الحبيب المصطفى ﷺ بقوله: (سوف تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، تنزع المهابة من قلوب عدوكم لكم، وتصابون بالوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الحياة وكراهية الموت). حتى إن كل إنسان منا يقول: أنا أريد أن أربي عيالي وأنفق على أسرتي، فلا أريد مشاكل، وأنا أصلي في مسجد قريب؛ لكي لا تأتي إلي مشكلة، وعندئذ أصبنا بالوهن؛ لأننا أحببنا أن نخلد في الحياة الدنيا كهذا الذي أخلد إلى الأرض، وترك آيات ربه، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦]. اللهم اجعلنا من الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، القائلين الحق ولا يخافون فيك يا رب العالمين لومة لائم، إنك على ما تشاء قدير. هذه غربة عامة نحياها كمسلمين، وينظر العالم اليوم إلى عالمنا الإسلامي على أنه العالم الثالث، يعني: العالم الأخير، لأنه ليس هناك عالم رابع، فنحن في ذيل قائمة الأمم، وفي المقابل نحن في أول الأمم الفقيرة المتنافرة المتناحرة على كراسي الحكم، وعلى أمور ما أقرها كتاب الله، ولا أقرتها سنة الصادق المعصوم ﷺ .

стр. 99

عوامل دفع الغربة عن الأمة المحمدية إننا نستطيع أن ندفع غربتنا العامة هذه وأن نردها، وألا نعتبر أنفسنا غرباء، ويجب علينا كمسلمين أن نحمل راية قيادة العالم كله، فنحن أهل التوحيد، ونحن أصحاب الدين الذي أراده الله للعالمين ديناً، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. ومَن مِن أفراد العالم، ومن أمم العالم، ومن حضارات العالم على مر التاريخ أولى برفع الراية وأخذ زمام المبادرة، وقيادة العالم إلى رب العالم من أمة محمد ﷺ ؟! هذه الأمة التي كانت تعيش شتاتاً في جزيرة العرب، فجاء الحبيب المصطفى ﷺ فوحدها تحت راية التوحيد، وقادها إلى النصر، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، ما شعر المسلمون الأول من الصحابة والتابعين بغربة، وإنما الذين يشعرون بغربة هم الذين تناحروا وتنافسوا على الحكم، والذين بعدوا عن رب العباد سبحانه، والذين تركوا التوراة والإنجيل وألقوها خلف ظهورهم من قبل، فما كان أولى من أمة محمد ﷺ بقيادة زمام العالم، وما كان أولى من سنة الحبيب المصطفى ﷺ أن تكون نبراساً لهذا العالم. إن دفع هذه الغربة يقتضي خمسة أمور: الأمر الأول: ألا يتنازع بعضنا مع بعض، قال تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦]. الأمر الثاني: أن نكون أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، ونحن مازلنا أعزة -للأسف- على المؤمنين، وأذلة على الكافرين والعياذ بالله رب العالمين، فنتهم كثيراً من دول الإسلام الموحدة أنها هي التي تصدر لنا الإرهاب وغيره، ونمالئ دولاً أخرى وهم الإرهابيون الحقيقيون. الأمر الثالث: أن يحمل كل واحد من المسلمين الذكور والإناث الصغار والكبار هم الإسلام، فإذا كان لك من الأبناء ثلاثة فاعتبرهم أربعة؛ لأن الإسلام هو ابنك الأول، وإذا كان لك من الأبناء خمسة فاعتبرهم ستة؛ لأن الإسلام أولى بالرعاية، فلا بقاء لنا في العالم إلا بإسلامنا؛ ولذلك قال عمر بن الخطاب ﵁ يوم أن تسلم مفاتيح بيت المقدس: كنا أذلاء فأعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غير الإسلام أذلنا الله. وقالها ربعي بن عامر ﵁ عندما سأله قائد الفرس: ما الذي جاء بكم وأخرجكم من أرض الجزيرة؟ قال: إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وأن نخرج الناس من جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة. هكذا دفعوا الغربة؛ لأنهم صاروا على قلب رجل واحد، وسمعوا كلام الله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٣]. وسمعوا كلام الرسول ﷺ : (من فارق الجماعة فاقتلوه) هكذا أمرنا الصادق المعصوم ﷺ أن نكون على قلب رجل واحد. الأمر الرابع الذي ندفع به غربتنا: أن تكون دولنا عادلة مع نفسها، عادلة بين حكامها ومحكوميها، بين رؤسائها ومرءوسيها، بين ملوكها ومملوكيها، عندها يتحقق العدل، وتزول الغربة، ولقد صدق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵁ حين قال: إن الله لينصر الدولة الكافرة العادلة، ويهزم الدولة المسلمة الظالمة. هذه حقيقة واقعية، فالله لا يحابي أحداً، وهذه سنة الله في خلقه، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر:٤٣]. يجب أن نكون منصفين مع أنفسنا، يجب أن يكون الواحد منا منصفاً مع نفسه، وأن يقتص من نفسه، وأن يكون إنساناً عادلاً مع نفسه وغيره، لا يبحث عن حقوقه فحسب، بل يبحث عن واجباته، بذلك نستطيع أن ندفع الغربة. أضيف أمراً آخر ندفع به غربتنا وهو: أن نتمسك بأعالي الأمور ونترك سفاسفها، ونتفوق في مجالات الحياة، فليتفوق الطالب في دراسته، وليتفوق المهندس في هندسته، وليتفوق الطبيب في طبه، وليتفوق الحرفي في حرفته، عندئذ نأخذ زمام المبادرة مرة أخرى. نحن أولى من اليابان، وأولى من جنوب شرق آسيا، وهونج كونج، وسنغافورة، وغيرها من عبدة التماثيل، فهؤلاء لما تمسكوا بالأسباب أعطاهم رب العباد الأسباب كلها. وديننا يأمر بالعمل، ويأمر بالإخلاص، ويأمر بالصدق، ويأمر بالعلم، ويأمر بعدم التفرق، فما بالنا نتفرق ولا نأخذ مأخذ الجد في العلم، ونرى طلابنا يركضون في المدارس والجامعات ولا يهتمون بالدروس، ونرى أساتذتنا لا يخلصون فيما يدرسون، ونرى أطباءنا جشعون فيما يأخذون، ونرى كثيراً من محامينا ينصبون على الموكلين، ونرى كثيراً من أصحاب المهن يستغلون مهنتهم في إذلال الناس، وأصحاب الجاه يستغلون جاههم في ما لا يحل لهم. إذاً: فلابد لنا إن أردنا أن ندفع غربتنا وأن نأخذ زمام المبادرة أن نعمل وأن نكد وأن نخلص، وأن نجتهد كل في مكانه، لا تحمل الأمر على العلماء، أو على الأمراء، أو على الحكام، نعم كل واحد سوف يحمل ما وكل إليه أمام رب العباد يوم القيامة، وفي الدنيا أيضاً، لكن أنت أخا الإسلام كن عملياً بأخذ زمام العمل الجاد، وبذلك ندفع الغربة العامة عن المسلمين.

стр. 100

غربة الفرقة الناجية وخصائصها النوع الثاني من الغربة: غربة الخاصة، وهي غربة الفرقة الناجية. والفرقة الناجية لها خصائص منها: أنها فرقة موحدة لله حق التوحيد، وفرقة ليس بينها وبين الله واسطة، وفرقة تأخذ من الكتاب والسنة، وفرقة مستقيمة على طريق الله صابرة مصابرة، وفرقة تملأ بيوت الله وتعمرها، وفرقة تريد نصر الإسلام، وفرقة تأخذ على عاتقها نبذ الخلافات والانحرافات والفسوق والعصيان، وفرقة تبعد نفسها عن البدع، وفرقة لا تطبق من الدين شيئاً وتترك شيئاً آخر، وإنما تأخذ الأمر كله؛ لأنها تعلم أن كل أمر بيده ، وهي فرقة تنتهي عند نهي رب العباد ، وفرقة تحمل هم الإسلام. هذه بعض خصائص الفرقة الناجية. وتشعر هذه الفرقة أنها غريبة في مجتمعها، فإذا رأيت زوجة قد أكرمها الله بنقاب أو حجاب، عندئذٍ نرى أنها منبوذة في العائلة، وبالذات بعض العائلات التي تسمى بـ (الإتكيت) أو (الفيتي فايتي) أو المجتمعات التي قد طمست بصائرها، وصارت وراء الغرب حذو القذة بالقذة، حتى لو دخل الغرب جحر ضب لدخلوه خلفهم. فهؤلاء لو قال لهم رجال الأزياء في أوروبا: إن قميص الرجل يكون تثني ياقته هذا العام هكذا، فإذا بهذه الفرق في بلاد الإسلام تثني ياقة قميصها كما قال مصمم أو مبعوث الأزياء الفرنسي أو الأوروبي. وإذا قال لنسائهم: قصرن الفساتين، قصرت الفساتين، وإذا قال لبناتهم: البسن أسورة عليها صورة كذا، أو افعلن وشماً شكله كذا، لفعلن ما أمرن به. لكن لو قال الله أو قال الرسول ﷺ لهؤلاء: افعلوا كذا، أو لا تفعلوا كذا، لما فعلوا ما أمروا به، ولأعرضوا عن كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وكأن هؤلاء لم يسمعوا قول الله : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]. وكأنهم لم يقرءوا قول الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦]. فهؤلاء ما فتحوا كتاب الله ليقرءوه، حتى وإن قرءوه فإنه لا يجاوز تراقيهم، فهم يفتحون فيقرءون عن الربا، ويقرءون عما حرم الله، وإذا بكل واحد منهم يريد أن يقنع نفسه بما لا يحل له، يريد أن يضعها في رقبة عالم ليخرج منها سالماً. لن تسلم يوم القيامة إلا إذا خلصت نفسك من هذه الانحرافات وهذا الهوى الذي يحكمك ويحكم عقلك وقلبك، يجب أن يكون هواك تبعاً لما جاء به الحبيب المصطفى ﷺ . دخل الرسول ﵊ فرأى أبا بكر ﵁ يقرأ ويصلي ويخفض صوته، ورأى عمر ﵁ يقرأ فيرفع صوته، فقال: (يا أبا بكر! لم لا ترفع صوتك في الصلاة؟ قال: أسمعت من ناجيت يا رسول الله، ثم قال: وأنت يا عمر لم ترفع صوتك؟ قال: أوقظ الوسنان -أي: النائم-، وأطرد الشيطان). فاسمع ماذا قاله المربي العظيم محمد ﷺ ، قال: (يا أبا بكر! ارفع صوتك قليلاً، ويا عمر اخفض صوتك قليلاً) فالرسول ﷺ حقق أمرين: الأمر الأول: العمل بما جاء في كتاب الله : ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:١١٠]. الأمر الثاني: أنه جعل هواهما تبعاً لمراد الله ورسوله ﵊. يعني: أن الإنسان لا يصنع ديناً من عنده، فالدين قد أحكمه الحكيم ، وأنزله على قلب حبيبه ﷺ ؛ ليكون للعالمين بشيراً ونذيراً ﷺ . إذاً: الفرقة الناجية هي فرقة غريبة في مجتمعها، تجد الأب يعيب على الولد الملتزم، وعمه يعيب عليه، وخاله يعيب عليه، وأخوه الأكبر يأمره بحلق اللحية، ويقول: لا داعي للصلاة في المسجد. يقول هؤلاء المتمسلمون: نعم، نحن نعرف أن هذا حق، وأن هذا واجب، وأن هذه سنة مؤكدة، وأن هذا كذا، وأن هذا كذا، لكن الظروف لا تسمح بالتزام ذلك، والدين بالعقل وليس بالتهور والتشدد، هكذا يقولون. فهؤلاء يريدون أن يحققوا البدعة، وأن يجنبوا السنة بعيداً، ولكني أقول: إن طائفة من أمة محمد ستظل قائمة على الحق، لا يضرها من خالفها حتى تقوم الساعة. اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين.

стр. 101

عوامل دفع الفرقة الناجية للغربة عن مجتمع الإسلام كيف ترد الفرقة الناجية غربتها في مجتمع الإسلام؟ أولاً: بأنها تظهر صورة الإسلام الحسنة، وذلك بنبذ العنف. ثانياً: المجادلة بالتي هي أحسن، وبالحكمة وبالموعظة الحسنة، يعني: أن يجادل الإنسان كما جادل الخليل إبراهيم ﵇ أباه آزر، وكما جادل الأنبياء أتباعهم، بالحكمة والموعظة الحسنة، وكما جادل الدعاة الأول الذين يريدون أن يصل كلام الله إلى أسماع من يجادلونهم. ثالثاً: أن تظهر أصول الإسلام، فأصول الإسلام كثيرة، منها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن أصول الإسلام: أن يسلم الناس من لسانك ويدك، وأن يسلم الناس منك على أعراضهم ودمائهم وأموالهم، وأن يعيش المجتمع في سلام، وأن يقبل كل واحد منا الحق غير متعتع، فلا بورك في أمة ضاع فيها حق الضعيف، وضاع فيها حق الإنسان الذي لا ناصر له إلا الله . أيضاً من وسائل دفع غربة الفرقة الناجية في أرض الإسلام أو بين ذويهم من المسلمين: أن يعلم كل واحد منهم أن الناس ما بين مبتلىً ومعافىً، فليحمد الله على العافية، وليرحم أهل البلاء، وليعلم أن الذين يعيبون على التيار الإسلامي من علمانيين وشيوعيين وغيرهم أن هذا هو صراع الحق مع الباطل، وما علينا إلا أن ندافع عن ديننا، وأن نوضح أن ديننا إنما هو كتاب وسنة، عقيدة وشريعة، مصحف وسيف، هكذا فهمنا من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ . أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 102

غربة الفرقة والطائفة المنصورة أحمد الله رب العالمين، وأصلي وأسلم على سيدنا رسول الله ﷺ . وبعد: فالفرقة المنصورة، أو جيل النصر الذي وعد به النبي ﷺ ووصفه بقوله: (عمل الواحد منهم كخمسين منكم، قالوا: بل منهم يا رسول الله! قال: بل منكم، إنكم تجدون على الخير أعواناً، وهم لا يجدون). كان أبو بكر يجد عمر معواناً له على الحق، وكان عمر يجد عثمان معواناً له على الحق، وعثمان يجد علياً، وعلي يجد سعداً، وسعد يجد عماراً، وعماراً يجد بلالاً، وبلال يجد ابن مسعود، كل يعين أخاه على الحق. أما نحن فإننا في زمن كل واحد يريد أن يعين الآخر على الباطل، يريد أن يوقفه عن الحق، يريد أن يكتم شهادة الحق، يريد أن يقول الزور، يريد أن يملأ قلبه هيبة من المخلوق لا من الخالق، يريد أن يبعده عن حقيقة الإسلام، يريد أن يبعده عن ما هو مخلوق له، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨].

стр. 103

صفة الطائفة المنصورة إن الفرقة المنصورة يجب أن تتصف بصفات، أولاً: يجب أن نفرح عندما نرى المساجد قد اكتظت بالمصلين الموحدين، فهؤلاء المصلون هم أمان للأمة في كل مكان. اسمع إلى الحديث القدسي الذي يقول فيه رب العباد سبحانه فيما بلغه عنه النبي ﷺ قال: (إني لأهم بأهل الأرض عذاباً، فإذا نظرت إلى المتزاورين فيّ، والمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، وإلى عمار بيتي، رفعت عذابي عنهم). وقال ﵊: (أنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت فأصحابي أمنة لمن بعدي، فإذا ذهبوا صار كل مؤمن صادق الإيمان أمنة لمن حوله)، وكل مؤمن بفضل الله يستجلب رحمة الله على المكان الذي يعيش فيه، فإذا اكتظت مساجدنا بالمصلين في رمضان، وبالدعاء في رمضان، واكتظت موائد الرحمن من المحسنين في الطرقات والشوارع، فإنا نفرح بذلك، وأهل الإحسان والحمد لله كثيرون في مصر وفي كل بلاد الإسلام. ثانياً: يجب أن نفرح بالذين يقومون على أمرنا ويقولون: إن شعوبنا لا تصلح إلا بالإسلام، وإن الرحمة لا تنزل إلا على الذين يتقون ربهم، ويخشونه بالغيب، ويخافون عذابه. ويجب أن نقول: إن نصر المسلمين، واستتباب الحكم في البلاد كلها لا يكون إلا بهذه الفرقة المنصورة الناجية التي استقامت على طريق الله، ونشرت دين الله ، وباعت نفسها ومالها وكل شيء لرب العالمين سبحانه، محققين قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١]. اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين. فهذه فرقة استقامت على طريق أجدادها من الصحابة، فعندما حاصر النبي ﷺ اليهود في خيبر خرج مرحب، وكان رجلاً فارساً شجاعاً مغواراً مقاتلاً شرساً، وقال: من يخرج إلي؟ فخرج إليه علي بن أبي طالب فأطاح برأس مرحب. ثم خرج ياسر أخو مرحب، وكان مقاتلاً شديداً من أشاوس المقاتلين في جزيرة العرب، فقال: من يقاتل؟ قال الرسول ﷺ : لتقم يا زبير بن العوام، فقام الزبير فإذا بـ صفية عمة رسول الله ﷺ تقول: يقتله يا بن أخي! يقتله يا محمد! يقتله يا رسول الله! قال: لا تخافي يا عمة إنما سيعينه الله عليه، فقتل الزبير أخا مرحب. وفي غزوة الخندق عبر عمرو بن عبد ود الخندق وكان رجلاً مقاتلاً شجاعاً، وقال: يا محمد! أخرج لي رجلاً كفؤاً يقاتلني، فقال علي: أنا له يا رسول الله! قال: يا علي اجلس إنه عمرو بن عبد ود، فقال: وأنا علي بن أبي طالب، فيقوم علي كرم الله وجهه، فقال عمرو: من أنت؟ قال: علي بن أبي طالب، قال عمرو: يا بن أخي! والله لا أحب أن أقتلك، قال علي: ولكني يا عدو الله أحب أن أقتلك. فعندئذٍ استشاط الرجل غضباً وتحاورا وتقاتلا من بعد صلاة الظهر حتى أوشكت الشمس أن تغيب، وقبل غروب الشمس بلحظات إذا بـ علي يقطع رقبة عمرو بن عبد ود. ولقد صدق التاريخ في مقولته: إن القواد الشجعان والمقاتلين الشجعان مع رسول الله ﷺ استشهدوا في المعارك، والقواد الأشد شجاعة لم يرزقوا الشهادة في المعارك. فهذا خالد بن الوليد كان يتمنى أن يستشهد في معركة، فهو عندما أدركته المنية قال: لقد خضت أكثر من مائة معركة، وليس موضع شبر من جسدي إلا وفيه طعنة برمح أو ضربة بسيف، وهاأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء. وفي فتح خيبر قال الرسول ﷺ : (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، قم يا علي فخذ الراية) ففتح الله رب العالمين على المسلمين. يا إخوتاه! إن أجدادنا باعوا أنفسهم وأموالهم لله فما ضاعت عليهم أرض، بل في كل يوم تُضم أرض جديدة إلى الإسلام، وتدخل فرق جديدة في الإسلام، ويدخل الناس في دين الله أفواجاً، أما نحن فقد صارت أراضينا تلتقط من كل جهة، فقد ضاعت الأندلس، وبعدها ضاعت فلسطين، وتوشك أن تضيع البوسنة والهرسك. اللهم أعد إلينا ديار الإسلام عزيزة قوية منيعة يا رب العالمين. إن الفرقة المنصورة فرقة يجب أن تتوكل على رب العباد سبحانه، فلا يضرها من ضل، والله ناصرها. هكذا ندفع الغربة العامة التي نحياها، وكذلك ندفع الغربة الخاصة، وندفع الغربة الأخص؛ لنتبوأ مكاننا تحت الشمس مرة أخرى، ولنأخذ زمام المبادرة ونكون قواداً لهذه البشرية الضالة إلى رب العباد . يقول ﷺ : (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار بعز عزيز، أو بذل ذليل). أيها الإخوة المسلمون! قد أكون شاقاً في خطبتي، ولكن الخطبة إن لم توقظ همم المسلمين وقلوبهم فلا خير فيها، وأحسب أنني أقولها صادقاً من قلبي إن شاء الله رب العالمين، لا أريد بها جزاءً ولا شكوراً إلا من رب العباد سبحانه. أقولها لأوقظ نياماً، وأوقظ الوسنانين الذين يظنون أن النصر يأتي بدون مجهود، وأن النصر يأتي ونحن نائمون على ظهورنا، وكما قال عمر بن الخطاب ﵁: لا ينامن أحدكم على ظهره فيقول: اللهم ارزقني، وهو يعلم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة. إن الدعاء وحده لا يكفي، بل لابد من الاستقامة على طريق الله، وتحقيق أمر الله من الحاكم والمحكوم في بلاد الإسلام، حينها ينزل الله علينا رحمته، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦]. أيها الإخوة المسلمون! ليكن رمضان لنا وقفة يتوقف العبد فيه ليحاسب نفسه، ويسأل نفسه: ماذا قدم كل واحد منا لدينه دين الإسلام دين محمد ﷺ ؟ ماذا قدم لنصر شريعة الله ؟ كل في مكانه، عسى رب العباد أن يجلي الغمة، وأن ينصر الأمة، وأن يوضح لنا معالم الطريق، وأن يهدينا سواء السبيل. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت يا رب أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم ادفع غربتنا، اللهم ادفع غربتنا، اللهم ادفع غربتنا. اللهم آمن روعتنا، اللهم أطعمنا من جوع، واكسنا من عري، وآمنا من خوف، اللهم انصرنا بعد هزيمة، ووفقنا لما تحب وترضا، وأقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به الجنة، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا. اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأنصر إخواننا في البوسنة والهرسك، اللهم انصرهم نصراً عزيزاً مؤزراً. اللهم صن أعراض نسائنا في البوسنة والهرسك يا رب العالمين. اللهم عليك بالصرب وأعوانهم، زلزل الأرض من تحت أقدامهم، اللهم اهزمهم يا رب العالمين، اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً. اللهم لا تجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً، اللهم من أراد بالمسلمين سوءاً فاردد اللهم سوءه إليه. اللهم انصرنا وانصر بنا يا رب العالمين، وردنا إلى الإسلام رداً حسناً جميلاً، واجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك. وصلى الله على سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه وسلم يا رب تسليماً كثيراً.

стр. 104

الابتلاء إن الإنسان في هذه الدنيا معرض للابتلاء، سواء بالنعم أو بالمصائب، فالعبد المؤمن يصبر على هذا الابتلاء ويحمد ربه أنه لم يكن في دينه، وأن الله إنما يبتليه ليرفعه يوم القيامة إن صبر، ولقد ابتلي الأنبياء والرسل فصبروا، فرفعهم الله وأعلى شأنهم في الدنيا والآخرة، ولنا فيهم أسوة حسنة.

стр. 105

أقسام أهل الجنة حسب تقواهم

стр. 106

أهل الجنة بين عابد وزاهد وصديق أيها الأخ المسلم الكريم! أنت في هذه الدنيا إما في حالة نعمة أو في حالة بلية، وتحدثنا كثيراً عن هاتين الحالتين، ولكن ننظر إليهما في هذه الخطبة وفي هذه الدقائق المعدودة من زاوية أخرى، عسى رب العباد أن يجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يتم علينا وعليكم نعمه ظاهرة وباطنة، وأن يصبرنا على ما ابتلانا إن ربنا على ما يشاء قدير. أنت في الدنيا لست في دار تكريم، ولكن أنت في دار عناء وابتلاء واختبار، والبلاء كما قلنا من قبل: إما بلاء عام أو بلاء خاص، أو إن شئت فقل: بلاء مطلق أو بلاء مقيد، وهكذا أيضاً في النعم، فإما أن تكون النعمة مطلقة وإما أن تكون مقيدة ولنا مع كل حالة من هذه الحالات الأربع وقفة تختلف عن الأخرى. أيها الأخ المسلم الكريم! بينك وبين الجنة قنطرة تستطيع أن تعبرها بخطوتين: خطوة عن نفسك، وخطوة عن الناس. يعني: أن أهل الجنة في الدنيا أنواع ثلاثة: إما عابد، وإما زاهد، وإما صديق. فالعابد من يعبد الله مع العلائق، والزاهد من يعبد الله بدون علائق، والصديق من يعبد الله على الرضا، هذا كلام ربما يكون ثقيلاً على الأسماع وسوف أبينه إن شاء الله رب العالمين، فاللهم علمنا ما جهلنا، وذكرنا ما نسينا يا رب العالمين. فالدنيا جعلت مزرعة للآخرة، وأهل الآخرة الذين قال الله فيهم: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾ [القصص:٨٣] جعلت لأصناف ثلاثة: إما أن يكون عابداً. وإما أن يكون صديقاً وإما أن يكون زاهداً. فالعابد هو إنسان لا يرتكب الكبائر من الآثام والفواحش، ولكنه يتعرض لما يتعرض له البشر من اللمم ومن صغائر الذنوب، ولكنه يتوب أولاً بأول، فما بين الصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة، والحج إلى الحج، كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر؛ لأن أفضل ما يعبد الله به قلة الذنوب، وأفضل شيء يدخل السرور والانشراح على قلبك أن تكون قليل الذنوب كثير الحسنات. اللهم اجعلنا قليلي الذنوب ومن التائبين عنها يا رب العالمين! فالإنسان العابد في الدنيا يأتمر بما أمر الله وينتهي عما نهى الله سبحانه، ثم هو بعد ذلك وقاف عند حدود الله، فهو يرى الله في كل خطوة وفي كل نظرة وفي كل كلمة وفي كل حركة وسكنة، فشغله الشاغل رضوان مولاه .

стр. 107

مثل أقسام السائرين إلى الله ولقد قسمنا من قبل السائرين في الطريق إلى الله إلى أقسام ثلاثة، وضربنا لكم مثلاً: برجل غني أو أمير أو رئيس أو وزير أو ملك جاء بعمال يصنعون له في بيته شيئاً، وبعد أن وزع الأعمال عليهم صباحاً تركهم فانقسم العمال ثلاثة أصناف: الصنف الأول قال: طالما أنني سوف آخذ أجراً فيجب أن أعمل بجد وإخلاص، سواء كان صاحب العمل يراني أو لا يراني، فهذا الصنف يعمل بجد من طلوع الشمس إلى مغيبها لا يكل ولا يستريح. الصنف الثاني: يعمل ساعة ويستريح ساعة؛ لأن صاحب العمل غير موجود. الصنف الثالث قال: إن صاحب العمل غير موجود ولا يراني فسوف أنام طوال النهار وأكسب صحتي وأوفر جهدي؛ لأن عندي عملاً بالليل سوف أقوم به في مكان آخر، وآخر اليوم سوف آخذ أجري، كالمدرس المهمل الذي يقول: لو نجح الفصل كله فمرتبي كما هو، ولو رسب الفصل كله فمرتبي كما هو، إذاً أنام فيرسب الفصل كله؛ لأنني لا أريد أن أتعب. في آخر النهار اكتشف العمال جميعاً وهم الأصناف الثلاثة أن صاحب البيت ناظر إليهم يراهم من فوهة وهم لا يرونه، فهو يراهم ويرى أعمالهم منذ صبيحة اليوم إلى مغرب الشمس، فمن عمل بجد فله أجره؛ لأن صاحب العمل كان يراه بعينه، والذي قصر بعض الساعات ندم وعض أصبع الندم، والذي نام طوال اليوم كان له الخسران والخزي، فلم يعطه صاحب العمل أجراً. ولله المثل الأعلى، فهو مالك الدنيا وخالقها، فالله سبحانه أوجدنا في الدنيا وقال: يا عبادي اتقون، يا عبادي انزلوا إلى الدنيا بعضكم لبعض عدو، أي: نحن والشيطان وسائر الشياطين أعداء بعضنا لبعض، سواء شياطين الإنس أو شياطين الجن. إذاً: العابدون يعبدون الله على أن الله يراهم، وهم يعبدونه على درجة الإحسان، والإحسان هو: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك). فأنا في الدنيا يجب أن أعلم أن الله ناظر إلي من صبيحة اليوم إلى مغربها، وبالليل أيضاً يراني، لا يعزب عن الله مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا يغفل رب العباد سبحانه فلا تأخذه سنة ولا نوم، قيوم السماوات والأرض، ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم. فالله ناظر إلى عباده في الدنيا منذ أن أوجدوا فيها إلى أن يموتوا، وهذا العمر كنهار العامل تماماً، يعني: منذ أن بلغت الحلم وكلفت أيها الإنسان -رجلاً كنت أو امرأة- فالله ناظر إليك يرى ماذا تصنع. فانقسمنا في أعمالنا لله ثلاثة أقسام كما انقسم العمال: قسم يعلم أن الله لا يغفل عنه؛ ولذلك هو يحب ربه، ويدعوه ليل نهار، ويعبده ليل نهار، ولا يغفل عن ذكره لحظة. هذه الطائفة الأولى عندما يأتي يوم القيامة سوف يكونون من الفائزين الناجحين، اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين! القسم الثاني: من تأتيهم غفلة على مر الأيام والزمن ينامون عن العبادة، تجد الواحد منهم يقصر في صلاته وعبادته، ويغتاب هذا، ويتكلم في حق هذا، وينم في حق هذا، ويسيئ إلى هذا، ولكنه رغم ذلك يعمل بعض الحسنات، هذا ندمه يوم القيامة كثير. القسم الثالث: من ينكر الآخرة أو يمني نفسه بالأماني، قال بعض السلف: إن قوماً قد غرتهم الأماني يقولون: نحسن بالله الظن، فوالله لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل. وجاء في الحديث القدسي: (لا أجمع على عبدي أمنين ولا خوفين، من أمنني في الدنيا أخفته في الآخرة، ومن خافني في الدنيا أمنته في الآخرة).

стр. 108

من مواقف الصالحين من الدنيا هذا سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث ﵁ رزقه الله بخمسين ألف درهم فوزعها على إخوانه كلها، فتعجب الحاضرون وقالوا: يا إمام أتوزع عليهم خمسين ألف درهم، قال: عجباً إذا كنت في كل صلاة أطلب لهم الجنة أفلا أوزع عليهم شيئاً من حطام الدنيا؟! يعني: أن المسألة أكبر من هذا، فليست القضية قضية كلام، وإنما القضية قضية عمل، فأنا أطلب لهم عقب كل صلاة أن يرزقهم الله الجنة ويرضى عنهم، فكيف لا أعطيهم من حطام الدنيا؟! إذاً: عابد يعبد الله على العلائق، أي: على أمور متعلقة بالدنيا والغفلة التي تأتي. الدرجة الأعلى: الزاهد الذي يعبد الله على غير العلائق، أي: من استولى الله على قلبه فلا يذكر إلا الله، ولا يكون مقصده إلا الله ، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:٤٢] هذه هي الدرجة العليا. أما الدرجة الأعلى من الجميع، فهي درجة الصديقية، والصديق هو الذي يعبد الله على الرضا، كما كان أبو بكر ﵁، اللهم لا تحرمنا مجاورة الصالحين في الجنة يا أرحم الراحمين. أعود إلى ما ابتدأت فيه من حديث: يا أخا الإسلام بينك وبين الجنة قنطرة وحاجز، وتستطيع أن تعبر هذه القنطرة بخطوتين: خطوة عن نفسك، وخطوة عن الناس.

стр. 109

كيف تخطو خطوة عن نفسك في قنطرة الجنة

стр. 110

الفرق بين الكبر والعزة خطوة عن نفسك: أن تفرق بين الكبر وبين الكرامة والعزة، فلو آذاك أخوك فقلت: إن هذا شيء يخص كرامتي وأنا لن أذهب إليه ولن أصافحه ولن أعزيه ولن يجمعني وإياه مجلس واحد؛ لأنه أساء إلى كرامتي، نقول: أنت متكبر، رأينا كيف كان الصالحون ﵃ يصلح الواحد منهم أمره مع أخيه، قيل للحسين بن علي: ادخل فاصطلح مع أخيك الحسن؟ فتبسم الحسين وقال: الحسن أخي أكبر مني سناً ومقاماً، ولكني بلغني عن جدي ﷺ أنه قال: (الأخوان المتخاصمان أسرعهما صلحاً لأخيه أسرعهما دخولاً إلى الجنة) وأنا أتباطأ حتى يسرع أخي الحسن إلى الصلح معي فيدخل قبلي الجنة. هذه درجة وخطوة عن نفسك. وأبوهما ﵁ لما أراد أن يجهز على عدوه ورفع السيف بصق الرجل في وجه علي فأغمد علي سيفه، فقيل له: لمَ لم تجهز عليه وأنت في معركة يا أمير المؤمنين؟ قال: رفعت السيف في أول مرة كي أضربه ابتغاء مرضات الله، فلما بصق على وجهي خشيت أن يكون قتلي له انتقاماً لنفسي، فأغمدت سيفي لكي لا أكون خاسراً يوم القيامة. كذلك من سلك خطوة عن نفسك، كما قال عمر ﵁ وهو يسير مرة مع الصحابة وابنه عبد الله بجواره فقال: رأيتني مرات وأنا أرعى الإبل للخطاب في هذا المكان، وكان رجلاً فظاً غليظ القلب، وصرت اليوم وليس فوقي أحد إلا الله رب العالمين، قال ابنه: يا أبت ماذا قلت؟ لم تعجب الكلمة عبد الله بن عمر كأنما لمح لمحة كبر في أبيه ﵁ وحاشا لأمير المؤمنين عمر أن يكون متكبراً، فقال: يا بني! استشرفت نفسي-أي: أرادت أن تتكبر- فأردت أن أضعها أمام أصحابي، أي: أذكرهم بماضيَّ الذي كنت فيه فقيراً أرعى الإبل لأبي وكان فظاً غليظ القلب، فصرت اليوم أميراً للمؤمنين. ولذلك لما عين سلمان الفارسي ﵁ في زمن عمر حاكماً على بلاد فارس التي جاء منها ودخل إلى المدائن عاصمة كسرى سابقاً، دخل وعليه ثوب قصير، فقال له رجل من بلاد فارس: يا حمال! قال: نعم، قال: احمل حزمة الحطب هذه، فحمل سلمان ﵁ حزمة الحطب، فلما رأى الصحابة وهم يستقبلون سلمان ويقولون: مرحباً بالأمير، مرحباً بالأمير، أسقط في يد الرجل، قال سلمان: لا عليك أخا الإسلام، أنت قلت: احمل يا حمال، فأنا حملت فصرت حمالاً، قال الرجل: ضعها لكي أحملها وتعفو عني، قال: والله لن أضعها إلا في المكان الذي تريد أن أوصلها إليك فيه، سبحان الله! هذه خطوة عن نفسك، فأنت إن أردت أن تصل إلى الجنة وتقطع القنطرة التي بينك وبين الجنة فعليك أن تخطو خطوة عن نفسك.
следующие страницы →