Полный текст (873 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
سحر النميمة والبيان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [النوع الثامن من السحر: السعي بالنميمة والتقريب].
سميت النميمة سحراً لما لها من تأثير في الخفاء، فأصل السحر في اللغة: عبارة عما خفي ولطف سببه، والنميمة لها تأثير في الخفاء، وهي داخلة في السحر من جهة اللغة؛ لأن السحر عبارة عما خفي ولطف سببه، ومنه البيان والفصاحة والبلاغة، فإنها تؤثر في الناس حتى تقنعهم، فصاحبها قد يقلب الحق باطلاً، وقد يقلب الباطل حقاً بسبب فصاحته وبلاغته وقوة تأثيره، وقدرة تصرفه بأنواع الكلام، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (إن من البيان لسحراً).
وسمي السَّحَر سحراً لأنه يقع خفياً آخر الليل، وهذا من جهة اللغة، فيدخل في السحر لغةً: النميمة والبيان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [النوع الثامن من السحر: السعي بالنميمة والتقريب من وجوه خفيفة لطيفة؛ وذلك شائع في الناس].
لعل الصواب (خفية)، فهي قد تخفى، فإنه يأتي إلى هذا ويكلمه ويقول: إن هذا يتكلم فيك، ثم يأتي إلى الآخر ويكلمه خفية، فالمقام يقتضي أن المراد أنها (خفية) لا (خفيفة)؛ لأن المقام ليس في ذكر الخفة والثقل، وإنما المراد ذكر الخفاء، ويؤيده قوله: لطيفة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قلت: النميمة على قسمين: تارة تكون على وجه التحريش بين الناس، وتفريق قلوب المؤمنين، فهذا حرام متفق عليه، فأما إن كانت على وجه الإصلاح بين الناس وائتلاف كلمة المسلمين كما جاء في الحديث: (ليس بالكذاب من ينم خيراً)، أو تكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة؛ فهذا أمر مطلوب، كما جاء في الحديث: (الحرب خدعة)، وكما فعل نعيم بن مسعود في تفريقه بين كلمة الأحزاب وبني قريظة، جاء إلى هؤلاء فينمى إليهم عن هؤلاء كلاماً، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئاً آخر، ثم لأم بين ذلك فتناكرت النفوس وافترقت، وإنما يحذو على مثل هذا الذكاء ذو البصيرة النافذة، وبالله المستعان].
تسمية هذا النوع نميمة فيه نظر، إلا من جهة أنه عمل خيراً في الخفاء، ويستدلون بالحديث، والمعروف أن النوع الأول هو الذي يسمى نميمة، وأما هذا النوع فهو إصلاح وخير.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال الرازي: فهذه جملة الكلام في أقسام السحر وشرح أنواعه وأصنافه، قلت: وإنما أدخل كثيراً من هذه الأنواع المذكورة في فن السحر للطافة مداركها؛ لأن السحر في اللغة: عبارة عما لطف وخفي سببه، ولهذا جاء في الحديث: (إن من البيان لسحراً)، وسمي السَّحور لكونه يقع خفياً آخر الليل].
سمي السحور -وهو أكلة السحر- لأنه يؤكل في آخر الليل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والسحر: الرئة]، ذكر في القاموس أنها ساكنة، ثم قال: وهي بالتحريك والضم.
[وهي محل الغذاء، وسميت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن وغضونه].
قوله: [محل الغذاء] فيه نظر، وإنما هي لتصفية الدم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما قال أبو جهل يوم بدر لـ عتبة: انتفخ سحره، أي: انتفخت رئته من الخوف، وقالت عائشة ﵂: (توفي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري)].
أي: متكئاً على صدرها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف:١١٦] أي: أخفوا عنهم عملهم، والله أعلم].
стр. 352
حقيقة السحر عند أهل السنة
وقال أبو عبد الله القرطبي: وعندنا أن السحر حق وله حقيقة، يخلق الله عنده ما يشاء].
قوله: [حق] أي: موجود وثابت، وليس المراد بالحق هنا ضد الباطل، بل هو باطل ومنكر، فقوله: (الحق) أي: له وجود وثبات، خلافاً لمن قال: إنه خيال، كـ أبي حنيفة والمعتزلة، فهم يقولون: ليس له حقيقة، وعندنا له حقيقة وليس تخييلاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [خلافاً للمعتزلة وأبي إسحاق الإسفرايني من الشافعية حيث قالوا: إنه تمويه وتخييل].
وقال بذلك أبو حنيفة أيضاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: ومن السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة، والشعوذي: البريد لخفة سيره.
قال ابن فارس: وليست هذه الكلمة من كلام أهل البادية.
قال القرطبي: ومنه ما يكون كلاماً يحفظ ورقىً من أسماء الله تعالى، وقد يكون من عهود الشياطين، ويكون أدوية وأدخنة وغير ذلك].
وكل هذا يكون في السحر، فهو عزائم ورقى وعقد وأدوية وأدخنة تؤثر في القلوب والأبدان، فتمرض وتقتل وتفرق بين المرء وزوجه.
стр. 353
بيان قول النبي ﷺ : (إن من البيان لسحراً)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: وقوله ﵊: (إن من البيان لسحراً) يحتمل أن يكون مدحاً كما تقوله طائفة، ويحتمل أن يكون ذماً للبلاغة، قال: وهذا أصح، قال: لأنها تصوب الباطل حتى توهم السامع أنه حق، كما قال ﵊: (فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له) الحديث.
فصل: وقد ذكر الوزير أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة ﵀ في كتابه: (الإشراف على مذاهب الأشراف) باباً في السحر، فقال: أجمعوا على أن السحر له حقيقة، إلا أبا حنيفة فإنه قال: لا حقيقة له عنده].
انضم أبو حنيفة مع المعتزلة ومع أبي إسحاق الإسفرايني من الشافعية، فهم يرون أنه لا حقيقة له، وقد نص الجصاص في كتابه: (الأحكام) -وهو من الحنفية- على أنه خيال ليس له حقيقة، والصواب الذي عليه الجماهير أن منه حقيقة ومنه خيالاً.
стр. 354
حكم تعلم السحر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله: فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يكفر بذلك، ومن أصحاب أبي حنيفة من قال: إن تعلمه ليتقيه أو ليجتنبه فلا يكفر، ومن تعلمه معتقداً جوازه أو أنه ينفعه كفر].
هذا القول الثاني ضعيف، والصواب أنه يكفر بمجرد تعلم السحر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢] أي: كفروا بتعليم الناس، وقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢] أي: فلا تكفر بتعلم السحر، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٣]، فدل على أن السحر ضد الإيمان والتقوى، فإن تعلم السحر أو علمه كفر، فهذا هو الصواب إذا كان السحر يتصل صاحبه بالشياطين وعبادتها وعبادة الكواكب والتقرب إليها، وأما إذا كان سحره لا يتصل بالشياطين ولا بعبادتها، وإنما هو من باب أن يتعلم السحر ليأكل أموال الناس بالباطل؛ فهذا إذا استحل أكل أموال الناس بالباطل وإيذاءهم فقد كفر، وإن لم يستحلها فقد ارتكب محرماً وكبيرة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر، وقال الشافعي ﵀: إذا تعلم السحر قلنا له: صف لنا سحرك؟ فإن وصف ما يوجب الكفر -مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها- فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته فهو كافر] أي: إن استحل أكل أموال الناس بالباطل وإيذاءهم فقد كفر، وإن كان لا يستحل ذلك لكن غلبه الهوى وطاعة الشيطان وحب المال فيكون مرتكباً لكبيرة، وهذا التفصيل من الشافعي ﵀ لأنه أدخل السحر اللغوي في مسمى السحر، فلذلك فصل هذا التفصيل فقال: السحر قد يكون صاحبه متصلاً بالشياطين وقد لا يتصل، فإن اتصل بالشياطين كفر، وإلا فلا يكفر.
وأما الجمهور فلم يدخلوا السحر اللغوي في مسماه، ولهذا قالوا: الساحر يكفر مطلقاً، وعلى هذا فلا يكون هناك منافاةً بين قول الشافعي وبين الجمهور، فكل من الفريقين متفق على أن الساحر إذا اتصل بالشياطين فإنه يكفر، وأما إذا لم يتصل فـ الشافعي يسميه سحراً، والجمهور لا يسمونه سحراً، فلهذا فصل الشافعي، ولم يفصل الجمهور.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال ابن هبيرة: وهل يقتل بمجرد فعله واستعماله؟ فقال مالك وأحمد: نعم، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا، فأما إن قتل بسحره إنساناً فإنه يقتل عند مالك والشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا يقتل حتى يتكرر منه ذلك، أو يقر بذلك في حق شخص معين، وإذا قتل فإنه يقتل حداً عندهم، إلا الشافعي فإنه قال: يقتل -والحالة هذه- قصاصاً].
هذه المسألة فيها اختلاف: هل يقتل الساحر أم لا يقتل؟ فقال أبو حنيفة وجماعة: يحبس حتى يموت ولا يقتل، والجمهور على أنه يقتل، ثم اختلف القائلون بقتله في صفة قتله، أي: هل قتله كفراً أو حداً؟ والأكثر على أنه يقتل كفراً، وهذا هو الصواب، وقال آخرون: يقتل حداً، والصواب أنه يقتل كفراً؛ لحديث جندب الصحيح: (حد الساحر ضربه بالسيف)، ولأن عمر ﵁ كتب إلى عماله أن: اقتلوا كل ساحر وساحرة، ولأن حفصة ﵂ أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقتلت.
стр. 355
أقوال الأئمة في توبة الساحر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهل إذا تاب الساحر تقبل توبته؟ فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنهم: لا تقبل، وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى: تقبل].
هذه المسألة فيها خلاف، وهي: هل تقبل توبة الساحر؟ فالمحققون على أنها لا تقبل، وكذلك -أيضاً- الزنديق، ومن سب الله، أو الرسول، أو سب الدين، أو استهزأ بالله وبرسوله وبكتابه، فلا تقبل توبته في الدنيا؛ زجراً له ولأمثاله عن هذا الكفر الغليظ، قالوا: فلو ادعى التوبة لا نقبل توبته، بل لا بد من قتله في الدنيا، وأما في الآخرة فأمره إلى الله، فإن كان صادقاً فالله يحب الصادقين، وإن كان كاذباً فله حكم الكاذبين.
وقال آخرون من أهل العلم: يستتاب، فإن تاب -ولو كان ساحراً- فإنه يترك، والصواب أنه إن سلم نفسه قبل أن يقبض عليه فإنه تقبل توبته؛ لأن هذا دليل على أنه تاب، وأما إذا قبض عليه ثم ادعى التوبة فلا تقبل، ويكون حكمه حكم المحاربين، كما قال الله تعالى في المحاربين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣٤].
стр. 356
أقوال الأئمة في ساحر أهل الكتاب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما ساحر أهل الكتاب فعند أبي حنيفة أنه يقتل كما يقتل الساحر المسلم، وقال مالك وأحمد والشافعي: لا يقتل؛ لقصة لبيد بن الأعصم].
والصواب أن ساحر أهل الكتاب لا يقتل؛ لأنه على الكفر قبل سحره، فأهل الكتاب يعبدون المسيح وعزيراً، ويعملون السحر، فهم على الكفر قبل ذلك، فلا يقتل إذا سحر، ولأن النبي منع من قتل لبيد بن الأعصم تركاً للفتنة وتحصيلاً للمصلحة، ولعدم تأثير السحر على النبي ﷺ ، فإنه لما قيل له: لماذا لم تدفن البئر؟ فقال: (أما أنا فقد شفاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شراً)، فالصواب أنه لا يقتل؛ لأنه من أهل الكتاب، فهو كافر قبل ذلك، بخلاف من كان مسلماً ثم سحر، فإنه يقتل.
قال الحافظ في (فتح الباري): وقال القرطبي: لا حجة لمالك من هذه القصة؛ لأن ترك قتل لبيد بن الأعصم كان لخشية أن يثير بسبب قتله الفتنة، أو لئلا ينفر الناس عن الدخول في الإسلام، وهو مثل ما راعاه النبي ﷺ من منع قتل المنافقين، حيث قال: (حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)].
هذا ليس بجيد؛ لأن هناك فرقاً، فالمنافقون ينتسبون إلى الإسلام ويظهرون الإسلام، فلو قتلوا لتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، وأما هذا فمعروف أنه كافر من أهل الكتاب.
стр. 357
أقوال الأئمة في الساحرة المسلمة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واختلفوا في المسلمة الساحرة، فعند أبي حنيفة أنها لا تقتل ولكن تحبس، وقال الثلاثة: حكمها حكم الرجل، والله أعلم].
الصواب أن حكم المرأة كحكم الرجل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أبو بكر الخلال: أخبرنا أبو بكر المروزي قال: قرأ على أبي عبد الله -يعني أحمد بن حنبل - عمر بن هارون أخبرنا يونس عن الزهري قال: يقتل ساحر المسلمين ولا يقتل ساحر المشركين؛ لأن رسول الله ﷺ سحرته امرأة من اليهود فلم يقتلها].
هذا ليس بصحيح؛ لأن الذي سحر النبي ﷺ هو لبيد، وهو من اليهود، وأما اليهودية فهي التي وضعت له السم في الذراع، وعمر بن هارون هذا ضعيف، فلا يصح سنده.
والنبي ﷺ قد يعفو ولا ينتصر لنفسه، وكذلك -أيضاً- قد يعفو عمن سبه، وأما بعد وفاته فمن سبه فلا بد من قتله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد نقل القرطبي عن مالك ﵀ أنه قال في الذمي: يقتل إن قتل بسحره، وحكى ابن خويز منداد عن مالك روايتين في الذمي إذا سحر: إحداهما: أنه يستتاب، فإن أسلم وإلا قتل، والثانية: أنه يقتل وإن أسلم، وأما الساحر المسلم فإن تضمن سحره كفراً كفر عند الأئمة الأربعة وغيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُر﴾ [البقرة:١٠٢]، لكن قال مالك: إذا ظهر عليه لم تقبل توبته؛ لأنه كالزنديق].
يعني: إذا قبض عليه قبل أن يسلم نفسه.
[فإن تاب قبل أن يظهر عليه وجاءنا تائباً قبلناه] وهذا هو الأقرب، فهو كالمحارب، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة:٣٣]، ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة:٣٤].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن قتل بسحره قتل، قال الشافعي: فإن قال: لم أتعمد القتل فهو مخطئ تجب عليه الدية].
يحمل هذا على أنه قال: أنا لم أتعمد القتل، وإنما أعالج علاجاً، فله وجه من هذه الجهة، وهذا يكون قتله خطأ، لكن هذا سحر من جهة اللغة، فهو أدوية، وليس سحراً يتصل بالشياطين، وأما الذي يتصل بالشياطين فإنه يقتل صاحبه وليس هناك إشكال.
стр. 358
حكم النشرة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [مسألة: وهل يسأل الساحر حلاً لسحره؟ فأجاز سعيد بن المسيب فيما نقله عنه البخاري، وقال عامر الشعبي: لا بأس بالنشرة، وكره ذلك الحسن البصري].
والنشرة: هي حل السحر عن المسحور، قيل لـ سعيد بن المسيب: رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته، أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه، فظاهر هذا أنه لا بأس بحل السحر عن المسحور؛ لأنه سئل: رجل به طب -أي: سحر- أو يؤخذ عن امرأته -أي: يحبس عن امرأته، أي: لا يصل إليها- أيحل عنه أو ينشر؟ فقال: لا بأس به، أي: لا بأس بحل السحر، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الصحيح عن عائشة ﵂ أنها قالت: (يا رسول الله! هلا تنشرت؟ فقال: أما الله فقد شفاني، وخشيت أن أفتح على الناس شراً) هذا مثال للنشرة الجائزة، وقد فات الحافظ ﵀ حديث أحمد: (أن النبي ﷺ سئل عن النشرة؟ فقال هي من عمل الشيطان)، والحديث سنده جيد.
وحمل ابن القيم والإمام محمد بن عبد الوهاب كلام ابن المسيب: (لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه) على النشرة الجائزة، فقد ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب التوحيد (باب ما جاء في النشرة) وقسم النشرة إلى قسمين: نشرة محرمة، وهي من عمل الشيطان، وهي حل السحر بسحر مثله، ونشرة جائزة، وهي حل السحر برقى وأدعية وتعاويذ شرعية، وهذا مباح، فيحمل كلام ابن المسيب على النشرة الجائزة، ويحمل كلام الحسن: (لا يحل السحر إلا الساحر)، وحديث أحمد سئل عن النشرة قال: (هي من عمل الشيطان) على النشرة المحرمة، وهي حل السحر بسحر مثله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وحكى القرطبي عن وهب أنه قال: يؤخذ سبع ورقات من سدر فتدق بين حجرين، ثم تضرب بالماء ويقرأ عليها آية الكرسي، ويشرب منها المسحور ثلاث حسوات، ثم يغتسل بباقيه فإنه يذهب ما به].
هذا مثال النشرة الجائزة، وهذا لا بأس به، وقد ذكره -أيضاً- الشيخ عبد الرحمن بن حسن في شرح كتاب التوحيد، واعترض عليه محمد حامد الفقي وقال: إن هذا لا أصل له، والصواب أنه ليس فيه محذور شرعاً، فإنه يقرأ آيات من القرآن، فلا وجه لاعتراض الشيخ حامد الفقي ﵀.
فإن قيل: ما المقصود بقول عائشة: (هلا تنشرت؟) قيل: معناه: هلا حللت السحر، فقال: (أما أنا فشفاني الله).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهو جيد للرجل الذي يؤخذ عن امرأته].
أي: يحبس عن امرأته.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قلت: أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ما أنزل الله على رسوله ﷺ في إذهاب ذلك، وهما المعوذتان، وفي الحديث: (لم يتعوذ متعوذ بمثلهما)، وكذلك قراءة آية الكرسي، فإنها مطردة للشيطان].
كل هذا من النشرة الجائزة.
стр. 359
تفسير سورة البقرة [١٠٤ - ١٠٨]
حوت سورة البقرة جملة عظيمة من الأحكام الشرعية والآداب الربانية، فقد أدب الله تعالى الرعيل الأول من المؤمنين بترك مشابهة الكافرين في كل أمر، ومن ذلك خطابهم للنبي ﷺ بلفظ (راعنا)، وأدبهم تعالى بترك سؤال النبي ﷺ عما لم يقع وعما فيه تضييق على المسلمين في مسكوت عنه ونحو ذلك، مبيناً مع ذلك أنه تعالى على كل شيء قدير، وهو المتصرف في الكون، وله الحكمة البالغة في إقرار الأحكام ونسخها، رعاية لمصالح عباده.
стр. 360
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا)
стр. 361
النهي عن التشبه بالكفار
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ * مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة:١٠٤ - ١٠٥]].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [نهى الله عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وأفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص، عليهم لعائن الله، فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا، يقولوا: راعنا، ويورون بالرعونة، كما قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:٤٦]].
الرعونة: ضعف العقل، فاليهود قبحهم الله يقولون: راعنا، أي: اسمع وانتبه لنا، وهم يقصدون الرعونة، وهي ضعف العقل، فالله تعالى نهى المؤمنين عن هذه الكلمة المؤلمة حتى لا يشابهوا اليهود، فقال: (لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا)؛ لأن (راعنا) فيها إيهام، وأما (انظرنا) فليس فيها إيهام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلموا إنما يقولون: السام عليكم، والسام هو الموت، ولهذا أمرنا أن نرد عليهم بـ: (وعليكم)، فإنما يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا، والغرض أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولاً وفعلاً فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٠٤].
وقال الإمام أحمد: أخبرنا أبو النضر قال: أخبرنا عبد الرحمن بن ثابت قال: أخبرنا حسان بن عطية عن أبي منيب الجرشي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم)].
والحديث فيه عبد الرحمن بن ثابت بن الدرغام الموصلي، وهو ضعيف، قال ابن حجر ﵀: عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان العنسي الدمشقي تغير في آخر عمره.
وهذا الحديث ثابت، فله شواهد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى أبو داود عن عثمان بن أبي شيبة عن أبي النضر هاشم قال: أخبرنا ابن قاسم به: (من تشبه بقوم فهو منهم)] قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ففيه دلالة على النهي الشديد والتهديد والوعيد على التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم ولباسهم وأعيادهم وعباداتهم وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا ولا نقر عليها].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأقل أحوال هذا الحديث أنه يفيد التحريم، وإلا فظاهره يفيد الكفر، فلا يجوز للمسلمين التشبه بالكفار في أقوالهم أو أفعالهم أو لباسهم أو أعيادهم أو تقاليدهم، ومن ذلك مشابهتهم في قولهم: (راعنا)، فنهاهم الله عن التشبه بهم فيما هو خاص بهم.
وأما عادة الكافرين فإنه إذا فعلها المسلمون كلهم فذلك ممكن، وأما إذا فعلها بعض الأفراد ممنوع.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي قال: أخبرنا نعيم بن حماد قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك أخبرنا مسعر عن ابن معن وعون -أو أحدهما- أن رجلاً أتى عبد الله بن مسعود ﵁ فقال: اعهد إلي، فقال: إذا سمعت الله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فارعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه.
وقال الأعمش عن خيثمة قال: ما تقرءون في القرآن: (يا أيها الذين آمنوا) فإنه في التوراة: (يا أيها المساكين)].
(ما) في قوله: (ما تقرءون) بمعنى: الذي، أي: الذي تقرءونه في القرآن: (يا أيها الذين آمنوا) هو في التوراة: (يا أيها المساكين).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير -أو عكرمة - عن ابن عباس ﵄: (راعنا) أي: أرعنا سمعك، وقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة:١٠٤] قال: كانوا يقولون للنبي ﷺ : أرعنا سمعك، وإنما (راعنا) كقولك: أعطنا.
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي العالية وأبي مالك والربيع بن أنس وعطية العوفي وقتادة نحو ذلك، وقال مجاهد: (لا تقولوا راعنا): لا تقولوا خلافاً، وفي رواية: لا تقولوا اسمع منا ونسمع منك.
وقال عطاء: (لا تقولوا راعنا) كانت لغة تقولها الأنصار فنهى الله عنها، وقال الحسن: (لا تقولوا راعنا) قال: الراعن من القول السخري منه، نهاهم الله أن يسخروا من قول محمد ﷺ وما يدعوهم إليه من الإسلام، وكذا روي عن ابن جريج أنه قال مثله.
وقال أبو صخر: ﴿لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا﴾ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أدبر ناداه من كانت له حاجة من المؤمنين فيقول: أرعنا سمعك، فأعظم الله رسوله ﷺ أن يقال ذلك له).
وقال السدي: كان رجل من اليهود من بني قينقاع يدعى رفاعة بن زيد يأتي النبي ﷺ فإذا لقيه فكلمه قال: أرعني سمعك واسمع غير مسمع، وكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تفخم بهذا، فكان ناس منهم يقولون: اسمع غير مسمع غير صاغر، وهي كالتي في سورة النساء، فتقدم الله إلى المؤمنين أن لا يقولوا: راعنا، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بنحو من هذا.
قال ابن جرير: والصواب من القول في ذلك عندنا أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه ﷺ : (راعنا)؛ لأنها كلمة كرهها الله تعالى أن يقولها لنبيه ﷺ ، نظير الذي ذكر عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تقولوا للعنب: الكرم، ولكن قولوا: الحبلة، ولا تقولوا: عبدي، ولكن قولوا: فتاي)، وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٠٥] يبين بذلك تعالى شدة عداوة الكافرين من أهل الكتاب والمشركين الذين حذر الله تعالى من مشابهتهم للمؤمنين؛ ليقطع المودة بينهم وبينهم، ونبه تعالى على ما أنعم به على المؤمنين من الشرع التام الكامل الذي شرعه لنبيه محمد ﷺ ، حيث يقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة:١٠٥]].
هذا فيه بيان شدة عداوة أهل الكتاب والمشركين للمؤمنين، وأنهم يودون قطع المدد من السماء عن المؤمنين، وقطع أسباب الخير والرحمة.
стр. 362
تفسير قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها)
قال الله تعالى: [قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة:١٠٦ - ١٠٧].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: (ما ننسخ من آية): ما نبدل من آية، وقال ابن جريج عن مجاهد: (ما ننسخ من آية) أي: ما نمحو من آية، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: (ما ننسخ من آية) قال: نثبت خطها ونبدل حكمها، حدث به عن أصحاب عبد الله بن مسعود ﵃، وقال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي العالية ومحمد بن كعب القرظي نحو ذلك، وقال الضحاك: (ما ننسخ من آية): ما ننسك، وقال عطاء: أما (ما ننسخ) فما نترك من القرآن، وقال ابن أبي حاتم يعني: ترك فلم ينزل على محمد ﷺ ، وقال السدي: (ما ننسخ من آية) نسخها: قبضها، وقال ابن أبي حاتم يعني: قبضها ورفعها، مثل قوله: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) وقوله: (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثاً).
وقال ابن جرير: (ما ننسخ من آية): ما ننقل من حكم آية إلى غيره فنبدله ونغيره، وذلك أن يحول الحلال حراماً، والحرام حلالاً، والمباح محظوراً، والمحظور مباحاً، ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي، والحظر والإطلاق، والمنع والإباحة، فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ.
وأصل النسخ: من نسخ الكتاب، وهو نقله من نسخة إلى أخرى غيرها، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره إنما هو تحويله ونقل عبارة إلى غيرها، وسواء نسخ حكمها أو خطها؛ إذ هي في كلتا حالتيها منسوخة].
هذه الآية الكريمة فيها إطلاق النسخ، وأن الله ينسخ ما يشاء من الآيات لحكمة بالغة، وبين أنه إذا نسخها أتى بخير منها، وله الحكمة البالغة، وهو أعلم بمصالح عباده، واليهود ينكرون النسخ ويقولون: إنه يلزم منه البداء على الله، وهو أن يظهر لله الشيء بعد أن كان خفياً، ولذلك أنكروا النسخ، وهذا من جهلهم وضلالهم، فالنسخ فيه حكم ومصالح للعباد، والله تعالى عليم بمصالح عباده، ولهذا قال سبحانه: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١٠٦ - ١٠٧].
стр. 363
تعريف النسخ وأقسامه
النسخ في اللغة: يطلق على الإزالة، ويطلق على النقل، يقال: نسخت الشمس الظل: إذا أزالته، ويقال: نسخ ما في الكتاب: إذا نقل ما فيه، والنسخ موجود في القرآن، وموجود في السنة المطهرة، وقد تنسخ الآية لفظاً ويبقى حكمها، كما نسخت: (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم) فنسخ لفظها وبقي حكمها، والمراد بالشيخ: المتزوج إذا زنا، فإنه يرجم بالحجارة حتى يموت، كما في حديث عبادة بن الصامت ﵁: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الجلد والرجم).
وقد ينسخ الحكم ويبقى اللفظ، كنسخ آية تربص المرأة المتوفى عنها زوجها حولاً كاملاً بآية التربص أربعة أشهر وعشرة أيام، فنسخ حكمها ولفظها باق، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة:٢٤٠] نسخ حكمها بآية: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤].
وقد يكون النسخ إلى بدل، كما في هاتين الآيتين، وكما في آية المصابرة، فقد نسخ الله تعالى مصابرة المسلم الواحد لعشرة إلى حكم أخف، بأن يصابر الواحد اثنين، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال:٦٥] فكان المسلم يجب عليه أن يقف أمام عشرة أولاً، ثم خفف الله ذلك، فنزلت بعدها: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٦].
فقد يكون النسخ إلى ما هو أخف كما في هاتين الآيتين، وقد يكون النسخ إلى ما هو أثقل، وقد يكون النسخ إلى مماثل، كنسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.
وقد يكون النسخ إلى غير بدل، كنسخ الصدقة عند مناجاة النبي ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ [المجادلة:١٢] ثم نسخت إلى غير بدل، والله تعالى له الحكمة البالغة.
وقد ينسخ الحكم قبل التمكن من العمل به، فقد فرض الله الصلاة خمسين صلاة على نبينا الكريم ﵊ ليلة المعراج، ثم نسخها الله إلى خمس صلوات قبل تمكن العباد من الفعل فضلاً وإحساناً، فله الحكمة البالغة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما علماء الأصول فاختلفت عباراتهم في حد النسخ، والأمر في ذلك قريب؛ لأن معنى النسخ الشرعي معلوم عند العلماء.
ولخص بعضهم أنه رفع الحكم بدليل شرعي متأخر، فاندرج في ذلك نسخ الأخف بالأثقل وعكسه، والنسخ لا إلى بدله، وأما تفاصيل أحكام النسخ وذكر أنواعه وشروطه فمبسوطة في أصول الفقه].
وقد يقال: ما حرم الله على بني إسرائيل الطيبات إلا بسبب تعنتهم، فنسخ الله الحل إلى التحريم، مثل قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِه﴾ [آل عمران:٩٣]، فقد كان حرم على نفسه لحم الإبل، وقوله فيمن صدوا عن سبيل الله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء:١٦٠]، وكذلك حرم الله عليهم الشحوم بسبب تعنتهم، فنسخ الله الحل إلى التحريم فقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام:١٤٦].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الطبراني: أخبرنا أبو سنبل عبيد الله بن عبد الرحمن بن واقد أخبرنا أبي أخبرنا العباس بن الفضل عن سليمان بن أرقم عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: قرأ رجلان سورة أقرأهما رسول الله ﷺ ، فكانا يقرآن بها، فقاما ذات ليلة يصليان فلم يقدرا منها على حرف، فأصبحا غاديين إلى رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له، فقال رسول الله ﷺ : (إنها مما نسخ وأنسي، فالهوا عنها)].
قوله: (فالهوا عنها) أي: تشاغلوا عنها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فكان الزهري يقرؤها: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة:١٠٦] بضم النون الخفيفة، سليمان بن الأرقم ضعيف].
أي أن السند ضعيف؛ لأجل سليمان بن الأرقم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد روى أبو بكر بن الأنباري عن أبيه عن نصر بن داود عن أبي عبيد الله عن عبد الله بن صالح عن الليث عن يونس وعقيل عن ابن شهاب عن أمامة بن سهل بن حنيف مثله مرفوعا، ذكره القرطبي.
وقوله تعالى: (أو ننسها) قرئ على وجهين: (ننسأها) و (ننسها)، فأما من قرأها بفتح النون والهمزة بعد السين فمعناه: نؤخرها، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (ما ننسخ من آية أو ننسها) يقول: ما نبدل من آية أو نتركها لا نبدلها، وقال مجاهد عن أصحاب ابن مسعود: (أو ننسأها): نثبت خطها ونبدل حكمها.
وقال عبيد بن عمير ومجاهد وعطاء: (أو ننسأها): نؤخرها ونرجئها، وقال عطية العوفي: (أو ننسأها): نؤخرها فلا ننسخها، وقال السدي مثله أيضا، وكذا الربيع بن أنس، وقال الضحاك: (ما ننسخ من آية أو ننسأها) يعني: الناسخ والمنسوخ، وقال أبو العالية: (ما ننسخ من آية أو ننسأها): نؤخرها عندنا.
وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا عبيد الله بن إسماعيل البغدادي أخبرنا خلف أخبرنا الخفاف عن إسماعيل -يعني: ابن أسلم - عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خطبنا عمر ﵁ فقال: يقول الله : ((ما ننسخ من آية أو ننسأها)) أي: نؤخرها.
وأما على قراءة (أو ننسها) فقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: (ما ننسخ من آية أو ننسها) قال: كان الله ينسي نبيه ﷺ ما يشاء وينسخ ما يشاء.
وقال ابن جرير: أخبرنا سواد بن عبد الله أخبرنا خالد بن الحارث أخبرنا عوف عن الحسن أنه قال في قوله: (أو ننسها) قال: إن نبيكم ﷺ قرأ قرآنا ثم نسيه.
وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي أخبرنا ابن نفيل أخبرنا محمد بن الزبير الحراني عن الحجاج -يعني: الجزري -عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: كان مما ينزل على النبي ﷺ الوحي بالليل وينساه بالنهار، فأنزل الله : ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦].
وقال ابن أبي حاتم: قال لي أبو جعفر بن نفيل: ليس هو الحجاج بن أرطاة، هو شيخ لنا جزري].
وقال عبيد بن عمير: (أو ننسها): نرفعها من عندكم.
وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم أخبرنا هشيم عن يعلى بن عطاء عن القاسم بن ربيعة قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقرأ: (ما ننسخ من آية أو تنسها)، قال: قلت له: فإن سعيد بن المسيب يقرأ: (أو ننساها)، قال: فقال سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيب، ولا على آل المسيب، قال: قال الله جل ثناؤه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾ [الأعلى:٦]، ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٤]، وكذا رواه عبد الرزاق عن هشيم، وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث أبي حاتم الرازي، عن آدم عن شعبة عن يعلى بن عطاء به، وقال على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن محمد بن كعب وقتادة وعكرمة نحو قول سعيد.
وقال الإمام أحمد: أخبرنا يحيى أخبرنا سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر ﵁: علي
стр. 364
بيان معنى قوله تعالى: (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة:١٠٦ - ١٠٧]، يرشد عباده تعالى بهذا إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الخلق والأمر وهو المتصرف، فكما خلقهم كما يشاء، ويسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، ويصح من يشاء، ويمرض من يشاء، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء، كذلك يحكم في عباده بما يشاء].
هذا مبني على الحكمة البالغة، فهو يوفق من يشاء، ويخذل من يشاء، ويصح من يشاء، ويمرض من يشاء، ويحيي من يشاء، ويميت من يشاء، لما له من الحكمة البالغة، والله يفعل لحكمة، ويخلق لحكمة، ويأمر لحكمة، وينهى لحكمة، وهو الحكيم الخبير ، ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [يوسف:٦]، وهذا خلاف لأهل البدع من الأشاعرة وغيرهم الذين أنكروا الحكمة، وقالوا: إنه يفعل لمجرد المشيئة، فالجبرية من الأشاعرة يقولون: لا توجد حكمة، فهو يفعل لمجرد الإرادة فقط، وقالوا: إن المشيئة لله تخبط خبط عشواء، فهي تجمع بين المختلفات وتفرق بين المتماثلات، فلا توجد حكمة، بل يفعل بالإرادة، نسأل الله السلامة والعافية، وهذا من أبطل الباطل، فالله تعالى أفعاله مبنية على الحكمة، وأوامره مبنية على الحكمة، وخلقه مبني على الحكمة، فهو يخلق لحكمة، ويؤمر لحكمة، وينهى لحكمة.
قال ابن جرير الطبري: وأولى القراءات في قوله: (أو ننسها) بالصواب من قرأ (أو ننسها) بمعنى (نتركها)؛ لأن الله جل ثناؤه أخبر نبيه ﷺ أنه مهما بدل حكماً أو غيره، أو لم يبدله ولم يغيره فهو آتيه بخير منه أو بمثله، فالذي هو أولى بالآية -إذا كان ذلك معناها- أن يكون إذا قدم الخبر عما هو صانع إذا هو غير وبدل حكم آية أن يعضد ذلك بالخبر عما هو صانع إذ هو لم يبدل ذلك ولم يغير، فالخبر الذي يجب أن يكون عقيب قوله: (ما ننسخ من آية) قوله: أو نترك نسخها؛ إذ كان ذلك المعروف لجعله كلام الناس، مع أن ذلك إذا قرء كذلك بالمعنى الذي وصفت فهو يشتمل على معنى الإنشاء الذي هو بمعنى الترك، ومعنى النساء الذي هو بمعنى التأخير].
قراءة حفص: (أو ننسها)؛ فيها معنى (ننسيها) وفيها معنى النسيئة، أي: (نؤخرها) فتشمل الأمرين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كذلك يحكم في عباده بما يشاء، فيحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ويبيح ما يشاء، ويحظر ما يشاء، وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها تعالى، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى، فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره، واتباع رسله في تصديق ما أخبروا، وامتثال ما أمروا، وترك ما عنه زجروا، وفي هذا المقام رد عظيم، وبيان بليغ لكفر اليهود وتزييف شبهتهم -لعنهم الله- في دعوى استحالة النسخ إما عقلاً كما زعمه بعضهم جهلاً وكفراً، وإما نقلاً كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكاً].
стр. 365
قول اليهود في النسخ
أنكر اليهود -قبحهم الله- النسخ وقالوا: إنه غير ممكن؛ لأنه يلزم منه نسبة الجهل إلى الله تعالى، وأن الله كان جاهلاً ثم علم، وإلا فلماذا ينسخ؟! فاعترضوا على الله، وقالوا: لا ينسخ إلا الجاهل الذي لا يعلم، وأما العالم فلا يحتاج إلى النسخ، بل يشرع من أول الأمر ولا ينسخ؛ لأنه عالم بالعواقب، فقالوا: يلزم منه البداء على الله، وهذا من جهلهم وضلالهم وإنكارهم لآيات الله، فالله تعالى ينسخ لحكمة، وهو يعلم بأحوال عباده.
فالشرائع من عهد آدم ﵊ إلى زمن نبينا ﷺ تختلف، فقد كان في شريعة آدم أن الأخ يتزوج أخته، لكن من البطن الآخر، فكانت حواء تأتي بذكر وأنثى في كل حمل، فهذان الذكر والأنثى اللذان يكونان في بطن واحد أخوان يحرم عليهما أن يتزوج أحدهما الآخر، لكن يجوز له أن يتزوج من بطن آخر؛ حتى يكثر الناس، ثم حرم الله الزواج بالأخت، وفي شريعة يعقوب ﵊ كان يجوز الجمع بين الأختين، وفي شريعة التوراة: يجب على القاتل القصاص، وفي شريعة الإنجيل تجب الدية، ولهذا جاء في شريعة الإنجيل: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر، وفي شريعة نبينا محمد ﷺ -التي هي أكمل الشرائع- يخير أولياء القتيل بين القصاص وبين العفو إلى الدية وبين العفو مجاناً، فأحوال الناس تختلف من عصر إلى عصر، فالله تعالى يشرع لعباده ما يناسب حالهم ثم ينسخ ذلك؛ لما يعلمه من المصلحة لهم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال الإمام أبو جعفر بن جرير ﵀: فتأويل الآية: ألم تعلم -يا محمد- أن لي ملك السماوات والأرض وسلطانهما دون غيري، أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وأنهى عما أشاء، وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي بما أشاء إذ أشاء، وأقر فيهما ما أشاء.
ثم قال: وهذا الخبر وإن كان خطاباً من الله تعالى لنبيه ﷺ على وجه الخبر عن عظمته فإنه منه جل ثناؤه تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة السلام، لمجيئهما بما جاءا به من عند الله بتغيير ما غير الله من حكم التوراة، فأخبرهم الله أن له ملك السماوات والأرض وسلطانهما، وأن الخلق أهل مملكته وطاعته وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرهم بما يشاء، ونهيهم عما يشاء، ونسخ ما يشاء، وإقرار ما يشاء، وإنشاء ما يشاء من إقراره وأمره ونهيه.
قلت: الذي يحمل اليهود على البحث في مسألة النسخ إنما هو الكفر والعناد، فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله تعالى؛ لأنه يحكم ما يشاء كما أنه يفعل ما يريد، مع أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدمة وشرائعه الماضية، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه ثم حرم ذلك، وكما أباح لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات ثم نسخ حل بعضها، وكان نكاح الأختين مباحاً لإسرائيل وبنيه وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها، وأمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده ثم نسخه قبل الفعل، وأمر جمهور بني إسرائيل بقتل من عبد العجل منهم ثم رفع عنهم القتل؛ كيلا يستأصلهم القتل، وأشياء كثيرة يطول ذكرها وهم يعترفون بذلك ويصدفون عنه، وما يجاب به عن هذه الأدلة بأجوبة لفظية فلا يصرف الدلالة في المعنى؛ إذ هو المقصود، وكما في كتبهم مشهوراً من البشارة بمحمد ﷺ والأمر باتباعه فإنه يفيد وجوب متابعته ﵊، وأنه لا يقبل عمل إلا على شريعته، وسواء قيل إن الشرائع المتقدمة مغياة إلى بعثته ﵊، فلا يسمى ذلك نسخاً لقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]].
قوله: [مغياة]، أي: غايتها ونهايتها أن يعمل بها إلى بعثة محمد ﵊.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقيل: إنها مطلقة، وإن شريعة محمد ﷺ نسختها، فعلى كل تقدير فوجوب متابعته متعين؛ لأنه جاء بكتاب هو آخر الكتب عهداً بالله ﵎، ففي هذا المقام بين تعالى جواز النسخ رداً على اليهود -عليهم لعنة الله- حيث قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة:١٠٦ - ١٠٧]، فكما أن له الملك بلا منازع، فكذلك له الحكم بما يشاء: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤].
وقرر في سورة آل عمران التي نزل صدرها خطاباً مع أهل الكتاب وقوع النسخ في قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِه﴾ [آل عمران:٩٣] الآية، كما سيأتي تفسيره].
وهذا مثال للنسخ إلى الأثقل.
стр. 366
إنكار أبي مسلم الأصبهاني للنسخ، والرد عليه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمسلمون كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام الله تعالى؛ لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وكلهم قالوا بوقوعه، وقال أبو مسلم الأصبهاني المفسر: لم يقع شيء من ذلك في القرآن، وقوله ضعيف مردود مرذول، وقد تعسف في الأجوبة عما وقع من النسخ، فمن ذلك قضية العدة بأربعة أشهر وعشر بعد الحول، لم يجب عن ذلك بكلام مقبول، وقضية تحويل القبلة إلى الكعبة عن بيت المقدس، لم يجب بشيء، ومن ذلك نسخ مصابرة المسلم لعشرة من الكفرة إلى مصابرة الاثنين، ومن ذلك نسخ وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول ﷺ ، وغير ذلك، والله أعلم.
стр. 367
تفسير قوله تعالى: (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل)
قال الله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة:١٠٨].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [نهى الله تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة عن كثرة سؤال النبي ﷺ عن الأشياء قبل كونها، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة:١٠١] أي: وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها تبين لكم، ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه، فلعله أن يحرم من أجل تلك المسألة، ولهذا جاء في الصحيح: (إن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته) ولما سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد مع امرأته رجلاً فإن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك، فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها، ثم أنزل الله حكم الملاعنة، ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة: (أن رسول الله ﷺ كان ينهى عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال)، وفي صحيح مسلم: (ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه).
وهذا إنما قاله بعد ما أخبرهم أن الله كتب عليهم الحج، فقال رجل: (أكل عام يا رسول الله؟! فسكت عنه رسول الله ﷺ ثلاثاً، ثم قال ﵊: لا، ولو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم) الحديث، ولهذا قال أنس بن مالك: نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يأتي الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع].
الأسئلة التي نهي عنها هي الأسئلة عن الأمور التي لم تقع، فتحرم من أجل المسألة، أو أن يسأل عن أشياء فيها تعنت، أو فيها تفصيلات ليست مطلوبة وقد كان الناس في عافية منها، مثل سؤال هذا الرجل عندما قال: أكلَّ عام يا رسول الله؟ وهذا تفصيل مسكوت عنه.
ومثلما سأل بنو إسرائيل موسى في قصة البقرة، فإنهم تعنتوا وشددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، وذلك لأنهم سألوا عن البقرة: ما هي؟ ثم سألوا عن لونها، ثم قالوا: (إن البقر تشابه علينا).
وفي كل مرة تذكر لهم أوصاف ويشدد عليهم.
أما إذا سأل الإنسان عن شيء يحتاج إليه في دينه -مثل الصلاة، أو الزكاة أو الصوم أو الحج- ولم يكن السؤال عن شيء لم يقع، ولا سأل عن تفاصيل غير مشروعة، ولا سأل سؤال إعنات المسئول من أجل إيقاعه في العنت والعجز، وإنما سأل للاسترشاد في شيء مشروع؛ فهذا لا بأس به.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: أخبرنا أبو كريب أخبرنا إسحاق بن سليمان عن أبي سنان عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: إن كان ليأتي علي السنة أريد أن أسأل رسول الله ﷺ عن الشيء فأتهيب منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب].
كان الصحابة عندهم هيبة عظيمة من النبي ﷺ ، أما الأعراب فهم بعيدون عن النبي ﷺ ، وفيهم جفاء، ولا يبالون بما يقولون، فكانوا يسألون والصحابة يستفيدون، فكان الصحابة يتمنون أن يأتي البدوي يسأل وهم يسمعون جواب النبي ﷺ له فيستفيدون منه.
ولما قال لهم النبي ﷺ في بعض المواقف: (سلوني سلوني) فهابوه، أرسل الله جبرائيل فجاء في صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، فسأل عن الإسلام، ثم سأل عن الإيمان، ثم سأل عن الإحسان، ثم سأل عن الساعة وعن أماراتها، والصحابة يسمعون، فكان هذا الحديث حديثاً عظيماً في بيان الإسلام والإيمان والإحسان، بين فيه النبي ﷺ أن الدين مبني على ثلاث مراتب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال البزار: أخبرنا محمد بن المثنى أخبرنا ابن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما رأيت قوما خيراً من أصحاب محمد ﷺ ؛ ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة كلها في القرآن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة:٢١٩]، و: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:٢١٧]، و: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة:٢٢٠]، يعني هذا وأشباهه].
وقوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة:١٠٨] أي: بل تريدون، أو هي على بابها في الاستفهام، وهو إنكاري، وهو يعم المؤمنين والكافرين؛ فإنه ﵊ رسول الله إلى الجميع، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء:١٥٣] قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رافع بن حريملة ووهب بن زيد: (يا محمد! ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه، وفجر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك، فأنزل الله من قولهم: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة:١٠٨])].
معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ﴾ أي: اختار الكفر على الإيمان، وليس المراد أنه ينتقل، بل المراد أنه يتبدل بما لا يعتاض عنه، فاختار الكفر بدل الإيمان، وهذا واقع المشركين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل) قال: (قال رجل: يا رسول الله! لو كانت كفارتنا ككفارات بني إسرائيل؟ فقال النبي ﷺ : اللهم لا نبغيها -ثلاثاً-، ما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها، فإن كفرها كانت له خزياً في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزياً في الآخرة، فما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل، قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١١٠])، وقال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن)، وقال: (من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت سيئة واحدة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة، وإن عملها كتبت له عشر أمثالها، ولا يهلك على الله إلا هالك)، فأنزل الله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة:١٠٨] وقال مجاهد: (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل) أي: يريهم الله جهرة، قال: سألت قريش محمداً ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهباً قال: نعم، وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل، فأبوا ورجعوا.
وعن السدي وقتادة نحو هذا، والله أعلم.
والمراد أن الله ذم من سأل الرسول ﷺ عن شيء على وجه التعنت والاقتراح، كما سألت بنو إسرائيل موسى ﵇ تعنتاً وتكذيباً وعناداً، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَان﴾ [البقرة:١٠٨] أي: من يشتر الكفر بالإيمان ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة:١٠٨]، أي: فقد خرج عن الطريق المستقيم إلى الجهل والضلال، وهكذا حال الذين عدلوا عن تصديق الأنبياء واتباعهم والانقياد لهم إلى مخالفتهم وتكذيبهم والاقتراح عليهم بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها على وجه التعنت والكفر، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم:٢٨ - ٢٩]، وقال أبو العالية: يتبدلوا الشدة بالرخاء].
(يشتري) بمعنى: (يعتاض)، أي: يأخذ هذا عوضاً عن هذا، كما يأخذ المشتري السلعة، ويأخذ البائع الثمن، وسؤال قريش لرسول الله ﷺ بأن يجعل لهم الصفا ذهباً من قبيل التعنت والاقتراح.
стр. 368
تفسير سورة البقرة [١٠٩ - ١١٤]
لا يزال الكافرون على مر الأزمان يضمرون العداوة للمسلمين ويريدون أن ينالوا منهم، ولا يريدون لهم الخير.
وقد أمر المسلمون في بداية الأمر بالعفو عنهم، ثم لما قووا أمرهم الله بقتال الكفار حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
وقد أخبر الله سبحانه أنه لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ومن ذلك ما حصل من مشركي مكة حينما صدوا النبي ﷺ ومن معه عن المسجد الحرام، لكن الله وعد المسلمين بأنه سيظهرهم عليهم حتى إنهم لن يدخلوا بلاد الإسلام إلا خائفين أذلاء صاغرين.
стр. 369
تفسير قوله تعالى: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً)
قال الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة:١٠٩ - ١١٠].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [يحذر الله تعالى عباده المؤمنين عن سلوك طريق الكفار من أهل الكتاب ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر، وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم، ويأمر عباده المؤمنين بالصفح والعفو أو الاحتمال حتى يأتي أمر الله من النصر والفتح، ويأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ويحثهم على ذلك ويرغبهم فيه.
كما قال محمد بن إسحاق حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: كان حيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسداً إذ خصهم الله برسوله ﷺ ، وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام ما استطاعا فأنزل الله فيهما: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم) الآية.
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري في قوله تعالى: (ود كثير من أهل الكتاب) قال: هو كعب بن الأشرف اليهودي.
وقال ابن أبي حاتم: حدثني أبي، حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعراً وكان يهجو النبي ﷺ ، وفيه أنزل الله: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم) إلى قوله: (فاعفوا واصفحوا)، وقال الضحاك عن ابن عباس: إن رسولاً أمياً يخبرهم بما في أيديهم من الكتب والرسل والآيات ثم يصدق بذلك كله مثل تصديقهم ولكنهم جحدوا ذلك كفراً وحسداً وبغياً.
وكذلك قال الله تعالى: ﴿كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩] يقول: من بعد ما أضاء لهم الحق لم يجهلوا منه شيئاً، ولكن الحسد حملهم على الجحود فعيرهم ووبخهم ولامهم أشد الملامة، وشرع لنبيه ﷺ وللمؤمنين ما هم عليه من التصديق والإيمان والإقرار بما أنزل الله عليهم وما أنزل من قبلهم بكرامته وثوابه الجزيل ومعونته لهم.
وقال الربيع بن أنس: (من عند أنفسهم) من قبل أنفسهم، وقال أبو العالية: (من بعد ما تبين لهم الحق) من بعد ما تبين أن محمداً رسول الله يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، فكفروا به حسداً وبغياً إذ كان من غيرهم، وكذا قال قتادة والربيع بن أنس والسدي.
وقوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة:١٠٩] مثل قوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران:١٨٦].
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره): نسخ ذلك قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥]، وقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة:٢٩] إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩] فنسخ هذا عفوه عن المشركين، وكذا قال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة والسدي: إنها منسوخة بآية السيف، ويرشد إلى ذلك أيضا قوله تعالى: (حتى يأتي الله بأمره)].
في هذه الآية الكريمة بيان فضل الله تعالى وإحسانه إلى عباده المؤمنين حيث أخبرهم بعداوة أعدائهم من اليهود والنصارى وسائر المشركين، وأنهم لا يودون الخير للمسلمين، وإنما يودون أن يعودوا كفاراً مثلهم فيدخلون معهم النار نسأل الله العافية؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ﴾ [البقرة:١٠٩] لا عن جهل بل عن بصيرة: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩] هذا هو حال الكفرة من اليهود والنصارى والمشركين فهم لا يودون الخير للمسلمين وإنما يودون أن يكونوا مثلهم، ولا يرضون عنهم حتى يساووهم في الكفر؛ ولهذا قال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] وقال سبحانه في هذه الآية: ((وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ)) أي: من قبل أنفسهم ((مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ)) فاليهود والنصارى أنزل الله عليهم الكتب، أنزل الله على موسى التوراة، وأنزل على عيسى الإنجيل، فقرأ اليهود والنصارى التوراة والإنجيل فعرفوا نبي هذه الأمة، وعرفوا أن المسلمين على الحق ولكن لوجود البغي والحسد في أنفسهم صاروا يكيدون على الإسلام وأهله.
فالله تعالى أخبر عباده بعداوة اليهود والنصارى للإسلام والمسلمين، يقول الله تعالى عنهم في آية أخرى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩] أي: تكونون مثلهم، والكفرة يودون قطع أسباب المدد والخير عن المسلمين، وذلك من شدة حسدهم كما قال تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٠٥].
وهذا يفيد الحذر، وأنه ينبغي للمسلم أن يحذر من أعداء الله، ومن كيدهم ومخططاتهم ودسائسهم، ولا سيما في هذا العصر الذي جلب فيه الكفرة على المسلمين الغزو الفكري، حيث وجدت الفضائيات وشبكات الإنترنت التي تهدد الأسرة في عقر دارها، ينشرون عقائدهم، ويدعون الناس إلى أديانهم، وإلى أخلاقهم الخبيثة، كالتفسخ، والعري، والتشكيك في الإسلام وفي أهله وفي أصوله.
فهذا من البلاء والمصائب التي نزلت على الأمة الإسلامية فعظمت الفتنة والتبس الأمر على كثير من الناس، والنتيجة أنك ترى كثيراً من الناس يجتمع عنده الشبهات والشهوات.
فالشبهات تأتي بسبب الفتن التي تلقى في الصحف والمجلات، والإذاعات، والفضائيات، والشبكات، وكل هذه تنشر الفساد والعري والتفسخ.
والشهوات تأتي بسبب انفتاح الدنيا على الناس، ووجود المال بين أيديهم ولا حول ولا قوة إلا بالله، والمعصوم من عصمه الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد ﵁ أخبره قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى.
قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٠٩])].
هذه الآية فيها الأمر بالعفو والصفح حتى يتقوى المسلمون ويأذن الله لهم بالجهاد، فلما تقوى المسلمون شرع الله لهم الجهاد.
ففي مكة كان المسلمون قلة، ثم لما هاجروا إلى المدينة وتقووا وصارت لهم دولة وبلد أذن الله لهم بالجهاد، ففي أول الأمر قال تعالى: ((فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا))، وقوله: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ﴾ [الزخرف:٨٩] ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:١٠٦] ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] ثم لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة وقوي المسلمون أنزل الله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩] والقتال في هذه الآية لم يكن عزيمة وإنما رخصة.
ثم أذن الله في قتال من قاتل، والكف عمن لم يقاتل: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة:١٩١] ثم بعد ذلك جاء الأمر بالجهاد عام بدءاً وهجوماً ودفاعاً لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَد﴾ [التوبة:٥] وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:٥] وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة:٣٦].
فالجهاد شرع على مراحل: في بداية الأمر كان النبي مأموراً بالصفح والإعراض عنهم، ثم جاءت الرخصة في القتال، ثم أذن في القتال دفاعاً فقط، ثم شرع الجهاد بدءاً وهجوماً ودفاعاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(وكان رسول الله صل
стр. 370
تفسير قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة إن الله بما تعملون بصير)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٠] يحثهم تعالى على الاشتغال بما ينفعهم وتعود عليهم عاقبته يوم القيامة من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة حتى يمكن لهم الله النصر في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥٢]؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة:١١٠] يعني: أنه تعالى لا يغفل عن عمل عامل ولا يضيع لديه سواء كان خيراً أو شراً، فإنه سيجازي كل عامل بعمله.
وقال أبو جعفر بن جرير في قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)): هذا الخبر من الله للذين خاطبهم بهذه الآيات من المؤمنين أنهم مهما فعلوا من خير أو شر، سراً وعلانية فهو به بصير، لا يخفى عليه منه شيء فيجزيهم بالإحسان خيراً وبالإساءة مثلها، وهذا الكلام وإن كان قد خرج مخرج الخبر فإن فيه وعداً ووعيداً، وأمراً وزجراً؛ وذلك أنه أعلم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم ليجدوا في طاعته إذ كان ذلك مذخوراً لهم عنده حتى يثيبهم عليه كما قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّه﴾ [البقرة:١١٠] وليحذروا معصيته، قال: وأما قوله: (بصير) فإنه مبصر صرف إلى بصير كما صرف مبدع إلى بديع ومؤلم إلى أليم، والله أعلم].
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة:١١٠]: هذا خبر بأن من عمل خيراً فسيجده عند الله والله بصير بعمله، فالخبر هنا بمعنى الأمر والامتثال والنهي، والمعنى: امتثلوا الأوامر واجتنبوا النواهي فإن الله مجازيكم على أعمالكم؛ لأنه بصير بأعمالكم خبير بها، لا تخفى عليه أعمالكم، ولا أقوالكم، ولا نياتكم وسوف يجازي كلاً بعمله كما قال في آية أخرى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]، وقال: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢١٥]، وقال: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم أخبرنا أبو زرعة أخبرنا ابن بكير حدثني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يقرأ هذه الآية: (سميع بصير) يقول: (بكل شيء بصير))].
هذا الحديث في سنده ابن لهيعة وفيه ضعف، فالحديث لا يصح.
стр. 371
تفسير قوله تعالى: (وقالوا لن يدخل الجنة إلامن كان هوداً أو نصارى)
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة:١١١ - ١١٣].
قال المؤلف ﵀: [يبين الله تعالى اغترار اليهود والنصارى بما هم فيه؛ حيث ادعت كل طائفة من اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها، كما أخبر الله عنهم في سورة المائدة، أنهم قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨] فأكذبهم الله تعالى بما أخبرهم أنه معذبهم بذنوبهم، ولو كانوا كما ادعوا لما كان الأمر كذلك، وكما تقدم من دعواهم أنه لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة ثم ينتقلون إلى الجنة، ورد عليهم تعالى في ذلك، وهكذا قال لهم في هذه الدعوى التي ادعوها بلا دليل ولا حجة ولا بينة فقال: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة:١١١]، وقال أبو العالية: أماني يمنوها على الله بغير حق، وكذا قال قتادة والربيع بن أنس].
فالأماني إذا لم يكن عليها دليل تكون باطلة، كمن يتمنى شيئاً وهو لا يعمل له.
واليهود قالوا: لن يدخل الجنة إلا اليهود، والنصارى قالوا: لن يدخل الجنة إلا النصارى، وهذا تمنٍ؛ ولهذا قال الله لهم: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة:١١١] أي: هاتوا الدليل، وفي الآية الأخرى أخبر الله عن اليهود بقوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة:٨٠] وهي الأيام التي عبدوا فيها العجل فأكذبهم الله، وفي الآية الأخرى ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه فأكذبهم الله، فهذه دعاوى، وكل دعوى لا دليل عليها ولا برهان فهي باطلة، فلا بد من الدليل، وإذا كنتم أبناء الله وأحباؤه فاعملوا ما يقربكم إلى الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال تعالى: (قل) أي: يا محمد! (هاتوا برهانكم) قال أبو العالية ومجاهد والسدي والربيع بن أنس: حجتكم، وقال قتادة: بينتكم على ذلك، (إن كنتم صادقين) أي: فيما تدعونه].
стр. 372
تفسير قوله تعالى: (بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن)
قال المؤرلف رحمه الله تعالى: [ثم قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة:١١٢] أي: من أخلص العمل لله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران:٢٠] الآية، وقال أبو العالية والربيع: (بلى من أسلم وجهه لله).
يقول من أخلص لله، وقال سعيد بن جبير: (بلى من أسلم): أخلص، (وجهه): قال: دينه، (وهو محسن) أي: اتبع فيه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن للعمل المتقبل شرطين: أحدهما: أن يكون خالصاً لله وحده.
والآخر: أن يكون صواباً موافقاً للشريعة، فمتى كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يتقبل؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم من حديث عائشة عنه ﵊، فعمل الرهبان ومن شابههم وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله فإنه لا يتقبل منهم حتى يكون ذلك متابعاً للرسول ﷺ المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، وفيهم وأمثالهم قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور:٣٩]، وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية:٢ - ٥].
وروي عن أمير المؤمنين عمر ﵁ أنه تأولها في الرهبان كما سيأتي.
وأما إن كان العمل موافقاً للشريعة في الصورة الظاهرة ولكن لم يخلص عامله القصد لله تعالى؛ فهو أيضاً مردود على فاعله، وهذا حال المرائين والمنافقين كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢]، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٧]؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة:١١٢]، وقوله: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:١١٢]، ضمن لهم تعالى على ذلك تحصيل الأجور، وآمنهم مما يخافونه من المحذور (فلا خوف عليهم) فيما يستقبلونه (ولا هم يحزنون) على ما مضى مما يتركونه كما قال سعيد بن جبير: (فلا خوف عليهم) يعني: في الآخرة (ولا هم يحزنون) يعني: لا يحزنون للموت].
هذان الشرطان لا بد منهما في قبول العمل: الأول: أن يكون العمل موافقاً للشرع، والثاني: أن يكون خالصاً لله.
قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١١٢] هذه الآية فيها إخلاص العمل لله، فأسلم وجهه لله: أي: أخلص العمل لله، فلابد لكل عمل يعمله الإنسان من هذين الشرطين.
(وهو محسن) أي: صار عمله حسناً، والعمل الحسن هو: الموافق للشرع، قال سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف:١١٠] وقال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان:٢٢].
стр. 373
تفسير قوله تعالى: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء)
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة:١١٣] [أي: أن اليهود يعلمون أن التوراة حق من عند الله، وأن من عمل بها في زمن موسى ﵊ حتى جاء عيسى ﵊ فهو على الحق، وكذلك النصارى يعلمون أن الله أنزل الإنجيل على عيسى، وأن من آمن بعيسى حتى جاء محمد ﵊ فهو على الحق.
واليهود الذين في زمن النبي ﷺ ذمهم الله على هذه المقالة].
стр. 374
بيان معنى قوله تعالى: (كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة:١١٣]، بين بهذا جهل اليهود والنصارى فيما تقابلوا به من القول، وهذا من باب الإيماء والإشارة، وقد اختلف فيمن عني بقوله تعالى: (الذين لا يعلمون) فقال الربيع بن أنس وقتادة ((كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)) قالا: وقالت النصارى مثل قول اليهود وقيلهم، وقال ابن جريج: قلت لـ عطاء من هؤلاء الذين لا يعلمون؟ قال: أمم كانت قبل اليهود والنصارى وقبل التوراة والإنجيل.
وقال السدي ((كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)) فهم العرب، قالوا: ليس محمد على شيء، واختار أبو جعفر بن جرير أنها عامة تصلح للجميع، ليس ثم دليل قاطع يعين واحداً من هذه الأقوال والحمل على الجميع أولى والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة:١١٣] أي: أنه تعالى يجمع بينهم يوم المعاد، ويفصل بينهم بقضائه العدل الذي لا يجور فيه ولا يظلم مثقال ذرة، وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج:١٧]، وكما قال تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ:٢٦]].
فالله سوف يجمعهم يوم القيامة ويحكم بينهم بحكمه العدل ، ويجازيهم على أعمالهم، وحينئذ يزول الباطل والبهرج، ويظهر الحق وتظهر مخبئات الصدور، ويميز الله الخبيث من الطيب، ويعلم اليهود الذين ماتوا على الكفر أنهم على الباطل، وكذلك النصارى، وأنه ليس على الحق إلا من آمن بالله ورسله واتبع أنبياءه.
стр. 375
تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه)
стр. 376
أقوال المفسرين في المراد بالذين منعوا مساجد الله وسعوا في خرابها
يقول الله : [﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:١١٤].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [اختلف المفسرون في المراد من الذين منعوا مساجد الله وسعوا في خرابها على قولين: أحدهما: ما رواه العوفي في تفسيره عن ابن عباس في قوله: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ)) قال: هم النصارى، كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: ((وَسَعَى فِي خَرَابِهَا)) قال: هو بختنصر وأصحابه خرب بيت المقدس وأعانه على ذلك النصارى.
وقال سعيد عن قتادة: قال: أولئك أعداء الله النصارى حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس، وقال السدي: كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس حتى خربه وأمر أن تطرح فيه الجيف، وإنما أعانه الروم على خرابه من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا، وروى نحوه عن الحسن البصري.
القول الثاني: ما رواه ابن جرير قال: حدثني يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) قال: هؤلاء المشركون الذين حالوا بين رسول الله ﵌ يوم الحديبية وبين أن يدخل مكة حتى نحر هديه بذي طوى وهادنهم وقال لهم: (ما كان أحد يصد عن هذا البيت وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فلا يصده) فقالوا: لا يدخل علينا من قتل آباءنا يوم بدر وفينا باق.
وفي قوله: (وسعى في خرابها) قال: إذ قطعوا من يعمرها بذكره ويأتيها للحج والعمرة، وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن سلمة قال: قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن قريشاً منعوا النبي ﷺ الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام فأنزل الله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة:١١٤] ثم اختار ابن جرير القول الأول واحتج بأن قريشاً لم تسع في خراب الكعبة، وأما الروم فسعوا في تخريب بيت المقدس.
قلت: والذي يظهر والله أعلم القول الثاني كما قاله ابن زيد.
وروي عن ابن عباس: لأن النصارى إذا منعت اليهود الصلاة في البيت المقدس كان دينهم أقوم من دين اليهود].
قوله: (لأن النصارى إذا منعت اليهود) الأحسن أن يقال: (لأن النصارى إذ منعت) فـ (إذ) ظرف بمعنى حين، والتقدير: لأن النصارى حين منعوا اليهود قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكانوا أقرب منهم، ولم يكن ذكر الله من اليهود مقبولاً إذ ذاك؛ لأنهم لعنوا من قبل على لسان داود وعيسى ابن مريم؛ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون.
وأيضاً فإنه تعالى لما وجه الذم في حق اليهود والنصارى شرع في ذم المشركين الذين أخرجوا الرسول ﷺ وأصحابه من مكة ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام، وأما اعتماده على أن قريشاً لم تسع في خراب الكعبة فأي خراب أعظم مما فعلوا؟ أخرجوا عنها رسول الله ﷺ وأصحابه، واستحوذوا عليها بأصنامهم وأندادهم وشركهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٣٤] وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٧ - ١٨] وقال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:٢٥] فقال تعالى: ((إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ)) فإذا كان من هو كذلك مطروداً منها مصدوداً عنها فأي خراب لها أعظم من ذلك؟! وليس المراد من عمارتها زخرفتها، وإقامة صورتها فقط إنما عمارتها بذكر الله فيها، وإقامة شرعه فيها، ورفعها عن الدنس والشرك].
ذكر ابن كثير ﵀، المراد من الذين منعوا مساجد الله وسعوا في خرابها على قولين لأهل العلم: القول الأول: أن المراد بهم نصارى الروم حينما أعانوا بختنصر على تخريب بيت المقدس، وهذا اختيار ابن جرير ﵀، والمراد بالخراب: الخراب الحسي، خراب بيت المقدس.
والقول الثاني: أن المراد بهم كفار قريش الذين صدوا رسول الله ﷺ وأصحابه المؤمنين عن المسجد الحرام، وعن ذكر الله، ومنعوا المسلمين من العمرة، والمراد بالخراب: الخراب المعنوي وهذا هو الذي اختاره الحافظ ابن كثير.
وهذا هو الأصح؛ لأن الخراب الحقيقي هو الخراب المعنوي؛ والعمارة الحقيقية للمساجد إنما تكون بذكر الله وإقامة الصلاة فيها، وتعلم العلم وتعليمه وغير ذلك مما فيه قوام المسلمين.
وكان المسجد على عهد النبي ﷺ وعهد أصحابه هو المنطلق الذي تنطلق منه الجيوش، وكانوا يتشاورون فيه، ويتعلمون العلم، ويذكرون فيه اسم الله.
أما العمارة الحسية، فهذه لا بأس بها، ولو لم يجد الناس مسجداً للصلاة، فإنهم يصلون على الأرض، ويجعلون حاجزاً أو سترة.
فالخراب المعنوي ليس بسيطاً، فهو الخراب الحقيقي للمساجد المتمثل بتعطيلها عن ذكر الله، وعن الصلاة، وهذا من الصد عن ذكر الله.
وقد علل الحافظ ابن كثير لهذا القول بتعليلين: أولاً: أن الخراب المعنوي أشد من الخراب الحسي، والخراب المعنوي هو الخراب الحقيقي، وأما الخراب الحسي فهو تبع له، فإذا خرب المسجد أو هدم فإنه يبنى مرة أخرى، لكن الخراب المعنوي مصيبة.
وثانياً: سياق الآية يقتضي هذا وهو أن الله تعالى ذم اليهود والنصارى لقولهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة:١١٣] ثم جاء الذم لكفار قريش بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٤] فترتيب السياق يقتضي ذم اليهود والنصارى ثم ذم المشركين.
أما إذا كانت الآية بمعنى الخراب الحسي يكون معنى الآية تابعاً لذم اليهود والنصارى، والقاعدة: أن التأسيس مقدم على التأكيد، أي: تأسيس معنىً جديد، فتكون الآية قد أضافت معنىً جديداً غير المعنى السابق في الآية السابقة.
فعلى القول الأول الذي اختاره ابن جرير تكون الآية فيها ذم للنصارى كالآية التي قبلها وليس هناك معنىً جديداً، أما على القول الثاني فإن فيها معنىً جديداً وهو ذم الكفار والمشركين لصدهم المؤمنين عن سبيل الله وعن المسجد الحرام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ [البقرة:١١٤] هذا خبر معناه الطلب].
هذا الخبر مثل ما قاله ﵊: (ليس المسكين الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والأكلة والأكلتان، وإنما المسكين الذي لا يجد غناً يغنيه، ولا يقوم فيسأل الناس، ولا يسأل له فيتصدق عليه) المسكين: هو الذي يسأل الناس، فهذا يعطيه تمرة وهذا يعطيه لقمة، لكن أشد منه مسكنة هو الذي لا يقوم فيسأل الناس وليس عليه علامة الفقر، ولا يسأل له فيتصدق عليه، فيمتنع من السؤال لأجل الحياء.
والمراد من لفظة: (المساجد) هو كل مسجد إلى يوم القيامة؛ لأن النص عام ورد بصيغة الجمع، وتخصيصها ببعض المساجد وبعض الأشخاص ضعيف.
ومنع المساجد من ذكر الله في كل زمان لا شك أنه داخل في معنى هذه الآية.
стр. 377
بيان معنى قوله تعالى: (أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ [البقرة:١١٤] هذا خبر معناه الطلب، أي: لا تمكنوا هؤلاء إذا قدرتم عليهم من دخولها إلا تحت الهدنة والجزية؛ ولهذا لما فتح رسول الله ﷺ مكة أمر من العام القادم في سنة تسع أن ينادى برحاب منى: (ألا لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ومن كان له أجل فأجله إلى مدته) وهذا إذا كان تصديقاً وعملاً].
(إذا) زائدة تحذف، فتكون العبارة هكذا: (وهذا كان تصديقاً) لكن إذا حذفت، يستقيم المعنى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا كان تصديقاً وعملاً بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨]].
هذه الآية خبر بمعنى الأمر، والمعنى: إذا قدرتم عليهم فلا تمكنوهم من دخولها إلا خائفين، وحتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال بعضهم: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليها ويمنعوا المؤمنين منها، والمعنى: ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وغيرهم.
وقيل: إن هذا بشارة من الله للمسلمين أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخل المسجد الحرام أحد منهم إلا خائفاً يخاف أن يؤخذ فيعاقب أو يقتل إن لم يسلم، وقد أنجز الله هذا الوعد كما تقدم من منع المشركين من دخول المسجد الحرام، وأوصى رسول الله ﷺ أن لا يبقى بجزيرة العرب دينان، وأن يجلى اليهود والنصارى منها ولله الحمد والمنة، وما ذاك إلا تشريف أكناف المسجد الحرام].
قوله: (وما ذاك إلاتشريف) الصواب أن يقول: وما ذاك إلا لتشريف أكناف المسجد الحرام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وما ذاك إلا تشريف أكناف المسجد الحرام وتطهير البقعة التي بعث الله فيها رسوله إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً صلوات الله وسلامه عليه، وهذا هو الخزي لهم في الدنيا؛ لأن الجزاء من جنس العمل فكما صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام صدوا عنه، وكما أجلوهم من مكة أجلوا عنها ﴿وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:١١٤] على ما انتهكوا من حرمة البيت، وامتهنوه من نصب الأصنام حوله، ودعاء غير الله عنده والطواف به عرياً، وغير ذلك من أفاعيلهم التي يكرهها الله ورسوله، وأما من فسر بيت المقدس فقال كعب الأحبار].
الصواب أن يقول: وأما من فسره ببيت المقدس، وهذا هو القول الأول الذي اختاره ابن جرير وقد فسره بتخريب بيت المقدس كما فعل بختنصر، وهذا القول ضعيف.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما من فسر بيت المقدس فقال كعب الأحبار: إن النصارى لما ظهروا على بيت المقدس خربوه فلما بعث الله محمداً ﷺ أنزل عليه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ [البقرة:١١٤] الآية فليس في الأرض نصراني يدخل بيت المقدس إلا خائفاً.
وقال السدي: فليس في الأرض رومي يدخله اليوم إلا وهو خائف أن يضرب عنقه، أو قد أخيف بأداء الجزية فهو يؤديها، وقال قتادة: لا يدخلون المساجد إلا مسارقة.
قلت: وهذا لا ينفي أن يكون داخلاً في معنى عموم الآية فإن النصارى لما ظلموا بيت المقدس بامتهان الصخرة التي كانت تصلي إليها اليهود عوقبوا شرعاً وقدراً بالذلة فيه إلا في أحيان من الدهر أشحن بهم بيت المقدس.
وكذلك اليهود لما عصوا الله فيه أيضاً أعظم من عصيان النصارى كانت عقوبتهم أعظم، والله أعلم.
وفسر هؤلاء الخزي في الدنيا: بخروج المهدي عند السدي وعكرمة ووائل بن داود، وفسره قتادة بأداء الجزية عن يد وهم صاغرون، والصحيح أن الخزي في الدنيا أعم من ذلك كله، وقد ورد الحديث بالاستعاذة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة كما قال الإمام أحمد: أخبرنا الهيثم بن خارجة، أخبرنا محمد بن أيوب بن ميسرة بن حلبس قال: سمعت أبي يحدث عن بسر بن أرطأة].
قال: كان رسول الله ﷺ يدعو: (اللهم! أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة) وهذا حديث حسن، وليس في شيء من الكتب الستة، وليس لصحابيه وهو بشر بن أرطأة حديث سواه، وسوى حديث: (لا تقطع الأيدي في الغزو)].
وبسر قال عنه أبو داود: ثقة، وقال ابن عمار ثقة، وقال محمد بن سعيد والعجلي والبزار وابن حبان بأنه ثقة.
стр. 378
تفسير سورة البقرة الآية [١١٥]
يشرع للمسافر أن يصلي النافلة حيث توجهت به راحلته، كما يشرع لمن حضر القتال ودهمه العدو وقت المسايفة أن يصلي الفرض، ومن التبس عليه أمر القبلة فلم يدر إلى أين يتوجه فليتحر وليجتهد ثم ليصل، وإذا تبين خطؤه بعد ذلك فلا إعادة عليه، وهذا كله تيسيراً من الله لعباده ودفعاً للمشقة والحرج عنهم.
стр. 379
تفسير قوله تعالى: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله)
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١١٥].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هذا -والله أعلم- فيه تسلية للرسول ﷺ وأصحابه الذين أخرجوا من مكة وفارقوا مسجدهم ومصلاهم، وقد كان رسول الله ﷺ يصلي بمكة إلى بيت المقدس والكعبة بين يديه، فلما قدم المدينة وجه إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً، ثم صرفه الله إلى الكعبة بعد؛ ولهذا يقول تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ [البقرة:١١٥] قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الناسخ والمنسوخ: أخبرنا حجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس قال: أول ما نسخ لنا من القرآن فيما ذكر لنا -والله أعلم- شأن القبلة، قال الله تعالى: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) فاستقبل رسول الله ﷺ فصلى نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق ثم صرفه إلى بيته العتيق ونسخها فقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٥٠].
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة وكان أهلها اليهود أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهراً، وكان رسول الله ﷺ يحب قبلة إبراهيم، وكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ [البقرة:١٤٤] إلى قوله: (فولوا وجوهكم شطره) فارتاب من ذلك اليهود وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة:١٤٢] فأنزل الله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِب﴾ [البقرة:١٤٢] وقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ [البقرة:١١٥] وقال عكرمة عن ابن عباس: ((فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه)) قال: قبلة الله أينما توجهت شرقاً أو غرباً].
هذه الآية الكريمة وهي قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] ذكر فيها الحافظ أقوالاً للعلماء وهي ما يأتي: القول الأول: إنها تسلية للنبي ﷺ حينما فاته التوجه إلى الكعبة، فقد كان في مكة قبل الهجرة، يستقبل بيت المقدس، والكعبة بين يديه، يستقبلهما جميعاً، فلما هاجر إلى المدينة فاته ذلك فكأنه حصل في نفسه بعض الشيء فأنزل الله هذه الآية تسلية له ولأصحابه، والمعنى: أينما تتوجهوا فالله تعالى هو الذي أمركم، وهذه طاعته.
والقول الثاني: أن هذه الآية نزلت قبل أن يوجه إلى الكعبة، فحينما هاجر إلى المدينة ﵊ كان يتوجه إلى أي جهة كانت، فبين الله تعالى أن الجهات كلها له وهي ملك لله ، وأن أي جهة توجه إليها بإذن الله وبأمره فذاك طاعة الله؛ ولهذا أنزل الله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ [البقرة:١١٥]-وهذه الآية فيما إثبات صفة الوجه لله على ما يليق بجلاله وعظمته- فأنتم حينما تتوجهون إلى أي جهة بإذن الله وطاعته فذاك امتثال لأمر الله، ثم وجه ﵊ بعد ذلك إلى الكعبة.
والقول الثالث: أن هذه الآية أنزلت في صلاة النافلة، وأن المسلم إذا كان يصلي على راحلته في السفر فإنه يتوجه إلى أي جهة، وقد كان النبي ﷺ يصلي على راحلته وهو مسافر إلى جهة سيره، إلى الشرق، أو إلى الغرب، أو إلى الشمال، أو إلى الجنوب؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ ومعنى فثم وجه الله، أي: فثم جهة الله.
فإذا صليتم على الرواحل أو على المركوب إلى أي جهة وأنتم مسافرون، فذاك وجه الله وقبلته.
القول الرابع: أن هذه الآية نزلت في قوم في الصحراء عميت عليهم القبلة فصلوا إلى أنحاء مختلفة، منهم من صلى إلى الشرق اجتهاداً، ومنهم من صلى إلى الجهة الأخرى، فلما أصبحوا وجدوا أنهم صلوا إلى غير القبلة فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾.
فالإنسان إذا كان في الصحراء وشك في القبلة فيجب عليه أن يجتهد لها عن طريق العلامات التي يعرفها ويصلي على حسب اجتهاده، فإن تبين بعد ذلك أنه صلى إلى غير القبلة فصلاته صحيحة.
القول الخامس: أن هذه الآية نزلت في النجاشي ﵀؛ وذلك أنه لما أسلم كان يتجه إلى بيت المقدس، ثم نسخ الله التوجه إلى الكعبة، وهو لم يعلم، واستمر على توجهه إلى بيت المقدس فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ [البقرة:١١٥].
القول السادس: أن هذه الآية نزلت في الدعاء، وأن المسلم إذا دعا ربه ورفع يديه إلى أي جهة فثم وجه الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال مجاهد: (فأينما تولوا فثم وجه الله): حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها: الكعبة.
وقال ابن أبي حاتم بعد رواية الأثر المتقدم عن ابن عباس في نسخ القبلة عن عطاء عنه، وروي عن أبي العالية والحسن وعطاء الخراساني وعكرمة وقتادة والسدي وزيد بن أسلم نحو ذلك.
وقال ابن جرير: وقال آخرون: بل أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة].
وهذا هو القول الثاني.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإنما أنزلها ليعلم نبيه ﷺ وأصحابه أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاؤوا من نواحي المشرق والمغرب؛ لأنهم لا يوجهون وجوههم وجهاً من ذلك وناحية إلا كان جل ثناؤه في ذلك الوجه وتلك الناحية].
لأن في ذلك طاعة الله وامتثال أمره، وقد كان الصحابة قبل أن يوجهوا إلى الكعبة يتوجهون إلى جهات متعددة، فإذا توجهوا إلى أي جهة وقد أذن الله له فذاك طاعة الله وامتثال أمره.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لأن له تعالى المشارق والمغارب، وأنه لا يخلو منه مكان].
في هذه الآية أن الله تعالى مالك الجهات كلها فهو مالك المشارق والمغارب.
قال بعض العلماء في هذه الآية: إنها من آيات الصفات التي فيها إثبات الوجه لله، ومن العلماء من قال: ليس فيها إثبات الصفة.
وعلى كل حال فمن قال: إن هذه الآية فيها إثبات الوجه لله، ضم إلى ذلك أدلة أخرى، أما وحدها بمفردها فقد لا تدل؛ ولهذا قال بعضهم في معنى قوله تعالى: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ [البقرة:١١٥] فثم جهة الله وقبلته، فليست هذه الآية من آيات الصفات.
ومن قال: إنها من آيات الصفات ضم إليها غيرها من الأدلة فأثبت الوجه لله .
والوجه ثابت لله في نصوص أخرى صريحة منها قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧].
ولا يلزم من قول الذين قالوا: جهة الله أنها بمعنى: إثبات صفة الوجه؛ لأن الآية ليست صريحة في إثبات الوجه.
والوجه ثابت لله تعالى في أدلة كثيرة صريحة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأنه لا يخلو منه مكان كما قال تعالى: ﴿وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] قالوا: ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فرض عليهم التوجه إلى المسجد الحرام هكذا قال].
هذا القول قاله ابن جرير.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي قوله: وأنه تعالى لا يخلو منه مكان إن أراد علمه تعالى فصحيح فإن علمه تعالى محيط بجميع المعلومات، وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورة في شيء من خلقه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً].
هذا صحيح كما ذكر الحافظ، فإن كلمة ابن جرير موهمة أنه تعالى في كل مكان، فإن أراد أن علمه في كل مكان فصحيح، أما ذاته فهو فوق العرش، ولكن ينبغي أن يحمل كلام ابن جرير على هذا؛ لأنه من أهل السنة والجماعة، ولا يمكن أن يحمل كلامه على أن ذاته تعالى في كل مكان، فإن هذا قول الحلولية وهو كفر، وابن جرير ﵀ من أئمة أهل السنة والجماعة فلا يمكن أن يحمل كلامه إلا على معتقدات أهل السنة والجماعة التي دلت عليها النصوص.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن جرير وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ إذناً من الله أن يصلي المتطوع حيث توجه من شرق أو غرب].
وهذا هو القول الثالث.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حيث توجه من شرق أو غرب في مسيره في سفره، وفي حال المسايفة وشدة الخوف].
والمسايفة تعني: القتال بالسيف، فإذا كان المؤمنون في حالة جهادهم يقاتلون العدو فإنهم يصلون إلى الجهة التي فيها العدو، فإذا كان العدو في جهة الشرق صلوا إلى جهة الشرق، وإذا كان العدو في جهة الشمال صلوا إلى جهة الشمال وبذلك يسقط استقبال القبلة، وكذلك في المسايفة: وهي القتال بالسيوف وقرب المسلمون من عدوهم، ففي هذه الحالة ما يمكن استقبال القبلة.
كما في البخاري في صلاة الخوف أنهم إذا اشتد الخوف ص
стр. 380
بيان معنى قوله ﷺ : (ما بين المشرق والمغرب قبلة)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث أبي معشر عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المدينة وأهل الشام وأهل العراق)].
فقوله: (ما بين المشرق والمغرب قبلة)، لأن قبلة المدينة جنوب، فإذا كانت قبلة المدينة جنوباً فستكون القبلة ما بين المشرق والمغرب، أما في نجد فالقبلة ما بين الشمال والجنوب، والقبلة في اليمن جهة الشمال وهكذا؛ ولهذا قال لهم النبي ﷺ : (لا تستقبلوا القبلة بالبول أو الغائط ولكن شرقوا أو غربوا).
ونحن الآن لا نغرب في نجد ولكنا نجنب أو نشرق لقضاء الحاجة؛ لأنا إذا غربنا استقبلنا القبلة؛ ولهذا تجد بعض الناس يشددون بالبوصلة أو بالرقم أو كذا، فالانحراف اليسير لا يقبل ما دام أنه في الجهة المخالفة إلا إذا استقبل القبلة إلى جهة أخرى غير هذه الجهة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وله مناسبة ها هنا، وقد أخرجه الترمذي وابن ماجة من حديث أبي معشر واسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي المدني به (ما بين المشرق والمغرب قبلة)، وقال الترمذي: وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة، وتكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قبل حفظه، ثم قال الترمذي حدثني الحسن بن بكر المروزي أخبرنا المعلى بن منصور أخبرنا عبد الله بن جعفر المخرمي عن عثمان بن محمد بن المغيرة الأخنس عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ما بين المشرق والمغرب قبلة)، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وحكي عن البخاري أنه قال: هذا أقوى من حديث أبي معشر وأصح].
وعبد الله بن جعفر هو المخرمي والمخزومي كما قال في التقريب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال الترمذي: وقد روي عن غير واحد من الصحابة (ما بين المشرق والمغرب قبلة)، منهم عمر بن الخطاب وعلي وابن عباس ﵃ أجمعين وقال ابن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة إذا استقبلت القبلة].
يعني: إذا كنت في المدينة فجعلت المشرق عن يسارك والمغرب عن يمينك صارت القبلة أمامك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال ابن مردويه: حدثنا علي بن أحمد بن عبد الرحمن أخبرنا يعقوب بن يوسف مولى بني هاشم أخبرنا شعيب بن أيوب أخبرنا ابن نمير عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (ما بين المشرق والمغرب قبلة)، وقد رواه الدارقطني والبيهقي: وقال: المشهور عن ابن عمر عن عمر ﵄ قوله].
أي: موقوف على عمر ﵁، وعبد الله بن عمر بالتكبير ضعيف، أما عبيد الله بن عمر فهو ثقة، وكلاهما يروي عن نافع.
стр. 381
بيان معنى قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن جرير: ويحتمل: فأينما تولوا وجوهكم في دعائكم لي فهنالك وجهي أستجيب لكم دعاءكم].
أي: أن هذه الآية نزلت في الدعاء وهي محتملة كما قال ابن جرير.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما حدثنا القاسم أخبرنا الحسين حدثني حجاج قال: قال ابن جريج قال مجاهد لما نزلت ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠].
قالوا إلى أين؟ فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، قال ابن جرير: ومعنى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١١٥]، يسع خلقه كلهم بالكفاية والجود والإفضال، وأما قوله ﴿عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١١٥]، فإنه يعني: عليم بأعمالهم ما يغيب عنه منها شيء ولا يعزب عن علمه بل هو بجميعها عليم].
والصواب: أن هذه الأقوال كلها محتملة، فقد تكون نزلت في النافلة أو أنها نزلت في المؤمنين لما توجهوا إلى بيت المقدس، أو أنها نزلت في الدعاء، فقد تكون لها عدة أسباب والله أعلم.
стр. 382
تفسير سورة الكهف [ ١ - ٨]
سورة الكهف من السور العظيمة التي ورد في فضلها أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ ، وقد تناولت هذه السورة في مطلعها حمداً لله على نعمه العظيمة وآلائه الجسيمة، وأول هذه النعم إنزال القرآن الكريم، ثم جاءت بتسلية النبي ﷺ بعد حزنه على عدم إيمان الكفار برسالته، وبشرت المؤمنين به وأنذرت الكفار المعاندين له والذين افتروا على الله ونسبوا إليه الولد سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً.
стр. 383
فضل سورة الكهف والعشر الآيات من أولها وآخرها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [سورة الكهف مكية وآياتها عشر ومائة.
ذكر ما ورد في فضلها والعشر الآيات من أولها وآخرها، وأنها عصمة من الدجال.
قال الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر , حدثنا شعبة عن أبي إسحاق , قال: سمعت البراء يقول: (قرأ رجل الكهف وفي الدار دابة، فجعلت تنفر، فنظر فإذا ضبابة أو سحابة قد غشيته، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: اقرأ فلان، فإنها السكينة تنزل عند القرآن، أو تنزلت للقرآن) أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة به، وهذا الرجل الذي كان يتلوها هو أسيد بن الحضير كما تقدم في تفسير سورة البقرة.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد أخبرنا همام بن يحيى عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: (من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال) رواه مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث قتادة به، ولفظ الترمذي: (من حفظ ثلاث آيات من أول الكهف) وقال: حسن صحيح.
(طريق أخرى) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج حدثنا شعبة عن قتادة سمعت سالم بن أبي الجعد يحدث عن معدان عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: (من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال) ورواه مسلم أيضاً والنسائي من حديث قتادة به، وفي لفظ النسائي: (من قرأ عشر آيات من الكهف) فذكره].
هذه الأحاديث فيها فضل سورة الكهف، فهي تبين أن لها فضلاً عظيماً، فالحديث الأول: (لما قرأ الصحابي سورة الكهف وفي الدار دابة، فجعلت تنفر، وقال له النبي ﷺ : قال له النبي تلك السكينة تنزلت للقرآن) , والسكينة هي الملائكة, وقيل غير ذلك, وثبت في صحيح مسلم عن الرسول ﷺ , أنه قال: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة, وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) فهذا فضل عام في قراء ة القرآن والاجتماع عليه وتدارسه وتفهم معانيه، فهؤلاء تنزل عليهم السكينة وتغشاهم الرحمة وتحفهم الملائكة ويذكرهم الله فيمن عنده، وفي الأحاديث التي بعده فضل قراءة عشر آيات من أول سورة الكهف وآخرها, فمن حفظها وتدبرها وتأمل معانيها ووثق بوعد الله على لسان نبيه ﷺ , فإنه يحصل على فضل عظيم, وأنها عصمة من الدجال , والدجال يخرج في آخر الزمان يدعي الصلاح أولاً ثم يدعي النبوة, ثم يدعي الربوبية, ويقول للناس: أنا ربكم الأعلى, ومعه خوارق عظيمة يأتي ومعه جنة ونار، ويقطع رجلاً بالسيف ويسلط عليه ولا يسلط على أحد بعده, ويأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت, ويمكث في الأرض أربعين يوماً، يوماً طوله كسنة ويوماً كشهر ويوماً كجمعة, وبقية أيامه كسائر أيامنا, هو فتنة عظيمة حتى إنا أمرنا في كل صلاة أن نستعيذ بالله من فتنة المسيح الدجال , وجاء في صحيح مسلم: (ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أو خلق أكبر من الدجال).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(حديث آخر) - وقد رواه النسائي في اليوم والليلة عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد عن شعبة عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن ثوبان عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف فإنها عصمة له من الدجال) فيحتمل أن سالماً سمعه من ثوبان ومن أبي الدرداء.
وقال أحمد: حدثنا حسين حدثنا ابن لهيعة حدثنا زبان بن فايد عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نوراً من قدمه إلى رأسه، ومن قرأها كلها كانت له نوراً ما بين السماء والأرض) انفرد به أحمد ولم يخرجوه] هذا الحديث ضعيف، في سنده ابن لهيعة وهو ضعيف، وفيه زبان بن فايد وهو أيضاً ضعيف، وأخرجه الإمام أحمد وانفرد به، ولم يخرجه أصحاب الكتب الستة, والأحاديث الثابتة هي التي سبق ذكرها، ومنها (من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال) , أما هذا الحديث أنه يكون له نور من قدمه إلى عنان السماء فهذا ضعيف.
قال: [وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره بإسناد له غريب عن خالد بن سعيد بن أبي مريم عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء، يضيء له يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين) وهذا الحديث في رفعه نظر، وأحسن أحواله الوقف].
يعني: هذا الحديث موقوف على ابن عمر ولا يصح رفعه إلى النبي ﷺ .
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهكذا روى الإمام سعيد بن منصور في سننه عن هشيم بن بشير عن أبي هاشم عن أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: (من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق) هكذا وقع موقوفاً، وكذا رواه الثوري عن أبي هاشم به من حديث أبي سعيد الخدري، وقد أخرجه الحاكم في مستدركه عن أبي بكر محمد بن المؤمل حدثنا الفضيل بن محمد الشعراني حدثنا نعيم بن حماد حدثنا هشيم حدثنا أبو هاشم عن أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي سعيد عن النبي ﷺ أنه قال: (من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين الجمعتين) ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وهكذا رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في سننه عن الحاكم، ثم قال البيهقي: ورواه يحيى بن كثير عن شعبة عن أبي هاشم بإسناده أن النبي ﷺ قال: (من قرأ سورة الكهف كما نزلت كانت له نوراً يوم القيامة) وفي المختارة للحافظ الضياء المقدسي من حديث عبد الله بن مصعب عن منظور بن زيد بن خالد الجهني عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي مرفوعاً: (من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة وإن خرج الدجال عصم منه).
هذه الأحاديث كما سبق فيها فضل هذه سورة الكهف، وفيها فضل حفظ عشر آيات من أولها ومن آخرها, وأنها عصمة من الدجال لمن تدبرها وتأملها وقرأها عن تصديق وإيمان.
стр. 384
تفسير قوله تعالى: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا)
قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَاً * قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا * وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:١ - ٥].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قد تقدم في أول التفسير أنه تعالى يحمد نفسه المقدسة عند فواتح الأمور وخواتمها، فإنه المحمود على كل حال، وله الحمد في الأولى والآخرة، ولهذا حمد نفسه على إنزاله كتابه العزيز على رسوله الكريم محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه أعظم نعمة أنعمها الله على أهل الأرض، إذ أخرجهم به من الظلمات إلى النور، حيث جعله كتاباً مستقيماً لا اعوجاج فيه ولا زيغ، بل يهدي إلى صراط مستقيم واضحاً بيناً جلياً نذيراً للكافرين، بشيراً للمؤمنين، ولهذا قال: ((وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَاً)) أي: لم يجعل فيه اعوجاجاً ولا ميلاً بل جعله معتدلاً مستقيماً ولهذا قال: (قَيِّمًا) أي: مستقيماً، ((لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ)) أي: لمن خالفه وكذبه ولم يؤمن به، ينذره بأساً شديداً: عقوبة عاجلة في الدنيا وآجلة في الأخرى، ((مِنْ لَدُنْهُ)) أي: من عند الله الذي لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد، ((وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ)) أي: بهذا القرآن، الذين صدقوا إيمانهم بالعمل الصالح، ((أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا)) أي: مثوبة عند الله جميلة، ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ﴾ في ثوابهم عند الله، وهو الجنة خالدين فيه ((أَبَدًا)) دائماً لا زوال له ولا انقضاء.
وقوله: ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ قال ابن إسحاق: وهم مشركو العرب في قولهم: نحن نعبد الملائكة وهم بنات الله، ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: بهذا القول الذي افتروه وائتفكوه، ﴿وَلا لِآبَائِهِمْ﴾ أي: لأسلافهم، ((كَبُرَتْ كَلِمَةً)) نصب على التمييز تقديره: كبرت كلمتهم هذه كلمة، وقيل: على التعجب تقديره: أعظم بكلمتهم كلمة، كما تقول: أكرم بزيد رجلاً، قاله بعض البصريين، وقرأ ذلك بعض قراء مكة: كبرت كلمة، كما يقال: عظم قولك وكبر شأنك، والمعنى على قراءة الجمهور أظهر، فإن هذا تبشيع لمقالتهم واستعظام لإفكهم].
قوله: (كلمة) إما تمييز وإما تعجب, كما تقول: أكرم بزيد على التعجب، أما التمييز فالتقدير: كبرت كلمتهم هذه كلمة، على التنوين المنصوب وهي قراءة حفص، وهي أيضاً قراءة الجمهور، وقرأ بعض قراء مكة: كبرت كلمةٌ بالرفع كما يقال: عظم قولك وكبر شأنك، والمعنى على قراءة الجمهور أظهر، فإن هذا تبشيع لمقالتهم واستعظاماً لإفكهم وافترائهم.
قال: [ولهذا قال: ((كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ)) أي: ليس لها مستند سوى قولهم، ولا دليل لهم عليها إلا كذبهم وافتراؤهم، ولهذا قال: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾].
يعني: هذه الآيات الكريمة من أول سورة الكهف افتتحها بالحمد, فقال: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَاً)) والحمد: هو الثناء على المحمود بصفاته الجميلة، مع حبه وإجلاله وتعظيمه, فإذا خلا الحمد عن الحب صار مدحاً, والفرق بين المدح والثناء أن كلاً منهما فيه ثناء على المحمود.
إذاً: إذا كان الثناء مع حب وإجلال وتعظيم سمي حمداً، وإن خلا من الحب والإجلال والتعظيم سمي مدحاً, والحمد أيضاً يكون على الصفات والأفعال الاختيارية التي يفعلها الإنسان باختياره يقال له: حمد، أما الثناء على الصفات التي لا اختيار للإنسان فيها يسمى مدحاً، ولا يسمى حمداً, كالجمال، فأنت تمدح إنساناً بجمال، فالجمال لا صنع له فيه، فهذا لا يسمى حمداً وإنما يسمى مدحاً, وبخلاف ما إذا أثنيت على إنسان بخلقه وإحسانه للناس فهذا يسمى حمداً؛ لأنه ثناء على أفعاله التي يعملها باختياره مع حبه، ولهذا جاء في حق الرب: الحمد لله؛ لأنه ثناء على أفعاله الاختيارية مع حبه وإجلاله وتعظيمه.
стр. 385
الفوائد المستنبطة من الآيات الأولى من سورة الكهف
يستفاد من الآية عدة فوائد: الأولى: أن جميع المحامد ملك لله مستحقه له.
الثانية: أن الله هو أعرف المعارف، والله هو المألوه المستحق للعبادة، وهو ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين, وأنه مستحق لجميع العبادة وإفراده بها دون ما سواه, واسم الله مستلزم لجميع صفات الكمال, واسم الله لا يسمى به غيره, وأسماء الله مشتقة، كل اسم يثبت الاسم لله، فالله مشتق من الألوهية, والرحمن مستلزم صفة الرحمة، والعليم لصفة العلم, والقدير لصفة القدرة, والحليم لصفة الحلم وهكذا.
والإله هو المألوه الذي تألهه في القلوب محبة وإجلالاً وتعظيماً وخشية ورغبة ورهبة, فاسم الله فيه إثبات الألوهية لله, وهو مستلزم لجميع صفات الكمال، وكل عمل يراد به غير وجه الله فهو باطل, وكل محبوب سوى الله فهو محبوب بالباطل, وعبادة غيره وحب غيره تجلب الفساد، كما قال سبحانه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢].
الفائدة الثالثة من الآية: أن القرآن الكريم منزل من عند الله ، وأن الله تكلم به بحرف يقرأ وبصوت يسمع، ولهذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١] فالله تعالى أنزل القرآن على عبده وهو محمد ﷺ بواسطة جبرائيل , وتكلم سبحانه بالقرآن وسمعه جبرائيل من الله بحرف وصوت, فألقاه جبريل على قلب محمد, كما قال في الآيات الأخرى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٤] فهذه الآيات فيها الرد على المعتزلة الذين يقولون: إن القرآن مخلوق , لأن الله أخبر أنه منزل, فالقرآن منزل غير مخلوق, ومن قال: القرآن مخلوق فهو كافر, كما قال العلماء، كالإمام أحمد وغيره, وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ فيه أن القرآن منزل غير مخلوق, وكما فيه الرد على المعتزلة، فإن فيه الرد على الأشاعرة الذين يقولون: القرآن ليس بحرف ولا صوت, وإنما هو معنى قائم بنفس الرب, والأشاعرة يقولون: القرآن غير منزل، وليس في المصاحف كلام الله , ولو داسه شخص بقدميه فليس فيه كتاب الله، أعوذ بالله؛ لأن كلام الله عندهم معنى قائم بنفسه، ويقولون: إن جبريل اضطره الله ففهم معنى قائماً بنفسه، فعبر بهذا القرآن, وهذا هو القول الأول للأشاعرة.
القول الثاني للأشاعرة: أن الذي عبر به محمد ﷺ , والقول الثالث للأشاعرة: أن جبريل أخذه من اللوح المحفوظ، والله تعالى لم يتكلم بكلمة وليس بحرف.
نقول: قوله: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ)) فيه الرد على المعتزلة والأشاعرة؛ لأن القرآن منزل على النبي ﷺ من عند الله, كما قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [النحل:١٠٢].
فهذه الآية التي في أول سورة الكهف وما بعدها فيها أن القرآن منزل غير مخلوق.
وفيها إثبات العلو لله , لأن القرآن منزل، والتنزيل يكون من الأعلى إلى الأسفل.
وفيها أن الله محمود على كل حال عند فواتح الأمور وخواتمها، وله الحمد في الأولى وفي الآخرة.
وفيها أن الله محمود على إنزال الكتاب العظيم؛ لأنه أعظم نعمة أنعم بها على الخلق, حيث أخرجهم به من الظلمات إلى النور.
وفيها أن الكتاب قيم لا اعوجاج فيه ولا زيغ, بل هو واضح جلي يهدي إلى الصراط المستقيم, ولهذا قال سبحانه ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا﴾ [الكهف:١ - ٢] فكتاب الله قيم لا زيغ فيه ولا اعوجاج، بل هو واضح بين يهدي إلى الصراط المستقيم.
وفيها أن القرآن إنذار وبشارة، فهو إنذار للكافرين وبشارة للمؤمنين, ولهذا قال: ﴿قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الكهف:٢] فالقرآن إنذار للكافرين وتبشير للمؤمنين.
وفيها أن المؤمنين هم الذين يعملون الصالحات.
وفيها إثبات الثواب على الأعمال, وأن المؤمن يجازى على أعماله بالثواب, والكافر يجازى على عمله بالعقاب.
وفيها أن القرآن إنذار للذين قالوا: اتخذ الله ولداً.
وفيها أن هذه الكلمة وهي قوله: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة:١١٦] من أعظم الكفر والضلال، ولهذا بين الله تعالى أن هذا القرآن إنذار لمن قال: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة:١١٦].
وفيها أن قائل هذه الكلمة لا مستند له ولا دليل، وإنما هو الافتراء والكذب, ولهذا قال : ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:٤ - ٥].
فهذه فوائد كلها مستنبط من الآيات.
стр. 386
سبب نزول سورة الكهف
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد ذكر محمد بن إسحاق سبب نزول هذه السورة الكريمة فقال: حدثني شيخ من أهل مصر قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة عن عكرمة عن ابن عباس، قال: بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهم: سلوهم عن محمد وصفوا لهم صفته وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى أتيا المدينة فسألوا أحبار يهود، عن رسول الله ﷺ ، ووصفوا لهم أمره وبعض قوله، وقالا: إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا، قال: فقالوا لهم سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإلا فرجل متقول فتروا فيه رأيكم: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم، فإنهم قد كان لهم حديث عجيب؟ وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم، فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور فأخبروهم بها، فجاءوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد أخبرنا، فسألوه عما أمروهم به، فقال لهم رسول الله ﷺ : (أخبركم غداً عما سألتم عنه) ولم يستثن، فانصرفوا عنه ومكث رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة لا يحدث الله له في ذلك وحياً، ولا يأتيه جبرائيل ﵇ حتى أرجف أهل مكة، وقالوا: وعدنا محمد غداً، واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألناه عنه، وحتى أحزن رسول الله ﷺ مكث الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبرائيل ﵇ من الله بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف، وقول الله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء:٨٥] الآية].
стр. 387
تفسير قوله تعالى: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم)
قال الله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا * إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف:٦ - ٨].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مسلياً لرسوله صلوات الله وسلامه عليه في حزنه على المشركين، لتركهم الإيمان وبعدهم عنه, كما قال تعالى ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨] وقال: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [الحجر:٨٨] وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣].
باخع أي: مهلكن نفسك بحزنك عليهم، ولهذا قال: ((فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ)) يعني: القرآن، (أسفا) يقول: لا تهلك نفسك أسفاً.
قال قتادة: قاتل نفسك غضباً وحزناً عليهم، وقال مجاهد: جزعاً, والمعنى متقارب، أي: لا تأسف عليهم، بل أبلغهم رسالة الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات].
يقول تعالى في هذه الآية: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦] المراد بالحديث في هذه الآية القرآن، ففيها عناية الله تعالى برسوله ﷺ , وفيها تسلية له، حتى تخفف من حزنه, قال تعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨] وقال: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٨] وقال: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٥ - ٢٦] وقال: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [المائدة:٩٩] وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] فالله تعالى يسلي نبيه ويصبره ويعتني به، لشدة شفقته ﷺ وحرصه على هدايتهم, حتى إنه من حرصه ﵊ وحزنه على عدم إيمانهم يكاد يقتل نفسه، ولهذا قال سبحانه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦] وقال: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨] وقال: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] وذلك لما توفي عمه أبو طالب ومات على الشرك سلاه بهذه الآية، وهنا قال له سبحانه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦].
стр. 388
حقيقة الدنيا ومآلها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم أخبر تعالى أنه جعل الدنيا داراً فانية، مزينة بزينة زائلة، وإنما جعلها دار اختبار لا دار قرار، فقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف:٧] قال قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)، ثم أخبر تعالى بزوالها وفنائها وفراغها وانقضائها وذهابها وخرابها، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف:٨] أي: وإنا لمصيروها بعد الزينة إلى الخراب والدمار، فنجعل كل شيء عليها هالكاً صعيداً جرزاً لا ينبت ولا ينتفع به، كما قال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ يقول: يهلك كل شيء عليها ويبيد.
وقال مجاهد: صعيداً جرزاً بلقعاً، وقال قتادة: الصعيد الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات، وقال ابن زيد: الصعيد الأرض التي ليس فيها شيء، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة:٢٧].
وقال محمد بن إسحاق: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف:٨] يعني: الأرض، وأن ما عليها لفان وبائد، وأن المرجع لإلى الله، فلا تأس ولا يحزنك ما تسمع وترى] قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف:٧] هذه الآية الكريمة فيها دليل على أن الله تعالى جعل مع الأرض زينة لها للابتلاء والامتحان لعباده أيهم أحسن عملاً, وفيه أنما على الأرض فان وزائل، وأن الدنيا دار ممر لا دار قرار، والله جعل ما عليها من زينة ابتلاءً وامتحاناً، فكل ما عليها زائل, وسيضمحل ولا يبقى, ولهذا قال: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف:٨] والصعيد هو الذي لم يكن فيه شيء لا نبات ولا غيره، والجرز الأرض التي لا تنبت، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ [السجدة:٢٧] يعني: أن الأرض الميتة يسوق الله إليها الماء فتنبت.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف:٧] كما قال : ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:٢] يعني: الله تعالى جعل في هذه الدنيا زينة؛ ليبلو الناس أيهم أحسن عملاً، فمنهم من ينخدع بالدنيا وزينتها وزخرفها ويفضلها على الآخرة , ومنهم من يعصمه الله فلا يغتر بالدنيا.
стр. 389
ما جاء في تفسير الخازن عند قوله تعالى: (الحمد الله الذي أنزل على عبده الكتاب)
وجاء في تفسير الخازن عند هذه الآية أنه قال: (قوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف:١] أثنى الله على نفسه بإنعامه على خلقه وعلم عباده كيف يثنون عليه ويحمدونه على أجزل نعمائه عليهم وهي الإسلام وما أنزل على عبده محمد ﷺ , من الكتاب الذي هو سبب نجاتهم وفوزهم، وخص رسوله ﷺ بالذكر لأن إنزال القرآن كان نعمة عليه على لخصوص وعلى سائر الناس على العموم).
فمن الفوائد التي تستنبط من قوله تعالى: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ)) أن نزول القرآن نعمة على عبده محمد على الخصوص ونعمة على العباد على العموم؛ لأن الله شرفه بإنزال هذا الكتاب عليه فهو تشريف له وهو نعمة على العباد جميعاً لأن الله أخرجهم به من الظلمات إلى النور.
قال: (وقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف:١] أي شيئاً من العوج والعوج قط في المعاني كالعوج في الأعيان).
يعني: العوج يكون في المعاني ويكون في الأعيان التي هي الذوات، فالإنسان قد يكون عنده اعوجاج في رجليه أو في يديه فهذا عوج في الأعيان، والمعاني إذا كانت غير سليمة صارت فيها اعوجاج وإذا كانت مستقيمة لا يكون فيها اعوجاج، فالاعوجاج يكون في الذوات والأعيان ويكون في المعاني.
قال: (والمراد نفي الاختلاف والتناقض عن معانيه).
أي: لا اختلاف في هذا القرآن ولا تناقض في معانيه بل هو يصدق بعضه بعضاً.
قال: (وقيل معناه لم يجعله مخلوقاً، وروي عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر:٢٨] قال غير مخلوق).
((قَيِّمًا)) أي: مستقيماً، وقال ابن عباس عدلاً، وقيل: قيماً على الكتب كلها مصدقاً لها وناسخاً لشرائعها, ((لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا)) معناه: لينذر الذين كفروا بأساً شديداً, وهو قوله : ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف:١٦٥]، ((مِنْ لَدُنْهُ)) أي: من عنده، ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الكهف:٢] يعني: الجنة ((مَاكِثِينَ فِيهِ)) أي: مقيمين فيه أبداً ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [الكهف:٤] ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الكهف:٥] أي: بالولد وباتخاذه، يعني: أن قولهم لم يصدر عن علم بل عن جهل فقط، فإن قلت: اتخاذ الله ولداً في نفسه محال، فكيف قيل: ما لهم به من علم؟ قلت: انتفاء العلم قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه وقد يكون في نفسه محالاً لا يستقيم تعلق العلم به).
يعني هنا: إن القائلين بهذا ليس لهم علم لجهلهم أو لأن هذا الأمر لا يتعلق به العلم لاستحالته.
قال: (وقوله: ((وَلا لِآبَائِهِمْ)) [الكهف:٥] أي: ولا لأسلافهم من قبل، ((كَبُرَتْ)) أي: عظمت ﴿كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف:٥] أي: هذا القول الذي يقولونه لا تحكم به عقولهم ولا فكرهم البتة، ((إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا))، ثم قال: (وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ﴾ [الكهف:٦] أي: قاتل نفسك، ((عَلَى آثَارِهِمْ)) أي: من بعدهم، ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ [الكهف:٦] يعني: القرآن ((أَسَفًا)) حزناً، وقيل: غيظاً ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ [الكهف:٧] أي: مما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها، وقيل: يعني النبات والشجر والأنهار، وقيل: أراد بها الرجال خاصة، وقيل: أراد به العلماء والصلحاء, وقيل: جميع ما في الأرض هو زينة لها، فإن قلت: أي زينة في الحياة والعقارب والشياطين؟ قلت: زينتها كونها تدل على وحدانية الله وكمال قدرته، وقيل: إن جميع ما في الأرض ثلاثة: معدن ونبات وحيوان، وأشرف أنواع الحيوان الإنسان، قيل: الأولى ألا يدخل في هذه الزينة المكلف، بدليل قوله تعالى: ((لِنَبْلُوَهُمْ)) فمن يبلو يجب ألا يدخل في ذلك ومعنى (لنبلوهم) نختبرهم، ((أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)) أي: أصلح عملاً، وقيل: أيهم أترك للدنيا وأزهد فيها ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا﴾ [الكهف:٨] أي: من الزينة ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف:٨] يعني: مثل الأرض لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء.
стр. 390
تفسير سورة الكهف [٩ - ١٧]
من أحسن القصص التي ذكرها الله في القرآن قصة أهل الكهف، فهي ذكرى وعظة لكل من آمن بربه وسلك طريق الدعوة إليه، وقد بشر الله سبحانه أنه سيحسن عاقبته ويحفظه ويحفظ له دينه.
следующие страницы →