Полный текст (873 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
سبب الشبه في الولد وذكر الفرق بين رواية: (سبق ماء الرجل) ورواية: (علا ماء الرجل)
وسؤال هؤلاء للرسول عن ذكورية المرء أو أنوثيته، وقوله لهم: إن ذلك سببه سبق للماء أو علوه، وكذلك يكون الشبه، فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة كان المولود ذكراً وأشبه أباه، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل كان المولود أنثى وأشبه أمه، فيكون الشبه وتحديد الجنس بناءً على الماء السابق.
وقد جاء في بعض الأحاديث: (إذا علا ماء الرجل ماء المرأة كان الشبه له، وفي بعضها: إذا سبق).
وبعضهم فرق بين السبق وبين العلو فقال: إذا علا كان الشبه له، وإذا سبق كان الولد ذكراً أو أنثى؛ أي: أن العلو هو الذي يحدد الشبه، وأن السبق يحدد الجنس.
стр. 317
مناظرة عمر بن الخطاب لليهود
قال المصنف رحمه الله تعالى: [(ثم قال ابن جرير وقال آخرون: بل كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم وبين عمر بن الخطاب في أمر النبي ﷺ (ذكر من قال ذلك) حدثني محمد بن المثنى حدثني ربعي بن علية عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال: نزل عمر الروحاء فرأى رجالاً يتبدرون أحجاراً يصلون إليها فقالك ما بال هؤلاء؟ قالوا: يزعمون أن رسول الله ﷺ صلى هاهنا قال: فكره ذلك وقال: إنما رسول الله ﷺ أدركته الصلاة بواد صلاها، ثم ارتحل فتركه، ثم أنشأ يحدثهم، فقال: كنت أشهد اليهود يوم مدارسهم)].
قوله: يوم مدارسهم، أي: اليوم الذي يجتمعون فيه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فأعجب من التوراة كيف تصدق القرآن، ومن القرآن كيف يصدق التوراة، فبينما أنا عندهم ذات يوم قالوا: يا ابن الخطاب! ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك، قلت: ولم ذلك؟ قالوا: لأنك تغشانا وتأتينا، فقلت: إني آتيكم فأعجب من القرآن كيف يصدق التوراة، ومن التوراة كيف تصدق القرآن، قالوا: ومر رسول الله ﷺ فقالوا: يا ابن الخطاب، ذاك صاحبكم فالحق به.
قال: فقلت لهم: عند ذلك نشدتكم بالله الذي لا إله إلا هو، وما استرعاكم من حقه وما استودعكم من كتابه، هل تعلمون أنه رسول الله؟ قال: فسكتوا، فقال لهم عالمهم وكبيرهم: إنه قد غلظ عليكم فأجيبوه، قالوا: فأنت عالمنا وكبيرنا فأجبه أنت، قال: أما إذا نشدتنا بما نشدتنا].
يجوز ضبطها بإذا أو إذ نشدتنا، ولكن إذا أحسن فيضبط بها، بمعنى: حين أنشدتنا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإنا نعلم أنه رسول الله، قلت: ويحكم إذاً هلكتم، قالوا: إنا لم نهلك، قلت: كيف ذلك وأنتم تعلمون أنه رسول الله ولا تتبعونه ولا تصدقونه؟ قالوا: إن لنا عدواً من الملائكة وسلماً من الملائكة، وإنه قرن بنبوته عدونا من الملائكة، قلت: ومن عدوكم ومن سلمكم؟ قالوا: عدونا جبريل وسلمنا ميكائيل، قالوا: إن جبرائيل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب ونحو ذلك، وإن ميكائيل ملك الرحمة والرأفة والتخفيف ونحو هذا، قال: قلت: وما منزلتهما من ربهما ؟ قالوا: أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، قال: فقلت: فو الذي لا إله إلا هو إنهما والذي بينهما لعدو لمن عاداهما، وسلم لمن سالمهما، وما ينبغي لجبرائيل أن يسالم عدو ميكائيل وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدو جبرائيل، قال: ثم قمت فاتبعت النبي ﷺ فلحقته وهو خارج من خوخة لبني فلان، فقال: (يا ابن الخطاب! ألا أقرئك آيات نزلن قبل، فقرأ علي: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٩٧]، حتى قرأ الآيات، قال: قلت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك، وأنا أسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر)].
منقطع، وإن كان اليهود لا شك في خبثهم، وقد تقدم ما ذكره المؤلف ﵀ عند سبب النزول.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة عن مجالد أنبأنا عامر].
وعامر هو عامر الشعبي، ومجالد ضعيف، والشعبي أيضاً لم يدرك عمر، فيكون هذا أيضاً منقطع وفيه ضعف.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال: انطلق عمر بن الخطاب إلى اليهود فقال: أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجدون محمداً في كتبكم؟ قالوا: نعم، قال: فما يمنعكم أن تتبعوه؟ قالوا: إن الله لم يبعث رسولاً إلا جعل له من الملائكة كفلاً، وإن جبرائيل كِفْل محمد، وهو الذي يأتيه وهو عدونا من الملائكة، وميكائيل سلمنا لو كان ميكائيل الذي يأتيه أسلمنا.
قال: فإني أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما منزلتهما عند الله تعالى؟ قالوا: جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله، قال عمر: وإني أشهد ما ينزلان إلا بإذن الله، وما كان ميكائيل ليسالم عدو جبرائيل وما كان جبرائيل ليسالم عدو ميكائيل، فبينما هو عندهم إذ مر النبي ﷺ فقالوا: هذا صاحبك يا ابن الخطاب! فقام إليه عمر فأتاه، وقد أنزل الله : ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨].
وهذان الإسنادان يدلان على أن الشعبي حدث به عن عمر ولكن فيه انقطاع بينه وبين عمر؛ فإنه لم يدرك زمانه.
والله أعلم].
نقول أيضاً: وفي السند الأخير مجالد، وهو ضعيف.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ابن جبير: حدثنا بشير حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب انطلق ذات يوم إلى اليهود فلما انصرف رحبوا به].
لعلها فلما أبصروه؛ لأن الترحيب يكون عند الدخول لا عند الانصراف، فلما أبصروه رحبوا به.
وقوله: قال ابن جبير، لعله ابن جرير، والحديث الأول يدل على أن جبريل هو ملك الوحي، أو هو الموكل بالوحي، وهذا هو الظاهر، وربما أتى غيره، لكن المعروف أن جبريل هو ملك الوحي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فقال لهم عمر: أما والله ما جئتكم لحبكم ولا لرغبة فيكم، ولكن جئت لأسمع منكم، فسألهم وسألوه، فقالوا: من صاحب صاحبكم؟ فقال لهم: جبرائيل، فقالوا: ذاك عدونا من أهل السماء يطلع محمداً على سرنا، وإذا جاء جاء بالحرب والسنة].
يعني: جاء بالجدب والقحط.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولكن صاحب صاحبنا ميكائيل، وكان إذا جاء جاء بالخصب والسلم، فقال لهم عمر: هل تعرفون جبرائيل وتنكرون محمداً ﷺ ؟].
والخصب يعني: المطر والخير، وهو ضد القحط والجدب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ففارقهم عمر عند ذلك وتوجه نحو النبي ﷺ ليحدثه حديثهم، فوجده قد أنزلت عليه هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٩٧] الآيات] وما جاء في بعض النسخ قال ابن جرير: حدثنا بشر، ولكن عندنا بشير، ولكن إذا جاء في مشايخ ابن جرير هذا الاسم فهو بشر بن معاوية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال: حدثنا المثنى حدثنا آدم حدثنا أبو جعفر حدثنا قتادة قال: بلغنا أن عمر أقبل إلى اليهود يوماً فذكر نحوه، وهذا في تفسير آدم، وهو أيضاً منقطع].
وانقطاعه هنا؛ لأن قتادة رواه بلاغاً، فيكون منقطعاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك رواه أسباط عن السدي عن عمر مثل هذا أو نحوه، وهو منقطع أيضاً].
ومكان الانقطاع هو: عن السدي عن عمر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبن حاتم: حدثنا محمد بن عمار حدثنا عبد الرحمن يعني الدستلي].
لعله الدشتكي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو جعفر عن حصين بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن يهودياً لقي عمر بن الخطاب فقال: إن جبرائيل الذي يذكر صاحبكم عدو لنا، فقال عمر: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨]، قال: فنزلت على لسان عمر ﵁.
ورواه عبد بن حميد عن أبي النضر هاشم بن القاسم عن أبي جعفر هو الرازي].
وأبو جعفر الرازي كذلك فيه ضعف، وعبد الرحمن بن أبي ليلى في سماعه من عمر نظر، لكن مجموع هذه الآثار يشد بعضها بعضاً، فهي مع الآثار التي ذكرها المؤلف تدل على أن لهذا أصلاً، وأن سبب نزول هذه الآية هو قول اليهود قبحهم الله: إن جبريل عدو لنا، فأنزل الله هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٧ - ٩٨].
وميكال يقال له: ميكال وميكائيل، وكله سواء، واليهود قبحهم الله قوم بهت وخبث، وهذا من خبثهم وضلالهم، واستكبارهم عن عبادة الله واتباع رسوله ﷺ ، ولو وفقوا للخير لآمنوا واتبعوا النبي ﷺ ، وسلموا لله ولرسول ﷺ .
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم حدثني هشيم أخبرنا حصين بن عبد الرحمن عن ابن أبي ليلى في قوله تعالى: ((مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ)) قال: قالت اليهود للمسلمين: لو أن ميكائيل ك
стр. 318
الإيمان برسولٍ يستلزم الإيمان بالرسل كلهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما تفسير الآية: فقوله تعالى: ((قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ)) فإنه نزل على قلبك بإذن الله، أي: من عادى جبرائيل فليعلم أنه الروح الأمين، الذي نزل بالذكر الحكيم على قلبك من الله بإذنه له في ذلك، فهو رسول من رسل الله ملكي، ومن عادى رسولاً فقد عادى جميع الرسل، كما أن من آمن برسول فإنه يلزمه الإيمان بجميع الرسل، وكما أن من كفر برسول فإنه يلزمه الكفر بجميع الرسل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء:١٥٠] الآيتين، فحكم عليهم بالكفر المحقق، إذا آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعضهم.
وكذلك من عادى جبرائيل فإنه عدو لله؛ لأن جبرائيل لا ينزل بالأمر من تلقاء نفسه، وإنما ينزل بأمر ربه، كما قال: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم:٦٤] الآية، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٤]].
فظهر من ذلك أن الرسل يؤمن بعضهم ببعض عليهم الصلاة والسلام، فالمتقدم يبشر بالمتأخر، والمتأخر يصدق بالمتقدم، كما قال الله تعالى عن عيسى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦]، فمن كفر برسول فقد كفر بجميع الرسل، ولهذا قال سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥]، وهو أول رسول بعثه الله إلى الأرض، فجعلهم مكذبين للرسل وقال سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٢٣] وقال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٤١] وقال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٦٠] وقال أيضاً: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٧٦]، وكذلك الرسل من الملائكة عليهم الصلاة والسلام، من كذب برسول منهم فقد كذب بالجميع، وجبريل وميكائيل وإسرافيل هم أفضل الملائكة، وهم الموكلون بما فيه الحياة، فجبريل موكل بالوحي، والوحي فيه حياة القلوب والأرواح، وميكائيل موكل بالقطر، والقطر فيه حياة أبدان الآدميين والحيوانات، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور، وفيه إعادة الأرواح إلى أبدانها.
وأفضلهم جبريل ﵊، وهو ملك الوحي، ولما كان هؤلاء الملائكة الثلاثة موكلين بما فيه الحياة، توسل النبي ﷺ بربوبية الله لهؤلاء الملائكة الثلاثة في حديث الاستفتاح في صلاة الليل، فقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل استفتح بهذا الاستفتاح: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم).
فمن كذب برسول ملكي أو رسول بشري فهو كافر بالجميع، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 319
انتصار الله لأوليائه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من عادى لي ولياً فقد بارزني بالحرب).
ولهذا غضب الله لجبرائيل على من عاداه، فقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة:٩٧]، أي: من الكتب المتقدمة، ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩٧] أي: هدى لقلوبهم وبشرى لهم بالجنة، وليس ذلك إلا للمؤمنين كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت:٤٤] الآية، وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢] الآية].
стр. 320
أعمال جبريل وميكائيل وإسرافيل
قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨].
قال المصنف ﵀: يقول تعالى: من عاداني وملائكتي ورسلي، ورسله تشمل رسله من الملائكة والبشر، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، ((وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ))، وهذا من باب عطف الخاص على العام، فإنهما دخلا في الملائكة في عموم الرسل؛ ثم خصصا بالذكر، لأن السياق في الانتصار لجبرائيل، وهو السفير بين الله وأنبيائه، وقرن معه ميكائيل في اللفظ؛ لأن اليهود زعموا أن جبرائيل عدوهم، وميكائيل وليهم، فأعلمهم الله تعالى أن من عادى واحداً منهما فقد عادى الآخر وعادى الله أيضاً؛ ولأنه أيضاً ينزل على أنبياء الله بعض الأحيان].
يعني: ميكائيل، وهذا ما ذكره المؤلف، والمعروف أن جبرائيل هو السفير بين الله وبين أنبيائه ورسله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما قرن برسول الله ﷺ في ابتداء الأمر].
والمعروف أن الذي قرن برسول الله ابتداءً هو جبريل، والمؤلف هنا كأنه يريد أن يقول: إن ميكائيل قرن برسول الله في أول الأمر، وهذا يحتاج إلى دليل؛ لأن المعلوم أن جبريل هو الذي نزل في أول البعثة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولكن جبرائيل أكثر وهي وظيفته، وميكائيل موكل بالنبات والقطر، هذاك بالهدى وهذا بالرزق، كما أن إسرافيل موكل بالنفخ في الصور للبعث يوم القيامة، ولهذا جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يقول: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم).
وقد تقدم ما حكاه البخاري.
ورواه ابن جرير عن عكرمة وغيره أنه قال: جبر وميك وإسراف: عبيد وإيل: الله.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن الأعمش عن إسماعيل بن أبي رجاء عن عمير مولى ابن عباس ﵄ عن ابن عباس قال: إنما كان قوله جبرائيل كقوله: عبد الله وعبد الرحمن، وقيل جبر: عبد، وإيل: الله.
وقال محمد بن إسحاق عن الزهري عن علي بن الحسين قال: أتدرون ما اسم جبرائيل من أسمائكم؟ قلنا: لا، قال: اسمه عبد الله، وكل اسم مرجعه إلى إيل فهو إلى الله .
قال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة ومجاهد والضحاك ويحيى بن يعمر نحو ذلك، ثم قال: حدثني أبي حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثني عبد العزيز بن عمير قال: اسم جبرائيل في الملائكة خادم الله.
قال فحدثت به أبا سليمان الداراني فانتفض، وقال: لِهذا الحديث أحب إلى من كل شيء في دفتر كان بين يديه، وفي جبرائيل وميكال لغات وقراءات تذكر في كتب اللغة والقراءات].
والدفتر الذي بين يديه فيه كتب الحديث، وقال هذا عن هذا القول؛ والسياق يقتضي أن تكون الجملة: (وكتبه في دفتر بين يديه).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولم نطول كتابنا هذا بسرد ذلك، إلا أن يدور فهم المعنى عليه، أو يرجع الحكم في ذلك إليه، وبالله الثقة وهو المستعان].
стр. 321
من لطائف إقامة الظاهر مقام المضمر
قال المصنف ﵀: وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨]، فيه إيقاع المظهر مكان المضمر، حيث لم يقل: فإنه عدو، بل قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨].
وكان الأصل أن يقول: فإنه عدو لهم بعد قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة:٩٨]، ولكنه قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨]؛ لبيان هذا الحكم وإيضاحه ولأهميته.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما قال الشاعر: لا أرى الموت يسبق الموت شيء سَبَق الموت ذا الغنى والفقيرا].
فهنا كرر كلمة الموت، وكان الأصل أن يقول: لا أرى الموت يسبقه شيء.
وقوله: (سبق الموت) جاء في نسخة أخرى: نغص الموت ذا الغني والفقير؛ لأن كلمة السبق لا مناسبة للترهيب فيها، فإنا نقول: نغص أحسن، والشاهد هنا أنه كرر كلمة الموت، وكان الأصل أن يقول: لا أرى الموت يسبقه شيء، فجعل هنا الظاهر مكان المضمر، مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨] وكان الأصل فإنه عدو لهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الآخر: ليت الغراب غداة ينعب دائباً كان الغراب مقطع الأوداج].
كرر كلمة: (الغراب) هنا، وكان الأصل أن نقول: كان هو الأصل مقطع الأوداج.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإنما أظهر الله هذا الاسم هاهنا لتقرير هذا المعنى وإظهاره، وإعلامهم أن من عادى ولياً لله فقد عادى الله، ومن عادى الله فإن الله عدو له، ومن كان الله عدوه فقد خسر الدنيا والآخرة، كما تقدم الحديث: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالمحاربة)].
وقوله: ((فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ)) ولم يقل: فإن الله عدو لهم؛ لتقرير هذا الحكم وبيانه وإيضاحه، أظهر الله الاسم الشريف هنا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الحديث الآخر: (إني لأثأر لأوليائي كمن يثأر الليث الحَرِبُ)].
والحرِبْ، على وزن لَعِب، والليث: هو الأسد، والحرب يعني: الغضبان، فمعناه: إني لأنتصر لأوليائي كما ينتصر الأسد الغضبان.
وقال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الحديث الصحيح: (من كنت خصمه خصمته)].
ذكر هذا الحديث وقال: إنه صحيح، وهذا له أصل، فقد رواه ابن ماجة.
стр. 322
تفسير قوله تعالى: (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات كأنهم لا يعلمون)
стр. 323
إقامة الله الحجة على أهل الكتاب
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ * أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٩٩ - ١٠١].
قال المصنف ﵀: [قال الإمام أبو جعفر بن جرير في قوله تعالى: ((وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ)) الآية، أي: أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات دالات على نبوتك، وتلك الآيات هي ما حواه كتاب الله من خفايا علوم اليهود، ومكنونات سرائر أخبارهم وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم، وما حرفه أوائلهم وأواخرهم، وبدلوه من أحكامهم التي كانت في التوراة، فأطلع الله في كتابه الذي أنزل على نبيه محمد ﷺ ، فكان في ذلك من أمره الآيات البينات لمن أنصف من نفسه ولم يدعها إلى هلاكه الحسد والبغي].
قوله: (ولم يدعها إلى هلاكه) الصواب: ولم يدعه، فالضمير يعود إلى الهلاك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة تصديق من أتى بمثل ما جاء به محمد ﷺ من الآيات البينات التي وصف من غير تعلم تعلمه من بشر، ولا أخذ شيئاً منه عن آدمي، كما قال الضحاك عن ابن عباس ﵄، ((وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ))، يقول: فأنت تتلوه عليهم وتخبرهم به غدوة وعشية، وبين ذلك، وأنت عندهم أمي لم تقرأ كتاباً، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه، يقول الله تعالى لهم في ذلك عبرة وبيان عليهم حجة لو كانوا يعلمون].
ولا شك أن هذا الأمر واضح، وذلك أنه جاءهم نبي كريم لا يعرف القراءة ولا الكتابة، فيأتيهم بأخبارهم وما يسرونه بينهم، وما يوافق ما في التوراة عندهم، وهم يعلمون، يرونه ويعرفونه ﵊، أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك يأتيهم بهذا القرآن العظيم البليغ الصحيح الذي بهر عقولهم، وأتاهم بالأخبار الماضية والمستقبلة، وبما يوافق ما في كتبهم، ومع ذلك حملهم الحسد والكبر والبغي على الكفر نسأل الله السلامة والعافية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال ابن صوريا القطويني لرسول الله ﷺ : (يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك، فأنزل الله في ذلك من قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة:٩٩]).
وقال مالك بن الصيف حين بعث رسول الله ﷺ وذكرهم ما أخذ عليهم من الميثاق، وما عهد إليهم في محمد ﷺ : والله ما عهد إلينا في محمد وما أخذ علينا ميثاقاً، فأنزل الله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٠٠]].
стр. 324
نقض اليهود للعهود
إن اليهود قوم بهت والعياذ بالله، يكتمون الحق وهم يعلمون، وهذا فيه تحذير لهذه الأمة ولعلمائها على وجه الخصوص أن يكتموا الحق، فيصيبهم ما أصاب أولئك، فقص الله نبأهم، وما حصل منهم من الاستكبار والاستنكاف عن قبول الحق والبغي والحسد؛ تحذيراً لهذه الأمة من هذه الأوصاف الخبيثة الذميمة، حتى لا يصيبهم ما أصابهم.
فالواجب على كل مسلم أن يبين الحق ويظهره، ولاسيما العلماء، فيجب عليهم أن يظهروا الحق ويبينوه للناس، ولا يكتمونه، كذلك فالواجب على كل إنسان أن يقبل الحق ممن جاء به أياً كان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الحسن البصري في قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:١٠٠] قال: نعم، ليس في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه ونبذوه، يعاهدون اليوم وينقضون غداً.
وقال السدي: لا يؤمنون بما جاء به محمد ﷺ ، وقال قتادة: نبذه فريق منهم، أي: نقضه فريق منهم.
وقال ابن جرير: أصل النبذ الطرح والإلقاء، ومنه سمي اللقيط منبوذاً، ومنه سمي النبيذ، وهو: التمر والزبيب إذا طرحا في الماء قال أبو الأسود الدؤلي: نظرت إلى عنوانه فنبذته كنبذك نعلاً أخلقت من نعالكما قلت: فالقوم ذمهم الله بنبذهم العهود التي تقدم الله إليهم في التمسك بها والقيام بحقها، ولهذا أعقبهم ذلك التكذيب بالرسول المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، الذي في كتبهم نعته وصفته وأخباره، وقد أمروا فيها باتباعه ومؤازرته ونصرته، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾ [الأعراف:١٥٧] الآية، وقال هاهنا: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة:١٠١] الآية، أي: طرح طائفة منهم كتاب الله الذي بأيديهم -مما فيه البشارة بمحمد ﷺ وراء ظهورهم، أي: تركوها كأنهم لا يعلمون ما فيها، وأقبلوا على تعلم السحر وأتباعه].
قوله: (وأقبلوا على تعلم السحر وأتباعه).
لعل الصواب واتباعه، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة:١٠٢].
стр. 325
إيذاء اليهود لرسول الله بالسحر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا أرادوا كيداً برسول الله ﷺ وسحروه في مشط ومشاقة وجف طلعة ذكر تحت راعوفة ببئر أروان].
البئر هو بئر ذي أروان، وهذا الساحر الذي سحره هو لبيد بن الأعصم اليهودي قبحه الله، فقد سحر النبي ﷺ في مشط ومشاطة، والمشط: هو البقية من الشيء الذي يمشط به الشعر.
وقوله: في جف طلعة ذكر، يعني: في وسط غلاف وعاء النخل الذي يكون فيه اللقاح، والذكر يعني: الفحال، وقد أخذ الغلاف الذي يأكل فيه، وجعل فيه مشطاً ومشاطة، وجعلها تحت راعوفة، أي: تحت صخرة في بئر ذي أروان؛ لئلا يستطيع أحد إخراجه، وهذا من خبثه، وبئر ذي أروان بئر معروف، فأمر النبي ﷺ باستخرج السحر من هذا البئر.
ولهذا قالت عائشة ﵂ لرسول الله: (لماذا لم تدفن البئر؟ قال: أما أنا فقد عفاني الله وخشيت أن أثير على المسلمين شراً)، وهذا ثبت في الحديث الصحيح.
وقوله: (مشاقة) بالقاف، يعني: البقية، وقد جاء أنه في مشط ومشاطة -بالطاء- والمعنى واحد، يعني: بقية الشعر الذي يبقى على المشط، أو المشاطة، والمشط نفسه هو المشاطة والبقية.
وسيذكر المؤلف ﵀ أنواعاً من الطرق، يأتي بها المؤلف ويطول فيها في مبحث يتكلم فيه على آية السحر، وذكر في هذا المبحث جميع ما يتعلق بالسحر.
стр. 326
توبة الساحر
فإن قيل: هل تقبل توبة الساحر؟
الجواب
نعم، إن للساحر توبة، وكل أحد تقبل منه التوبة، فمن جاء بالتوبة بشروطها قبل الموت تاب الله عليه، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]، وقد أجمع العلماء على أن هذه الآية نزلت في التائبين، ومحل قبولها إذا كانت فيما بينه وبين الله، أما إن كان الأمر يتعلق بالمخلوقين فلا، واختلف أهل العلم: هل يستتاب الساحر أو لا يستتاب؟ وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكان الذي تولى ذلك منهم رجل يقال له: لبيد بن الأعصم لعنه الله وقبحه، فأطلع الله على ذلك رسوله ﷺ ، وشفاه منه وأنقذه، كما ثبت ذلك مبسوطاً في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين ﵂ كما سيأتي بيانه.
قال السدي: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة:١٠١]، قال: لما جاءهم محمد ﷺ عارضوه بالتوراة، فخاصموه بها فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف، وسحر هاروت وماروت فلم يوافق القرآن، فذلك قوله ﴿كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠١].
وقال قتادة في قوله: ((كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ)) قال: إن القوم كانوا يعلمون، لكنهم نبذوا علمهم وكتموه وجحدوا به.
стр. 327
تفسير سورة البقرة [١٠٢ - ١٠٣]
حفلت سورة البقرة بأخبار عن الأولين كثيرة فيها العظة والعبرة، ومن جملة تلك الأخبار ما تلته الشياطين على ملك سليمان ﵇؛ إذ رمته بالسحر، وتلقف ذلك منهم اليهود فأكفروا نبي الله ﵇، حتى برأه الله تعالى فيما أنزله على محمد ﷺ ، ومن تلك الأخبار نبأ هاروت وماروت، وقد أجمله القرآن الكريم، ولا يسعنا تجاه هذا النبأ إلا الإيمان به على مراد الله تعالى.
стр. 328
تفسير قوله تعالى: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان)
قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢ - ١٠٣].
قال المصنف ﵀: [وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة:١٠٢] الآية: وكان حين ذهب ملك سليمان ارتد فئات من الجن والإنس واتبعوا الشهوات، فلما أرجع الله إلى سليمان ملكه، وقام الناس على الدين كما كان، وإن سليمان ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه، وتوفي سليمان ﵊ حدثان ذلك فظهر الإنس والجن على الكتب بعد وفاة سليمان].
قوله: [حِدثان ذلك]: بكسر الحاء يعني: إثر ذلك، وعقب ذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقالوا: هذا كتاب من الله نزل على سليمان فأخفاه عنا، فأخذوا به فجعلوه ديناً، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة:١٠١] الآية، واتبعوا الشهوات التي كانت تتلوا الشياطين، وهي المعازف واللعب وكل شيء يصد عن ذكر الله.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: كان آصف كاتب سليمان وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان، أخرجته الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحراً وكفراً وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل بها قال: فأكفره جهال الناس وسبوه، ووقف علماء الناس، فلم يزل جهال الناس يسبونه حتى أنزل الله على محمد ﷺ : ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:١٠٢].
وقال ابن جرير: حدثني أبو السائب سلمة بن جنادة السوائي حدثنا أبو معاوية].
قوله: [سلمة بن جنادة] لعله سلم، بدون هاء، وهو ثقة وربما خالف.
قال: [حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان سليمان ﵊ إذا أراد أن يدخل الخلاء، أو يأتي شيئاً من نسائه أعطى الجرادة -وهي امرأة- خاتمه، فلما أراد الله أن يبتلي سليمان ﵇ بالذي ابتلاه به؛ أعطى الجرادة ذات يوم خاتمه، فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال: هاتي خاتمي، فأخذه ولبسه، فلما لبسه دانت له الشياطين والجن والإنس.
قال: فجاءها سليمان فقال لها: هاتي خاتمي، فقالت: كذبت؛ لست سليمان.
قال: فعرف سليمان أنه بلاء ابتلي به، قال: فانطلقت الشياطين فكتبت في تلك الأيام كتباً فيها سحر وكفر فدفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها وقرءوها على الناس، وقالوا: إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب، قال: فبرئ الناس من سليمان وكفروه حتى بعث الله محمداً ﷺ فأنزل عليه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:١٠٢].
ثم قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن حصين بن عبد الرحمن عن عمران -وهو ابن الحارث - قال: بينما نحن عند ابن عباس ﵄ إذ جاء رجل فقال له: من أين جئت؟ قال: من العراق.
قال ومن أيِّه؟ قال: من الكوفة.
قال: فما الخبر؟ قال: تركتهم يتحدثون أن علياً خارج إليهم، ففزع ثم قال: ما تقول لا أبا لك؟ لو شعرنا ما نكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه، أما إني سأحدثكم عن ذلك: إنه كانت الشياطين يسترقون السمع من السماء فيجيء أحدهم بكلمة حق قد سمعها، فإذا جرب منه صدق كذب معها سبعين كذبة، قال: فتشربها قلوب الناس، قال: فأطلع الله عليها سليمان ﵇ فدفنها تحت كرسيه، فلما توفي سليمان ﵇ قام شيطان الطريق فقال: هل أدلكم على كنزه الممنع الذي لا كنز له مثله؟ تحت الكرسي.
فأخرجوه، فقال: هذا سحر، فتناسخها الأمم حتى بقاياها ما يتحدث به أهل العراق، فأنزل الله : ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:١٠٢]، الآية).
] هذا السند ضعيف؛ لأن فيه ابن حميد، ولا يعول عليه.
وهذه الآثار كلها ضعيفة؛ لأنها من رواية العوفي عن ابن عباس وهي منقطعة، وابن حميد هذا ضعيف، قال البخاري: (فيه نظر)، والبخاري إذا قال في رجل: فيه نظر فهو ضعيف.
والأسانيد الأخرى فيها عنعنة الأعمش، وابن عباس ﵁ ممن يروي عن بني إسرائيل، فهذه الآثار كلها ضعيفة، لكن مجموعها يدل على أن لهذه الأخبار أصلاً، ومعنى الآية واضح، وهو أن الشياطين كذبوا وافتروا على سليمان ﵊ وادعوا أنه ساحر، فأبطل الله ذلك وبرأ نبيه سليمان ﵊ من ذلك، وهذا واضح من الآية، أما هذه الآثار فهي ضعيفة، فلا يعول عليها.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا﴾، أي: الناس ﴿مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢]، فالشياطين هم الذين يعلمون الناس السحر، وقد افتروا على سليمان وكذبوا عليه بعد وفاته، وقالوا: إنه يعلم الناس السحر، وانطلى هذا على كثير من الناس، فبرأ الله تعالى نبيه سليمان مما ألصقت به الشياطين وافترته وكذبته عليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ورواه الحاكم في مستدركه عن أبي زكريا العنبري عن محمد بن عبد السلام عن إسحق بن إبراهيم عن جرير به.
وقال السدي في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة:١٠٢]، أي: على عهد سليمان، قال: كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتقعد منها مقاعد للسمع فيستمعون من كلام الملائكة ما يكون في الأرض من موت أو غيب أو أمر، فيأتون الكهنة فيخبرونهم، فتحدث الكهنة الناس فيجدونه كما قالوا، فلما أمنتهم الكهنة كذبوا لهم وأدخلوا فيه غيره، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة، فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتب، وفشى ذلك في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب، فبعث سليمان في الناس فجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق ثم دفنها تحت كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق، وقال: لا أسمع أحداً يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربت عنقه.
فلما مات سليمان، وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان، وخلف من بعد ذلك خلف؛ تمثل الشيطان في صورة إنسان، ثم أتى نفراً من بني إسرائيل فقال لهم: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبداً؟] يعني: لا ينفد [قالوا: نعم، قال: فاحفروا تحت الكرسي، فذهب معهم وأراهم المكان وقام ناحيته، فقالوا له: فادن، فقال: لا ولكنني هاهنا في أيديكم، فإن لم تجدوه فاقتلوني، فحفروا فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها قال الشيطان: إن سليمان إنما كان يضبط الإنس والشياطين والطير بهذا السحر، ثم طار وذهب، وفشا في الناس أن سليمان كان ساحراً، واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب، فلما جاء محمد ﷺ خاصموه بها، فذلك حين يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:١٠٢].
وقال الربيع بن أنس: إن اليهود سألوا محمداً ﷺ زماناً عن أمور من التوراة لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله ما سألوه عنه فيخصمهم، فلما رأوا ذلك قالوا: هذا أعلم بما أنزل الله إلينا منا، وإنهم سألوه عن السحر وخاصموه به فأنزل الله : ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢]، وإن الشياطين عمدوا إلى كتاب فكتبوا فيه السحر والكهانة وما شاء الله من ذلك، فدفنوه تحت كرسي مجلس سليمان، وكان ﵊ لا يعلم الغيب، فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر وخدعوا الناس وقالوا: هذا علم كان سليمان يكتمه ويحسد الناس عليه، فأخبرهم النبي ﷺ بهذا الحديث، فرجعوا من عنده وقد حزنوا، وقد أدحض الله حجتهم.
وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَات
стр. 329
تفسير قوله تعالى: (وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، اختلف الناس في هذا المقام: فذهب بعضهم إلى أن (ما) نافية، أعني التي في قوله: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ [البقرة:١٠٢] قال القرطبي: ما نافية ومعطوف على قوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة:١٠٢]].
يعني أن فيها أقوالاً: القول الأول: أن (ما) نافية، فقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ [البقرة:١٠٢] يعني: وما أنزل الله على الملكين شيئاً، ولم ينزل الله على الملكين السحر.
والقول الثاني -كما سيأتي- أن (ما) موصولة بمعنى الذي، والتقدير: واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان والذي أنزل على الملكين.
فعلى القول الأول يكون المعنى: أن الله نفى أنه أنزل على الملكين السحر، وأما على القول الثاني فتكون (ما) موصولة، وتكون تابعة، فيكون المعنى: اتبع الناس ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان واتبعوا ما أنزل على الملكين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ [البقرة:١٠٢]، وذلك أن اليهود كانوا يزعمون أنه نزل به جبريل وميكائيل، فأكذبهم الله وجعل قوله: ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة:١٠٢] بدلاً من الشياطين.
قال: وصح ذلك إما لأن الجمع يطلق على الاثنين، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء:١١]، أو لكونهما لهما أتباع، أو ذكرا من بينهم لتمردهما، فتقدير الكلام عنده: يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، ثم قال: وهذا أولى ما حملت عليه الآية وأصح، ولا يلتفت إلى ما سواه].
هذا قول القرطبي، وهذا قول ضعيف، والصواب هو القول الثاني، وهو أن (ما) موصولة، وهو قول أكثر المفسرين، فالآية فيها قولان مشهوران: أحدهما: أن (ما) نافية، والثاني: أن (ما) موصولة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى ابن جرير بإسناده من طريق العوفي عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ﴾ الآية، يقول: لم ينزل الله السحر.
وبإسناده عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ قال: ما أنزل الله عليهما السحر.
قال ابن جرير: فتأويل الآية على هذا: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ من السحر، وما كفر سليمان ولا أنزل الله السحر على الملكين، ولكن الشياطين كفروا؛ يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت].
يعني أن الله نفى أنه أنزل على الملكين السحر على هذا القول، فقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ [البقرة:١٠٢] أي: وما كفر سليمان وما أنزل الله على الملكين السحر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فيكون قوله: (ببابل هاروت وماروت) من المؤخر الذي معناه المقدم.
قال: فإن قال لنا قائل: كيف وجه تقديم ذلك؟ قيل: وجه تقديمه أن يقال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة:١٠٢] من السحر، وما كفر سليمان، وما أنزل الله السحر على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، فيكون معنياً بالملكين جبريل وميكائيل ﵉؛ لأن سحرة اليهود -فيما ذكر- كانت تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبهم الله بذلك، وأخبر نبيه محمداً ﷺ أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر، وبرأ سليمان ﵇ مما نحلوه من السحر، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان اسم أحدهما: هاروت، واسم الآخر: ماروت، فيكون (هاروت وماروت) على هذا التأويل ترجمة عن الناس ورداً عليهم.
هذا لفظة بحروفه].
يعني أن المراد بالناس هاروت وماروت، والمراد بالملكين جبريل وميكائيل، وتكون الآية نافية، والمعنى: وما كفر سليمان وما أنزل الله على الملكين -يعني: جبريل وميكائيل- السحر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد قال ابن أبي حاتم: حدثت عن عبيد الله بن موسى أخبرنا فضيل بن مرزوق عن عطية: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ [البقرة:١٠٢] قال: ما أنزل الله على جبريل وميكائيل السحر].
وهذا ضعيف منقطع؛ لأن ابن أبي حاتم قال: (حدثت)، وفضيل بن مرزوق ضعيف، وعطية العوفي أيضاً شيعي مدلس.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن أبي حاتم: وأخبرنا الفضل بن شاذان أخبرنا محمد بن عيسى أخبرنا يعلى -يعني ابن أسد - أخبرنا بكر -يعني: ابن مصعب - أخبرنا الحسن بن أبي جعفر أن عبد الرحمن بن أبزي كان يقرؤها: (وما أنزل على المَلِكَين داود وسليمان)، وقال أبو العالية: لم ينزل عليهما السحر، يقول: علما بالإيمان والكفر، فالسحر من الكفر، فهما ينهيان عنه أشد النهي.
رواه ابن أبي حاتم.
ثم شرع ابن جرير في رد هذا القول، وأن (ما) بمعنى الذي، وأطال القول في ذلك، وادعى أن هاروت وماروت ملكان أنزلهما الله إلى الأرض وأذن لهما في تعليم السحر اختباراً لعباده وامتحاناً بعد أن بين لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل، وادعى أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك؛ لأنهما امتثلا ما أمرا به، وهذا الذي سلكه غريب جداً].
ولا شك في أن هذا غريب جداً؛ لأن فيه أن الله أذن لهما أن يعلما الناس السحر، وهذا لا يليق.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأغرب منه قول من زعم أن هاروت وماروت قبيلان من الجن، كما زعمه ابن حزم.
وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن الضحاك بن مزاحم أنه كان يقرؤها: (وما أنزل على الملكين) ويقول: هما علجان من أهل بابل.
ووجّه أصحاب هذا القول الإنزال بمعنى الخلق لا بمعنى الإيحاء في قوله تعالى ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ [البقرة:١٠٢]، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر:٦]، ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد:٢٥]، ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر:١٣]، وفي الحديث: (ما أنزل الله داءً إلا أنزل له دواءً) وكما يقال: أنزل الله الخير والشر.
وحكى القرطبي عن ابن عباس وابن أبزى والحسن البصري أنهم قرءوا: (وما أنزل على الملِكين) بكسر اللام، قال ابن أبزى: وهما: داود وسليمان.
قال القرطبي: فعلى هذا تكون (ما) نافية أيضاً، وذهب آخرون إلى الوقف على قوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢]، و (ما) نافية.
قال ابن جرير: حدثني يونس أخبرنا ابن وهب أخبرنا الليث عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد وسأله رجل عن قول الله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة:١٠٢]، فقال: الرجلان يعلمان الناس ما أنزل عليهما؟ ويعلمان الناس ما لم ينزل عليهما.
فقال القاسم: ما أبالي أيتهما كانت.
ثم روى عن يونس عن أنس بن عياض عن بعض أصحابه أن القاسم قال في هذه القصة: لا أبالي أي ذلك كان؛ إني آمنت به.
وذهب كثير من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء، وأنهما أُنزلا إلى الأرض فكان من أمرهما ما كان.
وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه الإمام أحمد في مسنده ﵀ كما سنورده إن شاء الله، وعلى هذا فيكون الجمع بين هذا وبين ما ورد من الدلائل على عصمة الملائكة أن هذين سبق في علم الله لهما هذا، فيكون تخصيصاً لهما، فلا تعارض حينئذٍ كما سبق في علمه من أمر إبليس ما سبق.
وفي قول: إنه كان من الملائكة، لقوله تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ [البقرة:٣٤]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك، مع أن شأن هاروت وماروت على ما ذكر أخف مما وقع من إبليس لعنه الله تعالى، وقد حكاه القرطبي عن علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وكعب الأحبار والسدي والكلبي].
стр. 330
ذكر الأحاديث الواردة في شأن هاروت وماروت
ذكر الحديث الوارد في ذلك -إن صح سنده ورفعه-وبيان الكلام عليه: قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في مسنده: أخبرنا يحيى بن بكير حدثنا زهير بن محمد عن موسى بن جبير عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه سمع نبي الله ﷺ يقول: (إن آدم ﵇ لما أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة: أي رب ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠]، قالوا: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم! قال الله تعالى للملائكة: هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض فننظر كيف يعملان.
قالوا: ربنا! هاروت وماروت، فأهبطا إلى الأرض، ومثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر، فجاءتهما فسألاها نفسها فقالت: لا -والله- حتى تتكلما بهذه الكلمة من الإشراك، فقالا: والله لا نشرك بالله شيئاً أبداً.
فذهبت عنهما ثم رجعت بصبي تحمله فسألاها نفسها فقالت: لا -والله- حتى تقتلا هذا الصبي.
فقالا: لا -والله- لا نقتله أبداً، فذهبت ثم رجعت بقدح خمر تحمله، فسألاها نفسها فقالت: لا -والله- حتى تشربا هذا الخمر، فشربا فسكرا فوقعا عليها وقتلا الصبي، فلما أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما شيئاً أبيتماه علي إلا قد فعلتماه حين سكرتما، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا).
هذا الحديث فيه موسى بن جبير مجهول الحال، فلا يصح، لكن لو صح فإنه يدل على خبث الخمر، والعياذ بالله، فهي أم الخبائث؛ لأنها إذا شربها الإنسان غاب عقله، فيقع في الزنا ويقع في القتل ويقع في الشرك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهكذا رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه عن الحسن بن سفيان عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يحيى بن بكير به، وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ورجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين، إلا موسى بن جبير هذا، وهو الأنصاري السلمي مولاهم].
قوله: [السلمي] نسبة إلى بني سلمة، [مولاهم] يعني أنه نسب إلى بني سلمة بالولاء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إلا موسى بن جبير هذا، وهو الأنصاري السلمي مولاهم المديني الحذاء، روى عن ابن عباس وأبي أمامة بن سهل بن حنيف ونافع وعبد الله بن كعب بن مالك، وروى عنه ابنه عبد السلام وبكر بن مضر وزهير بن محمد وسعيد بن سلمة وعبد الله بن لهيعة وعمرو بن الحارث ويحيى بن أيوب، وروى له أبو داود وابن ماجة، وذكره ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل ولم يحك فيه شيئاً من هذا، فهو مستور الحال، وقد تفرد به عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ، وروي له متابع من وجه آخر عن نافع، كما قال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد حدثنا هشام بن علي بن هشام حدثنا عبد الله بن رجاء حدثنا سعيد بن سلمة حدثنا موسى بن سرجس عن نافع عن ابن عمر ﵄ سمع النبي ﷺ يقول، فذكره بطوله.
وقال أبو جعفر بن جرير ﵀: حدثنا القاسم أخبرنا الحسين -وهو سنيد بن داود صاحب التفسير- أخبرنا الفرج بن فضالة عن معاوية بن صالح عن نافع قال: سافرت مع ابن عمر، فلما كان من آخر الليل قال: يا نافع! انظر، طلعت الحمراء؟ قلت: لا مرتين أو ثلاثاً، ثم قلت: قد طلعت، قال: لا مرحباً بها ولا أهلاً، قلت: سبحان الله! نجم مسخر سامع مطيع؟! قال: ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ ، أو قال: قال لي رسول الله ﷺ (إن الملائكة قالت: يا رب! كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب؟ قال: إني ابتليتهم وعافيتكم.
قالوا: لو كنا مكانهم ما عصيناك.
قال: فاختاروا ملكين منكم، قال: فلم يألوا جهداً أن يختاروا، فاختاروا هاروت وماروت) وهذان -أيضاً- غريبان جداً].
وهذا فيه الفرج بن فضالة، وهو ضعيف، وهذه الأخبار كلها ضعيفة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأقرب ما يكون في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر عن كعب الأحبار لا عن النبي ﷺ ].
يعني أن الأقرب أنه من رواية عبد الله بن عمر عن كعب الأحبار وليس مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، وكعب الأحبار هو من بني إسرائيل، أسلم في زمن عمر ﵁، وكان ينقل عن بني إسرائيل الغث والسمين، والصحيح والباطل، فالأقرب أن هذا الخبر من رواية كعب الأحبار.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما قال عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر عن كعب الأحبار قال: ذكرت الملائكة أعمال بني آدم وما يأتون من الذنوب، فقيل لهم: اختاروا منكم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت، فقال لهما: إني أرسل إلى بني آدم رسلاً وليس بيني وبينكم رسول، إنزلا لا تشركا بي شيئاً ولا تزنيا ولا تشربا الخمر، قال كعب: فوالله ما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه حتى استكملا جميع ما نهيا عنه.
رواه ابن جرير من طريقين عن عبد الرزاق به.
ورواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن عصام عن مؤمل عن سفيان الثوري به.
ورواه ابن جرير أيضاً: حدثني المثنى أخبرنا المعلى -وهو ابن أسد - أخبرنا عبد العزيز بن المختار عن موسى بن عقبة حدثني سالم أنه سمع عبد الله يحدث عن كعب الأحبار فذكره.
فهذا أصح وأثبت إلى عبد الله بن عمر من الإسنادين المتقدمين، وسالم أثبت في أبيه من مولاه نافع.
فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار عن كتب بني إسرائيل.
والله أعلم].
المؤلف رجح أن الحديث إنما هو عن ابن عمر عن كعب الأحبار، وهو من رواية سالم عن أبيه، وهي أصح من رواية نافع عن ابن عمر المرفوعة، فالرواية الأولى عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، والرواية الثانية عن سالماً عن ابن عمر عن كعب الأحبار، وهذا أثبت؛ لأن سالم أثبت في أبيه من مولاه نافع، فرجح الحافظ ﵀ أنها من أخبار بني إسرائيل، وهذا هو الأقرب، وعلى هذا فلا تثبت قصة في إنزال الملكين وقصة الزهرة.
стр. 331
ذكر الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين في شأن هاروت وماروت
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الآثار الواردة في ذلك عن الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين.
قال ابن جرير: حدثني المثنى حدثنا الحجاج أخبرنا حماد عن خالد الحذاء عن عمير بن سعيد قال: سمعت علياً ﵁ يقول: كانت الزهرة امرأة جملية من أهل فارس، وإنها خاصمت إلى الملكين هاروت وماروت فراوداها عن نفسها فأبت عليهما إلا أن يعلماها الكلام الذي إذا تكلم به أحد يعرج به إلى السماء، فعلماها فتكلمت به فعرجت إلى السماء، فمسخت كوكباً.
وهذا الإسناد رجاله ثقات، وهو غريب جداً].
وهذا الحديث أو الأثر الموقوف على علي ﵁ -وإن كان رجال إسناده ثقات- مأخوذ عن بني إسرائيل، فهو مما أخذ من بني إسرائيل، فلا يعتمد عليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا الفضل بن شاذان أخبرنا محمد بن عيسى أخبرنا إبراهيم بن موسى أخبرنا معاوية عن أبي خالد عن عمير بن سعيد عن علي ﵁ قال: هما ملكان من ملائكة السماء، يعني: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ [البقرة:١٠٢].
ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره بسنده عن مغيث عن مولاه جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي مرفوعاً، وهذا لا يثبت من هذا الوجه].
يعني أنه إما موقوف، وإما أنه أخذه عن بني إسرائيل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم رواه من طريقين آخرين عن جابر عن أبي الطفيل عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لعن الله الزهرة، فإنها هي التي فتنت الملكين هاروت وماروت)، وهذا أيضاً لا يصح، وهو منكر جداً، والله أعلم].
والأمر كما قال الحافظ، فهذا لا يصح، بل هو منكر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن جرير: حدثني المثنى بن إبراهيم أخبرنا الحجاج بن منهال حدثنا حماد عن علي بن زيد عن أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود وابن عباس ﵃ أنهما قالا جميعاً: لما كثر بنو آدم وعصوا دعت الملائكة عليهم والأرض والجبال: ربنا لا تمهلهم.
فأوحى الله إلى الملائكة: إني أزلت الشهوة والشيطان من قلوبكم، وأنزلت الشهوة والشيطان في قلوبهم، ولو نزلتم لفعلتم أيضاً، قال: فحدثوا أنفسهم أن: لو ابتلوا اعتصموا، فأوحى الله إليهم أن اختاروا ملكين من أفضلكم.
فاختاروا هاروت وماروت، فأهبطا إلى الأرض، وأنزلت الزهرة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس يسمونها بيذخت، قال: فوقعا بالخطيئة، فكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧]، فلما وقعا بالخطيئة استغفروا لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا.
وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي أخبرنا عبيد الله -يعني ابن عمرو - عن زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بن عمرو ويونس بن خباب عن مجاهد قال: كنت نازلاً على عبد الله بن عمر في سفر، فلما كان ذات ليلة قال لغلامه: انظر هل طلعت الحمراء؟ لا مرحباً بها ولا أهلاً ولا حياها الله؛ هي صاحبة الملكين، قالت الملائكة: يا رب! كيف تدع عصاة بني آدم وهم يسفكون الدم الحرام وينتهكون محارمك ويفسدون في الأرض؟! قال: إني ابتليتهم، فلعل إن ابتليتكم بمثل الذي ابتليتهم به فعلتم كالذي يفعلون، قالوا: لا، قال: فاختاروا من خياركم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت، فقال لهما: إني مهبطكما إلى الأرض وعاهد إليكما ألا تشركا ولا تزنيا ولا تخونا، فأهبطا إلى الأرض وألقي عليهما الشهوة، وأهبطت لهما الزهرة في أحسن صورة امرأة فتعرضت لهما فراوداها عن نفسها فقالت: إني على دين لا يصح لأحد أن يأتيني إلا من كان على مثله، قالا: وما دينك؟ قالت: المجوسية، قالا: الشرك هذا شيء لا نقر به.
فمكثت عنهما ما شاء الله تعالى، ثم تعرضت لهما فراوداها عن نفسها، فقالت: ما شئتما، غير أن لي زوجاً وأنا أكره أن يطلع على هذا مني فأفتضح، فإن أقررتما لي بديني وشرطتما لي أن تصعدا بي إلى السماء فعلت، فأقرا لها بدينها وأتياها فيما يريان، ثم صعدا بها إلى السماء، فلما انتهيا بها إلى السماء اختطفت منهما وقطعت أجنحتهما فوقعا خائفين نادمين يبكيان، وفي الأرض نبي يدعو بين الجمعتين، فإذا كان يوم الجمعة أجيب، فقالا: لو أتينا فلاناً فسألناه فطلب لنا التوبة، فأتياه فقال: رحمكما الله! كيف يطلب التوبة أهل الأرض لأهل السماء؟! قالا: إنا قد ابتلينا، قال: ائتياني يوم الجمعة.
فأتياه فقال: ما أجبت فيكما بشيء، ائتياني في الجمعة الثانية، فأتياه فقال: اختارا فقد خيرتماك إن اخترتما معافاة الدنيا وعذاب الآخرة، وإن أحببتما فعذاب الدنيا وأنتما يوم القيامة على حكم الله، فقال أحدهما: إن الدنيا لم يمض منها إلا القليل، وقال الآخر: ويحك إني قد اطعتك في الأمر الأول فأطعني الآن؛ إن عذاباً يفنى ليس كعذاب يبقى.
فقال: إننا يوم القيامة على حكم الله، فأخاف أن يعذبنا، قال: لا، إني أرجو إن علم الله أنا قد اخترنا عذاب الدنيا مخافة عذاب الآخرة ألا يجمعهما علينا، قال: فاختارا عذاب الدنيا، فجعلا في بكرات من حديد في قليب مملوءة من نار عاليهما سافلهما.
وهذ إسناد جيد إلى عبد الله بن عمر، وقد تقدم في رواية ابن جرير من حديث معاوية بن صالح عن نافع عنه رفعه.
وهذا أثبت وأصح إسناداً، ثم هو -والله أعلم- من رواية ابن عمر عن كعب كما تقدم بيانه من رواية سالم عن أبيه].
الإسناد صحيح إلى ابن عمر، لكن ابن عمر أخذ عن كعب الأحبار، وكعب يروي عن بني إسرائيل الغث والسمين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (إن الزهرة نزلت في صورة امرأة، حسناء) وكذا في المروي عن علي فيه غرابة جداً].
لا شك في أنه غريب جداً، ولا يستحيل أن تنزل في صورة امرأة؛ فإن الله على كل شيء قدير، لكن هذا فيه نظر؛ لأن إثباته يحتاج إلى دليل صحيح.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأقرب ما ورد في ذلك ما قال ابن أبي حاتم: أخبرنا عصام بن رواد أخبرنا آدم أخبرنا أبو جعفر حدثنا الربيع بن أنس عن قيس بن عباد عن ابن عباس ﵄ قال: لما وقع الناس من بعد آدم ﵇ فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله قالت الملائكة في السماء: يا رب! هذا العالم الذي إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك قد وقعوا فميا وقعوا فيه وركبوا الكفر وقتل النفس وأكل المال الحرام والزنا والسرقة وشرب الخمر، فجعلوا يدعون عليهم ولا يعذرونهم، فقيل: إنهم في غيب، فلم يعذروهم، فقيل لهم: اختاروا من أفضلكم ملكين آمرهما وأنهاهما، فاختاروا هاروت وماروت، فأهبطا إلى الأرض وجعل لهما شهوات بني آدم، وأمرهما الله أن يعبداه ولا يشركا به شيئاً، ونهيا عن قتل النفس الحرام، وأكل المال الحرام، وعن الزنا والسرقة وشرب الخمر، فلبثا في الأرض زماناً يحكمان بين الناس بالحق، وذلك في زمن إدريس ﵇، وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب، وإنهما أتيا عليها فخضعا لها في القول وأراداها على نفسها، فأبت إلا أن يكونا على أمرها وعلى دينها، فسألاها عن دينها فأخرجت لهما صنماً فقالت: هذا أعبده.
فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا، فذهبا فعبرا ما شاء الله، ثم أتيا عليها فأراداها على نفسها ففعلت مثل ذلك، فذهبا ثم أتيا عليها فأراداها على نفسها، فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم قالت لهما: اختارا أحد الخلال الثلاث: إما ان تعبدا هذا الصنم، وإما أن تقتلا هذه النفس، وإما أن تشربا هذه الخمر، فقالا: كل هذا لا ينبغي، وأهون هذا شرب الخمر، فشربا الخمر فأخذت فيهما فواقعا المرأة، فخشيا أن يخبر الإنسان عنهما فقتلاه، فلما ذهب عنهما السكر وعلما ما وقعا فيه من الخطيئة أرادا أن يصعدا إلى السماء فلم يستطيعا، وحيل بينهما وبين ذلك، وكشف الغطاء فيما بينهما وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه فعجبوا كل العجب، وعرفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشية، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض، فنزل في ذلك: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى:٥]، فقيل لهما: اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة، فقالا: أما عذاب الدنيا فإنه ينقطع ويذهب، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له، فاختارا عذاب الدنيا، فجعلا ببابل فهما يعذبان.
وقد رواه الحاكم في مستدركه مطولاً عن أبي زكريا العنبري عن محمد بن عبد السلام عن إسحاق بن راهويه عن حكام بن سلم الرازي -وكان ثقة- عن أبي جعفر الرازي به.
ثم قال: صحيح الإسناد لم يخرجاه، فهذا أقرب ما روي في شأن الزهرة، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي أخبرنا مسلم أخبرنا القاسم بن الفضل الحدائي
стр. 332
ذكر خبر صاحبة دومة الجندل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد ورد في ذلك أثر غريب وسياق عجيب في ذلك أحببنا أن ننبه عليه، قال الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى: أخبرنا الربيع بن سليمان أخبرنا ابن وهب أخبرنا ابن أبي الزناد حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها قالت: قدمت علي امرأة من أهل دومة الجندل جاءت تبتغي رسول الله ﷺ بعد موته حداثة ذلك] أي: بعد وفاته بقليل [تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به.
قالت عائشة ﵂ لـ عروة: يا ابن أختي! فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله ﷺ فيشفيها، فكانت تبكي حتى إني لأرحمها، وتقول: إني أخاف أن أكون قد هلكت، كان لي زوج فغاب عني، فدخلت علي عجوز فشكوت ذلك إليها، فقالت: إن فعلت ما آمرك به فأجعله يأتيك، فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين فركبت أحدهما وركبت الآخر، فلم يكن شي حتى وقفنا ببابل وإذا برجلين معلقين بأرجلهما فقالا: ما جاء بك؟ قلت: نتعلم السحر، فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري فارجعي، فأبيت وقلت: لا، قالا: فاذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه فذهبت ففزعت ولم أفعل فرجعت إليهما فقالا: أفعلت؟ فقلت: نعم، فقالا: هل رأيت شيئاً؟ فقلت: لم أر شيئاً، فقالا: لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري فأرببت وأبيت].
أي: بقيت في المكان وأبيت الرجوع.
قالت: [فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت فاقشعررت وخفت، ثم رجعت إليهما وقلت: قد فعلت، فقالا: فما رأيت؟ قلت: لم أر شيئاً، فقالا: كذبت، لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري، فإنك على رأس أمرك، فأرببت وأبيت، فقالا: اذهبي إلى التنور فبولي فيه، فذهبت إليه فبلت فيه، فرأيت فارساً مقنعاً بحديد خرج مني فذهب في السماء وغاب حتى ما أراه، فجئتهما فقلت: قد فعلت، فقالا: فما رأيت؟ قلت: رأيت فارساً مقنعاً خرج مني فذهب في السماء وغاب حتى ما أراه، فقالا: صدقت، ذلك إيمانك خرج منك، اذهبي، فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئاً وما قالا لي شيئاً، فقالت: بلى، لم تريدي شيئاً إلا كان، خذي هذا القمح فابذري، فبذرت وقلت: اطلعي، فأطلعت، وقلت: احقلي فأحقلت].
أي: أنها بذرت فطلع النبات ثم صار سنبلاً في الحال.
قالت: [ثم قلت: افركي فأفركت].
أي: أن الحب خرج من السنبل.
قالت: [ثم قلت: أيبسي فأيبست].
أي أن الحب يبس في الحال بعد أن كان السنبل حباً رطباً.
قالت: [ثم قلت: اطحني فأطحنت].
أي أن الحب طحن في الحال.
قالت: [ثم قلت: اخبزي فأخبزت، فلما رأيت أني لا أريد شيئاً إلا كان سُقِط في يدي وندمت -والله! يا أم المؤمنين- ما فعلت شيئاً ولا أفعله أبداً.
ورواه ابن أبي حاتم عن الربيع بن سليمان به مطولاً كما تقدم، وزاد بعد قولها: (ولا أفعله أبداً) فسألت أصحاب أصحاب رسول الله ﷺ حداثة وفاة رسول الله ﷺ -وهم يومئذ متوافرون- فما دروا ما يقولون لها، وكلهم هاب وخاف أن يفتيها بما لا يعلمه، إلا أنه قد قال لها ابن عباس أو بعض من كان عنده: لو كان أبواك حيين أو أحدهما -قال هشام:- فلو جاءتنا أفتيناها بالضمان.
قال ابن أبي الزناد: وكان هشام يقول: إنهم كانوا من أهل الورع والخشية من الله، ثم يقول هشام: لو جاءتنا مثلها اليوم لوجدت نوكى أهل حمق وتكلف بغير علم، فهذا إسناد جيد إلى عائشة ﵂].
النوكى: الحمقى، جمع أحمق، والحديث ليس فيه أنها فعلت السحر، إنما فيه أنها بذرت وحقلت وطحنت وخبزت في الحال، فيحتمل أن هذا من كذب المرأة أو من كذب العجوز، وليس فيه أنها تقربت للشيطان، إنما فيه أنها بالت على التنور فقط.
وقوله: [فلو جاءتنا أفتيناها بالضمان]، لا أدري ما المقصود به؛ فليس فيه أنها أخذت شيئاً فتضمنه.
وقولها: [فأرببت] أي: دنوت منه، وأربت: أقمت في المكان.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد استدل بهذا الأمر من ذهب إلى أن الساحر له تمكن في قلب الأعيان؛ لأن هذه المرأة بذرت واستغلت في الحال، وقال آخرون: بل ليس له قدرة إلا على التخييل، كما قال تعالى ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:١١٦]].
الصواب أن السحر منه ما هو حقيقة ومنه ما هو خيال، فهو يقتل ويمرض ويفرق بين المرء وزوجه، ولا يقلب الأعيان، وسيأتي أن بعض أهل البدع يقول: إن الساحر يقلب الإنسان حماراً والحمار إنساناً، والحجر ذهباً والذهب حجراً، وهذا ليس بصحيح، ويقولون: إنه إذا تكلم بالكلمة السحرية قلب الله له الشيء إلى ما يريد.
فالصواب أن له حقيقة، فهو يمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه، أما مسألة قلب الأعيان فهي مسألة أخرى، فإنه لا يقدر على قلب الأعيان أحد، وإنما يقدر الساحر على التخييل، كأن يكرِّه الزوج إلى امرأته فتراه بصورة قبيحة حتى تفارقه، والعكس، فيجمع ويفرق، ويسمى هذا العطف والصرف.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦]، واستدل به على أن بابل المذكورة في القرآن هي بابل العراق لا بابل ديناوند كما قاله السدي وغيره.
] جاء في معجم البلدان: قيل بابل العراق، وقيل: بابل دنباوند.
وقال أيضاً في دنباوند: جبل من نواحي الري.
وبلاد الري هي في جهة إيران وأفغانستان اليوم.
стр. 333
حكم الصلاة في أرض العذاب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم الدليل على أنها بابل العراق ما قال ابن أبي حاتم: أخبرنا علي بن الحسين أخبرنا أحمد بن صالح حدثني ابن وهب حدثني ابن لهيعة ويحيى بن أزهر عن عمار بن سعد المرادي عن أبي صالح الغفاري أن علي بن أبي طالب ﵁ مر ببابل وهو يسير، فجاء المؤذن يؤذنه بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة، فلما فرغ قال: (إن حبيبي ﷺ نهاني أن أصلي بأرض المقبرة، ونهاني أن أصلي ببابل؛ فإنها ملعونة)].
هذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه ابن لهيعة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال أبو داود: أخبرنا سليمان بن داود أخبرنا ابن وهب حدثني ابن لهيعة ويحيى بن أزهر عن عمار بن سعد المرادي عن أبي صالح الغفاري أن علياً مر ببابل؛ وهو يسير فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة، فلما فرغ قال: (إن حبيبي ﷺ نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي بأرض بابل فإنها ملعونة)، حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة عن حجاج بن شداد عن أبي صالح الغفاري عن علي بمعنى حديث سليمان بن داود قال: فلما (خرج) مكان (برز)، وهذا الحديث حسن عند الإمام أبي داود؛ لأنه رواه وسكت عليه، ففيه من الفقه كراهية الصلاة بأرض بابل كما تكره بديار ثمود الذين نهى رسول الله ﷺ عن الدخول إلى منازلهم إلا أن يكونوا باكين].
المراد بالصلاة الصلاة المعروفة، فلا يصلى فيها؛ لأنه يحرم الصلاة في أرض العذاب مثل الصلاة في الأرض المغصوبة، وهل تصح الصلاة لو صلى مع الإثم أو لا تصح؟ فيه خلاف بين أهل العلم، والصلاة في الأرض المغصوبة لا تجوز وحرام، ولكن اختلف العلماء في صحتها، فالحنابلة يرون أنها لا تصح، وغيرهم يرى أنها تصح مع الإثم، وهو الأقرب، ومثلها الصلاة في الثوب المغصوب أو الثوب الحرير.
فإن قيل: إنه منهي عنها لذات المكان، ولشيء يتعلق بالصلاة، فنقول: النهي ليس لشيء يتعلق بالصلاة، وإنما النهي يتعلق بالأرض ذاتها؛ لأنها أرض العذاب.
والحديث عند أبي داود حسن مع أنه فيه ابن لهيعة، لأن ابن وهب رواه عنه وعن آخر، وهو: يحيى بن أزهر، وأبو داود روى الحديث وفتش عنه، فهو حسن عنده.
قال الفقهاء: لا تجوز الصلاة في أرض بابل؛ لأنها مكان عذاب، ولكن هل يؤخذ من هذه الآثار أن بابل هي مكان عذاب للملكين؟ لم يثبت ذلك، لكن إذا ثبت الحديث فإنه يكفي، وإذا صح الحديث في أن بابل أرض عذاب، فهل هي أرض عذاب للملكين أو غيرهما؟ هذا يحتاج إلى تأمل.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أصحاب الهيئة: وبعد ما بين بابل -وهي من إقليم العراق- عن البحر المحيط الغربي -ويقال له: أوقيانوس- سبعون درجة، ويسمون هذا طولاً، وأما عرضهما -وهو بعد ما بينها وبين وسط الأرض من ناحية الجنوب وهو المسامت لخط الاستواء- اثنان وثلاثون درجة، والله أعلم].
стр. 334
تفسير سورة البقرة [١٠٢ - ١٠٣]-[١]
السحر يحوي شيئاً كثيراً من أعمال الكفر بالله تعالى والشرك به، كما أن فيه مضاراً بالخلق في أبدانهم وفي أموالهم، فمنه ما يقتل ويمرض ويفرق بين المرء وزوجه، ومنه ما يخيل به على الناس وتؤكل به أموالهم، والأول منه سبيله الصلة بالشياطين، ولا شك في كفر فاعله، وحكمه القتل كفراً لا حداً، وهو بذلك مرتكب لما يهلك به نفسه، ولا يضر به أحداً من الخلق إلا بمشيئة الله تعالى، وما له في الآخرة من خلاق.
стр. 335
تفسير قوله تعالى: (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]، قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن قيس بن عباد عن ابن عباس ﵄ قال: فإذا أتاهما الآتي يريد السحر نهياه أشد النهي، وقالا له: إنما نحن فتنة فلا تكفر.
وذلك أنهما عَلِما الخير والشر والكفر والإيمان، فعرفا أن السحر من الكفر، قال: فإذا أبى عليهما أمراه يأتي مكان كذا وكذا، فإذا أتاه عاين الشيطان فعلمه، فإذا علمه خرج منه النور فنظر إليه ساطعاً في السماء، فيقول: يا حسرتاه يا ويله ماذا صنع؟ وعن الحسن البصري أنه قال في تفسير هذه الآية: نعم أنزل الملكان بالسحر ليعلما الناس البلاء الذي أراد الله أن يبتلي به الناس، فأخذ عليهما الميثاق أن لا يعلما أحداً حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر.
رواه ابن أبي حاتم.
وقال قتادة: كان أخذ عليهما أن لا يعلما أحداً حتى يقولا: إنما نحن فتنة -أي: بلاء ابتلينا به- فلا تكفر.
وقال السدي: إذا أتاهما إنسان يريد السحر وعظاه، وقالا له: لا تكفر إنما نحن فتنة، فإذا أبى قالا له: ائت هذا الرماد فبل عليه، فإذا بال عليه خرج منه نور فسطع حتى يدخل السماء، وذلك الإيمان، وأقبل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه وكل شيء، وذلك غضب الله، فإذا أخبرهما بذلك علماه السحر، فذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]، الآية].
احتج جمهور العلماء على كفر الساحر بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]، أي: فلا تكفر بتعلم السحر، ودلت الآية على أن تعلم السحر وتعليمه كفر، والمراد به السحر الذي يتصل صاحبه بالشياطين، فإنه لا بد فيه من أن يفعل الكفر؛ لأن هناك عقداً بين الشيطان والساحر، ومقتضى هذا العقد أن يكفر الساحر -والعياذ بالله- بأن يتقرب للشيطان بشيء من العبادة التي هي من خصائص الله، أو يطلب منه أن يمزق المصحف، أو يبول عليه، أو يلطخه بالنجاسة، أو يتكلم بكلمة الكفر، نسأل الله السلامة والعافية، فإذا كفر الساحر علمه الشيطان السحر، واستجاب لمطالبه، فيأتيه بالأخبار المغيبة عن البلد، وإذا أمره أن يلطم شخصاً لطمه، أو يقتله قتله، وما أشبه ذلك، وهذا من الابتلاء، والله تعالى أنزل الملكين وأمرهما أن لا يعلما أحداً حتى يقولا له: إنما نحن فتنة فلا تكفر، فله الحكمة البالغة، فهو يبتلي المؤمنين بالكفار والكفار بالمؤمنين، والأخيار بالأشرار والأشرار بالأخيار، فله الحكمة البالغة فيما أراده من الابتلاء والامتحان ليعلم من يطيعه ممن يعصيه.
ومن الحكم ظهور قدرة الله على وقوع المتضادات، فالساحر الكافر يقابله المؤمن المطيع، والكافر يقابله المؤمن، والعاصي يقابله المطيع، والليل يقابله النهار، والحر يقابله البرد، والعدو يقابله الصديق، والحرارة تقابلها البرودة، والرطوبة تقابلها اليبوسة، والملاسة تقابلها الخشونة، وغير ذلك من المتقابلات، وذات إبليس التي هي مصدر كل شر وبلاء يقابلها ذوات الأنبياء والملائكة والصالحين، فله الحكمة البالغة ، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف:٦].
والله تعالى أعذر وأنذر، وبعث الرسل إلى الناس لتوحيد الله وليحذروهم أسباب سخط الله، ولرد فطرتهم إلى الحنيفية، ولكن الشياطين اجتالتهم وصرفتهم عن دينهم مع أن الله آتاهم الأسماع والأبصار والأفئدة.
وله الحكمة البالغة في ابتلائه وامتحانه، وفي تقديره الإيمان والكفر والطاعة والمعصية والخير والشر، فهو -كما قال- ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، لكمال حكمته وعلمه وقدرته .
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال سعيد عن حجاج عن ابن جريج في هذه الآية: لا يجترىء على السحر إلا كافر].
هناك نوع آخر من السحر لا يتصل صاحبه بالشرك، وهو سحر الأدوية والتدخينات، وهذا لا يتصل صاحبه بالشياطين، لكنه يضر بالناس في أبدانهم وأموالهم، فيدعي المعرفة ويسلب أموال الناس بالباطل، كما يفعل بعض الناس ممن لا علم عنده، ولا يتصل بالشياطين، ولكنه يأكل أموال الناس بالباطل، فيفتح محلاً، ويقول: إنه يعالج الناس، وكل من أتاه يعطيه علاجاً، فيعطيه شيئاً يدهن به وآخر يشربه وآخر يستنشقه، وقد يضر بأجسام الناس، وهذا إذا استحل أكل أموال الناس بالباطل، واستحل إيذاءهم وضررهم كفر، وإن لم يستحله ففعله محرم وكبيرة، وإذا رفع إلى ولي الأمر فإنه يستتيبه، فإن تاب وإلا عزره بما يراه رادعاً، وقد يصل التعزير إلى القتل بحسب نظر الحاكم الشرعي، هذا إذا كان صاحبه لا يتصل بالشياطين، أما السحر الذي يتصل صاحبه بالشياطين فهذا حده القتل، وحد الساحر ضربه بالسيف.
قال بعض العلماء: إنه يقتل حداً، والصواب أنه يقتل كفراً، لهذه الآية: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]، يعني: فلا تكفر بتعلم السحر، ويدل على ذلك غير هذه الآية كذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما الفتنة فهي المحنة والاختبار، ومنه قول الشاعر وقد فتن الناس في دينهم وخلى ابن عفان شراً طويلاً].
أي: لما توفي أمير المؤمنين عثمان بن عفان حصل شر بموته وقتله ﵁.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك قوله تعالى إخباراً عن موسى ﵇ حيث قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف:١٥٥]، أي: ابتلاؤك واختبارك وامتحانك ﴿تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف:١٥٥]، وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تكفير من تعلم السحر].
وهم الأئمة الثلاثة مالك وأبو حنيفة وأحمد، أما الشافعي ﵀ فإنه فصّل وقال: إذا تعلم السحر قيل له: صف لنا سحرك، فإن وصف ما يوجب الكفر كفر، وإن وصف ما لا يوجب الكفر فإن استحله كفر، وإن لم يستحله فقد ارتكب محرماً وكبيرة، وهذا التفصيل من الشافعي ﵀ لأنه أدخل السحر اللغوي في مسمى السحر، والجمهور لم يدخلوا السحر في المسمى اللغوي، فلا حاجة إلى التفصيل؛ لأن الجمهور يقولون: إن الساحر كافر مطلقاً، وأما سحر الأدوية والتدخينات فلا يسمى سحراً شرعاً، ولكنه سحر من جهة اللغة، مثل النميمة تسمى سحراً لغة، وكذا القول البليغ، ومنه سمي السحَر سحَراً؛ لأنه يقع في آخر الليل.
وأما الشافعي فإنه لما أدخل السحر اللغوي في مسمى السحر احتاج إلى التفصيل.
والمقصود أن ما كان سحراً من جهة اللغة وليس فيه اتصال بالشياطين لا يكفر صاحبه إلا إذا استحله، أما إذا كان الساحر يتصل بالشياطين فإنه يكفر، وعلى هذا فليس هناك خلاف بين الجمهور وبين الشافعي ﵀.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تكفير من تعلم السحر، واستشهد له بالحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن همام عن عبد الله قال: (من أتى كاهنا أو ساحرا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ، وهذا إسناد صحيح، وله شواهد أخر].
قال الحافظ: هذا إسناد صحيح، وفيه عنعنة الأعمش، ولكن الأئمة لا يعتبرون تدليسه، ولأن مثل هذا لا يقال بالرأي، وله شواهد من الأحاديث المرفوعة، فله حكم الرفع، وتؤيده الأحاديث الصحيحة، ومنها حديث حفصة الذي رواه الإمام مسلم: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً)، وفي رواية عند الإمام أحمد: (فصدقه)، فلهذا قال الحافظ: هذا إسناد صحيح.
стр. 336
تفسير قوله تعالى: (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، أي: فيتعلم الناس من هاروت وماروت من علم السحر وما يتصرفون به من الأفاعيل المذمومة ما إنهم ليفرقون به بين الزوجين مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف، وهذا من صنيع الشياطين، كما رواه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش عن أبي سفيان عن طلحة بن نافع].
أبو سفيان هو طلحة بن نافع.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [عن جابر بن عبد الله ﵄ عنه عن النبي ﷺ قال: (إن الشيطان ليضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه في الناس)].
يضع الشيطان عرشه على الماء تشبهاً بالله؛ لأن الله تعالى عرشه على الماء، فالشيطان من خبثه يفعل ذلك ثم يبعث سراياه، فقبحه الله وأخزاه.
قال: [(إن الشيطان ليضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة، ويجيء أحدهم فيقول: ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا، فيقول إبليس: لا -والله- ما صنعت شيئا! ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله.
قال: فيقربه ويدنيه ويلتزمه ويقول: نعم أنت)].
قوله: [(نعم أنت)]، يحتمل أن (نعم) بفتح النون والعين، ويحتمل أنها (نِعْم أنت)، فتكون فعلاً، والمقصود بالمدح محذوف وتقديره: نِعْم الرجل أنت، أو نِعْم الشخص أنت، ولابد من أن يكون معرفة.
والجن يسمون رجالاً، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦]، فلهذا يقول الشيطان لبعض جنده: نعم الرجل أنت.
فإن قيل: كيف نعرف بالدليل أن الله تعالى عرشه على الماء؟ قلنا: إنه قد أخبرنا بذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧]، ويقال: إنه في السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، وفوق ذلك العرش، والله تعالى مستوٍ عليه استواءً يليق بجلاله وعظمته.
والسنة المطهرة تبين لنا ذلك أيضاَ، كما جاء في حديث عبد الله بن عوف: (إن الله كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وسبب التفريق بين الزوجين بالسحر ما يخيل إلى الرجل أو المرأة من الآخر من سوء منظر أو خلُق أو نحو ذلك، أو عقد، أو بغضة، أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة].
الساحر حينما يفرق بين المرء وزوجه يخيِّل إلى الرجل أن امرأته في صورة قبيحة كريهة مشوهة فينفر منها، ويخيل إلى المرأة أن زوجها بصورة قبيحة حتى تنفر منه، فتحصل الفرقة وهذا هو سحر التفريق، وهو الصرف.
والجمع يكون بضد ذلك، بأن يحسنها في عينه حتى تكون من أجمل الناس، ولو كانت دميمة الخلق، والحال كذلك بالنسبة للرجل، وهذا هو العطف.
فالتفريق هو الصرف، والجمع هو العطف، وهما من أنواع السحر، قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمرء عبارة عن الرجل وتأنيثه امرأة، ويثنى كل منهما ولا يجمعان، والله اعلم].
يقال: امرأة وامرأتان، والمرء والمرءان، ولا يجمعان.
стр. 337
تفسير قوله تعالى: (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، قال سفيان الثوري: إلا بقضاء الله.
وقال محمد بن إسحاق: إلا بتخلية الله بينه وبين ما أراد].
المراد بالإذن في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢] الإذن الكوني القدري، والإذن يكون كونياً ويكون شرعياً، فالشرعي يستفاد من قول الله تعالى في سورة الحشر: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٥]، أي: فبإذن الله الشرعي، والآية نزلت حينما حاصر المسلمون بني النضير، وقطع بعضهم النخيل إغاظة للعدو، ورأى بعضهم أن يتركه؛ لأنه مال سيئول إلى المسلمين وسيبقى لهم، فالله تعالى بين أنه من قطع نخيل بني النضير بقصد الإغاظة فهو على صواب، ومن أبقاه لأنه مال سيئول إلى المسلمين فهو على صواب، فصوب الله كلا الفريقين فقال تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ أي: نخلة ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٥]، أي: فبإذن الله الشرعي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الحسن البصري: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، قال: نعم، من شاء الله سلطهم عليه ومن لم يشأ الله لم يسلط، ولا يستطيعون من أحد إلا بإذن الله كما قال الله تعالى].
وفي نسخة: (ولا يستطيعون ضر أحد إلا بإذن الله).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي رواية عن الحسن أنه قال: لا يضر هذا السحر إلا من دخل فيه].
هذا ليس بجيد، فإن السحر لا يضر إلا إذا أذن الله كوناً وقدراً، وقد يدخل فيه ولا يضره.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ﴾ [البقرة:١٠٢]، أي: يضرهم في دينهم، وليس له نفع يوازي ضرره ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢]، أي: ولقد علم اليهود الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة الرسول ﷺ لمن فعل فعلهم ذلك أنه ما له في الآخرة من خلاق].
قوله: [(استبدلوا بالسحر)] بالباء؛ لأن الباء تدخل على المتروك، مثل قوله: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء:٢]، فالمتروك هو الذي تدخل عليه الباء.
والأصل هو أن يقول: (استبدلوا السحر بمتابعة الرسول)؛ لأن متابعة الرسول هي المتروك والسحر هو المأخوذ، فتركوا متابعة الرسول وأخذوا بدله السحر، فاستبدلوا السحر بمتابعة الرسول.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال ابن عباس ومجاهد والسدي: من نصيب، وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: ما له في الآخرة من جهة عند الله، وقال عبد الرزاق وقال الحسن: ليس له دين، وقال سعيد عن قتادة: ﴿مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢]، قال: ولقد علم أهل الكتاب فيما عهد الله إليهم أن الساحر لا خلاق له في الآخرة].
الخلاق والنصيب والدين والحظ بمعنى واحد، وأما الجهة فليست واضحة.
стр. 338
حكم الساحر وحده
قال الله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢ - ١٠٣].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى: ولبئس البديل ما استبدلوا به من السحر عوضاً عن الإيمان ومتابعة الرسول لو كان لهم علم بما وعظوا به، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾، أي: ولو أنهم آمنوا بالله ورسله واتقوا المحارم لكان مثوبة الله على ذلك خيراً لهم مما استخاروا لأنفسهم ورضوا به، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص:٨٠]، وقد استدل بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ [البقرة:١٠٣] من ذهب إلى تكفير الساحر، كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وطائفة من السلف].
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ [البقرة:١٠٣]، يدلَّ على أن السحر كفر وليس بإيمان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقيل: بل لا يكفر، ولكن حده ضرب عنقه؛ لما رواه الشافعي وأحمد بن حنبل قالا: أخبرنا سفيان -هو ابن عيينة - عن عمرو بن دينار أنه سمع بجالة بن عبدة يقول: كتب عمر بن الخطاب ﵁ أن: اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر، وقد أخرجه البخاري في صحيحه أيضا، وهكذا صح أن حفصة أم المؤمنين سحرتها جارية لها فأمرت بها فقتلت، قال الإمام أحمد بن حنبل: صح عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ في قتل الساحر].
وهذا لا يدل على أنه قتله ليس بكفر، بل قتله كفر على الصحيح، وقال بعضهم: إنه لا يكفر به، ولكن حده القتل كقتل القاتل ورجم الزاني، ويكون مؤمناً، والصواب أنه كافر، وأن قتله كفراً لا حداً.
وقال بعضهم: إنه لا يقتل وإنما يسجن حتى يموت، وذهب إلى هذا الإمام أبو حنيفة، والصواب أنه كافر، وأنه يقتل، وأن قتله كفراً لا حداً، وهذا هو قول الجمهور.
وعلى هذا القول فالساحر لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين في مقابرهم؛ لأنه كافر، وأما سحر الأدوية والتدخينات فهذا إذا لم يستحله صاحبه وقتل فقتله يكون حداً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى الترمذي من حديث إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن جندب الأزدي أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (حد الساحر ضربه بالسيف)، ثم قال: لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه].
هذا الحديث روي بلفظ: (ضربه)، وروي بلفظ (ضربة بالسيف).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإسماعيل بن مسلم يضعف في الحديث، والصحيح عن الحسن عن جندب موقوفاً، قلت: قد رواه الطبراني من وجه آخر عن الحسن عن جندب مرفوعاً، والله أعلم].
والترمذي ضعَّف إسماعيل المذكور، وعليه فيكون الحديث موقوفاً، ورواية الطبراني تدل على أنه مرفوع، والموقوف يؤيده المرفوع، فهذا الحديث روي مرفوعاً وموقوفاً، وظاهر كلام الحافظ أن رواية الطبراني لا بأس بسندها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد روي من طرق متعددة أن الوليد بن عقبة كان عنده ساحر يلعب بين يديه، فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيرد إليه رأسه، فقال الناس: سبحان الله! يحيي الموتى! ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان الغد جاء مشتملاً على سيفه وذهب يلعب لَعِبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب عنق الساحر، وقال: إن كان صادقاً فليحي نفسه، وتلا قوله تعالى: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء:٣]، فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك، فسجنه ثم أطلقه، والله أعلم.
وقال الإمام أبو بكر الخلال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي أخبرنا يحيى بن سعيد حدثني أبو إسحاق عن حارثة قال: كان عند بعض الأمراء رجل يلعب، فجاء جندب مشتملاً على سيفه فقتله، قال: أراه كان ساحراً].
معنى (أَراه) بالفتح: أعلم أنه ساحر، أما (أُراه) بضم الهمزة فمعناها (أظنه)، فـ جندب ﵁ قتله لأنه يعلم أنه ساحر، وبعد تحققه من ذلك، ولم يقتله بالظن.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وحمل الشافعي ﵀ قصة عمر وحفصة على سحر يكون شركاً، والله أعلم].
الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يرى أن السحر الذي ليس فيه شرك لا يقتل صاحبه، وإنما يعزر، إلا إذا استحله، وهو يقصد بذلك سحر الأدوية، فهو قد أدخل السحر اللغوي في مسمى السحر.
стр. 339
تفسير سورة البقرة [١٠٢ - ١٠٣]-[٢]
السحر علم قبيح ضار، ومتعلمه لأي غرض مذموم، فضلاً عن أن يقال باستحباب تعلمه أو وجوبه، ومن المقرر عند أهل السنة أن السحر منه ما هو حقيقة ومنه ما هو خيال، وقد تعرض العلماء لبيان أقسام هذين النوعين، فذكروا منها سحر الأوهام، وسحر الشعوذة وسحر الاستعانة بالجن وغير ذلك.
стр. 340
تابع تفسير قوله تعالى: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(فصل): حكى أبو عبد الله الرازي في تفسيره عن المعتزلة أنهم أنكروا وجود السحر، قال: وربما كفروا من اعتقد وجوده].
قول المعتزلة هذا ذكره الرازي في كتابه: (مفاتيح الغيب)، وقد قال بعض العلماء: إنه ذكر فيه كل شيء إلا التفسير، ومما ذكر فيه الطب والهندسة والكيمياء وكثير من العلوم، وقد نقل عنه الحافظ ابن كثير ﵀.
وقد أنكر المعتزلة السحر حتى لا يشتبه النبي بالساحر، وحتى تسلم النبوة بزعمهم؛ لأنهم يرون أن السحر لو حصلت منه الخوارق لالتبس النبي بالساحر.
فإن قيل: وما مذهب الرازي؟ قلنا: هو أشعري، ومن متأخري الأشاعرة، ثم صار جهمياً، ومتأخروا الأشاعرة صاروا جهمية، فهم يقولون: إن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه.
وقد كفر ابن تيمية الرازي، ثم ذكر أنه تاب وترحم عليه، وله وصية في آخر حياته، وله كتاب آخر اسمه (السر المكتوم في مخاطبة النجوم).
وقد نقل عنه الحافظ أنه أوجب تعلم السحر، وعنده أن العلم شريف بذاته، ودليله قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]، والسحر علم، فيجب تعلمه، حتى لا يكون هناك علم مفقود.
وما ذكره الرازي قول باطل، فإنه لا يجوز تعلم الكفر، وقد ذكر الله تعالى أن السحر كفر، قال تعالى عن الملكين: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]، ولكن الرازي تاب عن هذا القول في آخر حياته، وله وصية معروفة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: وأما أهل السنة فقد جوزوا أن يقدر الساحر أن يطير في الهواء، ويقلب الإنسان حماراً والحمار إنساناً، إلا أنهم قالوا: إن الله يخلق الأشياء عندما يقول الساحر تلك الرقى والكلمات المعيّنة].
يمكن للساحر أن يطير في الهواء ويغوص في البحار، أما أن يقلب الإنسان حماراً والحمار إنساناً فليس بصحيح، ونسبة هذا القول إلى أهل السنة باطل.
والساحر يستطيع التخييل فقط، فهو قد يخيل أن الإنسان حمار والحمار إنسان، ولكنه لا يقلب الإنسان حماراً حقيقياً، وهذا ما فعله سحرة فرعون، كما قال الله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦]، فكانوا يأتون بالعصي والحبال، ويجعلون فيها الزئبق فتتلوى وتضطرب بحرارة الشمس، وصارت كأنها حيات، فخيلوا على الناس بذلك.
فكذلك الساحر يخيل الإنسان في صورة غير صورته التي يرى فيها، ولكنه لا يقلب الإنسان حماراً، أو الحمار إنساناً، ولا الحجر ذهباً أو الذهب حجراً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك والنجوم فلا، خلافاً للفلاسفة والمنجمين والصابئة، ثم استدل على وقوع السحر وأنه بخلق الله تعالى بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، ومن الأخبار بأن رسول الله ﷺ سُحر، وأن السحر عمل فيه].
معنى قوله: [عمل فيه] أي: أثر فيه، وتأثير السحر إنما كان في جسمه وفي أمور الدنيا، ولم يؤثر في عقله ولا في تبليغه ﷺ ، وقد كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لم يفعله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وبقصة تلك المرأة مع عائشة ﵂، وما ذكرت تلك المرأة من إتيانها بابل وتعلمها السحر، قال: وبما يذكر في هذا الباب من الحكايات الكثير، ثم قال بعد هذا: (المسألة الخامسة) في أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور، اتفق المحققون على ذلك].
هذا كلام باطل، والمحققون لا يقولون بهذا، والله تعالى قبح السحر وأخبر أنه كفر، وحذر منه النبي ﷺ .
فإن قيل: هل للسحر حقيقة وخيال؟ قلنا: نعم، له حقيقة وله خيال، فحقيقته أن يؤثر بالقتل والمرض والشلل وغير ذلك، وخياله كأن يقلب صورة الإنسان حماراً والحمار إنساناً، ولكنه لا يغير الحقائق، قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لأن العلم لذاته شريف].
العلم النافع لذاته شريف، أما علم السحر فعلم قبيح، ولا شرف له.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]].
المراد بالمدح الذين يعلمون العلم النافع، لا الذين يعلمون العلم السيئ الضار.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولأن السحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة].
وهذا باطل أيضاً، وهو عكس قول المعتزلة الذين يقولون: إنه لا يوجد سحر ولا خوارق؛ لئلا يشتبه الساحر بالنبي، ومن أثبت السحر كفر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والعلم بكون المعجز معجزاً واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب؛ فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجباً، وما يكون واجباً فكيف يكون حراماً وقبيحاً؟! هذا لفظه بحروفه في هذه المسألة، وهذا الكلام فيه نظر من وجوه].
ينتقد الحافظ على الرازي فيما ذكره من وجوب تعلم السحر، ويرد عليه بما يأتي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أحدها قوله: (العلم بالسحر ليس بقبيح) إن عنى به ليس بقبيح عقلاً فمخالفوه من المعتزلة يمنعون هذا].
إن أراد أنه ليس بقبيح عقلاً فهو باطل، وإن أراد أنه ليس بقبيح شرعاً فهو باطل أيضاً، فهو قبيح عقلاً وشرعاً، وأصحابه لا يوافقونه على أنه ليس بقبيح عقلاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن عنى أنه ليس بقبيح شرعاً؛ ففي هذه الآية الكريمة تبشيع لتعلم السحر، وفي الصحيح: (من أتى عرافاً أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمد)، وفي السنن: (من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر)، وقوله: (ولا محظور اتفق المحققون على ذلك) كيف لا يكون محظوراً مع ما ذكرناه من الآية والحديث؟! واتفاق المحققين يقتضي أن يكون قد نص على هذه المسألة أئمة العلماء أو أكثرهم، وأين نصوصهم على ذلك؟! ثم إدخاله علم السحر في عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] فيه نظر؛ لأن هذه الآية إنما دلت على مدح العالمين العلم الشرعي، ولم قلت: إن هذا منه؟ إثم ترقيه إلى وجوب تعلمه؛ لأنه لا يحصل العلم بالمعجز إلا به ضعيف، بل فاسد؛ لأن أعظم معجزات رسولنا ﵊ هي القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ثم إن العلم بأنه معجز لا يتوقف على علم السحر أصلاً، ثم من المعلوم بالضرورة أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتهم كانوا يعلمون المعجز، ويفرقون بينه وبين غيره، ولم يكونوا يعلمون السحر ولا تعلموه ولا علموه، والله أعلم].
قوله: [ولم قلت: إن هذا منه؟] أي: علم السحر، والحافظ ابن كثير أجاد وأفاد في الرد على الرازي.
стр. 341
أنواع السحر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قد ذكر أبو عبد الله الرازي أن أنواع السحر ثمانية: (الأول): سحر الكلدانيين والكشدانيين الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة، وهي السيارة، وكانوا يعتقدون أنها مدبرة العالم].
الصحيح: (المتحيزة) لا المتحيرة؛ لأن المتحيرة معناها: الواقفة الساكنة، والكواكب السيارة ماشية، والمعنى أنها متحيزة في جهة عن الكواكب الأخرى.
стр. 342
سحر الكلدانيين والكشدانيين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأنها تأتي بالخير والشر، وهم الذين بعث الله إليهم إبراهيم الخليل ﷺ مبطلاً لمقالتهم وراداً لمذهبهم، وقد استقصى في كتاب (السر المكتوم في مخاطبة الشمس والنجوم) المنسوب إليه، كما ذكر القاضي ابن خلكان وغيره].
والكتاب المذكور والمسمى (بالسر المكتوم في مخاطبة الشمس والنجوم) للرازي نسبه إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكر أن فيه كفراً، ولكنه تاب منه، وقد ترحم ابن تيمية عليه، وله وصية في آخر حياته، وهي موجودة الآن.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويقال: إنه تاب منه، وقيل: بل صنفه على وجه إظهار الفضيلة لا على سبيل الاعتقاد، وهذا هو المظنون به].
أي: فضيلة السحر وعلمه، والذي ينبغي أن يكون إظهار الفضيلة للعلم الشرعي، ولعل مقصوده: إظهار الباطل ليتضح الحق، ومن باب: عرفت الشر لا للشر، والفضيلة لا تكون إلا للإيمان، ومن منّ الله عليه بالإيمان تظهر فضيلته على من خاطب النجوم.
стр. 343
سحر الأوهام
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إلا أنه ذكر فيه طريقهم في مخاطبة كل من هذه الكواكب السبعة، وكيفية ما يفعلون وما يلبسونه وما يتمسكون به.
قال: (والنوع الثاني): سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، ثم استدل على أن الوهم له تأثير بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدوداً على نهر أو نحوه].
إذا وجد جذع على الأرض فإن الإنسان يمشي عليه ولا يتوهم؛ لأنه إذا سقط سقط على الأرض، أما إذا كان هناك جسر موضوع على نهر فيتوهم أنه سيسقط، فيسقط لأجل قوة الوهم، وهذا هو سحر الوهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: وكما أجمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر].
نهي الأطباء المرعوف من النظر إلى الشيء الأحمر لئلا يتوهم فيخرج منه الدم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمصروع إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، وما ذلك إلا لأن النفوس خلقت مطيعة للأوهام.
قال: وقد اتفق العقلاء على أن الإصابة بالعين حق، وله أن يستدل على ذلك بما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: (العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين).
قال: فإذا عرفت هذا فنقول: النفس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جداً فتستغني في هذه الأفاعيل عن الاستعانة بالآلات والأدوات، وقد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه الآلات، وتحقيقه أن النفس إذا كانت مستعلية على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السموات صارت كأنها روح من الأرواح السماوية، فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم، وإذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه الذات البدنية؛ فحينئذ لا يكون لها تأثير البتة إلا في هذا البدن، ثم أرشد إلى مداواة هذا الداء بتقليل الغذاء، والانقطاع عن الناس والرياء مراءاة الناس.
قلت: وهذا الذي يشير إليه هو التصرف بالحال، وهو على قسمين: تارة تكون حالاً صحيحة شرعية، يتصرف بها فيما أمر الله ورسوله ﷺ ، ويترك ما نهى الله تعالى عنه ورسوله ﷺ .
فهذه الأحوال مواهب من الله تعالى وكرامات للصالحين من هذه الأمة].
وإنما يعينهم الله بسبب التقوى، فيعمل الواحد منهم أعمالاً يعجز عنها مئات الناس وهو شخص واحد؛ لتوفيق الله وإعانته له بسبب تقواه وامتثاله أمر الله، وقد توجد عند شخصٍ أحوال شيطانية، فتعينه الشياطين بسبب تركه ما أمره الله به، واقترافه ما حرم الله عليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يسمى هذا سحراً في الشرع، وتارة تكون الحال فاسدة لا يمتثل صاحبها ما أمر الله ورسوله ﷺ ، ولا يتصرف بها في ذلك، فهذه حال الأشقياء المخالفين للشريعة، ولا يدل إعطاء الله إياهم هذه الأحوال على محبته لهم، كما أن الدجال له من الخوارق للعادات ما دلت عليه الأحاديث الكثيرة مع أنه مذموم شرعاً لعنه الله، وكذلك من شابهه من مخالفي الشريعة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وبسط هذا يطول جداً، وليس هذا موضعه].
الدجال كافر، ومع ذلك يمكنه الله من إظهار الخوارق، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويمر بالخربة فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ويقطع الرجل نصفين ثم يقول له: قم، فيستوي قائماً، فمع كفره يعطيه الله الخوارق لحكمة بالغة.
стр. 344
سحر الاستعانة بالجن
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: والنوع الثالث من السحر: الاستعانة بالأرواح الأرضية، وهم الجن، خلافاً للفلاسفة والمعتزلة، وهم على قسمين: مؤمنون، وكفار وهم الشياطين، قال: واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية؛ لما بينها من المناسبة والقرب].
أي أنَّ اتصال النفوس البشرية بالجن أقرب من اتصالها بالملائكة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقي والدخن والتجريد، وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل التسخير].
الدخن والرقى والتجريد أشياء يعملها الساحر، ثم ينادي بأسماء الجن والشياطين فيجتمعون له ويحضرون؛ فإذا لم يستطع تفريقهم قتلوه.
وهناك كتب سحر منتشرة ككتاب (شمس المعارف)، وبعض الناس يأخذ هذا الكتاب ويقرؤه، وينادي الجن بأسمائهم فيحضرون عنده، فإذا لم يستطع تفريقهم قتلوه، فينبغي للإنسان أن يحذر من قراءته وأمثاله، ولا يسلك طريق السحر؛ لأن فيها إشراكاً بالله ودعاء لغيره، ولا يحضر الجن إلا بعد هذا.
والرقى التي يقرؤها الساحر لإحضار الجن تسمى عزائم وعمل السّخير؛ فالجن يسخرون له ويخدمونه بسبب الرقى والتعاويذ، ولكنه قبل ذلك يشرك بالله.
стр. 345
سحر الشعوذة والتخييل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: النوع الرابع من السحر: التخيلات والأخذ بالعيون والشعبذة، ومبناه على أن البصر قد يخطىء ويشتغل بالشيء المعين دون غيره، ألا ترى ذا الشعبذة الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به ويأخذ عيونهم إليه، حتى إذا استفرغهم الشغل بذلك الشيء بالتحديث ونحوه عمل شيئاً آخر عملاً بسرعة شديدة، وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه؛ فيتعجبون منه جداً].
كل ما يفعله المشعبذ هو أنه يصرف الخواطر، وهذا هو سحر التخييل، ويسميه بعض العامة (قمرة)، ومنه سحر سحرة فرعون، فإنهم جعلوا في العصي والحبال زئبقاً، فصارت تتلوى وكأنها حيات، وخيلوا على الناس، ومنها الألعاب البهلوانية التي يفعلها بعض الناس، كمن يجر السيارة بشعر لحيته، أو يضرب بطنه ويخرج الدم، أو يدخل من فم البعير ويخرج من دبره، وهو كذاب يخيل أنه يدخل من فم البعير وهو يمشي حوله، أو يخيل أنه يضرب بطنه وهو لا يضرب بطنه، وحتى الذي يقول: إنه يقطع شخصاً نصفين وهو في صندوق كاذب، وقد تبين أنهم يصورون الصورة التي تعرض هذا في وقت آخر، ويضعون شخصاً في جهة وآخر في جهة أخرى، ثم يعرضونها والساحر يضرب الصندوق وكأنه قطعه نصفين، وهذا كله من سحر التخييل.
والسحر نوعان: سحر تخييل، وسحر حقيقة، ويقول أبو حنيفة ﵀: لا يكون السحر إلا خيالاً، والصواب أن له حقيقة وله خيالاً، فسحر الحقيقة يؤثر في البدن بأن يقتل أو يمرض أو يفرق بين المرء وزوجه، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤]، وسحر الخيال إنما هو تخييل على العيون فقط، قال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف:١١٦]، مثل الذي يخيل للناس أنه يقطع الشخص نصفين، فيتراءى للعيون غير الحقائق، والساحر الذي يتصل بالشياطين كافر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولو أنه سكت ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه لفطن الناظرون لكل ما يفعله.
قال: وكلما كانت الأحوال تفيد حسن البصر نوعاً من أنواع الخلل أشد كان العمل أحسن، مثل أن يجلس المشعبذ في موضع مضيء جداً أو مظلم، فلا تقف القوة الناظرة على أحوالها والحالة هذه.
قلت: وقد قال بعض المفسرين: إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من باب الشعبذة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:١١٦]، وقال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦]، قالوا: ولم تكن تسعى في نفس الأمر، والله أعلم].
الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى أطال النفس وبسط في شرحه لهذه الآية.
стр. 346
تفسير سورة البقرة [١٠٢ - ١٠٣]-[٣]
السحر منه ما هو حقيقة ومنه ما هو خيال، وهو على أنواع، فمنه ما يتعلق بالتركيبات الهندسية، وأصل ذلك الخفة، ومنه ما يتعلق بالأدوية، ومنه غير ذلك، وفاعله مرتكب لمنكر عظيم يصل به إلى الكفر إن اتصل بالشياطين وعبادة غير الله تعالى، وللفقهاء جمل من الأقوال فيما يتصل بحكم تعلم السحر، وتوبة الساحر، وقتله، ونحو ذلك.
стр. 347
تابع أنواع السحر
стр. 348
سحر التراكيب الهندسية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(النوع الخامس من السحر): الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب آلات مركبة على النسب الهندسية، كفارس على فرس في يده بوق كلما مضت ساعة من النهار ضرب بالبوق من غير أن يمسه أحد، ومنها الصور التي تصورها الروم والهند حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان، حتى يصورونها ضاحكة وباكية.
إلى أن قال: فهذه الوجوه من لطيف أمور التخاييل.
قال: وكان سحر سحرة فرعون من هذا القبيل].
ما ذكره الرازي في القرن السادس الهجري أصبح الآن شيئاً مألوفاً، وأسبابه معروفة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قلت: يعني ما قاله بعض المفسرين: إنهم عمدوا إلى تلك الحبال والعصي فحشوها زئبقاً فصارت تتلوى بسبب ما فيها من ذلك الزئبق، فيخيل إلى الرائي أنها تسعى باختيارها].
كانت العصي تتلوى بسبب الزئبق مع الشمس ومع التخييل، كما قال الله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦]، ولهذا قال بعض العلماء: إنه من سحر التخييل، وأنكر بعضهم حقيقة السحر، وقال: إن السحر كله تخييل، واستدل بهذه الآية، والصواب أن السحر منه ما هو تخييل ومنه ما هو حقيقة، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤]، فلولا أن للسحر حقيقة لما أمر الرسول ﷺ بالتعوذ من شر النفاثات في العقد.
فالسحر له حقيقة وتأثير في البدن بالمرض والقتل والتفريق بين المرء وزوجه، فالساحر يصور الرجل أمام زوجته بصورة قبيحة حتى تكرهه وتطلب الفراق، ويصور المرأة أمام زوجها بصورة قبيحة ذميمة حتى يكرهها ويفارقها، وهذا من السحر، كما قال : ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، والعكس كذلك، قد يحسنها في وجهه أو يحسنه في وجهها، وهذان هما الصرف والعطف، فالصرف: أن يصرف المرأة عن زوجها، أو يصرف الرجل عن زوجته، والعطف: أن يحبب كل واحد منهما إلى الآخر، وهما من أنواع السحر.
والخلاصة أن السحر نوعان: حقيقة وخيال، خلافاً لـ أبي حنيفة ﵀ الذي قال: إن السحر لا يكون إلا خيالاً، وخلافاً للمعتزلة الذين أنكروا وجود السحر، وكل هذا باطل، والصواب أن السحر واقع وموجود.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال الرازي: ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات، ويندرج في هذا الباب علم جر الأثقال بالآلات الخفيفة].
هذا واقع، ويسمونه الآن الألعاب البهلوانية، ومن هذا النوع: أن يظهر إنسان أنه يجر السيارة بشعرة من لحيته، أو يخيل لبعض الناس أنه يضرب بطنه بالسكين ويخرج منه دم، أو يخرج من فمه سكاكين أو مناديل، وكل هذا من السحر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: وهذا -في الحقيقة- لا ينبغي أن يعد من السحر؛ لأن لها أسباباً معلومة يقينية من اطلع عليها قدر عليها].
ما نراه الآن هو أشياء خفية يعملونها قد تكون من باب الخيال، أو من باب خفة اليد، فهي غريبة عند من لم يعلمها، ومن تعود عليها صارت عنده مألوفة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قلت: ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم بما يرونهم إياه من الأنوار، كقضية قمامة الكنيسة التي لهم ببلد المقدس، وما يحتالون به من إدخال النار خفية إلى الكنيسة، وإشعال ذلك القنديل بصنعة لطيفة تروج على الطغام منهم].
قوله: [تروج على الطغام]، أي: العامة، فالنصارى يوهمون العامة أن هذا من أنوار المسيح أو من أنوار مريم، وهي أشياء يعلمها خاصتهم، فهم يدخلون النار من طريق لا يعلمه عامة الناس، فيتعجب الناس ويقولون: من أين جاءت النار؟! ومن أين جاء القنديل؟! فيغرون الناس بعبادة المسيح.
وكذلك الأشياء التي هي من خفة اليد، فإنها ليست من السحر، ولكنها أشياء خفية لا يعلمها عامة الناس، ولا يعلمون كيفيتها، فتروج عليهم، فإذا كان المقصود منها الترويج للباطل ونشره، فلا شك في أنها حرام، كما أن عمل النصارى في الترويج على عامتهم محرم؛ لأنهم يغرون الناس بعبادة المسيح وعبادة مريم.
وكذلك ما يسمى الآن بالسيرك، وما يفعل في بعض الاحتفالات، كأن تمر سيارة على بطن شخص، فهذا ينظر فيه، والأقرب أنه من باب الخيال.
فإن قيل: قد يكون لهم تعامل مع الجن؟ قلنا: يختلفون، فقد يكون عمل بعضهم من باب خفة اليد، أو من باب التخييل، فينظر إلى أعمالهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما الخواص فهم معترفون بذلك، ولكن يتأولون أنهم يجمعون شمل أصحابهم على دينهم].
هكذا يتأول النصارى أنهم يجمعون العوام على دينهم، حتى يوهمونهم أن هذا من أنوار المسيح ومن أنوار مريم، ويدخلون النار إلى الكنيسة من طريق آخر، ولا يعلم بهذا عامة الناس، وهذا من باطلهم ومن ترويجهم لدينهم ومن الشرك والباطل.
نعوذ بالله من هذا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فيرون ذلك سائغاً لهم، وفيهم شبهة على الجهلة الأغبياء من متعبدي الكرامية].
الأقرب إلى صحة المعنى أن الجملة هكذا: وفيهم شبه بالجهلة الأغبياء من متعبدي الكرامية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الذين يرون جواز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب، فيدخلون في عداد من قال رسول الله ﷺ فيهم: (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)].
هذا الحديث من الأحاديث المتواترة، وقد بالغ بعضهم فقال: إن الحديث يقول: من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، ونحن إنما نكذب له لا عليه! وهؤلاء هم متعبدة الكرامية الذين يتأولون في وضعهم الحديث أنه لترغيب الناس في الدين، فهم إذا رأوا الناس انصرفوا عن صلاة الفريضة مثلاً وضعوا أحاديث لترغيب الناس فيها، وإذا رأوا الناس انصرفوا عن صيام رمضان وضعوا أحاديث للترغيب، ويتأولون أنهم يحثون الناس على الدين، وهذا فيه شبه بالنصارى الذي يتأولون جمع شمل النصارى، ويلبسون عليهم حتى يجمعوهم على دينهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (حدثوا عني ولا تكذبوا علي؛ فإنه من يكذب علي يلج النار)، ثم ذكر ههنا حكاية عن بعض الرهبان، وهو أنه سمع صوت طائر حزين الصوت ضعيف الحركة، فإذا سمعته الطيور ترق له، فتذهب فتلقي في وكره من ثمر الزيتون ليتبلغ به، فعمد هذا الراهب إلى صنعة طائر على شكله، وتوصل إلى أن جعله أجوف فإذا دخلته الريح يسمع منه صوت كصوت ذلك الطائر، وانقطع في صومعة ابتناها وزعم أنها على قبر بعض صالحيهم، وعلق ذلك الطائر في مكان منها، فإذا كان زمان الزيتون فتح باباً من ناحيته فيدخل الريح إلى داخل هذه الصورة فيسمع صوتها كل طائر في شكله أيضاً، فتأتي الطيور فتحمل من الزيتون شيئاً كثيراً، فلا ترى النصارى إلا ذلك الزيتون في هذه الصومعة، ولا يدرون ما سببه].
هذه حيلة من الراهب ليفتن النصارى، ويوهمهم أنها من الكرامات، وأنه على حق.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ففتنهم بذلك، وأوهم أن هذا من كرامات صاحب هذا القبر، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة].
стр. 349
سحر الأدوية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال الرازي: النوع السادس من السحر: الاستعانة بخواص الأدوية، يعني في هذا الأطعمة والدهانات، قال: واعلم أنه لا سبيل إلى إنكار الخواص، فإن تأثير المغناطيس مشاهد، (قلت): يدخل في هذا القبيل كثير ممن يدعي الفقر ويتحيل على جهلة الناس بهذه الخواص مدعياً أنها أحوال له من مخالطة النيران ومسك الحيات إلى غير ذلك من الأعمال].
يقصد بمن يدعي الفقر: الصوفية، ويسمون الفقراء، ويسمى الصوفي فقيراً، ويسمى السالك، ويعني بكلامه: ما يفعله بعض الصوفية من الحيل على الناس، ثم يدعي أن هذا حال له، وأنه تسلم له حاله ولا يعارض، ولو عمل منكراً، وهذا من دعاوى الصوفية الباطلة.
قال المؤلف وقوله: [من مخالطة النيران ومسك الحيات، إلى غير ذلك من المحالات].
هذا أيضاً من حيلهم، فبعضهم يدهن جسمه بدهن ضد النار، ثم يدخل النار أمام العامة ولا يصيبه شيء، فيقول الناس: هذا من الكرامات، وبعضهم يخدر الحيات بمخدر، ثم يأخذها ويمسكها ويمسك أسنانها ويعمل بها ما يشاء، فيظن بعض العامة أن هذا من الكرامات، وإنما هو من الحيل، وقد يكون من أعمال الشعوذة وبينه وبين الجن عهد.
стр. 350
سحر تعليق القلب
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: النوع السابع من السحر: التعليق للقلب، وهو أن يدعي الساحر أنه عرف الاسم الأعظم، وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور، فإذا اتفق أن يكون السامع لذلك ضعيف العقل قليل التمييز اعتقد أنه حق، وتعلق قلبه بذلك، وحصل في نفسه نوع من الرعب والمخافة، فإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة، فحينئذ يتمكن الساحر أن يفعل ما يشاء.
قلت: هذا النمط يقال له: التنبلة، وإنما يروج على ضعفاء العقول من بني آدم، وفي علم الفراسة ما يرشد إلى معرفة كامل العقل من ناقصه، فإذا كان النبيل حاذقاً في علم الفراسة عرف من ينقاد له من الناس من غيره].
الفراسة: حدة النظر والتأمل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر:٧٥] أي: للمتفرسين، وفي الحديث: (اتقوا المؤمن فإنه ينظر بنور الله)، وهو حديث ضعيف، ضعفه الشيخ ناصر الدين الألباني، وله شواهد.
والفراسة أنواع: فراسة إيمانية، وفراسة رياضية صوفية، فالفراسة الإيمانية: نور يقذفه الله في قلب العبد المؤمن، وهي محمودة، ولا تكون إلا للمؤمنين الصالحين.
والثاني: فراسة رياضية صوفية، وهي التي يذكرها الأطباء والصوفية، ومن ذلك أن يروض نفسه ويقلل الطعام والنوم، ويقلل من مخالطة الناس، وقد يعصب عينيه، فيحصل له في ذلك أنوار شيطانية، وهذا مثل الذي ينظم أكله لكي يصح بدنه، وهو مثل ما يفعله بعض الناس ويسمونه (اترجيم)، فهو يقلل الطعام والشراب، وهذه مشتركة بين المؤمن والكافر، فقد تكون محمودة، وقد تكون مذمومة.
وهناك فراسة تسمى فراسة خلقية، وهي الاستدلال بالخَلقْ على الخُلقُ، وهذه -أيضاً- مشتركة بين المؤمن والكافر، وهي غير محمودة، فيستدلون -مثلاً- بطول الرقبة على الغباوة، وبالقصر على الحماقة، وبسعة الصدر على سعة الخلق، وبكلل النظر على جمود العينين، وهذه قد يصيبون فيها وقد يخطئون، فالفراسة الإيمانية خاصة بالمؤمنين، وهي نور يقذفه الله في قلب العبد المؤمن.
стр. 351
سحر النميمة والبيان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [النوع الثامن من السحر: السعي بالنميمة والتقريب].
سميت النميمة سحراً لما لها من تأثير في الخفاء، فأصل السحر في اللغة: عبارة عما خفي ولطف سببه، والنميمة لها تأثير في الخفاء، وهي داخلة في السحر من جهة اللغة؛ لأن السحر عبارة عما خفي ولطف سببه، ومنه البيان والفصاحة والبلاغة، فإنها تؤثر في الناس حتى تقنعهم، فصاحبها قد يقلب الحق باطلاً، وقد يقلب الباطل حقاً بسبب فصاحته وبلاغته وقوة تأثيره، وقدرة تصرفه بأنواع الكلام، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (إن من البيان لسحراً).
وسمي السَّحَر سحراً لأنه يقع خفياً آخر الليل، وهذا من جهة اللغة، فيدخل في السحر لغةً: النميمة والبيان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [النوع الثامن من السحر: السعي بالنميمة والتقريب من وجوه خفيفة لطيفة؛ وذلك شائع في الناس].
لعل الصواب (خفية)، فهي قد تخفى، فإنه يأتي إلى هذا ويكلمه ويقول: إن هذا يتكلم فيك، ثم يأتي إلى الآخر ويكلمه خفية، فالمقام يقتضي أن المراد أنها (خفية) لا (خفيفة)؛ لأن المقام ليس في ذكر الخفة والثقل، وإنما المراد ذكر الخفاء، ويؤيده قوله: لطيفة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قلت: النميمة على قسمين: تارة تكون على وجه التحريش بين الناس، وتفريق قلوب المؤمنين، فهذا حرام متفق عليه، فأما إن كانت على وجه الإصلاح بين الناس وائتلاف كلمة المسلمين كما جاء في الحديث: (ليس بالكذاب من ينم خيراً)، أو تكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة؛ فهذا أمر مطلوب، كما جاء في الحديث: (الحرب خدعة)، وكما فعل نعيم بن مسعود في تفريقه بين كلمة الأحزاب وبني قريظة، جاء إلى هؤلاء فينمى إليهم عن هؤلاء كلاماً، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئاً آخر، ثم لأم بين ذلك فتناكرت النفوس وافترقت، وإنما يحذو على مثل هذا الذكاء ذو البصيرة النافذة، وبالله المستعان].
تسمية هذا النوع نميمة فيه نظر، إلا من جهة أنه عمل خيراً في الخفاء، ويستدلون بالحديث، والمعروف أن النوع الأول هو الذي يسمى نميمة، وأما هذا النوع فهو إصلاح وخير.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال الرازي: فهذه جملة الكلام في أقسام السحر وشرح أنواعه وأصنافه، قلت: وإنما أدخل كثيراً من هذه الأنواع المذكورة في فن السحر للطافة مداركها؛ لأن السحر في اللغة: عبارة عما لطف وخفي سببه، ولهذا جاء في الحديث: (إن من البيان لسحراً)، وسمي السَّحور لكونه يقع خفياً آخر الليل].
سمي السحور -وهو أكلة السحر- لأنه يؤكل في آخر الليل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والسحر: الرئة]، ذكر في القاموس أنها ساكنة، ثم قال: وهي بالتحريك والضم.
[وهي محل الغذاء، وسميت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن وغضونه].
قوله: [محل الغذاء] فيه نظر، وإنما هي لتصفية الدم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما قال أبو جهل يوم بدر لـ عتبة: انتفخ سحره، أي: انتفخت رئته من الخوف، وقالت عائشة ﵂: (توفي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري)].
أي: متكئاً على صدرها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف:١١٦] أي: أخفوا عنهم عملهم، والله أعلم].
стр. 352
حقيقة السحر عند أهل السنة
وقال أبو عبد الله القرطبي: وعندنا أن السحر حق وله حقيقة، يخلق الله عنده ما يشاء].
قوله: [حق] أي: موجود وثابت، وليس المراد بالحق هنا ضد الباطل، بل هو باطل ومنكر، فقوله: (الحق) أي: له وجود وثبات، خلافاً لمن قال: إنه خيال، كـ أبي حنيفة والمعتزلة، فهم يقولون: ليس له حقيقة، وعندنا له حقيقة وليس تخييلاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [خلافاً للمعتزلة وأبي إسحاق الإسفرايني من الشافعية حيث قالوا: إنه تمويه وتخييل].
وقال بذلك أبو حنيفة أيضاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: ومن السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة، والشعوذي: البريد لخفة سيره.
قال ابن فارس: وليست هذه الكلمة من كلام أهل البادية.
قال القرطبي: ومنه ما يكون كلاماً يحفظ ورقىً من أسماء الله تعالى، وقد يكون من عهود الشياطين، ويكون أدوية وأدخنة وغير ذلك].
وكل هذا يكون في السحر، فهو عزائم ورقى وعقد وأدوية وأدخنة تؤثر في القلوب والأبدان، فتمرض وتقتل وتفرق بين المرء وزوجه.
стр. 353
بيان قول النبي ﷺ : (إن من البيان لسحراً)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: وقوله ﵊: (إن من البيان لسحراً) يحتمل أن يكون مدحاً كما تقوله طائفة، ويحتمل أن يكون ذماً للبلاغة، قال: وهذا أصح، قال: لأنها تصوب الباطل حتى توهم السامع أنه حق، كما قال ﵊: (فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له) الحديث.
فصل: وقد ذكر الوزير أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة ﵀ في كتابه: (الإشراف على مذاهب الأشراف) باباً في السحر، فقال: أجمعوا على أن السحر له حقيقة، إلا أبا حنيفة فإنه قال: لا حقيقة له عنده].
انضم أبو حنيفة مع المعتزلة ومع أبي إسحاق الإسفرايني من الشافعية، فهم يرون أنه لا حقيقة له، وقد نص الجصاص في كتابه: (الأحكام) -وهو من الحنفية- على أنه خيال ليس له حقيقة، والصواب الذي عليه الجماهير أن منه حقيقة ومنه خيالاً.
стр. 354
حكم تعلم السحر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله: فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يكفر بذلك، ومن أصحاب أبي حنيفة من قال: إن تعلمه ليتقيه أو ليجتنبه فلا يكفر، ومن تعلمه معتقداً جوازه أو أنه ينفعه كفر].
هذا القول الثاني ضعيف، والصواب أنه يكفر بمجرد تعلم السحر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢] أي: كفروا بتعليم الناس، وقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢] أي: فلا تكفر بتعلم السحر، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٣]، فدل على أن السحر ضد الإيمان والتقوى، فإن تعلم السحر أو علمه كفر، فهذا هو الصواب إذا كان السحر يتصل صاحبه بالشياطين وعبادتها وعبادة الكواكب والتقرب إليها، وأما إذا كان سحره لا يتصل بالشياطين ولا بعبادتها، وإنما هو من باب أن يتعلم السحر ليأكل أموال الناس بالباطل؛ فهذا إذا استحل أكل أموال الناس بالباطل وإيذاءهم فقد كفر، وإن لم يستحلها فقد ارتكب محرماً وكبيرة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر، وقال الشافعي ﵀: إذا تعلم السحر قلنا له: صف لنا سحرك؟ فإن وصف ما يوجب الكفر -مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها- فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته فهو كافر] أي: إن استحل أكل أموال الناس بالباطل وإيذاءهم فقد كفر، وإن كان لا يستحل ذلك لكن غلبه الهوى وطاعة الشيطان وحب المال فيكون مرتكباً لكبيرة، وهذا التفصيل من الشافعي ﵀ لأنه أدخل السحر اللغوي في مسمى السحر، فلذلك فصل هذا التفصيل فقال: السحر قد يكون صاحبه متصلاً بالشياطين وقد لا يتصل، فإن اتصل بالشياطين كفر، وإلا فلا يكفر.
وأما الجمهور فلم يدخلوا السحر اللغوي في مسماه، ولهذا قالوا: الساحر يكفر مطلقاً، وعلى هذا فلا يكون هناك منافاةً بين قول الشافعي وبين الجمهور، فكل من الفريقين متفق على أن الساحر إذا اتصل بالشياطين فإنه يكفر، وأما إذا لم يتصل فـ الشافعي يسميه سحراً، والجمهور لا يسمونه سحراً، فلهذا فصل الشافعي، ولم يفصل الجمهور.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال ابن هبيرة: وهل يقتل بمجرد فعله واستعماله؟ فقال مالك وأحمد: نعم، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا، فأما إن قتل بسحره إنساناً فإنه يقتل عند مالك والشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا يقتل حتى يتكرر منه ذلك، أو يقر بذلك في حق شخص معين، وإذا قتل فإنه يقتل حداً عندهم، إلا الشافعي فإنه قال: يقتل -والحالة هذه- قصاصاً].
هذه المسألة فيها اختلاف: هل يقتل الساحر أم لا يقتل؟ فقال أبو حنيفة وجماعة: يحبس حتى يموت ولا يقتل، والجمهور على أنه يقتل، ثم اختلف القائلون بقتله في صفة قتله، أي: هل قتله كفراً أو حداً؟ والأكثر على أنه يقتل كفراً، وهذا هو الصواب، وقال آخرون: يقتل حداً، والصواب أنه يقتل كفراً؛ لحديث جندب الصحيح: (حد الساحر ضربه بالسيف)، ولأن عمر ﵁ كتب إلى عماله أن: اقتلوا كل ساحر وساحرة، ولأن حفصة ﵂ أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقتلت.
стр. 355
أقوال الأئمة في توبة الساحر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهل إذا تاب الساحر تقبل توبته؟ فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنهم: لا تقبل، وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى: تقبل].
هذه المسألة فيها خلاف، وهي: هل تقبل توبة الساحر؟ فالمحققون على أنها لا تقبل، وكذلك -أيضاً- الزنديق، ومن سب الله، أو الرسول، أو سب الدين، أو استهزأ بالله وبرسوله وبكتابه، فلا تقبل توبته في الدنيا؛ زجراً له ولأمثاله عن هذا الكفر الغليظ، قالوا: فلو ادعى التوبة لا نقبل توبته، بل لا بد من قتله في الدنيا، وأما في الآخرة فأمره إلى الله، فإن كان صادقاً فالله يحب الصادقين، وإن كان كاذباً فله حكم الكاذبين.
وقال آخرون من أهل العلم: يستتاب، فإن تاب -ولو كان ساحراً- فإنه يترك، والصواب أنه إن سلم نفسه قبل أن يقبض عليه فإنه تقبل توبته؛ لأن هذا دليل على أنه تاب، وأما إذا قبض عليه ثم ادعى التوبة فلا تقبل، ويكون حكمه حكم المحاربين، كما قال الله تعالى في المحاربين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣٤].
следующие страницы →